أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (101)

ملاحظات على الجولة العسكرية الأخيرة على غزة

التمييز الإسرائيلي بين حماس والجهاد في غزة نسخة مصغرة من التمييز بين السلطة في الضفة وحماس في غزة.

ليس هناك من يعتاد الموت والقتل والدمار، رغم أن غزة باتت مكاناً للموت والدمار الموجه عن بعد منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أي منذ أكثر من عقدين من الزمان، وخصوصاً بعد سيطرة حركة حماس على غزة عام 2006. فليس هناك معركة فعلية أو حقيقية يخوضها الفلسطينيون العزل المحاصرون في غزة، وإنما هو قرار بموتهم يأتي من قبل إسرائيل لارهابهم واجبارهم على الرضوخ، في ظل عالم يقف إما متآمراً أو متفرجاً. وتتحكم إسرائيل بحياة الفلسطينيين ومصيرهم ومستقبلهم، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتستخدم أساليب مختلفة لاجبارهم، لتبقي سيطرتها الفعلية على فلسطين، وتستكمل تحقيق أهدافها في جانبي الوطن المحتل على المدى البعيد. ولا تخفي إسرائيل سياستها تجاه غزة منذ سيطرة حركة حماس عليها، اذ تقبل بوجود جماعات مسلحة عسكرية فيها، على رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، في سبيل تقويض وحدة الكلمة والصف الفلسطيني، والحفاظ على حالة الانقسام، التي تضعف مكانة السلطة الفلسطينية سياسياً، لاستخدام ذلك ذريعة لمنع فرص الوصول إلى حل سياسي مع الفلسطينيين. ورغم قبول إسرائيل بسيطرة حركة حماس المسلحة على غزة، الا أنها تشترط الهدوء، أي تحجيم المقاومة، وتفرض لتحقيق ذلك على غزة حصاراً منذ أكثر من عقد ونصف، وخاضت أكثر من جولة قتال دموية، كانت آخرها جولة الأيام الثلاثة الأخيرة قبل أيام. ودفعت غزة في سبيل تحقيق إسرائيل لذلك الشرط فقراً وتخلفاً وبطالة تعد من أعلى المعدلات في العالم نتيجة للحصار، وخسر أكثر من أربعة آلاف غزي لحياتهم، بالإضافة إلى عشرات الالآف من المعاقين والمشوهين، معظمهم من المدنيين، بسبب اعتداءات إسرائيل وهجماتها على غزة. لا تأبه إسرائيل بالطبع لخسائر الفلسطينيين، وإنما تستخدم معاناتهم لتحقيق أهدافها المتفق عليها من قبل تياراتها وأحزابها المختلفة، والتي قد تختلف فيما بينها فقط في أسلوب أو طرق تحقيقها، ومن هنا نبدأ بوضع عدد من الملاحظات على هذه الحرب.

تعاملت الحكومة الإسرائيلية الحالية من خلال هذه المعركة مع أرواح الفلسطينيين ودمائهم باستهتار مستفز، بعد أن جعلتها قرباناً لدعايتها الانتخابية في الانتخابات القادمة. فقد اعتبر عدد من المحللين الإسرائيليين أن قضية الأمن تعد نقطة ضعف تعاني منها حكومة لابيد الحالية، وهو ما استوجب وضع الحكومة الحالية لخطة تحسن من خلالها وضعها الانتخابي. جاءت جولة القتال الأخيرة يوم الجمعة الماضي بمبادرة إسرائيلية، رداً على تهديد كلامي من قبل حركة الجهاد، بعد اعتقال باسم السعدي قائد الحركة في الضفة الغربية بشكل مهين يوم الاثنين من الأسبوع الماضي. تحركت إسرائيل في أعقابها ذلك باتخاذ اجراءات أمنية مشددة على طول الحدود مع غزة، وبدأت في اغلاق المعابر منها وإليها، ورغم تدخل مصر للحد من التوتر، وحصولها على وعود من حركة الجهاد بتجميد رد مباشر وفوري، قامت إسرائيل باستهداف تيسير الجعبري، بعد أن فشلت محاولاتها لاستفزاز حركة الجهاد كي تبدأ المعركة. أظهر عدد من استطلاعات الرأي التي جاءت بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار قبل إيام حصول حزب لابيد على مقاعد إضافية وتزايد شعبيته، وتراجع شعبية نتنياهو وعدد مقاعد كتلته، مقارنة مع الفترة التي سبقت جولة القتال الأخيرة على غزة. ويبدو أن إسرائيل لم تكن معنية باستمرار المعركة واطالة أمدها، فقد أعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يوم الإثنين الماضي بأن العملية العسكرية في غزة حققت أهدافها، وذلك في سبيل الحفاظ على إنجازاتها، بعدم دخول حركة حماس إليها، وهو أمر يبقى مرهوناً بمدى تطور أحداث المعركة.

نجحت إسرائيل بتطوير قوة الردع الصاروخي لمواجهة صواريخ غزة، في حين عملت على تقليص القدرة الهجومية الصاروخية الفلسطينية من خلال إحكام الحصار في البداية ثم بعد ذلك من خلال تطوير أنظمة التتبع والرصد والمتابعة. وعكست تفاصيل هذه المعركة هذه الحقيقة بوضوح، فبينما كان الوصول إلى الأهداف الفلسطينية سهلاً يسيراً في هذه المعركة، وكانت الصورايخ الفلسطينية محدودة التأثير، أعلن جيش الاحتلال عن نجاح نظام القبة الحديدية للدفاع الصاروخي في تحقيق تطور جديد في أدائها، مقارنة بجولات القتال السابقة. ومن الجدير ذكره أن هذه المنظومة بدأت إسرائيل في تطويرها في عهد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وجرى اختبارها لأول مرة في العام 2010، وأعلن عن استخدامها في العام التالي، وباتت تحقق تطوراً ملحوظاً في كل جولة قتال تالية مع غزة. وفي زيارة جو بايدن الأخيرة، تعهدت الإدارة الأميركية الحالية بدعم تطوير المشروع الصاروخي “الشعاع الحديدي”، وهو نظام متطور يعمل بالليزر لإسقاط الصواريخ الفلسطينية، إلى جانب نظام القبة الحديدية، ليزيد من فعاليتها، والذي قد يغير مستقبلاً من قواعد اللعبة.

وجهت إسرائيل من خلال الجولة القتالية صفعة قاسية للفلسطينيين، فتم الإعلان يوم الاثنين الماضي عن التوصل لهدنة بوساطة مصر التي أكدت على أنها ستعمل على الافراج عن الاسيرين باسم السعدي وخليل عواودة المضرب عن الطعام منذ اكثر من 100 يوم، وهو ما أعاد التأكيد عليه الأمين العام بينما أكدت إسرائيل على أنها لم تلتزم بذلك. يأتي ذلك بعد أن قامت إسرائيل باعتقال عشرات الناشطين من حركة الجهاد في الضفة الغربية خلال أيام القتال، ولم تفرج عن أي منهم بما فيهم السعدي وعواوده حتى الان. واستطاعت إسرائيل خلال جولة القتال الأخيرة استهداف قائدي لواءي شمال وجنوب غزة، بالإضافة إلى 15 آخرين من نشطاء الحركة، حسب تقديرات إسرائيل، ناهيك عن استهداف مواقعهم ومراصدهم ومنصات صواريخهم وورش تصنيعها الرئيسية.

عكست جولة الحرب الأخيرة سياسة إسرائيل للتمييز في تعاملها بين حركتي حماس الجهاد، وهي السياسة التي بدأتها إسرائيل منذ العام 2019، وذلك لخلق الفتنة والتصادم بين الحركتين، وتشبه إلى حد كبير تلك السياسة التي انتهجتها من قبل للتمييز والفصل بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس. بدأت هذه السياسة الإسرائيلية عندما استهدفت غارات الاحتلال بهاء أبو العطا قائد لواء الشمال للحركة في غزة في العام 2019، الذي حل محله بعد ذلك تيسير الجعبري. لم تتدخل حركة حماس في المعركة التي جاءت في اعقاب اغتيال أبو العطا، بسبب العلاقة المضطربة بين الحركتين في حينه. ورغم تطور العلاقة بينهما بشكل إيجابي واضح بعد معركة العام الماضي، بقيت حركة الجهاد وحدها في هذه المعركة ولم تتدخل حركة حماس. ورغم إعلان الحركتين، بعد انتهاء القتال الأخير، بأنهما لن يسمحا لإسرائيل بخلق خلاف بينهما، الا أن هذه المعركة أثبتت أن اسرائيل تعمل على تثبيت سياسة الفصل بين الحركتين في سبيل تحقيق أهدافها.

بدأت سياسة إسرائيل بتحضير حركة حماس كطرف يمكن التفاهم معه لتحقيق الهدوء في غزة عندما سمحت في عهد نتنياهو بمرور الدعم المالي القطري إلى غزة، ودعمت بقوة تمركز المصريين كوسطاء، كما سمحت ببدء الحوار مع الحركة على إعادة الاعمار والبناء الاقتصادي والمدني للقطاع. وبعد مرور اكثر من عام على معركة العام الماضي، والتي الحقت اضرار اقتصادية كبيرة بغزة، استغلت إسرائيل ذلك لتدشين مشروع أطلق عليه “برنامج مدني موسع” لتحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة. وطالما سعت حركة حماس خلال سنوات حكمها، لتحقيق مثل هذا الاختراق، والذي يعني تلقائياً تطور مكانتها وشرعيتها السياسية اقليمياً ودولياً، والذي عبرت عنه صراحة مع نهاية كل معركة مع الاحتلال، فجميع الجولات العسكرية انتهت بحصول إسرائيل على الهدوء مقابل تسهيلات لتخفيف الحصار. وخفضت إسرائيل خلال العام الماضي القيود المفروضة على مجموعة متنوعة من مواد البناء المصدرة إلى غزة، وضاعفت استيراد وتصدير البضائع، ومنحت آلاف العمال الغزيين تصاريح للعمل في إسرائيل، وسمحت بالعمل في العديد من مشاريع البنى التحتية المخطط لها منذ سنوات لتحسين أوضاع المدينة، كمحطة تحلية المياة ومرافق معالجة مياة الصرف الصحي وزيادة توليد الكهرباء، الا أنها أبقت خطة تزويد غزة بالغاز مرتبطة بصفقة تبادل الأسرى المستعصية حتى الآن.

اعتبر مراقبون إسرائيليون أن الفترة التي جاءت بعد معركة العام الماضي جعلت غزة أكثر هدوءاً مقارنة بالعقدين الماضيين. واعتبرت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن حركة حماس خلال هذه المعركة أظهرت رغبتها في البقاء في السلطة كلاعب رئيس، خصوصاً في ظل تعامل الوسطاء من المصريين والقطريين والأمم المتحدة مع قادة حماس كحكام لغزة. ولوحت إسرائيل للحفاظ على هذه المعادلة قائمة خلال الحرب وبعدها، وهو ما مارسته بخصوص المعابر والوقود. فقد أغلقت إسرائيل معبر إيرز يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وبعدها بيومين قامت باغلاق معبر كرم أبو سالم المعبر الوحيد الخاص بالبضائع، وهو الأمر الذي استمر بعد ذلك خلال أيام المعركة الثلاثة، كما منعت إسرائيل وصول مصادر الطاقة إلى محطة الكهرباء الوحيدة في غزة، التي أغلقت أبوابها بسبب نقص الوقود، الذي يصلها من مصر أو إسرائيل، إلا أن إسرائيل عادت وفتحت المعابر وأعادت الحياة إلى مجراها في القطاع سريعاً تماماً كما قطعتها قبل وخلال المعركة. في المقابل، وعلى الرغم من أن حركة الجهاد الإسلامي حركة إسلامية، تقترب أيديولوجيا من حركة حماس، الا أنها لا تسعى للوصول للسلطة، وترفض خوض الانتخابات، مما يجعلها اقل عرضة للمساومات السياسية، كما أنها تمتلك حضوراً ومكانة مهمة في الضفة الغربية، خصوصاً في مدينة جنين. إن ذلك يستشرف سياسة إسرائيلية لن تكتفي بهذه الجولة، بل على العكس ستعتبرها مقدمة لجولات قادمة، بعد أن بدأت بترسيخ قواعد معينة، تقوم على الفصل بين حركة حماس والجهاد، وهو ما أكد عليه وزير الحرب الإسرائيلي غانتس عندما قال: “ليس هناك قيود على قتل عناصر الجهاد الإسلامي حتى بعد توقف اطلاق النار”.

تعمل إسرائيل على قطع الصلة بين الضفة وغزة، سياسياً بدعم الانقسام، وميدانياً بفصل الجبهات المختلفة، والآن بمحاولة الفصل بين حركات المقاومة، بعد أن واجهت أصعب محنة عسكرية وسياسة باعتراف قادتها خلال معركة عام 2021، والذي توحدت خلالها الساحات الفلسطينية معاً لمواجهتها، فشكل النضال الفلسطيني في حينه أجمل تجلياته بالوحدة بين فصائله وساحاته. وتدرك إسرائيل خطورة الانفتاح على حركة حماس، لأنها في الأساس حركة إسلامية مقاومة، وطالما عملت على تطوير قدراتها العسكرية، حتى في سنوات الحصار، لمواجهة الاحتلال، الأمر الذي يفسر إبقاء غزة تحت الحصار حتى الآن، رغم الانفتاح الذي تحاول من خلاله إسرائيل تغيير المعادلات، والذي يحتاج لتفاهم والتزام كامل وطويل المدى من قبل حركة حماس لخلق مقاربة آمنة ومضمونة لإسرائيل، شبيه باتفاقها مع منظمة التحرير الفلسطينية مطلع التسعينيات من القرن الماضي. اليوم على الفلسطينيين أن يقرروا، إما أن يقبلوا بشروط الاحتلال، والتي تمنحهم مقابل الهدوء، والقضاء على المقاومة، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، وضعاً اقتصادياً وحياتياً مقبولاً إلى حين، في ظل بقاء الاحتلال وتحكمه بمفاصل حياتهم، أو اتخاذ قرار جماعي ومتفق عليه، للتصدي للاحتلال ومخططاته بعيدة المدى ضد وجودهم ومستقبل قضيتهم.

مراقبون: لهذه الأسباب لم تشارك حركة حماس في المعركة الأخيرة ضد “إسرائيل”

غزة/سما/

في تصريحاته التي حملت تهديدات للجيش الإسرائيلي في حال تم انتهاك هدنة وقف إطلاق النار، قال الأمين العام لحركة “الجهاد الإسلامي”، زياد النخالة، إن حركة حماس لم تتدخل عسكريا في الحرب.

ويحاول المسؤولون الإسرائيليون فصل حركة “حماس” عن “الجهاد الإسلامي”، فيما يتعلق بالمعركة الأخيرة.

وقالت مصادر إسرائيلية إن التقديرات بأن “حماس” غير معنية بحرب أو تصعيد كانت حاسمة.

وطرح البعض تساؤلات عن أسباب عدم مشاركة حركة “حماس” مع “الجهاد الإسلامي” في المعركة الأخيرة، ومدى إمكانية أن تؤثر هذه الخطوات في العلاقة بينهما وبين “حماس” وفصائل المقاومة الأخرى.

أسباب متعددة

قال المحلل السياسي الفلسطيني، ثابت العمور، إن “حركة حماس لم تتدخل عسكريا بالفعل في المعركة الأخيرة مع الاحتلال، إلا أن الأمين العام لحركة “الجهاد الإسلامي” أكد على أنها وفرت بيئة مناسبة لعمل المقاومة، مؤكدا أن حركة الجهاد تحرص على الوحدة الوطنية، وتحدثت بلغة وحدوية جامعة، لا سيما وأن التصريحات صادرة عن أعلى مستوى سياسي في الحركة”.

وبحسب حديثه لـ”سبوتنيك”: “على مستوى الشارع الفلسطيني، كان هناك استغراب وتساؤلات مركزية عن سبب امتناع حركة “حماس” عن المشاركة في المعركة الأخيرة مع حركة “الجهاد الإسلامي”، لا سيما وأن إسرائيل هي من بدأت في الاغتيالات”.

ويرى العمور أن “أسباب عدم تدخل “حماس” في الحرب يتعلق بالحركة فكرا وممارسة، ففي الفكر تتبنى “حماس” استراتيجية الإعداد والبناء للتحضير لمعركة نهائية وهو ما تسميه حماس بالمراكمة، بل أن أحد أسباب نشأة حركة “الجهاد الإسلامي” مطلع الثمانينيات أنها أخذت على “حماس” – ولم تكن حينها حماس بهذا المسمى كانت جناح الإخوان – أنها أجّلت الاشتباك مع الاحتلال، وبالتالي بخلاف “الجهاد الإسلامي” فإن “حماس” تولي البناء التنظيمي والإعداد أولوية على الاشتباك”.

واستطرد: “هذا كان ولا يزال قبل الدخول في فخ الحكومة، لأن واحدا من أهم الأسباب أن مقتضيات العمل المقاوم فلسطينيا تختلف عن متطلبات العمل السياسي الرسمي، وبالتالي انتقال “حماس” من حركة مقاومة إلى الانتخابات وفوزها بالأغلبية ثم إدارتها لكل مناحي الحياة في قطاع غزة، ووجود أكثر من 30 ألف موظف لحماس في القطاع الحكومي بغزة، كل ذلك أوجد مجموعة تحديات وحسابات، وبالتالي أصبح العمل السياسي الرسمي على حساب العمل المقاوم”.

وأوضح أن “تمويل هؤلاء الموظفين وتشبيك محددات العلاقات الخارجية لحركة “حماس” يعد عاملا آخر ضاغط باتجاه عدم الأريحية في الذهاب للحرب، وهو ما يفسر أن أحد الأطراف التي اتصلت بـ”حماس” وأبلغتها ألا تتدخل في الحرب هي قطر، ولا يمكن رفض الوساطة القطرية لجملة اعتبارات أهمها أن قطر تدفع منحة مالية لغزة تبلغ 30 مليون دولار شهريا عبارة عن منحة وجزء لوقود محطة الكهرباء”.

وتابع بالقول: “وكذلك حديث العالم العبري بشكل مباشر إلى “حماس” بأن الحرب هي فقط ضد الجهاد الإسلامي ولا علاقة لـ”حماس” بها، وبالتالي قررت الحركة عدم التدخل والانخراط في الحرب، أولا استجابة للوسطاء، ثانيا فهم الرسالة الإسرائيلية، وثالثا لإدراك الحركة ارتفاع التكلفة اقتصاديا، رابعا لتحافظ “حماس” على موقعها وتموضعها في حكم غزة، وكذلك لأن فكر “حماس” في الاشتباك أبطأ من الجهاد الإسلامي”.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني أن “حماس” تريد أن تكون هي من يدير المشهد سواء للتهدئة أو للتصعيد، وبالتالي لا تقبل أن يسحبها “الجهاد الإسلامي” للمواجهة، وهو ما يفسر طلب حماس من الجهاد التريث في الاشتباك قبيل معركة سيف القدس الماضية كي تدخل معه في المعركة وتشترك وألا ينفرد الجهاد بالهجوم”.

علاقات وطنية

بدوره اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، مصباح أبو كرش، أن “زياد النخالة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قدم درسا في الخطاب المسؤول وطنيا عندما تحدث حول محاولة ضرب العلاقة الاستراتيجية بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، إذ قام بتقدير الموقف بشكل منطقي ساهم في إسكات الكثير من الألسن المتربصة بهذه العلاقة، وغيرها من بعض السذج المحسوبين على الحركتين”.

وبحسب حديثه لـ”سبوتنيك”: “حماس كان لها موقف من الاستعجال في الخوض بأمور قد تكون أدت إلى حدوث هذه الحرب، ويعود ذلك لأسباب كثيرة، لكن موقفها هذا لم يؤثر على دعمها غير المباشر لكل فصائل المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب وهو الأمر الذي تدركه جيدا هذه الفصائل، فمن غير حركة “حماس” الحاضن المركزي للمقاومة الفلسطينية في حالات الهدوء والحرب وهي من تدفع الثمن الأكبر لذلك”.

وتابع: “هذه ليست آخر الحروب العسكرية التي ستخوضها إسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني ومقاومته وعلينا جميعا استخلاص العبر، وهو الأمر الذي يمكن أن يتحقق بشكل إيجابي عندما نتوحد في كل شيء، وخاصة عندما يرتبط الأمر بأخذ قرارات تخص قضايا حساسة ومصيرية”.

ويرى أبو كرش أن “العلاقات المميزة التي تجمع بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وكل فصائل المقاومة الفلسطينية تستفز إسرائيل كثيرا وستواصل سعيها من أجل ضرب هذه العلاقات الفلسطينية الوطنية، والمطلوب من الكل الفلسطيني هنا الضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه المساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في ذلك”.

في السياق ذاته، اعتبر المحلل السياسي المقيم في قطاع غزة، مصطفى الصواف، أن “هناك تعاونا وتنسيقا على درجة عالية بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، لكن لم يعلن عن كيفيته خلال أيام المعركة الأخيرة مع إسرائيل”.

وبحسب حديثه لـ”سبوتنيك”: “ليس بالضرورة أن تكون المشاركة عسكرية، تم تكتيك الأمر في غرفة العمليات المشتركة بين الحركتين، لكن ليس معلومًا كيف لعبت المقاومة بتكيكاتها العسكرية داخل غرفة العمليات لمواجهة إسرائيل في هذه الحرب”.

وكان النخالة أشار في معرض حديثه إلى موقف حركة “حماس”، مؤكدا على “وحدة قوة المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني”، وقال: “إننا والإخوة في “حماس” في تحالف مستمر وأيضا مع كافة قوى المقاومة، العدو لن يستطيع أن يفرق بين قوى المقاومة الفلسطينية”.

وأضاف: “أطمئن كل الإخوة، رغم محاولة العدو التفرقة بين حماس والجهاد، ومحاولة وضع حماس في زاوية أنها عاقلة وحكيمة ولم تتدخل في المعركة، ومحاولة العدو أن يقول إذا تدخلت “حماس” نحن سنستهدفها، نعم هذا في وجه منه صحيح، صحيح بمعنى أن حماس لم تتدخل عسكريا في هذه المعركة”.

وأبقت “حماس” صواريخها في المخابئ، ولم تطلق أيا منها باتجاه إسرائيل، على الرغم من إعلانها أن “المقاومة الفلسطينية موحدة في الرد على العدوان الإسرائيلي” بحسب الناطق باسمها عبد اللطيف القنوع.

وشدد رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، رونين بار عما وصفه بالنجاح في الفصل بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي معتبرا أنها غاية استراتيجية تحققت، فيما شدد قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) قبل يومين على أنه يجب الحفاظ على هذا الفصل.

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي بقطاع غزة حيز التنفيذ، مساء أمس الأحد، بعد جولة من التصعيد استمرت ثلاثة أيام وأسفرت عن استشهاد 43 فلسطينيا وإصابة العشرات.

ودعت جمهورية مصر العربية، في وقت سابق، إلى “وقف إطلاق النار بين حركة “الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة وإسرائيل بشكل شامل ومتبادل من الساعة 23:30 مساء بالتوقيت المحلي”.

واغتالت إسرائيل خلال حملتها العسكرية، الممتدة منذ عصر الجمعة، عددا من القياديين في “الجهاد الإسلامي” وذراعها المسلح “سرايا القدس”، فيما كثفت الحركة قصفها مناطق جنوبي ووسط إسرائيل بما في ذلك منطقة “غوش دان” التي تضم تل أبيب.

نظرة في تجربتي كتيبتي جنين ونابلس

عمرو علان

لقد مرّت الضفة الغربية المحتلة، خلال العشرين سنة الماضية تقريباً، بمرحلةٍ يصح تقييمها على أنها كانت مرحلة «موتٍ سريريٍ» على صعيد الفعل المقاوِم، وعلى صعيد أثرها على الاحتلال وقدرته على الاستمرارية والتمدّد في أراضي الضفة الغربية. لكننا نشهد، منذ فترةٍ، بشائر نهاية هذه المرحلة، ممّا يوجب النظر في التحولات التي تعيشها الضفة، ليس لغرض التحليل فقط، وإنما لِيبنى على الأمر مقتضاه للمرحلة المقبلة.

لقد تكوّنت قناعةٌ خاطئةٌ خلال الثلاثين سنةً الماضية عند شريحةٍ واسعةٍ من أبناء الشعب الفلسطيني، لا سيما من أبناء حركة «فتح»، تقول بأنه من الممكن استرداد بعضٍ من الحقوق العربية الفلسطينية المسلوبة عبر طريق المفاوضات. ولقد تكَوّن هذا الاقتناع بسبب مسار «أوسلو» الذي سلكته «م.ت.ف» بقيادة حركة «فتح». وتعدّ هذه القناعة وهذا المزاج من الأسباب الجوهرية لمرور الضفة في حالة «موتٍ سريريٍ»، إذ حرم هذا المزاج المقاومة في الضفة من قسم لا يستهان به من حاضنتها الشعبية.

ومثّلت حقبة محمود عباس ذروة مرحلة الموت السريري ، إذ غدا «التنسيق الأمني» الوظيفة الأولى لأجهزة سلطة رام الله الأمنية، فصارت حماية أمن المستوطنات والمستوطنين، والقضاء على أي فرصةٍ لمقاومة الاحتلال مهما كان شكلها، أهم إنجازات سلطة رام الله، لدرجة أنها تفوّقت على الاحتلال ذاته في تلك الوظيفة.

لكن، نتيجةً لوصول مسار «أوسلو» إلى طريقٍ مسدودٍ كما كان محكوماً عليه منذ البدايات، وظهور نتائجه الكارثية في الضفة، وعلى المشروع الوطني الفلسطيني عموماً، بالإضافة إلى تحوّل سلطة رام الله إلى أداةٍ وظيفيّةٍ في يد الاحتلال، وذلك كمسارٍ طبيعيٍ لوجود أي سلطة حكمٍ ذاتيٍ في ظل الاحتلال كما علّمتنا تجارب الشعوب الأخرى، نتيجةً لكل هذا، بدأ في الأعوام القليلة الماضية ظهور بشائر تحوّل في المزاج العام الفلسطيني في الضفة. إذ بدأت الضفة باستعادة نفَسها الثوري بالتدريج، وبدأت الحاضنة الشعبية للمقاومة بالتوسع وعودتها إلى سابق عهدها تدريجاً، واتّضح هذا من خلال انتفاضات الأقصى المتتالية، ومن خلال عمليات طعن المستوطنين وعمليات الدّهس الأسبوعية تقريباً، والتي تصاعدت بعد ذلك لتصبح بعضها عمليات إطلاق نارٍ واشتباكاتٍ مسلّحةٍ، كان منها عملياتٌ فدائيةٌ وقعت في أراضي 1948 المحتلة.

وعلى أهمية عمليات المقاومة الفردية تلك، إلا أن الضفة قد شهدت في الأشهر القليلة الماضية تطوراً ملموساً في عمليات مقاومة الاحتلال، إذ ظهرت مجموعاتٌ منظمةٌ تُحْسِن استخدام السلاح في ساحات الضفة، كانت طليعتها «كتيبة جنين» في مخيّم جنين، والتي شكّلت التجربة الناجحة الأولى، والتي تتكرّر اليوم في مدينة نابلس من خلال «كتيبة نابلس».

ولا يبدو أن هذه الكتائب الفتِيّة تنتمي إلى فصيلٍ فلسطينيٍ بعينه، إذ يظهر أنها تتشكّل من مجاهدين ينحدرون من خلفياتٍ فصائليةٍ متنوعةٍ، إلّا أن ما يجمع بين هؤلاء المجاهدين الاقتناع بفشل مسار «أوسلو»، وبأن سلطة رام الله باتت جزءاً من أجهزة الاحتلال بصورةٍ فعليةٍ، وفوق هذا وذاك يجمع بينهم إيمانهم بخيار المقاومة المسلحة كخيارٍ أصيلٍ للشعب الفلسطيني، يمكن أن يفضي بصورةٍ واقعيةٍ إلى دحر الاحتلال والتحرير.

وممّا ساعد في تطوّر هذه الكتائب ونجاح عملياتها، كان عدم اعتمادها على الصيغة الهرمية في تنظيمها، حيث صعّب ذلك على كلٍ من سلطة رام الله وقوات الاحتلال ضربها والقضاء عليها، هذا بالإضافة إلى تمتّعها بحاضنةٍ شعبيةٍ أوسع، وذلك جراء التحوّل الذي حصل في المزاج العام عند أكثرية الشرائح التي كانت مقتنعةً بمسار «أوسلو»، بعد تبيُّنها عبثيّة ذاك المسار وعقمه.

ولا يمكن فصل مجموع التطورات التي تشهدها الضفة في العمل المقاوم، وبشائر خروجها من مرحلة الموت السريري، عن السياق العام لتبدّل البيئة الاستراتيجية التي تحكم المنطقة، وأهمّها تراجع فعالية الكيان المؤقت عسكرياً، وذلك بعد إخفاقات معاركه التي خاضها منذ حربه ضد لبنان 2006 وحروبه التي تلتها ضد قطاع غزة من المنظور الاستراتيجي. فتراجع الكيان عسكرياً، بالإضافة إلى ما رافقه من تعاظمٍ في قدرات «محور القدس»، لا سيما فصائل المقاومة في قطاع غزة، قد خلق ظرفاً جديداً في الضفة بما يشبه شبكة أمان لكتيبتي جنين ونابلس. إذ بات الكيان يقيم حساباتٍ دقيقةٍ لتصعيد الوضع في الضفة، خوفاً من انفجار الأوضاع ودخول غزة على الخط. فقد كانت «كتائب القسام» ألمحت سابقاً إلى إمكانية دخولها على خط المعركة، في حال قيام الكيان بتنفيذ اجتياحٍ واسعٍ لمخيَّم جنين على غرار اجتياح 2002. هذا ناهيك عن الحديث المستجد حول وحدة الجبهات بين أطراف «محور القدس» في المعارك المقبلة، ولا بد أن توفُّر ما يشبه شبكة الأمان في الضفة، قد أمَّن بيئةَ عمَلٍ أكثر راحةً لكتيبتي جنين ونابلس.

ولا يغيّر العدوان الصهيوني الأخير في هذا الشهر ضد قطاع غزة على البيئة الاستراتيجية الراهنة، فعدم مشاركة «كتائب القسام» علناً بالقتال يعود لحسابات تكتيكية فرضتها طبيعة المعركة الأخيرة وأهدافها، وذلك لتحقيق الهدف المرجو بأقل الخسائر، سواء أكان في عدد الشهداء أم في البنية التحتية لقطاع غزة.

يمكن إذاً القول بأن الضفة تَفتتِح مرحلةً مغايرةً لسنوات «أوسلو» العجاف، بسبب التحولات الداخلية الفلسطينية في المقام الأوّل، مع ملاحظة الأهمية القصوى للتحولات الإقليمية كذلك. وهذا ما يلقي على فصائل المقاومة في قطاع غزة، مع بقية قوى «محور القدس» عموماً، مسؤولية بناء تكتيكاتٍ مناسبةٍ لتطوير تجربتي كتيبتي جنين ونابلس الواعدتين، لا سيما أنه بات من الواضح تراجع فعالية قبضة أجهزة سلطة رام الله الأمنية في الضفة، مما يتيح فرصاً أكبر لإمداد المقاومين هناك بالعتاد، علماً بأن ما يلزم الضفة من حيث نوعية العتاد أقل بكثير مما تحتاجه غزة بسبب الفروقات في طبيعة الميدان.

وفي حال تجذُّر تجربتي كتيبتي جنين ونابلس، وتطويرهما ليمتدّا إلى مناطق أخرى في الضفة، سيكون الاحتلال أمام واقع استنزافٍ حقيقيٍ مشكوك في قدرته على تحمُّله طويلاً، ليصير حينها الحديث عن إمكانية تكرار الضفة لتجربتي جنوب لبنان وقطاع غزة أمراً واقعياً، تلكما التجربتان اللتان أُجبِر فيهما الاحتلال على الانسحاب من دون قيدٍ أو شرطٍ من الأراضي التي كان يحتلُّها، وهنا تكون قوى المقاومة قد قفزت قفزةً كبرى نحو استكمال تحرير كامل الأراضي العربية الفلسطينية من رأس الناقورة إلى أم الرشراش.

وختاماً، أدعو المتشككين في واقعية هذا الطرح إلى العودة بالذاكرة نحو 15 عاماً، ويقارنوا بين حال فصائل المقاومة في غزة حين ذاك، وبين ما وصلت إليه اليوم من اقتدار، فهل كانوا ليتصوروا حين ذاك وصول فصائل المقاومة في غزة إلى ما وصلت إليه اليوم؟

المقاومة والإعداد للحرب الشاملة..

منير شفيق

هل نُسمّيها معركة الثلاثة أيام؟ أم معركة إرساء قواعد جديدة للاشتباك، صنعَتها الأشهر السبعة الماضية من عام 2022، أو قُلْ ما بعد حرب «سيف القدس»؟ أم هل نسمّيها انتصار المقاومة بالنيران على جيش الكيان الصهيوني وحكومته؟ لعلّ كلّ تلك التسميات، وأخرى، مطابقة لنتائج المواجهة الأخيرة التي خاضتها حركة «الجهاد الإسلامي» وذراعها العسكري «سرايا القدس»، محتضَنةً ومدعومةً من قاعدة المقاومة الجبّارة في قطاع غزة، والتي تقودها «كتائب عز الدين القسام». في مؤتمره الصحافي، أكد زياد النخالة، أمين عام «الجهاد»، أن نتيجة هذه المعركة، كما هدفها الأساس، كان توحيد ساحات المواجهة، وفق ما أرسته حرب «سيف القدس»، والتأكيد أن المقاومة كانت ولا زالت موحّدة، بالرغم من تعدّد المواقف داخلها، ولكن في اتّجاه واحد هو المعركة، والحرب ضدّ العدو الصهيوني.

من هنا، فإن مجرّد القبول بمناقشة مطلب «الجهاد»، المتمثّل في إطلاق سراح الأسيرَين خليل عواودة وبسام السعدي، وبغضّ النظر عن التفاصيل، شكّل، من حيث المبدأ، إرساءً آخر، في غاية الأهمية، لاستراتيجية وحدة الساحات عموماً، وساحتَي المقاومة المسلّحة في قطاع غزة والضفة الغربية خصوصاً، بما يشمل، وسيشمل، لاحقاً، وبأعلى درجات التركيز، مواجهة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى لاحقاً. إن مجرّد إجبار حكومة الكيان الصهيوني وقيادة جيشه على التفاوض لإطلاق القائدَين عواودة والسعدي، وهما من القادة المقاوِمين في الضفة، شكّل اختراقاً، ما كان مسموحاً به، من قِبَل الاحتلال الصهيوني مباشرة من جهة؛ وتجاهُلاً، بصورة غير مباشرة من جهة أخرى، لموقف سلطة رام الله، صاحبة الولاية (الصُورية) على الضفة.

هذا الاختراق الذي قبِل به العدو الصهيوني، كما قبِل بالوساطة المصرية حوله، ولو مناورةً وخداعاً، يشكّل سابقة مهمّة من جهة؛ كما يشكّل، أو يجب أن يشكّل، من جهة أخرى، مرحلة جديدة في قواعد الاشتباك، ووحدة الساحات. ولكن على أهمّية الاختراق المذكور من حيث علاقته باعتقال قائديْن مجاهديْن، لهما أهميتهما الذاتية والخاصة، إلّا أنه يظلّ جزئياً، وذلك إذا ما قورن بقضية القضايا، وهي القدس، والمسجد الأقصى المبارك، كما ظواهر بروز السلاح في جنين ونابلس…

بكلمة، إن توحيد الساحات، بعد هذه التجربة التي كشفت عزلة الكيان، في المنازلة بالنيران، يستدعي بلورة موقف إزاء ما يجري من تهويد للقدس، ومن اقتحامات للمسجد الأقصى، بما ينذر بحتمية الصدام والحرب الشاملة. لقد أثبتت الوقائع المدعومة بالتصريحات الرسمية، والممارسات العملية، أن هدم مسجد الصخرة المشرَّفة، لبناء الهيكل المزعوم مكانه وسط باحة الأقصى، أصبح على الأجندة الصهيونية. ويكفي لتأكيد ما تَقدّم متابعة ما يجري من تصعيد في الاقتحامات، وفي تفريغ المسجد من مُصلِّيه المسلمين، ولا سيما اقتحامات يوم الأحد الماضي في ذكرى ما يُسمّى «خراب الهيكل»، ما يؤكد أن معركة الأقصى أصبحت وشيكة، وشبه حتمية، ولا مجال للتأجيل والتسويف فيها، أو لانتظار انغراس الفأس في الرأس.

تشمل استراتيجية توحيد الساحات: المقاومة في قطاع غزة، والمقاومة والانتفاضة في الضفة الغربية، والانتفاضة الشبابية في مناطق الـ 48، ودعم فلسطينيّي الخارج لمعارك ساحات المقاومة والمواجهة في فلسطين، من النهر إلى البحر، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش (فلسطين التاريخية المُراد تحريرها)، فضلاً عن قضايا الأسرى والاعتقالات الإدارية. إن هذه الاستراتيجية يجب أن تتحوّل إلى جزء من تحرير كلّ فلسطين، كما يجب أن تصبح جزءاً من وحدة فصائل المقاومة، وذلك في كلّ مرحلة من مراحل المواجهات، التي تترجمها إلى معارك يومية وتكتيكية، كما إلى حرب شاملة تمتدّ لأيام أو أسابيع. لقد كان من الضروري التركيز على تطوير المقاومة المسلّحة والشعبية والانتفاضة في الضفة، ولا سيما الشكل النضالي الذي أبدعه مخيم جنين في مواجهة الاقتحامات التي استهدفت سلاح المقاومة فيه، وذلك باندفاع الآلاف إلى الشوارع للتصدّي للاقتحام، والوقوف بينه وبين سلاح المقاومة، كجزء من التناغم المطلوب بين الشعب والمقاومة، في أثناء حماية الأخيرة. ولعلّ انتقال مِثل هذا التناغم إلى الدفاع عن المقاومة المسلّحة في المدينة القديمة في نابلس، سوف يقفز بالمشهد إلى مستوى من قواعد الاشتباك قد يفرض على العدو، ليس ابتلاعه فحسب، وإنّما أيضاً الانسحاب غير المشروط من الضفة أو أجزاء منها. إن التناغم المذكور هو الذي سعى الشهيد إبراهيم النابلسي (قائد كتائب شهداء الأقصى) إلى إرسائه، وقد ارتقى في 9/8/2022 شهيداً في أثناء السعي لتثبيته. ولعلّ الوفاء المباشر للنابلسي، القائد المقاوم الفذّ، هو تحويل المدينة القديمة في نابلس إلى قاعدة مسلّحة محتضَنة ومدعومة من الشعب. ويكفي مشهد تشييع إبراهيم والشهيدَين البطلَين إسلام صبوح وحسين طه، لجعل الوفاء ممكناً.

إن المراكمة على ما أنجزته حرب «سيف القدس»، وما أرسته المقاومات في بئر السبع وبني براك، وعملية تل أبيب في شارع دوزينغوف، وبيت إيل وإلعاد، وما ثبّتته المقاومة المسلّحة والانتفاضة في مخيم جنين، وأخيراً وليس آخراً ما حقّقته المواجهة بالنيران ما بين 5 و8 آب 2022، يجب أن تتحوّل إلى نظرية استراتيجية – تكتيكية في المواجهة، تحت مبدأ وحدة الساحات، ثمّ الانتقال إلى التركيز، بصورة خاصة، على حماية سلاح كلٍّ من مخيم جنين ونابلس، مع تبنّي هدف العمل المتدرّج لوضع حدّ لاقتحامات الأقصى وتحريمها، وإلّا فالمواجهة بحربٍ شاملة وانتفاضة كاملة. إن تهيئة الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي لواقع أن قيادة المقاومة في الغرفة المشتركة، وعلى المستوى الفلسطيني الداخلي، لن تستطيع أن تتحمّل طويلاً ما يجري من اقتحامات وانتهاكات للمسجد المقدّس، إنّما يعني انتقال زمام المبادرة في هذا الموضوع إلى أيدينا، وعدم القبول ببقاء الأقصى في أيدي الكيان الصهيوني، وما يقوم به من استباحة لحُرمته، وما يعدّه له ولمسجد قبّة الصخرة من إعدادات الهدم والمصادرة، وذلك بصورة حثيثة ومواظِبة ومعلَنة بالصوت والصورة.

إن كلّ ما تَقدّم لا يسمح لأحد في فلسطين، والبلدان العربية والإسلامية، وفي العالم، بأن ينكر ما يبيّته المستوطنون وحكومة الكيان والجيش والأحزاب الصهيونية للمسجد الأقصى؛ ومن ثمّ لا يسمح لأحد بألّا يقف وراء عدالة الحزم المُقاوِم لاستعادة حرمة المسجد، والتي أصبحت مستباحة ومنتهَكة يومياً. في الخلاصة، يجب التشديد على هدفَي حماية المقاومة في الضفة الغربية، ومنع اقتحام الأقصى وتحريم الصلاة فيه لغير المسلمين، وبالتحديد على المجرمين الذين ينتهكون حرمته جهاراً نهاراً.

الضفة بين مدّ وجزر: مخاض المقاومة طويل… وعسير

فلسطين 

أحمد العبد

رام الله | تعيش الضفة الغربية مخاضاً طويلاً وعسيراً، يبدو أنه بحاجة إلى تدخّلات كثيرة، وفترة زمنيّة ليست بالقصيرة للخروج منه. ولعلّ العدوان الأخير على غزة، في اليومَين الماضيين، كشف هشاشة الأوضاع؛ فلا تحرّكات جماهيرية واسعة، ولا عمل عسكريّاً لافتاً. ولعلّ لذلك أسباباً متنوعة، تشكّلت في سياق جملةٍ من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي انُتهجت في الضفة على مرّ السنوات. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الضفة لا تعيش عذاباتها وتحدّياتها الخاصّة. لم تمرّ على وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ قبل فجر الثامن من آب بنصف ساعة، بضع دقائق، حتى اجتاحت قوات معزّزة من الجيش الإسرائيلي بلدة رمانة في محافظة جنين، لتهدم منزلَي منفّذَي عملية «إلعاد»، وسط مواجهات عنيفة مع الأهالي، هي نفسها التي تتكرّر مع كلّ عملية اقتحام لأيّ قرية ومدينة ومخيّم في الضفة، وتكاد تكون يوميّة في المناطق التي تعشّش فيها المستوطنات والحواجز العسكرية، فيما أهلها يدفعون ثمناً باهظاً، إنْ عبر سرقة أراضيهم لمصلحة الاستيطان، أو عبر هدم منازلهم، أو عمليات الاقتحام والاغتيالات والاعتقالات التي تستهدف أبناءهم. وهي، بلا شكّ، عملية استنزاف دائمة لحياة الفلسطينيين وأولادهم وأموالهم ومقدّراتهم وموارد قوّتهم وصمودهم.

تشنّ إسرائيل، منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، حربَ استنزاف دائمة محورها الضفة الغربية، لمنع بناء أيّ قوّة أو تنظيم من شأنه أن يؤسّس لعملٍ مقاوم من جهة، أو يُحدث تغييراً في الوضع القائم في الشارع الفلسطيني، من جهة ثانية. وعلى الرغم ممّا تقدَّم، لم يختفِ العمل المقاوم في الضفة، وإن كان يعلو ويهبط، بين فينةٍ وأخرى، نظراً إلى الظروف السياسية والأمنية، في ما هو أشبه بالمدّ والجزر، بل امتاز في بعض الأحيان بالكثافة والتنظيم والدقّة كما كانت عليه الحال قبل الانتفاضة الثانية، وفي أحيان أخرى بالارتجال والفردية وغياب الإمكانات، كما جرى في السنوات الأخيرة، لكنه لم يغب في المحطات البارزة، مثلما حدث إبّان العدوان على غزة في أيار 2021. وإنْ كان التحرّك الجماهيري في الضفة، خلال الجولة الأخيرة، قد وُصف بـ«الخجول والفاتر»، إلّا أن بوادر توسُّعه كانت واردة، فيما لو استطال العدوان أو تطوّر إلى حرب واسعة، من دون أن يمحو ذلك وجود أسباب عميقة ومحورية رسمت، خلال السنوات الماضية، شكل الحراك النضالي الجماهيري في الضفة.

تغيُّر الواقع الجغرافي

تقطع الحواجز العسكرية أوصال مناطق الضفة الغربية، فيما يتكثّف انتشار ما يعرف بـ«الحواجز الطيارة» التي تفصل المدينة عن أريافها. وهذا الأمر أصبح يحول دون التواصل، وخاصّة عند الحديث عن عمل نضالي وجماهيري واسع، وهو ما تَكرّس منذ الانتفاضة الثانية، ولم يتمّ إيجاد الحلول لتجاوزه. عزلت إسرائيل، عبر ما سمّته آنذاك عملية «السور الواقي»، مدن الضفة عن ريفها، وعمّقت الاستيطان، ووفّرت بنية تحتية بالطرق والمواصلات للمستوطنين. وفي هذا الإطار، يقول مدير وحدة البحوث والسياسات في «المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية» (مسارات)، خليل شاهين، لـ«الأخبار»، إن «هذا أحد الأسباب المهمّة التي تلعب دوراً في شكل النضال الجماهيري»، موضحاً أن الشاب الذي يريد الوصول من مدينة جنين إلى حاجز الجلمة، عليه أن يقطع قرابة 4 كيلومترات، وكذلك الحال بالنسبة إلى الوصول من مدينة نابلس إلى حاجز حوارة للتظاهر، وهو أمر كان ينبغي معالجته من الفصائل الفلسطينية والناشطين في المقاومة الشعبية للتغلُّب على هذه التغييرات التي أجراها الاحتلال جغرافياً.

تحظى الضفة الغربية بأهمية كبيرة ودور مهمّ في المشروع النضالي

لا قرار مواجهة لدى السلطة

ويلفت شاهين إلى «عدم وجود قرار لدى السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية لخوض مواجهة شاملة مع الاحتلال في الضفة»، فيما «المقاومة الشعبية التي يتمّ الحديث عنها، مجرّد شعار يُرفع في الخطاب السياسي، لأنه لا يوجد مقوّمات لممارسة تلك المقاومة إلّا بالشكل الذي نلاحظه من خلال العمل المتقطّع والمنفصل بعضه عن بعض، وهو أقرب ما يكون إلى ردّة فعل على خطر استيطاني يهدّد هذه القرية أو تلك». ويتابع شاهين: «السلطة غير معنيّة بمواجهة شاملة مع الاحتلال، وإنّما مواجهة تخدم سياستها، والدليل على ذلك تحويل مقاومة الجدار والاستيطان إلى هيئة رسمية بموظفين رسميين»، في حين أن سياسة السلطة هي «البقاء والتنفّس من خلال العلاقة مع الاحتلال بالمعنى الأمني والاقتصادي والسياسي، وهذه السياسة تدفع السلطة إلى التورط أكثر وأكثر في السلام الاقتصادي مع إسرائيل، والذي يتناقض مع سياسة المواجهة، أو التوجّه نحو خيارات استراتيجية أخرى مثل تنفيذ قرارات المجلس المركزي والوطني، وأهمّها تغيير العلاقة القائمة مع دولة الاحتلال… السياسة التي تتبنّاها السلطة هي سياسة مهادنة وليست سياسة مواجهة».

تراجع دور القوى الوطنية

تعيش القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية حالة تراجع كبيرة، بعضها منذ توقيع «اتفاق أوسلو»، وتكيّفها مع ما فرضه من ظروف، وبعضها الآخر بسبب الملاحقة لها من قِبَل الاحتلال حيناً، أو من قِبَل السلطة الفلسطينية. وتخلّت الفصائل في ظلّ «أوسلو» عن أبرز عوامل التحشيد في العمل النضالي، وابتعدت عن الأماكن التي يمكن فيها استهداف عناصرها وكوادرها، مِن مِثل المناطق المصنّفة «ج»، والخاضعة لسيطرة الاحتلال، ومن ثمّ المناطق «ب». ووفق شاهين، فإن «تكيُّف الفصائل مع الوضع القائم الذي فرضه اتفاق أوسلو، أضعف الروح الكفاحية، وأدّى إلى عزوف الشباب عن الانخراط في العمل المنظّم».

الانقسام

ألحق الانقسام، هو الآخر، ضرراً كبيراً بالعمل الوطني، وتحديداً في الضفة الغربية. ومع سنوات الانقسام الأولى، باتت حركة «حماس» ممنوعة من العمل في الضفة، ومُلاحَقَة من قِبَل السلطة الفلسطينية، كما باتت إسرائيل تستخدم الانقسام لتغذية مخاوف السلطة من نية «حماس» السيطرة على الضفة، وتأجيج مخاوفها من كلّ عمل قد تقوم به هناك، مقدّمةً التنسيق الأمني بديلاً وأداةً لمواجهة ذلك. ونظراً إلى اختلاف البرامج السياسية ما بين الفصائل الفلسطينية، بين مَن يعتنق الكفاح المسلّح للعمل النضالي، وبين من حدَّد المقاومة الشعبية أداة وحيدة لذلك، وتحديداً حركة «فتح» والسلطة، ورفْض رئيس الأخيرة، محمود عباس، أيّ أشكالٍ للعمل المسلّح، لم يتمّ الاتفاق – حتى الآن – على استراتيجية شاملة متوافَق عليها للعمل الوطني، كما أن الانقسام دفع كلا طرفيه اللذين يحكمان في الضفة وغزة، إلى توفير ما يلزمهما من مقوّمات تخدمهما، وهذا ما يمكن لحظه في المواجهة الأخيرة في غزة، بعدم تدخّل حركة «حماس»، الحزب الحاكم في القطاع.

ووفق شاهين، فإن «الانقسام خلق وضعاً لا تتوفّر فيه متطلّبات الذهاب لمواجهة شاملة ومتواصلة ومستدامة. فكلّ جهة تدعم شكلاً من أشكال المواجهة والاحتكاك مع الاحتلال»، مشيراً إلى أن سبب عدم وجود مقاومة مستدامة بشكل يومي، هو «غياب قيادة وطنية موحّدة تقود الفعل الشعبي، وعدم وجود قيادات محلية في الميدان تحتكّ مع الجماهير، وهو أمر لا تريده السلطة ولا تعمل الفصائل على ترتيبه وتكريسه». ويضيف إن «كلّ تلك العوامل لا توفّر المقوّمات اللازمة لخلْق حالة نضالية مستدامة، لذلك قد نشهد تطوّر أشكالٍ من العمل الكفاحي والتعبيرات الوطنية خارج المنظومة التقليدية والأحزاب السياسية، يتصدّرها الشباب الذين يحاولون تسلّم زمام الأمور وتصدُّرها، من خلال أشكال متنوعة من المقاومة، كإلقاء الحجارة والعمليات الفردية المستمدّة من تاريخنا النضالي». ويعتقد شاهين أن الأمور في الضفة الغربية لا يمكن أن تبقى هكذا، وأن «العمل النضالي سوف يتّجه نحو التنظيم كون ذلك حاجة، في ظلّ وجود الاحتلال وتعمّق ممارساته القمعية والاحتلالية والاستيطانية، لكن الأمر قد يأخذ بعض الوقت… في النهاية، سنجد أشكالاً من العمل والمقاومة المنظّمة، وربّما الموحّدة والعابرة للجغرافيا المجزّأة الشاملة بين الضفة وغزة وأراضي الداخل المحتلّ، على غرار ما جرى في معركة سيف القدس».

ويَعتبر أنه ليس ضرورياً أن يكون هذا الشكل، على غرار الانتفاضة الأولى، أي بانتهاج المقاومة الشعبية فقط، أو الانتفاضة الثانية التي طغى عليها العمل العسكري المسلّح، بل يمكن أن يكون مزيجاً من الشكلين، مشيراً إلى تجربة التشكيلات العسكرية المنتشرة في شمال الضفة الغربية، والتي أدّى عملها إلى اعتقال القيادي بسام السعدي، وبالتالي كانت أحد أسباب الحرب على غزة. ووفق شاهين، إذا «أثبتت المقاومة والتشكيلات العسكرية قدرتها على الاشتباك مع الاحتلال والمستوطنين وإيقاع خسائر في صفوفهم، فإن مساحة التأييد والدعم لها ستتّسع وستتعمّم إلى مناطق أخرى وستجد الحاضنة الشعبية».

وتحظى الضفة الغربية بأهمية كبيرة ودور مهمّ في المشروع النضالي، وتكاد تكون الساحة الأهمّ للمواجهة. وقد قامت بذلك الدور في أوقات سابقة، أبرزها انتفاضة الأقصى، كونها تعيش في احتكاك مباشر مع الاحتلال، ومع المشروع الاستيطاني الذي يتوغّل فيها يومياً. وإذا كانت الظروف التي تعيشها، في الوقت الراهن جرّاء سلسلة طويلة من الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية، قد أعاقت تأدية ذلك الدور، فإن هذا قد لا يستمرّ طويلاً.

وإلى جانب ما تَقدّم، أدّت السلطة دوراً في تثبيط ومنْع خلْق حالة نضالية واسعة في الضفة، عبر سلسلة من القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قيّدت المواطنين، بحيث جعلت اهتمامهم ينصبّ على السعي لتوفير احتياجات عائلية مادية، لتغطية الديون المتراكمة. ومن الأساليب الأخرى لملاحقة النشطاء والمعارضين، الاعتقالات السياسية التي ترتفع وتيرتها بين حين وآخر، واستمرار العمل بكلّ الاتفاقيات مع الاحتلال، بما فيها التنسيق الأمني، والتضييق على عمل الفصائل والقوى الوطنية، والاستفراد والهيمنة على القرار السياسي، وتحديداً «منظمة التحرير»، وتنامي حالة إحباط عامّة من الواقع السياسي، نظراً إلى عدم وجود تغيير شامل، سواء في الرؤية الوطنية أو الاستراتيجيات المتّبعة، على قاعدة الشراكة والمصالحة الوطنية.

قضايا إسرائيلية العدد 86

صدر حديثاً عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” العدد 86 من فصلية “قضايا إسرائيلية”، تحت عنوان “مدن الساحل المختلطة: التهويد ومواجهته”، يركز على الاستيطان المتجدد في قلب مدن الساحل الفلسطينية التي هُجر منها معظم أهلها الأصلانيين عام 1948، وبقيت فيها أقلية فلسطينية عربية تحاول الحفاظ على هويتها، وتشكل حارساً لذاكرة المكان: يافا وحيفا واللد والرملة وعكا، فيما تتعرض لمحاولة محو متجددة ومتصاعدة.

يضيء العدد على ما كشفت عنه هبّة أيار في العام 2021 من عمق التصدعات القومية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها مدن الساحل، التي يطلق عليها في الخطاب الإسرائيلي “المدن المختلطة”، التي تفاقمت خلال العقدين الأخيرين بسبب التضييق الإسرائيلي الممنهج على الفلسطينيين فيها، وهو تضييق تتقاطع فيه أنشطة الأنوية التوراتية الاستيطانية (التي تنتهج سياسة استيطان القلوب)، ورأس المال اليهودي (الذي ينتهج سياسات الاستطباق الزاحف) والبلديات الإسرائيلية (التي تتحكم بالحق في السكن) والمستوى السياسي الذي يخطط من أعلى، حيث يمارس كل هؤلاء اللاعبين، كل من موقعه، سياسات تهويدية تدفع بشكل مباشر أو غير مباشر لترحيل الفلسطينيين من هذه المدن أو على الأقل تحويل حياتهم الاجتماعية إلى حياة غير ممكنة.

ويكتب رئيس التحرير د. رائف زريق في تقديم العدد “أن العودة للاستيطان الأيديولوجي الصهيوني داخل إسرائيل، من خلال الأنوية التوراتية التي ترسلها الحركة الاستيطانية في تلال الضفة الغربية المحتلة، لهو نشاط ذو دلالة مهمة جداً، ويكشف دون مواربة جوهر الصهيونية الاستيطاني: الاستيلاء على المزيد من الأرض، سواء كانت أراضي محتلة داخل الضفة الغربية والقدس، أو داخل دولة إسرائيل نفسها. في هذا السياق، ينتقل النموذج الاستيطاني الذي طُوّر في “كريات أربع” المقامة على أراضي الخليل، على سبيل المثال، ليتحول إلى نموذج للاستيطان في مدن الساحل الفلسطيني. يشير استيراد هذه الممارسات الاستيطانية من الضفة الغربية إلى تسييل “الخط الأخضر”، ويعني أن عملية الاحتلال متبادلة: إسرائيل تحتل الضفة وتستوطن تلالها، في المقابل تعود الحركة الاستيطانية بدورها لتحتل إسرائيل”.

ويضيف: إن استمرار الوجود الفلسطيني في المدن الساحلية يوحي للبعض في إسرائيل وكأن عملية احتلال هذه المدن عام 1948 لم تنتهِ بعد، وأن هناك حاجة لإثبات الوجود اليهودي فيها من جديد، ما يدل على مرحلة جديدة في طبيعة الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل: إن سؤال فلسطين أصبح سؤالاً داخلياً في إسرائيل، ومع انهيار الحدود وبهتان الخط الأخضر، فإن الصراع حول جوهر إسرائيل ومستقبل فلسطين تحولا ليكونا وجهين للصراع نفسه. فبعد أن هزمت إسرائيل العواصم العربية، عادت لتبحث عن جوهرها لتجد فلسطين تنتظرها هناك”.  

وتحت عنوان محور العدد، يأخذنا أمير مخول في مقالته إلى حيفا، ليسلط الضوء على التحوّلات التي تشهدها المدينة في ظل تراجع الحركة السياسية الفلسطينية المنظمة في المدينة الأكثر تسييساً. بعد نقده للمفاهيم المستخدمة في توصيف حيفا باعتبارها مدينة “مختلطة”، يتوقف مخول عند سياسة “التعايش” باعتبارها أداة ضبط وهندسة سياسيّة. أما ميخال هاس فتنظر في مقالتها القيمة إلى عملية المحو المستمرة في مدينة يافا حتى اليوم. بيد أن المحو في عصر النيوليبرالية يتخذ شكلاً أكثر وحشية من خلال إعادة “تأهيل” الأحياء القديمة و”تجديد” المناطق الحضرية، بحيث تتقاطع هياكل الاستعمار مع سياسات السوق النيوليبرالية. تُستعرض هذه التقاطعات بشكل أكثر تفصيلاً في مقالة ياعيل شمرياهو ـ يشورون ودانيئيل مونترسكو التي تركز على تاريخ الأنوية التوراتية في مدينة يافا. من خلال بحثهما المستمر في أنشطة الأنوية التوراتية، تستخلص شمرياهو وزميلها مونترسكو أن هذه الأنوية أفرزت طرازاً جديداً من الاستطباق القائم على التعصب القومي، الذي يتمايز عن الاستطباق الليبرالي المعهود.

وتحت محور العدد أيضاً، تقترح علينا يارا السعدي استخدام “الهدم” كمنهج بحثي للكشف عن مصائر المباني الفلسطينية القديمة التي هُوّدت بطرق مختلفة. لدى السعدي، فإن الهدم كمنهج بحثي يكشف عن هياكل العنف المستخدمة ضد الفلسطينيين، ويوفر وسيلة لتتبع وربط محاولات محو الحيز الفلسطيني على الرغم من اختلاف هويات المستعمرين وسياساتهم. أما محمد حليم فيأخذنا في مقالته الشيقة إلى أحد مقاهي مدينة اللد، التي تشهد واحداً من أهم مشاريع الاستيطان في القلوب وأكبرها من خلال الأنوية التوراتية التي “تحتلها”، وتعيد فرض السيطرة الصهيونية على أحيائها بأسلوب يمزج بين العنف والتخطيط. أما مساهمة خلدون البرغوثي فتركز على “مسيرة الأعلام” التي تسيّرها الحركة الاستيطانية في شوارع مدينة القدس كل عام إحياء لذكرى احتلال الشطر الشرقي، و”جبل الهيكل”، ليسرد لنا السياق التاريخي لولادة مسيرة الأعلام، والتحولات التي شهدتها هذه “الاحتفالية الصهيونية الدينية” وصولاً إلى شكلها الحالي.

ويضم هذا العدد من “قضايا إسرائيلية” مجموعة مميزة من المساهمات المتنوعة الأخرى. في مقالة نوغا وولف المترجمة عن الإنكليزية، تركز المؤلفة على فصل إسرائيل التعسفي بين تدريس “الهولوكوست” وحقوق الإنسان. أما موشيه بهار وتسفي بن دور، فيعودان من جديد لطرق “المسألة الشرقية” داخل الصهيونية في أعقاب معرض لتاريخ اليهود الشرقيين في باريس. في رفضهم للمعرض الذي يطبع دولة إسرائيل، يعيد المؤلفان تذكيرنا بالتاريخ الحقيقي لليهود الشرقيين باعتبارهم ضحية أساسية، وليست ثانوية، للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. ويقدم وليد حبّاس مقالة نظرية – منهجية حول نظريات الحدود ونظريات مناطق الحدود، تتخذ شكل مراجعة أدبيات في محاولة لتوسيع النقاش حول علاقات المستعمَر – المستعمِر في الحالة الفلسطينية.

ويضم العدد بين صفحاته زاوية للأرشيف، أعدها مالك سمارة من محاضر محادثات ورسائل قديمة بين برانديس، وبلفور، وودرو ويلسون، وجورج غراهام، ليكشف الضغوطات الأميركية على بريطانيا للموافقة على ضمّ نهر الليطاني وجبل الشيخ إلى إسرائيل، كما يضم  التعليق النقدي الذي وضعه خالد حوراني على كتاب محمد جبالي “مصيدة المكان: دراسة نقدية لحقل الفنون التشكيلية في إسرائيل”، الذي صدر عن مركز “مدار” في أيار 2022. بالإضافة إلى زاوية حول الأدب الصهيوني، وزاوية مكتبة تحتوي على أهم الإصدارات الإسرائيلية.

ليبرمان يتوجه إلى الهيئات التنظيمية الأمريكية والأوروبية للمساعدة في تخفيف غلاء المعيشة في إسرائيل

طلب وزير المالية من رئيس لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية تخفيف حواجز المنافسة التي يواجهها المستوردون الإسرائيليون، والتي أدت إلى رفع الأسعار للمستهلكين

بقلم طاقم تايمز أوف إسرائيل

طلب وزير المالية أفيغدور ليبرمان من مسؤولي التجارة الأمريكيين والأوروبيين اتخاذ إجراءات ضد ما وصفه بالممارسات غير العادلة والمناهضة للمنافسة من قبل المنتجين الذين يستوردون البضائع إلى إسرائيل، متهما إياهم بالمساهمة في ارتفاع تكاليف المعيشة في البلاد.

في رسالة إلى رئيسة لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية لينا خان، نشرتها أخبار القناة 12 الإسرائيلية، اتهم ليبرمان المنتجين في الولايات المتحدة وأوروبا باستخدام صفقات مع مستورد رسمي واحد فقط لتحديد الأسعار التي يختارونها، مع منع المستوردين الآخرين من القدرة على دخول السوق والمنافسة بسبب الاجراءات البيروقراطية.

وفي الرسالة التي حصلت عليها القناة 12 الإخبارية يوم الثلاثاء، قال ليبرمان إن سلطات مكافحة الاحتكار في إسرائيل والولايات المتحدة يجب أن تتعاون بشكل أوثق وتبادل المعلومات “لحماية المستهلكين من ممارسات التسعير والتوزيع غير العادلة”.

كما قال إن السلطات يجب أن تعمل “بالتعاون للتأكد من تطبيق قانون المنافسة على المصدرين والمستوردين” في كلا البلدين حتى يتمكن المستهلكون في إسرائيل والولايات المتحدة من “الاستمتاع بثمار المنافسة الحرة والعادلة”.

واقترح ليبرمان مبادرة من شأنها أن تؤسس “إطار عمل متعدد الأطراف ينظم المنافسة بين البلدان والكتل التجارية”.

وتناول وزير المالية على وجه التحديد الممارسات غير العادلة التي يتم فرضها على “المستوردين الموازيين”، حيث يمكن لتجار التجزئة والمستوردين الجدد شراء المنتجات مباشرة من المنتجين الأصليين في الخارج بدلا من شرائها عن طريق المستورد الرئيسي. لكن يخضع هؤلاء المستوردون حاليا لإجراءات بيروقراطية وجمركية مكلفة يمكن أن تعيق المنافسة، كما هو الحال في قطاع السيارات.

“يواجه المستوردون الموازيون تحديات لا داعي لها في إدخال المنتجات الاستهلاكية إلى السوق الإسرائيلية”، كتب. مضيفا أن هذه التحديات “ساهمت في فرض قيود على المنافسة في السوق الإسرائيلية وجعلت المستهلك الإسرائيلي في وضع غير موات”.

ولم تظهر الرسالة الموجهة إلى المفوضة الأوروبية للمنافسة مارغريت فيستاجر في تقرير القناة 12.

وتواجه حكومة إسرائيل صعوبات لمكافحة ارتفاع تكاليف المعيشة، وطلب ليبرمان هو مجرد واحد من عدة حلول سعى إليها على مر السنين.

وتحركت وزارة المالية، تحت قيادته، لتخفيف الضوابط على الواردات التي ترفع الأسعار.

ويوم الخميس الماضي، قدم زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو “خطة طوارئ” لمعالجة القضية في فيديو مدته 17 دقيقة، والذي تمحور بشكل أساسي حول خفض الضرائب والتعريفات.

وأصدرت شركة “دبلومات”، أحد كبار المستوردين، بيانا منذ أكثر من أسبوع قائلة إنها ستعلق ارتفاع الأسعار – المقرر أن يصل إلى 16% على بعض السلع – على جميع منتجاتها.

اعتبارا من الأسبوع الماضي، بينما انخفض سعر البنزين، ارتفعت تكاليف الكهرباء بنسبة 8.6%، بينما ارتفعت تكاليف منتجات الألبان المدعومة من الدولة بما في ذلك الحليب والجبن الأصفر بنسبة 4.9%.

بالإضافة إلى ذلك، دخلت خطة جديدة للنقل العام حيز التنفيذ وأدت إلى خفض الأسعار بالنسبة للبعض، ورفع الأسعار للآخرين، وجعل جميع وسائل النقل مجانية لمن هم فوق سن 75 عاما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى