تقارير ودراسات

مجزرة الطنطورة: شهادات تُفنّد أكاذيب المُنكرين (1-2)

بقلم الون شفارتس

كانت التقنية الأساسية، التي أسكت بها تيدي كاتس، قبل ربع قرن تقريباً، البحث في عدة اقتباسات وقعت فيها أخطاء في رسالة الماجستير خاصته، والتي تتكون من مئات الصفحات. بعد ذلك قاموا بتخويفه بقضية فضائحية لإسكاته والطعن في مصداقيته في حملة عامة ورفض رسالته بالكامل على اعتبار أنها غير جديرة.

المقالات التي كتبها غيورا آردنست، والمراسل الموسيقي، حاجي حيترون، والمؤرخ يوآف غلبر حول هذا الموضوع المحامي هي أمثلة حديثة للظاهرة المنتشرة جدا في إسرائيل، في اليسار وفي اليمين، والتي تتمثل في النفي أو التقليل من قيمة النكبة.

أمامنا إحدى قضايا الإسكات الخطيرة، التي وُجدت منذ قيام الدولة. معظم الإسرائيليين يجدون الراحة في قراءة مقالات كهذه والتي وظيفتها الحقيقية هي الحفاظ على القصة الجميلة التي تربينا عليها، والسماح بمواصلة إبعادها، وهي أننا لم نطرد، بل هرب العرب بإرادتهم، والجيش الإسرائيلي هو الجيش الأخلاقي في العالم، وجنوده لا يذبحون أبداً، وما شابه. أوصي برؤية فيلم “الطنطورة” والحكم بأنفسكم. ورغم محاولات الاسكات إلا أن الفيلم سيتم عرضه في بداية الأسبوع القادم في قناة “اتش.او.تي8”.

قبل الدخول الى إثبات مزاعمهم الخاطئة سأضيف شيئا عاما، يصلح أيضا بخصوص الرسالة الوحشية والتهكمية لعميد جامعة حيفا، البروفيسور غور الروي، التي تم إرسالها لأعضاء الطاقم قبل يوم من عرض فيلم “الطنطورة” في الجامعة. لا يتناول الفيلم جودة الرسالة الاكاديمية لتيدي كاتس، أو مسألة هل حدثت أخطاء في تسجيل عدد من الاقتباسات التي سجلها في تسجيلاته كجزء من البحث، في الوقت الذي كتب فيه الرسالة الأولى قبل 23 سنة. ليس هذا هو المهم بالنسبة لي، لذلك فإن الفيلم لا يتناول ذلك على الإطلاق.

الطنطورة: 23 أيار 1948

المهم بالنسبة لي هو ما حدث في قرية الطنطورة في 23 ايار 1948 وكيف أن هذا الأمر تم اخفاؤه وإسكاته منذ ذلك الحين بصورة استحواذية تقريباً في المجتمع الإسرائيلي. يأخذ الفيلم المادة الخام التي سجلها كاتس في حينه، ويجعل المشاهد يستمع إليها بشكل مباشر، وذلك من خلال دمج مقابلات حديثة مصورة مع جنود كانوا هناك، وبحث شامل ومستقل يرتكز إلى وثائق، صور جوية، ومواد ارشيفية أخرى. الادعاء بأنه بسبب عدم الدقة في عدة اقتباسات في عمل كاتس قبل 23 سنة فإن الفيلم يعتبر معيبا، هو تقنية للتضليل وتكرار تجربة إسكات القضية.

في اساس فرضيته قال كاتس بأنه في 23 أيار 1948، وبعد انتهاء المعركة في الليل، قتلت قوات الجيش الإسرائيلي في الطنطورة الكثير من الرجال، ممن كانوا بدون حماية، من خلال تنفيذ جرائم حرب فظيعة واستخدام أساليب قتل مختلفة. بهذا فان كاتس كان على حق حسب رأيي.

خلافاً لما كتبه حيترون فان الفيلم لا يركز على مسألة هل قتلوا في الطنطورة 12 شخصا أم 20 أم 200. هذه محاولة لتأطير وتسطيح النقاش وتوجيه الحوار نحو ما هو مريح لأعضاء جبهة الإسكات. يأتي الفيلم بقصة واسعة تشمل، ضمن امور اخرى، خلفية حرب 1948 وكيف تم بناء وإبعاد الذاكرة الى جانب روايات مختلفة عما حدث في الطنطورة، حيث ينفي متحدثون كثيرون المذبحة. إضافة الى ذلك فان الفيلم يتناول الإخفاء المحدد لقضية الطنطورة والاخفاء الشامل للنكبة، ويعرض أمثلة حول طريقة بناء الرواية في تلك الفترة على يد المؤسسة الإسرائيلية. هكذا فان الفيلم هو صورة تاريخية للمجتمع الإسرائيلي وفرصة نادرة للسماع من أبناء جيل 1948 أنفسهم في شهادة أخيرة قبل وفاتهم.

اساس وظيفة الفيلم الوثائقي هي إثارة نقاش عام يقظ ومتواصل حول مواضيع مهمة. يبدو لي في هذا الامر أن الفيلم نجح بصورة غير مسبوقة حتى قبل أن يتم عرضه في إسرائيل. تحتل “مناقشة الأرقام” مكانا هامشيا في الفيلم بشكل متعمد. يظهر في الفيلم طوفيا هيلر، الذي قاد القوة المقاتلة التي جاءت من الشمال، ويقول إنهم لم يقتلوا في الطنطورة أي شخص بعد انتهاء المعركة، وإن القصة حول قناة حفروها ودفنوا فيها 300 شخص هي اسطورة. هذا كان أيضا الموقف الرسمي الذي قاله قائد الكتيبة 33، بن تسيون (بنتس فريدمان) طوال السنين. “لقد قتل هناك 20 – 30 شخصا في المعركة”، قال فريدمان امام كاتس قبل تفجر القضية.

كان مردخاي (موتل) سوكلر مرشدا من زخرون يعقوب، حيث رافق القوات الى المعركة في الطنطورة وبقي هناك بضعة أيام كي ينفذ على الأقل جزءاً من عملية دفن العرب. لم يكن للجنود المقاتلين أي وسيلة لمعرفة ما هو العدد الدقيق لجثث العرب، التي بقيت مرمية على الارض. فقد غادروا المنطقة بعد أقل من يوم، وقبل أن يتم جمع ودفن جميع الجثث. أي في الظهيرة وفي المساء بعد المعركة الليلية. استمرت مهمة الدفن وجمع الجثث طوال الاسبوع الذي أعقب المعركة. يمكن فهم ذلك حسب وثائق مختلفة متاحة لنا، الآن، من عدة ارشيفات. هناك توثيق خطي وشهادات على أنه في أرجاء المنطقة كانت هناك جثث كثيرة منتشرة: في الطرق وفي البيوت وفي الشوارع. لا أحد يعرف ما هو عدد القتلى الدقيق.

سوكلر، الذي هو من الاشخاص الوحيدين الذين كان يمكنهم معرفة عدد الجثث التي تم جمعها في المنطقة وتم دفنها، يدعي وجود عدد كبير من القتلى دفنهم هو وسكان الفريديس الذين تم احضارهم الى الطنطورة من أجل تنفيذ المهمة. خلافا لما يدعيه اردنست في مقاله فان سوكلر لم يكن مجنونا. فقد تذكر جيدا في المقابلة معي من من ابناء زخرون يعقوب رافق القوات المقاتلة. ومع أي فصيل بالضبط ذهب كل واحد منهم. يوجد في هذا الامر توافق مطلق مع وثائق الجيش الإسرائيلي حول يوم المعركة. يمكن الادعاء بأن سوكلر بالغ في التقدير بخصوص عدد الجثث التي دفنت، وأنه لم يكن هناك 270 قتيلا كما تم الادعاء، لكن القول بأنه مجنون فهذا غير صحيح. ردا على سوكلر فان الفيلم يأتي بأقوال البروفيسور يوآف غلبر. فهو يدعي بأنه لا يصدق الشهود، ولذلك فانه لم يكلف نفسه عناء الاستماع لشهادات الجنود وهو يصف سوكلر بأنه مجنون.

حول سؤال لماذا نحن في إسرائيل نصدق شهادات ضحايا الكارثة في حين لا نصدق شهادات ضحايا النكبة، أو لماذا نصدق قصص جنودنا التي تحولت الى جزء من ارث الجيش ولكننا لا نصدقهم عندما يتحدثون الواحد تلو الآخر عن جرائم الحرب التي ارتكبت في 1948، نبقي للقراء التفكير والاجابة.

نعم كانت هناك قبور جماعية

لماذا يدعي حيترون أنه لا يوجد خلاف حول أنه في الطنطورة قتل 12 أو 20 عربيا بعد انتهاء المعركة؟ حسب معرفتي، الى أن تم عرض فيلم “الطنطورة” فان ممثلي رابطة الكسندروني لم يعترفوا بأنه قتل هناك اشخاص بعد المعركة، لا 12 ولا 20. هذه زيادة متأخرة، ويبدو أنها تغيير في مواقفهم، إذا صدقنا حيترون. من هذه الناحية فان الاعتراف بشكل متأخر أفضل من أن لا يكون هناك اعتراف. اذا لم يعد بالامكان بعد عرض الفيلم أن يتم النفي تماما فعلى الأقل سنحاول التقليل. اذا كان الامر هكذا فان الهدف الآن هو تقليص عدد القتلى من أجل خلق صورة وكأن الامر يتعلق بحالات محددة “على هامش المعركة”، كما كتب اردنست في مقاله. هذه لم تكن الحال حسب رأيي، على الاقل ليس حسب عدد الشهادات التي تراكمت حول اعمال قتل بعدد من الطرق.

خلافاً لحيترون فانه لا يوجد في الفيلم أي تناقض في موضوع القبر الجماعي. يعرض الفيلم شهادة حديثة لشاهد عيان عن الكشف العرضي عن قبر جماعي مع هياكل عظمية، وتغطيته بالتراب في بداية التسعينيات الى جانب الشك في تنظيف قبر جماعي في العام 1949. يدور الحديث عن قبور جماعية مختلفة وفي اماكن مختلفة. المنطقة التي توجد شهادة على العثور فيها على عظام في التسعينيات توجد قرب الشاطئ خلف منزل عائلة يحيى، الذي ما زال قائما على الأرض حتى الآن. في المقابل، القناة المفتوحة، التي يوجد شك بأنه رفعت منها الهياكل العظمية، توجد الآن تحت موقف السيارات في حوف دور.

يبدو أن حيترون متردد في التعمق في الخرائط والصور الجوية. بالمناسبة، هذه ذريعة اخرى استخدمها في حينه لدحض اطروحة كاتس. “لم تحضر ما يكفي من الخرائط”، قالوا له. ولكن عندما يأتي شخص ببحث عميق يحلل صور جوية كثيرة تم تصويرها خلال 75 سنة فانهم يختارون في جبهة الاسكات النظر الى الاتجاه الآخر ودحرجة العيون نحو السماء. القناة المشبوهة هي قبر مفتوح، تظهر في الصورة الجوية من العام 1949، بطول 35 مترا وعرض 4 امتار. بجانبها يظهر بوضوح كومة من التراب، وليس من السهل اثبات ما ورد في الفيلم. لذلك، تم فحص الامر بتعمق مع خمسة خبراء. جلستُ أنا بسرية مع أفضل الخبراء في دولة إسرائيل وفي الجيش الإسرائيلي.

في الصور الجوية من العام 1949 تظهر قناة مفتوحة تشبه القبور الجماعية الكبيرة المعروفة لنا من اماكن اخرى في العالم. وقد استغرقني وقت طويل كي أدرك بأن جهة معينة، كما يبدو، سواء محلية أو تابعة للدولة، أخلت من هناك محتويات القبر الجماعي بمساعدة آلة ميكانيكية، مهما كان دافعها. هذا كما يبدو منطقة القبر الجماعي الكبير الذي وصف في معظم الشهادات. وهذا يتوافق مع وصف القبر الجماعي الموجود قرب المقبرة التي تظهر في وثيقة من تلك الفترة في ارشيف الجيش الإسرائيلي، الذي يوجد في ايدينا. حسب اقوال سوكلر، الذي قام بالدفن، فان الجثث تم وضعها في القبر على طبقتين. طريقة حساب حجم القبر من خلال الصورة الجوية وعرض نموذج القبر بالابعاد الثلاثة حسب الصور الجوية من اجل تقدير عدد الموتى الذين كان يمكن دفنهم في هذا القبر، سأبقيها لمقال آخر أو للجنة التحقيق. من يدّعون ضد الفيلم مدعوون للالتقاء والحصول على تفسير مفصل من الاشخاص المهنيين في هذا المجال. من نافل القول أن لا أحد منهم جاء حتى الآن الى أي لقاء كهذا.

سواء أتم اخلاء جثث من هناك، كما نقدر، أم لم يتم ذلك، فلا أحد من جبهة الاسكات عرض تفسيرا بديلا: لماذا تظهر في موقع القبر الجماعي الموجود قرب المقبرة قناة مفتوحة لمدة سنة ونصف بعد الدفن؟ حتى بدون الحفر هناك يمكن التحقيق في القصة بوسائل تكنولوجية متقدمة مثل الرادار تحت الأرضي المتاح الآن. حسب تقديرات الخبراء سنشخص، كما يبدو، عدم انتظام في التربة، أو على الاقل يمكننا تأكيد حجم القناة التي كانت هناك، أو ربما سنرى ارتدادات الرادار اذا كانت الهياكل العظمية ما زالت موجودة. حتى الآن فانه في كل شتاء تتجمع في المكان بركة مياه كبيرة، الامر الذي يشير الى عدم انتظام من تحت الارض، ويحاول ابناء المكان إخفاءها عن طريق وضع التراب بشكل متكرر. من المهم اذا كانت دولة إسرائيل ستساعد في إجراء تحقيق جدي في هذه القضية. ويدور الحديث عن تحقيق لعلماء آثار مشهورين وجيولوجيين لا مؤرخين. أنا موجود هنا، استدعوني عند تشكيل لجنة التحقيق.

من اجل تعزيز اقواله، يعرض حيترون امام القراء الاقوال التي قالها له المؤرخ بني موريس. عندما عرضت على موريس الصور الجوية للطنطورة تكدر وجهه، وادعى بأن الأمر غير ممكن؛ لأنه في تلك الفترة لم يصوروا البلاد من الجو. لشديد الاحراج، هذه لم تكن اقوال الهراء الوحيدة التي سمعتها من موريس. فهو أيضا قال أمامي إنه تشاور في حينه مع خبير ووجد أن الجثث “لا يمكن أن تنتفخ”، في محاولة لمناقضة الشهادات حول القبور المليئة بالجثث التي انتفخت على الارض بعد الدفن.

ادعاء آخر لموريس حسب اقوال حيترون هو أنه لا تتوفر وثائق يمكن من خلالها الفهم بأنه حدث قتل جماعي في الطنطورة. هذا الادعاء غير دقيق. ورغم أنه ليس لدينا طريقة للوصول الى جميع المواد ذات الصلة التي يحتفظ بها حتى الآن في الارشيفات، إلا أنه توجد في يدنا وثيقة مهمة كتبها قائد محافظة نفتالي لقائد المنطقة 1، التي كانت تنتمي اليها الطنطورة. في 29 أيار 1948، أي بعد مرور ستة ايام على الحدث على الارض، وبخ قائد المحافظة مرؤوسه:

“أ- يجب عليك التأكد من أن يتم دفن جثث العرب الموجودين في الطنطورة وأن تمنع حدوث وباء.

ب- من غير المعقول أن لا تنفذ ما يفرض عليك. هذه المرة القصد هو تخطيط الطنطورة. كان يجب أن يكون لك ما يكفي من الوقت للانتهاء الكامل”. ما هو تفسير هذه الرسالة؟ ماذا يعني “تخطيط الطنطورة” الذي تم التحدث عنه بعد احتلال القرية في سياق دفن جثث العرب؟ لماذا استغرق الامر وقتا طويلا لإنهاء دفن جثث العرب؟ لماذا يوجد خوف من تفشي وباء؟ يبدو أن الاجابة مرتبطة بالصعوبة الكامنة في الدفن اليدوي لعدد كبير من القتلى في الميدان.

رسالة رئيس الأركان

من الجدير التطرق ايضا لمقال البروفيسور غلبر، الذي نشر في موقع “ديوما”. كتب غلبر بأن ما نفذه جنود الكسندروني في الطنطورة كان إضراراً بالممتلكات. مصدر هذا الادعاء موجود في المراسلات العسكرية في 1 حزيران 1948. حينها أصدر مكتب رئيس الاركان برقية لقائد لواء الكسندروني بهذه الصيغة: الموضوع: “الطنطورة.

“لقد علمت من قسم الشؤون العربية بأن الجنود الذين دخلوا الى الطنطورة نفذوا اعمال تخريب كثيرة بعد الاحتلال وبدون أي حاجة. رجاء أعلموني مدى صحة هذه الاقوال التي وردتني وماذا فعلت لمنع أعمال كهذه في المستقبل”.

لماذا كتب حيترون بأنه “اليوم أصبح من المعروف أن عميتسور كوهين لم يكن في الطنطورة أبدا؟”. بحث سريع في “غوغل” عن كلمة طنطورة + عميتسور سيقود القراء الى شهادتين مختلفتين لعميتسور تم اعطاؤهما قبل سنوات من اجراء المقابلة معه من اجل فيلم الطنطورة. يروي عميتسور كيف تم ضمه للكتيبة 33 في المعركة في الطنطورة رغم أنه كان من كتيبة أخرى، لأنه كان مدفعيا من فصيل مساعد في لواء الكسندروني.

اضافة الى ذلك، تحدث عميتسور في الفيلم عن “الأشهر الاولى” للحرب، التي لم يكن فيها حسب شهادته يأخذ أسرى، بل كان يقتل. هكذا من الواضح أنه لا يتحدث بشكل محدد عن الطنطورة في هذا المقطع. ومثلما قيل في السابق فان الفيلم يعرض صورة واسعة ولا يتناول فقط الطنطورة. هذا الامر تم توضيحه لحيترون في محادثتي معه، لكنه اختار تشويه ما تم توضيحه له بكل ثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى