أهم الاخبارفلسطيني

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (110)

البيان المشترك نحو الاندماج والوحدة

بيان مشترك صادر عن «الحزب الديموقراطي الشعبي» و«حزب العمل الاشتراكي العربي» في لبنان. الحزبان أعلنا إطلاق مسار الاندماج في حزبٍ واحد جديد، ودخلا في مرحلة انتقالية تفضي إلى «حزبٍ جديد موحدٍ ثوري وباسم جديد يعبّر عن هويته الماركسية اللينينية»، آملين أن تشكّل الخطوة، «في زمن الانقسامات وتشرذم العمل الحزبي»، «مقدّمة لتوحيد القوى اليسارية التغييرية الجذرية إسهاماً في خلق تيار يساري ثوري».

يحتدم صراع دولي على امتداد العالم في سيرورة تاريخية لإنتاج نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب على أنقاض نظام قديم يتهاوى، وتتهاوى معه منظومة الهيمنة والسيطرة الإمبريالية الأُحادية التي امتدت لثلاثة عقود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ويمتد الصراع الكوني من روسيا ومجالها الحيوي الأوراسي إلى الصين ومحيطها الآسيوي وبعدها العالمي، إلى أميركا اللاتينية، الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، التي تشهد صعوداً لليسار التقدّمي والشعبي، مروراً بأفريقيا التي «يتمرّد» بعضها على الإرث الاستعماري، وصولاً إلى منطقتنا التي تسهم فيها قوى التحرّر الوطني في كسر الهيمنة والسيطرة الإمبرياليتيْن.

إن إسهام قوى المقاومة العربية وحلفائها في منطقتنا في معركة التحرّر الوطني يتجلّى في استعادة القضية الفلسطينية موقعها المركزي بفعل تصعيد النضال الشعبي والكفاح المسلح على مساحة فلسطين التاريخية، والحضور الفاعل لقوى المقاومة العربية التي كرّست معادلات رادعة للعدو وفرضت عليه قواعد اشتباك لا يجرؤ على تجاوزها بسهولة، كما كان لانتصار سوريا على الحرب الكونية الأثر الكبير في تغيير موازين القوى الجيوسياسية لغير مصلحة القوى الاستعمارية. وهذه الإنجازات تمتد لتشمل اليمن وصموده الأسطوري في وجه قوى العدوان الأميركي والصهيوني والخليجي، ودور إيران المركزي في دعم المقاومة الفلسطينية والعربية ومواجهة الوجود العسكري والنفوذ السياسي الأميركي والغربي في منطقتنا بالتحالف والتعاون مع روسيا والصين.

في لبنان، يتحكّم بالدولة نظام سياسي طائفي أرسى ركائزه الاستعمار الفرنسي بداية، ثم أمّن حمايته وديمومته النظام الرأسمالي العالمي، والولايات المتحدة تحديداً، نظام البرجوازية الطفيلية واقتصاد الريع والزبائنية والمحاصصة، تتحكّم به طبقة اجتماعية هي تحالف بين البرجوازية المالية والتجارية والعقارية وبقايا الإقطاع وأمراء الحرب والمرجعيات الطائفية، بسياسات اقتصادية نيوليبرالية، عزّزت قطاعات الخدمات والمصارف وحمت الاحتكارات ودمّرت القطاعات الإنتاجية وسائر مؤسسات الحماية والرعاية الاجتماعية، بالتواطؤ والشراكة مع الحصار والعقوبات الأميركية والغربية على لبنان، التي فرضت بهدف إضعاف المقاومة وحصارها لكنها أدت إلى تسريع وتيرة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمالي.

إن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدها النظام بعد الحرب تحت عناوين إعادة الإعمار وخطط النهوض أسّست للواقع الكارثي الحالي، خاصة أن اتفاق الطائف كرّس تسوية طائفية جديدة، تمت بين أركان النظام «الجديد» برعاية عربية ودولية مؤثرة، وذلك أعاد إنتاج النظام بتوازنات سياسية واجتماعية وطائفية جديدة، وجرى تغييب البنود الإصلاحية من هذا الاتفاق، وخاصة ما يتعلق بالمباشرة بإلغاء الطائفية السياسية وقانون الانتخابات وتغييب التنمية الشاملة ولا سيما في الأطراف ليتركز النشاط الاقتصادي في العاصمة بيروت.

كل هذا فاقم سياسات المحاصصة السياسية والصفقات والمضاربات العقارية والمالية، وتمركز الثروات بأيدي أقلية برجوازية طفيلية، مقابل تعميم الفقر والبطالة والهجرة على الغالبية الساحقة من اللبنانيين، ولتمرير هذه المشاريع دون اعتراض فاعل جرى ضرب الحركة النقابية، وتطييفها وتفريخ نقابات وهمية، وتم احتواؤها وتدجينها بتوافق أطراف السلطة.

نتيجة هذا الواقع واعتراضاً على تداعياته تفجّر حراك شعبي، واسع النطاق، بدءاً من 17 تشرين الأوّل 2019، اندفعت إليه وانخرطت فيه أحزاب يسارية وقوى تغييرية وفئات شعبية شملت معظم القطاعات العمالية والمهنية، حراك عابر للطوائف والمناطق استقطب فئات اجتماعية وشبابية كانت مبعدة عن العمل السياسي، وترزح تحت ضغط ضائقة معيشية قاسية.

ولكن هذا الحراك افتقد إلى القيادة السياسية التي كان مطلوباً منها قيادة النضال الشعبي ووضع البرامج المناسبة لكي تتبلور حركة معارضة سياسية – شعبية تقدم برنامجاً للتغيير الثوري.

غير أن عدم مبادرة قوى التغيير المنخرطة في الانتفاضة الشعبية للعب دورها التاريخي في القيادة والبرنامج، وتغييب البعد الوطني للحراك، وبسبب ضعف دورها و«مسايرتها» لقوى «المجتمع المدني» المموّل والمشبوه، وترافق ذلك مع الموقف السلبي لحزب الله من الانتفاضة وقرار خروجه من الشارع بسبب الارتياب في رؤيته للانتفاضة وتبنيه الدفاع عن النظام ومؤسساته، لكل ذلك كان من الطبيعي أن تتسلل قوى سلطوية شريكة في الكارثة الاقتصادية، قفزت من المركب و«انتسبت» إلى الانتفاضة ورفعت شعارات وعناوين تستهدف قوى المقاومة وتحملها مسؤولية الأزمة. كذلك انخراط مؤسسات ومجموعات مموّلة من بعض السفارات العربية والأجنبية للعب دورها في حرف الحراك عن أهدافه السياسية الإصلاحية والتغييرية لتنفيذ أجندات داخلية وخارجية مشبوهة تناولت عناوين إصلاحية في شكل السلطة دون المساس بجوهر النظام وبنيته، وسكتت عن الحصار والعقوبات، وغيّبت هيمنة ورعاية الولايات المتحدة والغرب الاستعماري ومؤسسات النهب الدولية للطبقة الحاكمة ولنظام المصارف، وتسعى إلى ربط لبنان بالأحلاف العربية والغربية المعادية للقضية الفلسطينية ومقاومة الأطماع الصهيونية والسير باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني.

إن تراجع الحراك وحالة الإحباط التي منيت بها الحركة الشعبية سمحا للنظام مجدداً بتجاوز أزماته وإعادة إنتاج مؤسساته الدستورية وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية والسير باتجاه تعميق الأزمة من خلال الاعتماد على برنامج صندوق النقد الدولي والاتجاه نحو الخصخصة وبيع أصول الدولة ورفض العروض المقدمة من بعض الدول الشرقية، هذه التوجهات ستزيد من عمق الأزمة وتبعاتها على العمال والفئات الشعبية وتدهور مستوى معيشة الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني.

في ظل هذه الظروف يطرح السؤال الكبير حول دور القوى اليسارية والديموقراطية الطامحة إلى إجراء تغيير حقيقي إزاء ما جرى ويجري في لبنان؟ وأين دورها ومبادراتها باتجاه تحمل المسؤولية؟

إن حالة الضعف والتعثر التي تعيشها معظم قوى اليسار والتغيير حالت وتحول دون الوصول إلى تشكيل تحالف وطني تقدمي عريض، يربط القضية الوطنية بالقضية الطبقية، ويطرح برنامجاً سياسياً بديلاً ونقيضاً لمشروع السلطة، نحو نظام وطني ديموقراطي علماني مقاوم، يقوم على قواعد الاقتصاد المنتج والتنمية الحقيقية والسيادة الوطنية والتوجه شرقاً، نظام يحمي حدوده وحقوقه وموارده وسيادته ومصالح وحقوق شعبه.

ومساهمة في قيام هذه الجبهة ومن منطلق الشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه شعبنا، ووفاء لشهدائنا الذين قضوا وهم يحلمون بوطن حر وعادل، وفي ظل مناخات الانقسام والتشرذم، فقد بادرت قيادتا الحزب الديموقراطي الشعبي، وحزب العمل الاشتراكي العربي، في لبنان، إلى خوض غمار حوار معمق ومسؤول منذ فترة غير قصيرة، في سياق عملية ثابتة لتحقيق الاندماج بين الحزبين على طريق الوحدة التامة، حيث تم الاتفاق على تشكيل هيئة قيادية مشتركة بينهما، وصولاً إلى تحقيق الوحدة الفكرية والسياسية والتنظيمية تحت العناوين التالية:

– النضال من أجل إقامة نظام وطني ديموقراطي علماني مقاوم في لبنان، أساسه الدولة العادلة والمساواة وتكافؤ الفرص، يحقق التنمية المستقلة والتوزيع العادل للثروة، على قاعدة إلغاء الطائفية، مع التأكيد والحرص على حرية التفكير والمعتقد.

– الالتزام بحق الشعب اللبناني في استخدام كلّ الوسائل لردع العدوان والدفاع عن حدوده وموارده وثرواته في أرضه ومياهه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية من الخطر الصهيوني، والتمسك بخيار المقاومة للدفاع عن الإنجازات العظيمة التي تحققت بفعل تضحيات المقاومة الوطنية والإسلامية والشعب اللبناني.

– الالتزام بالقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، وبالشراكة النضالية مع الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين، من البحر إلى النهر.

– العمل على قيام حركة تحرر وطني عربية بقيادة ثورية لإنجاز التحرر الوطني والاجتماعي وتحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي على طريق الوحدة العربية بإرادة شعبية وبعد طبقي.

– العمل مع القوى التقدمية والثورية العالمية على بناء أممية جديدة، أممية مناضلة تسهم في تنظيم صفوف الطبقة العاملة وسائر الكادحين وتقود النضال ضد الرأسمالية المتوحّشة لمصلحة الشعوب التواقة للتحرر على طريق الاشتراكية.

لذلك سنسعى لإطلاق مبادرة حوار معمق ومسؤول مع الأحزاب والقوى والمجموعات الوطنية والتقدمية والثورية المقاومة، من أجل إقامة تَحالف وطني تقدمي عريض يربط النضال الوطني والطبقي، ويتحمل مسؤولية الإنقاذ ويقترح البدائل ويشكل معارضة سياسية للنظام ويسعى لبناء الكتلة الشعبية ويفتح أفق التغيير الجذري.

إنها مَهام كبرى ملقاة على عاتق القوى الثورية والتقدمية، سنسعى لبلورتها وتحويلها إلى برامج عملية مع القوى المؤمنة بضرورة تخليص البشرية من توحّش الرأسمالية وجرائمها بحق الإنسانية على طريق الاشتراكية.

بيروت في 14 آب 2022

فلسطين صدى عالٍ لماضي بريطانيا الاستعماري.. وتحذير للمستقبل (1 – 2)

جوناثان كوك* – (ذا بالستاين كرونيكل)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

من خلال وعد بلفور الذي صدر في العام 1917، منحت بريطانيا رخصة لإنشاء دولة يهودية عرقية معسكرة في الشرق الأوسط. وفي وقت لاحق، ساعدنا على تزويدها بالمواد الذرية، مع العلم الكامل بأن إسرائيل ستصنع قنابل نووية. وأعطينا إسرائيل الغطاء الدبلوماسي حتى تتمكن من التهرب من التزاماتها بموجب المعاهدة الدولية بوقف الانتشار النووي وتصبح القوة النووية الوحيدة في المنطقة. وساندنا إسرائيل طوال أكثر من خمسة عقود من الاحتلال وبناء المستوطنات بشكل غير قانوني.

فيما يلي نص حديث كنتُ قد أدليتُ به في منتدى لـ”أصدقاء فلسطين في باث” في 25 شباط (فبراير) 2022.

* *

منذ وصولي مع عائلتي إلى المملكة المتحدة في الصيف الماضي، سُئلت مرارًا وتكرارًا: “لماذا اخترتَ بريستول لتكون مكان إقامتك الجديد؟”.

حسنًا، بالتأكيد لم يكن الأمر يتعلق بالطقس. الآن أكثر من أي وقت مضى أفتقد دفء الناصرة وشمسها.

ولم يكن ذلك من أجل الطعام أيضًا.

لدى عائلتي صلة صغيرة ببريستول. يبدو أن جدَّيّ من جهة والدتي (أحدهما من كورنوال والآخر من جنوب ويلز) التقيا في بريستول -في نقطة توقف عرَضية أثناء رحلتيهما المنفصلتين إلى لندن. وقد تزوجا وأنشآ عائلة أفضى نسلها إليّ.

لكن هذا الرابط البعيد لم يكن سبب قدومي إلى بريستول أيضًا.

في الواقع، لم تبدأ بريستول في احتلال مكانة بارزة في حياة عائلتي إلا في الناصرة.

عندما لم أكن أمارس الصحافة، أمضيت سنوات عديدة في قيادة جولات سياحية في منطقة الجليل، بينما استضافت زوجتي، سالي، وأطعمت العديد من المشاركين في هذه الجولات في مقهاها الثقافي في الناصرة، المسمى “ليوان”.

وسرعان ما اتضح أن عددًا غير متناسب من ضيوفنا كانوا يأتون من بريستول والجنوب الغربي. وقد يكون بعضكم هنا الليلة من بينهم.

لكن عالمي -مثل كل شخص آخر- بدأ في الانكماش مع انتشار الوباء في أوائل العام 2020. وبينما فقدنا الزوار وفرصة التواصل معهم بشكل مباشر حول فلسطين، شرَعَت بريستول في التواصل معي.

إسقاط تمثال

وقد فعلَت ذلك تمامًا بينما بدأنا أنا وسالي مناقشات حول ما إذا كان الوقت قد حان لمغادرة الناصرة -بعد 20 عامًا من وصولي إلى هناك- والتوجه إلى المملكة المتحدة.

ولكن، حتى من على بعد آلاف الأميال، تردد صدى حدثٍ بالغ الأهمية بصوت عالٍ في خاطري -صوت تمثال إدوارد كولستون (1) بينما يقوم المحتجون بإسقاطه.

لقد قرر الناس العاديون هناك أنهم لم يعودوا مستعدين لأن يتم إجبارهم على تبجيل تاجر رقيق، وأحد أكثر المجرمين تآمرًا في الماضي الاستعماري البريطاني. حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة، استعاد سكان بريستول السيطرة على الفضاء العام في مدينتهم لأنفسهم، وللإنسانية.

وبقيامهم بذلك، دفعوا بقوة ماضي بريطانيا الدنيء -الخلفية غير المدروسة لمعظم تجليات حياتنا- إلى ضوء النهار. وكان بسبب التحدي الذي أظهروه أن أُجبرت المباني والمؤسسات التي حملت اسم كولستون على مدى قرون كوسام شرف، على مواجهة ذلك الماضي وإجراء تعديلات.

لقد بُنيت باث، بطبيعة الحال، على أرباح تجارة الرقيق. وعندما يأتي الزائرون إلى باث لمجرد الإعجاب بهندستها المعمارية الجورجية العظيمة، وبـ”الهلال الملكي” فيها، فإننا نوافق بذلك -ولو نتيجة للجهل فقط- على الجرائم التي دفعت ثمن كل هذه الروعة.

بعد أسابيع من إسقاط تمثال كولستون، تصدرَت بريستول عناوين الصحف مرة أخرى. احتجت الحشود على الجهود المبذولة لنقل المزيد من السلطات إلى الشرطة للحد من حقنا المتناقص مسبقاً بطريقة وحشية في الاحتجاج -الحق الأكثر أساسية بين كل الحقوق الديمقراطية. وأحدثت بريستول ضجة ضد هذا القانون أكثر من أي مكان آخر في المملكة المتحدة.

وانتهى بي المطاف بالكتابة عن كلا الحدثين من الناصرة.

عميان عن التاريخ

منذ وصولي إلى هنا، بدأ الأصدقاء القدامى والجدد على حد سواء في تثقيفي عن بريستول. حضرت في وقت مبكر جولة عن العبودية في وسط المدينة -واحدة ربطت تلك الجرائم التاريخية بالمشاكل الحالية التي يواجهها طالبو اللجوء في بريستول، حتى عندما تطالب بريستول بأن تأخذ لقب “مدينة الملاذ”.

فجأة أصبح أحد آخر يُرشدني بدلاً من أن أكون أنا المرشد؛ أصبحت التلميذ بدلاً من المعلم -الذي كان دوري منذ فترة طويلة في تلك الجولات في الناصرة وما حولها. ولم يسعني سوى أن ألاحظ، بينما نتجول، رجع أصداء جولاتي السياحية الخاصة.

على مر السنين، اصطحبت العديد من المجموعات حول أنقاض صفورية؛ إحدى أكبر القرى الفلسطينية التي دمرتها إسرائيل في حملة التطهير العرقي في العام 1948، في النكبة -أو الكارثة.

كان أكثر ما أزعجني بشأن صفورية هو مدى عمى سكانها الجدد عن التاريخ الحديث للمكان الذي يسمونه وطنهم.

كان قد تم نقل المهاجرين اليهود الجدد إلى أراضي صفورية بعد أسابيع من قيام الجيش الإسرائيلي بتدمير القرية وطرد سكانها الفلسطينيين الأصليين تحت تهديد السلاح. وأعطي المجتمع الجديد الذي بُني على أنقاض القرية اسماً عبرياً مشابهاً، “تسيبوري”. وتكررت هذه الأحداث عبر كامل فلسطين التاريخية؛ حيث دُمرت مئات القرى، وطُرد 80 في المائة من السكان الفلسطينيين مما أصبح دولة إسرائيل الجديدة.

أدلة مقلقة

حتى في هذا الوقت، ما تزال الأدلة على الجرائم التي تم ارتكابها باسم هؤلاء الوافدين الجدد ظاهرة في كل مكان. ما تزال سفوح الجبال تغص بأنقاض مئات المنازل الفلسطينية التي دمرها الجيش الإسرائيلي الجديد لمنع سكانها من العودة إليها. وثمة شواهد قبور مهملة في كل مكان -شواهد على المجتمع الذي جرى إخفاؤه.

ومع ذلك، لا يسأل أحد تقريبًا في تسيبوري اليهودية أي أسئلة عن بقايا صفورية الفلسطينية، عن هذه القرائن على وجود ماض مقلق. لقد أداروا وجوههم، وقد غسلت أدمغتهم سرديات الدولة المطمئِنة، خوفًا مما قد يصبح مرئيًا إذا نظروا حولهم عن كثب.

لا يسأل سكان تسيبوري أبدًا عن السبب في أنه لا يُسمح سوى ليهود مثلهم فقط بدخول مجتمعهم، في حين أن نصف السكان في المنطقة المحيطة بالجليل هم فلسطينيون بالإرث والتراث.

بدلاً من ذلك، يشير سكان تسيبوري بشكل مضلَّل إلى جيرانهم الفلسطينيين -الذين أُجبروا على العيش منفصلين عنهم كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة في دولة يهودية معلنة ذاتياً من جانب واحد- بأنهم “عرب إسرائيليون”. والغرض من ذلك هو التعتيم، سواء لأنفسهم أو للعالم الخارجي، على علاقة هؤلاء الذين يسمَّون بالعرب بالشعب الفلسطيني.

سوف يعني الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها تسيبوري بحق صفورية أيضًا الاعتراف بقصة أكبر: الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ككل.

غلاف الصمت

ويفعل معظمنا في بريطانيا شيئًا مشابهًا جدًا.

في إسرائيل الفتية، ما يزال اليهود يبجلون مجرمي ماضيهم القريب لأنهم هم وأحباؤهم هؤلاء متورطون بشكل وثيق وحديث في هذه الجرائم.

في بريطانيا، بماضيها الاستعماري الأطول بكثير، غالبًا ما يتم تحقيق النتيجة نفسها، ليس كما هو الحال في إسرائيل من خلال الهتاف والتمجيد الصريحين -على الرغم من وجود البعض من ذلك أيضًا- ولكن بشكل رئيسي من خلال الصمت المتواطئ. كان كولستون يمسح مدينته بعينيه، مطلاً عليها من فوق قاعدته. كان يقف فوقنا، متعالياً، أبويًا، صاحب سلطة. ولم تكن جرائمه في حاجة إلى الإنكار لأنها كانت مغلفة فعلياً بالصمت.

إلى أن تمت الإطاحة بتمثال كولستون، كانت العبودية بالنسبة لمعظم البريطانيين غائبة تمامًا عن رواية ماضي بريطانيا -كانت شيئاً متعلقًا بأصحاب المزارع العنصريين في أعماق جنوب الولايات المتحدة منذ أكثر من قرن مضى. كانت قضية فكَّرنا فيها فقط عندما أثارتها أفلام هوليوود.

وبعد سقوط تمثال كولستون، أصبح موضوعاً للعرض -مُسطحًا على ظهره- في متحف بريستول بجانب الميناء، M Shed، على جانب ميناء بريستول. وقد تلطخت ثيابه السوداء بالطلاء الأحمر، وجُرح وخُدش هيكله نتيجة لجرّه في الشوارع. أصبح من مخلفات الماضي، وأثراً مجرداً من عظمته. وتمكنا من مشاهدته بشكل مختلف، بفضول، باحتقار أو مرح.

وهذه ردود فعلٍ أفضل بما لا يُقاس من التوقير أو الصمت. ولكنها ليست كافية، لأن كولستون ليس مجرد بقايا من الماضي. إنه تذكير حيّ ويتنفس بأننا ما نزال متواطئين في جرائم الاستعمار، حتى لو أنها أصبحت الآن مقنَّعة ومتنكرة بطريقة أفضل.

في الوقت الحاضر، أصبحنا نتدخل عادة باسم المسؤولية المالية أو باسم التدخلات الإنسانية، بدلاً من التذرع بـ”عبء الرجل الأبيض”.

إننا نعود إلى البلدان التي استعمرناها سابقًا وجردنا من أصولها، ونعيدها إلى العبودية بالديون الدائمة من خلال الوكالات النقدية التي يسيطر عليها الغرب مثل صندوق النقد الدولي.

أو في حالة أولئك الذين يرفضون الخضوع، فإننا غالبًا -أكثر من العكس- ما نغزوهم أو نخرب بلدانهم -دول مثل أفغانستان والعراق وليبيا وإيران- ونقوم بتمزيق النسيج الاستعماري الذي كنا قد فرضناه عليهم، وندمر مجتمعاتهم بطرق تؤدي دائمًا إلى الموت الجماعي وتشتيت السكان.

لقد زودنا بالقنابل والطائرات التحالف الذي يقتل أعدادًا لا حصر لها من المدنيين في اليمن. وقمنا بتمويل وتدريب المتطرفين الإسلاميين الذين يرهبون المدنيين ويقطعون رؤوسهم في سورية. والقائمةُ أطول كثيراً من أستطيع سردها هنا.

في الوقت الحالي، نرى عواقب الاستعمار الغربي الجديد -ورد الفعل المعاكس المتوقع، في شكل عودة القومية الروسية التي استخدمها الرئيس بوتين لتحقيق أهدافه الخاصة- في توسع الناتو المستمر منذ عقود باتجاه حدود روسيا.

وبطبيعة الحال، ما نزال منغمسين بعمق في المشروع الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل، والجرائم التي تلحق بالشعب الفلسطيني بشكل منهجي.

خطة إلهية

من خلال وعد بلفور الذي صدر في العام 1917، منحت بريطانيا رخصة لإنشاء دولة يهودية عرقية معسكرة في الشرق الأوسط. وفي وقت لاحق، ساعدنا على تزويدها بالمواد الذرية، مع العلم الكامل بأن إسرائيل ستصنع قنابل نووية. وأعطينا إسرائيل الغطاء الدبلوماسي حتى تتمكن من التهرب من التزاماتها بموجب المعاهدة الدولية لوقف الانتشار النووي وتصبح القوة النووية الوحيدة في المنطقة. وساندنا إسرائيل طوال أكثر من خمسة عقود من الاحتلال وبناء المستوطنات بشكل غير قانوني.

وبشكل واضح، انغمسنا في الصهيونية إلى ما لا نهاية لأنها تطورت من أصولها الدنيئة منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، كحركة معادية للسامية بين المسيحيين الأصوليين. وكان هؤلاء الصهاينة المسيحيون (2) -الذين عملوا في ذلك كسماسرة للسلطة في الحكومات الأوروبية مثل بريطانيا- كانوا ينظرون إلى اليهود على أنهم مجرد أدوات في خطة إلهية.

ووفقًا لهذه الخطة، يجب حرمان اليهود من فرصة الاندماج كما ينبغي في البلدان التي افترضوا أنهم ينتمون إليها.

وبدلاً من ذلك، أراد الصهاينة المسيحيون أن يقودوا اليهود ليجمعوهم في أرض إسرائيل التوراتية القديمة المتخيلة، لتسريع وصول نهاية الزمان، عندما سيُحكَم على البشرية ولن يقوم إلا المسيحيون الصالحون ليكونوا مع الله.

ودام ذلك إلى أن أخذ هتلر هذه المعاداة الغربية للسامية إلى مستوى آخر، ووافق عدد قليل من اليهود على فكرة أنهم محكوم عليهم إلى الأبد بأن يكونوا شعباً منفصلاً، وأن مصيرهم مرتبط بشكل لا ينفصم بقطعة صغيرة من الأرض في منطقة بعيدة لم يسبق لهم زيارتها، وأن حلفاءهم السياسيين يجب أن يكونوا العنصريين الألفيين (3).

لكن الأمور تغيرت بعد الهولوكوست. بدا الصهاينة المسيحيون وكأنهم معادون للسامية أكثر لطفًا من النازيين الذين اعتنقوا فكرة الإبادة. وانتصرت الصهيونية المسيحية موضوعياً، ووُلدت من جديد في شكل “الصهيونية اليهودية” (4)، مدعية أنها حركة تحرر وطني وليست بقايا قومية أوروبية بيضاء كثفها هتلر فحسب.

اليوم، تُعرض علينا استطلاعات للرأي تُظهر أن معظم اليهود البريطانيين يؤيدون الأفكار القبيحة للصهيونية -أفكار كان أجداد أجدادهم يمقتونها ويزدرونها. أما اليهود الذين يعارضون؛ الذين يعتقدون أننا جميعًا متماثلون، وأننا جميعًا نشترك في مصير مشترك كبشر وليس كقبائل، فيجري تجاهلهم أو رفضهم باعتبارهم كارهين لأنفسهم. وفي تحريف للواقع، يُنظر إلى هؤلاء اليهود الإنسانيين، وليس الصهاينة اليهود، على أنهم بيادق لمعاداة السامية. (يُتبَع)

فلسطين صدى عال لماضي بريطانيا الاستعماري – وتحذير للمستقبل (2-2)

جوناثان كوك* – (ذا بالستاين كرونيكل) 30/3/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعودتي من الناصرة إلى المملكة المتحدة، قفزت من الرمضاء إلى النار.

* *

أيديولوجية فاسدة

الصهيونية كحركة سياسية مدللة للغاية، مندغمة جداً في المؤسسات السياسية الأوروبية والأميركية لدرجة أن أولئك اليهود الذين يحتشدون وراء هذه القومية العرقية لم يعودوا يعتبرون معتقداتهم غير طبيعية أو بغيضة -كما كان سيحكم على آرائهم معظم اليهود قبل بضعة أجيال فحسب.

كلا، يعتقد الصهاينة اليهود اليوم بأن وجهات نظرهم بديهية للغاية، ومهمة للغاية للحفاظ على الذات اليهودية لدرجة أن أي شخص يعارضهم يجب أن يكون إما يهوديًا كارهاً لنفسه أو لا ساميا.

ولأن غير اليهود لا يفهمون كثيراً خطيئتهم الخاصة وتواطؤهم في إثارة هذه الأيديولوجية الشاذة للصهيونية اليهودية، فإننا ننضم إلى طقوس تشويه سمعة أولئك اليهود الشجعان الذين يشيرون إلى المدى الذي قطعناه من خلال النظر في المرآة.

نتيجة لذلك، فإننا نمنح دعمنا للصهاينة دون تفكير بينما يستخدمون معاداة السامية كسلاح ضد أولئك -من اليهود وغير اليهود على حد سواء- الذين يقفون في تضامن مع الشعب الفلسطيني الأصلي الذي ما يزال مضطهدًا ويعاني منذ فترة طويلة من الكولنيالية الغربية.

بلا تفكير، انجرف الكثيرون منا مرة أخرى نحو التعاطف مع الظالم -هذه المرة، العنصرية المناهضة للفلسطينيين التي بالكاد يمكن إخفاؤها.

ومع ذلك، فإن مواقفنا تجاه إسرائيل الحديثة، بالنظر إلى التاريخ البريطاني، يمكن أن تكون معقدة. من ناحية، هناك أسباب وجيهة لإدارة أنظارنا عنها. ذلك أن جرائم إسرائيل اليوم هي صدى وتذكير بجرائمنا نحن بالأمس. وتدعم الحكومات الغربية جرائم إسرائيل من خلال الاتفاقيات التجارية، وتوفير الأسلحة لإسرائيل لارتكاب تلك الجرائم، وتستفيد من الأسلحة الجديدة والأسلحة الإلكترونية التي طورتها إسرائيل من خلال اختبارها على الفلسطينيين. ومثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا الذي انتهى وجوده الآن، فإن إسرائيل هي حليف مركزي للاستعمار الجديد الغربي.

وهكذا نعم. إن إسرائيل مرتبطة بنا بحبل سري. نحن أمها. لكنها في الوقت نفسه ليست مثلنا تمامًا أيضًا -إنها سلالة غير شرعية. وهذا الاختلاف؛ هذه المسافة يمكن أن تساعدنا على اكتساب القليل من المنظور تجاه أنفسنا. يمكنها أن تجعل من إسرائيل أداة تعليمية. وسيلة لفتح العيون. مكاناً يمكن أن يجلب الوضوح. وهو لا يوضح ما تفعله إسرائيل فقط، ولكن أيضاً ما فعلته دول مثل بريطانيا وما تزال تفعله حتى يومنا هذا.

الاتجار بالأجساد

يكمن الاختلاف بين بريطانيا وإسرائيل في التمييز بين الدولة الاستعمارية والدولة الاستعمارية الاستيطانية.

تشكل بريطانيا مثالاً كلاسيكياً على الأولى. فقد أرسلت أبناء مدارسها الخاصة التي ترتادها النخبة؛ رجالاً مثل كولستون، إلى أجزاء من العالم غنية بالموارد من أجل سرقة تلك الموارد وجلب الثروة إلى الوطن الأم لزيادة إثراء المؤسسة. كان هذا هو الغرض من مزارع الشاي والسكر في المستعمرات.

لكنها لم تكن مجرد اتجار بالأشياء غير الحية. لقد تاجرت بريطانيا أيضاً بالأجساد الحية -ومعظمها من السود. كان العمل والعضلات مورداً حيوياً للإمبراطورية البريطانية مثلهما مثل الحرير والزعفران.

وقد استمر الاتجار في البضائع والأشخاص لأكثر من أربعة قرون حتى بدأت حركات التحرر بين السكان الأصليين في التخلص -جزئيًا على الأقل- من نير الاستعمار البريطاني والأوروبي. وكانت القصة منذ الحرب العالمية الثانية واحدة تحكي عن جهود أوروبا والولايات المتحدة لإعادة اختراع الاستعمار، من خلال اغتصابهما ونهبهما الشعوب عن بعد، من خلال أيدي آخرين.

هذه هي العلامة المبتذلة والحديثة للاستعمار: استعمار جديد “إنساني” يجب أن نكون قد أصبحنا على دراية بطبيعته الحقيقية الآن. وقد لعبت الشركات العالمية والوكالات النقدية، مثل صندوق النقد الدولي والتحالف العسكري لحلف الناتو، دورًا رئيسيًا في إعادة ظهور الاستعمار -وكذلك فعلت إسرائيل.

استراتيجيات الإقصاء

ورثت إسرائيل تقليد بريطانيا الاستعماري، واعتمدت بشكل دائم العديد من أوامر الطوارئ البريطانية لاستخدامها ضد الفلسطينيين. ومثل الاستعمار التقليدي، فإن الاستعمار الاستيطاني مصمِّم على مصادرة موارد السكان الأصليين. لكنه يفعل ذلك بطريقة أكثر وضوحا ولا هوادة فيها. إنه لا يستغل المواطنين الأصليين فقط، وإنما يسعى إلى الحلول محلهم أو القضاء عليهم. بهذه الطريقة لن يكونوا في وضع يسمح لهم بتحرير أنفسهم ووطنهم.

وليس ثمة ما هو جديد في هذا النهج. فقد سبق وأن تبناه المستعمرون الأوروبيون في معظم أنحاء العالم: في أميركا الشمالية، وأفريقيا، وأستراليا ونيوزيلندا، وكذلك في الشرق الأوسط في وقت متأخر.

ثمة مزايا وعيوب للاستراتيجية الاستعمارية الاستيطانية، كما تُظهر إسرائيل بوضوح شديد. في كفاحهم للحلول محل السكان الأصليين، كان على المستوطنين الإسرائيليين صياغة رواية -عقلنة- تفيد بأنهم هم الضحايا وليس الذين يصنعون ضحايا. كانوا يفرون، بطبيعة الحال، من الاضطهاد في أوروبا، وإنما فقط ليصبحوا هم أنفسهم مضطهدين خارج أوروبا. ومن المفترض أنهم كانوا يخوضون معركة من أجل البقاء ضد الفلسطينيين الذين جاؤوا هم ليحلوا محلهم. وتم تصوير السكان الأصليين على أنهم معادون وعدوانيون بطريقة يتعذر إصلاحها وغير عقلانيين. وتم استدعاء الله في المسألة، بقدر أو آخر من الصراحة.

في القصة الصهيونية، يتحول التطهير العرقي للفلسطينيين الأصليين -النكبة- إلى حرب استقلال يتم الاحتفال بها حتى يومنا هذا. هكذا حوَّل المستعمرون الصهاينة أنفسهم إلى حركة تحرير وطنية أخرى، مثل تلك التي التي كانت تقاتل في إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية من أجل الاستقلال. وزعمت إسرائيل أنها تحارب الحكم البريطاني القمعي، مثل الأفارقة، بدلاً من كونها ترث عباءة المستعمرين.

لكن هناك عيباً أيضًا في المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، خاصة في عصر تطور الاتصالات. في وقت الإعلام الأكثر ديمقراطية، مثل الذي نتمتع به حاليًا -حتى ولو لفترة وجيزة- أصبح من الأصعب بكثير إخفاء استراتيجيات الإبادة التي يستخدمها المستعمرون أو طمسها. أصبح القبح معروضاً. وأصبح واقع الاضطهاد أكثر وضوحاً، وأكثر عدوانية وقبحاً بشكل أكثر صراحة.

تسمية الفصل العنصري باسمه

إن استراتيجيات المستوطنين لتصفية السكان الأصليين محدودة العدد، ويصعب إخفاؤها أياً يكن ما يتم اعتماده منها. في الولايات المتحدة، اتخذ الإقصاء شكل الإبادة الجماعية -أبسط حلول الاستعمار الاستيطاني وأكثرها ضماناً.

ولكن، في حقبة حقوق الإنسان التي أعقبت الحرب، حُرمت إسرائيل من سلوك هذا الطريق. وقد تبنت موقفاً مخففاً من الاستعمار الاستيطاني: الطرد الجماعي، أو التطهير العرقي. وبذلك تم طرد حوالي 750 ألف فلسطيني من منازلهم وإلى خارج الحدود الجديدة لإسرائيل في العام 1948.

لكن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي هي دائمًا مشاريع لا يمكن إكمالها. فقد مات حوالي 90 في المائة من الأميركيين الأصليين بسبب العنف والأمراض التي جلبها الوافدون الأوروبيون، لكن نسبة صغيرة منهم نجوا. وفي جنوب إفريقيا، كان المهاجرون البيض يفتقرون إلى الأعداد والقدرة -إما على القضاء على السكان الأصليين أو لاستغلال أراضٍ شاسعة بهذا القدر.

ومن جهتها، تمكنت إسرائيل من طرد 80 في المائة فقط من الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدودها الجديدة قبل أن يتدخل المجتمع الدولي. ثم خرَّبت إسرائيل نجاحها الأولي الذي حققته في العام 1948 من خلال استيلائها على المزيد من الأراضي الفلسطينية -والمزيد من الفلسطينيين- في العام 1967.

عندما لا يستطيع المستوطنون القضاء على السكان الأصليين بالكامل، يترتب عليهم فرض سياسات فصل قاسية وواضحة ضد أولئك الذين تبقوا.

وفق هذه السياسات، يتم التمييز بين الموارد والحقوق على أساس العرق أو الإثنية. وتؤسس مثل هذه الأنظمة الفصل العنصري -أو كما تسمي إسرائيل نسختها “هفردة”- للحفاظ على الامتيازات التي يتمتع بها سكانها المتفوقون، أو المختارون.

عقلية استعمارية

بعد مضي العديد من العقود، سمَّت جماعات حقوق الإنسان أخيرًا الفصل العنصري في إسرائيل باسمه. وقد وصلت “منظمة العفو الدولية” إلى هذا الوصف في هذا الشهر -آذار (مارس)- فقط -بعد مرور 74 عامًا على النكبة و55 على بدء احتلال الضفة وغزة.

وقد استغرق الأمر كل هذا الوقت الطويل لأنه حتى فهمنا لحقوق الإنسان ما يزال يتشكل من خلال العقلية الاستعمارية الأوروبية. وقد وثقت مجموعات حقوق الإنسان سوء معاملة إسرائيل للفلسطينيين -“نوع” القمع الذي يتعرضون إليه- لكنها رفضت فهم “سبب” هذا الاضطهاد. لم تستمع منظمات المراقبة هذه للفلسطين حقاً. كانت تستمع لإسرائيل فقط حتى بينما تنتقدها. وقد انغمست في مبرراتها الأمنية التي لا نهاية لها لجرائمها ضد الفلسطينيين.

وينبع الإحجام عن تسمية الفصل العنصري الإسرائيلي باسمه، في جزء كبير منه، من الإحجام عن مواجهة دورنا في خلقه. ويعني تعريف نظام الفصل العنصري في إسرائيل بما هو الاعتراف بدورنا في إدامته، ومكانة إسرائيل الحاسمة في الاستعمار الجديد الذي أعاد الغرب اختراعه.

أن تكون “عدوانياً”

بطبيعة الحال، تظل صعوبة مواجهة ماهية إسرائيل وما تمثله بالغة بشكل خاص بالنسبة للكثير من اليهود -ليس في إسرائيل فحسب ولكن في دول مثل بريطانيا. من خلال عدم وجود خيار خاص بهم، يتورط اليهود أعمق في التواطؤ مع جرائم إسرائيل لأن هذه الجرائم تُرتكب باسم جميع اليهود. ونتيجة لذلك، تكون حماية المشروع الاستعماري الاستيطاني بالنسبة لليهود الصهاينة، مرادفة لحماية إحساسهم الخاص بالفضيلة.

في التصورات النهائية للحركة الصهيونية، تُعد المخاطر أعلى كثيراً من أن تسمح بالشك أو المواربة. وبصفتهم صهاينة، فإن واجبهم هو الدعم، والتغطية، والترويج الدعائي نيابة عن إسرائيل بأي ثمن.

في الوقت الحاضر، أصبحت الصهيونية جزءًا طبيعيًا من ثقافتنا الغربية لدرجة أن أولئك الذين يسمون أنفسهم صهاينة يشعرون بالفزع من فكرة أن يجرؤ أي شخص على الإشارة إلى أن أيديولوجيتهم متجذرة في القومية العرقية القبيحة والفصل العنصري. وأولئك الذين يجعلونهم يشعرون بعدم الارتياح من خلال تسليط الضوء على حقيقة قمع إسرائيل للفلسطينيين -وعماهم عن هذا القمع- يُتهمون بأنهم “عدوانيون”.

ويتم الآن خلط هذه العدوانية المفترضة بمعاداة السامية، كما تشهد على ذلك معاملة كين لوتش، صانع الأفلام المحترم في هذه الأبرشية. ويتم الخلط بين الاشمئزاز من عنصرية إسرائيل تجاه الفلسطينيين والعنصرية تجاه اليهود. الحقيقة معكوسة.

وأصبح هذا الارتباك أيضًا أساسًا لتعريف جديد لمعاداة السامية -تعريف قدمته إسرائيل والمدافعون عنها بقوة- مصمم لتضليل المتفرجين العاديين. كلما حاولنا، بصفتنا مناهضين للعنصرية ومعارضين للاستعمار، تركيز الانتباه والازدراء على جرائم إسرائيل، زاد اتهامنا بمهاجمة اليهود ضمنياً.

إلى النار

يشبه وصولي إلى المملكة المتحدة من الناصرة في هذه اللحظة بالذات الخروج من الرمضاء إلى النار.

هنا معركة الصهيونية -تعريفها، وفهمها، ومواجهتها، ورفض إسكاتها لنا- في حالة تدفق كامل. وقد تم إخضاع ونزع أحشاء حزب العمل بقيادة جيريمي كوربين، سياسيًا من خلال اتهامه بمعاداة السامية معادة التعريف. والآن يقوم خليفته، السير كير ستارمر، بتطهير صفوف الحزب، على أساس الأسباب الزائفة نفسها.

ثمة أساتذة جامعات يتعرضون للتهديد ويفقدون وظائفهم، كما حدث مع ديفيد ميلر في جامعة بريستول، بهدف تكثيف الضغط على الأكاديمية للبقاء صامتة بشأن إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها. ويتم إلغاء المعارض، وإسكات مكبرات الصوت.

وطوال هذا الوقت، ظل الهوس الغربي الحالي بإعادة تعريف معاداة السامية -أحدث قصة غلاف لإسرائيل الفصل العنصري- ينقلنا أبعد بلا توقف بعيداً عن حساسية العنصرية الحقيقية، سواء كانت تحيزاً حقيقيًا ضد اليهود أو تفشي الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد الفلسطينيين.

يتردد صدى الكفاح من أجل العدالة للفلسطينيين لدى الكثير منا على وجه التحديد لأنه ليس مجرد نضال لمساعدة الفلسطينيين. إنه معركة من أجل إنهاء الاستعمار بجميع أشكاله، وإنهاء وحشيتنا تجاه أولئك الذين نعيش معهم جنبًا إلى جنب، لنتذكر أننا جميعًا بشر متساوون ولنا جميعًا الحق في الاحترام والكرامة.

إن حكاية فلسطين هي صدى مدوٍ لماضينا. ربما الأعلى على الإطلاق. وإذا لم نتمكن من سماعها، فإننا لن نستطيع عندئذٍ أن نتعلم -ولا يمكننا اتخاذ الخطوات الأولى على الطريق نحو التغيير الحقيقي.

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان مشترك صادر عن حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

يواصل شعبنا الفلسطيني الصامد مقاومته الباسلة منذ عشرات السنين، ما لانت له قناة، ولا ضعفت له عزيمة، متسلحاً بإيمانه العميق بالله أولاً، ثم بعدالة قضيته الوطنية وحقه التاريخي في أرضه المباركة من نهرها إلى بحرها، مؤمناً تمام الإيمان بأن المقاومة الشاملة بكل أشكالها وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد لتحرير الأرض والمسرى والأسرى وعودة اللاجئين، وأن ما سوى ذلك من حلول وتسويات ما هو إلا سراب ووهم، لم يجلب لشعبنا إلا الويلات، وتكريس الاحتلال، وزيادة الاستيطان، وتهويد المقدسات. وانطلاقاً من هذه الرؤية للصراع فقد عقدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي ظهر اليوم اجتماعاً قيادياً عالي المستوى شارك فيه قادة سياسيون وعسكريون وأمنيون من الحركتين، تخلله نقاش مركز ومعمق حول سبل تطوير مشروع المقاومة الذي تتبناه وتتصدره الحركتان إضافة إلى كل فصائلنا الوطنية، وآليات تعزيز حاضنته الشعبية والوطنية بما يمهد الطريق نحو ثورة شعبية شاملة تخوض المواجهة مع الاحتلال في كل شبر من أرض فلسطين.

كما ناقش المجتمعون العلاقات الثنائية بين الحركتين في المستويات كافة، وتم الاتفاق على تعزيز أوجه العمل المشترك وتفعيل اللجان المشتركة بين الحركتين في المـــستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وتؤكد الحركتان على ما يلي :-

1- التحية كل التحية لشعبنا العظيم في كل مكان ولشهداء شعبنا الأكرمين ونخص بالذكر شهداء معركة وحدة الساحات أبطال سرايا القدس القادة الشهداء تيسير الجعبري وخالد منصور، وللأسرى الأبطال جميعاً وللأسير الصامد خليل عواودة المضرب عن الطعام منذ 173 يوماً، كما نوجه التحية للأجهزة الحكومية في غزة التي تعمل ليل نهار على حماية ظهر المقاومة وجبهتها الداخلية.

2- المقاومة خيارنا الاستراتيجي لا تراجع عنه، ولا تردد فيه، وهي مستمرة وبتنسيق عالٍ ومتقدم بين الحركتين، والفصائل كافة، وفي المقدمة منها كتائب القســـــام المظفرة، وسرايا القدس البطلة، ونحذر العدو من أي غدر تجاه شعبنا ومقاومته الباسلة وسيكون ردنا عليه حازماً وحاسماً وموحداً.

3- غرفة العمليات المشتركة منجز وطني يضم فصائل المقاومة كافة في إطار موحد لإدارة المواجهة مع الاحتلال وفي المقدمة منها كتائب القسام وسرايا القدس وسنعمل جميعاً على تعزيز دورها ومكانتها حتى التحرير والعودة.

4- في الذكرى 53 لإحراق المسجد الأقصى المبارك نؤكد أن القدس مركز الصراع وهي قبلة المجاهدين والثوار، وسيف القدس لن يغمد وسنواصل – ومعنا شعبنا كله – معركة القدس حتى التحرير والعودة.

5- ندعو السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية إلى الكف عن ملاحقة المقاومين الأبطال والإفراج عن المعتقلين السياسيين وخاصة في سجن أريحا سيء الصيت، وإلى وقف التعاون الأمني مع الاحتلال والتحرر من مسار أوسلو الكارثي وإلى إطلاق المقاومة الشاملة حقيقةً لا كلاماً.

6- تؤكد الحركتان حرصهما على إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية وذلك من خلال تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد يمثل شعبنا كاملاً في الداخل والخارج ولتحقيق هذه الغاية ستواصل الحركتان جهودهما المشتركة لتشكيل تكتل وطني يوحد الجهود المبذولة على هذا الصعيد.

7- ندعو أبناء الحركتين وأنصارهما إلى مزيد من التلاحم والتقارب والانطلاق يداً بيد في خدمة شعبنا ومقاومته البطلة.

8- تشكر الحركتان وتقدر عالياً كل الشعوب العربية والاسلامية وأحرار العالم الذين وقفوا مع شعبنا ضد العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة ونطمئنهم على وحدة المقاومة الفلسطينية وقدرتها على فرض المعادلات ووقوفها صفاً واحداً في مواجهة الاحتلال، كما نشكر الدول العربية والإسلامية التي ساندت حقنا المشروع في الدفاع عن شعبنا ونخص بالذكر جمهورية إيران الإسلامية وجمهورية مصر العربية ودولة قطر والأحزاب العربية والإسلامية.

المجد للشهداء

الحرية للأسرى

وإنه لجهاد؛ نصر أو استشهاد

حركة المقاومة الاسلامية حماس            حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين

الإثنين 22 / 8 / 2022 م.

“كل مواطنيها”.. حزب جديد “عربي يهودي” للمساواة بين الشعبين في أراضي(48)

أمد/ حيفا: شرع المحامي وليد أبو تايه، بالتحضير لتأسيس حزب جديد “كل مواطنيها”، بالتعاون مع عضو الكنيست السابق ابراهام بورغ، وعضو الكنيست السابق طلب الصانع، والبروفسور فيصل عزايزة، وغرشون باسكن، وآخرين، ضمن سقف دولة جميع مواطنيها وليس ضمن ما يسمى دولة يهودية وديمقراطية.

ولفت أبو تايه، في بيان له وصل “أمد للإعلام” نسخة عنه، إلى أن الحزب الجديد، إلى تكريس المساواة الحقيقيه في إطار دولة جميع مواطنيها بين جميع سكان إسرائيل اليهود والعرب، والعمل على تحقيق السلام العادل مع الشعب الفلسطيني من خلال إجراء مصالحة تاريخية بين الشعبين.

وبين أن، من أهداف الحزب الجديد إحترام الاختلافات المذهبية والدينية وحرية التعبير عن الهوية الثقافية لجميع القوميات وممارسة الشعائر الدينية والاعتقاد بحرية كاملة إضافة إلى حماية جميع المقدسات بدون استثناء.

واعتبر أبو تايه، أن الحزب لن يعمل على تشتيت الأصوات في الوسط العربي، وإنما سيعزز من قوة المجتمع ويحصنه لمواجهة السياسات العنصرية للاحزاب القومية والدينية اليهودية المتطرفة، وسيكون إضافة نوعية لمعسكر قوى السلام في إسرائيل.

ودعا أبو تايه، للانضمام إلى هذه الفكرة، كداعمين، في حزب جديد قائم على شراكة جوهرية ومتساوية بين اليهود والعرب، يتمحور حول تأصيل الهوية المدنية الجماعية لليهود والعرب، والمطالبة بإنهاء الاحتلال وبتحقيق اتفاقية سلام عادل ودائم ومستقر بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

وأوضح أن، القائمة وقيادتها ستنص على التمثيل المتساوي للنساء والرجال من عرب ويهود.

وأشار إلى أن من أبرز الداعمين لهذه الخطوة المهمة هم: عضو الكنيست السابق ابراهام بورغ، طلب الصانع، بروفيسور يوسف أغاسيو ، بروفيسور فيصل عزايزة، المحامي وليد أبو تايه، د. جنان فراج فلاح، بروفيسورة عيريت كينانو، بروفيسور دانيئيل بار تال، المحامي ميخائيل بين-يائير، داليا غولومب-يادلين، موسى أبو صهيبان، بروفيسور حاخام يائير ليفشيتس، المحامية يوئيلا هار شيفي، جريس مطر، يهوديت هارئيل، فيصل محاجنة، د. نيريت بن آري، د. سهيل الحاج، بروفيسور دان ميودوبنيك، د. ألون ليئيل، د. رافي ديفيدسون، الناشطة الاجتماعية يهوديت الكانا، الحاخام دوبي أفيغور، د. غيرشون باسكين، موتي أفربوخ، أميرام جولدين وآخرين.

وأردف أبو تايه: “نحن نتطلع إلى المستقبل ونريد تسجيل حزب من أجل إرساء أسس هذه الشراكة السياسية المهمة لمستقبل مجتمع عربي – يهودي مشترك ولحياة مشتركة في إسرائيل”.

وأضاف: “لتسجيل الحزب نحتاج إلى 100 مؤسس حيث يتم تسجيل المتضمين بتسارع كبير، ونحن ملتزمون باتخاذ قرار مسؤول عشية الانتخابات المقبلة، بحيث يكون عقلانيا ومتمشيا مع الظروف بحيث لا يؤدي إلى إهدار الاصوات.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى