أهم الاخبارفلسطيني

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (111)

الجرائم في القانون الدولي والجرائم الاسرائيلية

د. جهاد الحرازين

أمد/ مخطيء من يعتقد للحظة ما أن يفرح أو يُسْعد أو يقف متفرجاً أمام أيّةِ جريمة تُسْتَهدف فيها جماعة بشرية، لأن الإنسان هو الشيء المقدس ذو القيمة الكبيرة التي خلقها الله وفضلها على كل شيء، فعملية القتل أو الإبادة لهذه القيمة العظيمة تُعد انتهاكاً صارخاً لعدالة السماء وقوانين الأرض، التي وُضِعت لحماية وصون كرامة الإنسان الذي كُرِم من قِبل رب العالمين، ومن هنا كانت حالة الحراك القانوني والسياسي والمجتمعي لدى دول العالم من أجل الوصول لمصوغات مُتفق عليها لحماية الإنسان، وتضع له حقوقاً تصون كرامته وتحافظ عليه وتمنع التعدي والتجاوز بحقه، وتُرْجِم ذلك عبر مجموعة من القوانين والإتفاقيات التي حاولت أن تنظم العلاقات بين الدول والأفراد، ووضعت مباديء ونصوص قانونية ضابطة لكل مراحل الحياة سواء في السلم أو الحرب، من خلال القوانين والإتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية، وإنشاء المنظمات والهيئات والمؤسسات الدولية، وتقديم الدعم اللازم والتدريب والمتابعة، وكل ذلك لحماية الإنسان والحفاظ عليه وصون كرامته، وخاصةً بعد الطفرة الكبيرة التي شهدها العالم بعد إنتهاء الحروب العالمية، وحجم الضحايا الكبير والذي يقدر بعشرات الملايين، وبالتالي كان من اللازم التدخل لضبط هذه العلاقات وتنظيمها ومحاسبة مرتكبي الجرائم التي تنال من الإنسان، ولذلك قدم لنا التاريخ العديد من الجرائم التي إرتُكِبت، والتي شكلت حالة قائمة ومستمرة شاهدة على التعذيب وهول الجريمة البشعة التي تم إرتكابها، ووفقاً لذلك جاءت النصوص القانونية والإتفاقيات الدولية لتحدد أربعة جرائم تُعد هي الأخطر، الأمر الذي يتطلب محاسبة ومعاقبة مرتكبيها، والتدخل الفعال من قِبل المجتمع الدولي لحماية تلك الجماعات المُهَددة بالقتل والفناء، حيث تتمثل هذه الجرائم الأربعة بـــ “جرائم الإبادة، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان”، حيث أنها وضعت تعريفات خاصة لكل جريمة منها تتفق مع ما ورد في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة والأنظمة والبروتوكولات والملاحق الإضافية لهم.

ومن خلال النظر لهذه الجرائم ومحاولة مقارنتها مع ما يجري على أرض الواقع بالأراضي الفلسطينية، وما يُمارس من تعذيب وارتكاب للجرائم نجد أنها تتوافق مع ما ورد بتلك الجرائم الأربعة وفقاً لنظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، والتي نؤكد من خلالها بأننا ضد ازهاق الروح والنفس الإنسانية أياً كانت المعتقدات أو الإنتماء، فالإنسان أغلى ما نملك على وجه البسيطة، فالإبادة الجماعية وهي تعني أي فعل من الأفعال التالية يُرْتَكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه، إهلاكاً كلياً أو جزئياً، وهذه الأفعال “قتل أفراد الجماعة، إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة، إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً”، وبمطابقة ذلك على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية سنجد بأن هناك حالة من الإستهداف لكل ما هو فلسطيني وعربي ومسلم ومسيحي داخل الأراضي الفلسطينية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، فعمليات الحرق التي تعرض لها الفتى محمد ابو خضير في القدس، ومن بعده عائلة دوابشة التي أُحْرِقت بكاملها، وعمليات قتل عائلات بأكملها اثناء الحروب على قطاع غزة وشطبها من سجل الأحوال المدنية، كعائلة الدلو وأبو حطب والعطار والمصري وغيرها، حيث أن هناك أكثر من (15) عائلة شُطِبت من السجل المجني الفلسطيني، وكل عائلة تضم أكثر من (20) فرداً، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى الحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية بشكل كامل، في محاولة لإهلاك المجتمع الفلسطيني، لذلك نجد بأن هذه الجريمة متوافرة وهنا يُثار التساؤل عن حالة الإستفزاز التي تصيب بعض الدول عندما ذُكِر الهولوكست أو المحرقة، والتي أصبحت بمثابة عقدة نفسية تدفع ثمنها الدول حتى يومنا هذا، وتقدم الأموال لدولة الاحتلال والمساعدات، وذلك تكفيراً عن هذه الجريمة والتي هي مدانة بكل ما تعني الكلمة، فلماذا لا تشعر هذه الدول بمأساة الشعب الفلسطيني الممتدة على مدار (74) عاماً متواصلة من جرائم الإبادة، وخاصة تلك التي إرتُكِبت في دير ياسين وكفر قاسم والطنطورة، والتي هي شاهدة على عملية الإبادة التي تعرض لها ابناء الشعب الفلسطينى ولا زالت ومعها عشرات المجازر الأخرى؟، لماذا لم تكن الهولوكست وجرائم الإبادة في رواندا حافزاً لكل الدول لعدم تكرار الجريمة على إختلاف أنماطها والتي تؤدى بالنهاية إلى نتيجة واحدة، وهي الإبادة؟، ولماذا يقف الجميع عاجزاً أمام دعوات التحريض التي يطلقها قادة الكيان ومتطرفيه بقتل الفلسطينيين وتهجيرهم وطردهم والإعتداء على ممتلكاتهم وحصارهم، ألسنا امام جريمة إبادة مستمرة ومتواصلة؟، أم أن الرئيس أبو مازن طرق الخزان وناشدهم بوقف الجريمة التي تُرْتَكب بحق الشعب الفلسطيني، لماذا لم تكن جرائم الإبادة التي إرتُكِبت في عهد النازية وفي رواندا وفي البوسنة والهرسك والروهينجا في مينمار ومجازر صبرا وشاتيلا ومجزرة الحرم الإبراهيمي ومجزرة المسجد الاقصى وريشون ليتسيون وجباليا وغيرها العشرات دافعاً للتحرك ضد دولة الإحتلال لوقف هذه الجريمة؟، فهناك الكثير من المجازر التي إرتُكِبت على مدار التاريخ، أمَا آن الأوان لوقف تلك المجازر وجرائم الإبادة وأن يكتفي العالم ما عاناه من ألم الحروب والقتل ومأسي الفقد؟، أمَا آن الأوان لوقف تلك الجريمة المستمرة من قِبل دولة الإحتلال من خلال تكاتف عالمي من قِبل المجتمع الدولي يعمل على إنهاء الإحتلال ويحمي الشعب الفلسطيني من إبادة أخرى ومتجددة.

أما عن الجرائم ضد الإنسانية فهى أي فعل من الأفعال التالية “القتل العمد، الإبادة، الإسترقاق، إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، التعذيب، الاختفاء القسري للأشخاص، جريمة الفصل العنصري، الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية”، حيث أننا نجد هذه الجريمة متوافرة بكل ليس فقط بأركانها المادية والمعنوية، بل بكل مكوناتها والتي يعد أحد مكوناتها بمثابة جريمة ضد الإنسانية، ولكن تتوافر كل ما يمكن أن يشكله فعل جريمة ضد الإنسانية، فنحن أمام حقيقة لا يمكن إغفالها أو إنكارها، بل نحن أمام جريمة ضد الإنسانية تُرْتَكب من قِبل دولة الاحتلال، وذلك بشكل يومي ضد أبناء الشعب الفلسطيني، الذي لا زال يخضع تحت سيطرة دولة الإحتلال والتي ترفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدةـ والتي تجاوزت (86) قراراً لمجلس الامن، وأكثر من (780) قراراً للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكثر من توصية وقراراً للمؤسسات الدولية، ولكن من خلال وضعنا لبعض الجرائم الإسرائيلية في إطار التوصيف القانوني لها ومدى توافقها مع الجريمة ضد الإنسانية، نجد أن عمليات القتل العمد وإن كانت على مجرد الإشتباه تُمَارس بشكلٍ يومي، وخاصة عمليات الإعدام والقتل بدمٍ بارد في المدن الفلسطينية، أو على الحواجز، وتصفية المواطنين العزّل أمام أعين الكاميرات لمجرد أن يتم الاشتباه به أنه فلسطيني أو أنها فلسطينية، حتى وصل الأمر إلى لأن اطلقوا الرصاص على بعضهم إعتقاداً منهم بأن من هو أمامهم فلسطيني، فلا فرق بين الشاب والشيخ والطفل والفتاة، فإعدام الشاب أحمد عريقات، والفتى محمد جبارين، ومحمد شحام، والمسن سليمان الهذالين، وعمر أسعد، والطفل عطالله ريان، والمرأة سارة الطرايرة، ومي عفانة، بالإضافة إلى إحتجاز جثامين الشهداء والقائمة تطول، إن جريمة القتل العمد شاهدة عليهم في جريمة ضد الإنسانية، أما عن الإبادة فتحدثنا عنها مقدماً، والتي هي كذلك تشكل جريمة ضد الإنسانية، اما الجريمة المتواصلة والمستمرة والتي تُمَارس في كل يوم وأمام العالم أجمع وهي جريمة الاستيطان، التي تستهدف طرد السكان الأصليين من أرضهم ومصادرتها وبناء المستوطنات عليها ومنحها للمستوطنين الذين لا علاقة لهم بالأرض، أو حتى الدولة، فهم قادمون من دول مختلفة لا علاقة تربطهم بالأرض أو أهلها، وه مغتصبون لهذه الأرض، حيث هناك مئات المستوطنات والبؤر الإستيطانية التي أُقُيمت على الأرض الفلسطينية، وطرد أصحابها وتم السيطرة عليها بقوة السلاح وتحت التهديد وإصدار تشريعات تؤدي إلى محاولة التغيير الديموغرافي، من خلال قرارات الإبعاد والطرد وسحب الهويات، وقانون أملاك الغائبين، ومنع البناء وفرض الضرائب، بهدف دفع السكان الأصليين إلى المغادرة وترك الأرض ونقل بعضهم من مكان سكناهم إلى أماكن أخرى، كما يحدث في قرية الخان الأحمر، وما يحدث بحي الشيخ جراح، وحي سلوان وبيتا بنابلس، وغيرها من الأماكن الأخرى، والقرصنة على الأموال الفلسطينية من خلال الخصومات والحجوزات على تلك الأموال ومصادرتها تحت حجج وذرائع لا أساس لها من الصحة، بل بهدف زيادة الحصار والضغط على الشعب الفلسطيني وقيادته ومحاولة الإبتزاز لمواقف سياسية ووطنية، وهي جريمة شاهدة ومستمرة ضد الإنسانية.

أما عن السجن والتعذيب فهناك أكثر من (6000) أسير فلسطيني معتقل لدى الإحتلال منهم المئات تجاوزوا ما أمضاه نيلسون مانديلا، وهناك المئات معتقلون دون محاكمة تحت مسمى “الإعتقال الإداري”، حيث معاناة الأسرى تفوق أي تصور أو حديث لما يتعرضوا له من أبشع أنواع التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، ومحاولة افراغ المعتقل من حياته، وكلنا شاهدنا ما تعرض له الطفل أحمد مناصرة من تعذيب وترهيب وعلى شاكلته المئات، بالإضافة إلى ما يتعرض له الأسرى من إهمال طبى وإستشهاد العشرات منهم نتيجة سياسة الإهمال الطبي، والاعتداءات عليهم، ومنعهم من أدنى الحقوق التي نصت عليها الإتفاقيات والقوانين الدولية في ظل محاكمات إحتلالية لا علاقة لها بالقانون، أو العدالة أو الانصاف، فهي قائمة على عقلية الإحتلال الذي يريد الإنتقام والقتل، فهل من المعقول أن يُحَاكم طفل على إلقاء حجر سبع سنوات سجن وغرامة، فيما يُحَاكم جندى أو مستوطن قام بالقتل العمد شهر في بيته، حيث لا عدالة لقضاء إرتضى بقانون العنصرية القومي، وكذلك منع الزيارات عن الأسرى، ومنع الأكل عنهم والإعتداء عليهم بإستخدام الاسلحة والغاز السام والهراوات والكلاب البوليسية الشرسة وإستخدام الأساليب المحرمة دولياً أثناء التحقيق مع المعتقلين، حيث لا ضمانة لتحقيق نزيه وشفاف أو لمحاكمة عادلة، كما نصت عليه الإتفاقيات والقوانين الدولية، وبالتالي فهي جريمة أخرى ضد الإنسانية تضاف إلى سجل جرائم الإحتلال الحافل بتلك الجرائم المستمرة.

وبالنظر إلى جريمة جديدة، وهي جريمة الفصل العنصري، والتي تُعَد ضمن الجرائم ضد الإنسانية، حيث أن هذا الإحتلال قائم أساساً على الفصل العنصري، وممارسة سياسة التمييز، وهو ما أقرته وأعلنت عنه منظمة العفو الدولية بتقريرها الأخير بان دولة الإحتلال هي دولة نظام عنصري، فالدولة التي تقوم تشريعاتها وقوانينها على لأساس الفصل العنصرى والتمييز، هي دولة لا تستحق التواجد في إطار المنظومة الدولية كما فعل العالم مع جنوب أفريقيا، فهذه الدولة التي شرَّعت قانون القوميَّة العنصري، الذي يدعو لمعاملة المواطنين وفقاً لانتماءاتهم وعقائدهم، ويصنفهم في درجات مختلفة وغير متساوية، هي دولة فصل عنصري، والدولة التي تمارس الإضطهاد بحق المواطنين، وتقوم بإحتلال شعب أخر هي دولة فصل عنصر، والتي تقوم بإغلاق المؤسسات الحقوقية أيضاً دولة فصل عنصري، الأمر الذي يتطلب تحركاً دولياً لوقف هذه الجريمة الكبرى التي تمارسها دولة الاحتلال، ومحاسبتها على تلك الجريمة، وبالتالي نحن أمام جريمة متكاملة بكل صفاتها ومكوناتها تمارسها دولة الإحتلال بشكل يومي ومتواصل فهل يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الجريمة .

إن جرائم الحرب تعني الإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف المؤرخة بــ “12 آب / أغسطس 1949″، أي أن أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص، أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة وهي” القتل العمد، إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها، تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه، قيام دولة الاحتلال بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها، تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية، والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى….الخ”، فلم تترك دولة الإحتلال وسيلة إلا واستخدمتها ضد الشعب الفلسطينى بدءَ من المجازر وعمليات القتل والإعتقال وشن الحروب بأحدث الاسلحة وإكثرها تقدماً وإستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، فدولة الاحتلال التي مارست تلك الجرائم أثناء أكثر من خمسة حروب شنتها على قطاع غزة، هدمت خلالها ألاف المباني السكنية، وإستهدفت المدارس، والمستشفيات، والمساجد، ودور العبادة، ومقرات الامم المتحدة، وسيارات الإسعاف، والصليب الأحمر، وإستخدمت قذائف الفسفور الأبيض المحرم دولياً، والقذائف المسمارية، والرصاص المتفجر والمغلف، والغاز السام المحرم دولياً، وجرفت الأراضي الزراعية والمصانع، وإستهدفت المدنيين العزَّل، فقصفت البيوت، ودمرت الأبراج السكنية، وقتلت عائلات بأكملهاأ ودمرت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وأطلقت قطعان الخنازير والحيوانات على المزارعين بالضفة، ونشرت الأوبئة، ومنعت سيارات الإسعاف من الوصول للجرحى والمصابين، وتركتهم ينزفون حتى الموت، ومنعت قوافل المساعدات، وفرضت الحصار بهدف تجويع المواطنين وتركيعهم، ناهيك عما يحدث بالمسجد الأقصى من إعتداءاتٍ، وإقتحامات، ومحاولات تدنيس، وهدم له بالحفريات أسفله، ومنع المصلين من الصلاة فيه، وفرض القيود والشروط على المصلين، والإعتداء عليهم، وكذلك كنيسة القيامة والأديرة والكنائس، وما يتعرض له القساوسة والرهبان، من مضايقاتٍ وإعتداءات، حيث لا حصانةٍ لدار عبادة أو شيخ أو قسيس أمام تغول الإحتلال وإعتداءاته، حتى المقابر والموتى لم يسلموا من قصفهم واعتداءاتهم، فجريمة الحرب شاهدة وموجودة على هذا الإحتلال ولا يمكن لأيٍ كان إنكار تلك الجرائم المستمرة والمتواصلة التي تُمارس من قِبل دولة الإحتلال بشكل يومي ومستمر، وأمام ذلك يبقى السؤال:

• إلى متى ستبقى دولة الإحتلال بدون رادع قانوني أو أخلاقي على تلك الجرائم؟

• هل سيبقى المجتمع الدولي واقف عاجزاً أمام هذه الدولة التي تضرب بعرض الحائط كافة الأعراف والإتفاقيات الدولية وقرارات شرعيتها؟ أم سنجد حالة من الإنهيار لقيم المنظومة الدولية بسبب هذه الدولة؟!

• هل سينتفض الأوروبيون والعالم الحر والديمقراطى وصاحب حقوق الإنسان لعدم تكرار جرائم الإبادة ووقفها؟ ام سيبقوا يتباكون على الأطلال ولا يرون إلا ما مضى؟!

إن جرائم الإحتلال فاقت أية جرائم تُذْكر في التاريخ وشاهدة وناظرة أمام أعين الجميع، فهل نجعل من الماضي درساً وعبرة وعظة للحاضر، نمحو به أثار الماضي والحاضر ونصنع مستقبل يعم فيه الأمن والسلام والاستقرار.

ملاحظة: الإتفاق من البعض على تشكيل مجلس وطنى جديد ليكون بديلاً عودة إلى فكرة البديل ممن يتاجرون بالوطن والقضية ومعاناة الشعب.. كفاكم متاجرة بألام المواطن المكلوم وعذاباته، فلستم من وليَّ عليه أو قدره إرحلوا …هناك شرعية واحدة هي منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس واحد هو الرئيس أبو مازن ولتسقط مؤامرة خلق البديل.

التدرّج التاريخي لهزائم اليسار اللبناني: الحزب الشيوعي… «القاطرة» نموذجاً

نهاد حشيشو

كنت قد عزمت على أن لا أضيف مادة بحثية على جملة مقالاتي التي كنت قد كتبتها حول هزائم الحزب الشيوعي اللبناني واليسار عموماً، خلال سنتَي 2019 و2020 في «الأخبار». غير أنّ نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية 2022، وما تخلّلها من ترشيحات وفوز لقوى سُمّيت بالتغييريين الذين حسبوا على اليسار إثر انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وهذا خطأ فادح، وهزالة ترشيحات الحزب الشيوعي وبقايا يسار مرحلة السبعينيات والأصوات المتواضعة التي نالوها، حفّزتني مجدداً كي أعود لأخطّ هذه المقالة حول المسبّبات التي أدت إلى ما آل إليه واقع الحزب الراهن واليسار عموماً، من تراجع وفقدان الزخم الجماهيري الذي تكوّن في مرحلة الصعود؛ إبّان حقبة السبعينيات وتأسيس الحركة الوطنية.

لكن بداية، لا بدّ من توضيح اللبس الحاصل حول فوز هؤلاء التغييريين وهل يمكن إطلاق صفة اليسار عليهم؟ حكماً لا. قد يكون بعضهم من أهل اليسار ولا يجمعهم مع خصائص هؤلاء جامع. والرأي العام يستطيع أن يميّز بين اليساري الذي يريد اقتلاع هذا النظام الاحتكاري الطائفي الفاسد من جذوره والإصلاحي النيوليبرالي الساعي إلى تحسينه وتجميله، أو، على الأقل، تسنّم بعض من مواقعه ومفاصله. أيضاً ما يتعلق برؤية هذا النيوليبرالي وارتباطه بآفاق الصراع العالمي حول توجهات القوى الدولية الرأسمالية المنطلقة من عقالها، لتقاسم موارد المنتوج الإنساني المشترك وحرمان أهل الأرض من رزقهم الطبيعي المحق لهم. أمّا عن آفاق تحالف هذا التغييري مع اليساري خلال معركة، تحسين أو إسقاط هذا النظام، فذلك موضوع آخر لا مجال لبحثه راهناً في عجالة هذه المقالة.

صعود، فبداية تراجع، وتذبذب حراكي

ناقشني أحد الأصدقاء هامساً: أليس منطقياً القول بأنّ فوز هؤلاء التغييرين كان يجب أن يُحسب لليسار؟ أجبته أن يُحسب نعم، أمّا أن يكون فلا! إن يسار حقبة السبعينيات مختلف عن واقعنا الراهن. كان يساراً محدد المعالم من جهة هويته الانتمائية وواقعه الطبقي والإيديولوجي السياسي. وعندما أخذت التناقضات تعصف بهذا اليسار الذي كان محوره الحزب الشيوعي، وذلك في مطلع ومنتصف التسعينيات من القرن الماضي، استمر هذا اليسار يتفاعل سياسياً وانتخابياً في إطار حركة اليسار التي بدأت بالتلاشي والخفوت.

إنّ تجربة انتخابات 1996 في الجنوب وما رافقها من تأسيس للحركة الشعبية الديموقراطية وتشويش الحزب الشيوعي أجواءها إلى حد الاعتراض على تركيبتها، رغم وجود مرشح له فيها، يدعم رأيي هذا حول بداية تفسخ التيار اليساري الواسع الانتشار الذي بدأ يتكوّن مطلع السبعينيات. وكانت هذه الحركة التي أطلقها في مؤتمر صحافي (راجع «السفير» 16/12/1996) عقده في نقابة الصحافة النائب الماركسي اليساري السابق حبيب صادق، وقدّم خلاله مشروع وثيقتها العامة الصادرة عن مؤتمرها الأوّل والأخير، كما مرشحيها للانتخابات البرلمانية، وهم: حبيب صادق، خضر سليم، ماجد فياض، طارق شهاب، سعد الله مزرعاني، محمود فواز، إلياس أبو رزق، وقد حصلوا على نسبة عالية من الأصوات (تفاوتت النسب بين المرشحين) أبرز مؤشر على شدة الأزمة التي كانت قد بدأت بالإحاطة بواقع اليسار اللبناني.

عودة إلى موضوعنا الأساسي: تدرّج هزائم هذا اليسار بقاطرته الحزب الشيوعي منذ التأسيس حتى زمننا الراهن. مرّ الحزب الشيوعي اللبناني–السوري، بقيادته التنسيقية الموجودة السورية–اللبنانية الخاضعة لخالد بكداش حتى عام 1964، حين انفرد اللبنانيون بقيادة حزبهم وتموضع جورج جاوي بعدما سيطرت مجموعته على قيادته، إثر التخلص من المجموعة القيادية السابقة التي أدارها ثنائي: صوايا صوايا وحسن قريطم حتى عام 1968، بمراحل ست أساسية، هي على التوالي مرحلة النشوء والتركيب وقد امتدت من عام 1922 حتى عام 1926، ومرحلة الانتشار العلني الأوّل، وتمتد من عام 1926 حتى عام 1928، ثم مرحلة الانتشار العلني الثاني، وتمتد من عام 1942 حتى عام 1948، وأخيراً مرحلة الانتشار العلني الثالث، التي امتدت في سوريا من عام 1954 حتى عام 1958، والانتشار نصف العلني في نفس الفترة في لبنان إلى أن منح كمال جنبلاط، وزير الداخلية آنذاك، الحزب ترخيصاً في مطلع السبعينيات، فأصبح علنياً وله مكاتب في كل الأنحاء اللبنانية مع غيره من الأحزاب: الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي الذين شكّلوا لاحقاً مع غيرهم من القوى الناصرية والديموقراطية والحزب التقدمي الاشتراكي ما سمّي يومها بالحركة الوطنية ودخلوا جميعهم في مرحلة الحرب التي امتدت من عام 1975 حتى مطلع التسعينيات مع توقيع اتفاقية الطائف. وفقاً للمناخ الستاليني في الاتحاد السوفياتي الخاضع للتوجهات الأوامرية غير الديموقراطية ترعرع الحزب الشيوعي اللبناني–السوري الذي قاده أمينه العام لعشرات السنين: التزام تام بتوجيهات ومسارات الحزب الشيوعي السوفياتي برعاية «الكوفترن»، ولاحقاً «الكومنفورم» الذي حُلّ في أواخر الأربعينيات حيث كانت مهمتهما تنظيم ومراقبة عمل الحركة الشيوعية وتوجيههما.

في تلك الحقبة، قبيل الحرب العالمية الثانية، ورغم واقع الحزب المليء بالكوابح التنظيمية لانطلاقه جماهيرياً، تمكن من إثبات وجوده وتأدية دور في عملية تعبئة الناس ضد الفاشية، والظهور انتخابياً عبر مرشحيه الذين نالوا أصواتاً اعتبارية؛ أبرزهم فرج الله الحلو، سعد الدين مومنة ومصطفى العريس في بيروت. فرج الله ترشح في جبل لبنان وقد أسقط إميل إدة وبشارة الخوري وأجبرهما على انتظار الدورة الثانية وهو الماروني حسب القيد الطائفي. كان عدد أعضاء الحزب صبيحة القضاء على حكم الفيشيين الفرنسيين حوالي 1500 عضو، أصبح عددهم حوالي ضعفي هذا الرقم أثناء انعقاد المؤتمر الأول في أواخر عام 1943 وأوائل عام 1944. وقفز هذا العدد زمن العلنية في دولة الاستقلال، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار التحالف المعادي للهتلرية الفاشية، وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي، إلى عشرين ألفاً في أواسط عام 1947، منتشرين في سائر الأنحاء. وتمكّن الحزب في هذا العام من ترشيح عدد من المرشحين للانتخابات البرلمانية، أبرزهم: مصطفى العريس الذي نال أصواتاً في بيروت مكّنته من الفوز لولا التزوير الحاصل الذي قام به عهد الرئيس بشارة الخوري لمجمل هذه الانتخابات.

نكبة فلسطين: الكابح الشعبي-التاريخي الأوّل

أدّت هزيمة الهتلرية الألمانية والفاشية الإيطالية في الحرب الكونية الثانية، وبروز المعسكر الرأسمالي بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة، كما المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي، إلى انتعاش نشاط وعمل الشيوعيين اللبنانيين والسوريين. ذلك أن نتائج هذه الحرب دفعت بهم إلى بدء القيام بدور مهم وملحوظ في عملية نيل الاستقلال والتحرّر والتخلص من الانتداب الفرنسي ونشوء الدولة اللبنانية. وقد أدّى هذا الانتعاش إلى رفد الحزبيين بعناصر قوة مادية، لكن تثمير هذه القوة، ونظراً إلى خيار قائدهما الإصلاحي خالد بكداش، لم يأت متناسباً مع تأثير وحجم تلك القوة ذاتياً وموضوعياً. هنا وفي هذا المفصل، برز الإخفاق المؤثر في تجسيد تلك المكاسب وبث نواة عمل طليعي ثوري كان منشوداً، وذلك عبر إطلاق برنامج عمل وتكتيك وتحالف إصلاحي بطبيعة مرنة وتصالحية غير صراعية.

مع ذلك، أدى الحزبان دوراً محدوداً، لكن ملحوظاً، على صعيد علاقتهما وتوسيع قاعدتهما الشعبية، كان من الممكن أن تكون حصيلته أكثر مردوداً، لولا فداحة الضربة التي وجهت إليه عبر تلقّفه سلباً ما استجدّ على صعيد المسألة الفلسطينية، وذلك عبر خياره الموجع والضارّ بتأييد قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. هذا التأييد الذي أعاده خطوات ارتدادية كبيرة إلى الوراء وخسرانه لعديد مديد من الشعبية الجماهيرية والأعضاء والأنصار، يومها، هوجمت مكاتب الحزب في دمشق وغيرها من المدن من الناس الغاضبين إزاء هذا الموقف. وقد شجعت القوى الحاكمة المعادية للشيوعيين الجماهير على اتخاذ هذه الخطوة. كما تمّ حل الحزب في لبنان واعتقال العشرات من الشيوعيين ووضعهم في سجن بعلبك وغيره من السجون. ففي أواسط عام 1947 تمّ تقسيم فلسطين إلى مناطق عربية ويهودية. موقف الحزب الشيوعي بقيادة بكداش الذي كان ممسكاً بالقرار نظراً إلى تسلطه وهيمنته انتقل بسرعة من حالة رفض التقسيم إلى تأييده وذلك بعد تبني السوفيات له وتأييدهم إياه. تلى ذلك معاقبة فرج الله الحلو المسؤول اللبناني في الحزب الذي قال، آنذاك، «هل من الضروري يا رفاق، هل ترونه مناسباً، لأن الاتحاد السوفياتي غيّر موقفه، أن نغيّر نحن أيضاً موقفنا دفعة واحدة، مع العلم بأن الحزب منذ تأسيسه أخذ هذا الموقف المؤيد لفلسطين الموحدة، وخصوصاً أننا أصدرنا أكثر من بيان ضد التقسيم».

في تلك الحقبة، قبيل الحرب العالمية الثانية، ورغم واقع الحزب المليء بالكوابح التنظيمية لانطلاقه جماهيرياً، تمكّن من إثبات وجوده وتأدية دور في عملية تعبئة الناس ضد الفاشية

بعد هذا التاريخ، بدأت حقبة جديدة في حياة الحزب هي حقبة العمل السري. استمرت هذه الحقبة حتى بروز العهد الديموقراطي في سوريا في عام 1954. خلال تلك الفترة، صمد الحزب، بمعنى حافظ على وجوده ضد الديكتاتوريات العسكرية لحين بروز حركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 بقيادة جمال عبد لبناصر وما تلاها من نهوض لحركة التحرر العربية. رغم القمع والسرية المموّهة بالشرعية عمل الحزب على ترشيح بعض أعضائه ومناصريه في لبنان إلى الانتخابات البرلمانية؛ منهم عبده مرتضى الحسيني في بعلبك، عادل صباح في النبطية بالجنوب وغيرهم… أيضاً إحباط مخطط إخضاع مصر إثر تأميم قناة السويس ونشوب حرب عام 1956 من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وصعود نجم عبد الناصر وتزعمه لحركة عدم الانحياز، ما رفعه إلى مصافي زعماء عالميين مثل نهرو، سيكوتوري ونكروما، يومها، أصبحت سوريا محط أنظار العرب والعالم كونها أصبحت نقطة نزاع وصراعات بسبب استهدافها من قبل حلف السنتو الأميركي التركي. وقد تمكنت قوى حزبية سورية مؤلفة من بعثيين وشيوعيين وشرائح يسارية من الحزب الوطني وكتلة خالد العظم الديموقراطية من تأسيس تجمع برلماني واسع إثر فوز هذه الكتلة بكمية مرموقة من النواب: شكّل البعثيون فيها 19 نائباً وخالد بكداش منفرداً عن الشيوعيين. غير أن وزن الحزب الفعلي، قبل وبعد اغتيال العقيد عدنان المالكي وإحباط محاولات انقلابية موّلها الغرب (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة) ضد سوريا، ودعم السوفيات لعبد الناصر في حرب السويس بإنذار مشهور وجّهه بولغانين للحلف البريطاني–الفرنسي–الإسرائيلي بالانسحاب فوراً من مصر، كان أصبح أكبر من تمثيله البرلماني حيث رشح الحزب عشرات المرشحين ونالوا أصواتاً واسعة وبنسب عالية. أمّا في لبنان، فقد تمكّن الحزب الشيوعي من الاستفادة من هذا المناخ الإيجابي والقيام بدور في الجبهة الوطنية المعارضة لعهد كميل شمعون وهي جبهة الاتحاد الوطني وفرض مرشحاً له في بيروت هو أنطون ثابت الذي نال أكثر من 12000 صوت، والذي تمّ إسقاطه مع سائر المرشحين المعارضين، عدا نسيم مجدلاني في بيروت ورشيد كرامي في طرابلس، ومعروف سعد في صيدا الذين فازوا وشكلوا معارضة برلمانية للعهد الشمعوني الذي انتهى بثورة 1958.

1958 عام الوحدة السورية–المصرية: الكابح التاريخي الثاني للانطلاقة الجماهيرية

أصبحت الوحدة مطلباً شعبياً سورياً. نادى به البعثيون ومعهم كتل نيابية من الحزب الوطني بقيادة صبري العسلي وخالد العظم (الكتلة الديموقراطية، وحتى حزب الشعب اليميني)، أي مجمل البرلمان، كانت هذه القوى مدعومة بقوة من الجيش. وكان للشيوعيين فيه كتلة صغيرة نسبياً تمحورت حول قائده الفريق عفيف البزري ومعه شقيقه صلاح اللذان تحمّسا للوحدة وكانا من المؤيدين للحزب. في مسألة الوحدة، برز موقف الحزب الشيوعي مؤيداً لها. لكنه سرعان ما ارتبك لدى إعلانها. فبكداش أراد لها أن تكون اتحاداً فضفاضاً لا وحدة، فقدم برنامجاً اعتبر كوثيقة انفصالية بنظر دعاة الوحدة. وفي يوم انعقاد البرلمان للتصويت على هذا القرار، غاب بكداش عنه وتبيّن أنه أصبح خارج سوريا في تشيكوسلوفاكيا ولاحقاً في الاتحاد السوفياتي. هذا الموقف أحدث ضرراً بالغاً وفوّت فرصة تاريخية لاستثمار نضالات ومواقف مرحلة مهمة من مراحل النهوض التحرري في سوريا والمنطقة العربية، لاحقاً، تم ضرب الحزب ضربة موجعة جداً وانفضّت عنه جماهير واعدة، كانت قد منحته التأييد، إمّا بسبب المواقف أو بسبب القمع الشديد. أصبح الشيوعيون في سوريا ومصر في المعتقلات وخسروا إمكانية القيام بدور تاريخي كان من الممكن أن يؤهّلهم للريادة بدلاً من هزيمتهم وعزلهم. لقد دفعوا ثمناً باهظاً. أمّا في لبنان، فقد أضرّ هذا الموقف تجاه الوحدة كثيراً، لقد انعزل الحزب عن الجماهير المؤيدة للوحدة بشكل ساحق. رغماً من ذلك، وفي هذه الأجواء المعيقة جداً لعمل الحزب، أصرّت قيادته، آنذاك، على المساهمة في العملية الانتخابية برلمانياً وبلدياً ورشحت عدداً من الشيوعيين والأصدقاء بين عامَي 1960-1964؛ منهم عادل صبّاح، د. إبراهيم المعلم، المحامي جورج أبو نادر، جورج حاوي، ومصطفى العريس (1964) في بيروت والذي أحضرته القيادة من منفاه بعد غياب طويل دام أكثر من عشر سنين في أوروبا الشرقية بناءً على قرار خالد بكداش الذي أراد تغييبه. وقد نال عدداً ضئيلاً من الأصوات (2000)، بعدما حلّق في سنوات ما بعد الاستقلال، كقائد عمالي أوّل للطبقة العاملة. في حين نال الآخرون، في المتن أبو نادر 2200 صوت، حاوي 1900 صوت، المعلم في النبطية 2700 صوت والصبّاح 1700 صوت.

في العراق، حيث كان الحزب الشيوعي هناك قد أصبح جماهيرياً ومؤثراً جداً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وكانت تظاهراته لحماية الجمهورية وتأييد حكم عبد الكريم قاسم الديكتاتوري الذي عاد فاعتقلهم، يصل عدد المشاركين فيها إلى مليون متظاهر وأكثر، جرت تصفيته في أعقاب انقلاب عسكري دموي قام به حزب البعث مع العقيد عبد السلام عارف.

هزيمة 67: نهوض اليسار وقوى حركة التحرر وبروز المقاومة الفلسطينية

في أجواء ساخنة جراء الانقسامات التي عاشتها الأنظمة العربية، وبسبب جملة تباينات وصراعات حول عدد من القضايا الماثلة، يومذاك، أبرزها تحويل مجرى نهر الأردن، الحلف الإسلامي السعودي ومعاداة مصر عبد الناصر وسوريا (البعث) له، وصعود العمل الفدائي الفلسطيني داخل إسرائيل وبدء ظهور المنظمات على الساحات الأردنية–السورية واللبنانية وما نجم عن ذلك من حشود إسرائيلية على الحدود السورية، وسحب القوات الدولية من مضائق تيران والعقبة، نفّذت إسرائيل حربها الخاطفة يوم 5 حزيران (يونيو) عام 1967 التي انتصرت فيها على سوريا ومصر والأردن خلال سبعة أيام، ما أدى إلى ضم الضفة الغربية والجولان السوري وسيناء إليها. لقد حدثت الهزيمة ووقعت الكارثة.

كان لهزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967 أثر كبير في تبلور حركية اليسار عالمياً، عربياً ولبنانياً. كما تنامت حركات التحرر العربية والعالمية. وما كانت الأزمة التنظيمية والنتائج السريعة التي تمخضت عنها بوصول مجموعة الشهيد جورج حاوي إلى سدة أمانة الحزب الشيوعي لتحدث على هذا النحو، لولا أجواء الهزيمة التي سيطرت على المنطقة كلها، والتي لم توفر واحداً من الأحزاب والتنظيمات السياسية، وكذلك لولا أجواء النهوض العام الذي شهده لبنان بدءاً من منتصف الستينيات. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن مجمل التطورات والانشقاقات التي حدثت داخل الحزب الشيوعي السوري وغيره من الأحزاب الشيوعية العربية بهدف أن تجدد نفسها، ما كان لها أن تظهر إلى السطح لولا زلزال هزيمة حرب 1967 التي سمّيت تجاوزاً نكسة.

ومنذ عام 1967، بدأت مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة المقاومة الفلسطينية التي شهدت تصاعد العمل الفدائي في الأراضي المحتلة عام 1948 و1967 أو في العالم أو في الفضاء (خطف الطائرات) وبدأ ذلك كله يشكل إحراجاً للأنظمة والأحزاب على السواء، وخاصة أن الجماهير بدأت تشد إليه. فما كان من الأحزاب إلا أن اتبعت الطريق نفسه وبدأت السير وراء المقاومة محاولة الكسب من رصيدها المتنامي.

هذه الحرب الطائفية المموّهة بشعارات شعبوية وتحررية، كما العسكرة، وفشل الحركة الوطنية التي سادها الفساد والانتهازية، كبّدت الحزب الشيوعي واليسار خسائر فادحة

بالنسبة إلى الشيوعيين اللبنانيين، الذين بدأوا مرحلة التحول للتغيير، كي لا تطيح بهم موجة اليسار الجامحة، فإن انتقالهم إلى هذه المرحلة الجديدة لم يأت بسرعة ودونما تعثر واضطراب في العلاقات مع القوى السياسية المستجدة والقديمة كافة التي حاولت هي أيضاً اللحاق بركاب النهوض العام، والتجذّر السياسي في المواجهة. ومما زاد في بطء هذا الانتقال الخلافات التي نشبت بين فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها «فتح» أقواهم، والاتحاد السوفياتي حول تفسير قرار مجلس الأمن الخاص الرقم 242 وكذلك الموقف من الأنظمة العربية ومشروع روجرز.

في تلك المرحلة وقبيل الدخول في حقبة الحرب الأهلية، حصل المؤتمر الثالث للحزب الذي تبنى موقفاً إصلاحياً للنظام تشكّلت على إثره نواة الحركة الوطنية، وخاض معارك انتخابية برلمانية في عام 1972 ورشح عدداً من الأصدقاء والحزبيين؛ بينهم حبيب صادق الذي أسقطته الدولة قسراً، د. أحمد مراد في الجنوب، نقولا الشاوي في طرابلس (نال أكثر من 7000 صوت).

الشيوعيون في الحرب اللبنانية: عسكرة الحزب والكابح التاريخي المدمر الثالث

دخل الشيوعيون اللبنانيون هذه الحرب والأفكار الثورية والتحررية في أوج انتعاشها وازدهارها، ومعهم برنامج إصلاحي تبنته الحركة الوطنية التي تشكلت بزعامة الاشتراكي كمال جنبلاط، لخلاص لبنان من أزماته. غير أنهم سرعان ما انتقلوا إلى التجريب والانتقائية والمغامرة الضارة بالعمل الثوري وحتى الإصلاحي.

جرى هذا الانتقال بحجة الدفاع عن المقاومة الفلسطينية التي قادها ياسر عرفات بدعم من الأنظمة العربية، فكانت النتائج مأسوية، إذ انغمس الحزب الشيوعي الذي سيطرت على نشاطه، وعلى نحو كبير، حركة «فتح»، كما العسكرة، فتقلّبت الولاءات والتحالفات مع الأنظمة العربية السائدة التي أضاعت بوصلة التحرر وأصبح همها الدفاع عن المقاومة والتغيير، لكن مسارها ونتائجها كان طائفياً تدميرياً لبنية اللبنانيين كما الحزب.

هذه الحرب الطائفية المموهة بشعارات شعبوية وتحررية، كما العسكرة، وفشل الحركة الوطنية التي سادها الفساد والانتهازية، كبّدت الحزب الشيوعي واليسار خسائر فادحة، وأصابتهم بالصميم وهدرت إمكاناتهم. وما زاد الأمر سوءاً أن بنى الحزب أخذت تتفكك وتضيع ما لديه من رصيد معنوي ومادي. ألوف الشهداء والعائلات المشردة وبعثرة للقوى والممتلكات سقطت وسُيّبت في ظل أزمات داخلية أخذت تنمو وتؤثر سلباً على واقعه وتطوره. وبدلاً من أن يسحب الحزب الشيوعي نفسه من أتون هذه المحرقة الطائفية ويعلن حالة طوارئ داخلية وينزل تحت الأرض بعمل سري، اختارت قيادته الاستمرار بالمغامرة والتجريب والنزف ومراكمة الخسائر. خلال تلك المرحلة التي استمرت طويلاً، فقد الحزب الآلاف من أعضائه ومناصريه. كما دخل في صراعات دموية كان يجب أن لا يدخلها مع قوى طائفية ومذهبية وجماعات موالية لأنظمة تحركها.

وعندما وصلت التطورات إلى مفصل مؤتمر الطائف وما تلاه، كان الاتحاد السوفياتي ومعسكره قد انهارا، وبدأت التحولات العالمية تفعل فعلها. دخلت العولمة ونشأ جيل جديد إلى عالم متغيّر ومتحوّل. وفي لبنان تمكنت الطائفة من فرض منطقها ومسارها وولاءاتها. لم يعد الحزب، نظراً إلى اتساع قاعدة متفرغيه جرّاء العسكرة وتوقف مصادر التمويل، قادراً على الاستمرار في عمليات المقاومة، واضطر إلى إقفال مؤسساته الإعلامية أو بيعها (تلفزيون، صحف عالمية ويومية، دار نشر،… إلخ).

ورغم مساهمة الحزب في مرحلة الحرب في مرحلة احتلال إسرائيل لبيروت ولبنان بمقاومة المحتل، وتلك ظاهرة كانت مضيئة في تاريخه ودفع أثماناً غالية بشهداء سقطوا له، غير أنه لم يتمكن من استثمار هذا النضال على المدى البعيد. فبنيته المتهالكة ضعفاً وتخبطاً وتقلبات خطه السياسي جعلاه شبه مغيّب عن مجتمع يتحول بمقاييس ومضامين جديدة وقوى مستجدة في إطار تنامٍ ملحوظ للتيارات الإسلامية وانضباط الأنظمة العربية في حركيتها. ولم يكن القرار الإقليمي والدولي، الذي فرض على الشيوعيين بعد عام 1985 بمراقبة عمليات المقاومة ضد إسرائيل التي كان الحزب قد بدأها وطلب الإذن قبل الشروع بها، سبباً مقنعاً لإيقافها وإنهائها. فالواقع أن الاستمرار بها كان يتطلب بنية ملائمة ووضعاً مناسباً لها. وهذا الأمر كان معدوماً. فالاتحاد السوفياتي سقط لاحقاً وانتهى، والحزب أصبح في حالة لا تمكّنه أبداً من متابعة هذا المنحى إلا رمزياً.

حالة اليسار والحزب في أعقاب حقبة ما بعد «الطائف»

لقد كان لافتاً بصورة مخيفة، ذلك المشهد المتكرر في الثامن والرابع عشر من آذار عام 2005 الذي نزل خلاله أكثر من مليون ونصف مليون مواطن ومواطنة إلى الشارع بدفع من قوى المذاهب والطوائف بوجه خاص، في حين اقتصرت المسيرات التي دعا إليها الحزب الشيوعي في تلك الفترة نفسها تقريباً، وما تلاها من تظاهرات مستمرة، لحد الآن، على بضعة آلاف من الشيوعيين وأنصارهم، وفقاً لبرنامج اجتماعي اقتصادي وسياسي متواضع وموقف ينطوي على الحد الأدنى على الأقل من الاستقلال الطبقي والابتعاد الحازم في الوقت نفسه عن الاصطفاف المذهبي والطائفي. بيد أن هذا الموقف الذي بقي ظرفياً بحتاً ولم يتحوّل إلى ممارسة يومية وعمل تحريضي وتنظيمي دؤوب لأجل وضع شعاراته ومطالبه موضع التنفيذ، جاء ليعبّر عن أزمة النظام الطائفي المريض والمسموم في وقت يعاني فيه اليسار اللبناني أزمة عميقة على مستويات شتى، إذ بالإضافة إلى التشرذم والضعف البرنامجي، مع بروز حراكات مدنية مختلفة التكوين والأهداف، تحاول أخذ دوره، وقلّة الانغراس الجماهيري وانعدام الفعالية لدى المجموعات اليسارية المختلفة الموجودة خارج الحزب الشيوعي اللبناني، تدبّ في صفوف الكتلة الأهم ضمن هذا اليسار، والمتمثلة بالحزب المذكور، خلافات عميقة، أساسها تاريخي، ذاتي وموضوعي، سبق أن أدّت إلى ابتعاد القسم الأكبر من مناضليه عن الحياة التنظيمية، في هيئاته، وإلى انشقاق قسم آخر، ولو ضئيل العدد نسبياً، يجد موقعه الفعلي إلى يمين الحزب الذي انشق عنه، وهو بالضبط ما سمّي حركة اليسار وخلافه، وفي كل تلك الحالات، كان لغياب الحياة الديموقراطية الحزبية والنهج القيادي البيروقراطي الروتيني دور أساسيّ ومستمر في سيرورة التأزم هذه.

إلا أن غياب الديموقراطية وأسلوب القيادة في العمل وظهور التكتلات بديلاً من التيارات لم يكن هو السبب الوحيد في تعمّق أزمة اليسار والحزب الأهمّ ضمنه. يضاف إلى ذلك أيضاً غياب الاستقلال الطبقي والوضوح الكافي في البرنامج والممارسة، والقصور عن صياغة برنامج مرحلي يجيز رسم سياسة تحالفات آنية وأخرى استراتيجية، ينفي عنه ما يلازمه من نزاعات انتهازية ولا سيما خلال المواسم الانتخابية، تحول دون بروزه كقوة مستقلة حقاً قادرة على طرح برنامج ثوري شامل يمثل مصالح الجماهير الفعلي.

رام الله: نرفض سفر الفلسطينيين عبر مطار “رامون” الإسرائيلي

كشف مسؤول فلسطيني، مساء الثلاثاء، أن السلطة الفلسطينية ترفض سفر الفلسطينيين عبر مطار “رامون” الإسرائيلي (جنوب)، متهما إسرائيل بالتنصل من اتفاقياتها مع الجانب الفلسطيني.

وقال المتحدث باسم وزارة المواصلات الفلسطينية موسى رحال، في حديث لوكالة الأناضول، إن الموقف الرسمي هو “رفض فكرة استخدام مطار رامون، ورسالتنا واضحة للمواطن الفلسطيني بعدم استخدامه”.

وأضاف أنه “توجد أولويات واستحقاقات بموجب الاتفاقيات الدولية، منها تسليم مطار القدس الدولي (قلنديا)، وإعادة إعمار مطار غزة الدولي (دمرته إسرائيل في انتفاضة الأقصى بدأت عام 2000)، والسماح بإنشاء مطار جديد في الضفة الغربية، على أن تدار جميعها من قبل الفلسطينيين”.

ودعا أيضا إلى “تسهل الإجراءات على معبر الكرامة (مع الأردن)”، مشيرا إلى مضايقات إسرائيلية لحركة المسافرين الفلسطينيين في الاتجاهين.

وفيما إذا كانت رسالة الحكومة الفلسطينية في هذا الشأن وصلت إلى الجانب الإسرائيلي قال رحال: “لديهم علم كاٍف برسائلنا”.

وأردف: “بشكل رسمي الحكومة (الفلسطينية) ضد فكرة مطار رامون، ونحن نسعى دائما لتحقيق الحلم الفلسطيني وفق الأولويات وما تم الاتفاق عليه”.

وشدد على أن مطار “رامون” يمثل “مصلحة اقتصادية إسرائيلية بالدرجة الأولى، وفيه مس بالسيادة الفلسطينية، وله بعد سياسي يتعلق بالتطبيع وطمس الهوية الفلسطينية”.

وزاد بأن “مطار رامون ضد المصلحة الفلسطينية والأردنية كونه يمس بالاقتصاد الفلسطيني الأردني، وأيضا فيه تعزيز لسياسة الفصل العنصري”.

ولفت رحال إلى عدم قدرة الجانب الفلسطيني على معرفة المسافرين من خلال المطار “وقد يستخدمه أشخاص محكوم عليهم قضائيا أو مطلوبون للقضاء الفلسطيني ويمكن لهؤلاء التهرب من التزاماتهم”.

وشدد على أن “تسهيل السفر عبر مطار رامون إجراء أحادي الجانب”.

وخلص إلى أن “الموقف الوطني يتطلب الاستمرار في نضالنا ضد الاحتلال، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة”.

وفي وقت سابق، أعلنت هيئة المطارات الإسرائيلية (حكومية) أن المطار سيبدأ في السماح برحلات للمسافرين الفلسطينيين من الضفة الغربية اعتبارا من الإثنين 22 أغسطس/ آب الجاري.

وأعلنت الهيئة، الأحد، تأجيل السماح للفلسطينيين بالسفر عبر المطار .

لكن هيئة البث الإسرائيلية (رسمية) أفادت، الإثنين، بأنه ولأول مرة سافر 24 فلسطينيا إلى قبرص من إسرائيل مباشرة عن طريق مطار “رامون”.

والثلاثاء، قال منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية غسان عليان، عبر صفحته بـ”فيسبوك”، إن هدف المطار هو “تسهيل الخدمة المقدمة للفلسطينيين”.

وحاليا، يضطر الفلسطينيون الذين يريدون السفر للخارج إلى المرور عبر معبر “اللنبي” (جسر الملك حسين) إلى الأردن ثم السفر من هناك أو عبر استصدار تصاريح خاصة للسفر عبر مطار “بن غوريون” الإسرائيلي في مدينة تل أبيب.

مراقبون: زيارة مشعل لعمان تحمل دلالات سياسية رغم منحها صبغة عائلية

أنهى رئيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الخارج خالد مشعل زيارة إلى الأردن الأسبوع الماضي، حيث جاءت الزيارة بعد أيامٍ قليلة من إنتهاء التصعيد الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة والذي استمر لثلاثة أيام، وانتهى بهدنة توسطت فيها مصر، ولم تنخرط “حماس” عسكريا بها.

وفي هذه الزيارة، ظهر مشعل في أول صورة له في عمان وهو يزور قبر والديه.

وأشار مصدر مطلع الى أن “الموقف الذي أظهرته حركة حماس من ضبط النفس، في قطاع غزة أثناء الحرب الأخيرة، لفت الأنظار إليها من قبل الأردن الرسمي، وعدد من الدول العربية، والغربية”، وأن هذا الموقف الحاسم من حركة حماس أكد مجددا أن قرارها مستقل وأنها ليست في جيب أحد .

أهداف سياسية

وتحت عنوانٍ عائلي، تحرك مشعل في الأردن طولاً وعرضاً، لكن بهدوء، ودون ضجيج إعلامي، ودون أيضاً أية لقاءاتٍ رسمية مباشرة أو على الأقل معلنة، فيما تأتي زيارة مشعل الحالية كإضافة نوعية على مجمل زيارته الأخيرة للأردن، من حيث مدة الإقامة التي تمتد على مدار أسبوعين، بالإضافة إلى استقباله في قاعة كبار الزوار في مطار الملكة علياء، مع وجود مرافقين له بترتيباتٍ رسمية، وهو ما يعني بحسب مراقبين بأن الزيارة التي يؤديها مشعل إلى الأردن، تحمل دلالاتٍ سياسية هامة وعميقة، رغم منحها الصبغة العائلية.

نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور ممدوح العبادي، أكد أن “خالد مشعل رجل سياسي بامتياز، وكل تحركاته يتم التعاطي معها على هذا الأساس”.

وقال العبادي، إنه “على الرغم من الأحاديث المتوالية بأن زيارة مشعل جاءت لارتباطات عائلية وأخوية، إلا أنه من الواضح أن الزيارة هذه المرة جاءت لأهداف سياسية، بدليل أنه اجتمع مع عدد كبير من الشخصيات السياسية (غير الرسمية)، وذلك بهدف ترطيب الأجواء ما بين حركة حماس من جانب، والدولة الأردنية من جانب آخر، وهذا الأمر مقبول في العمل السياسي” على حد تعبيره.

ترسيم العلاقة

وحول إمكانية عقد مشعل لعدد من اللقاءات مع شخصيات رسمية دون الإعلان عن ذلك، قال العبادي: “كل شيء وارد”، معرباً في الوقت عينه، عن “أمله في أن تكون هناك علاقة طيبة في المستقبل القريب، ما بين الدولة الأردنية وحركة حماس”. وكانت “عمون” أول من تفرد بخبر زيارة مشعل وانها ستقتصر على زيارة عائلية، وسيلتقي خلالها عددا من أصدقائه المقربين فقط”، وهذا بالطبع على عكس الزيارات السابقة، التي كانت وسائل إعلام مقربة من الحركة تعلن عنها.

إلا أن التساؤل الذي بات مثار تساؤل الصالونات السياسية في البلاد، هل تأتي زيارة مشعل لعمان، ولقاءه بعدد من الشخصيات السياسية وشخصيات كانت تشغل مواقع وزارية، ووجهاء العشائرية الأردنية، يندرج تحت لافتة الاستدارة الأردنية في العلاقة مع حماس؟ّ!، وعدم حصر تعاون عمّان مع السلطة الفلسطينية في المشهد الفلسطيني المتأزم.

وسبق وصول خالد مشعل، إلى عمّان، نشر مقال للكاتب ماهر أبوطير، في صحيفة “الغد” الأردنية اليومية (في 9 آب)، وجه فيه انتقادات غير مسبوقة لعلاقة الأردن مع السلطة الفلسطينية في رام الله، قال فيه “لا بد أن يقال بشكل صريح هنا ان الأردن يتحالف اليوم بشيك على بياض، مع سلطة مكروهة في اوساط الفلسطينيين، ومبنوذة سياسيا وشعبيا، بسبب .. ممارسات رجالات السلطة ومؤسساتها، وقصص التجني والتعسف والظلم والفساد، إضافة الى الدور الوظيفي الذي تقوم به السلطة نيابة عن الاحتلال داخل الضفة الغربية”.

الحرص على أمن الأردن

بحسب ما نقل عن مشعل نفسه، فإنه لطالما أعرب من خلال زياراته المتعددة لعدد كبير من الشخصيات الوطنية والحزبية عن حرص حركته ورغبتها في تطوير العلاقة، وتمتين شبكة الاتصالات مع صانع القرار في المملكة، والتأكيد على حرص “حماس” على أمن الأردن واستقراره.

وهذه الزيارة هي الثانية التي قام مشعل بها إلى الأردن خلال نحو عام، إذ سبق له الحضور في مثل هذا الشهر من 2021، للمشاركة في جنازة القيادي السابق بالحركة إبراهيم غوشة.. تلك الزيارة التي شارك فيها رئيس حركة حماس اسماعيل هنية.

الوزير الاسبق الدكتور حازم قشوع كتب في مقال له منشور بت”عمون” بعنوان “خالد مشعل في الأردن” أن زيارة مشعل لعمان “تحمل دلالات سياسية وتعد تحولاً استراتيجياً في العلاقة مع عمان”، وقال: “زيارة خالد مشعل للاردن زيارة تحمل دلالة سياسية، ورمزية تحول استراتيجية، وسيكون لها معاني أخرى في حال تم تأطيرها بعناوين أمنية وسياسية، ومن هنا تأتي دلالة زيارة خالد مشعل للأردن .

ويقول مراقبون إن ظروف المنطقة تغيرت، كما أن الوضع داخل الأراضي الفلسطينية يشهد هو الآخر تحولاً على مستوى القوى المؤثرة، وهذا من شأنه أن ينعكس على مواقف الأردن تجاه الفاعلين الفلسطينيين، لا سيما حركة “حماس”.

يذكر أن العلاقة ما بين “حماس” والدولة الأردنية، أخذت منحاً متوتراً في العام 1999، حيث اعتقل مشعل وعدد من قيادات الحركة عقب عودته من طهران، وتم في هذا العام إبعاده إلى الدوحة، وإغلاق مكاتب الحركة في الأردن.

وتحدثت مصادر لـ”عمون” ايضا عن لقاء مشعل للأمين العام لـ “منتدى الوسطية” المهندس مروان الفاعوري، حيث استقبل الأخير خالد مشعل على مأدبة عشاء خاصة بحضور نحو 20 شخصية وطنية بارزة، وتخلل اللقاء تبادل للرأي السياسي بحضور رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، ومروان المعشر (وزير خارجية أسبق)، وعبد الرحيم العكور (وزير أسبق وقيادي إسلامي) وأخرون، فيما التقى بزيارةٍ منفصلة وزير الإعلام الأسبق راكان المجالي معزيا بوفاة نجله .

ومن الملاحظ أن زيارات مشعل لم تقتصر على الشخصيات الأردنية، فقد التقى رئيس حماس في الخارج بالمفكر والسفير والدبلوماسي الليبي البارز الدكتور محمد الميرغني في حديث خاص استعرض التحديات التي تواجهها الأمة، كما التقى مشعل بالشيخ صادق بن عبد الله الأحمر للاطمئنان على صحته بحضور شقيقه حميد الأحمر.

اجتماع حماس والجهاد.. ما الرسالة التي تريد الحركتان إيصالها بعد العدوان الأخير؟

مدلين خلة

أجمع محللون سياسيون، أن الاجتماع الذي عُقد بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي جاء ليثبت وحدة الصف بينهما، ودحض وجود أي خلافات بين الحركتين، والتأكيد على فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه من معركة وحدة الساحات، وتعزير الوحدة بشكل أكبر وبشكل لا يسمح للأخرين بالعبث بالوحدة بين الجهاد وحماس.

يأتي ذلك بعد أيام قليلة من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، بدأ في الخامس من آب/أغسطس الجاري، واستمر ثلاثة أيام، شن خلالها الاحتلال مئات الغارات واستهدفت حركة الجهاد الإسلامي وقياديين بارزين في سرايا القدس الجناح العسكري لها.

واستشهد في العدوان نحو 50 مواطناً بينهم القياديان البارزان في “سرايا القدس” خالد منصور، وتيسير الجعبري بالإضافة إلى أطفال ونساء.

كما أطلقت “سرايا القدس” مئات الصواريخ خلال الأيام الثلاثة من العدوان، صوب مناطق غلاف غزة، فيما وصلت صواريخ عدة لمدينتي القدس المحتلة، وتل أبيب.

وشهد العدوان عدم مشاركة كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، في المعركة ضد جيش الاحتلال، مما أثار الجدل حول ما إذا كانت هناك خلافات بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وعقد مساء الاثنين الماضي، اجتماع قيادي وُصف بـ “المهم” بين الصفوف القيادة السياسية والعسكرية لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس في غزة.

وعقب الاجتماع صدر بيان مشترك، أكد أنّ الاجتماع عُقد بمشاركة عدد من أعضاء القيادة السياسية للحركتين، وعدد من كبار قادة “كتائب القسام” و”سرايا القدس” والقادة الأمنيين.

وكانت حركة حماس عقبت على اللقاء القيادي المشترك الذي عقد مساء الاثنين الماضي، مع حركة الجهاد الإسلامي في مدينة غزة.

وقال المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، إن اللقاء بين حركتي حماس والجهاد يأتي في السياق الطبيعي للتواصل والتنسيق عالي المستوى في البعد السياسي والأمني والعسكري.

من جانبه، أكد المحلل السياسي، مصطفى الصواف، أنه لم يكن هناك أي خلاف بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وإن كان هناك “خلفة في وجهات النظر”.

وقال الصواف في حديثه لـ”دنيا الوطن”: إن “الحقيقة تكمن في أنه لا يوجد أي خلافات بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بل إن الذي كان يوجد اختلاف في بعض وجهات النظر”.

وأضاف: أن التعاون كان سيد الموقف بين الحركتين خلال المعركة الأخيرة على قطاع غزة، وما كان من اجتماع بينهما في الأيام السابقة لم يكن الأول بل كان الرابع بين القيادة العسكرية والسياسية.

وأوضح المحلل السياسي إن “الاجتماعات المتتالية بين الحركتين تهدف للوصول لقاعدة عمل مشتركة والتأكيد ع وحدة الموقف بينهما، ونفي كل ما كان يقال في فترة العدوان”.

وشدد على أن البيان الذي خرج به الاجتماع جاء لتأكيد وتعزيز الوحدة القائم بين حماس والجهاد، مبيناً أن مخرجات الاجتماع نجحت بردع الصورة التي صدرها الاعلام الإسرائيلي حول الفجوة بين الحركتين.

بدوره، أكد المحلل والكاتب السياسي، طلال عوكل، أن الاجتماع الذي جمع الحركتين جاء ليثبت أن الخلافات بينهما شكلية وليست جوهرية وحتى وإن بدت عكس ذلك.

وقال عوكل في حديثه لـ”دنيا الوطن”: إن “حركة الجهاد الإسلامي تقدر موقف حركة حماس وعدم مشاركتها بالعدوان الأخير على القطاع، مشيراً إلى أن حركة حماس اتخذت القرار الصائب بعدم المشاركة”.

وأضاف: أن حركة حماس وضعت استراتيجية مشتركة بينها وبين حركة الجهاد الإسلامي تم السير عليها، إلا أن هذا الاجتماع كان من الضروري حدوثه لحجب الأقاويل وما يتصدر إلى الإعلام والشارع العام من وجود أي خلاف جوهري.

وشدد على أن مخرجات الاجتماع كانت كفيلة لردع الرواية الإسرائيلية وبيان أنه لا يمكن لأي أحد مهما كان أن يمس وحدة الصف للمقاومة المشتركة بين الحركتين.

وأوضح أن مخرجات الاجتماع أكدت على فشل الاحتلال في تحقيق الهدف ببث روح التفرقة بين المقاومة الفلسطينية، إضافة أنه عزز الوحدة بشكل أكبر وبشكل لا يسمح للأخرين بالعبث بوحدة الصف الوطني.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي حسن عبده: إن “الاحتلال دائما ما يسعى لإيجاد شيء من الانقسام في الصف الوطني وهو ما سعى له خلال العدوان الأخير على القطاع، خاصة وأن المقاومة شكلت له ازعاجاً كبيراً”.

وأضاف في حديثه لـ”دنيا الوطن”: هذا اللقاء وما خرج منه هو للتأكيد على فشل الاحتلال في تحقيق الهدف وتعزير الوحدة بشكل أكبر وبشكل لا يسمح للأخرين بالعبث بالوحدة بين الجهاد وحماس.

وأكد على أن الاحتلال هدف من العدوان على القطاع هو عزل حماس عن الجهاد واعتبر بالنهاية أن الفصل بينهما هو إحدى أهم إنجازاته بالعدوان.

وأوضح أن مخرجات الاجتماع بين الحركتين والذي ضم قيادات وازنة أكد بأن العلاقة بين الحركتين أقوى وأمكن من أي جهد إسرائيلي لضرب العلاقة وأن الاحتلال فشل فيما سعى إليه.

وبين أن الاجتماع ومخرجاته أكدت على أن “المقاومة كخيار رئيسي ثابت للحركتين والاتفاق على التعاون المشترك لتطوير القدرات في المجالات العسكرية والسياسية”.

وشدد على أن البيان قال: إن “المقاومة موحدة وستكون في مواجهة أي عدوان إسرائيلي وهذا ينسجم مع رأي الجهاد الإسلامي ومنجزات وحدة الساحات التي تريد تعميق الوحدة في كل الساحات الفلسطينية تحت عنوان المواجهة الوطنية الشاملة ضد الاحتلال”.

مراسل صحيفة “هآرتس” جدعون ليفي يقول أنه رفض عرضا للإنضمام إلى القائمة العربية المشتركة

يقول الصحفي الذي يتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين أنه نظر في اقتراح حزب التجمع، لكنه قرر في النهاية أن يستمر في الصحافة

بقلم طاقم تايمز أوف إسرائيل

كشف جدعون ليفي الصحفي اليساري في صحيفة “هآرتس” يوم السبت، أنه رفض عرضا للانضمام إلى فصيل القائمة العربية المشتركة “التجمع” قبل انتخابات الكنيست في نوفمبر.

أثناء ظهوره في القناة 13 سُئل ليفي الذي يصنف معاملة إسرائيل للفلسطينيين على أنها فصل عنصري، عن تقارير عن عرض قدمته له القائمة المشتركة ذات الأغلبية العربية.

أكد ليفي حصوله على عرض للانضمام للحزب، وقال في البداية كان “يفكر” في ذلك. ولكن عند الضغط عليه، أوضح ليفي أن شيئا لم يأت منه. وأضاف: “أنا صحفي وسأظل صحفيا”.

لو كان قد تم انتخاب ليفي لعضوية الكنيست، لكان هو أول عضو كنيست يهودي من حزب “التجمع”. ومع ذلك، فإن الحزب الفرعي الأكثر تشددا في القائمة المشتركة – رئيسه سامي أبو شحادة – لديه ممثل واحد فقط في البرلمان الحالي وليس من الواضح ما إذا كان أداء الحزب جيدا بما يكفي ليتمكن ليفي من دخول الكنيست.

يمثل العرض جهدا واضحا من جانب “التجمع” لجلب وجوه جديدة الى القائمة المشتركة اذا قررت الاحزاب الثلاثة – الجبهة، التجمع، والحركة العربية للتغيير- أن تخوض الانتخابات القادمة معا.

ترددت شائعات أن أبو شحادة قاد جهودا فاشلة لاستبدال رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة بعضو الكنيست السابق في الجبهة، يوسف جبارين. وشهدت الانتخابات التمهيدية للجبهة الأسبوع الماضي احتفاظ كل من عودة وعايدة توما سليمان وعوفر كاسيف بمراكزهم الأولى والثانية والثالثة على القائمة، بينما من المتوقع أن يحتفظ رئيس حركة العربية للتغييرأحمد الطيبي ونائبه أسامة السعدي بمناصبهم أيضا. مع اختيار أبو شحادة مرة أخرى كرئيس للتجمع، من المرجح أن تظل المراكز الستة الأولى في القائمة المشتركة كما هي بعد الانتخابات المقبلة.

بناءا على نتائج الانتخابات السابقة، يأمل الحزب أن يحصل على ستة مقاعد، مما يعني أن عضوا اضافيا من حزب “التجمع” من المحتمل أن يكون قادرا على دخول الكنيست.

يوم الجمعة، أفادت القناة 12 أن رئيس المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية ماجد فرج التقى مرتين خلال الأسبوع الماضي مع قادة القائمة المشتركة في محاولة لإقناعهم بالعودة إلى صفوف القائمة العربية الموحدة، التي انفصلت قبل الانتخابات الأخيرة ودخلت الائتلاف المشكل للحكومة المنتهية.

وذكرت الشبكة دون الاستشهاد بمصادر، أن فرج أعرب عن قلق السلطة الفلسطينية بشأن احتمال انخفاض نسبة المشاركة العربية في انتخابات نوفمبر المقبلة، مما قد يؤدي إلى عودة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو إلى السلطة مع حكومة يمينية متشددة.

كان الإقبال العربي على الانتخابات أعلى عندما خاضتها الأحزاب العربية الرئيسية الأربعة معا، وحصلت القائمة المشتركة على 15 مقعدا في انتخابات 2020. ثم انشقت القائمة العربية الموحدة عن التحالف قبل الانتخابات القادمة من أجل التركيز بشكل اساسي على الشؤون الداخلية وتمكنت من الحصول على أربعة مقاعد وانضمت إلى الحكومة في خطوة تاريخية. حصلت العناصر الفرعية الثلاثة للقائمة المشتركة على ستة مقاعد فقط وبقيت معًا في المعارضة.

اقتناعا منه بأن إعادة تجميع القائمة المشتركة من شأنه أن يحسن إقبال الناخبين، حث فرج النواب العرب على تنحية خلافاتهم مع القائمة العربية الموحدة جانبا، واقترح حتى أن السلطة الفلسطينية يمكن أن تساعد في التوسط بينهما، حسبما أفادت القناة 12. وقال النواب لفرج ردا على ذلك أن مثل هذا الجهد من غير المرجح أن ينجح بسبب تصميم القائمة العربية الموحدة على الترشح بشكل مستقل.

ونقلت الشبكة بعد ذلك عن مسؤول فلسطيني كبير لم تذكر اسمه، أن فرج التقى بقادة القائمة المشتركة لكنه قال إنه جزء من التواصل الروتيني للسلطة الفلسطينية مع النواب العرب. ونفى بشكل قاطع أن يكون موضوع المناقشة هو التدخل في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى