أهم الاخبار

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (119)

مطار “رامون” وقضية المعابر وغياب السلطة| جمال زقوت

جمال زقوت

نجحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، للأسف الشديد، في اشغال الرأي العام الفلسطيني بقضية هامة جداً تمس عصب حياة المواطنين في الضفة والقطاع وهي قضية المعابر، كان ذلك في محاولة لتضليل الناس بأنها تسعى لإيجاد حل عملي لهذه القضية من خلال تشغيل مطار “رامون” في وادي “تمنة” أقصى جنوب صحراء النقب، وفتحه أمام حركة سفر المواطنين الفلسطينيين، والذين يعانون الويل من شبه الإغلاق التام لمعبر رفح كجزء من حالة الحصار المفروضة على أهلنا في قطاع غزة، الذي يعتبر أكبر سجن في العالم، الذي يقطنه حوالي مليوني إنسان محرومين من الحد الأدنى من حقوق الإنسان سيما الحق في السفر والتنقل، حيث أن معدلات حركة الأفراد من وإلى القطاع تكاد لا تصل نسبياً إلى حركة المعتقلين بين السجون، أو زياراتهم الشهرية في أيٍ من المعتقلات والسجون الإسرائيلية.

وقد ترافق انفجار هذه القضية مع أزمة خانقة، وربما غير مسبوقة على معبر “الكرامة- الملك حسين – اللنبي”، بعد موسم الحج والعطلة الصيفية، وتزايد معدلات حاجة الناس للحركة سيما بعد إلغاء أو تخفيف إجراءات جائحة كورونا، ولكنه كان من الواضح أن حجم هذه الأزمة يأتي في سياق تعميقها بفعل فاعل ليصبح اقتراح مطار “رامون” وكأنه الحل الذي يأتي من قبل سلطات الاحتلال وتمنُّ على الفلسطينيين به، بهدف حرف الأنظار عن دورها ومسؤوليتها في خلق وتعميق تلك الأزمة، فالأهم بالنسبة لها هو أن يتم تشغيل هذا المطار، ومرة أخرى على حساب حق المواطن الفلسطيني بحرية الحركة والسفر.

في هذا السياق علينا، ونحن نناقش هذا الأمر الذي بات يحتل الحيز العام لأهميته، أن نتفق بأن هناك خط أحمر يُمنع علينا تجاوزه وهو أن يتم إلقاء اللوم على المواطن السجين المحاصر في قطاع غزة، والذي يعاني من الحصار الإسرائيلي الخانق أساساً، ولكنه يعاني أيضاً من فكي كماشة التقنين الذي لا يعيشه أو يحتمله أي إنسان على وجه الأرض إزاء حركته عبر معبر رفح مع الشقيقة مصر، أو شبه استحالة قدرته على المرور المفتوح من معبر الكرامة مع الأردن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قيمة الرسوم وتكاليف سفر المواطن الفلسطيني، بالإضافة إلى غياب احترام آدميته على جانبي المعبر، هي مبالغ لا يتكلفها أي إنسان في العالم بأسره، في وقت أن معدلات دخل المواطن الفلسطيني ربما هي الأدنى في المنطقة والعالم، سيما في ظل ما يعانيه من أشكال متنوعة من الحصار والسيطرة وتقييد حرية التجارة ونهب ثروات وموارد فلسطين الطبيعية ومجالات العمل لاستثمار هذه الموارد.

حكومة الاحتلال التي تشكل السبب الرئيسي، وربما الوحيد لأزمات الفلسطينين المتنوعة، يتلخص دورها في التضيق على حياة الناس ضمن خطة طويلة الأجل تستهدف تجفيف مصادر وسبل حياتهم في هذه البلاد، وأن ما تقدمه من خطط وحلول زائفة، تأتي في سياق ما تسميه إسرائيل” السلام الاقتصادي” والذي لا يتجاوز معيارين جوهريين؛ أولهما الحفاظ على الوضع الراهن من طبيعة حياة الفلسطينيين وأشكال السيطرة عليهم والتحكم بهم كما هي، وإشغالهم باستمرار في قضايا ثانوية بعيدة عن جوهر الصراع، وضرورة إنهاء هذا الاحتلال، بما في ذلك ادعاء سلطات الاحتلال أنها تعمل على تمكين السلطة، ولكن بما لا يتجاوز القدر الذي يبقيها منهكة ومعزولة عن الحاضنة الشعبية حتى تظل تحت رحمتها ولا تملك من أمرها سوى أن تسير في فلك مخططاتها، وأنها أي إسرائيل هي مرجعية بقاء السلطة ذاتها، و أنها هي “الحريصة” على إيجاد حلول عملية لأغراض سياساتها الاحتلالية الهادفة لإجبار الناس والسلطة معاً على القبول بالأمر الواقع، ومنع إمكانية تغييره، والمتمثل أساساً بإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره واستعادة كامل حريته على أرض وطنه.

السؤال الجوهري والحقيقي الذي يكاد يختفي كالإبرة في كومة القش القابلة للاشتعال في أي لحظة هو: حقيقة موقف السلطة الفلسطينية وحكومتها وأجهزتها ليس فقط من الجدل حول مطار “رامون”، والذي بات يتحول لأزمة إقليمية تطال علاقات السلطة الوطنية نفسها، بل ما هو موقف ودور السلطة الوطنية وسلطة الأمر الواقع من مجمل أزمة حركة وحق المواطن الفلسطيني بالسفر والحركة والتي تتحكم فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بصورة مطلقة.

ولإلقاء الضوء على هذا الأمر علينا أولاً أن ندقق في بعض القضايا الأساسية، وأولها ما يسمى بالبنود المتصلة بالمسؤولية عن تشغيل المعابر وحق المواطن الفلسطيني في الحركة، ودون الكثير من التفاصيل، فإن بنود الاتفاقية المدنية وتشابكاتها الأمنية الخاصة بالمعابر كانت تنص على حق المواطن الفلسطيني في الضفة والقطاع بحرية السفر من أي من المعابر المحددة بالاتفاقية وهي رفح واللنبي، بما في ذلك حق السفر عبر مطار بن چوريون، والعودة من أي معبر يريده المواطن نفسه، هذا الاتفاق الذي قامت حكومة الاحتلال عملياً بإلغائه تماماً ضمن انتهاكات جوهرية أخرى شملت معظم بنود البروتوكول الانتقالي الذي نظم نقل السلطات المدنية بالكامل للسلطة الفلسطينية بعد تنصيب المجلس التشريعي عام 1996، وحكم آلية العلاقة والتداخل بين الطرفين في إطار مسؤولية التنسيق الذي من المفترض أن تشرف على تنفيذه ما يسمى بلجنة الارتباط المدنية الفلسطينية الإسرائيلية العليا، والتي تتلخص وظيفتها في التنسيق بين جهات الاختصاص المدنية المختلفة وليس الإحلال محلها كما هو واقع الحال اليوم، والذي أعاد فعلياً ورسمياً إحياء مؤسسات هيكل الاحتلال التي وضعت مجدداً مجمل الصلاحيات في يد ما يسمى بالإدارة المدنية الإسرائيلية ولسلطة منسق حكومة الاحتلال.

الملفت، أنه وفي سياق البحث عن أسباب تجاوز قرارات المجلس المركزي إزاء العلاقة مع إسرائيل التي لم تعد تلتزم بأي من بنود الاتفاقات التي تنظم علاقتها بالسلطة الفلسطينية، جرى تبرير ذلك في حينه بإعادة العلاقة والتنسيق الأمني على أساس الرسالة التي قدمت من سلطات الاحتلال موقعة من “المنسق” بأن إسرائيل تلتزم بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني. والسؤال ماهي القضايا التي وردت بالاتفاقيات وحتى لو حصرناها بالبروتوكول المدني فقط، ومدى التزام سلطات الاحتلال بها، ناهيك عن المسؤوليات المتصلة بالأرض سواء المتعلقة بالتخطيط والتنظيم وما يسمى بمناطق “أ” والاجتياحات وغيرها، وكلها انتهاكات متصلة، وليس فقط تلك المتصلة بحرية الحركة وتشغيل المعابر أربعة وعشرين ساعة وعلى مدار أيام الأسبوع وطوال العام باستثناء عيد الأضحى للمسلمين ويوم الغفران لليهود كما كانت تنص الاتفاقية الانتقالية. بل إن القضايا التي يتم تقديمها وكأنها إنجازات سواء تلك المتصلة بإجراءات نقل العناوين، أو تصاريح الزيارة والعمل، وما يسمى بلم الشمل ومنح حق الإقامة، فهي بنود معطلة منذ سبتمبر عام 2000، وبات التعامل الجزئي جداً والاستثنائي معها مؤخراً وكأنها “تسهيلات استثنائية” تمنح وتحجب، وليس حقوق مكتسبة للناس حتى قبل إنشاء السلطة ذاتها وفق اتفاق أوسلو. بل، إن مضمون الاتفاق المدني الانتقالي الخاص بسجل السكان، والذي كان في حينه ورغم كل القيود التي تضمنها يشكل بمجمله “سجل سكان لدولة ناقص” ولمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات يتحول لصلاحيات كاملة فلسطينية، وقد بات اليوم بأكمله صلاحية عسكرية إسرائيلية تحت مسؤولية الإدارة المدنية للاحتلال.

هذا هو الذي يجب التوقف عنده، والمتمثل أساساً بمسؤولية السلطة الوطنية في مجابهة الإجراءات الإسرائيلية التي حولت الحقوق المدنية الانتقالية لمجرد هبات وتسهيلات واستثناءات، بما في ذلك حق حرية السفر والتنقل بين المناطق والمدن الفلسطينية، وبين فلسطين والعالم وليس فقط دول الجوار، وهنا يكمن جوهر الأزمة. الأمر الذي يمكن تشبيهه بمن رزق بمولود بعد سنوات عجاف فاشترى له بكل ما يملك ملابس تغطيه لثلاث أو خمس سنوات، واذ بهذا الطفل يصبح عمره 28 عاماً”1994-2022″ وهو لا يملك سوى ملابس طفولته حتى بات عارياً، وهذه قصتنا مع أوسلو الانتقالي الذي بات اطاره مؤبداً بعد تفريغ أي مضمون له من محتواه، ودون أي التزامات اسرائيلية سوى الاستمرار “بالتنسيق الأمني لعله يغطي هذا الوليد.”

إن المشكلات المزمنة التي يعاني منها أبناء القطاع في حركتهم نحو الأردن الشقيق، والتي للأسف تُميِّز بينهم وبين أبناء الضفة، لم تحظى بالاهتمام الحقيقي من قبل السلطة الوطنية ومؤسساتها المختصة منذ نشوئها، كما أن إبقاء حال العلاقة والمسؤولية إزاء حركة أبناء القطاع في إطار مسؤولية حركة حماس كسلطة أمر واقع مع الأشقاء في مصر، والفشل المزمن في التوصل لصيغة رسمية لتنظيم هذه الحركة مجدداً وفق اتفاقية المعابر لعام 2005، والتي تضمن دوراً أوروبياً يراقب تنفيذها لصالح انسيابية حركة المواطنين والبضائع دون إعاقة، وبديلاً عن ذلك ظلت حركة حماس مصرّة على أن يشمل انقلابها إجراءات تمس المسؤولية الرسمية الفلسطينية على معبر رفح، كما انجرف بعض مسؤولي السلطة لتبرير قيود واجراءات الأشقاء في مصر في إطار مناكفات الانقسام، وللأسف على حساب كرامة وحق المواطن، بدلاً من حماية حقوق الناس والتوصل لحلول وسط تحيّد حالة التجاذب والانقسام السياسي إزاء هذا الحق الطبيعي للناس.

الأزمة المتفجرة اليوم حول قضية المعابر ومطار “رامون” يجب أن تعود لأصلها، بأن تتحمل السلطة الوطنية الفلسطينية كامل مسؤولياتها في حماية حق المواطنين الفلسطينيين وحرية حركتهم وسفرهم من كافة المعابر الموجودة، وأن تطالب العالم والأشقاء العرب بالتدخل الملموس لإلزام إسرائيل بقواعد القانون الدولي واتفاقية جنيڤ التي تضمن للمواطنين الفلسطينيين حرية السفر من حيث المبدأ باعتبارها سلطة احتلال، وأن تعود للالتزام بقواعد اتفاقية المعابر التي تضمن وتنظم هذا الحق دون أي قيود، بما في ذلك تشغيل الممر الآمن بين الضفة والقطاع، وأن تتوجه في نفس الوقت للأشقاء في مصر والأردن لمراجعة إجراءات وقيود ورسوم السفر، وبما يضمن حرية حركة أبناء الشعب الفلسطيني إلى ومن خلال هاتين الدولتين الشقيقتين وصون كرامة المسافرين وعدالة الرسوم المفروضة عليهم.

في كل الأحوال، إن استمرار التعامل مع سلطات الاحتلال على قاعدة التسليم الواقعي بأنها تمتلك كافة الصلاحيات التي سبق ونقلت ولو جزئياً للسلطة الوطنية، إنما يلغي فعلياً دورها في الدفاع عن الحقوق والمصالح الجماعية للمواطنين، سيما إذا استسلمت السلطة لمجرد دور الوسيط، كما كان دور المخاتير خلال سنوات الاحتلال قبل نشوء السلطة الوطنية، عند صاحب الصلاحية أي سلطة “الإدارة المدنية” و”المنسق”، فإنها بنفسها تلغي دورها ومبرر وجودها، ولعل هذا ما يفسر صمتها، ويفتح الباب للتكهنات المحلية والاقليمية إزاء موقفها ودورها المُلتبس

صمت السلطة الوطنية على مصادرة إسرائيل لصلاحياتها وإعادة تركيزها في يد “الإدارة المدنية في يهودا والسامرة” كما تعرف نفسها وتتخاطب مع الجانب الفلسطيني بها، والانخراط في حلول ترقيعية مؤسفة مثل اختراع تسهيلات حركة فئة من المقتدرين مالياً على المعابر مقابل رسوم باهظة جداً على المسافرين، وليس إعادة الأمور إلى نصابها، وعلى الأقل وفق مانصت عليه الاتفاقيات “المتقادمة” والمنتهكة من قبل سلطات الاحتلال هو الذي يضعنا جميعاً في هذه الدائرة الجهنمية من تبادل الاتهامات والجدل بين مواطني الضفة و غزة، وبين المقتدرين وغير المقتدرين، وبين الناس والمسؤولين واليوم بيننا وبين الأشقاء في الدول المجاورة، وإسرائيل تقدم نفسها كمنقذ للضحايا وللأزمة في وقت أنها شر البلاء. وهذا تماماً ما يحدث مع تشغيل العمال في الداخل والأزمة التي تتفاقم بينهم وبين حكومة السلطة إزاء مسألة ايداع رواتبهم في البنوك، وجوهرها مدى الثقة بحرص السلطة على حقوقهم ومصالحهم الذي سبق وعشناه في ما عرف بأزمة قانون الضمان الاجتماعي. هذا ما يجب على السلطة الوطنية تداركه بسرعة، والتوقف عن المضي في حروب أجنحتها الطاحنة، والعودة مجدداً لمتطلبات توحيد الصف، والدفاع عن قضايا ومصالح وحقوق الناس، وعدم السماح لإسرائيل الاستمرار بتضليل الشعب الفلسطيني والعالم على حد سواء، الأمر الذي لا يعالج بتصريحات جوفاء وكلام لا رصيد له في الواقع، بقدر ما هو مكون جوهري من خطة مراجعة شاملة جوهرها أن مرجعية السلطة هو الشعب الفلسطيني ومصالحه وحقوقه الوطنية الثابتة، وليس رضى ودعم إسرائيل لهذا المسؤول أو ذاك.

كيف أصبح ميخائيل غورباتشوف الرجل المكروه رقم واحد في روسيا‏؟

جيفري سومرز‏

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان ميخائيل غورباتشوف شخصية ذات أبعاد مأساوية على الطريقة الإغريقية.‏‏ ‏‏وبامتلاكه النوايا الحسنة والفضول الفكري، أصبح غورباتشوف الرجل الأكثر إثارة للاشمئزاز واللعن في روسيا بعد زوال الاتحاد السوفياتي.

ومع ذلك، كانت أسوأ صفات غورباتشوف مرتبطة بأفضلها. كان غورباتشوف الرجل الخطأ الذي تواجد في الوقت الخطأ لحل التناقضات التي خلقها النموذج البيروقراطي الستاليني، ثم نموذج بريجنيف البيروقراطي للاشتراكية القائمة في الاتحاد السوفياتي.

وبينما كان غورباتشوف يصبح مكروها بشكل متزايد في الداخل، كان محبوبًا لدى زعماء العالم في “الغرب” باعتباره الرجل الذي قام سلميًا (على الأقل بالمقاييس المقارنة للإمبراطوريات المنهارة) بتفكيك الاتحاد السوفياتي، حتى لو أنه كان يحاول إنقاذ طابعه الاتحادي.

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للصين، قدم غورباتشوف دروسًا في ما لا يجب فعله عند إصلاح نظام ما بعد الستالينية المتصلب الذي يتطلب إصلاحات اقتصادية، إن لم يكن تحويله بالكامل.‏

‏ما الذي حدث عندما أنتج الاتحاد السوفياتي أول زعيم له بعد الحرب العالمية الثانية غير مرتبط بجوزيف ستالين (وأولئك الذين عينهم)؟ الجواب: جاء زعيم اشتراكي يسعى إلى إضفاء الطابع الليبرالي واستعادة أصول الرسوخ الديمقراطي للاتحاد السوفياتي بروح “السوفييتات”.

وعلى النقيض من تأكيدات فريدريش فون هايك بأن الاشتراكية تمثل “الطريق إلى العبودية”، أشار ظهور غورباتشوف إلى عكس ذلك. كان الإرهاب والطغيان في الاتحاد السوفياتي قد نشآ من الحرب ومطالب أجهزة أمن الدولة المطلوبة للبقاء على قيد الحياة، والسياسة المسكونة بجنون الارتياب التي مكَّنتها، أكثر مما فعل أي مسار اشتراكي “حتمي” تم السير فيه.

وبمجرد أن تجاوز الاتحاد السوفياتي الجيل الذي مر بهذه الصدمة (والقادة المرتبطين بذلك الجيل)، ظهر رئيس للحزب الشيوعي سعى إلى عودة إلى أيديولوجية مترسخة في الاشتراكية الديمقراطية.‏

وكما هو الحال مع كل قيادة الاتحاد السوفياتي تقريباً، كان غورباتشوف من أصول إقليمية، في حالته ولد في العام 1931 في ستافروبول كراي في جنوب شرق أوكرانيا. كان أجداده من جهة الأم من أصل أوكراني.

وارتقى في صفوف الحزب مع سمعة العمل الجاد وإيجاد حلول للتحديات المحيرة. وبحلول العام 1979 كان عضوًا في أعلى هيئة حاكمة في الاتحاد السوفياتي، المكتب السياسي، وبحلول العام 1985، تم اختياره لأعلى منصب في البلاد ليكون “الأمين العام” لقيادة الاتحاد السوفياتي إلى الخروج من ركوده الاقتصادي.‏

‏كان غورباتشوف لينينيًا جادًا، وليس مجرد بيروقراطي يتلو التعاليم الشفهية للمادية التاريخية بدافع الزخم أو النفعية السياسية.

وفي تأكيد لما أكده المؤرخ ستيفن كوتكين في سيَرِه الذاتية لستالين، لم يكن قادة الحزب السوفياتي حزبيين مُدَّعين، وإنما مؤمنين حقيقيين بالشيوعية، غالبًا ما كانوا يحولون الأقوال إلى أفعال. لكنّ ما اعتقد الكثيرون أن الاتحاد السوفياتي كان في حاجة إليه في وقت متاعبه هو يد لينين الحازمة، وليس التجارب المستوحاة من الاشتراكية الديمقراطية التي أجريت على عجل.‏

من عجيب المفارقات هنا أن هذه الخصائص الديمقراطية هي التي ضمنت فشل إصلاحات غورباتشوف. في كل أزمة واجهها غورباتشوف، كان بحثه عن الإلهام سيوجد في كتابات لينين. ومع أنه مثل لينين، شخصية إقليمية حولت روسيا، فإنه لم يكن لينين في نهاية المطاف. ركز غورباتشوف على رسالة لينين الديمقراطية للمستقبل، ولكن ليس على حزمه، إن لم تكن قسوته الجامحة التي سمحت له بتنفيذ الثورة السوفياتية. وعلى النقيض من ذلك، يمتلك الزعيم الروسي الحالي، فلاديمير بوتين، النصف الآخر من شخصية لينين: قسوته، وإنما مجردة من أي غاية ديمقراطية.‏

كان غورباتشوف إلى حد كبير جداً ذلك المثقف الإقليمي، وقليلاً جداً من براغماتي بينما كان يسعى إلى إنقاذ الاتحاد السوفياتي. وبدلاً من معالجة المقاربات المادية العملية للتحديات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، مثل اقتراح معلمه يوري أندروبوف المعقول بالحد من الهدر وجعل النقل أكثر كفاءة عبر مساحة الاتحاد السوفايتي الشاسعة من خلال تحسين عربات ومعدات السكك الحديدية، على سبيل المثال، كانت نظرة غورباتشوف فلسفية في كثير من الأحيان، تركز على دمقرطة الحياة المدنية والسياسية من أجل إطلاق العنان للإمكانات الاقتصادية الديناميكية لمواطنيه.

وقد سمحت إصلاحات غورباتشوف بإطلاق العنان للقوى الخلاقة كما ينبغي -ليس فقط لتلك التي جعلت الاقتصاد أكثر إنتاجية، وإنما بدلاً من ذلك تلك التي أدت إلى ظهور الأوليغارشية في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، ثم في وقت لاحق الاقتصاد الذي ‏‏هيمنت عليه النخب الأمنية والعسكرية‏‏.‏

على سبيل المثال، تم تصميم مرسوم غورباتشوف لمؤسسات الدولة في العام 1987 والمرسوم المتعلق بالتعاونيات في العام 1988، لإطلاق العنان لطاقات تنظيم المشاريع وتوفير قدر أكبر من الاستقلالية لكل من مديري الشركات الحكومية القائمة، ورجال الأعمال المنتجين. غير أن هذه التدابير، من الناحية العملية، وفرت هياكل تسمح بالإغارة على مخزونات الدولة من المواد الخام وقيام الوسطاء في التعاونيات بإعادة بيع السلع تامة الصنع في كثير من الأحيان بأسعار أعلى. والأسوأ من ذلك أن هذه المراسيم سمحت بإنشاء بنوك تجارية بغرض تسهيل الأعمال التجارية مع العملاء الدوليين.

وقد أعطى هذا للتعاونيات ومديري الشركات الحكومية القدرة على خلق (وغسل) الأموال، التي ترتب على الحكومة دعمها بأموال حقيقية.

وقد خلق هذا أيضا فرصًا للخصخصة الفعلية المبكرة لأصول الدولة بحكم الأمر الواقع. وبالإجمال، بدلاً من إضافة مخرجات جديدة، كانت إصلاحات غورباتشوف في الغالب سببًا في تشجيع المزيد من السرقة.

وبالإضافة إلى ذلك، أصبحت بمثابة البنية التحتية للخدمات المصرفية الخارجية offshore banking والخصخصة التي مكنت من التغذي النهائي على جثة ما بعد الاتحاد السوفياتي خلال سنوات بوريس يلتسين.

وقد تقاطع هذا الاستخدام للشبكات المصرفية الخارجية مع التحول العالمي الأكبر الذي قادته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لتحويل القيمة غير الملموسة إلى أدوات مالية لاقتصاداتها حتى تظل تنافسية في مواجهة المنافسة العالمية في مجال التصنيع.

وباستخدام أنظمة اليورو-دولار المصرفية الخارجية المصممة في الخمسينيات لتجنب الضرائب المفروضة على الشركات متعددة الجنسيات في أوروبا، تم توسيع هذه الأنظمة في أواخر السبعينيات والثمانينيات ليستغلها الأغنياء للتهرب الضريبي بشكل عام.

واستغل جهاز “الكيه. جي. بي” المتمرس في استخدام هذه الشبكات لنقل رأس المال عالميًا لمختلف المشاريع السوفياتية (على سبيل المثال، تحويل الأموال إلى الحركات الثورية، وما إلى ذلك)، استغل خبرته واستخدمها في أواخر سنوات غورباتشوف وما بعدها لتسهيل سرقة السلع السوفياتية عن طريق بيعها بالأسعار العالمية ووضع الفرق في جيوبه.

وقد عمل كل هذا لصالح نيويورك ولندن، حيث أصبحت بنوكهما هي المتلقية لهذا السيل من النقد. وتم تكليف عملاء الـ”كيه. جي. بي” في عهد غورباتشوف بمساعدة التعاونيات السوفياتية ومديري الدولة في إنشاء بنوك تجارية وحسابات خارجية. وفي عهد يلتسين، استطاع رجال الأعمال هؤلاء الذين نشأوا في سنوات غورباتشوف، التغلب على الـ”كيه. جي. بي” (العملاء) وإخراجه من المعادلة.

ولكن، ‏‏في القرن‏‏ الحادي والعشرين، أعاد العملاء السابقون لأجهزة الأمن تأكيد سلطتهم، واستولوا على أموال وأصول مجموعة مختارة من الأوليغارشيين، وبدأوا في استخدام هذه الثروة لإعادة بناء الجيش الروسي.

وقد صنع ذلك فوضى في النظام، حيث أدى نظام الصيرفة الخارجية الذي خدم مصالح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال تصدير سلع وأموال ما بعد الاتحاد السوفياتي إلى نقاط في الغرب، خالقاً في نهاية المطاف تحديات للقوة الأنجلو أميركية، والتي تجسدت في جزء منها، على سبيل المثال، في اندلاع الحرب في أوكرانيا في العام 2022.‏

ولكن، لم يكن في المجال الاقتصادي وحده حيث تسببت إصلاحات غورباتشوف في الفوضى.

بوصفها متحررة من عقود من سيطرة دولة متغطرسة، فككت بيريسترويكا غورباتشوف حزمة القومية التي كانت حتى ذلك الحين مُوْثقة جيداً والتي كان لينين وستالين قد احتوياها في السابق.

وعندئذٍ، أصبح القوميون في الجمهوريات يكرهون غورباتشوف بسبب محاولته إدامة الاتحاد السوفياتي، حتى لو كان اتحاداً ديمقراطيًا تتمتع جمهورياته بالحكم الذاتي.

وفي الوقت نفسه، احتقر شوفينيو “روسيا العظمى” غورباتشوف لسماحه للنظام السوفياتي بالتحلل وفشله في استخدام سلطة الدولة للحفاظ على الإمبراطورية وإبقائها متماسكة.

وكان أحد الاستثناءات البارزة في أرمينيا، حيث كانت الاحتجاجات تتسبب في فتح غير منضبط للحدود السوفياتية مع إيران. وأكدت زوجة غورباتشوف، ريسا، أن مقتل 200 متظاهر أرمني في حملة قمع أمر بها غورباتشوف تركه معذَّبًا ولم يكن هو نفسه بعدها أبدًا.

ومع ذلك، كان هذا الاستخدام المحدود للقوة في أرمينيا هو الاستثناء لرفض غورباتشوف استخدام العنف ضد المتظاهرين.

كما أن دول البلطيق لم تكن معرضة أيضاً لأي من محاولات غورباتشوف لإصلاح النظام السوفياتي.

وقد أعطتها إصلاحات غورباتشوف فرصة للبحث عن مخرج، وهي ركضت إليه.

كما استيقظ القوميون الأوكرانيون، إلى جانب القوميين الروس، في عهد غورباتشوف.

وأيد الكثيرون في الجمهوريتين، الروسية والأوكرانية، الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي لأسباب اقتصادية. لماذا؟ افترض الروس أنهم أغنياء، وأن الجمهوريات السوفياتية الطفيلية التي تستنزف ثرواتهم هي التي أعاقتهم.

وعلى نحو مماثل، وصف الأوكرانيون الاستقلال بأنه الطريق إلى الحليب والعسل.

ومن المؤكد أن “حزام الأرض السوداء” الخصب والشاسع في أوكرانيا والصناعة الهائلة في دونباس سيجعلانها غنية بمجرد تحريرها من الاتحاد السوفياتي، هكذا اعتقدوا.

وهكذا، كان المعنى الضمني لهذا هو أن المشروع القومي ‏‏للقرن‏‏ 19 الذي أعاقته كل من روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي لم يبق مقيداً إلى أجل غير مسمى، وقد أفلت.

أضف إلى ذلك أن الكثيرين في الاتحاد السوفياتي اعتقدوا أنهم كانوا أغنياء حقاً، لكنَّ ثرواتهم الهائلة كانت تستولي عليها جمهوريات أخرى، وأصبح الانفصال مقنعًا، ولازماً.‏

لكنّ هذا يطرح السؤال: هل كان من الممكن إصلاح الاتحاد السوفياتي وإنقاذه في التسعينيات لو كانت هناك قيادة مختلفة؟ لا، على الأرجح، بالنظر إلى الظروف في ذلك الوقت. كانت القوى العاملة السوفياتية قد جُعلت حضَرية بالفعل.

لم يكن هناك جيش من الاحتياطي الريفي رخيص الكلفة للغاية من العمالة للاستفادة منه كما هو الحال في الصين.

وعلاوة على ذلك، أقنعت الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية بفتح صنبور النفط من أجل خفض أسعار الطاقة، وبالتالي الضغط على قطاع الطاقة السوفياتي.

ومن دون الحصول على النقد، لم يتمكن السوفيات من تمويل فترة انتقالية بينما يقومون بالتحديث في نفس الوقت، ولا شراء التكنولوجيا اللازمة للقيام بذلك أيضاً.

ونظرًا لعدم قدرة الاتحاد السوفياتي على الاندماج بسرعة أكبر في الاقتصاد العالمي، والسير على خطا للصين، فإنه كان في حاجة على الأقل إلى الحفاظ على الكوميكون (1) لسنوات عديدة من أجل دخول الاقتصاد العالمي كمنتِج لسلع تتجاوز السلع الاستهلاكية.

ضغطت فرنسا من أجل إبقاء الكوميكون في كتلة ما بعد الاتحاد السوفياتي الناشئة حديثًا. لكن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) ضده، سواء لجهة زيادة انفتاح روسيا على رأس المال الأجنبي، أو الأهم من ذلك، رؤية مخزونها الضخم من الموارد الطبيعية وهو يخرج إلى الأسواق العالمية.

وقد لعب انخفاض أسعار السلع السوفياتية في الثمانينيات وما بعد السوفياتية في التسعينيات دورًا مهما في استعادة مستويات الأرباح العالمية بعد أزمة التراكم في السبعينيات.

وكان الفضاء ما بعد السوفياتي عنصرًا رئيسيًا يحول دون عودة إلى تضخم أسعار المواد الخام الذي ميز الأزمة الاقتصادية للسبعينيات.

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الولايات المتحدة حريصة على تفكيك اقتصادات الكتلة السوفياتية لتقليل خطر عودةٍ الدولة التنموية(2)، وخاصة واحدة بشخصية حمراء أو سمراء. ‏

فيما يتصل بالصين، قدم غورباتشوف دراسة لقادتهم في كيفية عدم الإصلاح.

وقد اعتبر دنغ شياو بينغ غورباتشوف وإصلاحاته دراسة مفيدة في كيفية عدم تحويل الصين للخروج من اقتصادها الستاليني القديم.

ولكن، هل كان من الممكن أن ينجح غورباتشوف لو أنه اتجه مباشرة وعلى الفور إلى الإصلاحات الاقتصادية واستخدم قبضته لفرضها كما فعلت الصين في العام 1987 في تيانانمين؟

الجواب، في اعتقادي، هو: لا. كانت علاقات الصين الجيدة مع الولايات المتحدة شرطًا ضروريًا لتحقيق معجزتها الاقتصادية.

وقد انفتحت الولايات المتحدة على الصين في عهد نيكسون لتعميق انفصالها عن الاتحاد السوفياتي. وبعد ذلك، كانت الصين في وضع مثالي لمساعدة الولايات المتحدة على تكوين جانب العرض لديها، والتحول النيوليبرالي في الثمانينيات لمعالجة أزمة الربحية في السبعينيات.

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الصين في الثمانينيات والتسعينيات في بداية تمدنها فقط. وعمل جيشها الاحتياطي الضخم من العمال على تشجيع الشركات الغربية على نقل تصنيع السلع إلى الخارج والاستعانة بالمصادر الخارجية لإنتاجها،

الأمر الذي ساعد في تطبيق ضغوط الأجور التنازلية التي سعى إليها رأس المال في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، في الثمانينيات، كانت عملية التمدن في الاتحاد السوفياتي ناجزة.

لم تكن هناك قوة عاملة ريفية ضخمة يمكن استغلالها لجعل الاتحاد السوفياتي قادرًا على المنافسة في أسواق العمل العالمية. كانت أجور العمال السوفياتية مرتفعة للغاية وكانت منشآتها الصناعية القديمة في الغالب غير قادرة على المنافسة. وحيثما كانت الصناعات السوفياتية وصناعات حلف وارسو تنافسية، سعت الشركات الغربية متعددة الجنسيات إما إلى شرائها وتشغيلها، أو شرائها من أجل إزالة المنافسة.

‏وفي الوقت نفسه، استولى الأوليغارشيون الجدد في روسيا على استخراج الموارد والصناعات الثقيلة الناجية عن طريق “قرض الأسهم” في التسعينيات، وهو ما استعادته النخب الأمنية والعسكرية ببطء في عهد بوتن‏‏.

وعلى النقيض من ذلك، كانت الصين مثل صفحة بيضاء اقتصاديًا، بأجور منخفضة للغاية ودولة قوية أبقت الانضباط العمالي متماسكاً بينما تقوم بإنشاء بنية تحتية حديثة حسب الحاجة.

وعلى عكس الاتحاد السوفياتي، كانت الصين في المكان المناسب في الوقت المناسب مع الظروف العالمية المناسبة للتنمية. كانت الولايات المتحدة في حاجة إلى ما كانت الصين تملكه بالضبط، وكانت الصين تعرف ماذا تفعل بهذه الحاجة.‏

وفيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، ينظر إلى غورباتشوف بغرام في الولايات المتحدة باعتباره الشخصية التي دفعت بعجلة نزع السلاح النووي، في حين تقوم بتفكيك الكتلة السوفياتية.

لكن الروس اعتقدوا بأن غورباتشوف كان ساذجًا في تعاملاته مع الولايات المتحدة. وقد استدفأ غورباتشوف واستمتع بإشادة شركائه الغربيين، ووجد فيهم ملجأ على نحو متزايد مع تدهور وضعه الداخلي.

ومع تسارع تفكك الاتحاد السوفياتي، أصبح من السهل جداً، نفسيًا، الاحتماء بالثناء الذي قدمه الغرب في حين ضربت عواصف الاحتجاج بقوة متعاظمة في الوطن.‏

أخذ غورباتشوف زمام المبادرة للدفع بتخفيضات الأسلحة النووية قدمًا في وقت مبكر، وبالتالي فاجأ كلاً من الولايات المتحدة وشعبه على حد سواء.

ومع ذلك، قبل نظراؤه الغربيون في نهاية المطاف بعض هذه المبادرات.

ومع الإنهاء التدريجي للحرب الباردة، أصبح غورباتشوف شخصية مثيرة للاهتمام في الغرب. كما فشل غورباتشوف في نهاية المطاف كمفاوض مع نظرائه الغربيين.

وعندما أصبح في وضع يائس للحصول على المال بحلول العامين 1989-91، ذهب غورباتشوف وقبعته في يده إلى الولايات المتحدة والألمان.

ولو أنه كان قد طلب المزيد في وقت أبكر مقابل خروج قواته من حلف وارسو، لكان قد تلقى مساعدة مالية ضخمة.

لكنه عندما طلب متأخراً وبعد فوات الأوان، كان نظراؤه الغربيون، على الرغم من تعاطفهم في بعض الأحيان، غير راغبين في المساعدة لأن اللعبة كانت قد انتهت مسبقاً إلى حد كبير.

كان عدم طلبه المال إلا بعد أن كان حلف وارسو يتحلل مسبقاً قد محا أي نفوذ تبقى لدى غورباتشوف.

وفي حين كان غورباتشوف متأخرًا جدًا في التفاوض للحصول على المال والضمانات الأمنية من حلف شمال الأطلسي، فإنه كان مبكرًا جًدا في تفكيك سلطات البنك المركزي ومؤسسات الدولة التي تمول حكومته. ولكن، لم يكن مع الأجانب فقط حيث أساء غورباتشوف التعامل؛ لقد فعل ذلك في الداخل أيضاً مع بوريس يلتسين.

وقد تفوق بوريس يلتسين عليه باستمرار، إن لم يكن قد أذله. وفي الوقت نفسه، بحلول العامين 1990/91، كانت سلطة الدولة الوحيدة المتبقية لغورباتشوف هي قوات أمن الدولة، التي كان قد رفض استخدامها في المقام الأول.‏

لقد بدأ غورباتشوف من قيادة الدولة الوحيدة التي تنافس الولايات المتحدة في القوة. ولكن، عندما انهار صرح الدولة الفاشلة بسرعة، لم يتبق له سوى مؤسسة تحمل اسمه.

وقد حملت “مؤسسة غورباتشوف” بعض الوزن الهامشي في التسعينيات -وإنما لا شيء في الواقع ‏‏بحلول القرن‏‏ الحادي والعشرين.

وقد شهد العقدان الماضيان غورباتشوف صامتاً إلى حد كبير. في بضع لحظات وجيزة وجه انتقادات إلى فلاديمير بوتين، وإنما نادرًا جدًا، وتم تجاهله إلى حد كبير. وهكذا، بوفاته في 30 آب (أغسطس) 2022، كان غورباتشوف منزوياً بسلام مُسبقاً منذ سنوات عديدة.‏

داعمون لفلسطين

حمادة فراعنة

اذا لم نتوقف أمام قرار عدم مشاركة وزيرنا أيمن الصفدي في اجتماع وزراء الخارجية السداسي يوم 27/3/2022، في النقب جنوب فلسطين بدعوة من وزير المستعمرة يائير لبيد، وحضور الوزير الأميركي أنتوني بلينكن، ومشاركة وزراء أربعة بلدان عربية: مصر والإمارات والبحرين والمغرب، اذا لم نتوقف أمام هذه الواقعة السياسية الجوهرية الهامة لن نفهم موقف بلدنا وسياسته، لأن هذه الواقعة السياسية بامتياز وصفتها دوائر المستعمرة الإسرائيلية على أنها إجتماع تاريخي غير مسبوق، ليست إجرائية، ليست شكلية، ليست مجرد مناكفة لسلوك المستعمرة وسياساتها التوسعية الاحلالية.

انها تشير وتدلل على الفهم الأردني لسلوك المستعمرة المستمر التراكمي نحو التوسع والاستيطان ونهب الأرض، وعدم الاستجابه لأي من حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وعدم إحترام المصالح الوطنية الاردنية.

لم يتوقف الخيار الأردني في ذلك الوقت، بل في ذلك اليوم على عدم استجابه وزيرنا أيمن الصفدي لدعوة يائير لبيد، وحجم الضغط الأميركي للمشاركة الاردنية في الاجتماع السداسي، ولكن تاكيدا لهذا الخيار في رفض المشاركة الأردنية، أقدم رأس الدولة الأردنية الملك عبدالله على خطوة جوهرية إضافية تتعارض مع اجتماع النقب، وذلك عبر زيارته ووصوله إلى رام الله وبمعيته ولي العهد في نفس اليوم، تاكيدا ووضوحا وشجاعة وقناعة أن الاردنيين ليسوا فقط ضد خيار النقب ودلالاته، بل إننا في الخندق الفلسطيني، النقيض لخندق المستعمرة، المتصادم معها.

إذا لم نتوقف كأردنيين أمام هاتين الواقعتين المتلازمتين المعبرتين عن مضمون وفحوى وشجاعة ووضوح الموقف الأردني وانحيازاته، نكون في حالة التيه، لا نفهم جوهر موقف بلدنا وانحيازاته الوطنية القومية المبدئية.

قبل ذلك، علينا أن نتذكر مبادرة رأس الدولة الأردنية الذي طالب في شهر تشرين أول أكتوبر 2018، تصحيح الوضع واستعادة الحقوق، عبر إنهاء حق تصرف المستعمرة بأراضي منطقتي الباقورة في الشمال والغُمر في الجنوب، وفق مُلحقي معاهدة وادي عربة أ و ب الذي يمنح المستعمرة حق التصرف بالمنطقتين لمدة 25 سنة، وقبل انتهاء الفترة بسنة طالب الاردن سلفا بالغاء التصرف الإسرائيلي وهذا ما تم عام 2019 ، حيث انتهت الفتره عمليا ، واستعاد الاردن أراضيه في منطقه الباقورة المحتلة منذ عام 1950 والغُمر منذ عام 1967 .

لنتوقف أمام هذه الظواهر السياسية الملموسة لنفهم وندرك ونعرف أين نقف ، ومع من ؟؟.

المستعمرة بسياسات حكوماتها و إجراءاتها المتتالية، لا تحترم المسجد الأقصى مكاناً مقدساً للمسلمين، وللمسلمين فقط، ولا تحترم الوصاية الهاشمية عليه، ولا تحترم الرعاية الأردنية له، وترفض زيادة عدد الموظفين الأردنيين سدنته، وبدلاً من أن يكون مطار الملك حسين في العقبة عنوان خدمة المسافرين من مناطق جنوب الأردن وفلسطين ومصر والسعودية، وعنواناً للتعاون، عملوا على زرع مطار رامون المؤذي نقيض المطار الأردني، ويمسه فنياً وأمنياً، مما يدلل على حجم التعارضات الأردنية الإسرائيلية واتساع الفجوة بين مصالحنا الوطنية القومية ومصالحهم الاستعمارية التوسعية.

المستعمرة مشروع احتلالي توسعي متنفذ لدى الولايات المتحدة وأوروبا، وباتت مخالبه مغروسة في الجسم العربي عبر التطبيع، ولكن الأردن سيبقى بشعبه حصينا عصيا على الانكسار، مهما بلغت قوة المستعمرة وتفوقها فالكرامة الأردنية، والاستعداد للتضحية، وعدم الرضوخ، أدوات قوتنا المتصلة بالتاريخ والواقع وسلاحنا نحو المستقبل، ولذلك سنصمد… وسننتصر

هنية على تواصل مع جهاز المخابرات..

جيروزاليم بوست: هل تخطط الأردن لإعادة العلاقات مع حماس؟

نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” تقريرا إخباريا يوم السبت، حول العلاقة المحتملة بين الأردن وحماس جاء فيه:

أحيت الزيارة الأخيرة التي قام بها زعيم حماس خالد مشعل إلى الأردن الحديث عن عودة محتملة للعلاقات بين المملكة والحركة الإسلامية الفلسطينية.

في عام 1999، تم حظر حركة حماس، وهي فرع من جماعة الإخوان المسلمين، في الأردن بعد أن واجهت اتهامات بالقيام بأنشطة غير مشروعة داخل المملكة.

ثم أصدرت السلطات الأردنية مذكرات توقيف بحق مشعل وخمسة من كبار مسؤولي حماس: موسى أبو مرزوق وإبراهيم غوشة وعزت الرشق وسامي خاطر ومحمد نزال. منذ ذلك الحين، يعيش مسؤولو حماس المطلوبون في قطر.

في عام 2006، اتهم الأردن حماس بتهريب أسلحة إلى المملكة من سوريا، وفي عام 2015، حُكم على 12 أردنيًا بالسجن لمدة تصل إلى 15 عامًا لتورطهم في خلية تابعة لحماس. وقد أدانتهم محكمة أمنية أردنية بتهمة تصنيع متفجرات وتنفيذ أعمال مزعجة للأمن.

في عام 2009 سُمح لمشعل بدخول الأردن للمشاركة في تشييع جنازة والده، وفي العام الماضي سُمح له مع اثنين من مسؤولي حماس، إسماعيل هنية والرشق، بالمشاركة في تشييع جنازة غوشة المتوفى. يبلغ من العمر 85 عامًا ودفن في الأردن.

في الشهر الماضي، قام مشعل مرة أخرى بزيارة مفاجئة إلى الأردن لمدة أسبوعين. وقالت مصادر أردنية وفلسطينية إنها “زيارة خاصة” التقى خلالها زعيم حماس فقط بأفراد الأسرة والأقارب.

ولفتت المصادر إلى أن مشعل لم يكن بإمكانه زيارة الأردن لولا حصوله على إذن من “كبار صانعي القرار” في عمان، في إشارة إلى تورط القصر الملكي.

وقالت المصادر إن نزال، أحد مسؤولي حماس، والذي سبق طرده من الأردن، وصل إلى المملكة للإعداد لزيارة مشعل.

قبل عودته إلى قطر، التقى مشعل مع عدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين الأردنيين، بحسب الموقع الإخباري عربي 21 ، وأكد مصدر مقرب من حماس هذه الحقيقة. ومع ذلك، رفض الكشف عن هوياتهم.

وقال مسؤول في السلطة الفلسطينية يوم السبت، إن رام الله “تتابع عن كثب” التقارب الواضح بين حماس والأردن. وشدد المسؤول على أن علاقات السلطة الفلسطينية مع الأردن لا تزال قوية كما كانت دائما على الرغم من الحديث عن “صلحة” محتملة بين عمان وحماس.

بعد أيام من زيارة مشعل، دعا عدد من السياسيين والأكاديميين الأردنيين حكومتهم إلى إعادة العلاقات مع حماس. جاءت هذه الدعوة خلال ندوة نظمها مركز دراسات الشرق الأوسط، وهو مركز فكري مستقل في عمان، تحت شعار “العلاقة بين الأردن وحماس. الأسس والتحولات والتوجهات المستقبلية “.

“خطأ الأردن الكبير”

وقال النائب الأردني صالح العرموطي، رئيس كتلة الإصلاح الإسلامية في البرلمان، إن الأردن ارتكب “خطأ كبيرا” عندما قطع علاقاته مع حماس.

وقال العرموطي إن “مصلحة الأردن هي إعادة العلاقات مع حماس”، مشيرا إلى أن المملكة سبق لها أن “استخدمت ورقة حماس على أكثر من مستوى”.

وأضاف أن إعادة العلاقات مع حماس ستسمح للأردن بتعزيز دوره على الساحة الدولية. وقال العرموطي: “لا يوجد سبب للخوف من حماس”. “حتى بعض الدول الأوروبية تتواصل سرا مع حماس”.

وأشاد النائب الأردني بحماس لمعارضتها ما يسمى بخيار الأردن، والذي ينص على استبدال المملكة بدولة فلسطينية.

وأشاد كذلك بحماس لوقوفها إلى جانب الأردن ضد خطة السلام التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعنوان “صفقة القرن”، والمعنونة رسميًا “السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي”.

سارع الأردنيون إلى رفض الخطة، قائلين إنها تشكل تهديدًا وجوديًا للأمن القومي للمملكة، وذلك أساسًا لأنها تحرم الفلسطينيين من حق إقامة دولتهم المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي خطوة يمكن أن يمهد الطريق لتحويل الأردن إلى وطن للفلسطينيين.

وزعم العرموطي أن الاتصالات بين حماس والمسؤولين الأردنيين استمرت رغم التوترات بين الجانبين. كما زعم أن هنية كان يطلع رئيس المخابرات العامة الأردنية على آخر التطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

وقال متحدث آخر، هو د. حسن المومني، محاضر العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، إن إعادة العلاقات بين المملكة وحماس ستفيد الجانبين. وقال المومني “على الأردن أن يتبنى مقاربة براغماتية في التعامل مع حماس”.

كما أعرب عاطف الجولاني، رئيس تحرير جريدة السبيل الإسلامية الأسبوعية، والجنرال الأردني المتقاعد قاصد محمود، عن دعمهما لإعادة العلاقات الأردنية مع حماس، بحسب موقع عربي 21 الإخباري.

وتعليقًا على التقارير حول الدفء المحتمل للعلاقات بين الأردن وحماس، تساءل المسؤول السابق في السلطة الفلسطينية والمحلل السياسي حسن عصفور عما إذا كانت عمان تستعد لمرحلة ما بعد عباس.

“هل هذه محاولة استباقية لإجراء ترتيبات لعهد ما بعد عباس؟” وتساءل عصفور في مقال نشر في موقع أمد الإخباري الفلسطيني. هل فقد الأردن إيمانه بالسلطة الفلسطينية؟ ما ينشر في وسائل الإعلام عن علاقة الأردن بحماس يمثل انتهاكاً مباشراً للشرعية الفلسطينية.

“الأردن يجدد علاقاته مع حماس على الرغم من أن المملكة تواجه مشكلة كبيرة مع الإخوان المسلمين. وهذا يتطلب من السلطة الفلسطينية مراجعة [القضية]. والسلطة الفلسطينية يجب ألا تقف مكتوفة الأيدي وتراقب التطورات تحت قدميها”.

الانتخابات في (إسرائيل): يهودية- يمينية- متطرفة مقابل يهودية- يمينية- ليبرالية| أحمد أشقر

أحمد أشقر

في البداية يجب القول بأن لا أهمية لأصوات العرب إن تمكن المعسكر البرلماني (من عسكر) الذي يرأَسه (نتنياهو) من العودة وتشكيل الحكومة القادمة كنتيجة لانتخابات نوفمبر 2022؛ كما لا أهميّة لهذه الأصوات إن تمكَّن المعسكر المنافس له من تشكيل الحكومة، لأن الاختلافات والتنافس بين المعسكرين هو على مصادر وسلّة الثروات الأيديولوجية المعنويّة القيميَّة، اليهوديّة- اليمينيّة، ومنسوب الليبراليّة عند كلِّ معسكر. فثبات الأيديولوجيّة اليهوديّة- اليمينيّة بات مركباً أساسيّاً عند القوائم الانتخابيّة ولا فرق بين الجنرال إحتياط ونائب لقائد أركان سابق وعضو الكنيست عن ميرتس (يائير جولان) “يسار- مركز” والفاشي (بن جفير) الذي يستمد شرعية فاشيته من اليهوديّة وكيانها الاستعماريّ وقرارات المحاكم اليهوديّة الليبراليّة التي بيّضت كل ممارساته السوداء- وغيره من الفاشيّين- ضد العرب على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، والذي يريد أن يحكم الكيان بحسب قوانين (نيرنبرج النازيّة). فما يجمع المُعسكرين هو هوية الدولة اليهوديّة التي تستند على شرعيّة دينية لا يوجد مثيلاً لها في العالم.

تعجّ الحياة الانتخابيّة اليهوديّة وتزدحم بقوائم وتحركات أشخاص من هم على شاكلة (بن جفير) وFascism by Ayelet Shakd)) الذين يتخذون من اليهوديّة- اليمينيّة منهجاً وطريقاً لحياتهم السياسية، محورها العداء والممارسات العدوانيّة ضدّ العرب. إذ لا مبرِّر لوجودهم دون هذا العداء الذي تتم ترجمته بصياغة السياسات، وسنّ القوانين العنصريّة، وأخطرها (قانون القوميّة لسنة 2018) والممارسات العدوانية (سلب ومصادرة الأراضي وقتل أصحابها العرب) والتصريحات العدائية العدوانيّة (التهديد بنكبة ثانية ستكون نكبة سنة 1948 “دحّ” مقارنة بالثانية، كما صرح كلّ من الوزيرين السابقيّن (يسرءيل كاتس ومتان كهانا))، على خلفية قيام الطلبة العربي في جامعتي تل أبيب وبئر السبّع إحياء ذكرى النكبة في أيار 22. من جهتي حذرت من هذا في مقالي المُعنّوَن (مجزرة الطنطورة، طرد الـ”نيتساف” حكروش وقتل المُسنّ أسعد: حذارِ أيها العرب! في الإتحاد، 18. 3. 18). بعد التمعن في مركبات هذه الحركات وخطابها الأيديولوجيّ السياسيّ يتضح أنه يهوديّ يمينيّ. لذا يتوقع خبير الاستطلاعات في صحيفة (معَريف) (مناحم لَزار) بدراما انتخابية جديدة في المعسكر الديني الصهيونيّ، أي أن هذا التيار هو من سيقرر قوام الحكومة (موقع سِروجيم، 5. 8. 22). يتفق معه (عوذي برعام)، أحد أركان حزب العمل في السابق، لكنه يحمّل العرب مسؤولية فوز الكتلة اليهوديّة- اليمينيّة بالقول “إذا لم يصوّت العرب، فإن المتديّنين الوطنيّين هم سيحسمون الانتخابات” لنفس التيار المذكور. ويؤكد أنّهم يهود يمينيون لا يهمم من الديموقراطيّة إلا وصولهم للسلطة لتحقيق أجنداتهم (هآرتس، 9. 8. 22). إن تحميل (برعام) إحجامِ العربَ عن التصويت مسؤولية ‘اليمين’ فيه وجاهة استعماريّة لأن أصوات كِلا المُعسكرين باتت ثابتة تقريباً كما تؤكد نتائج الإنتخابات في العقد الأخير على الأقل، والمرشح أن يكسرها هو ارتفاع نسبة تصويت العرب التي تخصص لها حكومة إسرائيل وقوى إقليميّة وأمريكيّة عشرات الملايين من الدولارات. وما نشاهده من حملات لرفع نسبة التصويت عند العرب أقل بكثير مما يُرصد لها من أموال! بالمناسبة: كان (لابيد) قد اجتمع بأحمد الطيبي وأيمن عودة وطالبهما برفع نسبة التصويت فقط. نعود إلى (برعام)- هذا السياسي الخرف الذي لم يترك حزبه ودولته جريمة في سفر جرائم التاريخ إلّا ونفّذها ضد العرب، وعندما بات يخشى تغوّل اليهوديّة اليمينيّة على يهوديّته الليبراليّة حمّل العرب هذه المسؤوليّة، علما أن حزبه هو الذي أنتج ورعى اليهوديّة اليمينيّة منذ الانتخابات الأولى سنة 1949 مروراً بمشروع الاستيطان سنة 1976 إلى يومنا الراهن. فتحميل العرب مسؤوليّة ومحاسبة وصول اليمين للسلطة كان دائما اتهاماً من اليسار اليهودي وبعض العرب الذين لن نذكر أسماءهم (أحدهم “شاعر كبير” كما قيل) لأنهم انتقلوا إلى “دار الحقّ”. كان ذلك عندما قاطعت جماعة لا بأس بها انتخاب (شمعون بيرس) في انتخابات برلمانيّة مباشرة، وفاز (نتنياهو) عليه في أيار 1996 بأكثر من 29 ألف و500 صوت.

فهم السُّلوك الإنتخابيّ لليهود

تفيض الأدبيّات، الدراسات، الأبحاث والتنظيرات الفكريّة اليهوديّة التي تتحدث وتبحث في السُّلوك الإنتخابيّ للمستعمرين اليهود في فلسطين الذي يتراوح ما بين السلوك التقليدي، القبليّ، المصلحيّ، الطبقيّ والهُويّاتي؛ من طرفنا سنقوم بعرض ومناقشة السلوكيّن الطبقيّ والهوّياتي لحصافة الأرضيات الفكريّة التي ينطلق منها كلُّ من (داني جوطوين) و(وجييل طالشير) والنتائج التي يصلان إليها. فقبل البدأ بعرض ومناقشة طرحيّهما عليّنا الحديث عن الخلفيّة الاقتصاديّة- الاجتماعيّة- الأيديولوجيّة التي يستند الباحثان عليها (وكل الباحثين تقريبا). منذ النكبة سنة 1948 وإقامة الكيان الصهيونيّ تعاقبت على تطوره ثلاثة تشكيلات اقتصاديّة اجتماعيّة وسياسيّة هي:

الأولى- تستند إلى الغنائم والمسروقات التي نهبها يهود الكيان من عرب فلسطين قبل النكبة، وخلالها وبعدها، والمساعدات التي تدفَّفت عليهم كالأنهر من ألمانيا، وأوروبا وأمريكا. انتهت هذه الفترة رسميّاً بخسارة حزب (المعراخ/ العمل) وحلفائه السلطة أمام حزب (الليكود) وحلفائه سنة 1977. تميّزت هذه التشكيلة بقطاع عام واسع في التشغيل وتقديم الخدمات استأثر اليهود (الأشكناز) الذين هم من أصول غربيّة على حصة الأسد فيه. فبقي اليهود من (الطوائف الشرقيّة) وما تبقى من عرب فلسطين خارج توزيع الثروات الحقيقية والكبيرة للقطاع العام. كانت انتخابات سنة 1977 إيذاناً بانتهاء دور هذا القطاع لعدة أسباب أهملها: بقاؤُه في سياق العقليّة الاستعماريّة، والفساد الذي ساد فيه نتيجة لسياسيته العنصريّة ضد اليهود الشرقيّين والعرب وشلّ قدراتهم الشخصيّة والجمعيّة عن الإنتاج، وتكدُّس ضباط الجيش المتقاعدين حديثاً في إدارة العديد من المصانع الحكومية والهستدروتيّة. فهل سيعمل هؤلاء الّذين امتهنوا تقتيل عرب في كلّ مكان في العالم في إنتاج الملابس والأغذية؟! وبما أن الكيان كان ولا يزال ضمن التشكيلة الرأسماليّة نشأت داخله مجموعات طبقية تريد التعبير عن نفسها في هذا السياق.

الثانية- بعد أن أصبح المعسكر (الليكودي) جزءاً من نظام السلطة في الكيان سواءً لوحده أم بالتناوب مع (المعراخ) بدأ في بيع القطاع العام والخصخصة. فتبنّى (الفريدمانية، نسبة لعالم الاقتصاد ميلتون فريدمان) المنضبطة نوعاً ماً مقابل (الكينزية، نسبة إلى عالم الاقتصاد ألفريد كينزي) التي تبناها سلفه (المعراخ). خلال هذه الفترة حدثت أكبر كارثة اجتماعيّة سياسيّة في القرن العشرين ألا وهي انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكيّة التي كان تأثيرها على الكيان والدول الأوروبية كبيراً فسارعت إلى القضاء على القطاع العام والمكتسبات العمالية والانقضاض عليها كما حصل في بريطانيا (التاتشرية)، واليوم فرنسا (الماكرونيّة) التي أعلن رئيسها في شهر تموز 22 أن مجتمع الوفرة في فرنسا قد انتهى، (والكيان اليهودي كذلك). وقد ضعفت وانهارت هذه التشكيلة مع انتخاب اليهوديّ الأمريكيّ في كل شيء، (بنيامين نتنياهو) للمرة الثانية سنة 2009.

الثالثة- منذ أن وصل (نتنياهو) إلى الحكم إلى يومنا هذا سارع إلى إجراء تغييرات عميقة في هيكل الدولة عن طريق خصخصة الخدمات الحكوميّة في كلِ قطاع تقريباً؛ وتعزيز دور القطاع التعليميّ المدرسيّ والجامعيّ الخاص مقابل الحكوميّ العام؛ وتشكيل مجموعات من أعضاء الكنيست والسياسيّين من اليهود الشرقيّين متوسطي الكفاءة بعض أفرادها فاسدون لا تخلو أقسام الشرطة منهم كحاشية له، وتجلّت حالة الولاء المذكورة بقلادة “الدابّة” (ميري ريجيف) كما وصفها سنة 2015 (مناحم إيشل) أحد المقربين من (نتنياهو)؛ إحداث تغيرات عميقة في جهاز القضاء يتخلّى على الجذور (الأنجلوسكسونيّة) لصالح منهج السيادة الشعبيّة الذي يُعدّ أبرز منظريها الفيلسوف (كارل شميدث/ 1889- 1985) أحد منظري الرايخ الثالث (راجعوا مقالي: (كارل شميدث): (ما بين كفر برعم 1951 و(أدلشطاين) 2020). فأثناء توليّ الفاشيّة (أييليت شاكيد) منصب وزيرة القضاء عيّنت 300 قاضٍ وموظفٍ كبيرٍ في الوزارة لهذا الغرض. من السَّعي نحو هذا المنهج يريد المتهم الفاسد (نتنياهو) تفكيك قاعدة “المُتَّهم بريءٌ ما لم تُثبت إدانته” وتحويل المتَّهم إلى جماعته التي أقسموا يمين الولاء له لمحاكمته دون محكمة طبعاً وتحويل (إسرائيل) كياناً فاسداً شرعاً! وشكلّت هذه الفترة شهر العسل للرأسمال والفاسدين اليهود الذين واصلوا مراكمة السيطرة الاقتصاديّة والماليّة في مفاصل حياة اليهود والكيان على حساب جودة المنتجات التي ليس آخرها فضائح حلويات (شطراوس) والمفرزات (سنفروست التابعة لشركة تنوفا)، التي وُجدت فيها بقايا أفاع (يمكن أكلها لأنها غير سامة كما كتب محامو الشركة لوزارة الصحّة!) وفئران، واستعادة مئات المنتجات الغذائية كلّ سنة لعدم مطابقتها معايير الجودة، ومقتل عشرات العمال الذين غالبيّتهم من العرب كل سنة بسبب انعدام الأمان المهني، ودون أن يكون لهم رأيّ مغاير لما يحدثه المتهم (نتنياهو) الذي يحاول التملص من محاكمته بدعم مبدأ “السيادة الشعبية” فيها يتم تركيز السلطات بأيدي الإئتلاف الحكومي ورئيسه دون أن تتمكَّن السلطات الأخرى من مراقبته وضبطه كما في الأنظمة التي تعتمد مبدأ فصل السلطات. هذا معناه تكثيف إضعاف العرب وقمعهم من الذين يتوهمون أنَّ جهاز القضاء يحميهم من قمع السلطات وتنكيلها بهم. يُؤكّد هذا كثرة الجمعيّات الحقوقية وكميّة القضايا التي تخص العرب التي تُرقع إلى المحاكم، لكن دون نتائج مُرضية.

على خلفيّة التشكيلة الثالثة التي لا تزال تحكم إسرائيل بدأت الهوية “الإسرائيلية” التي أرادها (بن جوريون) جامعة فيها عديد من المركبات المدنيّة تضعف وتتفكك إلى هويات فرعية إثنية ومجموعاتيّة، جندرية وجنسيّة والتي وصلت 17 هويّة. فكان أبرزها نشوء حركات دينية سياسيّة خاصة باليهود الشرقيين مثل حركة (تامي/ أبو حصيرة، 1977- 1988) التي تفككت واندمجت في (حركة شاس) التي أصبحت لاعباً مركزيّا في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة لأبناء الطوائف الشرقيّة واليمين اليهوديّ المتطرِّف في الكيان. إضافة إلى ما تقدم يمكن الحديث عن عوامل أخرى متناقضة، بعضها في تقويّة وتعزيز الهُويّة اليهوديّة، مثل الشرعيّة الدينيّة اليهوديّة التي تستند عليها (إسرائيل) الذي تتبناها وترعاها أجهزة التربيّة والتعليم والإعلام على مدار الساعة؛ هزيمتها في لبنان سنتي 2000 و- 2006، وعدم مقدرتها على مواجهة التحدّيات منذ تأسيس حزب الله (ومحور المقاومة فيما بعد، دون حماس طبعاً)؛ والانتصار- التطبيع مع كيانات الخليج والمغرب وبعض الدول الإسلاميّة، الذي يعتبره اليهود (في لاوعيهم على الأقل) تحديّاً لهويّتهم التي اعتادت العيش بمعزل عن الأقوام والشعوب التي عاشوا بين ظهرانيتها، كـ(الجيتو) في أوروبا.

يمكن القول إن تفكيك هوياّت الكتل الموحدة والكبيرة إلى هامشيّة ومفخخات كان من هندسة وتنفيذ المنتصر في الحرب الباردة، الولايات المتحدة ودرعها الرأسمالي في كل مكان العالم. لكن ما حدث في إسرائيل يبقى الحالة الفردية الوحيدة في العام التي فيها تمت تقوية وتعزيز الهويّة اليهوديّة- والتشديد على اليهوديّة- كما سنرى فيما بعد- بينما تم تفكيك وفكفكة الهوّيات القوميّة والدينيّة (مثل العالم العربي وروسيا- أوكرانيا والقائمة تطول وتطول).

//”انتخابات طبقيّة” مقابل “انتخابات هويّاتية”

يتّفق كل من (داني جوطوين) و(وجييل طالشير) على أن التغيّرات التي أحدثها (نتنياهو) منذ سنة 2006 هي التي تحكم السلوك الإنتخابي لليهود اليوم. يقول (جوطوين)، وهو مؤرخ اقتصادي اجتماعي، إن سياسة الإفقار أدت إلى إنتاج التصويت الطبقي عند المتديّنين وأبناء الطوائف الشرقيّة. ثم يشرح ذلك بالقول: “في ظل نظام الخصخصة الإسرائيليّ، أعطى اليمين لمصطلح “يهوديّ” مضمونًا اقتصاديًا توزيعيًا. أي أن “اليهوديّة” استخدمت كمعيار للفوائد الاقتصاديّة. هذا هو التفسير الذي يجعل الطبقات الدنيا التي تصوت لليمين أكثر “يهوديّة”، في حين أن الطبقات القائمة التي تصوت لليسار هي “ليبرالية” أكثر”. يقصد بهذا المؤسسات التعليمية والخدمية التي أنشأتها وتنشئها الحركات الدينية اليهوديّة تتلقى دعماً حكوميّا كبيراً عند كل تشكيل حكومة وإقرار الميزانيّة العامة (/danigutwein.wordpress.com/2017/11/30). فيما بعد يواصل (جوطوين) تطوير وجهة نظره بالقول: ” استخدمت القطاعات سقالات لتأسيس نظام الخصخصة في إسرائيل، وعندما ترسخت، تركتها زائدة عن الحاجة، واصطدمت الزيادة المستمرة في ميزانياتها مع المنطق النيوليبرالي. تبلور هذا الصدام في شكل معارضة للقطاعات بين بعض الفئات اليمينيّة المؤيدة والراسخة، التي سعت لتطهير الليبراليّة الجديدة من عقلية القطاعات، أي من حكومة نتنياهو. فقدم لهم ليبرمان وساعر وبينيت خطابًا سياسيًا، وأدى مع الطبقات الراسخة من يسار الوسط إلى ثورة 2021 وتأسيس حكومة التغيير” (هآرتس 23. 4. 22). سنعود إلى مناقشة هذا المنطق لاحقاً.

أما (جييل طالشير) من قسم علوم الدولة في الجامعة العبريّة بالقدس، فتعتقد أنّ التصويت هوّياتي صرف والخلاف هو على الهويّة اليهوديّة التي يمثلها السواد الأعظم من معسكر (نتنياهو والليكود) مقابل الهوية الإسرائيلية التي يمثلها معسكر حكومة (بينيت- لبيد- جانتس) الحاليّة. فتقول: “بعد هذا السقوط [عندما حصل حزب الليكود في انتخابات 2006 على 12 عضواً في الكنيست]، أقرّ نتنياهو مبدأ “شركائنا الطبيعيّين “مع الأحزاب الدينيّة، وأدرك أنه بغض النظر عن وجهة نظره الاقتصاديّة، فهو يقف إلى جانب الأرثوذكسيّة المتشددة والمتدينين. لذلك، منذ ذلك الحين، بالغ في وجهة نظره حول محور الهويّة القوميّة اليهوديّة. هذا يعني قيام دولة يهوديّة على حساب الديمقراطيّة، التي يتمثل تعبيرها الرئيسيّ في قانون القوميّة [سنة 2018] الذي كتبه خبراءُ في معهد الاستراتيجيّة الصهيونيّة، حيث يتحكم به المستوطنون، والتي تركز على التأكيد على الشعب اليهوديّ على حساب القوميّة الاسرائيليّة” (عند ندان فِلدمان themarker.com/magazine/2019-02-23). ثم عادت وأكّدت على وجهة نظرها هذه في مقال مستقل أضافت عليه نقدها لقانون القوميّة دون أن تطالب بإلغائه. كما نصحت وجهاء هذا المعسكر التوجه إلى الناخبين العرب قائلة: “قبل كل شيء، هو إسرائيلي وليس صهيونيّاً (فقط)- ومنفتح على شراكة مدنيةّ وسياسيّة مع عرب إسرائيل. ثانياً، هو ديمقراطيّ ليبراليّ، بمعنى أنه يضع الفرد وحقوقه وتحقيق الذات كأساس للنظام والدستور” (هآرتس 28. 7. 22).

حسناً، دعونا نفهم سويّة كلاً من (جوطوين) و(طالشير): ينطلق الإثنان من قاعدة نفي كون دولة (إسرائيل) كياناً استعماريّا، ويعتبران وضع ومكانة كل من أبناء الطوائف الشرقية وعرب 48 (لم يتطرقا إلى جيتو غزّة ومعازل الضفة الغربيّة) نتيجة تمييز يمكن تداركه بواسطة سنّ قوانين وتبني قِيَم محورها (إسرئيل) التي هي دولة يهوديّة وديموقراطيّة، وعدم رؤية التناقض بين عقيدة الجوي [goy] في اليهوديّة وحقوق الفرد الليبرالية. فمكانة الجوييم كانت العقيدة والقاعدة الذي انبثق منها قانون القوميّة. هنا يغفل الباحثان مسؤولية العقيدة اليهوديّة وفقهها المعاصر الصهيونيّة وإسرائيّل في التسبب بنكبة عرب فلسطين. كما أنّهما يغفلان أنّ تدني مكانة أبناء الطوائف الشرقية هو نتاج تمييز استراتيجيّة طبقة أبناء الطوائف الأشكنازيّة الغربيّة. كما أنهما يعتبرانّ الديانة اليهوديّة أنها ‘القومية الإسرائيليّة’ متناسين تطوّر وفلسفة الحركات القومية في العالم التي نشأت بالضرورة تحديّا للأديان المختلفة وتجاوزاً لها وليس منبثقة عنها. أي أنها يعتبران اليهوديّة مركّباً ماهويّا ليس من الواجب فتح ملفاته وتأثيرة على حياة اليهود ونكبة عرب فلسطين. بكلمات أخرى يعملان على تحييد اليهوديّة وتبرئتها عما يحدث ويضعون اللّوم على اليهود الإسرائيليين، رغم أنهما يقبلان بدولة إسرائيل هي دولة يهودية وديموقراطية جامعيّن الضديّن في وحدة مثل النار والهشيم، نار اليهود وهشيم العرب. كذلك يتناسيان أنّ الذي سنّ قانون القوميّة لسنة 2018، برلمانهم التشريعي الذي يعمل بروح السنهدرين اليهودي. والأنكى من ذلك يقترحان أفكارا وخطوات من أجل عودة “المركز- اليسار” إلى السلطة دون أن يفكرا ولو بإمكانية إلغاء هذا القانون، الذي اعتبر ليس عرب فلسطين فحسب، بل كل العرب الذي يتوارثون الأرض الممتدة من سواحل المتوسط الشرقيّة إلى تخوم الأنبار العراقيّة هم جوييم، سكان دون حقوق مواطنة. فمعسكر (بينيت- لبيد- جانتس) يعجّ بالعنصريين وبعضهم أكثر شراسة في عدائهم وعدوانيتهم للعرب من الفاشيّة (شاكيد)، “الدابّة” (ريجيف) وأبو النكبة الثانية (كاتس- كهانا). فـ(ساعر) و(ماعر) وأبو دربكة ذهنيتهم وقيمهم تتراوح ما بين (كهانا الأول) و(كهانا الثاني، بن جفير). وعليه يمكن تعديل ما جاء به (جوطوين) و(طالشير) والقول إن الخلافات الإنتخابيّة في الكيان لسنة 2022 هي بين معسكريّن: يهوديّ- يمينيّ- متطرف مقابل معسكر يهوديّ- يميني- ليبرالي يحمل ويدافع عن موبقات الأقوى والأغنى الذين هم اليهود، ولا يهمنا إن كانوا من الشكناز أم السْفاراديم- كما اعتاد كبار السنّ منّا لفظهم!

 نعود إلى خبير الاستطلاعات في صحيفة (معريف)، (مناحم لازر)، الذي أتيت على ذكره في مقدمة المقال؛ ففي الثاني والعشرين من شهر تموز 22 قدم (لازر) أطروحة الدكتوراه عن اليهوديّة الصهيونيّة. وفقاً لما قاله مشرفه، (آشير كوهن)، في (ريشت بيت/ الشبكة الثانية) بذلك اليوم، استنتج (لازر) أن الصهيونية الدينية تعمل حاليّا على توزيع وتغلغل أتباعها وأفكارها في المؤسسات المختلفة في الدولة. وعندما تتم مناقشتها والمصادقة عليها ستكون لنا وقفة جادة معها، خاصة وأنها تشير إلى تكثيف الاستيطان والاعتداء على ممتلكات العرب في الضفة، وإقامة وحدات موازية للجيش والشرطة لقمع الفلسطينيّين في كل مكان في فلسطين هو أمر مدروس.

يتبلور (بن جفير) سواءً كان عضو كنيست، أم وزيراً أم دون منصب رسمي كزعيم وقائد للصهيونيّة الدينيّة في الكيان. فالشاب الذي بدا معتوهاً، يعاني من فرط الحركة ويمتهن الاعتداء على العرب وممتلكاتهم في كلّ مكان في فلسطين، تتنبأ له الاستطلاعات بين 10- 12 عضواً في السنهدرين كما يريد للكنيست أن تتحول. فهو ليس حالة فرديّة، بل نتاج تضافر جهود وعوامل عدّة من السياسيّة الرسميّة التي عداؤها للعربيّ ماهويّ، وسائل الإعلام، ليس من أجل “الريتينج” كما يُشاع بل لأن هذا الإعلام هو “نار القبيلة” اليهوديّة- كما يوصف- هدفه جمع القيبلة على رأي واحد. وجهاز القضاء الذي مَثُل أمامه (بن جفير) بحدود 30 مرّة! هو الذي قام بتبييض وشرعنة جرائمه ضد العرب. فجهاز القضاء في (إسرائيل) يعمل في السياق الاستعماريّ الذي معناه أولويّة الدولة والأغلبية اليهوديّة على حساب العرب حتى ولو كانوا من جماعة فطين الملّا وحسين الهيب الأول والثاني وابتسام مراعنة- منوخين.

قام الباحث (تومر فريسكو)، الناشط في جمعية “قولوت/ أصوات” والباحث في معهد “هارطمان” بعقد مقارنة بين سياستي (الرابي مئير كهانا) و(بن جفير) فخرج بالنتيجة التالية قائلاً: “لا تتظاهروا أنكم تفاجأتم. في النهاية كما في البداية، كان بن جفير كاهنيّا [من مريدي الرابي النازي مئير كهانا]. لذلك، فإن رؤيته للعالم لا تشمل فقط العنصريّة الخبيثة، بل تشمل أيضًا كراهيّة اليسار، ورفض شرعيّة الإطار الديمقراطيّ، ويطمح إلى جعل إسرائيل دولة شريعة، نعم، ورغبة عميقة في الانتقام من الجوييم. كما جرت العادة أن نقول، هذا هو الحمض النووي للكهانيّة”. حسنا فعل عندما عنون مقاله (هل بن جفير هو الكهانية للعائلة كلها؟ (تومِر فريسكو، هآرتس 25. 8. 22). يقصد القبيلة، العائلة، إسرائيل اليهوديّة برمتّها، الاحتلال والاستعمار، قوانين مصادرة الأرض وتشتيت الأسر الفلسطينيّة… وقانون القوميّة.

وعليه نعود لنعبر عن اطمئنانا الفكري للنتيجة التي توصلنا إليها القائلة إن الخلافات الإنتخابيّة بين يهود الكيان هي على سلال الدم وانهب والمسوقات: الدولة والحياة اليهوديّة- اليمينيّة- المتطرفة مقابل الدولة والحياة اليهوديّة- اليمينيّة- الليبراليّة التي تريد أن تحتفظ بجوهرانيّة يهوديّتها مقابل قبول مجاميع العرب بمكانة الجوييم- السُّكان والاستمرار بعمل مُهرِّجي السيرك في الحياة السياسيّة في الكيان.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى