مقالات

وكالة الاونروا واستراتيجية التحريض الاسرائيلي

فتحي كليب / مسؤول دائرة وكالة الغوث في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تجمع الأطراف المعنية على ان وكالة الغوث (الأونروا) تتعرض منذ فترة لحملة منسقة تستهدف وجودها في اطار مشروع سياسي يطال القضية الفلسطينية بشكل عام وقضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص. وتتعدد أشكال الاستهداف لتمتد الى كل تفصيل يتعلق بالوكالة سواء على مستوى البرامج والسياسات او على مستوى الموظفين والمنشآت. ويبدو ان مسلسل التحريض بات يحتل موقعا متقدما في السياسة الاسرائيلية، حتى وان كان مضللا ولا يفتقر الى المصداقية، لكن الرسالة هي بجعل هذه المنظمة الدولية موضع تشكيك دائم لاضعاف الثقة الدولية بدورها تمهيدا لنزع مكانتها السياسية والقانونية التي يتأسس عليها حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وفقا لقرار تأسيسها رقم 302 الصادر عن الأمم المتحدة في كانون الأول 1949.

ولما كان ضرب وكالة الغوث بإلغاء قرار تأسيسها صعبا جدا في هذه المرحلة، كونها لا زالت تحظى بثقة الاسرة الدولية، فقد اتبعت اسرائيل، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، استراتيجية إفراغ الوكالة من داخلها، وبدأت بتطبيقها منذ ما يزيد عن أربع سنوات باستهداف شخص المفوض العام السابق، لتنتقل بعد ذلك الى منشآت الاونروا ثم مدارسها ومناهج التعليم فيها التي تؤسس لجيل متعلم ومثقف يدرك أبعاد الصراع وحيثياته. لكن بعد ان تبين ايضا صعوبة الامر، خاصة بعد ان نفت وكالة الغوث والأمم المتحدة الاتهامات بشأن مناهجها التعليمية، جرى وضع الموظفين في مرمى النار الاسرائيلية، خاصة موظفي التعليم. أي ان جميع مكونات الوكالة باتت موضع استهداف اسرائيلي، وهذا ما يفسر انتقال حملات التحريض من عنوان الى آخر طبقا لمقتضيات الهجمة و اتجاهاتها وأهدافها الآنية..

خلال اجتماع اللجنة الاستشارية لوكالة الغوث الذي انعقد في بيروت يومي 14 و 15 حزيران، قال المفوض العام ما حرفيته: “ان الحملات المنسقة لنزع الشرعية عن الاونروا بهدف تقويض حقوق لاجئي فلسطين تتزايد في وتيرتها وعدوانيتها”. وهذا ما يوجب اخراجنا من نقاش ان كانت الوكالة تتعرض لضغوط ام لا! فخلفية مواقف المفوض العام إدراكه بأن العدوان سيتواصل حتى نهاية العام في مرحلة اولى، ريثما تتضح اتجاهات التصويت على تجديد التفويض للوكالة. ولهذا الغاية تعتمد اسرائيل ومؤسسات البحث والدراسات المكلفة بمهمة اعداد “داتا” التحريض الاسلوب التدريجي في الاستهداف، وحتما لديهم “بنك اهداف” يجري التصويب عليه، وآخر هدف كان إصدار تقرير من قبل منظمة (UN WATCH) يحرض ضد موظفي الوكالة..

فبعد يومين من اجتماع الدول المانحة في نيويورك مؤخرا، قامت المنظمة السابقة بتسليم بعض أعضاء الدول المانحة، الأوروبية خاصة، وامين عام الامم المتحدة نسخة من تقرير يحرض ضد معلمي وموظفي الوكالة في الضفة الغربية وقطاع غزه، متهمة عشرات الموظفين (120 موظفا) بما سمي “التحريض على العنف ومعاداة السامية” على وسائل التواصل الاجتماعي.. طالبة وقف تمويل موازنة الاونروا (1.6 مليار دولار) ومراجعة حسابات مستخدمي فيسبوك من الموظفين الذي “ينشرون تغريدات ومنشورات على شبكات التواصل تحث وتشجع على مقاومة الاحتلال، ما يتطلب طردهم من الوظيفة”.

ولعل السؤال هو: لماذا لم تطلب هذه المنظمة من ادارة موقع فيس بوك حظر حسابات المعلمين والموظفين التي تتهمهم بالتحريض وغير ذلك من اتهامات، وهي التي تفعل ذلك بشكل دائم في إطار محاربة المحتوى الفلسطيني، والسبب هو ان هدف المنظمة ومن ورائها اسرائيل ليس الموظفين فقط، انما التأثير على الدول المانحة لاتخاذ اجراءات على مستوى قطع او خفض المساهمات المالية..

ما الذي يمكن ان يضيفه التقرير الجديد الى تقارير سابقة زعمت ان موظفي وكالة الغوث ينتهكون ما سمي حياد الوكالة بنشرهم تغريدات لا تنسجم وقيم الأمم المتحدة.. ولعل السؤال البديهي: هل ان تلك المنظمة قادرة بمفردها على رصد تحركات ونشاطات وتغريدات اكثر من (30 ألف) موظف، ام ان هناك ادوات محلية تراقب الموظفين وتعمل على ملاحقة تحركاتهم ونشرياتهم.. ولو عدنا قليلا الى عام مضى وتحديدا الى اتفاق الاطار لتيقنا اسباب اصرار الولايات المتحدة على إبراز فقرات خاصة بالموظفين والحيادية كشروط لاستئناف مساهمتها المالية التي قطعتها ادارة ترامب.

فقد جاء في اتفاقية الإطار الموقعة بين وكالة الغوث والولايات المتحدة في آب 2021 سعي الطرفين “لتدريب موظفي الأونروا لدعم حيادية الوكالة.. وإلتزام الأونروا بالإبلاغ عن أي انتهاكات جسيمة للحياد مع الولايات المتحدة، ومعالجة أي انتهاكات من هذا القبيل بما يتماشى مع متطلبات إطار الحياد الخاص بها”. ولعل الفقرة الاخطر والتي تجيب على التساؤل السابق هي التزام الاونروا “تقديم لوائح بموظفيها إلى الحكومات المضيفة، بما في ذلك السلطات الفلسطينية والإسرائيلية..”. واذا كان منطقيا التنسيق والتعاون مع الدول المضيفة والمانحة، فما هو المنطق في تقديم لوائح باسماء الموظفين الى اسرائيل.. وقد لا نحتاج الى كثير عناء لنعرف اسباب ذلك، ودوافع الولايات المتحدة من ايراد هذه الفقرة..

ان هدف اسرائيل ومنظماتها المعنية بالتحريض وببث الاكاذيب والاضاليل ليس كما يعتقد البعض منع الموظفين من التعبير عن آرائهم وعن  هويتهم الوطنية فقط، فهذه مسألة تدرك اسرائيل ومن خلفها بأنها خطوة ناقصة ولن تضيف لها شيئا، وبالامكان الالتفاف عليها بأكثر من طريقة، بل ان الهدف المباشر هو تحقيق امرين في آن معا: 

1) التأثير على قرارات الدول المانحة، خاصة الاوروبية منها، لأن الاستراتيجية الاسرائيلية هو افراغ الوكالة من داخلها وبجعلها منظمة بلا اموال، مما يسهل امكانية طرح البدائل عن الاونروا، وهو السبب الذي جعل كل الشعب الفلسطيني يرفض مواقف المفوض العام حول هذه المسألة.، والا كيف نفسر مثلا ان اسرائيل اوكلت مهمة التحريض لمنظمة تتخذ من اوروبا مقرا لها، وان تقارير هذه المنظمة تستهدف الدول الاوروبية بشكل مباشر، وهي التي تعتبر المانح الاكبر للوكالة، مما يطرح مسؤوليات كبرى يجب التصدي لها من قبل الاونروا اولا، ومنظمة التحرير ثانيا، والدول العربية ثالثا باتجاه الدول الاوروبية لدحض المزاعم التي تقدمها اسرائيل ومنظماتها..

2) ارهاب الموظفين وجعلهم اداة طيعة بيد الادارة وعزلهم وطنيا عن بقية فئات شعبهم، وجعل الملاحقة سيفا مسلطا فوق رقابهم، بل ودعوتهم في وقت لاحق للمساهمة في خلق جيل مشوه وطنيا وغريب عن تاريخه وربما تبني الرواية الصهيونية للصراع بتفاصيله التاريخية والمستقبلية..

ان الاشكالية بالنسبة لموظفي الاونروا هي ليست في تطبيق نظام الموظفين الخاص بالامم المتحدة والذي هو موضع احترام والتزام من جميع الموظفين، بل بالتفسيرات الاستنسابية لكل تصرف من قبل الموظفين.. فهل ان الانتماء لفلسطين الارض والقضية والهوية هو خرق للحياد ولنظام موظفي الامم المتحدة، بل هل تعبير الموظف الفلسطيني عن هويته الوطنية وصراخه اليومي كي لا يبقى لاجئا هو انتهاك لانظمة المنظمات الدولية، وهل دعوة الموظف لتطبيق قرارات الامم المتحدة هو خرق لحياد الامم المتحدة، لذلك دعونا ونجدد الدعوة الى الامم المتحدة بحماية موظفيها من اللاجئين الفلسطينيين وتوفير بيئة آمنة لهم للتعبير عن الرأي وحمايته، واذا كان مجرد رأي يعد تهمة وعدوانا، خاصة عندما يتعلق باسرائيل، فوجب على الامم المتحدة والمنظمات والمؤسسات المعنية التدخل بشكل عاجل لتصويب الامر، والا بتنا بحاجة للعودة عشرات السنين الى الخلف كي نعّرف معنى “حرية الرأي والتعبير”.

حين قلنا سابقا في نقاشنا لمن يحرض على المناهج التعليمية للاونروا ان المناهج الاسرائيلية تحفل بمئات النصوص التي لا تحرض على الكراهية فقط، بل تدعو الى قتل العرب بشكل صريح، كان جواب بعض الافواه الامريكية ان لا علاقة للامم المتحدة والدول المانحة بالمناهج الرسمية للدول، ومنها المنهاج الاسرائيلي، اي حين يرتكب المحتل والمستوطن والغازي كل اشكال القتل والاعتقال ضد الشعب الفلسطيني ويمارس العنصرية بأسوأ اشكالها تقف الامم المتحدة وبعض الدول المانحة متفرجة على ما يجري، بذريعة اننا لا نقدم لهم اموال، اي ان بعض الدول المانحة هي نفسها من تخالف شروط التبرع المالي الطوعي بجعله مشروطا بتحقيق اهداف سياسية، وحين يقف اللاجئ للدفاع عن نفسه في وجه من تقول الامم المتحدة انه محتل يصنف بأنه خرق للحياد، فيساق الى التحقيق ويفصل من عمله تحت دعاوى مجرد تحريض على فعل وليس ارتكاب الفعل نفسه. فماذا يمكن ان نسمي هذا التعاطي مِن قبل مَن يدعون انهم حماة الديمقراطية والمدافعين عن حرية الرأي في نظام ليبرالي غربي يزعم انه يقدس تلك القيم.. 

لسنا بحاجة لجهد كبير كي نؤكد ان هناك بعض الاشخاص داخل وكالة الغوث، موظفين محلين ودوليين، يعملون كمخبرين لدى الولايات المتحدة ويمدونها بكل ما تحتاجه من معلومات ومعطيات رقمية يجري استخدامها والبناء عليها باستخلاصات سياسية تهدف الى التشهير بوكالة الغوث.. ولهذا السبب دعونا الى حماية ارشيف الاونروا وضمان عدم وصوله الى اسرائيل والولايات المتحدة، إن لم يكن قد وصل فعلا، واعتباره مسألة وطنية هامة لا تتعلق بوكالة الغوث وحدها بل وبالمرجعية الفلسطينية الممثلة بدائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، وحسنا فعل اعضاء اللجنة الاستشارية في رفضهم زيارة مقر هذا الارشيف في بيروت بسبب الهواجس الفلسطينية وعدم تجاوب الاونروا حتى الآن مع المطالب الفلسطينية.

لا نقلل من حجم الاستهداف والضغوط التي تتعرض لها وكالة الغوث، وحتى لو كانت التقارير الاسرائيلية التي تصدر باسم منظمات ومؤسسات بحثية كاذبة ولا تستند لحقائق ملموسة، فان موظفي وكالة الغوث مدعوون الى التآزر والتضامن والدفاع عن حقوقهم وامنهم الوظيفي، والتعاطي مع الاستخدامات السياسية لما سمي الحيادية بشكل جماعي بما يمنع ارهاب الموظفين والاستفراد بهم بشكل فردي. لذلك ينبغي رفع مستوى الحذر بين الموظفين بعدم اعطاء العدو وحلفاءه فرصة الاستفادة من بعض “الهفوات” الغير محسوبة النتائج، وليس المقصود هنا الاستجابة للضغوط الاسرائيلية او الانحناء امامها، بل عدم تقديم “مماسك” وذرائع يمكن ان تستخدم كحجج لزيادة مستوى التحريض، خاصة في هذه المرحلة التي تعيشها الوكالة.. وموقع منظمة “UN WATCH” على شبكة الانترنت يحفل ببعض هذه الامور التي يمكن تلافي بعضها، بغض النظر عن صحتها وموضوعيتها، بل وقانونيتها..

كما ان الهيئات الفلسطينية الرسمية والشعبية وفي مقدمتها دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير التي رفضت في السابق سياسة الابتزاز ورفضت ايضا بعض الرشاوى للموظفين من اجل تمرير مسألة “الشراكات الامريكية” معنية الى جانب الفصائل بحماية الموظفين واشعارهم انهم ليسوا وحدهم في مواجهة منظمات الحركة الصهيونية التي اوكل اليها مهمة التحريض والعبث بوكالة الغوث ودورها، واعتبار ان الدفاع عن موظفي الاونروا في هذه المرحلة هو دفاع عن مكانة وكالة الغوث باعتبارها العنوان السياسي المباشر لكون قضية اللاجئين قضية سياسية وليست انسانية، كما يحاول البعض ان يصور ذلك..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى