مقالات

عار الاستعباد الوطني للشعب الفلسطيني هو المشكلة الاساسية الوجودية للدولة

بقلم: ديمتري شومسكي

كل من يفهم أن عار الاستعباد الوطني للشعب الفلسطيني في يد إسرائيل هو المشكلة الاساسية الوجودية للدولة سيجد صعوبة في أن لا يتوافق مع جدعون ليفي، المندهش من الحقيقة المحيرة بأنه بينما القمع العسكري وارهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين يصل كل يوم الى آفاق جديدة ، فإن الموضوع الواحد والوحيد الذي تنقسم بشأنه إسرائيل هو مسألة عودة نتنياهو الى الحكم (“هآرتس”، 23/6). نعم، ليست لديك رؤية سياسية شاذة أكثر من وجود “ميرتس” في حكومة يمينية في جوهرها، على حساب التخلي عن مبادئ اساسية جدا، فقط من اجل وقف عودة عائلة نتنياهو الى مقر اقامة رئيس الوزراء في شارع بلفور.

ولكن بالتحديد ازاء المركزية الحصرية تقريبا، المرضية بدرجة معينة، لـ “قضية نتنياهو” على جدول الاعمال السياسي الإسرائيلي، فانه من الواجب الاعتراف بأنه من اجل جعل الواقع السياسي الإسرائيلي طبيعيا – وفي غضون ذلك اعادة مسألة إسرائيل/ فلسطين الى مركز الخطاب السياسي في إسرائيل – فلا مناص من ابعاد نتنياهو عن حياة الدولة السياسية.

أيضا المعارضون الايديولوجيون الاشد لنتنياهو ملزمون بالاعتراف بأنه زعيم له مستوى تاريخي، وترك بصماته، ويواصل ترك بصماته، تلك التي لا يمكن محوها من تاريخ الدولة. فمنذ بداية حياته السياسية أسهم اسهاما غير مباشر ولكن اساسي بشكل واضح وله تأثير تاريخي كبير، في تصفية العملية السلمية الإسرائيلية – الفلسطينية، في الوقت الذي قاد فيه حملة التحريض منفلتة العقال ضد اسحق رابين، والتي انتهت بقتله. بعد ذلك، بثبات فكري وحنكة سياسية غير عادية، تمكن نتنياهو من أن يخفي بصورة شبه مطلقة تقريبا المسألة الفلسطينية، ليس فقط عن جدول الاعمال الإسرائيلي، بل ايضا عن جدول الاعمال الدولي.

في موازاة ذلك، وبمساعدة خطاب ديماغوجي متهكم وكاذب ولكنه ابداعي بصورة لا مثيل لها، نجح نتنياهو – وهو ان لبروفيسور اشكنازي من جامعة كورنيل – في تطوير شخصيته كضحية للنخبة الاشكنازية. وبذلك، كسب محبة الكثيرين جدا من الشرقيين الذين هم احفاد ضحايا التمييز الاستشراقي، والذين ما زالت اهانة التمييز العنصري ضدهم من جانب المؤسسة “الاوروبية المركزية” في العقود الاولى لقيام الدولة، تواصل تشكيل الذاكرة الجماعية لهم. وبسبب ظروف تاريخية معقدة، المكان هنا غير مناسب لتفصيلها، فان اجزاء واسعة من هذا الجمهور مصابة بالتطرف القومي اليهودي المتعصب وكراهية العرب، حيث إن الحرب الضروس لنتنياهو ضد العملية السلمية زادت إعجابهم به. هكذا وجدت الصلة الدائمة بين خطاب التحريض القومي وبين خطاب تقسيم الهويات، الأمر الذي أدى الى ولادة الحركة الاجتماعية الشعبية الاصيلة في إسرائيل الآن، والتي تستحق أن تسمى “البيبية”؛ حركة تضم جمهورا من اليهود الإسرائيليين من مختلف الطوائف.

كلما ازداد وتوسع التقدير الأعمى من قبل اجزاء كبيرة في اوساط الشعب تجاه الزعيم الشعبوي الناجح بدأ نتنياهو في تطوير انماط حياة وسلوك لديكتاتور منفلت العقال أكثر فأكثر.

ولأنه في دولة قانون فان العوائق الرئيسية امام اندفاع نزوات الديكتاتور توجد في منظومات القضاء وانفاذ القانون، فانه من الطبيعي أن نتنياهو والحركة البيبية قد شنوا هجوما جبهويا ضد هذه المنظومات. هذا الهجوم أثار بطبيعة الحال ردودا مضادة من قبل مواطني الدولة هؤلاء، الذين تُعتبر اجهزة الدفاع من الديكتاتورية مهمة بالنسبة لهم. هكذا فتحت في السنوات الاخيرة معركة إسرائيلية داخلية واسعة بين الذين يعتقدون أنه يجب على الدولة أن تخدم الزعيم المبجل وبين الذين يؤمنون بأنه يجب على الدولة أن تخدم مواطنيها.

يعتبر ليفي نتنياهو، وبحق، زعيما شعبيا كبيرا، محبوبا ويجد الإعجاب. ويرفض، مرة اخرى وبحق، تقزيم شخصيته وافعاله. ولكن بالتحديد لأن الامر يتعلق حقا بشخصية تاريخية مؤسسة في تاريخ الدولة، أثرت بشكل عميق على كل مجالات الحياة في الواقع الإسرائيلي، فانه من غير الصحيح أن نقزم معاني الاحتجاج المدني ضد هذه الشخصية وتأثيرها. والطابع الشمولي لحركة “فقط ليس بيبي” هو نتيجة طبيعية للطابع الشمولي لحركة “فقط بيبي”. هذه الشمولية، التي هي نتاج الحضور القوي لنتنياهو في حياة الدولة والمجتمع الإسرائيلي، لا تترك أي مجال لأي قضية سياسية أو اجتماعية عدا عن قضية مكانة نتنياهو في مستقبل الدولة القريب.

يجب على من يعارضون الاحتلال والابرتهايد الإسرائيلي، عربا ويهودا، أن يروا الواقع كما هو. من ناحية ايديولوجية مبدئية يجب عليهم مواصلة القول ليس “قضية نتنياهو”، بل قضية الاحتلال والابرتهايد، هي القضية الحاسمة في كل ما يتعلق بمستقبل هذه البلاد وسكانها. ولكن من ناحية سياسية واقعية يجب عليهم الاعتراف بأنه في الظروف السياسية الاستثنائية والعبثية التي نشأت الآن في إسرائيل، وازاء اهمية بنيامين نتنياهو التاريخية، الذي يعتم على القضايا الوجودية الاخرى للدولة، فان الشرط الاساسي والحيوي لاعادة قضية فلسطين الى مركز الخطاب الجماهيري والسياسي في إسرائيل هو طرد نتنياهو الى الصحراء السياسية والى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى