مقالات

نقاش هادئ لمشاركة الجبهة الديمقراطية بالمركزي

أحمد أبو حليمة

قوبل  قرار الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالمشاركة في جلسة المجلس المركزي التي انعقدت يومي الأحد والإثنين والثلاثاء 6-7-8 شباط بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، بحملة  تشهير واتهامات كبيرة وصلت بها حد التخوين وفبركة البيانات وابتداع الاخبار للتشويش على مشاركة الجبهة وحرفها عن مسار الحقيقي، حيث بدأت هذه الحملة تتلاشى تدريجياً مع انتهاء أعمال المجلس المركزي وعليه بات مطلوب نقاش هادئ لمشاركة الجبهة الديمقراطية في دورة أعمال المجلس المركزي الـ 31.
انطلاقاً من الموقف الراسخ للجبهة والتي تعبر عنه في محطات عديدة من تاريخها بأن النضال لإصلاح المؤسسة الوطنية يكون من داخلها، وفي الميدان، وإخراج المنظمة والقضية الوطنية من المأزق السياسي الذي حشرهما فيه اتفاق أوسلو، دائماً ما بقي بنداً في مقدمة جدول أعمال منظمات الديمقراطية، إلى أن تُطوى صفحة الرهانات الفاشلة لصالح اعتماد استراتيجية الخروج من أوسلو بـ«المقاومة والانتفاضة في الميدان، والمحافل والمنظمات الدولية وعزل (إسرائيل)، وإسقاط حلول التصفية، والخلاص من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وهذا لا يتحقق إلا بالنضال من داخل المنظمة، والمعارضة من الداخل وكذلك من خلال الفعل بالميدان».
وهنا لا نحكم على مشاركة الجبهة الديمقراطية بالمركزي بالصوابية أو عدمه، ولكن نترك للقارئ ان يجيب بنفسه وهو يقرأ ويفكر ويناقش بهدوء خصوصاً بعد انقضاء أعمال المجلس المركزي وإصدار البيان الختامي لأعماله، وقبل الخوض في أهمية قرارات ونتائج المجلس المركزي التي خرجت عن الاجتماع أمس الأربعاء، لا بد من العودة للأسئلة الرئيسية الثلاثة التي حملتها الجبهة لدورة أعمال المركزي والتي طرحت في كلمة الجبهة على لسان نائب أمينها العام الرفيق فهد سليمان أمام المركزي والتي تركزت حول عدم تنفيذ القرارات المتعلقة بإعادة صياغة العلاقة مع الاحتلال، والتي تبناها المجلس المركزي منذ العام 2015، والمقصود بهذا هو القرارات التي تفضي إلى الخروج الفعلي من أوسلو، بدءاً من الإعلان عن انتهاء المرحلة الانتقالية بما ترتب عليها من التزامات، مروراً بتعليق الاعتراف بدولة إسرائيل ما لم تعترف بالدولة الفلسطينية على حدود 4 حزيران 67، وما لم تُلغِ قرار ضم القدس الشرقية وتوقف الاستيطان، وانتهاءً بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله والتحرر من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرَسها بروتوكول باريس،
والتساؤل الرئيسي الثاني هو لماذا لم تنجز الانتخابات العامة التي جرى اتخاذ قرارات بشأنها خمس مرات على التوالي منذ العام 2010 وحتى المرسوم الرئاسي في مطلع العام 2021، وهي التي كانت موضع إجماع وطني كونها أولوية قصوى، وكونها المدخل الأهم لتطوير النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة وحدته على قاعدة ديمقراطية، وبمشاركة الكل الفلسطيني، والابتعاد عن الإصرار على الترويج لإمكانية استئناف العملية السياسية، بينما يدرك الجميع أن سياسة الإدارة الأميركية الحالية لا تختلف عملياً عن سياسة الإدارة السابقة، وأن العرض الوحيد المقدم حالياً إسرائيلياً وأميركياً، لا يتجاوز مشروع السلام الاقتصادي بمختلف تنويعاته.
هذه التساؤلات الهامة التي طرحت في محاولة جادة لوضع سقوف زمنية من أجل إنجازها باعتبار انها قرارات صادرة من اعلى هيئة للشعب الفلسطيني الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، حفاظا على مكانتها وكيانيتها، فأي قرار يجب أن تأخذ المنظمة يجب ألا يكون من أجل التلويح بها، أو المقايضة عليها، بل من أجل أن تجد طريقها إلى الحياة، أي إلى الفعل والتأثير، لأنها السبيل الوحيد للخروج من مسار أوسلو واستعادة الوحدة المفقودة، وإعادة تأهيل أوضاعنا، لاستنهاض مقاومة باتت تملك كل الشروط اللازمة لتتحول إلى انتفاضة عامة بمرجعية قيادة وطنية موحدة تضمن تواصلها وتوحيد شعاراتها على طريق العصيان الوطني الشامل، طريقنا إلى الحرية والاستقلال والعودة إلى الديار والممتلكات.
وبالعودة للنتائج والقرارات المعلنة في البيان الختامي الصادر عن اجتماع المركزي، نجد أن السقف السياسي أعلى بكثير من الدورتين الأخيرتين 29-30 ، وتتضمن محاولة جادة لوضع آليات بتطبيق جملة القرارات السابقة من اجل الانفكاك من أوسلو وتعليق الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي وكذلك وقف التنسيق الأمني، ما يعني أن هذه الدورة اختلفت بمشاركة الجبهة الديمقراطية وهذا واضح من النتائج المعلنة مقارنة بالنتائج للدورتين السابقتين التي قاطتعهم الجبهة، ناهيك عن اعتماد المبادرة التي أطلقتها الجبهة الديمقراطية في 16/1/2022 حول انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.
كل ما سبق لم يكن مهم في سياق عملية التحريض والتشويه الإعلامي التي شنُت على الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على ضوء مشاركتها بالمركزي، وهذا يتجلى المشهد بوضوح أكثر، لأن الهدف ليس استهداف المشاركة بحد ذاتها، بل بضرب واضعاف مكانة وكيانية منظمة التحرير الفلسطينية، والتشكيك بها وبشرعية قرارتها، الأمر الذي يهدد بازدياد فجوة الانقسام. فمنظمة التحرير اتفقنا أو اختلفنا مع أداءها إلا أنها تبقى الممثل الشرعي والوحيد وأعلى الهيئات للشعب الفلسطيني، ولا يجوز المساس بشرعيتها، وكيانيتها، والمساس بها بهذا التضليل، والدليل الساطع أن نفس الجهة التي استهدفت مشاركة الجبهة الديمقراطية، استهدفت قراراته، رغم موافقتهم الكاملة عليها، بالتالي مهمتهم اضعاف وتشويه منظمة التحرير الفلسطينية في محاولة لخلق بديل، وجسم آخر موازي وبالتالي زيادة الانقسام بانقسام من نوع آخر قد يكون أخطر وأوسع من الانقسام الذي نعيشه الآن. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى