مقالات

استطلاعات الرأي.. الشباب الفلسطيني وخيار الدولة الواحدة

استطلاعات الرأي.. الشباب الفلسطيني وخيار الدولة الواحدة

استطلاعان للرأي العام وللشباب الفلسطيني أجريا ونشرت نتائجهما خلال شهر واحد ، الأول بتاريخ 21 أيلول قام به ( المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ) ، والثاني   أجراه ( مركز البديل) وتم نشر نتائجه بتاريخ  12 تشرين أول الجاري، وبغض النظر عن مدى تأثير الجهات الممولة للاستطلاع على نتائجه أو الحرية المتاحة للمستطلعة آراؤهم أو مدى التباس الأسئلة أو الظرف السياسي الذي اجري خلاله الاستطلاع ، فيمكن القول ان نتائجهما بالمجمل ليست مفاجئة.

وما يهمنا هنا ليس التعليق على نتائج الاستطلاع المتعلقة باتفاق أوسلو أو أداء السلطة أو موضوع الفساد أو الانتخابات الشاملة وتأجيلها أو غيرها من الأمور التي كانت نتائج الاستطلاع بشأنها متوقعة، وعبرت عن عدم ثقة الشعب الفلسطيني وعدم رضاه عن أداء السلطة ولا عن سياساتها المتبعة المتعلقة بالشأن السياسي الوطني والحياتي.

إن ما يعنينا في نتائج هذين الاستطلاعين هو رأي الشباب الفلسطيني وكيف ينظر إلى الموضوع السياسي خاصة موضوع إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية ، حيث أفادت نتائج الاستطلاع الأول بأن 43% فقط من الفلسطينيين المستطلعة آراؤهم يؤمنون بفكرة حل الدولتين.

أما الاستطلاع الثاني المخصص للشباب فقط ، فقد اعتبر93% من الشباب المشاركين في الاستطلاع أن اتفاق وعملية أوسلو قد فشلا كما اعتبروا ان خيار حل الدولتين قد فشل وأنهم  يؤيدون خيار الدولة الواحدة .

نتفهم أن الشباب الفلسطيني الذي علق جزء كبير منه أمالا كبيرة على اتفاق أوسلو معتبرين أن ذلك سيقودنا إلى الاستقلال الوطني والدولة ، يشعر بالإحباط  وخاصة أمام تغوّل الاحتلال وسياساته وعلى رأسها الاستيطان وسرقة الأرض الفلسطينية والذي تضاعف أكثر من عشر مرات منذ توقيع اتفاق أوسلو ، وتمزيق الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحويلها إلى كانتونات معزولة عن بعضها البعض عدا عن الاستمرار في حصار قطاع غزة ، بحيث يبدوا وكأنه لم يعد هناك مكان لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

أن ذلك يعيد إلى الأذهان شعار وحل الدولة الواحدة الذي روجت له مجموعة من الأكاديميين والسياسيين الفلسطينيين  والإسرائيليين قبل عدة سنوات – والذي اختفى على كل حال -،لم يكن نابعا من الإيمان بواقعية هذا الحل ، بقدر ما كان تعبيرا عن حالة إحباط بسبب ما وصلت له الأمور بنتيجة اتفاق أوسلو والتوسع الاستيطاني   ومواصلة إسرائيل احتلالها بل وازدياده تغوّلا وشراسة، وأن ذلك مجرد وهم يتعارض كليا مع الحل التاريخي المنشود المتمثل بدولة ديمقراطية ثنائية القومية  في كل أراضي فلسطين التاريخية يتعايش فيها الجميع بغض النظر عن الدين أو العرق أو أي شيء آخر بدون تمييز وعلى قدم المساواة. إن شعار الدولة الواحدة الذي ينادي به البعض في الوقت الراهن ليس أكثر من مطالبة بدولة واحدة بنظامين احدهما عنصري مطبق علينا.

لكن وبالرغم من المصاعب والتعقيدات والتحديات الجديدة  التي أضافها اتفاق أوسلو إلى النضال الوطني الفلسطيني ، إلا انه  من المهم أن ندرك العديد من الأمور وأهمها ان معركتنا مع الاحتلال طويلة وان طريق النضال الشاق هي متعرجة ولا تسير دائما  إلى الأمام ، الأمر الذي يتطلب من شعبنا الإصرار على هدفه المتمثل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي التي احتلت عام 1967 ، والذي تم تبنيه من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وجاء نتيجة تطور برنامجي وبعد خلافات عميقة وحوارات بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ،لأن هذا الخيار  يأخذ بعين الاعتبار موازين القوى في صراعنا مع العدو في هذه المرحلة التاريخية من جهة ، واتجاهات المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي بمجملها تعتبر الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 هي أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة.

صحيح أن اتفاق أوسلو قد أضر بنضال شعبنا من اجل تقرير مصيره وبناء دولته ، وهذا ما حذرنا منه منذ توقيعه والإعلان عنه ، ولكن الصحيح أيضا أن حكومات العدو اليمينية المتعاقبة هي التي ترفض حل الدولتين ليس من اجل الوصول إلى الدولة الواحدة ، بل من اجل منع الشعب الفلسطيني من تحقيق هدفه في الحرية والاستقلال في دولة ذات سيادة ،ومن أجل مواصلة أطماعها في استمرار الاستيلاء على الأرض الفلسطينية والعربية.

إن الشعب الفلسطيني أولا لا يملك وليس أمامه الاختيار من بين عدة بدائل متاحة، ولا خيار لديه إلا تشديد النضال من اجل العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس هذه الخيار الذي تجمع عليه  الغالبية الساحقة من القوى والفعاليات الفلسطينية وبالطبع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني.

إن  اعتراف حوالي 140 دولة في العالم بأن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة هي أراضى محتلة من قبل إسرائيل ، وان إقامة الدولة الفلسطينية  عليها هي الحل الأمثل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، كما أن التحولات والتغيرات الجارية في الرأي العام العالمي لصالح قضيتنا وشعبنا وتضامن قطاعات تتسع باستمرار مع شعبنا في مواجهة العدوان والاستيطان ، وآخرها كان في معركة القدس وحملة المقاطعة التي تتسع وتتجذر يوميا في قارات العالم الخمس، لم يكن لها لتتحقق لولا صمود شعبنا على الأرض في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي ، وفي الأساس ارتكاز هذا الصمود إلى خط  سياسي واقعي يتمثل بمطالبتنا بحقنا في التحرر وفي إقامة دولتنا أسوة ببقية شعوب العالم.

إن الخروج من حالة الإحباط والشعور بالعجز الذي يقود إلى هكذا أطروحات عدمية وغير واقعية ، لا يكون إلا بالتحلل نهائيا من أوسلو ووقف التنسيق الأمني والعودة للوحدة الوطنية  التي تمر عبر الانتخابات الشاملة ، والاتفاق على استراتيجية وطنية كفاحية  وتشديد النضال ضد الاحتلال وإجراءاته من اجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي يتمتع فيها شعبنا بحريته وسيادته، والتي بقيامها ستضع حدا للمشروع الصهيوني وأطماعه  التوسعية في الوطن العربي ، بديلا من الهروب للأمام وهذه المرة إلى المعلوم المتمثل ببقاء الاحتلال على الأرض الفلسطينية.

هيئة تحرير (المسار للدراسات والنشر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى