مقالات

الفهم المادي للتاريخ هو الأساس النظري العام للنظرية الماركسية|

الفلسفة هي نظرية عامة عن العالم، هي محاولة لفهم العالم والبشرية ومكان الإنسان في العالم. ولا يمكن أن تكون مثل هذه النظرة العامة إلا نظرة طبقية، ويؤدي الفيلسوف وظيفة الممثل الفكري لطبقة. فالفلسفات لا تستورد من كوكب آخر، بل هي تنتج هنا في هذه الأرض، وينتجها أناس ينغمسون – أرادوا ذلك أو لم يريدوه – في علاقات طبقية قائمة، وفي الصراع الطبقي القائم، ومن هنا فمهما قال الفلاسفة عن أنفسهم فليس ثمة فلسفة لا تجسد نظرة طبقية، فليست هناك فلسفة غير متحيزة وفلسفة متحيزة بالنسبة إلى الصراع الطبقي، ومهما أجهدنا أنفسنا في البحث فلن نجد فلسفة غير متحيزة ولا متحزبة ولا طبقية فمثلا فلسفة فوكوياما حول نهاية التاريخ، والتي تدعي بأنّ المجتمع والنظام الرأسمالي هو نهاية التطور التاريخي هي فلسفة تخدم طبقة رأس المال واستمرار هيمنتها وسيطرتها على تطوّر المجتمع الإنساني.
ولذلك على الطبقات المستغَلة وخاصة الطبقة العاملة، إذا أرادت اليوم أن تشغل مكان القيادة في أي مجتمع، بما في ذلك مجتمعات العالم العربي، أنْ تعبر عن نظرتها الطبقية العامة في شكل فلسفة، وأن تعارض بفلسفتها وبشكل حاسم الفلسفات التي تعبر عن مصالح المستغلين وتدافع عنهم، بما في ذلك الفلسفات الدينية الرجعية الاسلاموية وعلى رأسها الوهابية، وتفضح هذه الفلسفات البعيدة كل البعد عن الدين الحقيقي وعن الإدراك الواعي والعقل، فالشعوب من خلال تجارب التاريخ والتطور “أدرى بدنياها”.


قال لينين في رثائه لانجلز: “يمكننا أن نعبر في بضع كلمات عن الخدمات التي أداها ماركس وانجلز للطبقة العاملة على الوجه التالي: لقد علما الطبقة العاملة ان تعرف نفسها، وان تعي ذاتها واحلال العلم محل الأحلام”.
وقد وضع ماركس وانجلز النظرية الثورية التي تضيء الطريق الذي يمكّن الطبقة العاملة من إطاحة الاستغلال الرأسمالي (وكذلك أنظمة الاستبداد الديني السلفي الرجعي الوهابي د.خ.) وان تتولى قيادة كل جماهير الشعب، وبذلك تحرر المجتمع بأسره مرة واحدة وإلى الأبد من كل قهر ومن كل استغلال للإنسان بواسطة الإنسان.
وعلّمنا انجلز “ان الفهم المادي للتاريخ ينطلق من الموضوعة القائلة إنّ إنتاج المنتجات أوّلاً، ثم تبادلها يشكّلان أساس كل نظام اجتماعي وان في كل مجتمع معني يدخل حلبة التاريخ يتحدد توزيع المنتجات، ومعه انقسام المجتمع إلى طبقات وإلى فئات، بما يجري إنتاجه وبكيفية إنتاجه وبكيفية تبادل هذه المنتجات ولذا إذا شئنا أن نجد الأسباب التي تحدّد التغيرات الاجتماعية والانقلابات السياسية، وجب علينا أن نبحث عنها، لا في رؤوس الناس، ولا في معرفتهم المتنامية عن الحقيقة والعدالة الخالدتين، بل في تحوّلات أسلوب الإنتاج والتبادل، أي أنه يجب أن نبحث عن هذه الأسباب، لا في الفلسفة، بل في اقتصاد العهد المعني. وإذا ما أخذ المرء يفهم أن المؤسسات الاجتماعية القائمة هي غير عقلانية وغير عادلة، وأن “ما كان من صنع العقل غدا مخالفًا للعقل، وان ما كان نعمة غدا عذابًا” (غوته فاوست، القسم الأول، المشهد الرابع). فإنّ هذا يعني انه قد طرأت، خلسة تحولات على أساليب الإنتاج وأشكال التبادل لم يعد ينطبق عليها النظام الاجتماعي المكيف وفقًا لأوضاع اقتصادية قديمة. وينجم عن ذلك أيضًا انه ينبغي لعلاقات الإنتاج المتحولة ان تنطوي، بدرجات متفاوتة من التطور، على الوسائل اللازمة لإزالة ما برز من شرور. ولذا لا ينبغي اختراع هذه الوسائل من الرأس، بل ينبغي اكتشافها بواسطة الرأس في وقائع الإنتاج المادية الموجودة”.


وعلّمنا ماركس وانجلز أن الطبقة العاملة دون حزبها – المستقل عن كل الأحزاب البرجوازية – لا تستطيع بالتأكيد أن تنتصر على الرأسمالية، لا تستطيع أن تقود المجتمع كله نحو إلغاء الرأسمالية (وأيضًا مكافحة أنظمة الاستبداد الرجعي في العالم العربي الدينية منها وغير الدينية د.خ). وطور لينين التعاليم الماركسية عن الحزب وأوضح ان على الحزب أن يعمل كطليعة لطبقته، كأكثر أقسام طبقته وعيًا، وأنّه هو، أي الحزب الثوري الماركسي اللينيني هو سلاح كسب السلطة السياسية وتدعيمها.
وهذا لن يحدث إلا إذا أصبحت الأحزاب الماركسية في العالم العربي وهنا، تحمل وتنشر الفلسفة الماركسية وتعلم جماهير الشعب الواسعة وتنظمها من خلال الممارسة الثورية من اجل كسب السلطة السياسية والإطاحة بأنظمة الاستبداد في العالم العربي، وإفشال المشروع الصهيوني الكولونيالي في فلسطين التاريخية.
 

على الحزب الثوري الماركسي لكي ينجز هذا الدور امتلاك المعرفة والفهم والبصيرة والممارسة، وبعبارة أخرى أن يكون مسلحًا بنظرية ثورية وهي النظرية الماركسية التي يقيم عليها سياسته ويسترشد بها في نشاطه. فالنظرية الماركسية ليست مجرد نظرية اقتصادية، ولا هي مجرد نظرية سياسية، بل هي نظرية شاملة للعالم – فلسفة.
فليست الأفكار الاقتصادية والسياسية – ولا يمكن أن تكون – مستقلة عن النظرة العامة إلى العالم، فالأفكار الاقتصادية والسياسية المحدودة تعبر عن نظرة معتنقيها إلى العالم، وبالعكس تجد الأفكار الفلسفية تعبيرًا عنها في الأفكار الاقتصادية والسياسية.
وحين يُدرك حزب الطبقة العاملة ذلك كله، فانه لا يستطيع إلا أن يصوغ فلسفته الحزبية، وإلا أن يتمسك بها بعد صياغتها ويطورها ويكتنزها. وفي هذه الفلسفة – المادية الجدلية – تجسد الأفكار العامة التي عن طريقها يفهم الحزب العالم وعصرنا الحاضر، عصر الامبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية، الذي يسعى إلى تغييره، ووفقًا لتغييرات هذا العالم وأزماته وسياساته واستراتيجياته يصوغ الحزب الثوري أهدافه، ويحدد طريق نضاله لتحقيقها، أي تغيير هذا العالم والانتقال به من خلال مرحلة انتقالية ثورية نحو المجتمع الاشتراكي.


في هذه الفلسفة الماركسية تجسد الأفكار العامة التي يسعى الحزب الثوري عن طريقها، إلى تنوير الطبقة كلها وتنظيمها، وإلى التأثير في كل جماهير الشعب العامل وقيادتها وكسبها، موضحًا النتائج التي يجب أن تُستخلص من كل مرحلة من مراحل النضال، ومساعدًا الشعب أن يعرف من خبرته الذاتية كيف يسير قدمًا في طريقه النضالي الثوري وصراعه الطبقي من لإحداث القفزة الاجتماعية الثورية والانتقال إلى مجتمع المستقبل – مملكة الحرية على الأرض. المجتمع الشيوعي. لذلك على الحزب الثوري الماركسي اللينيني – حزب الطبقة العاملة – إذا أراد ان يكون قيادة ثورية حقة لطبقته، وألا يضللها باستيراد أفكار رجعية أو دينية متعصبة أو رأسمالية معادية وسياسية انتهازية تتوافق مع هذه الأفكار – ان يهتم بصياغة فلسفته الثورية الماركسية، وبالدفاع عنها ونشرها. فالماركسية هي نظام نظرات ومذهب ماركس، لقد تابع ماركس وأتم، على نحو عبقري، التيارات الفكرية الرئيسية الثلاثة في القرن التاسع عشر، والتي تُعزى إلى البلدان الثلاثة الأكثر تقدمًا في العالم: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، والاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي، والاشتراكية الفرنسية المرتبطة بالتعاليم الثورية الفرنسية بوجه عام. ان ما تتصف به نظرات ماركس من منطق رائع وانسجام تام إنما يعترف به له حتى خصومه، وتلك النظرات تؤلف بمجموعها المادية المعاصرة والاشتراكية العلمية المعاصرة، بوصفها نظرية الحركة العمالية وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم.


كتب ماركس يقول: “يرى هيغل ان عملية التفكير، هذه العملية التي يحولها حتى تحت اسم الفكرة إلى ذات مستقل، هي “الديميورج” (الخالق/ الصانع) للواقع.. أما أنا فاني أرى العكس: ان المثالي ليس سوى المادي منقولا إلى دماغ الإنسان ومحولا فيه” (رأس المال – المجلد الأول). ووفقًا تمامًا لفلسفة ماركس المادية هذه، كتب فريدريك انجلز عند شرحه لها في كتابه “ضد دوهرينغ” “إن وحدة العالم ليست في كيانه، بل في ماديته، وهذه المادية قد أثبتها.. تطور طويل وشاق للفلسفة وعلوم الطبيعة.. الحركة شكل وجود المادة. لم يوجد قط، ولا يمكن ان يوجد أبدًا، في أي مكان، مادة بدون حركة، ولا حركة بدون مادة… وإذا تساءلنا عن ماهية الفكر والمعرفة، وعن مصدرهما وجدنا أنهما نتاج الدماغ الإنساني وان الإنسان نفسه هو نتاج الطبيعة الذي نما وتطور في محيط طبيعي معين، ومع هذا المحيط. وإذ ذاك يغدو من البداهة ان نتاج دماغ الإنسان الذي هو أيضًا، عند آخر تحليل نتاج للطبيعة، ليس في تناقض بل في انسجام مع سائر الطبيعة”.
“لقد كان هيغل مثاليًا”، أي ان أفكار دماغنا لم تكن في نظره انعكاسات (في الأصل ABBILلاER، صور، وأحيانًا يستعمل انجلز كلمة نسخ)، مجردة، إلى هذا الحد أو ذاك، فالأشياء وتطورها كانت في نظر هيغل صورًا تعكس فكرة ما كانت موجودة في مكان ما قبل وجود العالم”.


وقد كتب انجلز في مؤلفه “لودفيغ فورباخ” الذي عرض فيه أفكاره وأفكار ماركس حول فلسفة فورباخ، والذي لم يدفعه إلى الطبع إلا بعد ان أعاد قراءة المخطوطة القديمة حول هيغل وفورباخ والمفهوم المادي عن التاريخ التي وضعها بالتعاون مع ماركس في 1844-1845، كتب يقول: “إن المسألة الأساسية العظمى في كل فلسفة، لا سيما الفلسفة الحديثة، هي مسألة علاقة الفكر بالكائن، أو علاقة العقل بالطبيعة. أيهما يسبق الآخر، العقل أو الطبيعة وكان الفلاسفة تبعًا لإجابتهم على هذا السؤال قد انقسموا إلى معسكرين كبيرين: فالذين كانوا يؤكدون أولوية العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو أو ذاك، في آخر تحليل بخلق العالم… ألفوا معسكر المثالية. والآخرون الذين كانوا يعتبرون الطبيعة المنشأ الأساسي انتموا إلى مختلف مدارس المادية”.


ومن المهم خصوصًا التنبيه إلى رأي ماركس حول العلاقة بين الحرية والضرورة: “إن الضرورة عمياء ما دامت غير مدركة. الحركة هي إدراك الضرورة” (انجلز ضد ووهرينغ). وهذا يعني، إذًا الاعتراف بخضوع الطبيعة للقوانين الموضوعية وبتحول الضرورة الديالكتيكي (الجدلي) إلى حرية.
لقد كان ماركس وانجلز يريان ديالكتيك هيغل، باعتباره أكثر مذاهب التطور شمولًا وأوفرها مضمونًا وأشدها عمقًا، أثمن اكتساب حققته الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. وكانا يعتبران كل صيغة أخرى لمبدأ التطور وحيدة الجانب، فقيرة المضمون، تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور (الذي غالبًا ما تصحبه قفزات وكوارث وثورات) في الطبيعة والمجتمع.

لقد دلّت الماركسية على الطريق نحو دراسة واسعة شاملة لعملية نشوء تشكيلات المجتمع الاقتصادية وتطورها وانحطاطها وذلك بتحليلها مجمل النزعات المتناقضة وردها إلى ظروف المعيشة والإنتاج الواضحة المعالم، لمختلف طبقات المجتمع وبأبعادها اختيار مختلف الأفكار “السائدة” أو تأويلها على نحو ذاتي واعتباطي، وبكشفها عن جذور جميع الأفكار، وجميع النزعات المتباينة دون استثناء في أوضاع القوى المنتجة المادية: إن الناس هم صانعو تاريخهم، ولكن ما الذي يحدد دوافعهم وخصوصًا دوافع الجماهير البشرية؟ وما هو سبب تصادم الأفكار والمطامح المتضادة؟ وما هو مجموع هذه التصادمات في مجمل المجتمعات البشرية، وما هي الشروط الموضوعية لإنتاج الحياة المادية، تلك الشروط التي هي أساس كل نشاط الناس التاريخي؟ وما هو قانون تطور هذه الشروط؟ إن ماركس قد أعار انتباهه لكل هذه المسائل ودلّ على طريق الدراسة العلمية للتاريخ بوصفه عملية واحدة تسير وفق قوانين معينة، رغم كل تعدد جوانبها الهائل، ورغم كل تناقضاتها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى