أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (120)

الانتفاضة الشاملة استحقاق موضوعي

طلال عوكل

خطير الوضع في الضفة الغربية والقدس، خصوصاً ما يتعلق بدوام سياسات دولة الاحتلال، التي لا تبقي زاوية إلّا وتمارس تجاهها كل أشكال القمع والمصادرة والتهويد.

العدوان الإسرائيلي على الوجود والحقوق والكرامة الفلسطينية في الضفة أصبح سمة للحياة اليومية، وينطوي على درجة مرتفعة من التصعيد، ما لا يدع مجالاً للسؤال عن تصعيد إلّا إذا بادرت إسرائيل لشن «سور واقي» آخر، يستهدف إعادة احتلال ما قامت باحتلاله مرات عديدة.

الإسرائيليون أخذوا يحذرون من احتمال اندلاع انتفاضة شاملة في الضفة الغربية، والصحيح أن عليهم أن يحذروا من أن تمتد هذه الانتفاضة في حال اندلاعها إلى أراضي 1948.

السبب الذي يدعو لمثل هذا الاعتقاد هو أن إسرائيل تمارس ضد الفلسطينيين في كل مكان، سياسة عنصرية حقيرة لا تميز بين فلسطيني وآخر، ولا بين جغرافيا وأخرى.

قد تأخذ العنصرية الإسرائيلية في الأرض المحتلة العام 1967 أشكالاً وأساليب أكثر بشاعة، وأشد قمعاً بدواعي وجود مقاومة متزايدة للاحتلال، ولأن المخطط الصهيوني إزاء الضفة والقدس أكثر ضراوة، لكن ذلك لا يمكن أن يقلل من خطورة التمييز العنصري الذي تمارسه سلطات الاحتلال كسياسة رسمية مستندة إلى قانون القومية في أراضي 1948.

الحرب الإسرائيلية على الوجود والحقوق الفلسطينية شاملة وتوظف إسرائيل فيها كل أجهزتها الأمنية والشرطية والعسكرية، بالإضافة إلى المستوطنين وميليشياتهم المدجّجة بالأسلحة والحقد، والتحريض والكراهية.

بين الحين والآخر، يتم الإعلان عن عدد الأسرى من قبل جهات فلسطينية، وغالباً لا يتجاوز الرقم الخمسمائة أسير. ولكن ثمة سؤالا وجيها حول هذا الرقم، أكثر أو أقل قليلاً، ذلك أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشن يومياً اعتقالات تطال عشرات الفلسطينيين، بالقدر الذي تبدو معه الأرقام التي يتم الإعلان عنها متواضعة أمام الأرقام الحقيقية.

عمليات الاغتيال المتواصلة من قبل الجيش الإسرائيلي تقترب من التسعين شهيداً في الضفة والقدس فقط، أي ما يقرب من ضعف الشهداء الذين سقطوا خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، والذين يصل عددهم إلى خمسين شهيداً.

عن البيوت التي يجري هدمها، والأراضي التي تتم مصادرتها فإن الجواب مفتوح على مصراعيه، بما لا يترك مجالاً حتى للحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا.

إسرائيل عملياً تقوم بتجريف كل الحقوق الفلسطينية بالجملة والمفرق، وتمارس أقسى أنواع وأشكال الإرهاب والتمييز، والعالم ينظر ويسجل ويعرف ما يجري بالضبط، لكنه يواصل سياسة الكيل بمكيالين، وإغماض العيون عن كل ما يجري.

الاتحاد الأوروبي دوّخ السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني، وأوقف الدعم المادي، بذريعة تتعلق بالمنهاج الفلسطيني، لكنه لا يرى المناهج الإسرائيلية، ولا يرى الممارسات الملموسة، التي تفوق ما يتصور العقل أنه يصدر عن عالم متحضّر أو حتى غير متحضّر.

ثمة مشكلة هنا، وتتصل بالتناول الإعلامي ومن ثم السياسي حتى بالنسبة للفلسطينيين، كفصائل ونشطاء وعاملين في المجال.

كل ما يجري في الضفة والقدس من جرائم وإرهاب وقمع بحق الفلسطينيين أصبح أخباراً عادية، لا تلفت انتباه وسائل الإعلام، إلّا حين تدخل الصواريخ على الخط.

ما عدا ذلك يمرّ مرور الكرام على وسائل الإعلام المحلية وغير المحلية، التي تتعامل مع الأحداث كل الوقت، وكل الأحداث باعتبارها أخباراً عاجلة.

ثمة ترويض واحتواء للوعي الفلسطيني، وكأنّ ما يجري لا يخرج عن طبيعة الحياة وسياقاتها العادية، التي لا تستدعي ردود أفعالٍ غير عادية، يكفي معها الإعلان عن الشجب والاستنكار ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك، أو الإعلان عن الترحيب بهذه العملية البطولية أو تلك، ونعي الشهداء.

حتّى الكتّاب، أخذ بعضهم يميل إلى الخطاب الوصفي، محمولاً على لغة أدبية، تعبّر عن مشاعر وعواطف، من دون مضامين سياسية يستدعيها واقع وآفاق الصراع.

على إسرائيل أن تقلق حين يظهر أمامها جيل من الشباب المدفوعين بالوطنية، ودون انتظار قرارات الفصائل، للقيام بحمل السلاح أو الحجر، أو زجاجات «المولوتوف»، وهم يعرفون ما الذي ينتظرهم.

انتشار ظاهرة السلاح، والتهريب، وظهور المقاومين المسلحين علناً في بعض المدن والمخيمات، وخلال الجنازات، لا شك يؤشر على تطور جديد في أشكال وأساليب مقاومة الاحتلال، بما يضع السلطة والفصائل أمام حرجٍ لأنه يشكل معياراً للوطنية ولجدية الدعوة للمقاومة.

إسرائيل هي التي تتحمّل المسؤولية عن انتشار ظاهرة السلاح والمسلحين، وتصاعد حالات استخدام السلاح الناري ضد الجيش والمستوطنين وفي الدفاع عن أحيائهم وبيوتهم، جرياً وراء القانون المعروف لكلِّ فعلٍ ردّ فعل، ذلك أن الأفعال الإسرائيلية، ستؤدي حتماً إلى نهوض وطني فلسطيني عارم، أو انتفاضة شاملة، تنطوي على إبداعات تجعلها مختلفة عن الانتفاضات السابقة، ويبقى السؤال في ذمّة القيادات السياسية إذا ما كانت ستغير من سياساتها وأولوياتها، بما يستجيب لمتطلبات هذه المواجهة المتصاعدة.

من أجل نجاح القمة العربية

عاطف ابو سيف

تبدو القمة العربية القادمة في الجزائر مهمة ومفصلية في العلاقات العربية العربية، وعليه فإن الحرص الجزائري على عقدها بصورة ناجحة يعكس فهم طبيعة المرحلة العربية والصعوبات والتحديات التي تواجهها المنطقة العربية؛ في ظل التهديدات الخارجية والصراعات الداخلية التي مزقت الكثير من دولها.

ثمة حالة ترهل لا يمكن تجاهلها في الحالة العربية العامة، وهناك عدم ثقة واضح بمؤسسات العمل العربي سواء لدى الدول والجهات الرسمية أو لدى المواطن العربي من المحيط إلى الخليج. هذا الأمر يتطلب فعلاً عربياً حقيقياً ومساعي جادة لعقد قمة قادرة على الأقل أن تضع سؤال الثقة على المحك من أجل إعادة ترميم الحالة العربية.

هناك الكثير من المتطلبات الواجبة من أجل نجاح هذه القمة، وهي متطلبات بحاجة لعمل جاد من أجل تجاوز بعض المشاكل الكبرى التي تعترض العمل العربي المشترك. المؤكد أن أول تحدٍ يواجه تلك القمة هو أن تكون قمة كل العرب، وأن تكون قمة كل العرب هو أن تحضرها جميع الدول العربية، ولا يتم استثناء أحد من الجلوس حول طاولة العمل العربي. لقد عكس ما يطلق عليه البعض الربيع العربي نفسه على الحالة العربية. والمؤكد أن لهذه المرحلة ما لها وعليها ما عليها، والمؤكد أيضاً أن السواد في اللوحة أكثر من الألوان المضيئة فيها، ومن المؤكد كذلك أن المؤسسات العربية المشتركة كانت ضحية تلك اللحظة.

لسنوات منذ بدأت الأزمات تعصف بالدول العربية التي هب عليها حريق هذا الربيع، عانت مؤسسات الجامعة العربية من الكثير من الأزمات، وصارت مسرحاً للصراع بين أقطاب مختلفة تريد أن تفسر الحالة العربية وفق مفاهيم خاصة. لم تتمزق تلك الدول فقط، بل تمزق الكثير من مؤسسات العمل العربي المشترك ولم تعد ذات جدوى، بل إن المواطن العربي بات يشعر أن هذه المؤسسات تعمل على تمزيق الحالة العربية، وتفتت الجهد العربي. ومن أجل أن تعود تلك المؤسسات مؤسسات عربية حقيقية عليها أن تكون حقاً مؤسسات الكل العربي، بحيث لا يحرم طرف من الحضور لأن هناك من يفهم الوضع الداخلي لهذه الدولة أو تلك بطريقته الخاصة.

وإذا كان المطلوب أن يحضر الجميع، فإن هذا يجب أن ينطبق على كل البلدان العربية، لأن الربيع العربي أغلق الباب أمام مشاركات البعض بحجج وجود صراع على الشرعية. وربما لو أن مثل هذا السؤال مفتوح للجميع لوجدت أن كل دولة عربية تعاني من نفس الأزمة، والسبب الرئيس حقيقة أن الكثير من بلداننا العربية ليست دول مواطنة. وهذا نقاش مختلف لا أؤيد أن أخوض فيه الآن. ما يعنينا منه أنه يصعب القول: إن تلك الدولة تعاني أزمة شرعية وأزمة اضطرابات وصراعات مسلحة فيما بقية الدول لا تعاني. هناك معاناة بمستويات مختلفة بحاجة لمعالجة أعمق.

إن النظر إلى الحالة العربية من منظور خارجي عدساته مصالح غير عربية سيجلب المزيد من الترهل والسقوط لمنظومة العمل العربي الموحد. المطلوب أن نعمل كعرب مشتركين من أجل رفعة حال المؤسسة العربية الموحدة. لا نملك الكثير من الخيارات، ولكن حتى ضمن المتاح منها يمكن لنا أن نطور من واقعنا ونتجنب المزيد من الخسائر.

إذا أرادت الجامعة العربية أن تظل «جامعة» وأن تظل «عربية» عليها أن تسعى لترميم الوضع العربي، وعليها أن تبدأ من مؤسساتها الخاصة، كي تصبح تلك المؤسسات وحدوية ولا تصبح أداة أخرى لتمزيق الحالة العربية. حسناً تفعل الجزائر حين تصر على حضور الجميع العربي، خاصة تلك الدول التي كانت ضحية الربيع العربي وأعملت فيها سكاكين الآخرين تمزيقاً. إن هذا الإصرار يعكس فهماً عميقاً للحالة العربية الراهنة، وما تعكسه من تحديات وصعوبات أمام نهضة العرب وشروط نجاح القمة القادمة. دون هذا الحضور للجميع فإن القمة ستظل ناقصة. وربما مثل هذا الحضور لا بد أن يكون بداية مصالحات عربية عربية من أجل توحيد الجهود العربية.

مرة أخرى لا أحد يصيبه الوهم ويقول: إن الجامعة العربية منذ نشأتها هي نموذج الوحدة العربية المنشودة، لكنها مع ذلك هي المتاح من أجل العمل لتحقيق حدود دنيا من العمل العربي المشترك، ومؤسساتها هي مؤسسات يمكن من خلال توظيفها السليم خلق مستويات مختلفة من هذا العمل.

إن لم يتم تطوير الجامعة في هذه الأوقات الصعبة التي تمر بها الأمة العربية، فإننا سنفقد آخر فرصة ممكنة من بقاء شيء مؤسساتي مشترك بين الدول العربية التي خلقتها «سايكس بيكو». مرة أخرى الجامعة ليست حلماً عربياً حقيقياً؛ لأنها وطوال عقود لم تنجح في أن تكون منصة للوحدة العربية، بل إنها لم تنجح في منع الشقاق العربي العربي وفي حالات كانت منصة له، وفيما تقدم الكثير من المشاريع التكاملية في العديد من الجهات الإقليمية، إلا أن الجامعة العربية ظلت مؤسسات بلا فعل حقيقي. تجربة أوروبا حاضرة أمامنا؛ حيث تحول المشروع التكاملي الأوروبي من شركة لتنظيم تصدير الفحم والصلب بين ستة بلدان أوروبية إلى مشروع تكاملي بين 27 دولة.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على الجامعة العربية وتطويرها مهمة عربية أساسية من أجل تجنب المزيد من الخسارات في الحالة العربية. وهذا لن يتم إلا إذا عملنا حقاً من أجل أن تكون الجامعة جامعة بمعني الكلمة، وجامعة لكل العرب دون استثناء. من هنا، فإن القمة القادمة في الجزائر مصيرية ويجب أن ينظر لها على أنها قمة التحدي العربي من أجل القفز عن حالة الركود في الحالة العربية، والبحث مرة أخرى عن القواسم المشتركة ولو كانت ضعيفة؛ لأنه وقتها يمكن العمل على تطويرها ورفع سقفها.

حول مقاييس نجاح مؤتمر فتح من فشله

عبد المجيد سويلم

تبيّنَ لي من خلال الردود التي تلقّيتها على المقال السابق حول مؤتمر حركة فتح، على مختلف وسائل الاتصال أن مسألة عقد المؤتمر من عدمه ليست محسومة ــ كما تبدو الأمور في الظاهر ــ وأن الخلافات والاختلافات حول مبدأ انعقاده ما زالت قائمة بشدّة، وأن هذه المسألة بالذات هي العنوان الأوّل والأهمّ في إطار هذا التنافر حولها.

كما تبيّنَ، أيضاً، أنّ «الصراع» حول مبدأ عقد المؤتمر من عدمه ليس سوى التكثيف الذي يُعبّر عن جوهر «الأزمة» التي تعيشها الحركة في هذه الظروف المصيرية، وذلك بالنظر إلى أن الخلاف والاختلاف على عقد المؤتمر هو اختلاف وخلاف على دور الحركة ومكانتها، وعلى مستقبل ومصير الحركة، وهو ــ بالتالي ــ صراع «وجودي»، إذا جاز التعبير، وذلك لأن الدور والمكانة في الظروف المفصلية التي تمرّ بها الحركة، ويمرّ بها الواقع الوطني ستتحدد إلى درجة بعيدة بالنتائج التي سيفرزها المؤتمر.

أقصد أن الذين يعارضون عقد المؤتمر الآن، وقبل أن يتم «التأكّد» من «منع» أصحاب أجندة الجناح «الإقصائي» من السيطرة، وإحكام القبضة على مقاليد «السلطة» في الحركة يخشون أن ينتهي المؤتمر إلى «تحويل» حركة فتح إلى حزب «جديد» للسلطة، والتي باتت برأيهم ــ رأي المعارضين ــ تتطلب مثل هذا التحويل، وبات «ضبط» الحركة لشروط هذا التحول هو الهدف الأوّل لعقد المؤتمر، وهو ما يهدد ليس فقط دور ومكانة الحركة، وإنما وجودها فعلاً.

في هذا الإطار يرى هؤلاء أن الإرث الوطني العميق والعريق للحركة لن يشفع لها، ولن يمكّنها من الصمود في ظل «العمل» الإسرائيلي النشط والمحموم ضد الكادر الكفاحي في هذه الحركة، وفي ظل «التحضيرات» الإقليمية والدولية لتغيير «حصان المراهنة» من «فتح» إلى حركة حماس، وفي ظل افتقاد الحالة الوطنية لعوامل النهوض والاستنهاض الوطني بعد أن تكون حركة فتح قد أُدخلت إلى نفق الحزب «الجديد» للسلطة.

بل ويذهب كل هؤلاء إلى أن مصير الحركة في هذه الحالة لن يكون أفضل من حال حزب «العمل» الإسرائيلي ــ على سبيل المثال ــ الذي قام ولعب الدور الأكبر في إنشاء وتأسيس دولة إسرائيل، وانتهى إلى حزب سياسي هامشي يصارع البقاء ــ مجرد البقاء ــ على الخارطة السياسية والحزبية في الدولة التي أسّسها. ويضرب هؤلاء عشرات الأمثلة من الواقع العربي في الجزائر وسورية والعراق واليمن.

وبرأيي أن الأمور في الحالة الفلسطينية يمكن أن تصل إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك، لأن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني لم يتمكن من إقامة الدولة بعد، وأن تجيير هذا المشروع للدفاع عن سلطة ــ لا سلطة لها ــ وعن سلطة يجري على قدمٍ وساق «اعتماد» بدائل عنها ــ على ما تبدو عليه الأمور ــ والاستمرار في إضعافها والنهش من لحمها الحيّ على كل المستويات، وبمختلف الوسائل الاقتصادية والسياسية، إضافةً إلى «استحضار» البديل «الاجتماعي» لها.. إن كل ذلك يجعل من زجّ حركة «فتح» لتلعب مثل هذا الدور هو بمثابة انتحار سياسي معلن ومؤكّد.

نلاحظ هنا أن معارضي عقد المؤتمر يلتقون مع أصحاب الرأي القائل إن المؤتمر سيتحول إلى مؤتمر «إقصائي» رغم أنهم لا «يُقاتلون» من أجل «منع» انعقاده، وهم لا يعبّرون عن رفضهم لهذا الانعقاد، وربما ما زالوا يراهنون على عدم قدرة الهيئات القيادية في الحركة على إما على ترتيبات الانعقاد، أو «فرض» إرادتها على المؤتمر.

أما القواعد الفتحاوية التي تؤيد عقد المؤتمر، وترى نفسها في تناغم وانسجام مع الهيئات والمؤسسات الرسمية العليا للحركة فإنها لا ترى في كل الأطروحات السابقة سوى حالة «احتجاجية» معهودة في تاريخ الحركة، وهي ليست مؤثرة إلى الدرجة التي تتحدث بها هذه الحالة الاحتجاجية عن نفسها، وهي في الغالب ليست من الجهات والأوساط الفاعلة في الحركة، وهي على تماسٍ مع نفسها وليس مع قواعد الحركة الممتدة في كل تجمعات الشعب الفلسطيني، وهي في نهاية الأمر ليست أكبر أو أكثر من حالة «تذمّرية» وصلت إلى الإحباط واليأس وفقد الأمل.

وترى هذه القواعد أن الحالة الكفاحية المتصاعدة للحركة في الضفة، وخصوصاً في نابلس وجنين والقدس هي حالة كفاحية وطنية تنتمي للحركة وليست جزءاً متمرداً عن الحركة، وأن هذه الظاهرة هي الوجه الآخر لحركة «فتح» الحقيقية التي تتحمّل «أوزار السلطة» وأعباء الكفاح الوطني، وهي وجه ثالث للحركة التي تقاوم وتتصدّر المقاومة الشعبية، وتقوم بكل الأنشطة الممكنة في الخارج والشتات، وهي التي تتحمل مسؤوليات كبيرة في مؤسسات السلطة والمنظمة، وهي التي تتابع العمل السياسي والدبلوماسي ضد إسرائيل في كل مؤسسات القانون الدولي، وفي كل مكان من مجالات عمل الجاليات الفلسطينية والنشاط مع الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية على المستويات العربية والإقليمية والدولية.

وفي إطارٍ أكثر تحديداً فإن هذه القواعد الفتحاوية الممتدة ترى أن «قواعد» اللعبة السياسية في الظرف الفلسطيني لا تشكل شروطاً على تحول الحركة إلى حالة كفاحية عارمة، وهي ليست قيوداً تكبّل الحركة أو تحدّ أو تمنع التصدي للمشروع الإسرائيلي لا بصورة يومية وعملية، ولا بصورة خاصة إذا لزم الأمر، ولهذا فإن المؤتمر هو محطة ستنقل الحركة من واقع «حزب» السلطة الذي ما زال في طور الخمول النسبي إلى واقع «التململ» على طريق الصدام الأشمل مع الاحتلال، وحينها لن تكون المسألة هي مسألة حزب السلطة، وإنما كيفية إحداث تغيرات نوعية على دور السلطة وصيرورة تحولها إلى مؤسسة وطنية للإدارة الاجتماعية في إطار هذا الصدام وليس من خارجها..!

وترفض هذه القواعد الممتدة «التصنيفات» القائمة في المحيط الوطني كله، وترى أن سياسة وفكر وممارسة «التعليب» السياسي ليست صحيحة، ولا تليق بالحالة الوطنية كلها، وهي لا تنطبق على حركة مثل «فتح»، وأن الحركة ستعيد بناء نفسها ووحدتها من خلال تحمّل المسؤولية، وليس من خارجها، وأن «فتح» إن كانت تراهن فهي تراهن على نفسها أولاً وقبل أي مراهنة أخرى.

أرجوكم أن تلاحظوا معي أن الآراء الكثيرة المتباينة، والمتعارضة، وقد يصحّ القول، المتضاربة، أيضاً، تعتبر نفسها من صُلب «فتح»، ومن صميم إرثها وتاريخها، وهي شديدة الانتماء لهذه الحركة، وهي شديدة الحرص على دورها ومكانتها ومصيرها، وهي إذا كانت تختلف مع بعضها البعض فهي تفعل ذلك انطلاقاً من هذا الانتماء، ومن أجل المكانة والدور.

الحقيقة أن هذا إن دلّ على شيء جوهري فهو يدلّ على التمسك بالحركة، والإيمان بدورها والعمل على إحداث تغيير «ما» في هذا الدور.. والاستخلاص هنا هو أنّ مقاييس نجاح المؤتمر باتت تتمحور في القضايا الآتية:

أوّلاً، نقطة البداية والانطلاق في الحكم على المؤتمر هي فيما إذا كان انعقاده سيقلّص أو سيزيد من دائرة «الاحتجاج والتمرد والتذمّر» في الحركة.

فإذا انعقد المؤتمر دون ازدياد هذه الظواهر والمظاهر، أو أدّى انعقاده إلى تقليصها فإن هذا سيعتبر انتصاراً للحركة ونجاحاً كبيراً لها في ظل كل التشابكات والصعوبات التي تمرّ بها الحركة.

أما إذا تم انعقاد المؤتمر، بأيّ ثمن، وكانت النتيجة أن تتقوقع الحركة على نفسها، وأن تعيد دورها كله لبقاء الحالة الوطنية وإبقائها في دائرة المراوحة السياسية، ودائرة «التعايش» الاقتصادي، وتكريس السلطة كبديل حقيقي عن المنظمة من الزاوية العملية والواقعية فإن انعقاد المؤتمر بحدّ ذاته سيعتبر محطة خطرة على الحركة، والنتائج التي ستتمخض عن هذا المؤتمر ستكون مدمّرة على وحدة الحركة، وعلى دورها.

ثانياً، إذا لم يؤدّ انعقاد المؤتمر والنتائج التي سيخرج بها إلى إحداث تغيير نوعي جديد في دور السلطة، ولم يتم تحويل دورها إلى مجرد أداة سياسية، وذراعٍ مؤسساتية للإدارة الاجتماعية، وإحداث نقلات نوعية في صلاحياتها فإن الحركة في هذه الحالة تكون موضوعياً قد رضيت لنفسها وارتضت بأن تكون الحزب «الجديد» للسلطة التي تتعايش مع «الحل الاقتصادي»، وتراوح في نفس دائرة الرهان على حلولٍ سياسية مقلّصة إلى ما هو دون «الحكم الذاتي»، وإلى ما هو خارج الإطار الناظم للمشروع الوطني.

ثالثاً، إذا استطاع المؤتمر في حالة انعقاده أن يؤسس لإعادة بناء النظام السياسي على أُسس ديمقراطية، واستطاع بالتالي تكريس نظام ديمقراطي وتعددي، وحوّل هذا النظام إلى منظومات متكاملة لاستعادة الوحدة السياسية والاجتماعية، وأرسى نظاماً ملزماً من الناحية الوطنية للعلاقات الوطنية والشراكة الوطنية فإن الحركة من خلال مؤتمرها الثامن يمكن أن تجدد دورها القيادي، وأن تستعيد دورها ومكانتها التي تستحقها.

رابعاً وأخيراً، فإن مقياس نجاح مؤتمر «فتح» سيعتمد على إعادة الاعتبار للطابع الوطني التحرري للكفاح الوطني، وعلى إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة هويته الوطنية، وتماسك روايته التاريخية، وعلى رفض التعايش مع الطابع العنصري، الاستيطاني، والاستعماري للمشروع الصهيوني بالتعاون المباشر واللصيق مع حركة التحرر العربية، ومع كل قوى التقدم الاجتماعي، وقوى الحرية والديمقراطية الحقيقية في هذا العالم على أساس من الشراكة الكفاحية.

اختراع “تيار ثالث”! العَجَلة من الشيطان| عصام مخول

عصام مخول

افتعال نقاش غير قائم داخل القائمة المشتركة حول مسألة التوصية عند رئيس الدولة ربما يساعد على تجاوز بعض النقاشات الداخلية عند هذا الحزب أو ذاك، لكنه بأي حال من الأحوال لا يرتقي بالنقاش السياسي ولا يخدم المواجهة الحقيقية مع تفشي الخطاب الفاشي، ولا يقدم مشروع الوحدة الكفاحية ولا قضايانا كأقلية قومية أية خطوة الى الامام. فالتوصية عند رئيس الدولة هي مسألة تكتيكية بامتياز، مهما بالغ البعض في التركيز عليها وتحويلها الى لب النقاش.

إن دور التكتيك أن يساعد على استعمال ما تملكه من قوة سياسية في لحظة مواتية، لتضاعف وزن وتأثير هذه القوة التي راكمتها على محدوديتها، بحيث تصبح أكثر فاعلية وأكبر وزنا من وزنها الموضوعي، وذلك من خلال استغلال تناقضات طارئة داخل المعسكر المعادي. فالتكتيك يسمح بإظهار بعض الليونة في قضية آنية من جهة، لكنه بالضرورة لا يعفي صاحبه في المقابل من التزام صرامة قصوى من حيث التمسك بالثوابت الاستراتيجية والأسس المبدئية التي توجه عمله السياسي وإلا تحوّل الأمر الى انتهازية رخيصة.

لقد أنهت اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي بيانها الصادر بتاريخ 6 آب 2022 بشأن مسألة التوصية لدى رئيس الدولة بقولها الواضح: “من الأهمية بمكان التأكيد ان الخارطة السياسية الحالية في اسرائيل لا يمكن ان تقود الى اية تشكيلة حكومية تتوافق وتجيب على ثوابتنا وعلى  مطالبنا الأساسية”.

وفي مقالتي في ملحق الاتحاد 12.8.2022 تحت عنوان: “انتخابات الخريف وخريف الاجماع الصهيوني” كتبت: “وإذا كان موقعنا في مواجهة الاجماع القومي الصهيوني المحموم، لا يسمح لنا في هذه المرحلة بالتأثير على تشكيل حكومة بديل تقدمي أو على إحداث تحول في الموقف من قضايا السلام الحقيقي والمساواة القومية والمدنية، فإن موقعنا يسمح لنا بتعطيل تشكيل حكومة تراوح في داخل الانحدار الفاشي، ولا تجيب على الحد الأدنى من شروطنا السياسية وهذا أضعف الايمان”.

 وإذا كان هذا هو موقف الحزب الشيوعي والجبهة فلماذا هناك من يحاول افتعال النقاش حول قضية التوصية معنا بالذات؟ ولماذا هناك من يحاول أن يخلق الانطباع أن نقاشه مع الحزب والجبهة هو في هذه المساحة؟

 إن تحويل قضية التوصية عند رئيس الدولة على عضو كنيست ينيط به مهمة تشكيل الحكومة الى محور النقاش ولب الصراع، هو تسطيح للسياسة وخلط ضحل بين القضايا الاستراتيجية وقضايا التكتيك العيني العابر.. خاصة اذا ما استعمل هذا النقاش توطئة من أجل المماثلة والمماهاة غير البريئة بين فكرة التوصية لدى رئيس الدولة، وهي مسألة لا تتجاوز في أقصى حدودها ميدان التكتيك، وبين “نهج” الاندماج في الائتلاف اليميني المتطرف والتصويت الى جانب الحكومة، والانضواء داخل الائتلاف الحاكم وخطابه الفاشي السائد وتبني ثوابت الاجماع القومي الصهيوني والخطوط العريضة لسياسة الحكومة وهي مسألة استراتيجية خطيرة، فتصبح هذه المماثلة  تبرئة  لأولئك الذي اصطفوا فكريا وسياسيا لدى المعسكر المعادي  للوحدة الكفاحية التقدمية والوطنية، ومساهمة في غسل أيديهم بعد أن اختاروا إدارة ظهورهم لوحدة النضال من أجل المساواة في الحقوق القومية والمدنية باعتبارها في مفهومنا ثنائية لا تنفصم عراها.

تهريب الجوهر..

ولذلك سيكون على أي تحالف أن يبدأ من تحديد مساحة الاتفاق في القضايا الاستراتيجية المبدئية ثم يمنح نفسه ليونة في كيفية استعمال قوته المتراكمة للتقدم نحو أهدافه الاستراتيجية.  إن القرار إذا ما كانت هذه الخطوة التكتيكية تزيد وزن قوتي في المعركة على القضية الأساسية وعلى الأهداف الاستراتيجية أو تقلل من هذا الوزن وتشتته، هو المقرر في اختيار التكتيك الذي تلجأ اليه قوة سياسية في لحظة معينة من دون ميوعة من جهة، ومن دون تشنج من الجهة الأخرى..

وعلينا أن نصارح بعضنا بعضا.. هل نحن متفقون على الجوهر المقرر وعلى دورنا السياسي وعلى طبيعة الساحة السياسية التي نعمل فيها؟ وهل نحن متفقون على أننا نذهب الى الكنيست، لنمارس دورنا السياسي المركزي- كجماهير وكأقلية قومية فلسطينية مواطنة في إسرائيل وكقوى تقدمية عربية ويهودية – على الساحة السياسية الإسرائيلية باعتبارها الساحة السياسية المركزية التي نهدف الى إحداث التغيير عليها من خلال القاء ثقلنا للتصدي لموبقات الإجماع القومي الصهيوني والخطاب الفاشي السائد؟  هل نحن متفقون على دورنا في تحدي البنى الفكرية والاجتماعية المهيمنة في هذه الساحة وطرح بديل عن هذا الاجماع الصهيوني، يأخذ في الحسبان حقوقنا القومية والمدنية، ويأخذ في الحسبان مصلحتنا كأقلية قومية وكقوى تقدمية عربية ويهودية لها مصلحة بالدفاع عن الديمقراطية العميقة وعن الحريات الديمقراطية ومناهضة الفاشية وتفكيك البنى العنصرية ومجابهة عقلية الحرب والعدوان والتوسع الاحتلالي؟ أم أننا غير متفقين على ذلك..

هل نحن متفقون على أن بناء الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الجماهير العربية في إسرائيل يتم في ساحات النضال وأداته الوحدة الكفاحية ومنظماته الشعبية والحزبية والنقابية مكمّلا لنضالنا البرلماني وليس مقصورا عليه داخل أروقة الكنيست الإسرائيلي، ولكنه ليس بديلا عنه؟

وهل نحن متفقون على جوهر المعادلات التاريخية التي صاغتها وثيقة السادس من حزيران 1980 التي صدرت عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ونشرتها جريدة الاتحاد صبيحة 6 حزيران 1980، ثم انضم للتوقيع عليها ألوف الشخصيات الشعبية والنشطاء السياسيين من كل المشارب الفكرية والسياسية الوطنية والتقدمية والمنظمات الشعبية وممثلي الجمهور والحركات السياسية داخل الأقلية القومية العربية في إسرائيل  في طول البلاد وعرضها وفي صلب الوثيقة: “نحن أهل هذا الوطن ولا وطن لنا غير هذا الوطن”… و “حتى لو جوبهنا بالموت نفسه فلن ننسى أصلنا العريق نحن جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب الفلسطيني”؛ وهي الوثيقة التي كانت القاعدة السياسية للدعوة الى عقد مؤتمر شعبي شامل للجماهير العربية بمشاركة القوى التقدمية اليهودية في إسرائيل التي تقبل بأسس وثيقة المؤتمر، وذلك في أشجع وأوسع محاولة تاريخية ومنهجية لتنظيم الأقلية القومية العربية الفلسطينية في إسرائيل تنظيما سياسيا في مواجهة الاجماع القومي الصهيوني.. وتشكلت لجنة تحضيرية شاملة للإعداد للمؤتمر الشعبي التاريخي للجماهير العربية، وقاد اللجنة وترأس أعمالها القائد الوطني والشيوعي التاريخي د.اميل توما تحضيرا للمؤتمر في السادس من شهر كانون الأول 1980، قبل أن يقوم مناحيم بيغن رئيس الحكومة بصفته وزير الأمن بإصدار أمره الهستيري اعتمادا على أنظمة الطوارئ الانتدابية يحظر فيه تنظيم المؤتمر ويعلن عن إخراج المؤتمر واخراج اللجنة التحضيرية للمؤتمر ووثيقة السادس من حزيران خارج القانون. لقد نجحت حكومة الليكود الأولى بحظر انعقاد المؤتمر، لكن روح وأسس الاجماع الوطني والتقدمي في القضية القومية والديمقراطية التي حددتها الوثيقة، بقيت حيّة حاضرة الى يومنا هذا، تحاك منها أدوات النضال وتنشأ عنها اللجان الشعبية والحركات الطلابية والشبابية  وأسس تنظيم الأقلية القومية العربية لتأخذ دورها الفعال في المعركة على احداث التغيير الشامل في إسرائيل وعلى حرية الشعب الفلسطيني وتحرره،  وأصبحت أسس وثيقة 6 حزيران 1980 حجر الزاوية في بناء أية وحدة كفاحية وأي برنامج للنضال من أجل انتزاع المساواة في الحقوق القومية والمدنية أساسا لأي معركة لتفكيك البنى العنصرية والفاشية وبنى الاجماع الصهيوني العنصري حتى يومنا هذا.

فهل نحن متفقون على أن مهمتنا التاريخية أن نطرح على شعبي البلاد بديلا سياسيا واجتماعيا يستبدل الاجماع القومي الصهيوني بإجماع تقدمي يقوم على مبدأ المساواة في الحقوق القومية والمدنية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وحقهم في التطور فوق أرضهم ووقف سياسة الهدم والملاحقة والتحريض الدموي ومراهنة المؤسسة الحاكمة على تفشي الجريمة بين الجماهير العربية والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية قاعدة لأي حل سياسي؟ وهل نحن متفقون على طرح إجماع شعبي بديل يأخذ في الحسبان مصالح الطبقات الشعبية العاملة والمنتجة في وجه سياسة غلاء المعيشة وجشع الرأسمالية الخنازيرية المستندة الى تجارة السلاح الدولية والعدوان والاحتلال والاستيطان وتأجيج الحروب؟

إن هذه هي القضايا الحقيقية المقررة في واقعنا السياسي والوطني، وإذا كان هناك خلاف سياسي وازن فهو مرشح ان يقوم على هذا المستوى من القضايا الجوهرية، وإلا فما الداعي تماما لافتعال أزمة والبحث عن تبريرات لاختراع “تيار ثالث” غير متوفر أصلا ولا يرتقي الى طرح سياسي وفكري يساهم في بناء الأسس لوحدة كفاحية أو الارتقاء بالقضية الوطنية؟

إن قيام بعض شركائنا وأصدقائنا السياسيين بتوجيه مطالبتهم على مدار الأسبوعين الأخيرين الى الحزب الشيوعي والجبهة بالذات، ودعوتهما الى الالتزام بالتمسك بالحقوق القومية والمدنية للأقلية القومية الفلسطينية داخل اسرائيل، وعدم التفريط بقضية الشعب الفلسطيني الوطنية، شرطاً لموافقتهم على مواصلة الشراكة في القائمة المشتركة، انما يذهب بهم الى مباشرة الى “حارة السقايين”..

غانتس يتعهد بتكثيف العمليات الأمنية في الضفة الغربية في أعقاب الهجوم في غور الأردن

رئيس الوزراء لابيد : ’سنصل إلى كل من يحاول المس بالإسرائيليين’؛ حماس ترحب بالهجوم ’البطولي’ الذي أسفر عن إصابة 7 أشخاص واصفة العملية بأنها ’رد طبيعي’ على ’جرائم’ إسرائيل

بقلم آش غوبيل

بعد هجوم إطلاق النار في غور الأردن الذي أسفر عن إصابة سبعة أشخاص الأحد، تعهد وزير الدفاع بيني غانتس ب”مواصلة زيادة” الأنشطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بينما قال رئيس الوزراء يائير لابيد إن القوات الإسرائيلية “ستستمر في الوصول إلى أي شخص” يهدد حياة المواطنين الإسرائيليين.

وقال الجيش إن مسلحين فلسطينيين أطلقوا النار على حافلة نقلت جنودا إسرائيليين على طريق سريع في غور الأردن، بالقرب من مستوطنة حمرا. وأصيب أحد الجنود بجروح خطيرة، وأصيب خمسة جنود آخرين وسائق الحافلة، وهو مدني، بإصابات طفيفة.

وتم اعتقال مشتبه بهما فلسطينييّن ساعات بعد الهجوم، الذي وقع وسط تصعيد في العنف بالضفة الغربية.

في تغريدة قال غانتس “بدأت قوات الأمن بمطاردة المشتبه بهم على الفور ووضعت أيديها على المهاجمين المشتبه بهم في عملية سريعة واحترافية. سنواصل زيادة عملياتنا المركزة ضد الإرهاب في منطقة يهودا والسامرة”، مستخدما الاسم التوراتي للضفة الغربية الذي يشيع استخدامه بالعبرية.

وتمنى لابيد، مثل غانتس، الشفاء العاجل للجرحى وأشاد ب”المستجيبين الأوائل وقوات الأمن التي عملت بسرعة وحزم لمعالجة الجرحى والقبض على الإرهابيين المشتبه بهم”.

وكتب في تغريدة “سنستمر في الوصول إلى كل من يحاول المس بمواطني وجنود دولة إسرائيل”.

وأشار رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، الذي يتواجد في زيارة رسمية إلى برلين، وهو يقف إلى جانب نظيره الألماني يوم الأحد أن “الإرهاب لا يهدأ للحظة، واليوم أطل برأسه مرة أخرى، للأسف، عندما ارتكب إرهابيون بغيضون هجوما ضد إسرائيليين سافروا في حافلة”.

متحدثا إلى جانب الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، قال هرتسوغ إن إسرائيل “لن تقبل أي هجوم على مواطنيها أو جنودها. دولة إسرائيل ستدافع عن مواطنيها، وجيش الدفاع وقوات أمننا ستعمل في أي مكان وأي وقت”.

ووصفت حركة حماس التي تتخذ من غزة مقرا لها الهجوم على “الحافلة الصهيونية” بأنها “عملية بطولية”، وقالت إن العملية هي “رد طبيعي على جرائم الاحتلال”. ولم تعلن حماس مسؤوليتها عن الهجوم.

وقال زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو إنه يصلي من أجل شفاء الجرحى، مضيفا “فقط من خلال يد قوية يمكننا هزم الإرهاب”.

بحسب مسؤولين حكوميين، لاحق المسلحون الحافلة قبل تجاوزها وإطلاق النار عليها من الأمام، ثم حاولوا سكب مادة سائلة قابلة للاشتعال على الحافلة وإشعال النار فيها قبل أن يلوذوا بالفرار.

واشتعلت النار بالسيارة التي هرب بها المسلحون عند ابتعادها مسرعة، نتيجة للمادة القابلة للاشتعال التي استُخدمت في الهجوم على الأرجح. واعتقلت قوات الجيش الإسرائيلي المشتبه بهما، اللذين أصيبا بجروح وفقا لتقارير.

وتم تسليم الاثنين لجهاز الأمن العام (الشاباك) للتحقيق معهما. وذكرت وسائل إعلام فلسطينية إنهما محمد ووليد تركمان، وهما على ما يبدو قريبان من منطقة جنين في شمال الضفة الغربية. وتم العثور على العديد من الأسلحة النارية في مكان الاعتقال.

وكما يبدو فر مشتبه به ثالث، حسبما ذكرت تقارير إعلامية عبرية. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته ستواصل عمليات البحث في المنطقة عن مشتبه بهم إضافيين.

تصاعدت التوترات في الضفة الغربية مؤخرا، مع تكثيف قوات الأمن الإسرائيلية لعمليات الاعتقال والعمليات في أعقاب موجة الهجمات الإرهابية المميتة التي خلفت 19 قتيلا في وقت سابق من هذا العام.

ملف pdf انقر مرتين للفتح

ملف pdf انقر مرتين للفتح

نائب في القائمة المشتركة يعلن عن عدم خوضه الانتخابات المقبلة

إعلان أسامه السعدي عن يأتي في الوقت الذي تتوقع استطلاعات الرأي تراجع الحزب ذي الأغلبية العربية في الكنيست المقبل، في حين يواجه أيضا خطر الانقسام؛ حزب الحركة العربية للتغيير الشريك في القائمة المشتركة يحضه على إعادة النظر في قراره

بقلم طاقم تايمز أوف إسرائيل

أعلن نائب في “القائمة المشتركة” السبت عن قراره عدم خوض الانتخابات للكنيست المقبل، في الوقت الذي يعاني فيه الحزب ذو الأغلبية العربية من نتائج ضعيفة في استطلاعات الرأي وانقسامات داخلية قبل الانتخابات المقبلة.

وأعلن عضو الكنيست أسامة السعدي عن قراره في اجتماع لحزب “الحركة العربية للتغيير” الشريك في القائمة المشتركة لانتخاب مرشحيه للانتخابات المقررة في الأول من نوفمبر، قائلا إنه لن يتنافس على مكان في قائمة مرشحي الحزب.

وفوجئ نشطاء الحركة العربية للتغيير بالقرار وحضوا السعدي على إعادة النظر في قراره.

وقالت مصادر في الحركة العربية للتغيير للقناة 12 إن السعدي يشعر بقلة تقدير من “الجبهة” و”التجمع”، الحزبين الآخرين الشريكين في القائمة المشتركة.

قال السعدي مؤخرا لمقربين منه إنه يشعر بالإرهاق والانزعاج من الصراعات الداخلية في القائمة المشتركة، حسبما أفات هيئة البث الإسرائيلية “كان”.

دخل السعدي، وهو صهر رئيس الحركة العربية للتغيير، أحمد الطيبي، ومقرب منه، الكنيست لأول مرة في عام 2015 عندما فازت القائمة المشتركة بعدد قياسي من المقاعد بلغ 15 مقعدا.

ويأتي إعلانه بعد أيام من استطلاع رأي نشرته “كان” وتوقع أدنى نسبة مشاركة على الإطلاق في صفوف عرب إسرائيل في الإنتخابات المقررة في الأول من نوفمبر، مما قد يتسبب في تضاؤل التمثيل العربي في الكنيست.

أدنى نسبة إقبال على صناديق الاقتراع في صفوف الناخبين العرب حتى الآن بلغت 44.6٪ وسُجلت في الانتخابات الأخيرة في 2021. قبل ذلك بعام، عندما خاضت الأحزاب العربية وذات الأغلبية العربية الرئيسية الانتخابات في قائمة واحدة تحت راية القائمة المشتركة، بلغت نسبة المشاركة العربية ذروتها- 64.8٪، مما منح القائمة المشتركة 15 مقعدا من أصل المقاعد الـ 120 في الكنيست.

لكن خوض حزب “القائمة العربية الموحدة” الانتخابات بشكل مستقل في انتخابات العام الماضي تسبب في انخفاض التمثيل العربي إلى 10 مقاعد في الكنيست الحالي (6 للقائمة المشتركة و4 للقائمة الموحدة)، في حين تتوقع استطلاعات الرأي أن ينخفض أكثر إلى 9 مقاعد – خمسة للقائمة المشتركة و4 للقائمة الموحدة – إذا لم تتغير تركيبة الأحزاب.

كما وجد استطلاع الرأي أنه في حال انقسام حزب “التجمع” القومي الفلسطيني عن القائمة المشتركة، كما يهدد، سيتعرض التمثيل العربي لضربة أخرى، حتى أن ذلك يعرض الأحزاب الثلاثة جميعها لخطر الفشل في تجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست والبالغة 3.25٪.

في مثل هذا السيناريو، سيفشل التجمع في دخول الكنيست، وستلامس كل من القائمة المشتركة والقائمة الموحدة بالكاد نسبة الحسم التي تسمح لها بالفوز بأربعة مقاعد.

سينعكس التراجع في تمثيل الأحزاب العربية من المقاعد العشرة الحالية إلى 8 في دفعة طفيفة للأحزاب الأخرى – وهو ما يكفي لدفع زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو وحلفائه في اليمين-المتدين إلى 61 مقعدا، وهي أغلبية في الكنيست. تتنبأ استطلاعات الرأي الحالية بفوز كتلة نتنياهو بـ 59-60 مقعدا، بينما ستحصل الأحزاب في الائتلاف الحالي – الذي يضم حزب القائمة الموحدة – على حوالي 45 إلى 55 مقعدا، في استمرار لحالة الجمود السياسي الذي فرض أربع انتخابات سابقة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

توقعت استطلاعات الرأي التلفزيونية الأخيرة أن تحصل القائمة المشتركة، الغير محسوبة على أي من الكتلتين، على 5-6 مقاعد في الانتخابات.

فلسطين في مشروع الشرق

بقلم الدكتور اياد البرغوثي

عن صحيفة “الأخبار اللبنانية”

لا يمكن ارجاع الصراع البشري عبر التاريخ لسبب واحد، فهو بالتأكيد ظاهرة معقدة يدخل فيها الأمن ‏والاقتصاد والسياسة والاجتماع والفكر وربما السيكولوجيا ايضا. وعند النظر الى التاريخ الحديث ‏والمعاصر للعالم نرى أن الغالب عليه هو الصراع بكل اشكاله‎.‎

لقد فتح الصراع الدائر في اوكرانيا حاليا العيون على أن ما عاشته البشرية في التاريخ المنظور، وما تعيشه ‏الآن، ليس اكثر من حروب ساخنة احيانا وباردة احيانا اخرى. على ما يبدو أن العالم لم يشهد لا الآن ولا في ‏اي وقت مضى سلاما حقيقيا، وما هذا السلام الذي يتم الحديث عنه في فترات كثيرة الندرة في التاريخ ‏المعروف، إلا الاسم الآخر لما يطلق عليه الحرب الباردة هذه الأيام‎.‎

تتميز الصراعات الكبرى عبر التاريخ، بما فيها تلك الدائرة الآن، بأنها صراعات بين امبراطوريات ‏ضخمة، بين مشاريع كبرى تمثل مصالح عليا لأصحابها، وتستند أساسا الى الجيواستراتيجيا الخاصة ‏باصحاب تلك المشاريع، مع ضرورة عدم استثناء العوامل الأخرى المؤثرة في الاصطفافات الموجودة‎.‎

بالعادة، وكما تمثل الحرب في اوكرانيا، تتقاتل المشاريع الحية(روسيا والغرب) على اراضي المشاريع ‏الغائبة(الشرق الاسلامي وافريقيا وآسيا السوفياتية) الغنية بالثروات وبأدوات الانتصار، وهذا ما تظهره ‏الدبلوماسية النشطة للمتحاربين في بلدان هذه المناطق، والمطلوب في نهاية الأمر من شعوب تلك المناطق ‏ودولها ليس اكثر من الاصطفاف بشكل او بآخر مع هذا‎ ‎الطرف او ذاك من المتحاربين‎.‎

وعندما اتحدث عن المشاريع الغائبة في أفريقيا وآسيا السوفياتية والشرق الاسلامي الذي تم تحديده جغرافيا ‏في كتابي “تحرير الشرق.. نحو إمبراطورية شرقية ثقافية ” بالمنطقة الواقعة بين المغرب الأقصى ‏وافغانستان فإني لا اضعها جميعا في نفس المرتبة، إذ ان كلا من أفريقيا وآسيا السوفياتية تعي اهمية ‏وحدتها، وهي تبذل جهودا وإن كانت ما زالت متواضعة لتقريب دولها وشعوبها، رغم تدخلات الاقطاب ‏الكبرى (المشاريع الكبرى ) المعرقلة والمعيقة لذلك‎.‎

أما ما يجري بالنسبة لمشروع الشرق الاسلامي الذي يهمنا هنا، فهو مشروع غائب أو ما زال غائبا كما هو ‏عليه الوضع في افريقيا وآسيا السوفياتية، لكنه يتميز “بغياب” شبه تام للحامل الثقافي له، بعد أن وصلت ‏فئة كبيرة من المثقفين وخاصة العرب الذين يفترض أن يدافعوا عن ذلك المشروع، الى عدم الاقتناع به ‏حيث انتقلوا من مؤمنين بامكانية الوحدة وداعين لها الى الحديث عن صعوبتها، ومن ثم، وهو الأخطر، الى ‏عدم الإيمان بها والذهاب بها الى وضع يشبه المزحة لا أكثر، وتسخيف اي حديث عن تقارب شعوب ‏المنطقة باعتباره كلاما بعيدا عن الواقع، وبعيدا عن المنطق ايضا‎.‎

إذا للغرب مشروعه، وهو في ما يتعلق بالشرق، يتمثل في تغييب مشروعه أو ابقائه غائبا والهيمنة عليه ‏والاستيلاء على ثرواته، واضعافه وتمزيقه من اجل ضمان الاستمرار في ذلك. ومن أجل ذلك استخدم ‏الغرب ويستخدم كل نفوذه وادواته وقواه الخشنة والناعمة وفي مقدمتها اسرائيل والمشروع الصهيوني‎.‎

لقد كان احتلال معظم فلسطين عام 1948 وإنشاء دولة اسرائيل، الخطوة الأساس في المشروع الغربي ‏لتغييب اي مشروع شرقي الى الأبد، وذلك بوضع حد للتواصل الجغرافي بين جناحي الاقليم. من البديهي ‏أن عدم التواصل الجغرافي يخلق عقبات أمام كل أنواع التواصل الأخرى، الجيواستراتيجة والاقتصادية ‏والثقافية والاجتماعية والنفسية وغيرها‎.‎

أفقد ضياع فلسطين الشرق أية امكانية لتجسيد مشروعه بشكل طبيعي، وجعل انشاء اسرائيل مكان فلسطين ‏الإمكانية متوفرة أمام الغرب لالحاق بلدان الشرق في مشاريع أخرى غير مشروعها هي، بمعنى أن وجود ‏اسرائيل كرأس حربة للمشروع الصهيوني والامبريالي الغربي وضع الأساس لصهينة المنطقة‎.‎

يوضح كتاب “تحرير الشرق.. نحو إمبراطورية شرقية ثقافية ” الموقع المركزي للقضية الفلسطينية في ‏علاقتها باستمرار تغييب المشروع الشرقي أو إعادة احيائه، ويقارن ذلك بالاهمية المركزية للمشروع ‏الصهيوني وإسرائيل في انجاح المشروع الامبريالي الغربي في المنطقة، نظرا لدور الصهيونية المركزي ‏في الابقاء على الهيمنة الغربية على الشرق‎.‎

فلسطين بموقعها الاستراتيجي الخاص والمميز تعتبر قضية القضايا في المنطقة، فبدون فلسطين محررة، أو ‏على الأقل فلسطين كحركة تحرر ومقاومة، لا يبنى مشروع شرقي. هناك أجزاء محتلة من الوطن العربي، ‏وهي بالتأكيد عزيزة على أهلها وعلى الأمة بأجمعها، لكن احتلالها لا يملك ولا يمكن أن يملك نفس الأهمية ‏الاستراتيجية لمشروع الشرق، كما هو حال فلسطين‎.‎

ان أبرز ما ينقص فلسطين هو الوعي الاستراتيجي بها، والتفكير بها استراتيجيا من حيث علاقتها بمشروع ‏الشرق، وهذا يعني ايضا الفهم الاستراتيجي لإسرائيل والمشروع الصهيوني ودورهما في المشروع الغربي. ‏من البديهي أن فلسطين هي وطن الفلسطينيين الذي تحتله اسرائيل، لكنها في الفكر الاستراتيجي المتعلق ‏بالمشاريع والمشاريع المضادة في المنطقة، هي الجغرافيا التي تصل بين جناحي الشرق في شمال افريقيا ‏وغرب آسيا، أما اسرائيل فهي الجغرافيا التي تفصل بين هذين الجناحين. فلسطين تصل وإسرائيل تفصل، ‏هكذا هو واقع الحال، وهكذا يجب أن تفهم الأمور، ويبنى بمقتضاها‎.‎

هذا الفهم الجيواستراتيجي لفلسطين وإسرائيل، ينبغي أن يكون منطلقا للتعامل مع القضية الفلسطينية، ‏وللمواقف منها، وهو الأساس الذي يبنى عليه الموقف من اسرائيل، ومن العلاقة معها، وكذلك الموقف من ‏الغرب ومن كل الفاعلين في العالم‎.‎

من المؤكد أن الغرب والصهيونية يفهمان اسرائيل (وفلسطين ) استراتيجيا وتتصرفان على هذا الأساس. ‏يبدو هذا من تصريحات القادة الغربيين والصهاينة، ويبدو كذلك من افعالهم وسياساتهم. فبن غوريون الذي ‏يقول بأن غاية اسرائيل “هي التحقيق الكامل للصهيونية وليس السلام “، و نتنياهو الذي قال أن السلام ‏الاقتصادي الذي يسعى اليه هو “تجسيد للهيمنة الصهيونية الدائمة على الفلسطينيين والعرب” يعبران عن ‏الفكر الاستراتيجي الذي يتبناه الغرب في المنطقة‎.‎

أما الجانب الفلسطيني والعربي فلا شيء يوحي لا من الأقوال ولا من الأفعال والسياسات، أن لديهم أي ‏وعي استراتيجي بفلسطين وإسرائيل، ولذلك لا تغدو سياساتهم اكثر من قصف “عشوائي” وفي كل ‏الاتجاهات، وهذا ما يفسر أن فلسطين (والشرق ) قتلت بنيران “صديقة” الى جانب نيران الأعداء بالطبع‎.‎

من الحيوي جدا بالنسبة للفلسطينيين وللعرب وللشرقيين اجمالا فهم اسرائيل كمشروع أو كرأس حربة ‏لمشروع. هذا يعني ايضا فهم فلسطين كمشروع (كقضية) تهم الفلسطينيين والعرب والشرقيين اضافة الى ‏أنصار العدل في العالم. ان فهم كل من فلسطين وإسرائيل كرأسين لمشروعين متضادين، اضافة الى فهم ‏أسس العلاقات التي تربط المشاريع المتضادة، من حيث كونها متضادة ومن حيث كون الصراع بينهما لا ‏يمكن أن يكون إلا تناحريا، يقودنا الى تقييم جدي وحقيقي لكل السياسات والمواقف التي انتهجتها دول ‏وشعوب المنطقة حيال فلسطين وقضيتها‎.‎

شكلت كامب ديفيد، وقبل ذلك الموقف من قرار تقسيم فلسطين، وبعد ذلك انطلاق عملية “التسوية” في ‏مدريد وبعدها اوسلو، في بعض جوانبها، علامات على عدم فهم تام للمشروع الصهيوني في المنطقة ودولته ‏اسرائيل، وبالتالي عدم فهم لجوهر القضية الفلسطينية. فهذه الأحداث جميعا اعتبرت أن هناك خلافا بين ‏الفلسطينيين والاسرائيليين، أو العرب والاسرائيليين، وأن حل هذا الخلاف يكون بقسمة “العرب عربين” ‏وانتهى الأمر‎.‎

هذا الموقف اعتبر اسرائيل دولة طبيعية مثل أية دولة، غير شرعية نعم، ولكنها ليست مشروعا أو ممثلا ‏لمشروع، وليست رأس حربة لذلك المشروع، وليست تكريسا لهيمنة على المنطقة برمتها. واعتبر فلسطين ‏كيانا تم تغييبه ولا بد من طريقة لاعادة احيائه، وليست قضية تحرر وطني لها وللمنطقة، وطليعة لمشروع ‏للمنطقة في مواجهة مشروع متغول عليها‎.‎

غياب الفكر الاستراتيجي لدى الفلسطينيين والعرب غيب مشروعهم الذاتي، وجعل كل خطواتهم عشوائية، ‏و”اهداهم” لاعدائهم، واوصلهم لاوسلو، ومن ثم التطبيع “الغرامي” بين بعض الدول العربية وإسرائيل، ‏و”التفنن” في ذلك التطبيع بالوصول الى “ادلجته” ممثلا بالابراهيمية والدعوة الى انشاء حلف أمني “ناتو” ‏يضم دولا عربية اساسية “بقيادة” اسرائيل‎.‎

في اوسلو ربط الفلسطينيون قولا وفعلا مصيرهم بكل تفاصيله، وكذلك سيادتهم وقرارهم “المستقل” الذي ‏ناضلوا طويلا من أجل ترسيخه، باسرائيل. وشكلت خطوتهم تلك تمهيدا سياسيا ونفسيا لدول عربية وغير ‏عربية للتطبيع العلني مع إسرائيل، ولتخلي تلك الدول عن القضية الفلسطينية بكل وضوح، ومن ثم تطوير ‏ذلك “التخلي” الى “التموضع ” في المعسكر المضاد‎.‎

في البداية اعتبر “الفلسطينيون” اوسلو مغامرة ورهانا وقفزة في المجهول، في حين كانت بالنسبة ‏للاسرائيليين مسألة في غاية الوضوح، تهدف الى خلق حالة من التبعية للفلسطينيين ومنطلقا نحو العرب ‏والمسلمين. لكن الفلسطينيين استمروا في تلك “القفزة” حتى عندما وصلت ذروة “المعلوم “، فارتباطهم ‏باسرائيل يتعمق يوما بعد يوم، واتخذ التنسيق بينهم وبين الاسرائيليين شكلا دراميا تجلى بكل وضوح عندما ‏اجتمعت قيادة الطرفين لتنسيق مواقفهما قبيل زيارة الرئيس بايدن للمنطقة. بالعادة تنتظر الأطراف ‏‏”الوسيط” ليساعدها في تقريب مواقفها، أما أن تنسق الأطراف مواقفها في “مواجهة” الوسيط فهذا يستحق ‏براءة اختراع جديدة في موضوع الدبلوماسية‎.‎

في غياب الفكر الاستراتيجي تضيع الأهداف، وتستبدل باشياء اخرى، رمزية بالعادة. في الحالة الفلسطينية ‏بعد اوسلو رفعت الوسائل لدرجة الأهداف، وجرى تقديسها بشكل او بآخر، وغابت السياسة الحقيقية وتشوه ‏النظام السياسي… كل ذلك بانتظار الدولة “المستحيلة” التي يعرف الفلسطينيون جيدا أن من قدمهم للعالم ‏ليست هذه الدولة بل القضية بكل معانيها‎.‎

أدى “الارتقاء” باوسلو الى الابراهيمية التي شكلت نقلة “نوعية” في فهم اسرائيل من قبل “شركائها” الجدد ‏من العرب. فقد زال الجانب النفسي الذي كان يقتضي أن لا يكون التعامل مع إسرائيل علنيا، وجرى ‏الاصطفاف العلني الى جانب اسرائيل وبقيادتها في المنطقة ضد “اعدائها” المشتركين. وابتدأ عصر جديد ‏من “صهينة” المنطقة، وما الحديث عن ادخال اسرائيل في الاقليم الا عكس للحقيقة تماما، فالذي يجري ما ‏هو إلا ادخال للاقليم في اسرائيل ومشروعها الصهيوني‎.‎

ان الحديث عن الديانة الابراهيمية التي تجمع اليهود والمسيحيين والمسلمين، ما هي إلا محاولة لاضفاء ‏القداسة على التطبيع مع اسرائيل، والانضواء تحت لوائها، واستقواء بها على الآخرين. أما امريكا التي ‏ركزت اهتمامها الاستراتيجي على صراعها مع الصين وروسيا، فقد سلمت قيادة المنطقة الى اسرائيل التي ‏تعمل بمثابة عصا موسى “ابراهيميا” لتأكل كل “افاعي” الآخرين ومقدراتهم‎.‎

الانتفاضة الشاملة استحقاق موضوعي

طلال عوكل

خطير الوضع في الضفة الغربية والقدس، خصوصاً ما يتعلق بدوام سياسات دولة الاحتلال، التي لا تبقي زاوية إلّا وتمارس تجاهها كل أشكال القمع والمصادرة والتهويد.

العدوان الإسرائيلي على الوجود والحقوق والكرامة الفلسطينية في الضفة أصبح سمة للحياة اليومية، وينطوي على درجة مرتفعة من التصعيد، ما لا يدع مجالاً للسؤال عن تصعيد إلّا إذا بادرت إسرائيل لشن «سور واقي» آخر، يستهدف إعادة احتلال ما قامت باحتلاله مرات عديدة.

الإسرائيليون أخذوا يحذرون من احتمال اندلاع انتفاضة شاملة في الضفة الغربية، والصحيح أن عليهم أن يحذروا من أن تمتد هذه الانتفاضة في حال اندلاعها إلى أراضي 1948.

السبب الذي يدعو لمثل هذا الاعتقاد هو أن إسرائيل تمارس ضد الفلسطينيين في كل مكان، سياسة عنصرية حقيرة لا تميز بين فلسطيني وآخر، ولا بين جغرافيا وأخرى.

قد تأخذ العنصرية الإسرائيلية في الأرض المحتلة العام 1967 أشكالاً وأساليب أكثر بشاعة، وأشد قمعاً بدواعي وجود مقاومة متزايدة للاحتلال، ولأن المخطط الصهيوني إزاء الضفة والقدس أكثر ضراوة، لكن ذلك لا يمكن أن يقلل من خطورة التمييز العنصري الذي تمارسه سلطات الاحتلال كسياسة رسمية مستندة إلى قانون القومية في أراضي 1948.

الحرب الإسرائيلية على الوجود والحقوق الفلسطينية شاملة وتوظف إسرائيل فيها كل أجهزتها الأمنية والشرطية والعسكرية، بالإضافة إلى المستوطنين وميليشياتهم المدجّجة بالأسلحة والحقد، والتحريض والكراهية.

بين الحين والآخر، يتم الإعلان عن عدد الأسرى من قبل جهات فلسطينية، وغالباً لا يتجاوز الرقم الخمسمائة أسير. ولكن ثمة سؤالا وجيها حول هذا الرقم، أكثر أو أقل قليلاً، ذلك أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشن يومياً اعتقالات تطال عشرات الفلسطينيين، بالقدر الذي تبدو معه الأرقام التي يتم الإعلان عنها متواضعة أمام الأرقام الحقيقية.

عمليات الاغتيال المتواصلة من قبل الجيش الإسرائيلي تقترب من التسعين شهيداً في الضفة والقدس فقط، أي ما يقرب من ضعف الشهداء الذين سقطوا خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، والذين يصل عددهم إلى خمسين شهيداً.

عن البيوت التي يجري هدمها، والأراضي التي تتم مصادرتها فإن الجواب مفتوح على مصراعيه، بما لا يترك مجالاً حتى للحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا.

إسرائيل عملياً تقوم بتجريف كل الحقوق الفلسطينية بالجملة والمفرق، وتمارس أقسى أنواع وأشكال الإرهاب والتمييز، والعالم ينظر ويسجل ويعرف ما يجري بالضبط، لكنه يواصل سياسة الكيل بمكيالين، وإغماض العيون عن كل ما يجري.

الاتحاد الأوروبي دوّخ السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني، وأوقف الدعم المادي، بذريعة تتعلق بالمنهاج الفلسطيني، لكنه لا يرى المناهج الإسرائيلية، ولا يرى الممارسات الملموسة، التي تفوق ما يتصور العقل أنه يصدر عن عالم متحضّر أو حتى غير متحضّر.

ثمة مشكلة هنا، وتتصل بالتناول الإعلامي ومن ثم السياسي حتى بالنسبة للفلسطينيين، كفصائل ونشطاء وعاملين في المجال.

كل ما يجري في الضفة والقدس من جرائم وإرهاب وقمع بحق الفلسطينيين أصبح أخباراً عادية، لا تلفت انتباه وسائل الإعلام، إلّا حين تدخل الصواريخ على الخط.

ما عدا ذلك يمرّ مرور الكرام على وسائل الإعلام المحلية وغير المحلية، التي تتعامل مع الأحداث كل الوقت، وكل الأحداث باعتبارها أخباراً عاجلة.

ثمة ترويض واحتواء للوعي الفلسطيني، وكأنّ ما يجري لا يخرج عن طبيعة الحياة وسياقاتها العادية، التي لا تستدعي ردود أفعالٍ غير عادية، يكفي معها الإعلان عن الشجب والاستنكار ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك، أو الإعلان عن الترحيب بهذه العملية البطولية أو تلك، ونعي الشهداء.

حتّى الكتّاب، أخذ بعضهم يميل إلى الخطاب الوصفي، محمولاً على لغة أدبية، تعبّر عن مشاعر وعواطف، من دون مضامين سياسية يستدعيها واقع وآفاق الصراع.

على إسرائيل أن تقلق حين يظهر أمامها جيل من الشباب المدفوعين بالوطنية، ودون انتظار قرارات الفصائل، للقيام بحمل السلاح أو الحجر، أو زجاجات «المولوتوف»، وهم يعرفون ما الذي ينتظرهم.

انتشار ظاهرة السلاح، والتهريب، وظهور المقاومين المسلحين علناً في بعض المدن والمخيمات، وخلال الجنازات، لا شك يؤشر على تطور جديد في أشكال وأساليب مقاومة الاحتلال، بما يضع السلطة والفصائل أمام حرجٍ لأنه يشكل معياراً للوطنية ولجدية الدعوة للمقاومة.

إسرائيل هي التي تتحمّل المسؤولية عن انتشار ظاهرة السلاح والمسلحين، وتصاعد حالات استخدام السلاح الناري ضد الجيش والمستوطنين وفي الدفاع عن أحيائهم وبيوتهم، جرياً وراء القانون المعروف لكلِّ فعلٍ ردّ فعل، ذلك أن الأفعال الإسرائيلية، ستؤدي حتماً إلى نهوض وطني فلسطيني عارم، أو انتفاضة شاملة، تنطوي على إبداعات تجعلها مختلفة عن الانتفاضات السابقة، ويبقى السؤال في ذمّة القيادات السياسية إذا ما كانت ستغير من سياساتها وأولوياتها، بما يستجيب لمتطلبات هذه المواجهة المتصاعدة.

من أجل نجاح القمة العربية

عاطف ابو سيف

تبدو القمة العربية القادمة في الجزائر مهمة ومفصلية في العلاقات العربية العربية، وعليه فإن الحرص الجزائري على عقدها بصورة ناجحة يعكس فهم طبيعة المرحلة العربية والصعوبات والتحديات التي تواجهها المنطقة العربية؛ في ظل التهديدات الخارجية والصراعات الداخلية التي مزقت الكثير من دولها.

ثمة حالة ترهل لا يمكن تجاهلها في الحالة العربية العامة، وهناك عدم ثقة واضح بمؤسسات العمل العربي سواء لدى الدول والجهات الرسمية أو لدى المواطن العربي من المحيط إلى الخليج. هذا الأمر يتطلب فعلاً عربياً حقيقياً ومساعي جادة لعقد قمة قادرة على الأقل أن تضع سؤال الثقة على المحك من أجل إعادة ترميم الحالة العربية.

هناك الكثير من المتطلبات الواجبة من أجل نجاح هذه القمة، وهي متطلبات بحاجة لعمل جاد من أجل تجاوز بعض المشاكل الكبرى التي تعترض العمل العربي المشترك. المؤكد أن أول تحدٍ يواجه تلك القمة هو أن تكون قمة كل العرب، وأن تكون قمة كل العرب هو أن تحضرها جميع الدول العربية، ولا يتم استثناء أحد من الجلوس حول طاولة العمل العربي. لقد عكس ما يطلق عليه البعض الربيع العربي نفسه على الحالة العربية. والمؤكد أن لهذه المرحلة ما لها وعليها ما عليها، والمؤكد أيضاً أن السواد في اللوحة أكثر من الألوان المضيئة فيها، ومن المؤكد كذلك أن المؤسسات العربية المشتركة كانت ضحية تلك اللحظة.

لسنوات منذ بدأت الأزمات تعصف بالدول العربية التي هب عليها حريق هذا الربيع، عانت مؤسسات الجامعة العربية من الكثير من الأزمات، وصارت مسرحاً للصراع بين أقطاب مختلفة تريد أن تفسر الحالة العربية وفق مفاهيم خاصة. لم تتمزق تلك الدول فقط، بل تمزق الكثير من مؤسسات العمل العربي المشترك ولم تعد ذات جدوى، بل إن المواطن العربي بات يشعر أن هذه المؤسسات تعمل على تمزيق الحالة العربية، وتفتت الجهد العربي. ومن أجل أن تعود تلك المؤسسات مؤسسات عربية حقيقية عليها أن تكون حقاً مؤسسات الكل العربي، بحيث لا يحرم طرف من الحضور لأن هناك من يفهم الوضع الداخلي لهذه الدولة أو تلك بطريقته الخاصة.

وإذا كان المطلوب أن يحضر الجميع، فإن هذا يجب أن ينطبق على كل البلدان العربية، لأن الربيع العربي أغلق الباب أمام مشاركات البعض بحجج وجود صراع على الشرعية. وربما لو أن مثل هذا السؤال مفتوح للجميع لوجدت أن كل دولة عربية تعاني من نفس الأزمة، والسبب الرئيس حقيقة أن الكثير من بلداننا العربية ليست دول مواطنة. وهذا نقاش مختلف لا أؤيد أن أخوض فيه الآن. ما يعنينا منه أنه يصعب القول: إن تلك الدولة تعاني أزمة شرعية وأزمة اضطرابات وصراعات مسلحة فيما بقية الدول لا تعاني. هناك معاناة بمستويات مختلفة بحاجة لمعالجة أعمق.

إن النظر إلى الحالة العربية من منظور خارجي عدساته مصالح غير عربية سيجلب المزيد من الترهل والسقوط لمنظومة العمل العربي الموحد. المطلوب أن نعمل كعرب مشتركين من أجل رفعة حال المؤسسة العربية الموحدة. لا نملك الكثير من الخيارات، ولكن حتى ضمن المتاح منها يمكن لنا أن نطور من واقعنا ونتجنب المزيد من الخسائر.

إذا أرادت الجامعة العربية أن تظل «جامعة» وأن تظل «عربية» عليها أن تسعى لترميم الوضع العربي، وعليها أن تبدأ من مؤسساتها الخاصة، كي تصبح تلك المؤسسات وحدوية ولا تصبح أداة أخرى لتمزيق الحالة العربية. حسناً تفعل الجزائر حين تصر على حضور الجميع العربي، خاصة تلك الدول التي كانت ضحية الربيع العربي وأعملت فيها سكاكين الآخرين تمزيقاً. إن هذا الإصرار يعكس فهماً عميقاً للحالة العربية الراهنة، وما تعكسه من تحديات وصعوبات أمام نهضة العرب وشروط نجاح القمة القادمة. دون هذا الحضور للجميع فإن القمة ستظل ناقصة. وربما مثل هذا الحضور لا بد أن يكون بداية مصالحات عربية عربية من أجل توحيد الجهود العربية.

مرة أخرى لا أحد يصيبه الوهم ويقول: إن الجامعة العربية منذ نشأتها هي نموذج الوحدة العربية المنشودة، لكنها مع ذلك هي المتاح من أجل العمل لتحقيق حدود دنيا من العمل العربي المشترك، ومؤسساتها هي مؤسسات يمكن من خلال توظيفها السليم خلق مستويات مختلفة من هذا العمل.

إن لم يتم تطوير الجامعة في هذه الأوقات الصعبة التي تمر بها الأمة العربية، فإننا سنفقد آخر فرصة ممكنة من بقاء شيء مؤسساتي مشترك بين الدول العربية التي خلقتها «سايكس بيكو». مرة أخرى الجامعة ليست حلماً عربياً حقيقياً؛ لأنها وطوال عقود لم تنجح في أن تكون منصة للوحدة العربية، بل إنها لم تنجح في منع الشقاق العربي العربي وفي حالات كانت منصة له، وفيما تقدم الكثير من المشاريع التكاملية في العديد من الجهات الإقليمية، إلا أن الجامعة العربية ظلت مؤسسات بلا فعل حقيقي. تجربة أوروبا حاضرة أمامنا؛ حيث تحول المشروع التكاملي الأوروبي من شركة لتنظيم تصدير الفحم والصلب بين ستة بلدان أوروبية إلى مشروع تكاملي بين 27 دولة.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على الجامعة العربية وتطويرها مهمة عربية أساسية من أجل تجنب المزيد من الخسارات في الحالة العربية. وهذا لن يتم إلا إذا عملنا حقاً من أجل أن تكون الجامعة جامعة بمعني الكلمة، وجامعة لكل العرب دون استثناء. من هنا، فإن القمة القادمة في الجزائر مصيرية ويجب أن ينظر لها على أنها قمة التحدي العربي من أجل القفز عن حالة الركود في الحالة العربية، والبحث مرة أخرى عن القواسم المشتركة ولو كانت ضعيفة؛ لأنه وقتها يمكن العمل على تطويرها ورفع سقفها.

حول مقاييس نجاح مؤتمر فتح من فشله

عبد المجيد سويلم

تبيّنَ لي من خلال الردود التي تلقّيتها على المقال السابق حول مؤتمر حركة فتح، على مختلف وسائل الاتصال أن مسألة عقد المؤتمر من عدمه ليست محسومة ــ كما تبدو الأمور في الظاهر ــ وأن الخلافات والاختلافات حول مبدأ انعقاده ما زالت قائمة بشدّة، وأن هذه المسألة بالذات هي العنوان الأوّل والأهمّ في إطار هذا التنافر حولها.

كما تبيّنَ، أيضاً، أنّ «الصراع» حول مبدأ عقد المؤتمر من عدمه ليس سوى التكثيف الذي يُعبّر عن جوهر «الأزمة» التي تعيشها الحركة في هذه الظروف المصيرية، وذلك بالنظر إلى أن الخلاف والاختلاف على عقد المؤتمر هو اختلاف وخلاف على دور الحركة ومكانتها، وعلى مستقبل ومصير الحركة، وهو ــ بالتالي ــ صراع «وجودي»، إذا جاز التعبير، وذلك لأن الدور والمكانة في الظروف المفصلية التي تمرّ بها الحركة، ويمرّ بها الواقع الوطني ستتحدد إلى درجة بعيدة بالنتائج التي سيفرزها المؤتمر.

أقصد أن الذين يعارضون عقد المؤتمر الآن، وقبل أن يتم «التأكّد» من «منع» أصحاب أجندة الجناح «الإقصائي» من السيطرة، وإحكام القبضة على مقاليد «السلطة» في الحركة يخشون أن ينتهي المؤتمر إلى «تحويل» حركة فتح إلى حزب «جديد» للسلطة، والتي باتت برأيهم ــ رأي المعارضين ــ تتطلب مثل هذا التحويل، وبات «ضبط» الحركة لشروط هذا التحول هو الهدف الأوّل لعقد المؤتمر، وهو ما يهدد ليس فقط دور ومكانة الحركة، وإنما وجودها فعلاً.

في هذا الإطار يرى هؤلاء أن الإرث الوطني العميق والعريق للحركة لن يشفع لها، ولن يمكّنها من الصمود في ظل «العمل» الإسرائيلي النشط والمحموم ضد الكادر الكفاحي في هذه الحركة، وفي ظل «التحضيرات» الإقليمية والدولية لتغيير «حصان المراهنة» من «فتح» إلى حركة حماس، وفي ظل افتقاد الحالة الوطنية لعوامل النهوض والاستنهاض الوطني بعد أن تكون حركة فتح قد أُدخلت إلى نفق الحزب «الجديد» للسلطة.

بل ويذهب كل هؤلاء إلى أن مصير الحركة في هذه الحالة لن يكون أفضل من حال حزب «العمل» الإسرائيلي ــ على سبيل المثال ــ الذي قام ولعب الدور الأكبر في إنشاء وتأسيس دولة إسرائيل، وانتهى إلى حزب سياسي هامشي يصارع البقاء ــ مجرد البقاء ــ على الخارطة السياسية والحزبية في الدولة التي أسّسها. ويضرب هؤلاء عشرات الأمثلة من الواقع العربي في الجزائر وسورية والعراق واليمن.

وبرأيي أن الأمور في الحالة الفلسطينية يمكن أن تصل إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك، لأن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني لم يتمكن من إقامة الدولة بعد، وأن تجيير هذا المشروع للدفاع عن سلطة ــ لا سلطة لها ــ وعن سلطة يجري على قدمٍ وساق «اعتماد» بدائل عنها ــ على ما تبدو عليه الأمور ــ والاستمرار في إضعافها والنهش من لحمها الحيّ على كل المستويات، وبمختلف الوسائل الاقتصادية والسياسية، إضافةً إلى «استحضار» البديل «الاجتماعي» لها.. إن كل ذلك يجعل من زجّ حركة «فتح» لتلعب مثل هذا الدور هو بمثابة انتحار سياسي معلن ومؤكّد.

نلاحظ هنا أن معارضي عقد المؤتمر يلتقون مع أصحاب الرأي القائل إن المؤتمر سيتحول إلى مؤتمر «إقصائي» رغم أنهم لا «يُقاتلون» من أجل «منع» انعقاده، وهم لا يعبّرون عن رفضهم لهذا الانعقاد، وربما ما زالوا يراهنون على عدم قدرة الهيئات القيادية في الحركة على إما على ترتيبات الانعقاد، أو «فرض» إرادتها على المؤتمر.

أما القواعد الفتحاوية التي تؤيد عقد المؤتمر، وترى نفسها في تناغم وانسجام مع الهيئات والمؤسسات الرسمية العليا للحركة فإنها لا ترى في كل الأطروحات السابقة سوى حالة «احتجاجية» معهودة في تاريخ الحركة، وهي ليست مؤثرة إلى الدرجة التي تتحدث بها هذه الحالة الاحتجاجية عن نفسها، وهي في الغالب ليست من الجهات والأوساط الفاعلة في الحركة، وهي على تماسٍ مع نفسها وليس مع قواعد الحركة الممتدة في كل تجمعات الشعب الفلسطيني، وهي في نهاية الأمر ليست أكبر أو أكثر من حالة «تذمّرية» وصلت إلى الإحباط واليأس وفقد الأمل.

وترى هذه القواعد أن الحالة الكفاحية المتصاعدة للحركة في الضفة، وخصوصاً في نابلس وجنين والقدس هي حالة كفاحية وطنية تنتمي للحركة وليست جزءاً متمرداً عن الحركة، وأن هذه الظاهرة هي الوجه الآخر لحركة «فتح» الحقيقية التي تتحمّل «أوزار السلطة» وأعباء الكفاح الوطني، وهي وجه ثالث للحركة التي تقاوم وتتصدّر المقاومة الشعبية، وتقوم بكل الأنشطة الممكنة في الخارج والشتات، وهي التي تتحمل مسؤوليات كبيرة في مؤسسات السلطة والمنظمة، وهي التي تتابع العمل السياسي والدبلوماسي ضد إسرائيل في كل مؤسسات القانون الدولي، وفي كل مكان من مجالات عمل الجاليات الفلسطينية والنشاط مع الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية على المستويات العربية والإقليمية والدولية.

وفي إطارٍ أكثر تحديداً فإن هذه القواعد الفتحاوية الممتدة ترى أن «قواعد» اللعبة السياسية في الظرف الفلسطيني لا تشكل شروطاً على تحول الحركة إلى حالة كفاحية عارمة، وهي ليست قيوداً تكبّل الحركة أو تحدّ أو تمنع التصدي للمشروع الإسرائيلي لا بصورة يومية وعملية، ولا بصورة خاصة إذا لزم الأمر، ولهذا فإن المؤتمر هو محطة ستنقل الحركة من واقع «حزب» السلطة الذي ما زال في طور الخمول النسبي إلى واقع «التململ» على طريق الصدام الأشمل مع الاحتلال، وحينها لن تكون المسألة هي مسألة حزب السلطة، وإنما كيفية إحداث تغيرات نوعية على دور السلطة وصيرورة تحولها إلى مؤسسة وطنية للإدارة الاجتماعية في إطار هذا الصدام وليس من خارجها..!

وترفض هذه القواعد الممتدة «التصنيفات» القائمة في المحيط الوطني كله، وترى أن سياسة وفكر وممارسة «التعليب» السياسي ليست صحيحة، ولا تليق بالحالة الوطنية كلها، وهي لا تنطبق على حركة مثل «فتح»، وأن الحركة ستعيد بناء نفسها ووحدتها من خلال تحمّل المسؤولية، وليس من خارجها، وأن «فتح» إن كانت تراهن فهي تراهن على نفسها أولاً وقبل أي مراهنة أخرى.

أرجوكم أن تلاحظوا معي أن الآراء الكثيرة المتباينة، والمتعارضة، وقد يصحّ القول، المتضاربة، أيضاً، تعتبر نفسها من صُلب «فتح»، ومن صميم إرثها وتاريخها، وهي شديدة الانتماء لهذه الحركة، وهي شديدة الحرص على دورها ومكانتها ومصيرها، وهي إذا كانت تختلف مع بعضها البعض فهي تفعل ذلك انطلاقاً من هذا الانتماء، ومن أجل المكانة والدور.

الحقيقة أن هذا إن دلّ على شيء جوهري فهو يدلّ على التمسك بالحركة، والإيمان بدورها والعمل على إحداث تغيير «ما» في هذا الدور.. والاستخلاص هنا هو أنّ مقاييس نجاح المؤتمر باتت تتمحور في القضايا الآتية:

أوّلاً، نقطة البداية والانطلاق في الحكم على المؤتمر هي فيما إذا كان انعقاده سيقلّص أو سيزيد من دائرة «الاحتجاج والتمرد والتذمّر» في الحركة.

فإذا انعقد المؤتمر دون ازدياد هذه الظواهر والمظاهر، أو أدّى انعقاده إلى تقليصها فإن هذا سيعتبر انتصاراً للحركة ونجاحاً كبيراً لها في ظل كل التشابكات والصعوبات التي تمرّ بها الحركة.

أما إذا تم انعقاد المؤتمر، بأيّ ثمن، وكانت النتيجة أن تتقوقع الحركة على نفسها، وأن تعيد دورها كله لبقاء الحالة الوطنية وإبقائها في دائرة المراوحة السياسية، ودائرة «التعايش» الاقتصادي، وتكريس السلطة كبديل حقيقي عن المنظمة من الزاوية العملية والواقعية فإن انعقاد المؤتمر بحدّ ذاته سيعتبر محطة خطرة على الحركة، والنتائج التي ستتمخض عن هذا المؤتمر ستكون مدمّرة على وحدة الحركة، وعلى دورها.

ثانياً، إذا لم يؤدّ انعقاد المؤتمر والنتائج التي سيخرج بها إلى إحداث تغيير نوعي جديد في دور السلطة، ولم يتم تحويل دورها إلى مجرد أداة سياسية، وذراعٍ مؤسساتية للإدارة الاجتماعية، وإحداث نقلات نوعية في صلاحياتها فإن الحركة في هذه الحالة تكون موضوعياً قد رضيت لنفسها وارتضت بأن تكون الحزب «الجديد» للسلطة التي تتعايش مع «الحل الاقتصادي»، وتراوح في نفس دائرة الرهان على حلولٍ سياسية مقلّصة إلى ما هو دون «الحكم الذاتي»، وإلى ما هو خارج الإطار الناظم للمشروع الوطني.

ثالثاً، إذا استطاع المؤتمر في حالة انعقاده أن يؤسس لإعادة بناء النظام السياسي على أُسس ديمقراطية، واستطاع بالتالي تكريس نظام ديمقراطي وتعددي، وحوّل هذا النظام إلى منظومات متكاملة لاستعادة الوحدة السياسية والاجتماعية، وأرسى نظاماً ملزماً من الناحية الوطنية للعلاقات الوطنية والشراكة الوطنية فإن الحركة من خلال مؤتمرها الثامن يمكن أن تجدد دورها القيادي، وأن تستعيد دورها ومكانتها التي تستحقها.

رابعاً وأخيراً، فإن مقياس نجاح مؤتمر «فتح» سيعتمد على إعادة الاعتبار للطابع الوطني التحرري للكفاح الوطني، وعلى إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة هويته الوطنية، وتماسك روايته التاريخية، وعلى رفض التعايش مع الطابع العنصري، الاستيطاني، والاستعماري للمشروع الصهيوني بالتعاون المباشر واللصيق مع حركة التحرر العربية، ومع كل قوى التقدم الاجتماعي، وقوى الحرية والديمقراطية الحقيقية في هذا العالم على أساس من الشراكة الكفاحية.

اختراع “تيار ثالث”! العَجَلة من الشيطان| عصام مخول

عصام مخول

افتعال نقاش غير قائم داخل القائمة المشتركة حول مسألة التوصية عند رئيس الدولة ربما يساعد على تجاوز بعض النقاشات الداخلية عند هذا الحزب أو ذاك، لكنه بأي حال من الأحوال لا يرتقي بالنقاش السياسي ولا يخدم المواجهة الحقيقية مع تفشي الخطاب الفاشي، ولا يقدم مشروع الوحدة الكفاحية ولا قضايانا كأقلية قومية أية خطوة الى الامام. فالتوصية عند رئيس الدولة هي مسألة تكتيكية بامتياز، مهما بالغ البعض في التركيز عليها وتحويلها الى لب النقاش.

إن دور التكتيك أن يساعد على استعمال ما تملكه من قوة سياسية في لحظة مواتية، لتضاعف وزن وتأثير هذه القوة التي راكمتها على محدوديتها، بحيث تصبح أكثر فاعلية وأكبر وزنا من وزنها الموضوعي، وذلك من خلال استغلال تناقضات طارئة داخل المعسكر المعادي. فالتكتيك يسمح بإظهار بعض الليونة في قضية آنية من جهة، لكنه بالضرورة لا يعفي صاحبه في المقابل من التزام صرامة قصوى من حيث التمسك بالثوابت الاستراتيجية والأسس المبدئية التي توجه عمله السياسي وإلا تحوّل الأمر الى انتهازية رخيصة.

لقد أنهت اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي بيانها الصادر بتاريخ 6 آب 2022 بشأن مسألة التوصية لدى رئيس الدولة بقولها الواضح: “من الأهمية بمكان التأكيد ان الخارطة السياسية الحالية في اسرائيل لا يمكن ان تقود الى اية تشكيلة حكومية تتوافق وتجيب على ثوابتنا وعلى  مطالبنا الأساسية”.

وفي مقالتي في ملحق الاتحاد 12.8.2022 تحت عنوان: “انتخابات الخريف وخريف الاجماع الصهيوني” كتبت: “وإذا كان موقعنا في مواجهة الاجماع القومي الصهيوني المحموم، لا يسمح لنا في هذه المرحلة بالتأثير على تشكيل حكومة بديل تقدمي أو على إحداث تحول في الموقف من قضايا السلام الحقيقي والمساواة القومية والمدنية، فإن موقعنا يسمح لنا بتعطيل تشكيل حكومة تراوح في داخل الانحدار الفاشي، ولا تجيب على الحد الأدنى من شروطنا السياسية وهذا أضعف الايمان”.

 وإذا كان هذا هو موقف الحزب الشيوعي والجبهة فلماذا هناك من يحاول افتعال النقاش حول قضية التوصية معنا بالذات؟ ولماذا هناك من يحاول أن يخلق الانطباع أن نقاشه مع الحزب والجبهة هو في هذه المساحة؟

 إن تحويل قضية التوصية عند رئيس الدولة على عضو كنيست ينيط به مهمة تشكيل الحكومة الى محور النقاش ولب الصراع، هو تسطيح للسياسة وخلط ضحل بين القضايا الاستراتيجية وقضايا التكتيك العيني العابر.. خاصة اذا ما استعمل هذا النقاش توطئة من أجل المماثلة والمماهاة غير البريئة بين فكرة التوصية لدى رئيس الدولة، وهي مسألة لا تتجاوز في أقصى حدودها ميدان التكتيك، وبين “نهج” الاندماج في الائتلاف اليميني المتطرف والتصويت الى جانب الحكومة، والانضواء داخل الائتلاف الحاكم وخطابه الفاشي السائد وتبني ثوابت الاجماع القومي الصهيوني والخطوط العريضة لسياسة الحكومة وهي مسألة استراتيجية خطيرة، فتصبح هذه المماثلة  تبرئة  لأولئك الذي اصطفوا فكريا وسياسيا لدى المعسكر المعادي  للوحدة الكفاحية التقدمية والوطنية، ومساهمة في غسل أيديهم بعد أن اختاروا إدارة ظهورهم لوحدة النضال من أجل المساواة في الحقوق القومية والمدنية باعتبارها في مفهومنا ثنائية لا تنفصم عراها.

تهريب الجوهر..

ولذلك سيكون على أي تحالف أن يبدأ من تحديد مساحة الاتفاق في القضايا الاستراتيجية المبدئية ثم يمنح نفسه ليونة في كيفية استعمال قوته المتراكمة للتقدم نحو أهدافه الاستراتيجية.  إن القرار إذا ما كانت هذه الخطوة التكتيكية تزيد وزن قوتي في المعركة على القضية الأساسية وعلى الأهداف الاستراتيجية أو تقلل من هذا الوزن وتشتته، هو المقرر في اختيار التكتيك الذي تلجأ اليه قوة سياسية في لحظة معينة من دون ميوعة من جهة، ومن دون تشنج من الجهة الأخرى..

وعلينا أن نصارح بعضنا بعضا.. هل نحن متفقون على الجوهر المقرر وعلى دورنا السياسي وعلى طبيعة الساحة السياسية التي نعمل فيها؟ وهل نحن متفقون على أننا نذهب الى الكنيست، لنمارس دورنا السياسي المركزي- كجماهير وكأقلية قومية فلسطينية مواطنة في إسرائيل وكقوى تقدمية عربية ويهودية – على الساحة السياسية الإسرائيلية باعتبارها الساحة السياسية المركزية التي نهدف الى إحداث التغيير عليها من خلال القاء ثقلنا للتصدي لموبقات الإجماع القومي الصهيوني والخطاب الفاشي السائد؟  هل نحن متفقون على دورنا في تحدي البنى الفكرية والاجتماعية المهيمنة في هذه الساحة وطرح بديل عن هذا الاجماع الصهيوني، يأخذ في الحسبان حقوقنا القومية والمدنية، ويأخذ في الحسبان مصلحتنا كأقلية قومية وكقوى تقدمية عربية ويهودية لها مصلحة بالدفاع عن الديمقراطية العميقة وعن الحريات الديمقراطية ومناهضة الفاشية وتفكيك البنى العنصرية ومجابهة عقلية الحرب والعدوان والتوسع الاحتلالي؟ أم أننا غير متفقين على ذلك..

هل نحن متفقون على أن بناء الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الجماهير العربية في إسرائيل يتم في ساحات النضال وأداته الوحدة الكفاحية ومنظماته الشعبية والحزبية والنقابية مكمّلا لنضالنا البرلماني وليس مقصورا عليه داخل أروقة الكنيست الإسرائيلي، ولكنه ليس بديلا عنه؟

وهل نحن متفقون على جوهر المعادلات التاريخية التي صاغتها وثيقة السادس من حزيران 1980 التي صدرت عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ونشرتها جريدة الاتحاد صبيحة 6 حزيران 1980، ثم انضم للتوقيع عليها ألوف الشخصيات الشعبية والنشطاء السياسيين من كل المشارب الفكرية والسياسية الوطنية والتقدمية والمنظمات الشعبية وممثلي الجمهور والحركات السياسية داخل الأقلية القومية العربية في إسرائيل  في طول البلاد وعرضها وفي صلب الوثيقة: “نحن أهل هذا الوطن ولا وطن لنا غير هذا الوطن”… و “حتى لو جوبهنا بالموت نفسه فلن ننسى أصلنا العريق نحن جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب الفلسطيني”؛ وهي الوثيقة التي كانت القاعدة السياسية للدعوة الى عقد مؤتمر شعبي شامل للجماهير العربية بمشاركة القوى التقدمية اليهودية في إسرائيل التي تقبل بأسس وثيقة المؤتمر، وذلك في أشجع وأوسع محاولة تاريخية ومنهجية لتنظيم الأقلية القومية العربية الفلسطينية في إسرائيل تنظيما سياسيا في مواجهة الاجماع القومي الصهيوني.. وتشكلت لجنة تحضيرية شاملة للإعداد للمؤتمر الشعبي التاريخي للجماهير العربية، وقاد اللجنة وترأس أعمالها القائد الوطني والشيوعي التاريخي د.اميل توما تحضيرا للمؤتمر في السادس من شهر كانون الأول 1980، قبل أن يقوم مناحيم بيغن رئيس الحكومة بصفته وزير الأمن بإصدار أمره الهستيري اعتمادا على أنظمة الطوارئ الانتدابية يحظر فيه تنظيم المؤتمر ويعلن عن إخراج المؤتمر واخراج اللجنة التحضيرية للمؤتمر ووثيقة السادس من حزيران خارج القانون. لقد نجحت حكومة الليكود الأولى بحظر انعقاد المؤتمر، لكن روح وأسس الاجماع الوطني والتقدمي في القضية القومية والديمقراطية التي حددتها الوثيقة، بقيت حيّة حاضرة الى يومنا هذا، تحاك منها أدوات النضال وتنشأ عنها اللجان الشعبية والحركات الطلابية والشبابية  وأسس تنظيم الأقلية القومية العربية لتأخذ دورها الفعال في المعركة على احداث التغيير الشامل في إسرائيل وعلى حرية الشعب الفلسطيني وتحرره،  وأصبحت أسس وثيقة 6 حزيران 1980 حجر الزاوية في بناء أية وحدة كفاحية وأي برنامج للنضال من أجل انتزاع المساواة في الحقوق القومية والمدنية أساسا لأي معركة لتفكيك البنى العنصرية والفاشية وبنى الاجماع الصهيوني العنصري حتى يومنا هذا.

فهل نحن متفقون على أن مهمتنا التاريخية أن نطرح على شعبي البلاد بديلا سياسيا واجتماعيا يستبدل الاجماع القومي الصهيوني بإجماع تقدمي يقوم على مبدأ المساواة في الحقوق القومية والمدنية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وحقهم في التطور فوق أرضهم ووقف سياسة الهدم والملاحقة والتحريض الدموي ومراهنة المؤسسة الحاكمة على تفشي الجريمة بين الجماهير العربية والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية قاعدة لأي حل سياسي؟ وهل نحن متفقون على طرح إجماع شعبي بديل يأخذ في الحسبان مصالح الطبقات الشعبية العاملة والمنتجة في وجه سياسة غلاء المعيشة وجشع الرأسمالية الخنازيرية المستندة الى تجارة السلاح الدولية والعدوان والاحتلال والاستيطان وتأجيج الحروب؟

إن هذه هي القضايا الحقيقية المقررة في واقعنا السياسي والوطني، وإذا كان هناك خلاف سياسي وازن فهو مرشح ان يقوم على هذا المستوى من القضايا الجوهرية، وإلا فما الداعي تماما لافتعال أزمة والبحث عن تبريرات لاختراع “تيار ثالث” غير متوفر أصلا ولا يرتقي الى طرح سياسي وفكري يساهم في بناء الأسس لوحدة كفاحية أو الارتقاء بالقضية الوطنية؟

إن قيام بعض شركائنا وأصدقائنا السياسيين بتوجيه مطالبتهم على مدار الأسبوعين الأخيرين الى الحزب الشيوعي والجبهة بالذات، ودعوتهما الى الالتزام بالتمسك بالحقوق القومية والمدنية للأقلية القومية الفلسطينية داخل اسرائيل، وعدم التفريط بقضية الشعب الفلسطيني الوطنية، شرطاً لموافقتهم على مواصلة الشراكة في القائمة المشتركة، انما يذهب بهم الى مباشرة الى “حارة السقايين”..

غانتس يتعهد بتكثيف العمليات الأمنية في الضفة الغربية في أعقاب الهجوم في غور الأردن

رئيس الوزراء لابيد : ’سنصل إلى كل من يحاول المس بالإسرائيليين’؛ حماس ترحب بالهجوم ’البطولي’ الذي أسفر عن إصابة 7 أشخاص واصفة العملية بأنها ’رد طبيعي’ على ’جرائم’ إسرائيل

بقلم آش غوبيل

بعد هجوم إطلاق النار في غور الأردن الذي أسفر عن إصابة سبعة أشخاص الأحد، تعهد وزير الدفاع بيني غانتس ب”مواصلة زيادة” الأنشطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بينما قال رئيس الوزراء يائير لابيد إن القوات الإسرائيلية “ستستمر في الوصول إلى أي شخص” يهدد حياة المواطنين الإسرائيليين.

وقال الجيش إن مسلحين فلسطينيين أطلقوا النار على حافلة نقلت جنودا إسرائيليين على طريق سريع في غور الأردن، بالقرب من مستوطنة حمرا. وأصيب أحد الجنود بجروح خطيرة، وأصيب خمسة جنود آخرين وسائق الحافلة، وهو مدني، بإصابات طفيفة.

وتم اعتقال مشتبه بهما فلسطينييّن ساعات بعد الهجوم، الذي وقع وسط تصعيد في العنف بالضفة الغربية.

في تغريدة قال غانتس “بدأت قوات الأمن بمطاردة المشتبه بهم على الفور ووضعت أيديها على المهاجمين المشتبه بهم في عملية سريعة واحترافية. سنواصل زيادة عملياتنا المركزة ضد الإرهاب في منطقة يهودا والسامرة”، مستخدما الاسم التوراتي للضفة الغربية الذي يشيع استخدامه بالعبرية.

وتمنى لابيد، مثل غانتس، الشفاء العاجل للجرحى وأشاد ب”المستجيبين الأوائل وقوات الأمن التي عملت بسرعة وحزم لمعالجة الجرحى والقبض على الإرهابيين المشتبه بهم”.

وكتب في تغريدة “سنستمر في الوصول إلى كل من يحاول المس بمواطني وجنود دولة إسرائيل”.

وأشار رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، الذي يتواجد في زيارة رسمية إلى برلين، وهو يقف إلى جانب نظيره الألماني يوم الأحد أن “الإرهاب لا يهدأ للحظة، واليوم أطل برأسه مرة أخرى، للأسف، عندما ارتكب إرهابيون بغيضون هجوما ضد إسرائيليين سافروا في حافلة”.

متحدثا إلى جانب الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، قال هرتسوغ إن إسرائيل “لن تقبل أي هجوم على مواطنيها أو جنودها. دولة إسرائيل ستدافع عن مواطنيها، وجيش الدفاع وقوات أمننا ستعمل في أي مكان وأي وقت”.

ووصفت حركة حماس التي تتخذ من غزة مقرا لها الهجوم على “الحافلة الصهيونية” بأنها “عملية بطولية”، وقالت إن العملية هي “رد طبيعي على جرائم الاحتلال”. ولم تعلن حماس مسؤوليتها عن الهجوم.

وقال زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو إنه يصلي من أجل شفاء الجرحى، مضيفا “فقط من خلال يد قوية يمكننا هزم الإرهاب”.

بحسب مسؤولين حكوميين، لاحق المسلحون الحافلة قبل تجاوزها وإطلاق النار عليها من الأمام، ثم حاولوا سكب مادة سائلة قابلة للاشتعال على الحافلة وإشعال النار فيها قبل أن يلوذوا بالفرار.

واشتعلت النار بالسيارة التي هرب بها المسلحون عند ابتعادها مسرعة، نتيجة للمادة القابلة للاشتعال التي استُخدمت في الهجوم على الأرجح. واعتقلت قوات الجيش الإسرائيلي المشتبه بهما، اللذين أصيبا بجروح وفقا لتقارير.

وتم تسليم الاثنين لجهاز الأمن العام (الشاباك) للتحقيق معهما. وذكرت وسائل إعلام فلسطينية إنهما محمد ووليد تركمان، وهما على ما يبدو قريبان من منطقة جنين في شمال الضفة الغربية. وتم العثور على العديد من الأسلحة النارية في مكان الاعتقال.

وكما يبدو فر مشتبه به ثالث، حسبما ذكرت تقارير إعلامية عبرية. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته ستواصل عمليات البحث في المنطقة عن مشتبه بهم إضافيين.

تصاعدت التوترات في الضفة الغربية مؤخرا، مع تكثيف قوات الأمن الإسرائيلية لعمليات الاعتقال والعمليات في أعقاب موجة الهجمات الإرهابية المميتة التي خلفت 19 قتيلا في وقت سابق من هذا العام.

ملف pdf انقر مرتين للفتح

ملف pdf انقر مرتين للفتح

نائب في القائمة المشتركة يعلن عن عدم خوضه الانتخابات المقبلة

إعلان أسامه السعدي عن يأتي في الوقت الذي تتوقع استطلاعات الرأي تراجع الحزب ذي الأغلبية العربية في الكنيست المقبل، في حين يواجه أيضا خطر الانقسام؛ حزب الحركة العربية للتغيير الشريك في القائمة المشتركة يحضه على إعادة النظر في قراره

بقلم طاقم تايمز أوف إسرائيل

أعلن نائب في “القائمة المشتركة” السبت عن قراره عدم خوض الانتخابات للكنيست المقبل، في الوقت الذي يعاني فيه الحزب ذو الأغلبية العربية من نتائج ضعيفة في استطلاعات الرأي وانقسامات داخلية قبل الانتخابات المقبلة.

وأعلن عضو الكنيست أسامة السعدي عن قراره في اجتماع لحزب “الحركة العربية للتغيير” الشريك في القائمة المشتركة لانتخاب مرشحيه للانتخابات المقررة في الأول من نوفمبر، قائلا إنه لن يتنافس على مكان في قائمة مرشحي الحزب.

وفوجئ نشطاء الحركة العربية للتغيير بالقرار وحضوا السعدي على إعادة النظر في قراره.

وقالت مصادر في الحركة العربية للتغيير للقناة 12 إن السعدي يشعر بقلة تقدير من “الجبهة” و”التجمع”، الحزبين الآخرين الشريكين في القائمة المشتركة.

قال السعدي مؤخرا لمقربين منه إنه يشعر بالإرهاق والانزعاج من الصراعات الداخلية في القائمة المشتركة، حسبما أفات هيئة البث الإسرائيلية “كان”.

دخل السعدي، وهو صهر رئيس الحركة العربية للتغيير، أحمد الطيبي، ومقرب منه، الكنيست لأول مرة في عام 2015 عندما فازت القائمة المشتركة بعدد قياسي من المقاعد بلغ 15 مقعدا.

ويأتي إعلانه بعد أيام من استطلاع رأي نشرته “كان” وتوقع أدنى نسبة مشاركة على الإطلاق في صفوف عرب إسرائيل في الإنتخابات المقررة في الأول من نوفمبر، مما قد يتسبب في تضاؤل التمثيل العربي في الكنيست.

أدنى نسبة إقبال على صناديق الاقتراع في صفوف الناخبين العرب حتى الآن بلغت 44.6٪ وسُجلت في الانتخابات الأخيرة في 2021. قبل ذلك بعام، عندما خاضت الأحزاب العربية وذات الأغلبية العربية الرئيسية الانتخابات في قائمة واحدة تحت راية القائمة المشتركة، بلغت نسبة المشاركة العربية ذروتها- 64.8٪، مما منح القائمة المشتركة 15 مقعدا من أصل المقاعد الـ 120 في الكنيست.

لكن خوض حزب “القائمة العربية الموحدة” الانتخابات بشكل مستقل في انتخابات العام الماضي تسبب في انخفاض التمثيل العربي إلى 10 مقاعد في الكنيست الحالي (6 للقائمة المشتركة و4 للقائمة الموحدة)، في حين تتوقع استطلاعات الرأي أن ينخفض أكثر إلى 9 مقاعد – خمسة للقائمة المشتركة و4 للقائمة الموحدة – إذا لم تتغير تركيبة الأحزاب.

كما وجد استطلاع الرأي أنه في حال انقسام حزب “التجمع” القومي الفلسطيني عن القائمة المشتركة، كما يهدد، سيتعرض التمثيل العربي لضربة أخرى، حتى أن ذلك يعرض الأحزاب الثلاثة جميعها لخطر الفشل في تجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست والبالغة 3.25٪.

في مثل هذا السيناريو، سيفشل التجمع في دخول الكنيست، وستلامس كل من القائمة المشتركة والقائمة الموحدة بالكاد نسبة الحسم التي تسمح لها بالفوز بأربعة مقاعد.

سينعكس التراجع في تمثيل الأحزاب العربية من المقاعد العشرة الحالية إلى 8 في دفعة طفيفة للأحزاب الأخرى – وهو ما يكفي لدفع زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو وحلفائه في اليمين-المتدين إلى 61 مقعدا، وهي أغلبية في الكنيست. تتنبأ استطلاعات الرأي الحالية بفوز كتلة نتنياهو بـ 59-60 مقعدا، بينما ستحصل الأحزاب في الائتلاف الحالي – الذي يضم حزب القائمة الموحدة – على حوالي 45 إلى 55 مقعدا، في استمرار لحالة الجمود السياسي الذي فرض أربع انتخابات سابقة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

توقعت استطلاعات الرأي التلفزيونية الأخيرة أن تحصل القائمة المشتركة، الغير محسوبة على أي من الكتلتين، على 5-6 مقاعد في الانتخابات.

فلسطين في مشروع الشرق

بقلم الدكتور اياد البرغوثي

عن صحيفة “الأخبار اللبنانية”

لا يمكن ارجاع الصراع البشري عبر التاريخ لسبب واحد، فهو بالتأكيد ظاهرة معقدة يدخل فيها الأمن ‏والاقتصاد والسياسة والاجتماع والفكر وربما السيكولوجيا ايضا. وعند النظر الى التاريخ الحديث ‏والمعاصر للعالم نرى أن الغالب عليه هو الصراع بكل اشكاله‎.‎

لقد فتح الصراع الدائر في اوكرانيا حاليا العيون على أن ما عاشته البشرية في التاريخ المنظور، وما تعيشه ‏الآن، ليس اكثر من حروب ساخنة احيانا وباردة احيانا اخرى. على ما يبدو أن العالم لم يشهد لا الآن ولا في ‏اي وقت مضى سلاما حقيقيا، وما هذا السلام الذي يتم الحديث عنه في فترات كثيرة الندرة في التاريخ ‏المعروف، إلا الاسم الآخر لما يطلق عليه الحرب الباردة هذه الأيام‎.‎

تتميز الصراعات الكبرى عبر التاريخ، بما فيها تلك الدائرة الآن، بأنها صراعات بين امبراطوريات ‏ضخمة، بين مشاريع كبرى تمثل مصالح عليا لأصحابها، وتستند أساسا الى الجيواستراتيجيا الخاصة ‏باصحاب تلك المشاريع، مع ضرورة عدم استثناء العوامل الأخرى المؤثرة في الاصطفافات الموجودة‎.‎

بالعادة، وكما تمثل الحرب في اوكرانيا، تتقاتل المشاريع الحية(روسيا والغرب) على اراضي المشاريع ‏الغائبة(الشرق الاسلامي وافريقيا وآسيا السوفياتية) الغنية بالثروات وبأدوات الانتصار، وهذا ما تظهره ‏الدبلوماسية النشطة للمتحاربين في بلدان هذه المناطق، والمطلوب في نهاية الأمر من شعوب تلك المناطق ‏ودولها ليس اكثر من الاصطفاف بشكل او بآخر مع هذا‎ ‎الطرف او ذاك من المتحاربين‎.‎

وعندما اتحدث عن المشاريع الغائبة في أفريقيا وآسيا السوفياتية والشرق الاسلامي الذي تم تحديده جغرافيا ‏في كتابي “تحرير الشرق.. نحو إمبراطورية شرقية ثقافية ” بالمنطقة الواقعة بين المغرب الأقصى ‏وافغانستان فإني لا اضعها جميعا في نفس المرتبة، إذ ان كلا من أفريقيا وآسيا السوفياتية تعي اهمية ‏وحدتها، وهي تبذل جهودا وإن كانت ما زالت متواضعة لتقريب دولها وشعوبها، رغم تدخلات الاقطاب ‏الكبرى (المشاريع الكبرى ) المعرقلة والمعيقة لذلك‎.‎

أما ما يجري بالنسبة لمشروع الشرق الاسلامي الذي يهمنا هنا، فهو مشروع غائب أو ما زال غائبا كما هو ‏عليه الوضع في افريقيا وآسيا السوفياتية، لكنه يتميز “بغياب” شبه تام للحامل الثقافي له، بعد أن وصلت ‏فئة كبيرة من المثقفين وخاصة العرب الذين يفترض أن يدافعوا عن ذلك المشروع، الى عدم الاقتناع به ‏حيث انتقلوا من مؤمنين بامكانية الوحدة وداعين لها الى الحديث عن صعوبتها، ومن ثم، وهو الأخطر، الى ‏عدم الإيمان بها والذهاب بها الى وضع يشبه المزحة لا أكثر، وتسخيف اي حديث عن تقارب شعوب ‏المنطقة باعتباره كلاما بعيدا عن الواقع، وبعيدا عن المنطق ايضا‎.‎

إذا للغرب مشروعه، وهو في ما يتعلق بالشرق، يتمثل في تغييب مشروعه أو ابقائه غائبا والهيمنة عليه ‏والاستيلاء على ثرواته، واضعافه وتمزيقه من اجل ضمان الاستمرار في ذلك. ومن أجل ذلك استخدم ‏الغرب ويستخدم كل نفوذه وادواته وقواه الخشنة والناعمة وفي مقدمتها اسرائيل والمشروع الصهيوني‎.‎

لقد كان احتلال معظم فلسطين عام 1948 وإنشاء دولة اسرائيل، الخطوة الأساس في المشروع الغربي ‏لتغييب اي مشروع شرقي الى الأبد، وذلك بوضع حد للتواصل الجغرافي بين جناحي الاقليم. من البديهي ‏أن عدم التواصل الجغرافي يخلق عقبات أمام كل أنواع التواصل الأخرى، الجيواستراتيجة والاقتصادية ‏والثقافية والاجتماعية والنفسية وغيرها‎.‎

أفقد ضياع فلسطين الشرق أية امكانية لتجسيد مشروعه بشكل طبيعي، وجعل انشاء اسرائيل مكان فلسطين ‏الإمكانية متوفرة أمام الغرب لالحاق بلدان الشرق في مشاريع أخرى غير مشروعها هي، بمعنى أن وجود ‏اسرائيل كرأس حربة للمشروع الصهيوني والامبريالي الغربي وضع الأساس لصهينة المنطقة‎.‎

يوضح كتاب “تحرير الشرق.. نحو إمبراطورية شرقية ثقافية ” الموقع المركزي للقضية الفلسطينية في ‏علاقتها باستمرار تغييب المشروع الشرقي أو إعادة احيائه، ويقارن ذلك بالاهمية المركزية للمشروع ‏الصهيوني وإسرائيل في انجاح المشروع الامبريالي الغربي في المنطقة، نظرا لدور الصهيونية المركزي ‏في الابقاء على الهيمنة الغربية على الشرق‎.‎

فلسطين بموقعها الاستراتيجي الخاص والمميز تعتبر قضية القضايا في المنطقة، فبدون فلسطين محررة، أو ‏على الأقل فلسطين كحركة تحرر ومقاومة، لا يبنى مشروع شرقي. هناك أجزاء محتلة من الوطن العربي، ‏وهي بالتأكيد عزيزة على أهلها وعلى الأمة بأجمعها، لكن احتلالها لا يملك ولا يمكن أن يملك نفس الأهمية ‏الاستراتيجية لمشروع الشرق، كما هو حال فلسطين‎.‎

ان أبرز ما ينقص فلسطين هو الوعي الاستراتيجي بها، والتفكير بها استراتيجيا من حيث علاقتها بمشروع ‏الشرق، وهذا يعني ايضا الفهم الاستراتيجي لإسرائيل والمشروع الصهيوني ودورهما في المشروع الغربي. ‏من البديهي أن فلسطين هي وطن الفلسطينيين الذي تحتله اسرائيل، لكنها في الفكر الاستراتيجي المتعلق ‏بالمشاريع والمشاريع المضادة في المنطقة، هي الجغرافيا التي تصل بين جناحي الشرق في شمال افريقيا ‏وغرب آسيا، أما اسرائيل فهي الجغرافيا التي تفصل بين هذين الجناحين. فلسطين تصل وإسرائيل تفصل، ‏هكذا هو واقع الحال، وهكذا يجب أن تفهم الأمور، ويبنى بمقتضاها‎.‎

هذا الفهم الجيواستراتيجي لفلسطين وإسرائيل، ينبغي أن يكون منطلقا للتعامل مع القضية الفلسطينية، ‏وللمواقف منها، وهو الأساس الذي يبنى عليه الموقف من اسرائيل، ومن العلاقة معها، وكذلك الموقف من ‏الغرب ومن كل الفاعلين في العالم‎.‎

من المؤكد أن الغرب والصهيونية يفهمان اسرائيل (وفلسطين ) استراتيجيا وتتصرفان على هذا الأساس. ‏يبدو هذا من تصريحات القادة الغربيين والصهاينة، ويبدو كذلك من افعالهم وسياساتهم. فبن غوريون الذي ‏يقول بأن غاية اسرائيل “هي التحقيق الكامل للصهيونية وليس السلام “، و نتنياهو الذي قال أن السلام ‏الاقتصادي الذي يسعى اليه هو “تجسيد للهيمنة الصهيونية الدائمة على الفلسطينيين والعرب” يعبران عن ‏الفكر الاستراتيجي الذي يتبناه الغرب في المنطقة‎.‎

أما الجانب الفلسطيني والعربي فلا شيء يوحي لا من الأقوال ولا من الأفعال والسياسات، أن لديهم أي ‏وعي استراتيجي بفلسطين وإسرائيل، ولذلك لا تغدو سياساتهم اكثر من قصف “عشوائي” وفي كل ‏الاتجاهات، وهذا ما يفسر أن فلسطين (والشرق ) قتلت بنيران “صديقة” الى جانب نيران الأعداء بالطبع‎.‎

من الحيوي جدا بالنسبة للفلسطينيين وللعرب وللشرقيين اجمالا فهم اسرائيل كمشروع أو كرأس حربة ‏لمشروع. هذا يعني ايضا فهم فلسطين كمشروع (كقضية) تهم الفلسطينيين والعرب والشرقيين اضافة الى ‏أنصار العدل في العالم. ان فهم كل من فلسطين وإسرائيل كرأسين لمشروعين متضادين، اضافة الى فهم ‏أسس العلاقات التي تربط المشاريع المتضادة، من حيث كونها متضادة ومن حيث كون الصراع بينهما لا ‏يمكن أن يكون إلا تناحريا، يقودنا الى تقييم جدي وحقيقي لكل السياسات والمواقف التي انتهجتها دول ‏وشعوب المنطقة حيال فلسطين وقضيتها‎.‎

شكلت كامب ديفيد، وقبل ذلك الموقف من قرار تقسيم فلسطين، وبعد ذلك انطلاق عملية “التسوية” في ‏مدريد وبعدها اوسلو، في بعض جوانبها، علامات على عدم فهم تام للمشروع الصهيوني في المنطقة ودولته ‏اسرائيل، وبالتالي عدم فهم لجوهر القضية الفلسطينية. فهذه الأحداث جميعا اعتبرت أن هناك خلافا بين ‏الفلسطينيين والاسرائيليين، أو العرب والاسرائيليين، وأن حل هذا الخلاف يكون بقسمة “العرب عربين” ‏وانتهى الأمر‎.‎

هذا الموقف اعتبر اسرائيل دولة طبيعية مثل أية دولة، غير شرعية نعم، ولكنها ليست مشروعا أو ممثلا ‏لمشروع، وليست رأس حربة لذلك المشروع، وليست تكريسا لهيمنة على المنطقة برمتها. واعتبر فلسطين ‏كيانا تم تغييبه ولا بد من طريقة لاعادة احيائه، وليست قضية تحرر وطني لها وللمنطقة، وطليعة لمشروع ‏للمنطقة في مواجهة مشروع متغول عليها‎.‎

غياب الفكر الاستراتيجي لدى الفلسطينيين والعرب غيب مشروعهم الذاتي، وجعل كل خطواتهم عشوائية، ‏و”اهداهم” لاعدائهم، واوصلهم لاوسلو، ومن ثم التطبيع “الغرامي” بين بعض الدول العربية وإسرائيل، ‏و”التفنن” في ذلك التطبيع بالوصول الى “ادلجته” ممثلا بالابراهيمية والدعوة الى انشاء حلف أمني “ناتو” ‏يضم دولا عربية اساسية “بقيادة” اسرائيل‎.‎

في اوسلو ربط الفلسطينيون قولا وفعلا مصيرهم بكل تفاصيله، وكذلك سيادتهم وقرارهم “المستقل” الذي ‏ناضلوا طويلا من أجل ترسيخه، باسرائيل. وشكلت خطوتهم تلك تمهيدا سياسيا ونفسيا لدول عربية وغير ‏عربية للتطبيع العلني مع إسرائيل، ولتخلي تلك الدول عن القضية الفلسطينية بكل وضوح، ومن ثم تطوير ‏ذلك “التخلي” الى “التموضع ” في المعسكر المضاد‎.‎

في البداية اعتبر “الفلسطينيون” اوسلو مغامرة ورهانا وقفزة في المجهول، في حين كانت بالنسبة ‏للاسرائيليين مسألة في غاية الوضوح، تهدف الى خلق حالة من التبعية للفلسطينيين ومنطلقا نحو العرب ‏والمسلمين. لكن الفلسطينيين استمروا في تلك “القفزة” حتى عندما وصلت ذروة “المعلوم “، فارتباطهم ‏باسرائيل يتعمق يوما بعد يوم، واتخذ التنسيق بينهم وبين الاسرائيليين شكلا دراميا تجلى بكل وضوح عندما ‏اجتمعت قيادة الطرفين لتنسيق مواقفهما قبيل زيارة الرئيس بايدن للمنطقة. بالعادة تنتظر الأطراف ‏‏”الوسيط” ليساعدها في تقريب مواقفها، أما أن تنسق الأطراف مواقفها في “مواجهة” الوسيط فهذا يستحق ‏براءة اختراع جديدة في موضوع الدبلوماسية‎.‎

في غياب الفكر الاستراتيجي تضيع الأهداف، وتستبدل باشياء اخرى، رمزية بالعادة. في الحالة الفلسطينية ‏بعد اوسلو رفعت الوسائل لدرجة الأهداف، وجرى تقديسها بشكل او بآخر، وغابت السياسة الحقيقية وتشوه ‏النظام السياسي… كل ذلك بانتظار الدولة “المستحيلة” التي يعرف الفلسطينيون جيدا أن من قدمهم للعالم ‏ليست هذه الدولة بل القضية بكل معانيها‎.‎

أدى “الارتقاء” باوسلو الى الابراهيمية التي شكلت نقلة “نوعية” في فهم اسرائيل من قبل “شركائها” الجدد ‏من العرب. فقد زال الجانب النفسي الذي كان يقتضي أن لا يكون التعامل مع إسرائيل علنيا، وجرى ‏الاصطفاف العلني الى جانب اسرائيل وبقيادتها في المنطقة ضد “اعدائها” المشتركين. وابتدأ عصر جديد ‏من “صهينة” المنطقة، وما الحديث عن ادخال اسرائيل في الاقليم الا عكس للحقيقة تماما، فالذي يجري ما ‏هو إلا ادخال للاقليم في اسرائيل ومشروعها الصهيوني‎.‎

ان الحديث عن الديانة الابراهيمية التي تجمع اليهود والمسيحيين والمسلمين، ما هي إلا محاولة لاضفاء ‏القداسة على التطبيع مع اسرائيل، والانضواء تحت لوائها، واستقواء بها على الآخرين. أما امريكا التي ‏ركزت اهتمامها الاستراتيجي على صراعها مع الصين وروسيا، فقد سلمت قيادة المنطقة الى اسرائيل التي ‏تعمل بمثابة عصا موسى “ابراهيميا” لتأكل كل “افاعي” الآخرين ومقدراتهم‎.‎

انتهى

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى