تقارير ودراساتصحة وبيئة

شبكات الطرق الالتفافية التي يشقّها الاحتلال.. كيف تؤثر على الحياة البرية؟

وطن- زهرة خدرج
“بجانب الشارع، هناك بيت دائم” رئيس بلدية مستوطنة “غوش عتصيون” ، شلومي نئمانت في شرحه عن أهمية الطرق الالتفافية في التوسع والنمو الاستيطاني.
منذ بدء الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، سعت دولة الاحتلال بطرق شتى إلى الحفاظ على المستوطنات وضمها إلى سيادتها، لإيمان الراسخ أن هذه الأرض هي أرض إسرائيلية محضة؛ فلجأت إلى إنشاء شبكات الطرق والبنى التحتية التي لا تزال تعمل على تطويرها وتوسعيها حتى الآن؛ للتضييق على الفلسطينيين، ولإحكام قبضتها، وفرض سيادتها على الضفة الغربية المحتلة.
الطرق الالتفافية وتمدد الاستيطان علاقة طردية
الطرق الالتفافية هي شبكات الطرق التي تبنيها دولة الاحتلال لتربط المستوطنات ببعضها وبالأراضي الإسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1948.
أدّت اتفاقية أوسلو التي وُقّعت عام 1992 إلى إقامة السلطة الفلسطينية، لتخلق وهماً بأن تأثير “إسرائيل” على حياة الفلسطينيين أضحى هامشياً تقريباً.
ومع أنها لا تزال أكبر منغص على الحياة اليومية لجميع سكان الضفة الغربية، فلم يقتصر الأمر على استيلائها على الأراضي لإقامة المستوطنات، بل صادرت أراضٍ أخرى لشق مئات الكيلومترات من الطرق والشوارع الالتفافية لصالح المستوطنين.
كما نُصبت الحواجز والوسائل المُقيّدة الأخرى، التي لا تقيد إلا حركة الفلسطينيين، فضلاً عن إغلاق أراضٍ زراعية كثيرة تقع داخل مناطق المستوطنات وخارجها، في وجه مالكيها الفلسطينيين.
لعبت الطرق الالتفافية دوراً مهماً في تثبيت الاستيطان في الضفة الغربية. في عام 1970 وُضع أول مخطط هيكلي للشوارع الالتفافية في الضفة الغربية، وكان قد شمل كل أراضيها، أُدخل عليه بعدها تعديلات عدة تطلَّبتها الوقائع الاستيطانية على الأرض، وتم بموجبهما التخطيط للشوارع الالتفافية لتطويق التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
وبحسب المرجع السابق، فإنه حتى عام 2002 بلغ طول الطرق الالتفافية أكثر من 1400 كم من الشوارع الرئيسة والإقليمية (الشوارع داخل المستوطنات مشمولة بهذا العدد).
ولم تكتفِ “إسرائيل” بشق الطرق الالتفافية، بل منحتها “حرمة” يبلغ متوسط عرضها 150 مترًا على كل جانب من جانبي الطرق، يُمنع الفلسطينيون فيها من إقامة مبانٍ سكنية، أو تمديد أي خطوط للمياه، أو حفر قنوات، أو مد أسلاك من أي نوع إلا بموافقة لجنة التنظيم الهيكلي الأعلى المكون من الموظفين اليهود فقط.
وحسب بعض المعطيات، فإن كل مائة كيلومتر من الطرق الالتفافية وضع لخدمتها (حرم الشارع) عشرة آلاف دونم من أراضي الفلسطينيين. 
وأشارت خارطة الشوارع الالتفافية المذكورة إلى أن الشوارع الالتفافية والشوارع العرضية التي شُقت بعد عام 1967 في الضفة الغربية قسمتها لأربعة أقسام (اثنين في الوسط واثنين في الشمال والجنوب).
وفي المقابل، ربطت المستوطنات بدولة “إسرائيل”، وفي الوقت نفسه، مزقت كل المدن والتجمعات العربية وجعلتها مناطق منفصلة عن بعضها البعض.
وفي عملية شق الشوارع على مختلف أنواعها، دمرت الجرافات الإسرائيلية أكثر من 140 ألف دونم من الأراضي المزروعة ومشاريع المياه وأهمها مشروع ري الفارعة (الذي يبلغ طوله 14 كم).
وحسب تحقيق أجرته منظمة بتسيلم، تنقسم الطرق الاستيطانية في الضفة إلى ثلاثة أنواع وفقاً للقيود التي تفرض على الفلسطينيين:
الفئة الأولى من هذه الطرق: ويُمنع فيها الفلسطينيون من الحركة تمامًا، إذ ينصب الجيش الإسرائيلي الحواجز ونقاط التفتيش، مثل حالة شارع 557 المؤدي إلى مستوطنات إيتمار وأيلون موريا، وهو طريق السفر محظور فيه على الفلسطينيين.
كما أن بعض الشوارع المخصصة للفلسطينيين تتقاطع مع شوارع محظورة، فيضطر الواحد منهم إلى الخروج من السيارة والانتقال إلى أخرى بشارع غير محظور، ويوجد 17 طريقًا في الضفة الغربية بطول إجمالي يبلغ 124 كلم محظورة على الفلسطينيين.
الفئة الثانية: فهي طرق حظر السفر الجزئي البالغ طولها حوالي 245 كلم، ويخضع سفر الفلسطينيين فيها إلى تصاريح خاصة من الإدارة المدنية الإسرائيلية، وتساوم الإدارة المدنية الفلسطيني على التصريح مقابل تجنيده عميلًا، وهو ما يرفضه الفلسطينيون تماماً.
الفئة الثالثة: هي شوارع باستخدام مقيّد، حيث يوجد في منتصف الطريق حاجز عسكري يُعيق حركة الفلسطينيين ويمنع الوصول إلى المناطق التي يربط بينها هذا الشارع.
وقد أجبرت هذه الطرق الالتفافية الفلسطينيين على تغيير عادات سفرهم داخل الضفة الغربية، ودفعتهم إلى استخدام طرق صعبة ووعرة أدت إلى حوادث وأودت بحياة كثير منهم.
الحياة البرية في فلسطين
برغم مساحة فلسطين الصغيرة إلا أنه يوجد تنوع حيوي كبير يعود سببه إلى وقوعها حلقة وصل بين قارات العالم الثلاث آسيا، وإفريقيا، وأوروبا.
وبحسب جمعية الحياة البرية في فلسطين، فإنه لم تشهد أي منطقة بمثل مساحة فلسطين تنوعاً نباتياً وحيوانياً بمثل ما حظيت به فلسطين، وقد سُجّل ما يقارب 110 صنفاً حيوانياً و540 صنفاً من الطيور وأكثر من 2700 صنف من النباتات، وأعداد من عشرات الآلاف من الحشرات التي تكتشف أصنافها.
ويعود السبب في ذلك الغنى إلى اختلاف سمات السطح من أودية وهضاب وجبال وبحيرات وأنهار، وإلى موقع فلسطين في ملتقى ثلاث مناطق رئيسة للتوزيعات النباتية الجغرافية هي منطقة البحر المتوسط، والمنطقة الطورانية، والمنطقة الصحراوية السندية.
ويتضح هذا الغنى في فلسطين في فصل الربيع الطويل الذي تظهر فيه أصناف مختلفة من النباتات البرية المزهرة والتي عادة ما تعيش في مجموعات كثيفة، عدا عن أشجار برية معمرة مثل الخروب والزعرور والبلوط والجميز والقيقب، ومنها ما يصل عمره إلى 1000 سنة مثل البطم.
ومن فلسطين أيضاً تعبر طيور مهاجرة تصل أعدادها إلى ما يقارب 500 مليون طير يتنقل فصلياً من أوروبا إلى إفريقيا عبر فلسطين ذهاباً في الخريف وإياباً في الربيع.
هكذا ينتهك الاحتلال الحياة البرية
يتضخم التأثير السلبي لممارسات الاحتلال في البيئة الفلسطينية والحياة البرية النباتية والحيوانية كل يوم، ويظهر سافراً أمام العيون، مع أن دولة الاحتلال تدَّعي التحضر والتمدن بإظهار الحرص على البيئة، فيما هي في واقع الأمر تدمر الحياة البرية الفلسطينية بلا هوادة.
فمنذ بدايات الاحتلال كانت الأراضي والمياه الفلسطينية هدفاً رئيساً لسياساته الرامية إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني ونزع عناصر الإنتاج من بين يديه، ليصبح مجرد تابع لاقتصادهم.
ففي شهوره الأولى، دمَّر الاحتلال 140 مضخة ماء على نهر الأردن، كان الفلسطينيون يستخدمونها لري مزروعاتهم، وأغلقت العديد من الآبار في منطقة الأغوار، ثم أغلقت 70 ألف دونم من الأراضي الزراعية في الأغوار بذرائع أمنية.
وبدأت بعد ذلك عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية لإقامة قواعد عسكرية عليها، سرعان ما تحولت إلى مراكز” ناحل” أي طلائع الشبيبة “الإسرائيلية”، التي تحولت تدريجياً إلى مستوطنات.
كما لجأ الاحتلال إلى تغيير البيئة البرية عبر سياسة تحريش ممنهجة، حيث زرع الكينا والصنوبر والسرو وغيرها من الحرجيات بكثافة في المناطق الجبلية الفلسطينية مثل جبل الكرمل، وجبال القدس الغربية والجنوبية، وما تزال هذه السياسة متَّبعة حتى الآن، ويمارسها الاحتلال جهاراً نهاراً في شمال صحراء النقب بالقوة الآن على أنقاض القرى العربية البدوية، ما أدى إلى تغيُّر مدمر للبيئة الطبيعية والموطن الأصلي للحيوانات البرية، والقضاء على أماكن غذائها، وعدم قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المستجدَّة الغريبة عنها.
كثّف الاحتلال انتهاكاته بحق البيئة الفلسطينية بتجريف المساحات الخضراء واجتثاث المحميات الطبيعية، من أجل شق الطرق لربط المستوطنات ببعضها وربطها بالمناطق المحتلة منذ عام 1948، ولإنشاء جدار الفصل العنصري، فقد عمد الاحتلال منذ بداياته إلى شق الطرق لخدمة بنيته العسكرية وبؤره الاستيطانية التي سرعان ما حوَّلها إلى مستوطنات يفوق بعضها تل أبيب في مساحتها، دون أن يُلقي بالاً للممرات البيئية والمسارات التي تعودت الحيوانات البرية على سلوكها في أثناء تنقُّلاتها منذ آلاف السنين، فشقَّ الجبال لإنشاء الطرق والأنفاق، مدمِّراً مواطن الحيوانات البرية وأعشاشها وأوكارها، ولم يأبه لحياة هذه الحيوانات التي أضحت عرضة للخطر في أثناء تنقلاتها الطبيعية، فتضطر إلى قطع الطرق المنشأة في مناطق عيشها، وكثيراً ما تُشاهد حيوانات برية مدهوسة على الطرق، كالقنافذ والسلاحف والأفاعي، والسناجب، والثعالب وغيرها. الأمر الذي أحدث خللاً في أعداد الحيوانات وحتى في بقاء نوعها.
ولم يتوقف الاحتلال عند انتهاكاته للبيئة الفلسطينية وما ينتج عنها من خلل في التوازن البيئي، بل عمد إلى نقل بعض الحيوانات البرية من مواطنها الأصلية إلى أماكن جديدة داخل البيئة الفلسطينية، كالخنازير البرية التي انتشرت بكثرة في السنوات القليلة الماضية في مناطق الضفة الغربية، ومضت تعيث فساداً في المزارع والحقول، حيث تلجأ هذه الحيوانات البرية إلى أي مورد غذائي متوفر لتبقى في البيئة الجديدة، بعد أن أُبعدت عن بيئتها الطبيعية وازداد الأمر سوءاً بعد أن طُوّقت بجدار الفصل العنصري، الذي عمل على منع تنقل الحيوانات البرية وليس الخنازير البرية فقط.
يقول الصحفي والناشط البيئي الدكتور أمين أبو وردة في حديث خاص مع مجلة “آفاق البيئة والتنمية”: “منذ أكثر من 30 عاماً شق الاحتلال طرقاً بمسافات كبيرة التهمت الأرض الفلسطينية، وبذلك ضرب آلاف الكيلومترات من الأرض الزراعية، ولنأخذ مثالاً واحداً، الطريق الالتفافي من جنين شمالاً إلى الخليل جنوباً، آلاف الكيلومترات أُخذت من أراضي الضفة لإقامة مثل هذه الطرق”.
ويواصل أبو وردة قائلاً:” أثَّر شق الطرق الالتفافية في الحياة البرية عامة، النباتات والحيوانات أيضاً التي انقرض بعضها وأصبح بعضها الآخر في مرمى التهديد حين وجد صعوبة في التنقل بين المناطق المختلفة ( الداخل، والضفة، وقطاع غزة، والقدس)، وحُرمت من التنوع والوصول إلى مناطق التزاوج والتكاثر مثل منطقة النقب جنوباً،  كما أثرت هذه الطرق سلباً على مجاري السيول وتدفق المياه وتسببت في حدوث فيضانات نتيجة مصدّات المياه التي يضعها الاحتلال لمنع تدفق المياه إلى تلك الطرق، وتزيد هذه الفيضانات من الأثر السلبي على الحياة البرية التي تؤدي إلى غرق الحيوانات بأنواعها المختلفة، وتدمير أعشاشها وأوكارها، وإتلاف النباتات البرية وبالتالي القضاء على مصادر تغذية الحيوانات.
ويضيف في السياق نفسه: “لا نستطيع أن نتجاهل تأثير الضجيج المستمر الناتج عن مرور السيارات على الطرق الالتفافية في الحياة البرية، والذي يؤدي إلى هروب الحيوانات إلى أماكن أخرى أكثر هدوءًا وأمناً”.
الحياة البرية في فلسطين في خطر عظيم بسبب ممارسات الاحتلال تجاهها، الحيوانات البرية مهددة بالانقراض دون أن يتوقف الاحتلال عن القضاء على أماكن عيشها وتغذيتها، وتفيد الإحصاءات أن حيواناً واحد ينقرض كل عشرين عامًا في فلسطين.
كثف الاحتلال انتهاكاته بحق البيئة الفلسطينية بتجريف المساحات الخضراء واجتثاث المحميات الطبيعية، من أجل شق الطرق لربط المستوطنات ببعضها وربطها بالمناطق المحتلة منذ عام 1948، ولإنشاء جدار الفصل العنصري، فقد عمد الاحتلال منذ بداياته إلى شق الطرق لخدمة بنيته العسكرية وبؤره الاستيطانية التي سرعان ما حوَّلها إلى مستوطنات يفوق بعضها تل أبيب في مساحتها، دون أن يُلقي بالاً للممرات البيئية والمسارات التي تعودت الحيوانات البرية على سلوكها في أثناء تنقُّلاتها منذ آلاف السنين، فشقَّ الجبال لإنشاء الطرق والأنفاق، مدمراً مواطن الحيوانات البرية وأعشاشها وأوكارها.
الحيوانات البرية مهددة بالانقراض دون أن يتوقف الاحتلال عن القضاء على أماكن عيشها وتغذيتها، وتفيد الإحصاءات أن حيواناً واحد ينقرض كل عشرين عامًا في فلسطين.

خاص بآفاق البيئة والتنمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى