أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (121)

حكومة الدكتور محمد اشتية والوحدة الجغرافية لدولة فلسطين

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ونحن نستعرض الخطوط العريضة لبرنامج حكومة الدكتور محمد اشتيه ، المتمثلة بتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الجغرافية ، وحول دور الحكومة في قطاع غزة، قال: سنعمل بخطين متوازيين بتوجيهات من الرئيس، وهما مساعدة أهلنا في القطاع، وإنهاء الانقسام، مؤكدا أن الجهد سيكون موحداً في هذا الإطار، وتسخير كافة الجهود لإنهاء الانقسام.

وأكد اشتية في معرض تشكيل حكومته أن هموم أهلنا في غزة أولوية بالنسبة للحكومة، معتبرا مفتاح هذا الموضوع إنهاء الانقسام وبأسرع وقت ممكن، مشيرا إلى الأوضاع السيئة التي يعاني منها المواطنون في القطاع، موضحا أن 95% من المياه ملوثة، والكهرباء تشهد انقطاعا متواصلا إضافة لمشاكل الصرف الصحي، كما أن غزة تعاني من أعلى كثافة سكانية في العالم، حيث تبلغ مساحتها 364 كيلومتر مربع، لافتا إلى أن السلطة تنفق شهريا 100 مليون دولار على قطاع غزة.

أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة وقطاع غزة في الفترة ما بين 16-20 آذار (مارس) ، 2022 ، وأعلنت نتائجه اليوم الثلاثاء، انه وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على تشكيل حكومة الدكتور محمد اشتية فإن توقعات الجمهور الفلسطيني للمستقبل لا تعكس تفاؤلاً، حيث تقول الأغلبية (74%) بأن حكومة اشتية لن تنجح في تحقيق المصالحة وتوحيد الضفة والقطاع، ويدار قطاع غزه الآن عبر وكلاء الوزارات من موظفي الحكومة الموازية في غزّة، ومرجعيتهم المجلس التشريعي، لمتابعة أعمالهم كجهة رقابية”، وهذا تكريس لفرض أمر واقع للانقسام والفصل الجغرافي

وليست “حماس” وحدها مَن يرفض حكومة أشتية، بل أيضاً “حركة الجهاد الإسلامي” التي لا دور لها في تشكيل الحكومات وترفض المشاركة في الانتخابات التشريعية، لكنّها وصفت خطوة تشكيل الحكومة في حينه بـ “الانفرادية “

وتعاني غزه مزيداً من التعقيد للوضع السياسي في ظل عجز الحكومة عن إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات الحكومية ، في ظلّ التشتت الداخلي وما يشهده من صراعات وخلافات.

ونحن نقلب الصفحات فان حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني التي كان يرئسها الدكتور رامي الحمد الله حرصت على تحقيق الوحدة الجغرافية والسياسية الوطنية الفلسطينية ، وبذلت جهودها من اجل قطاع غزه وتحسين أوضاعه ألاقتصاديه و إعادة أعمار غزه حيث أعادت ترميم وبناء الآلاف من الوحدات السكنية وفق ما توفر من الأموال لإعادة الأعمار حيث أن معظم الدول المانحة التي تعهدت بدفع ما يقارب خمسة مليارات دولار لإعادة أعمار غزه لم تفي بتعهداتها والتزاماتها.

وإن إصرار حركة حماس في تلك ألحقبه على عدم توحيد المؤسسات الحكومية وعدم تسليم المعابر للسلطة وإخضاع المحاكم لمجلس القضاء الأعلى حال دون الانتصار على عقدة الانقسام والعودة إلى الوضع إلى ما كان عليه قبل الانقسام، وهذا ما نص عليه البند الأول في اتفاق الشاطئ:

توصلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى تفاهمات بشأن تنفيذ كافة بنود اتفاق المصالحة الموقع بينهما في أبريل/نيسان 2014، أبرزها تمكين حكومة التوافق الوطني من بسط سيطرتها على قطاع غزة فوراً. وفيما يلي نص التفاهمات:

1. الحكومة:

تمكين حكومة التوافق الوطني ووزرائها كل في مجال اختصاصه وحسب الصلاحيات والمهام الموكلة له في وثيقة الوفاق الوطني الموقعة في 4/5/2011 حسب النظام الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية والالتزام بتذليل العقبات التي تعترض عملها وصولا إلى دمج الموظفين في كافة الوزارات، وتمكين كافة المؤسسات والهيئات والمحافظات من القيام بمهامها المنصوص عليها في النظام الأساسي الفلسطيني.

وتؤكد حركتا فتح وحماس على ضرورة إسراع حكومة التوافق الوطني بتنفيذ ما ورد بشأن ممارسة واجباتها الأمنية على مناطق السلطة الوطنية وفق القوانين والأنظمة المعمول بها بهذا الشأن.

وأكد الطرفان دعمهما الكامل للحكومة في سعيها لإنهاء الحصار وإعادة العمل في كافة المعابر مع الجانب الإسرائيلي في قطاع غزة، وعودة الموظفين العاملين في المعابر للقيام بمهامهم تسهيلا للمواطنين في تحركاتهم وفي تجارتهم وإدخال المواد المطلوبة لإعادة إعمار غزة.

أمام عجز حكومة اشتيه عن تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام وحتى عدم تفكير الحكومة بزيارة غزه وعقد جلساتها في غزه عكس حكومة الوفاق حيث قام رئيس الحكومه والوزراء بزيارة غزه وعقدت الحكومه عدد من جلساتها ونفذت العديد من المشاريع وكانت بمثابة التأكيد على رمزية الوحدة الجغرافية

في ظل الوضع الراهن وأمام المخاطر التي تتهدد القضية الفلسطينية وعجز الحكومة بتنا حقيقة أمام مشروع انفصال بين غزه والضفة الغربية وهذا بحد ذاته خطر يتهدد المشروع الوطني الفلسطيني بحيث بانت التهديدات ومحاولات فرض قياده بديله على الشعب الفلسطيني ضمن محاولات فرض وصاية على الشعب الفلسطيني لتتمكن من تمرير حلول تتوافق وتطلعات الكيان الإسرائيلي ومشروعه الاستيطاني التوسعي وفق رؤيا ومخطط ما يخطط له من قبل اليمين الفاشي وكان لابيد قد أعلن عن خطة في سبتمبر الماضي “لتحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين في غزة، مشروطة بأن يوقف مسلحو حماس هجماتهم ضد إسرائيل.

وسبق أن تحدثت إسرائيل عن هدنة شاملة وبنودها ولم تعترض حماس سوى على مطالبتها بالمزيد من الضمانات للوصول إلى التسوية المطلوبة، غير أن هناك عراقيل تعترض الوصول إلى تلك التسوية على رأسها توظيف حماس لأي اتفاقات وفقا لمصالحها السياسية في غزة أمام المخاطر التي تتهدد القضية الفلسطينيه بات على حركة حماس وفتح أن تدرك مخاطر تجسيد الانفصال الجغرافي والسياسي وخطر تصفية القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية مقابل حوافز جميعها لا تسمن ولا تغني من جوع وبات الوضع ملحا قبل أي وقت مضى من ضرورة التوصل لاتفاق ينهي جميع العقبات التي حالت لغاية الآن من إنهاء الانقسام وأصبح لزاما ضورة التوصل لاتفاق يقود لتشكيل حكومة وحده وطنيه حقيقيه برؤيا وطنيه وضرورة احياء اتفاق الشاطئ وتجاوز الفيتو الإقليمي بإنهاء الانقسام وتوحيد الجغرافية الفلسطينية والانتصار على مؤامرة تجسيد الانقسام والفصل الجغرافي التي تمهد لدويلة غزة.

كيف يمكن حتى لحرب نووية محدودة أن تدمر الكوكب؟

‏‏جاسمين أوينز

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏وفقا لدراسة جديدة، فإن اشتباكاً نووياً بين الهند وباكستان يمكن أن يفضي إلى مجاعة جماعية، مما يؤدي إلى مقتل المليارات من الناس.‏

‏ ‏* * *

‏ليس هناك شيء اسمه حرب نووية “محدودة”، هكذا تحذرنا‏‏ دراسة جديدة‏‏ نشرت في مجلة Nature Food بشكل عاجل.

بقيادة الدكتورة ليلي شيا من جامعة روتغرز، يخلص هذا التقرير المذهل إلى أنه يمكن حتى لتبادل محدود بالأسلحة النووية بين أي دولتين مسلحتين نوويا -باستخدام أقل من ثلاثة في المائة من مخزونات الأسلحة النووية العالمية- يمكن أن يؤدي إلى مجاعة جماعية وموت ما يصل إلى 2.5 مليار شخص في جميع أنحاء العالم.

والأسوأ من ذلك، أنهم يقدرون أن حربًا نووية شاملة تنشب بين الولايات المتحدة وروسيا يمكن أن تؤدي إلى أكثر من 5 مليارات وفاة.

نعم، إنك تقرأ هذا بشكل صحيح. خمسة، مليارات، وفاة. ولا يشمل هذا الرقم ملايين الأشخاص الذين سيموتون على الفور من الانفجارات، والحرائق، والإشعاع الفوري، ولا أولئك الذين سيموتون في الأيام أو الأسابيع أو السنوات اللاحقة بسبب التعرض للإشعاع.‏

هذه خلاصات أحدث دراسة علمية ضمن سلسلة من التقارير التي يعود تاريخها إلى ‏ثمانينيات القرن الماضي، بالتعاون مع علماء المناخ، مثل الدكتورين ‏‏آلان روبوك‏‏ وبراين تون.

وتؤكد دراساتهم السابقة من جديد العواقب الكارثية التي تترتب على الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية، كما توضح الحاجة الماسة إلى التخلص من الأسلحة النووية الآن.

تهيئة الأرضية

باستخدام‏‏ “نموذج نظام مجتمع الأرض”‏‏ (1) للتنبؤ بالمناخ، سعت شيا والمؤلفون المشاركون إلى حساب كمية السخام الحاجب للشمس الذي سيتم حقنه في الغلاف الجوي المباشر والخارجي بعد العواصف النارية التي تعقب تفجير أسلحة نووية في ظل ستة سيناريوهات مختلفة.

وركزت هذه السيناريوهات إلى حد كبير على حرب نووية محتملة بين الهند وباكستان، في ما يرجع أساسا إلى أن الدراسات السابقة التي بُني عليها هذا التقرير استخدمت هذا السيناريو، مما يتيح ضبط الدقة عندما تستخدم النماذج السياق نفسه لكل سيناريو.

وبالنظر إلى التاريخ الطويل من التوتر والتنافس بين البلدين، يُعتقد أن الهند وباكستان سوف تنخرطان في تبادل نووي ذات يوم على الأرجح.

استخدم المؤلفون البيانات السكانية في مجموعة بيانات سكانية من العام 2010، حيث تم تحديد عدد سكان العالم بـ6.7 مليار نسمة.

ومع ذلك، يقدر عدد سكان العالم اليوم بحوالي 8 مليارات نسمة، ولذلك يغلب أن يكون عدد الوفيات أعلى مما ورد في التقرير في حالة نشوب حرب نووية.

تفريغ البيانات‏

إذن، ما الذي سيؤدي بالضبط إلى مليارات الوفيات؟ عندما يتم تفجير أسلحة نووية فوق المدن، فإنها تتسبب بتصاعد الدخان والسخام من العواصف النارية الناتجة.

ثم يرتفع هذا الحطام عاليًا في الغلاف الجوي للأرض، وصولاً إلى الطبقة الخارجية لهذا الغلاف، ويبقى هناك لسنوات، حاجباً دفء الشمس عن الأرض.

وثمة ما هو أكثر من ذلك: لم يتم بناء النماذج المناخية المستخدمة لتضع في حسابها تأثيراً شديداً آخر: الأضرار التي تلحق بطبقة الأوزون.

يخبرنا‏‏ تقرير مصاحب‏‏ صادر عن منظمة “أطباء دوليون لمنع الحرب النووية: (IPPNW)، بأن أشعة الشمس تقوم بتسخين السخام الذي يحجبها.

وسيكون من شأن تسخين السخام (حسب أصغر تبادل نووي في النموذج) أن يدمر حوالي 25 في المائة من الأوزون، ولو أن التدمير قد يصل إلى 50-70 في المائة فوق نصف الكرة الشمالي المرتفع.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا وشمال آسيا، بما في ذلك أجزاء من روسيا والصين، ستكون المناطق الأكثر تأثرًا.

ويزيد تلف طبقة الأوزون من تعرضنا للأشعة فوق البنفسجية، مما يؤدي إلى زيادة المشكلات الصحية المختلفة، مثل حروق الشمس، وإعتام عدسة العين والسرطانات.

مع كل أشعة الشمس المحجوبة بسحب كثيفة من السخام والرماد، سوف ينخفض إنتاج المحاصيل. وبالجمع بين البيانات المستقاة من الدراسة التي قادتها‏‏ ‏‏شيا والدراسات السابقة، اعتمادًا على حجم وكمية الأسلحة النووية المنفجرة، ستنخفض درجات الحرارة العالمية في أي مكان بين 1.3 درجة مئوية في الحالات الأكثر ضيقًا، إلى 6.5 درجة مئوية في الحالات الأكثر خطورة.

ومن أجل السياق، يجدر التذكير بأن علماء المناخ كانوا يدقون ناقوس الخطر لسنوات من أن الارتفاع المفاجئ لدرجات الحرارة العالمية حتى بمقدار 1 درجة مئوية ستكون له عواقب وخيمة على البشرية.

وإضافة إلى ذلك، كان العصر الجليدي الأخير الذي حدث أكثر برودة بحوالي 6 درجات مئوية من درجات الحرارة التي نشهدها اليوم.‏

بغض النظر عن السيناريو، سوف يؤدي الانخفاض الحاد في درجات الحرارة إلى تقويض إنتاج المحاصيل، وتقليل إنتاج الثروة الحيوانية والأغذية المائية بشدة نتيجة للإفراط في الاستهلاك في أعقاب نضوب المحاصيل.

وفي سيناريو أصغر حرب نووية بين الهند وباكستان، سينخفض إنتاج السعرات الحرارية من المحاصيل بنسبة سبعة في المائة في غضون خمس سنوات من الصراع، وما يصل إلى 50 في المائة في السيناريو الأكبر.

وستترتب على ذلك مجاعة جماعية. ولوضع الأمور في سياقها، فإن انخفاض السعرات الحرارية العالمية بنسبة سبعة في المائة فقط سيكون حدثاً غير مسبوق.

وسيتجاوز هذا الانخفاض أكبر انخفاض مسجل على الإطلاق منذ أن بدأت الأمم المتحدة في تتبع هذه المعلومات في العام 1961. ‏

مرة أخرى، سوف تكون الدول الأكثر تأثرًا بشكل مباشر هي الولايات المتحدة، وكندا، والكثير من أوروبا، وروسيا، والصين.

ومع ذلك، فإن العديد من المناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق آسيا تعتمد على هذه المناطق لاستيراد المواد الغذائية منها، وبالتالي فإن الآثار ستمتد بلا شك إلى بقية العالم.

ومن المثير للاهتمام أنه نظرًا لأن هذه المنطقة يمكن أن تتكيف مع كوكب أكثر قتامة وبرودة بشكل أفضل من غيرها، فإن انخفاض درجات الحرارة العالمية لن يؤثر إلى حد كبير على أستراليا ونيوزيلندا.

ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذا لا يقلل من الآثار الأخرى مثل التداعيات الإشعاعية أو استنفاد طبقة الأوزون. ومن المرجح أيضا أن تضطر أستراليا ونيوزيلندا إلى التعامل مع تدفق هائل للاجئين من آسيا وأماكن أخرى.‏

حجة قوية لإزالة الأسلحة النووية‏

بتأسيس حركة لإزالة الأسلحة النووية مستندة إلى البيانات والعلوم التجريبية، يجعل هذا التقرير الأخير من الصعب للغاية المجادلة ضد الحاجة الماسة إلى التخلص من هذه الأسلحة.

سيقول النقاد إنه لن يستخدم أي زعيم لدولة مسلحة نوويًا هذه الأسلحة على الإطلاق، لذلك لا داعي للقلق بشأن الآثار التحويلية للعالم التي يمكن أن تسفر عنها حرب نووية محتملة.

و‏في حين أن هذه الحجة تستند إلى افتراض خاطئ بأن كل القادة سيكونون دائماً عقلانيين وسليمي الحكم في دورهم كوكلاء للهلاك، فإن كل ما يتطلبه الأمر هو حادث أو سوء تقدير لجعل المستحيل ممكنًا.

توجد الأسلحة النووية الأميركية حاليًا في حالة تأهب قصوى، مما يعني أن أمام الرئيس‏‏ حوالي ست دقائق‏‏ ليقرر ما إذا كان يريد شن ضربة نووية أم لا إذا كان يعتقد أن الولايات المتحدة تتعرض لهجوم.

وإذا أضفنا إلى ذلك قائمة طويلة جدًا من‏‏ الحوادث والوقائع‏‏ التي وقعت بمرور الوقت منذ فجر العصر النووي، فمن السهل أن نرى كيف يمكن أن تبدأ حرب نووية عن طريق الخطأ.

منذ أن أسقطت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين فوق هيروشيما وناغازاكي في العام 1945، نجونا فقط بفعل ضربة حظ.

وحتى يومنا هذا، لا يمكن للبنية التحتية للصحة العامة في أي بلد أن تنجو من هجوم نووي.

ومع ذلك، تواصل الدول التسع الحائزة للأسلحة النووية؛ الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل، وروسيا، وباكستان، والهند، والصين، وكوريا الشمالية، تحديث ترساناتها وزيادة مخزوناتها، على الرغم من معرفتها بأنها تحتفظ بالقدرة على تدمير الحضارة الحديثة كلها كما نعرفها. ‏

‏لا وقت لدينا لإضاعته‏

ينبغي لهذه الدراسة الأخيرة أن تحثنا على اتخاذ إجراءات بحيث توقف الدول الحائزة للأسلحة النووية هذه المقامرة الخطيرة.

يمكن لروسيا أن ترفع ‏‏تعليقها‏‏ لعمليات التفتيش بموجب معاهدة ستارت، نظرًا لأن سلوكها يقوض فعالية الاتفاق الوحيد المتبقي للحد من التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا.

ويجب على الولايات المتحدة -وأي دول أخرى حائزة للأسلحة النووية تطبق سياسة مماثلة- أن تُخرج أسلحتها النووية من حالة التأهب على حد شعرة، حتى يكون لدى الرئيس الوقت الكافي للانخراط فعليًا في تفكير عقلاني قبل الرد على هجوم نووي محتمل والمخاطرة بنشوب حرب نووية.

وسوف يكون إنهاء الانفراد بالسلطة، وتنفيذ سياسة عدم الاستخدام النووي الأول، والتركيز على بناء نظام قوي متعدد الأطراف للحد من الأسلحة، خطوات أخرى يمكن للولايات المتحدة وغيرها من الدول الحائزة للأسلحة النووية اتخاذها لتخفيف التوترات المتزايدة بين الدول النووية.

وإضافة إلى ذلك، يجب أن نصر على أن يوقع ممثلونا في الكونغرس على ‏‏القرارين 2850‏‏ ‏‏و1185‏‏، اللذين يدعوان الولايات المتحدة إلى الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW)، وهي أول معاهدة تحظر الأسلحة النووية.

وعلاوة على ذلك، يدعو القرار 1185 الولايات المتحدة إلى قيادة الجهود العالمية لمنع نشوب حرب نووية. وهو أمر بالغ الأهمية، بالنظر إلى البيانات المرعبة بشأن ما يمكن أن يحدث إذا تحقق مثل هذا السيناريو.

ويتعين علينا جميعا أن نعمل على إلغاء الأسلحة النووية حتى لا يصبح أي من سيناريوهات المجاعة النووية هذه حقيقة واقعة.

ولأن الأسلحة النووية لا تميز الحدود ولا تعترف بها، فإن أمننا هو مسألة ملحة جماعيا. ولن يكون أحد في مأمن حتى يتم تفكيك السلاح النووي الأخير.‏

وهي تتمتع بخلفية واسعة في مجال الأسلحة النووية لحصولها على درجة الماجستير في دراسات منع الانتشار والإرهاب من معهد ميدلبري للدراسات الدولية، وخبراتها المهنية من مؤسسة أوترايدر، ومجلس المخاطر الاستراتيجية، ومختبر لورانس ليفرمور الوطني، ومركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار، وريثنك ميديا.

يركز عملها وشغفها على تركيز إنسانيتنا الجماعية في الكفاح من أجل عالم أكثر عدلاً وإنصافًا وأماناً، بدءا من إزالة الأسلحة النووية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: How even a limited nuclear war would destroy the planet

فلسطين في مشروع الشرق

إياد البرغوثي 

لا يمكن إرجاع الصراع البشري عبر التاريخ لسبب واحد، فهو بالتأكيد ظاهرة معقّدة يدخل فيها الأمن والاقتصاد والسياسة والاجتماع والفكر وربما السيكولوجيا أيضاً. وعند النظر إلى التاريخ الحديث والمعاصر للعالم نرى أن الغالب عليه هو الصراع بكل أشكاله.

لقد فتح الصراع الدائر في أوكرانيا حالياً العيون على أن ما عاشته البشرية في التاريخ المنظور، وما تعيشه الآن، ليس أكثر من حروب ساخنة أحياناً وباردة أحياناً أخرى. على ما يبدو أن العالم لم يشهد، لا الآن ولا في أي وقت مضى، سلاماً حقيقياً، وما هذا السلام الذي يتم الحديث عنه في فترات كثيرة الندرة في التاريخ المعروف إلا الاسم الآخر لما يطلق عليه الحرب الباردة هذه الأيام.

تتميّز الصراعات الكبرى عبر التاريخ، بما فيها تلك الدائرة الآن، بأنها صراعات بين إمبراطوريات ضخمة، بين مشاريع كبرى تمثّل مصالح عليا لأصحابها، وتستند أساساً إلى الجيوستراتيجيا الخاصة بأصحاب تلك المشاريع، مع ضرورة عدم استثناء العوامل الأخرى المؤثرة في الاصطفافات الموجودة.

بالعادة، وكما تمثّل الحرب في أوكرانيا، تتقاتل المشاريع الحية (روسيا والغرب) على أراضي المشاريع الغائبة (الشرق الإسلامي وأفريقيا وآسيا السوفياتية) الغنية بالثروات وبأدوات الانتصار، وهذا ما تظهره الديبلوماسية النشطة للمتحاربين في بلدان هذه المناطق، والمطلوب في نهاية الأمر من شعوب تلك المناطق ودولها ليس أكثر من الاصطفاف بشكل أو بآخر مع هذا الطرف أو ذاك من المتحاربين.

وعندما أتحدّث عن المشاريع الغائبة في أفريقيا وآسيا السوفياتية والشرق الإسلامي (تم تحديده جغرافياً في كتابي «تحرير الشرق… نحو إمبراطورية شرقية ثقافية» بالمنطقة الواقعة بين المغرب الأقصى وأفغانستان) فإني لا أضعها جميعاً في نفس المرتبة، إذ إن كلاً من أفريقيا وآسيا السوفياتية تعي أهمية وحدتها، وهي تبذل جهوداً، وإن كانت ما زالت متواضعة، لتقريب دولها وشعوبها، رغم تدخلات الأقطاب الكبرى (المشاريع الكبرى) المعرقلة والمعيقة لذلك.

أمّا ما يجري بالنسبة لمشروع الشرق الإسلامي الذي يهمنا هنا، فهو مشروع غائب، أو ما زال غائباً، كما هو عليه الوضع في أفريقيا وآسيا السوفياتية، لكنه يتميّز بـ«غياب» شبه تام للحامل الثقافي له، بعد أن وصلت فئة كبيرة من المثقفين، وبخاصة العرب، الذين يفترض أن يدافعوا عن ذلك المشروع، إلى عدم الاقتناع به، حيث انتقلوا من مؤمنين بإمكانية الوحدة وداعين لها إلى الحديث عن صعوبتها، ومن ثم، وهو الأخطر، إلى عدم الإيمان بها والذهاب بها إلى وضع يشبه المزحة لا أكثر، وتسخيف أي حديث عن تقارب شعوب المنطقة باعتباره كلاماً بعيداً من الواقع، وبعيداً من المنطق أيضاً.

إذاً، للغرب مشروعه، وهو في ما يتعلق بالشرق، يتمثّل في تغييب مشروعه أو إبقائه غائباً والهيمنة عليه والاستيلاء على ثرواته، وإضعافه وتمزيقه من أجل ضمان الاستمرار في ذلك. ومن أجل ذلك استخدم الغرب، ويستخدم، كل نفوذه وأدواته وقواه الخشنة والناعمة وفي مقدمتها إسرائيل والمشروع الصهيوني.

لقد كان احتلال معظم فلسطين عام 1948 وإنشاء دولة إسرائيل، الخطوة الأساس في المشروع الغربي لتغييب أي مشروع شرقي إلى الأبد، وذلك بوضع حد للتواصل الجغرافي بين جناحي الإقليم. من البديهي أن عدم التواصل الجغرافي يخلق عقبات أمام كل أنواع التواصل الأخرى، الجيوستراتيجية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية وغيرها.

أفقدَ ضياعُ فلسطين الشرقَ أية إمكانية لتجسيد مشروعه بشكل طبيعي، وجعل إنشاء إسرائيل مكان فلسطين الإمكانية متوافرة أمام الغرب لإلحاق بلدان الشرق في مشاريع أخرى غير مشروعها هي. بمعنى أن وجود إسرائيل كرأس حربة للمشروع الصهيوني والإمبريالي الغربي وضع الأساس لصهينة المنطقة.

يوضح كتاب «تحرير الشرق… نحو إمبراطورية شرقية ثقافية» الموقع المركزي للقضية الفلسطينية في علاقتها باستمرار تغييب المشروع الشرقي أو إعادة إحيائه، ويقارن ذلك بالأهمية المركزية للمشروع الصهيوني وإسرائيل في إنجاح المشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة، نظراً لدور الصهيونية المركزي في الإبقاء على الهيمنة الغربية على الشرق.

فلسطين، بموقعها الاستراتيجي الخاص والمميّز، تعتبر قضية القضايا في المنطقة، فمن دون فلسطين محرّرة، أو على الأقل فلسطين كحركة تحرّر ومقاومة، لا يبنى مشروع شرقي. هناك أجزاء محتلة من الوطن العربي، وهي بالتأكيد عزيزة على أهلها وعلى الأمّة بأجمعها، لكن احتلالها لا يملك، ولا يمكن أن يملك، نفس الأهمية الاستراتيجية لمشروع الشرق، كما هي حال فلسطين.

إن أبرز ما ينقص فلسطين هو الوعي الاستراتيجي بها، والتفكير بها استراتيجياً من حيث علاقتها بمشروع الشرق، وهذا يعني أيضاً الفهم الاستراتيجي لإسرائيل والمشروع الصهيوني ودورهما في المشروع الغربي. من البديهي أن فلسطين هي وطن الفلسطينيين الذي تحتله إسرائيل، لكنها في الفكر الاستراتيجي المتعلّق بالمشاريع والمشاريع المضادة في المنطقة، هي الجغرافيا التي تصل بين جناحي الشرق في شمال أفريقيا وغرب آسيا، أمّا إسرائيل فهي الجغرافيا التي تفصل بين هذين الجناحين. فلسطين تصل وإسرائيل تفصل، هكذا هو واقع الحال، وهكذا يجب أن تفهم الأمور، ويبنى بمقتضاها.

إن أبرز ما ينقص فلسطين هو الوعي الاستراتيجي بها، والتفكير بها استراتيجياً من حيث علاقتها بمشروع الشرق، وهذا يعني أيضاً الفهم الاستراتيجي لإسرائيل والمشروع الصهيوني

هذا الفهم الجيوستراتيجي لفلسطين وإسرائيل، ينبغي أن يكون منطلقاً للتعامل مع القضية الفلسطينية، وللمواقف منها، وهو الأساس الذي يبنى عليه الموقف من إسرائيل، ومن العلاقة معها، وكذلك الموقف من الغرب ومن كل الفاعلين في العالم.

من المؤكد أن الغرب والصهيونية يفهمان إسرائيل (وفلسطين) استراتيجياً ويتصرفان على هذا الأساس. يبدو هذا من تصريحات القادة الغربيين والصهاينة، ويبدو كذلك من أفعالهم وسياساتهم. فبن غوريون الذي يقول بأن غاية إسرائيل «هي التحقيق الكامل للصهيونية وليس السلام»، ونتنياهو الذي قال إن السلام الاقتصادي الذي يسعى إليه هو «تجسيد للهيمنة الصهيونية الدائمة على الفلسطينيين والعرب»، يعبّران عن الفكر الاستراتيجي الذي يتبناه الغرب في المنطقة.

أمّا الجانب الفلسطيني والعربي فلا شيء يوحي، لا من الأقوال ولا من الأفعال والسياسات، أن لديه أي وعي استراتيجي بفلسطين وإسرائيل، ولذلك لا تعدو سياساتهم أكثر من قصف «عشوائي» وفي كل الاتجاهات، وهذا ما يفسّر أن فلسطين (والشرق) قتلت بنيران «صديقة» إلى جانب نيران الأعداء بالطبع.

من الحيوي جداً بالنسبة للفلسطينيين وللعرب وللشرقيين إجمالاً فهم إسرائيل كمشروع أو كرأس حربة لمشروع. هذا يعني أيضاً فهم فلسطين كمشروع (كقضية) تهم الفلسطينيين والعرب والشرقيين إضافة إلى أنصار العدل في العالم. إن فهم كل من فلسطين وإسرائيل كرأسين لمشروعين متضادين، إضافة إلى فهم أسس العلاقات التي تربط المشاريع المتضادة، من حيث كونها متضادة ومن حيث كون الصراع بينهما لا يمكن أن يكون إلا تناحرياً، يقودنا إلى تقييم جدي وحقيقي لكل السياسات والمواقف التي انتهجتها دول وشعوب المنطقة حيال فلسطين وقضيتها.

شكّلت كامب ديفيد، وقبل ذلك الموقف من قرار تقسيم فلسطين، وبعد ذلك انطلاق عملية «التسوية» في مدريد وبعدها أوسلو، في بعض جوانبها، علامات على عدم فهم تام للمشروع الصهيوني في المنطقة ودولته إسرائيل، بالتالي عدم فهم لجوهر القضية الفلسطينية. فهذه الأحداث جميعاً اعتبرت أن هناك خلافاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو العرب والإسرائيليين، وأن حل هذا الخلاف يكون بقسمة «العرب عربين» وانتهى الأمر.

هذا الموقف اعتبر إسرائيل دولة طبيعية مثل أية دولة، غير شرعية نعم، ولكنها ليست مشروعاً أو ممثلاً لمشروع، وليست رأس حربة لذلك المشروع، وليست تكريساً لهيمنة على المنطقة برمتها. واعتبر فلسطين كياناً تم تغييبه ولا بد من طريقة لإعادة إحيائه، وليست قضية تحرّر وطني لها وللمنطقة، وطليعة لمشروع للمنطقة في مواجهة مشروع متغوّل عليها.

غياب الفكر الاستراتيجي لدى الفلسطينيين والعرب غيّب مشروعهم الذاتي، وجعل كل خطواتهم عشوائية، و«أهداهم» لإعدائهم، وأوصلهم لأوسلو، ومن ثم التطبيع «الغرامي» بين بعض الدول العربية وإسرائيل، و«التفنن» في ذلك التطبيع بالوصول إلى «أدلجته» ممثلاً بالإبراهيمية والدعوة إلى إنشاء حلف أمني «ناتو» يضم دولاً عربية أساسية «بقيادة» إسرائيل.

في أوسلو ربط الفلسطينيون قولاً وفعلاً مصيرهم بكل تفاصيله، وكذلك سيادتهم وقرارهم «المستقل» الذي ناضلوا طويلاً من أجل ترسيخه، بإسرائيل. وشكّلت خطوتهم تلك تمهيداً سياسياً ونفسياً لدول عربية وغير عربية للتطبيع العلني مع إسرائيل، ولتخلي تلك الدول عن القضية الفلسطينية بكل وضوح، ومن ثم تطوير ذلك «التخلي» إلى «التموضع» في المعسكر المضاد.

في البداية اعتبر «الفلسطينيون» أوسلو مغامرة ورهاناً وقفزة في المجهول، في حين كانت بالنسبة للإسرائيليين مسألة في غاية الوضوح، تهدف إلى خلق حالة من التبعيّة للفلسطينيين ومنطلقاً نحو العرب والمسلمين. لكن الفلسطينيين استمروا في تلك «القفزة» حتى عندما وصلت ذروة «المعلوم»، فارتباطهم بإسرائيل يتعمّق يوماً بعد يوم، واتخذ التنسيق بينهم وبين الإسرائيليين شكلاً درامياً تجلّى بكل وضوح عندما اجتمعت قيادة الطرفين لتنسيق مواقفهما قبيل زيارة الرئيس بايدن للمنطقة. بالعادة تنتظر الأطراف «الوسيط» ليساعدها في تقريب مواقفها، أمّا أن تنسّق الأطراف مواقفها في «مواجهة» الوسيط فهذا يستحق براءة اختراع جديدة في موضوع الديبلوماسية.

في غياب الفكر الاستراتيجي تضيع الأهداف، وتستبدل بأشياء أخرى، رمزيّة بالعادة. في الحالة الفلسطينية بعد أوسلو رفعت الوسائل لدرجة الأهداف، وجرى تقديسها بشكل أو بآخر، وغابت السياسة الحقيقية وتشوه النظام السياسي… كل ذلك بانتظار الدولة «المستحيلة» التي يعرف الفلسطينيون جيّداً أن من قدّمهم للعالم ليست هذه الدولة بل القضية بكل معانيها.

أدّى «الارتقاء» بأوسلو إلى الإبراهيمية التي شكلت نقلة «نوعية» في فهم إسرائيل من قبل «شركائها» الجدد من العرب. فقد زال الجانب النفسي الذي كان يقتضي أن لا يكون التعامل مع إسرائيل علنياً، وجرى الاصطفاف العلني إلى جانب إسرائيل وبقيادتها في المنطقة ضد «أعدائها» المشتركين. وابتدأ عصر جديد من «صهينة» المنطقة، وما الحديث عن إدخال إسرائيل في الإقليم إلا عكس للحقيقة تماماً، فالذي يجري ما هو إلا إدخال للإقليم في إسرائيل ومشروعها الصهيوني.

إن الحديث عن الديانة الإبراهيمية التي تجمع اليهود والمسيحيين والمسلمين، ما هي إلا محاولة لإضفاء القداسة على التطبيع مع إسرائيل، والانضواء تحت لوائها، واستقواء بها على الآخرين. أمّا أميركا، التي ركزت اهتمامها الاستراتيجي على صراعها مع الصين وروسيا، فقد سلمت قيادة المنطقة إلى إسرائيل التي تعمل بمثابة عصا موسى «إبراهيمية» لتأكل كل «أفاعي» الآخرين ومقدراتهم.

احتمالات وشروط انتفاضة جديدة شاملة

بقلم: نهاد أبو غوش

خلال الأسابيع القليلة الماضية، دأبت وسائل الإعلام العبرية، وبشكل يومي، على إفراد مساحات واسعة للتطورات الأمنية والعسكرية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، سواء من خلال تغطية عمليات جيش الاحتلال ونقل تصريحات القيادات السياسية والعسكرية وقراءتهم لمدلولاتها، أو من خلال مقالات الرأي والتقارير والتحليلات الموسعة التي ذهب بعضها إلى القول أن الضفة دخلت في مرحلة الانتفاضة الثالثة أو باتت تتهيأ لها. وألمحت بعض المصادر العبرية المرتبطة بالدوائر الأمنية إلى احتمالات قيام جيش الاحتلال بعملية عسكرية واسعة على غرار عملية “السور الواقي”، وقد تكون حملة محدودة في بعض المناطق للقضاء على ظاهرة ازدياد التشكيلات الفلسطينية المسلحة، وانتشارها في مختلف المدن والمحافظات، وعجز السلطة الفلسطينية إزاء ما نسميه نحن بلغتنا “الازدياد الملحوظ في عمليات المقاومة”، أو عدم رغبتها بحسب بعض التقارير في التصدي لهذه الظاهرة من خلال جمع السلاح أومنع المسلحين من التصدي لقوات الاحتلال خلال عمليات الاقتحام اليومي في جميع المناطق الفلسطينية بدون استثناء بما في ذلك مراكز المدن المصنفة (أ).

ثمة كثير من الصحة والمصداقية في التقديرات الإسرائيلية سواء صدرت عن محللين وإعلاميين، أو عن جهات أمنية مختصة، ولا سيما عند ارتباط هذه التحليلات بمعلومات ثابتة ومدققة ومن بينها استشهاد 85 فلسطيينيا في مختلف مناطق الضفة منذ بداية العام، وإلقاء أكثر من ألف زجاجة حارقة (مولوتوف)، وتسجيل عشرات حوادث إطلاق النار سواء خلال التصدي لاقتحامات الاحتلال، أو بمبادرات متفرقة ضد الجيش والمستوطنين. لكن الدوائر الإسرائيلية غالبا تتجاهل الأسباب الحقيقية لنشوء هذه الظاهرة وتطورها، فهي عادة تعزوها لعمليات التحريض أو بسبب صراعات الفصائل الفلسطينية لكسب مزيد من التأييد وسط الجمهور الفلسطيني أو تحقيق مكاسب تكتيكية. وتتجاهل هذه الدوائر السبب الرئيسي لكل أشكال العنف والتوتر وهو الاحتلال وممارساته القمعية والاستفزازية التي تساهم في مراكمة عوامل السخط ومشاعر الغضب والقهر لدى الفلسطينيين في ظل انسداد الآفاق أمام اي حل سياسي قريب، وإصرار إسرائيل على الحلول الأمنية والعسكرية، ورفضها البحث في أية فرص لاستئناف مسيرة التسوية حتى في ظل شروطها المجحفة والمنحازة لإسرائيل.

وعلى الرغم من تجميد تطبيق “صفقة القرن” وسحبها ظاهريا من التداول، إلا أن حكومة لابيد- بينيت ومن قبلها حكومة نتنياهو، سعت لتطبيق الصفقة في الواقع وعبر التطبيقات العملية من خلال مصادرة مزيد من الأراضي، وتسريع وتيرة البناء في المستوطنات بما يشمل بناء أبراج سكنية، وتشريع ما كانت يسمّى ” البؤر الاستيطانية غير القانونية”، وتسليح المستوطنين وإطلاق العنان لهم لفعل ما يريدون بما في ذلك استباحة الدم الفلسطيني كما جرى في عملية إعدام الشهيد علي حرب في سكاكا / سلفيت،ومواصلة تهويد القدس ومحاولات تغيير الوضع القائم فيها بما في ذلك مخطط التقسيم الزماني والمكاني، مجمل هذه العمليات تمثل تهديدا لوجود الفلسطينيين وبقائهم على أرضهم علاوة على ما تمثله من استفزاز لكرامتهم الشخصية والوطنية، وإهانة لإنسانيتهم واستهانة بوعيهم وحقوقهم، ومساس بمقدساتهم، وبالتالي يمكن فهم هذه العمليات بوصفها رد فعل طبيعيا على ممارسات الاحتلال ، وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى ما نصّت عليه قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثاثة والعشرين، وأكدتها دورات المجلس المركزي بأن العلاقة الطبيعية بين الشعب الخاضع للاحتلال ودولة الاحتلال هي علاقة رفض ومقاومة، ولا يمكن أن تكون علاقة قبول واستسلام، وبالتالي فالمقاومة هي الأصل بينما التهدئة والسكون والتعايش هي الاستثنائية.

ثمة مبالغة مقصودة من قبل سلطات الاحتلال في الحديث عن تصاعد العمليات، يقول المراسل العسكري ألون بن دافيد في صحيفة “معريف” أن كل فتى فلسطيني يقتله الجيش ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره يجري تصويره وكأنه “مخرب كبير”، وكل اقتحام لاعتقال مطلوبين في عمق المناطق الفلسطينية يُصوّر وكأنه احتلال لجبل الشيخ، وتهدف هذه المبالغة لتبرير سياسات القتل والقبضة الحديدية المشددة وتسويغ سياسات التوسع والاستيطان والتنصل من اية استحقاقات لأية عملية سياسية مستقبلية، أو أنها تأتي إما لخدمة الأجندات الحزبية والشخصية لبعض القادة في موسم الانتخابات.

أما بشأن اندلاع الانتفاضة الثالثة، فتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد وصفة محددة  أو معيارية للانتفاضة، فالانتفاضة هي حالة سياسية مجتمعية وكفاحية تعبر عن رفض الشعب الخاضع للاحتلال لهذا الاحتلال، واستحالة التعايش معه، وفي تاريخ الكفاح الفلسطيني كثير من موجات الانتفاضات  وليس الانتفاضتين الكبريين ( انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى) اللتين درجت العادة على تسميتهما بالانتفاضتين الأولى والثانية،  ولكن ثمة قواسم مشتركة في هذه الانتفاضات واهمها حصول إجماع وطني على خيار الانتفاضة بما يشمل القوى والفصائل والهيئات والمؤسسات من جهة والتجمعات السكانية من جهة أخرى، وشمول الأعمال الانتفاضية لكل الأراضي المحتلة، وصبغ كل مظاهر الحياة بما في ذلك الاقتصاد والتعليم والحياة الاجتماعية بطابع الانتفاضة الذي يشمل حتى منظومة القيم، واستغراق هذه الحالة الكفاحية فترة طويلة من الزمان لا أن تكون مجرد هبة عفوية، وأن تحمل هذه الانتفاضة برنامجا واهدافا ملموسة ومحددة وذلك يتطلب وجود قيادة موحدة تدير هذا النضال لتحقيق الأهداف، كما أن من أهم خصائص الانتفاضة المشاركة الشعبية الكثيفة واليومية وعدم اقتصار الفعاليات على النخب والأفراد ولا حتى التنظيمات وحدها.

من السهل الاستخلاص في ظل الواقع الحالي الذي نعيش أن العوامل الموضوعية لاندلاع الانتفاضة قائمة ومُلحّة بل هي ضاغطة، في حين أن العوامل الذاتية غير ناضجة بسبب الانقسام وتضارب الخيارات السياسية، لذلك سوف نكون على الأرجح إزاء موجة جديدة من الأعمال الكفاحية المرشحة للتطور والتصاعد، وقد تكون مقدمة لمرحلة تاريخية جديدة،  ولكنها سوف تبقى  محدودة التاثير طالما بقي الانقسام قائما الانقسام والتوافق الوطني غائبا.

لماذا تدس دولة الاحتلال انفها في الاتفاق النووي الإيراني؟

هاني العقاد

توظف تل ابيب كل ما لديها من علاقات دولية مع الدول الخمس الطرف الدولي المكلف بالتوصل لاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي وتكثف اتصالاتها مع الولايات المتحدة باعتبارها أكبر قوة مركزية تمتلك القرار الأول والأخير في موضوع الاتفاق النووي مع إيران وهي المخولة للإعلان عن التوصل لهذا الاتفاق. بعد ان تسربت مسودة الاتفاق النووي الإيراني لتل ابيب وسلمت لطهران وتوافر مؤشرات بموافقة إيرانية على المسودة مع بعض التعديلات الإجرائية ودولة الاحتلال قامت قيامتها، لم ينم سياسي صهيوني فيها نومه المعتاد ,(يائير لابيد) يغدو ذهابا وإيابا في غرفة مكتبه كالبقرة التائهة , وزير الحرب (بيني غانتس) يطلق التهديدات ويعلن “ان دولة الاحتلال ستكون خارج أي اتفاق بين الدول الكبرى وإيران,” المستوي السياسي والأمني الصهيوني اجمع ان الاتفاق سيئ لدولة الاحتلال ليس الان وانما عند التوقيع عليه في العام 2015 والمخاطر التي تتعلق به اليوم أكبر بكثير واوعزوا لقادة جيش الاحتلال والموساد بالقيام بالاستعدادات اللازمة لمواجهة أي سيناريو متوقع.

زيارات متتالية لقادة الاحتلال العسكريين والامنيين لواشنطن واتصالات علي مدار الساعة , وزير الجيش (بيني غانتس) التقي (جيك سولفيان) مستشار الامن القومي الأمريكي مطولا واستعرض خلال اللقاء اهم المخاطر التي ستترتب علي توقيع هذا الاتفاق والتي من شانها ان تبقي التهديد الايراني لدولة الاحتلال ودول المنطقة على حاله دون تغيير زاعمين انه لن يوقف مضي ايران نحو امتلاك السلاح النووي , (بيني غانتس) اقترح بعض التعديلات علي الاتفاق لتقبل به دولة الاحتلال أهمها ,عدم ربط الاتفاق بسقف زمني أي انه يعارض ان يكون الاتفاق حتي عام 2031 وما يريده اتفاق ابدي بالإضافة الي تخفيض عدد معامل الطرد المركزي الذي سيسمع بها في اطار الاتفاق . رئيس الموساد (ديفيد بارنيع) وهو صاحب توجه متطرف ومعارض جداً لتوجه ادارة بايدن فيما يتعلق بالاتفاق سيتحدث أمام لجنة الاستخبارات التابعة للكونغرس، ومجلس النواب الأميركي، ليشرح موقف تل ابيب لعودة أميركا إلى الاتفاق النووي موضحا الأسباب التي تجعل دولة الاحتلال تعارض توقيع الدول الكبرى على هذا الاتفاق. (يائير لابيد) سيتوجه الي المانيا للقاء (اولاف شولتس) باعتبار المانيا أحد اهم الدول الخمس بعد الولايات المتحدة التي ستوقع على الاتفاق لمحاولة إقناعه برفض التوقيع على الاتفاق باي شكل كان.

دولة الاحتلال تستغل الوقت المتبقي لتوقيع الاتفاق وتعمل في الوقت الحالي على تأخيره لأبعد وقت ممكن لتتمكن من التأثير علي صياغة الصفقة النهائية للاتفاق بالتالي تكون قد حققت شيء في حال افلاسها بإفشال التوقيع عليه .الاتفاق يتكون من اربع مراحل ويحتاج الي خمسة شهور ليدخل حيز التنفيذ وهذه مدة كافية لان تدس دولة الاحتلال انفها في الاتفاق مع الاخذ بالحسبان احتمالية توجيه ضربات سرية لمعامل الطرد المركزي الإيراني وتنفيذ اغتيالات للعلماء الإيرانيين المسؤولين عن عمليات تخصيب اليورانيوم وتجهيزها للقنبلة النووية. هنا نلخص بعض الأسباب التي جعلت دولة الاحتلال تدس انفها في هذا الاتفاق وتعارضه، أولها انها لا تريد ان تستقر المنطقة وبقاء إيران خارج أي اتفاق يعني استمرار التوتر الذي تحاول دولة الاحتلال استخدامه كبيئة خصبة لخدمة مصالحها في المنطقة وعدم توقيع الاتفاق يعني ان إيران مستمرة في تهديد المنطقة بما فيها دولة الاحتلال من خلال التوصل للسلاح النووي الذي تهدد به مسح دولة الاحتلال من على الخريطة. السبب الثاني الذي يجعل دولة الاحتلال تحارب من اجل افشال التوقيع علي الاتفاق هو ان انتهاء ازمة النووي الإيراني واقتناع دولة الاحتلال بذلك سيحول انظار العالم الي السلوك العنصري الاحتلالي على الأرض الفلسطينية باعتباره سلوك يوتر المنطقة ويهدد بتفجير صراع دامي من فترة الي اخري وبالتالي سينبه العالم اكثر لمخاطر الاستيطان والتهويد والابارتيد وفرض وقائع لحل الصراع من طرف دولة الاحتلال ما يحول الضغط الدولي علي دولة الاحتلال للانصياع للرغبة الدولية في انهاء الاحتلال والجلوس علي طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين علي أساس قرارات الشرعية الدولية التي تتجاهلها دولة الاحتلال منذ وقت طويل . السبب الثالث هو تأثر اتفاقات التطبيع مع الدول العربية التي ابرمتها دولة الاحتلال والتي قد تتوصل لمزيد منها في إطار الاتفاق الابراهيمي ما دامت إيران تهدد المنطقة وتصور دولة الاحتلال ان إيران عدو مشترك يهدد الجميع. السبب الرابع هو ان الاتفاق يختص بكبح الخطة الإيرانية للوصول الي السلاح النووي الإيراني ولا يكبح جماح التمدد الإيراني بالمنطقة سواء في سوريا او لبنان او غزة، والسبب الخامس ان دولة الاحتلال لا تريد ان ينتهي الموضوع الإيراني سلميا كما ترغب الدول الكبرى وما تريده دولة الاحتلال هو جر واشنطن والدول الكبرى ودول الإقليم لمواجهة مسلحة مع إيران في المنطقة تعيد الصناعة النووية الإيرانية الي الصفر.

مهما كان انف دولة الاحتلال طويلاً لا اعتقد انه سيفشل توقيع الدول الكبرى على هذا الاتفاق التاريخي والتوصل بموجبه الي صفقة تمتد لعشر سنوات يعمل الجميع من خلالها على تنمية الامن والاستقرار في المنطقة، ولا اعتقد ان تلجأ دولة الاحتلال للعمل العسكري لإفشال هذا الاتفاق بتوجيه ضربات صاروخية علنية لمفاعلات إيران النووية لأنها تخشي ان تواجه إيران بمفردها وهذا ما حذرت منه الولايات المتحدة الامريكية دول الاحتلال. واعتقد ان دولة الاحتلال ستضطر في النهاية لاحترام الصفقة التي ستوقع عليها واشنطن والدول الكبرى مع إيران وتوظف ذلك لخدمة مصالحها الأمنية والسياسية ولن تقدم على تنفيذ أي اعمال منفردة تهدد هذا الاتفاق لان دولة الاحتلال لا تريد ان تدخل في صراع سياسي كبير مع الدول الكبرى التي وقعت الاتفاق ما يهدد علاقاتها ومصالحها الاستراتيجية.

عودة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب.. هل تهدّد وجود حماس في تركيا؟

شيماء عيد

شهدت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل، في الأيام القليلة الماضية، عودة مدوّية إلى مسارها الطبيعي، بعد إعلان الأخيرة نيّتها إعادة تعيين سفيرها في أنقرة وذلك بعد فترة من الانقطاع، الأمر الذي يمثِّل علامة فارقة أخرى في عملية تحسن العلاقات منذ شهور.

وقالت أكبر دبلوماسية إسرائيلية لدى أنقرة، إيريت ليليان، إن “إعادة تعيين السفير هي مسألة وقت” لافتًا إلى أن السبب وراء التأخير الانتخابات في إسرائيل”.

واعتبرت ليليان أن “أكبر عقبة أمام التوجه الإيجابي في العلاقات بين تركيا وإسرائيل هو وجود مكتب لحركة حماس في إسطنبول”.

وقد شهدت العلاقات (التركية – الإسرائيلية) توترًا عقب حادثة سفينة “مرمرة” في عام 2010، التي راح ضحيتها عددٌ من المتضامنين الأتراك أثناء توجههم إلى قطاع غزة؛ في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليه.

الكاتب والمحلل السياسي، شرحبيل الغريب، يرى أن “عودة العلاقات بين تركيا والاحتلال يندرج ضمن الإطار الرسمي التركي، وأن سياسة التحول الأخيرة على قاعدة تصفير المشاكل مع الأطراف في المنطقة ومنها إسرائيل تحقيقاً لمصالح تركيا سواء كانت سياسية واقتصادية وغيرها”.

وقال في حديث خاص لـ”دنيا الوطن”، إن “العلاقات التجارية لم تنقطع بالأساس، لكن ما يجري عبارة عن تحول كبير في المسار السياسي التركي الإسرائيلي نحو تطبيع العلاقات وعودة السفراء”. 

ويُقدِّر الغريب أن “تعزيز العلاقات الثنائية التركية الإسرائيلية سينعكس سلبا على حركة حماس إزاء تقويض تواجدها أولا ثم نشاطها ثانياً وربما يصل الأمر أمام مطالب إسرائيل بإغلاق كامل لمكاتبها كشرط أساسي لتتويج العلاقات”.

ورجّح أنه “سيتم اتخاذ بعض الإجراءات النسبية لتقييد نشاط حماس في تركيا، بهدف إكساب عملية تحسين العلاقات سرعةً ملموسة، لكن ذلك لن يقابله القطيعة الكاملة بين أنقرة وحركة حماس في ظل الإعلان التركي بعدم تخليها عن القضية الفلسطينية وحماس أصبحت لاعب سياسي مؤثر في المشهد يصعب تجاوزه”.

وأكمل المحلل السياسي: “بالتالي إن إحراز أي تقدم حقيقي في العلاقات بين الطرفين يعتمد على اتساق مصالح المشتركة ، وإن تطوير التعاون على أساس المصالح المشتركة سيجعل العلاقات الثنائية مقاومة للأزمات نسبيا”.

ومن جانبه، قال المحلل السياسي، نظير مجلي، إن “الحزب الحاكم في تركيا بقيادة الرئيس أردوغان له علاقات أيدولوجية عقائدية سياسية استراتيجية عميقة مبينة على مصالح تركيا الاستراتيجية والمقصد بها (الاقتصادية والأمنية والسياسية)”.

وأضاف أنه: “يوجد حوار وتفاهمات بين حماس والقيادة التركية بشكل أو بآخر على هذا الأمر” لافتًا إلى أنه “في نهاية المطاف السياسة تُدار بطريقة العمل المنهجي وليس بقضية الارتباط بمواقف عقائدية”.

وتابع: “جزء من السياسية اليوم هو أن تكون مرناً، ربما في حماس هناك من يستصعب هذا الأمر لأنه جديد بالنسبة له، لكن بالسياسة هكذا الأمر دائمًا، فحماس تنتقد فتح على علاقتها مع إسرائيل وهي علاقات مبنية على منهجية، فتح وحماس معًا ينتقدون الإمارات والبحرين والسودان على علاقتهم مع إسرائيل وهذه سياسة منهجية”.

وأكمل: “يجب أن نبدأ بإدراك حقيقة المتغيرات العالمية، العالم موجود في صراعات وحروب عديدة، وهناك مصالح متضاربة والعالم يعاني من أزمات جدية اقتصادية واجتماعية وأمنية في كثير من الأحيان.

ويرى أنه: “ينبغي على الطرف الأضعف في الحلقة أن يعمل على استثمار العلاقات الجديدة وليس الدخول في صدامات معها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للحفاظ على المصالح”. مشيرًا إلى أننا “بحاجة إلى سياسة منهجية مرنة في مختلف العناصر الفلسطينية ومختف الواقع الفلسطيني تأخذ بعين الاعتبار أن الحلفاء لديهم مصالح قد تتضارب مع مصالحنا وعلينا أن نعرف كيف نستثمر هذه المتغيرات في صالح قضيتنا وليس الدخول في صدام معها حتى لو كان هناك ثمن يُدفع”.

وأوضح أن: “تركيا اتخذت مواقف إزاء تواجد حماس في تركيا منذ عدة شهور، وكل التحرك الذي نراه بين إسرائيل وتركيا بُني على أن تركيا اتخذت موقف وطلبت من عدد من قادة حماس وفي مقدمتهم صالح العاروري بأن يغادر تركيا، وألا يقيم فيها بالإضافة إلى أن قسمًا كبيرًا من قيادات حماس الذي كانوا يقيمون في تركيا غادروها بطلب من القيادة التركية وهذه دليل أنهم تفهموا هذا المطلب”.

واستدرك القول: “هذا لا يعني أن هذه القوى توافق على السياسية التركية، لكن من يقرر السياسية التركية هي تركيا وأصدقاؤها وحلفاؤها، وواجبهم أن يَروا كيف يمكن استثمار العلاقات والسياسة الجديدة في تركيا لصالح القضية الفلسطينية وليس الدخول في صدام معها”.

بناء الذات الثورية

بكر أبو بكر

في محاضرتي في لبنان عن الشخصية الوطنية الثورية ومنطق البناء الذاتي والتأثير بالآخرين حاولت أن أخرج عن السياق السياسي الإشكالي، أو السياق التنظيمي المأزوم الى رحابة النفس الانسانية مستعينًا بالبناء الذاتي الذي تجلّى في شخصية الخالد أبوعمار الذي استفدنا بعدد من حوادث حياته الهامة فترة الطفولة والصبا من كتاب: ياسر عرفات متى لم يكن هنا للكاتبة نانسي دوبرو، وهو العظيم الذي كُتب عنه المئات بكافة اللغات، وكلما قرأت فيه وعنه كتابًا كلما اكتشفت بشخصيته الكثير والوافر- ما سطرته بكتابي المتواضع عن ياسر عرفات المعنون: ياسر عرفات تاريخ من صنع يديه- فهو كان هنا وفي كل

مكان فعلًا حتى أصبح الهواء الذي نتنفسه حبًا وعشقًا تعلمناه للأرض الطيبة.

في طريقة الإقدام على الفعل من المتوجب أن تكون الجاهزية هي الأساس الأول، ونقول دومًا أن الإعداد المسبق نصف النجاح، وهو الإعداد الفكري العقلي والبحثي، وحيث الفحص والفرز والاختيار، ثم الكتابة والمراجعة والتدقيق، والاستقرار على الأفكار والعنوان والفقرات والبداية والخاتمة، يلي هذه المرحلة الاعداد أو التهيئة النفسية-العصبية بقهر خوف الإقدام بالتدريب الذاتي، والتكرار وكثرة المِران. وبالتهيوء لكل السيناريوهات ووضع الخطط البديلة حيث جهزت عرضًا ضوئيًا وآخر ورقي، وثالث دون هذا وذاك، ويكمن السر في هذه المرحلة التهييئية المسبقة هو التخيّل لذاتك في المكان، مكان الحدث وكأنك تتكلم فيه، بحيث تتلاءم معه، أما ثالثًا فيكون الانطلاق بالحديث وترقب ردود الفعل.

لا أرى أهمية أي مداخلة أو فكرة أو محاضرة أو تواصل إنساني إلا حين تزودني بثلاثة أمور أو على الأقل واحدًا من ثلاثة الأول هو الفائدة وتتحقق بالجِدة، أو الأصالة أو الكشف أو بالطريقة والأسلوب (المادة والصوت ولغة الجسد)، والثاني هو تحقيق التواصل وبناء العلاقات أو تمتينها سواء مع الذات أو الآخرين. وفي ثالثها المُتعة، نعم المتعة لذلك دأبت ألا أكرر ذات المداخلة أو المحاضرة مرتين، رغم ما في ذلك من صعوبة تكون معها مُرغما لنفسك أن تأتي بجديد مفيد ممتع.

في محاضرتنا بالورشة الحركية في لبنان لم يكن هناك بد من الإشارة للمفكر الكبير علي شريعتي في كتابه الهام “بناء الذات الثورية”-وهو صاحب كتاب الاستحمار وكتاب التشيع الصفوي والتشيع العلوي وغيرها الكثير- حيث اعتبر بناء الذات عبارة عن إعداد الذات بشكل ثوري نضالي من عبادة وعمل في صورة أصل وأصالة وهدف وغاية سامية. إنطلاقا لآليات صنع ياسرعرفات لشخصيته الطاغية كنموذج.

عرّجت على التدفق الذي ميّز شخصية غاندي الذي سَحَر البرلمان الانجليزي عندما خاطبه شارحًا قضيته العادلة، فافترض بعضهم المسحورأنه نوّمهم مغناطيسيًا! ليتعجبوا مما قاله لهم عنه سكرتيره حين سألوه نهاية المحاضرة حين أفاد: أن غاندي متماثل مع نفسه وشعبه، إذ يفكر ويشعر ويتكلم ويعمل ويتواصل مع الناس بنفس التفاعل والتماثل لذلك هو متدفق، ما أبهر الانجليز المستعمِرين وألجمهم.

تنقلت ما بين عقلية الوفرة للنحلة (حيث 11 مليون زهرة و55 ألف رحلة ضرورية لانتاج كيلوغرام واحد من العسل) الى إتقان فن الاتصالات وبناء العلاقات، وعلى رأسه حُسن الاستماع، وفن الحديث لاسيما أننا نتكلم 120-150 كلمة بالدقيقة ونفكر 5 مرات أكثر أي من 600-800 كلمة بالدقيقة ما يفترض بالمتحدث أن يجذب المستمع وإلا سينصرف عنه. وكيف لا وفي الإطار السياسي والتنظيمي والاجتماعي تكمن أهمية الاتصالات والكلمة بلا شك. ولنا في نموذج القائد ذو الصوت المهيمن صلاح خلف، والمفكر الكبير خالد الحسن وماجد أبوشرار وغيرهم الكثير ما نتأسى به.

مما لا شك فيه أن التعامل مع عقلية الوفرة، وحُسن الاتصال تفترض القراءة العميقة الرأسية لا السطحية الأفقية “الفيسبوكية” لنتمكن من بناء شخصيتنا المتينة الواثقة، أوالثورية النضالية ضمن فكر فتح بالتضحية والثورة حتى النصر، أو ما نراه نحن في ثلاثية: النضالية مقابل الوظيفية والرسالية مقابل الموسمية، والديمومة والمثابرة بديلًا للاستسلام أو الانسحاب.

حاولت ان أخرِج الحضورالكريم من الإطار النمطي السردي الى أحدث طريقة بتوصيل المعلومة أي عن طريق الاستشهادات والقصص والحكايا، وهو من الأسلوب المحبب للاخ القيادي بالحركة عباس زكي، ولربما أصبت وقد أكون خرجت عن المسار أو لم أبهِج أصحاب العقلية التقليدية المؤمنة بالتلقي الجاف، أو من يفترضون بمواضيع العمل على ذواتهم، حصنهم الحصين، ليست بأهمية الكلام المباشر بالسياسة مهما كان حجم الاستفادة منه.

في جميع الأحوال أجهدت نفسي، وأرضيت ربي وضميري وقضيتي، لأنني لا أقبل على ذاتي التكرار، وافترض التجدد كما لا أتعامل مع المستمعين من موقع الأستذة، وإنما الزميل الذي يُقبل عليهم بما هو مستمتع به ما يظهر بالأداء حُكما، فعالجت النقاط العشرة المتعلقة بالعمل ذو الديمومة والمستقبل والتدريب، ثم البناء الذاتي فالتأثير بالآخرين ونموذج غاندي وأبوعمار، وقبلهما شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فيما وصفه به ربه سبحانه وتعالى بخماسية فائقة التأسي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا*-45-46 الأحزاب)، وعقلية الوفرة المعرفية، وفن الاتصالات والتنظيم، والنباهة وحسن الجواب، كما القراءة العميقة.

وإدراك المستجدات والمتغيرات وامتلاك الرؤية فيما دأب على تعريفه الأخ هاني الحسن بتمييز القائد عن الشخص العادي به، وختامه معادلة التضحية والايمان بالله سبحانه وتعالى وبالنصر.

في ختام المداخلة وبعد ان أفرغت جزء من جعبتي، التي ظلت مليئة، لم استطع أن أقيس مدى التاثير الذي حققته المداخلة!

فلربما كنت مخطئًا بالعنوان أو الأسلوب أو لربما أنني أزحت نفسي عن السياق التنظيري أوالسياسي الجامد الذي على جموده فله من العشاق الكثير، أو لربما إدخالات الثقافة والفكر والقصص قد تكون غيرمحبّذة عند البعض الذي يترقب كلامًا نقديًا ثقيلًا!

وفي كل ذلك تكهنات مني وتوقعات رغم سيل المديح الذي أغدقه على المداخلة عدد كبير من الاخوة والاخوات.

لكني مازلت قلِقًا من حجم التأثير أو الأسلوب ومدى ملاءمته مع طبيعة الحضور والحدث، ومازلت أتعلم وأفكر وأتامل فلعلي أهتدي.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى