مقالات

اسرائيل والملف الايراني: تصعيد في الخطاب وتعثّر في الاستراتيجية

تغيّرت اللهجة ونبرة الخطاب، وبدأ المسؤولون الاسرائيليون يتحدثون جهارًا عن خلافهم مع الادارة الامريكية في وجهات النظر بشأن الاتفاق النووي طيّ التفاوض بين الدول العظمى وإيران. وهو ما بات يكرّره نفتالي بنيت مؤخراً، وبخلاف ما كان يصرّح به من سبقه نتنياهو، بأنّ أية خلافات مع الادارة الامريكية هي للبتّ بين الطرفين وليست مفتوحة للاعلام. قد يبدو ان هذا التغيّر في اللهجة طفيفا وليس ذا قيمة، الا انه في اللغة الدبلوماسية له دلالات ليست بالقليلة. في مقابل تصريحات بينيت بدر تصريح من الادارة الامريكية يؤكد وجود خلافات. 

لقد بنى بنيت منذ توليه رئاسة الحكومة نمط عمله في هذا الصدد على أنّ كل الامور تسوّى مع الادارة الامريكية بهدوء ودونما مجاهرة بها، وانتقل الى مسعى لإقناع الرأي العام الدولي بأن ايران ضعيفة ودولة هشّة، وبأن قادتها يسعون للنووي من اجل الحفاظ على نظام الحكم، داعيًا دول العالم أن لا تعير اهمية لتهديدات ايران من مغبّة استهدافها وبأنها على وشك الانهيار ومن شأن حملة دولية متعددة الادوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية ان تؤدي الى انهيارها.

اتضح مؤخرا نشوء نوع من التصدّع في الموقف الاسرائيلي الذي بات من الثوابت في العقد الماضي بأنّ الاتفاق النووي من العام 2015 كارثي، وبأن ايران على وشك انتاج قنبلة نووية وعلى الاقل التحول الى دولة على عتبة انتاج القنبلة، فقد ظهرت أصوات من المؤسسة الامنية والعسكرية وقياداتها السابقين تؤكد ان الاتفاق النووي كان ايجابيا وبإنّ إلغاء ترامب له من طرف واحد جعل الوضع أخطر بالنسبة لاسرائيل، وذلك على الرغم من العقوبات القصوى التي فرضتها ادارة ترامب. بعد تيقّن القيادة الاسرائيلية من أن الولايات المتحدة برئاسة بايدين معنية فعليا بالاتفاق مع ايران، وبأنها اختارت طريق الدبلوماسية لا الصدام المسلح، انتقل بنيت للتحدث بلغة الدولة العظمى التي لا يمتلك قدراتها، وذلك بتكرار المقولة بأنه سواء في حال التوصل لاتفاق في محادثات فيينا، ام لا، فإن اسرائيل ستقوم بخطواتها. كما وذهب خطوة الى الامام في خطابه امام مركز دراسات الامن القومي في الاول من شباط 2022، بإعلان حرب مفتوحة على ايران بكل الادوات الممكنة، وبأن المعركة قد بدأت. الا أن قوة الردع الاسرائيلية الفعلية لاسرائيل قد فقدت مصداقيتها الداخلية بموقف القيادات العسكرية والاستخباراتية السابقة، والتي انطلقت بالتزامن عشية افتتاح محادثات فيينا، والتي بدت متناسقة تماما مع الموقف الامريكي. كما وكان مضمون هذه التصريحات اضافة الى ما ذكر، بأنّ إسرائيل غير قادرة على ضرب المشروع النووي الايراني دونما مظلّة نووية امريكية عملياتيّة.

مقابل المساعي الاستراتيجية لزجّ الولايات المتحدة في الحرب مع ايران، واقامة التحالفات الاقليمية مع عدد من دول الخليج المنضمة الى اتفاقات ابراهام، وفي الساحة الاسيوية مع اذربيجان على الجبهة الشمالية لايران، فإن معظم هذا الدول لم تُبد استعدادا للقيام بحرب شاملة تكون هي ذاتها ساحتها وليس اسرائيل. كما انها أكثر ولاءً للسياسة الامريكية إذ دفعت الولايات المتحدة دول الخليج لحل التوترات مع ايران على اساس مبدأ تقاسم المصالح كما ان العلاقة الاقتصادية والتجارية مع دولة مثل الامارات تشكل واحدة من اهم شركاء ايران، وهناك الاف الشركات التي تعمل فيها، وهناك خطوات تطبّق على الارض مثل المحادثات الايرانية السعودية ومثل مساعي الامارات لعودة إشغال سوريا لمقعدها في الجامعة العربية وعودة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين البلدين، وذلك ايضا على خلفية اخفاق “التحالف العربي” بقيادة السعودية في عدوانه على اليمن. وليس من قبيل الصدفة ان اول زعيم خليجي استقبله الرئيس الامريكي في البيت الابيض هو تميم بن حمد امير قطر، وليس الامارات او السعودية او البحرين.

اذا كان الهدف الاسرائيلي من إعلان الخلاف مع الادارة الامريكية هو تعزيز الترسانة العسكرية والقدرات الهجومية الاستراتيجية، فكان في ذلك انجاز، وإن كان الهدف تعزيز علاقاتها الأمنية مع دول الخليج  فقد حققت انجازا، وإن كان هدف بنيت هو تعزيز موقعه في السياسة الحزبية الاسرائيلية الداخلية، فقد حقق انجازاً مع أن ادارة بايدين تراهن على غانتس ولبيد وليس على بنيت، اما اذا كان الهدف هو القيام بحرب واسعة النطاق ضد ايران وتدمير مشروعها النووي، ففي ذلك إخفاق، وتآكل لمسوّغات نشر حالة الهلع الدولي وشيطنة ايران، التي أثبتت انها تتخذ مواقفها وتحدد سياساتها بناء على اولوياتها ومصالحها الحيوية السيادية وليس بناء على ما تريده اسرائيل.

عليه، فإنّ ما يمكن فهمه من المجاهرة المتبادلة بين الادارة الامريكية وحكومة اسرائيل بشأن الخلافات بين الطرفين بصدد ايران، لا يمكن اعتباره ندّيًّا، بل تبقى اليد الاطول للادارة الامريكية، التي لها مصالح حيوية في العالم لا تتساوق بالضرورة مع ما تسعى اسرائيل الى زجها فيه، فالاتفاق مع ايران هو مصلحة امريكية وليس صفاء نوايا او تراجع عدوانيتها بل تغير اولويات عدوانيتها، فالصراع مع الصين في مجالات التجارة العالمية والنفوذ هو الاولوية الامريكية، وايران بالنسبة للولايات المتحدة عامل معوّق لخلق الاصطفافات ىالدولية المؤاتية لمواجهة النفوذ الصيني. ولذلك حين يصرّح بنيت تصريحاته ويطلق تهديداته فهي لا تنطلق من نجاح الرؤية الاسرائيلية بل من اخفاقها، إذ أن بنية التحالفات التي أقامتها لا تسعى أطرافها للحرب الشاملة مع ايران. بل أنّ مجاهرة الادارة الامريكية واسرائيل على انهما على خلاف بشأن الملف الايراني، هو بمثابة اطلاق العنان من الادارة لحكومة بنيت ان تقوم بكل ما لا يتعارض مع الاولويات الامريكية، أي في هامش جديد يحدده واقع تجديد الاتفاق الدولي مع ايران، وكونه مصلحة امريكية، هذا الهامش يبُقي اسرائيل قادرة على إلحاق الضرر بالمشروع الايراني والتعطيل عليه، الا أنها عاجزة لوحدها عن القيام بحسم جوهري استراتيجي ومن دون الغطاء والاسناد الامريكي العملي. كما أن الخطوات الاسرائيلية العسكرية قد عطّلت فعلا على المشروع الايراني، لكنه سياسيا زادت الاصرار الايراني على المضي باستراتيجيتها. بناء عليه، فحين يعلو صوت التهديد الاسرائيلي ففي ذلك إشارة الى مأزقها وليس الى انفراج سياستها.

لقد تلقت اسرائيل مؤخرا ضربتين دبلوماسيتين كبيرتين الاولى في تقرير منظمة العفو الدولية غير المسبوق في تقارير المنظمات الدولية وقد كتب عنه الكثير، والثانية في قرار الاتحاد الافريقي تعليق النظر في الطلب الاسرائيلي بالعضوية بصفة دولة مراقبة في الاتحاد، وفعليا يعني رفض هذه العضوية. اما المأزق الاخر فهو تحذيرات المؤسسة الامنية العسكرية والاستخباراتية من مغبة هبّة شعبية شاملة في الضفة الغربية، وفي ذلك تأكيد ان استراتيجية تجاوز قضية فلسطين لم تنجح كما توخّى بينيت ومن قبله نتنياهو.

بينما في المقابل فإنّ في إعلان البيت الابيض عن زيارة بايدين هذا العام الى اسرائيل، فيه مكسب كبير بالنسبة الى بنيت في الساحة الحزبية، الا انه يحدّ من حرية عمل اسرائيل تجاه ايران في هذه الفترة، بل من المفترض ان تتم الزيارة بعد اتمام الاتفاق النووي. وعندها ستضطر اسرائيل الى التعايش مع الاتفاق، ومن المتوقع ان يكون تعويضها بتزويدها بمنظومات عسكرية جديدة. الا انه من الصعب ان لا يتمحور بايدين في المسألة الفلسطينية، وهذا ما لا يريده بنيت، ويعيدنا الى تصريحه مؤخرا ردًا على لقاءات غانتس ولبيد مع القيادة الفلسطينية، بأنه اذا كانت مساعٍ لصفقة على غرار اوسلو (ب) فلن تكون حكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى