أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (123)

واشنطن أبلغت إسرائيل أن الإتفاق النووي مع إيران غير مطروح على الطاولة حاليا

نُقلت الرسالة لرئيس الوزراء لابيد في المحادثات الأخيرة مع بايدن ومسؤولين أمريكيين آخرين؛ يبدو أن مطالبات إيران بوقف تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أخرجت المحادثات عن مسارها

بقلم شالوم يروشالمي

علم موقع “زمان يسرائيل”، الموقع التابع لـ”تايمز أوف إسرائيل” باللغة العبرية، أن اتفاقا نوويا بين إيران والقوى العظمى غير مطروح على الطاولة حاليا ولن يتم التوقيع عليه في المستقبل المنظور. نُقلت هذه الرسالة إلى رئيس الوزراء يائير لابيد في محادثاته الأخيرة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن ومسؤولين آخرين في إدارته.

ومن المرجح أن يركز لابيد على النتيجة الناشئة للمفاوضات النووية، والتي سيكون لها تداعيات دولية كبيرة، في حملته الانتخابية القادمة، لا سيما ضد زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو، الذي هاجم رئيس الوزراء مرارا في هذا الشأن.

كان الاتفاق النووي المحتمل في مركز المشاورات الدبلوماسية والأمنية الإسرائيلية في العام الأخير، حيث تابعت اسرائيل بقلق المفاوضات بين إيران وممثلي القوى العالمية في فيينا، وكذلك تبادل مسودات الاتفاق بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة.

عندما أصبح لابيد مقتنعا في الأيام الأخيرة بأن الاتفاق أصبح غير مرجح بشكل متزايد، أعاد ترتيب أولويات تحديات الأمن القومي للتركيز على العنف في الضفة الغربية، والحرب ضد الإرهاب والحاجة الملحة لتعزيز السلطة الفلسطينية التي بدأت تفقد نفوذها بشكل متزايد.

ولقد ركز الاتفاق النووي الذي يجري التفاوض عليه منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض في يناير 2021 على رفع العقوبات عن إيران مقابل الحد من قدرة طهران على الوصول إلى القدرة على صنع سلاح نووي.

قال الأمريكيون أنه في إطار الاتفاق النووي الجديد، لن تكون إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم بما يزيد عن 3.67% ولا يمكنها الوصول إلى المستوى الذي يمكن عنده إنتاج سلاح نووي. سيستمر هذا القيد على برنامج إيران النووي حتى عام 2031 بموجب الاتفاق المقترح.

وبحسب تصريحات أميركية أعطيت لمراسل موقع “واللا” الإخباري باراك رافيد قبل أسبوعين، فإن إيران بحاجة إلى التخلي عن كل اليورانيوم المخصب بنسبة 20% و60% الذي في حوزتها كجزء من الاتفاق. وسينبغي إزالة أو تخفيف مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب من إيران. كما سيتم إزالة أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم وتخزينها على الأراضي الإيرانية في مستودع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال الأمريكيون أيضا إن إيران لن تكون قادرة على إجراء أي معالجة للبلوتونيوم، وهي مادة يمكن استخدامها لأغراض صنع أسلحة، وستعيد تصميم مفاعل البلوتونيوم في أراك حتى لا تتمكن من إنتاج مادة لقنبلة نووية.

بالإضافة إلى ذلك، تعهد الأمريكيون بأنه إذا تم التوقيع على اتفاق، ستكون الوكالة الدولية للطاقة الذرية قادرة على تجديد رقابتها الصارمة على المنشآت النووية في إيران، بعد أن تم تقليصها بشكل كبير من قبل الإيرانيين.

وتُعتبر مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية الإيرانية واحدة من نقاط الخلاف التي انخرطت فيها إسرائيل. فلقد رفض الإيرانيون السماح للوكالة بمواصلة أنشطتها وهو ما أصر عليه الأمريكيون بعد ضغوط إسرائيلية. الآن يبدو أن الاتفاقية لم تعد على جدول الأعمال.

تسبب الاتفاق المحتمل مع إيران بتوتر شديد في إسرائيل. في الشهر الماضي، ناشد رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الإدارة الأمريكية الامتناع عن الاتفاق، وكتب في تغريدة نشرها في 23 أغسطس “أدعو الرئيس بايدن والإدارة الأمريكية إلى الامتناع، حتى في هذه اللحظة الأخيرة، عن التوقيع على اتفاق مع إيران”.

وأضاف “هذا الاتفاق سيرسل ما يقرب من ربع تريليون دولار إلى جيوب إدارة الإرهاب الإيرانية ووكلائها في المنطقة، وسيمكّن إيران من تطوير وتركيب وتشغيل أجهزة طرد مركزي، دون أي قيود تقريبا، في غضون عامين فقط”.

“طوال العام الأخير، حتى عندما كان [الاتفاق] قريبا جدا، نجحنا بإقناع نظرائنا في البيت الأبيض بعدم الاستسلام للمطالب الإيرانية. آمل أن يظل هذا هو الحال”.

أدت الصفقة الناشئة مع إيران إلى احتكاكات وخلافات جادة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتوترات داخلية كبيرة في القدس.

قبل أسبوعين، تحدث رئيس الموساد دافيد بارنياع مع مراسلي الشؤون الدفاعية وحذر من مخاطر تجديد الاتفاق النووي. وفقا لتقرير في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، حذر برنياع خلال اجتماع مع رئيس الوزراء من أن الاتفاق سيسمح لإيران بالحصول على قدرات كبيرة.

بحسب برنياع فإن مليارات الدولارات ستتدفق إلى إيران بعد رفع العقوبات، وستُستخدم هذه الأموال لتعزيز الجماعات المتطرفة التي تحيط بإسرائيل، من ضمنها حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

علاوة على ذلك، قال إن الإيرانيين سيعجلون برؤيتهم لـ “هلال شيعي” يمتد من حدودهم مع العراق إلى البحر المتوسط، مما يعزز الحوثيين في اليمن والميليشيات الموالية لإيران في المنطقة. وأضاف برنياع أن الصفقة ستكون “كارثة استراتيجية” وأعلن أنها لا تلزم إسرائيل.

ولقد تعرض رئيس الموساد، الذي يقوم حاليا بزيارة إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات في الشأن الإيراني، للتوبيخ لاحقا من قبل لابيد بسبب انتقاده المباشر للأمريكيين.

نتنياهو، الذي تعامل مع المسألة الإيرانية بشكل مكثف خلال سنواته كرئيس للوزراء، قال إن الاتفاق الناشئ أسوأ من الاتفاق الأصلي الموقع في عام 2015 في عهد الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما.

قبل أسبوع ونصف، دعا نتنياهو نفسه إلى إحاطة أمنية مع لابيد حول الشأن الإيراني، كما يحق له بموجب القانون بصفته زعيما للمعارضة. بعد الاجتماع، ادعى نتنياهو أن لابيد ووزير الدفاع بيني غانتس قد ناما على عجلة القيادة وأنهما مسؤولان عن “الفشل النووي الإيراني”. وطالب نتنياهو المسؤولين بلقاء أعضاء في الكونغرس ومسؤولين مؤثرين وشخصيات إعلامية بارزة في الولايات المتحدة في محاولة لإفشال الاتفاق.

يوم الإثنين، قال مسؤول حكومي كبير إن “نتنياهو علمّنا بالضبط ما لا يجب أن نفعله. في عام 2015، ذهب إلى الكونغرس، وتحدث مع مسؤولين حكوميين كبار ووسائل الإعلام، وحصلنا على الاتفاق النووي في وجوهنا”.

هذه المرة، كما قال المسؤول، “عملنا بهدوء. بذلنا جهودا جبارة ووصلنا إلى النتيجة المعاكسة”.

بعد نحو أسبوعين، سيتوجه لابيد إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ولم يتضح بعد ما إذا كان سيلتقي ببايدن هناك. ومن المتوقع أن يتواجد بايدن في نيويورك في 18-20 سبتمبر؛ سيصل لابيد والوفد المرافق له إلى هناك في صباح 20 سبتمبر.

ومن المقرر أن يلقي لابيد كلمة أمام الجمعية العامة يوم الخميس، 22 سبتمبر، ومن المتوقع أن تكون إيران في محور خطابه. مباشرة بعد الخطاب، سيعود لابيد بسرعة إلى إسرائيل للمشاركة في حفل زفاف ابنه يوآف بعد ظهر يوم الجمعة.

بوتين يتهم الغرب بتقويض اقتصاد العالم وتفاقم أزمة الغذاء

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه من المستحيل عزل روسيا، ووعد بتعزيز العلاقات مع آسيا والشرق الأوسط، محملا الغرب مسؤولية تقويض الاقتصاد العالمي وتفاقم الأزمة الغذائية.

وفي خطاب أمام منتدى الشرق الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك الروسية المطلة على المحيط الهادي قال بوتين إن روسيا نجحت في مواجهة العدوان الاقتصادي الغربي، فيما وصل الغرب إلى طريق مسدود في أزماته الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف بوتين أنه “بغض النظر عن مدى رغبة البعض في عزل روسيا فإنه من المستحيل تحقيق ذلك”، معتبرا أن عقوبات الغرب تنم عن قصر نظر وتشكل خطرا على العالم بأسره، وأن الغرب قوض الاقتصاد العالمي بمحاولة “شرسة” لفرض هيمنته على العالم.

كما ندد الرئيس الروسي بسياسة الغرب المستمرة منذ عقود في العقوبات، متهما الولايات المتحدة برغبتها في استمرار هيمنتها على العالم، ورأى أن قرارات القيادات الغربية تتعارض مع مصالح شعوبها.

وأضاف أن “دور دول منطقة آسيا والمحيط الهادي شهد نموا متزايدا”، مشيرا إلى أن روسيا ترى أن هناك مزيدا من الفرص لدخول أسواق في الشرق الأوسط وإيران.

وقال بوتين أيضا “اتخذنا قرارا مع الصين بتبادل البضائع بالروبل الروسي واليوان الصيني”.

الأزمة الغذائية

وانتقد بوتين سياسات الغرب الاقتصادية، مشيرا إلى أن الدول الغربية تواصل التصرف بنهج استعماري في ما يخص موضوع تصدير الحبوب الأوكرانية، وأن 3% فقط من كميات القمح التي خرجت من أوكرانيا ذهبت إلى الدول الفقيرة والبقية إلى الدول الأوروبية.

وأعلن الرئيس الروسي أنه سيبحث مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان تقييد وجهة صادرات الغذاء من أوكرانيا إلى الدول الغربية، مضيفا أن “الأزمة الغذائية في العالم ستتضاعف، وهذا أمر مؤسف”.

كما وعد بوتين بالعمل على تمديد الممر البحري عبر القطب الشمالي الذي يعتبر ممرا آمنا لسفن الشحن.

نهاية «الاحتلال الديلوكس»: الضفة تعلِن تمرّدها

يحيى دبوق

فشلت إسرائيل في ترويض الضفة الغربية المحتلّة، لا بصورة مباشرة بوصْفها هي احتلالاً عسكرياً، ولا بصورة غير مباشرة من خلال وكلائها في أجهزة السلطة الفلسطينية، والتي تُشخَّص على أنها «خارج الصورة» وغير قادرة على «تأمين البضاعة». والنتيجة مزيد من التدخُّل والقمع الإسرائيليَين المباشرَين في مدن الضفة وقراها، وهو ما سيستجلب للاحتلال احتقاناً فلسطينياً إضافياً، وبالتالي عمليات جديدة، إلى حدّ أن كبار المسؤولين العسكريين في الجيش يحذّرون من «(أننا) في مرحلة ما قبل الانفجار». ومنذ بداية العام الحالي، قتلت إسرائيل أكثر من 85 فلسطينياً من سكّان الضفة والقدس المحتلّتَين، من بينهم 17 قاصراً وستّ نساء. وفي المقابل، قَتل الفلسطينيون 20 إسرائيلياً، نتيجة المئات من العمليات ومحاولات العمليات في أرجاء الضفة، والتي كان معظم مُنفّذيها، وربّما كلّهم، أشخاصاً لا يُحرَّكون من أعلى، أي يعملون بشكل فردي. وهكذا، بدت إسرائيل أمام حلْقة مفرغة: قمعٌ يدفع إلى مزيد من الهجمات، التي تدْفع بدورها إلى القمع، ليعود الأخير ويحفّز نحو عمليات إضافية. وتمدَّدت رقعة الهجمات الفلسطينية في الشهر الأخير؛ إذ بعدما كانت منحصرة في شمال الضفة، أي جنين ومخيمها وجوراها، باتت تنتشر نحو الجنوب، وتحديداً مدينتَي بيت لحم والخليل وجوارهما. وإن اكتمل الانتشار كما تقدِّر المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية، فـ«ستكون القصّة مغايرة تماماً».

وتبدو أسباب هذه القفزة في العمليات، والتي يسمّيها الإسرائيليون «انتفاضة ثالثة من نوع جديد»، متعدّدة ومتداخلة، وعلى رأسها ضعف السلطة الفلسطينية في شمال الضفة، وتَعزّز مكانة حركتَي «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، في مقابل ترْك «الفتحاويين» مسافة بينهم وبين السلطة، ليتحرّكوا فرادى ضدّ الاحتلال من دون ارتباط بقياداتهم. وبعدما كانت أجهزة السلطة هي التي تتولّى مقارعة المقاومين لحساب الاحتلال ربطاً بوظيفتها كمُقاوِل أمني لصالح الأخير، فإن ضعفها اليوم يدفع العدو وأجهزته، من جيش و«شاباك»، إلى التدخُّل المباشر في مراكز ثقل المقاومين والمبادرين إلى العمليات، وتحديداً في شمال الضفة، الأمر الذي يؤدّي إلى احتكاك مباشر بين الفلسطينيين والقوّات الإسرائيلية، مع سقوط إصابات من الطرفَين، وإن كان للطرف الفلسطيني النصيب الأكبر منها، في ما يؤدّي بدوره إلى مبادرة الفلسطينيين إلى مزيد من العمليات… وهكذا، يتنامى التصعيد والمواجهات. وحتى الأمس القريب، كانت إسرائيل «تَنعم» بما يُسمّى «احتلال ديلوكس»؛ أي أنها تحتلّ الأرض وتفعل بها ما تشاء من قضم واستغلال وسرقة وتشتيت وحصار وتهشيمٍ للهوية، فيما تأخذ السلطة الفلسطينية على عاتقها مواجهة تبعات تلك السياسات، وهي معادلة أمّنت للمحتلّ هدوءاً نسبياً، أبعد عن طاولة القرار لديه أيّ مبادرة للتسويات، بل حتى للمفاوضات من أجل المفاوضات نفسها، إلى أن بات الحديث عن «العملية السياسية» نوعاً من «الخيانة» للمشروع الصهيوني.

على هذا النحو، تحوَّل نجاح السلطة الفلسطينية في تنفيذ كامل مهامها الأمنية إلى مبرّر لإدامة وجودها بالنسبة إلى العدو، لكن من دون أن يرقى ذلك إلى حدّ التزام الأخير بتعزيز دورها، بل واشتغاله على توجيه الصفعات إليها، إلى أن تسبّب هو نفسه بإضعافها، وبالتالي في الوصول إلى الواقع الحالي. ومن هنا، يُطرح السؤال عن الجدوى من بقائها حالياً؟ التقارير العبرية تتحدّث عن نوع جديد من المقاومين في شمال الضفة: مبادرون، شجعان، لا يستسلمون من دون قتال، ويتحرّكون فرادى أو كجماعات صغيرة جدّاً، لا يخشون التبعات، ويستحثّون غيرهم من الفلسطينيين على المبادرة من خلال تقنيات الإعلام والتواصل التي باتت متاحة للجميع، فيما صورة البطل التي يكتسبها المنفّذ مهما كانت نتيجة محاولته، تزيد بدورها الحافزية إلى الهجمات. وفي الحديث عن أسباب ذلك، يَبرز التركيز على دور «الجهاد الإسلامي»، وتحديداً في شمال الضفة، حيث تنامي المكانة والقدرة والحضور عال جدّاً، بالتعاون مع «حماس» و«كتائب شهداء الأقصى» التابعة لـ«فتح»، وبـ«تشجيع من إيران وحزب الله»، وفي ظلّ تزايد هشاشة السلطة.

تحوّلت الضفة، في الأسابيع الأخيرة، إلى ما يشبه ساحة مواجهة دائمة

قد تكون كلّ هذه الأسباب صحيحة، وهي كذلك بالفعل، لكنّها ليست بالنتيجة إلّا عوارض للسبب الأصلي المتمثّل في الاحتلال، والذي تصرّ إسرائيل على إنكاره، على رغم ارتفاع بعض الأصوات الداعية إلى إيلاء هذا العامل أهمّية، مع كلّ عملية يبادر إليها الفلسطينيون. حتى الآن، وبحسب رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، اعتقلت إسرائيل أكثر من 1500 فلسطيني، ضمن عملية «كاسر الأمواج» التي تهدف إلى الحدّ من الهجمات الفلسطينية. ويتفاخر كوخافي بأن الاعتقالات هي السلاح الأمْضى في مواجهة المقاومين، وهو يرى في ذلك نجاحاً له ولجيشه. لكن ضمن معادلة الفعل وردّ الفعل، فإن هذه الاعتقالات ستكون بمثابة 1500 حافز إضافي لشنّ عمليات. وفي الواقع، عندما يتحدّث رأس الهرم العسكري في دولة الاحتلال عن مئات المعتقَلين خلال أشهر، فهو يقرّ بشكل غير مباشر بأن الوضع خرج عن السيطرة، وبأن السياسة الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين لم تؤتِ أكُلها.

وتحوّلت الضفة، في الأسابيع الأخيرة، إلى ما يشبه ساحة مواجهة دائمة، في ظلّ اكتسابها سمة جديدة ظنّت إسرائيل أنها تجاوزتها، وهي استخدام السلاح الناري في العمليات التي تستهدف الجنود والمستوطنين. ووفقاً لتعبيرات مصادر عسكرية إسرائيلية (جيروزاليم بوست)، يشبّه الجيش الإسرائيلي ما يقوم به في الضفة حالياً بعملية «السور الواقي» للعام 2002 (على رغم الفارق في الحجم) والتي هدفت إلى إخماد الانتفاضة الثانية، حيث اجتاح المدن الفلسطينية التي كانت تحت السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية في حينه. كما يشبّه الظروف السائدة حالياً بتلك التي سبقت الانتفاضة الثانية، لناحية تكاثُر المعارك والمواجهات بالأسلحة النارية بين القوّات الإسرائيلية والفلسطينيين، الذي لا يستحصلون اليوم على أسلحتهم من السلطة، بل من خلال عمليات تمرير وسائل قتالية بما يشمل المسدّسات والبنادق الهجومية من سوريا والعراق عبر الأردن، وذلك على رغم كلّ «النجاحات» التي يعلنها الجيش الإسرائيلي في مصادرة ومنع إدخال هذه الأسلحة إلى الضفة.

بالنتيجة، تُواجه سياسة «جزّ العشب» في الضفة، وفقاً لخبراء إسرائيليين، تحدّيات قد يتعذّر على الجيش الإسرائيلي استيعاب تبعاتها، إذ من شأنها أن تؤدّي إلى اندلاع مواجهات أكثر عنفاً، في ظلّ ظروف أكثر إشكالية بالنسبة لتل أبيب، وهو ما يمثّل واحداً من تجلّيات حالة الدائرة المفرغة نفسها.

الاعتقال الإداري ليس قدَراً

قيل الكثير عن معركة «وحدة الساحات» التي خاضتها حركة «الجهاد الإسلامي» قبل أسابيع، بهدف معلَن هو منْع الاحتلال من تنفيذ اعتقالات إدارية ضدّ الفلسطينيين. وقد وُجّهت إلى الحركة اتّهامات بالتسرّع، وبأنها تطْلب ما لا يمكنها الحصول عليه، بالنظر إلى أن سياسة الاعتقالات ثابتة ومتقادمة، ولن تتخلّى إسرائيل عنها مهما كانت التبعات. إلّا أن التطوّرات أظهرت ما يخالف كلّ التوقّعات السابقة، حيث تَبيّن أنه إن لم يكن بالإمكان إلغاء الاعتقالات الإدارية، فبمستطاع الفلسطينيين الحدّ منها. وإن كانت «الجهاد» استطاعت بمفردها تحصيل هذا المكسب، فكيف لو آزرتها بقيّة فصائل المقاومة؟ لا يدور الحديث هنا عن قرار إسرائيلي بإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، بل عن نقاشات في ذلك الاتّجاه تدور في أورقة القرار في تل أبيب، مدفوعةً بـ«نصائح» وردت في الإعلام العبري من خبراء أمنيين، في أعقاب إذعان تل أبيب المتأخّر لمطلب الامتناع عن تمديد فترة الاعتقال الإداري للأسير خليل العواودة، والذي مثّل واحداً من شروط «الجهاد» لإنهاء الجولة الأخيرة.

وهكذا، تُقرّ إسرائيل، بشكل غير مباشر، بتمكّن «الجهاد» من انتزاع أحد المكاسب التي سعت إليها، وهو ما يمكن قراءته في محاولة مصادر إسرائيلية مطّلعة (المركز اليروشالمي للشؤون العامة والدولة) تبرير قرار الإفراج عن العواودة بـ«عدّة أسباب من بينها النكث بوعود تلقّاها الجانب المصري لإنهاء القتال الأخير في غزة، وحقيقة أن استمرار سجنه الإداري من شأنه أن يزيد الاضطرابات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث هناك براعم انتفاضة شعبية جديدة، والمنظّمات الإرهابية تعمل لتصعيد الوضع الأمني قبل الأعياد اليهودية».

غانتس يطلق حملته الانتخابية: الحرب الأهلية تترصّدنا!

أعاد وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، تذكير الإسرائيليين بـ«الحرب الأهلية» التي تتكاثر أسبابها يوماً بعد يوم. وتعهّد غانتس، في كلمة خلال إطلاق الحملة الانتخابية لحزبه «معسكر الدولة»، بأنه سيسعى إلى «إنهاء أقسى أزمة سياسية عرفتها إسرائيل في تاريخها». وحضّ الإسرائيليين على التمسّك بالأمل بتشكيل حكومة مستقرّة، واعداً بالعمل لـ«حلّ أزمة إسرائيل، وهي أزمة اجتماعية عميقة وأساسية، كي نمنع خطر اندلاع الحرب الأهلية الإسرائيلية الأولى، والتي بدأت تتفجر بالفعل على الأرض». وهاجم غانتس خصومه السياسيين، وتحديداً رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، متّهماً إيّاه بـ«تفرقة الإسرائيليين والسعي إلى مصالحه الشخصية على حساب الدولة». وقال: «أولئك الذين يريدون تقسيم إسرائيل للمرّة الأولى والثانية والثالثة، أولئك الذين يسعون إلى تأجيج الأزمة وخنْق الأمل، أولئك الذين يتنفّسون الكراهية وينشرون السمّ بسبب دوافع شخصية، سوف يتسبّبون بالحرب الأهلية الإسرائيلية الأولى»، مضيفاً أن نتنياهو «لن يكون قادراً على التصحيح ولن يكون قادراً على أن يكون جزءاً من التصحيح». وأشار إلى أن «الواقع السياسي معقّد، وهناك ثلاثة خيارات: إمّا أن يشكّل بيبي (نتنياهو) حكومة متطرّفة ستدمّر الديموقراطية الإسرائيلية كما نعرفها؛ أو سنذهب إلى انتخابات أخرى لنستمرّ في التمزّق؛ أو سأشكّل أنا حكومة وحدة وطنية مستقرّة، تعرف كيف تتعامل مع التحدّيات الأمنية، في جميع الساحات القريبة والبعيدة».

من ملف : الضفة: بداية انتفاضة

“فتح” والمفترق الاصعب

ميساء أبو زيدان

القلق هو الحال الذي تمَلّك كل مَنْ انتمى لحركة “فتح” وانخرط في صفوفها، بل وكل فلسطيني أدرك الدور الذي أدّته لأجل الهوية والقضية الوطنية، والصخب باتَ ميزة الأحاديث في الجلسات والحوارات التي تضج بأروقتها وأطرها وحتى محيطها القريب والبعيد. المؤتمر العام “الثامن” هو الحدث المُرتقب الذي يطغى على المشهد الفتحوي سيما وأنه بمثابة الفرصة الوحيدة للأجيال المتزاحمة داخل الحركة، بظل مفترق وعر بين مرحلتين رئيسيّتين مرّت بهما، حيث الفعل الكفاحي ما قبل العودة واتفاق أوسلو، والنضال بمساري التحرر والبناء ما بعد العودة للوطن الفلسطيني.

وما بين جلد الذات الشديد، والاعتقاد بأحقية الدور للتغيير، يغدو منطلق الحديث الدائر داخل الحركة، بالتوازي مع تسلل اليأس شاخصاً، بفعل التحديات المهولة المحيقة بالوطنية الفلسطينية ومقوماتها. وبين تصادم النماذج النضالية التي ازدانت بها “فتح”، والظواهر التي تكرّست سلوكاً متصلاً بالسلطة مناخاً، زاغ البصر عن  طبيعة الدور وحقيقة المكانة التي تشكلها الحركة الوطنية (الأوحد) في المنطقة المشتعلة وسط العالم المتغير وبتسارع. ليصبح الحديث عن “المؤتمر” وعقده المناسبة التي تدفع بالتحديات والمراجعات والتوجهات والتناقضات داخل الحركة لتبلغ ذروتها، طافيةً بأحيانٍ كثيرة على سطح الفعل والموقف وأحياناً القرار.

لكأن الحركة ضمّت جموعاً من الخارقين الجهابذة، أو قادة منفردين حددوا قوام الجسد الممتد حيثما حلّ الفلسطيني فور حقبة النكبة! وكأنها امتلكت منظومةً تتناسب (مُتَصدية) والمنظومةً الاستعمارية العالمية المدى والتمكين! متناسين أنها جاءت بفعل إرادةٍ استُمِدّت من الحق والقهر معاً، ما أدى بالشعب الفلسطيني لإعلان ثورته في وجه التنكر والرجعية، وأنها تكونت من شباب لاجئ ولد من رحم المأساة، لشعبٍ تفرّد فيه غلاة الاستعمار وسط مناخٍ من التواطؤ والخذلان، وأنهم مجرد أفرادٍ صاغوا هوية وطنية لشعبٍ عريق. لكأن الآخر بمستوياته (الاحتلال وما خَلْفه) مجرد استعمارٍ تقليدي، وكأن الحاضنة المحيطة قدمت ما يكفل لفلسطين تقرير مصيرها!

ولعل أخطر ما تواجهه “فتح” اليوم بظل المشروع الاستعماري وامتداداته، هو إهمال التاريخ وتفشي الذاكرة القصيرة والتقوقع حول الذات واقتطاع الراهن من سياقه الأساس، إضافةً لفقدان المقدرة على قراءة الآخر وبالتالي التراجع عن مواكبة ما يدور. ولعل أدق ما ينتظر “فتح” في هذا المنعطف هو تلاشي حدود الثغرة التي اعترتْ تتابع الأجيال، والتشبث بنموذج نضالي ولفظ الآخر، وساحةٍ دونَ الأخريات، مقابل حركة صهيونية عالمية تكرّس كل مكون وممكن للتوسع والسيطرة، وتجهد لوأد الرواية الحقيقة لإحلال زيف الروايات. وعليه تصبح الأسئلة الوجودية ضرورةً لا مناص من التوقف لتناولها وبهذه الروحية القلِقة لأعضاء وكوادر الحركة.

لقد آن الأوان لهذه الإرادة الوطنية المنفردة “فتح” أن تقرر وبأية وسيلة ممكنة، المنهج الذي ستتبناه لديمومة مساري الكفاح والنضال بمسعى التحرر والبناء، وأن تحدد مناخ مؤتمراتها، وإن كانت تريد منها أن تجدد الراهن وبالتالي السير باتجاه إبادة الفكرة، أم تحديد  ما يكفل ديمومة المسار النضالي، وبالتالي التوجه نحو ولادةٍ ثانية للفعل المُكافح. كما يتوجب على قادتها؛ خلفاء مَن صاغوا الفكرة التي أوصلتهم لما هم عليه اليوم، أن يقرروا لمواجهة استعار الآخر وتعاظم ما هو مُسخّر لصالح مشاريعه، الكيفية التي ستحدد تمثيل “فتح” ضمن مؤتمراتها وأطرها، بما ينسجم وواقع الصراع، وحال الشعب الفلسطيني بجزئيه (الداخل والخارج).

أخيراً؛ يبدو أن مهمة حفظ التضحيات التي بُذلت لأجل فلسطين وكرامة شعبها عبر ما يُقارب القرن، وحماية ما بُنيّ من مقدرات وطنية، هي برسم مَن قرروا “فتح” خياراً لنضالهم وفعلهم وبكل المستويات. وبات تفادي الانغماس بالتفاصيل المرتبطة بالذات وما يُسمى ب (الاستحقاق) والاستحواذ بِمَن صانت الحق، هو فعلٌ نضاليّ ومهمة متصدري المشهد حرفاً وموقفاً وادّعاءاً. وأصبح توريث الفكرة للأجيال القادمة ديناً في أعناق مَن عاصروا أو كانوا استمراراً وبكافة الميادين، وواجباً على مَن استمدوا فخرهم وجاههم من “فتح” صانعة الهوية والوطنية، كذلك التصدي (بثبات المواقف) لكل المحاولات البرّاقة التي ستذهب بالفلسطيني (بالنتيجة) نحو الضياع والقهر والهوان.

إرث دايتون يتخلخل: في بيت السلطة… مقاومون

يوسف فارس 

أعاد استشهاد المطارَد جميل العموري في حزيران 2021، برفقة اثنَين من عناصر جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للسلطة الفلسطينية، ترتيب المشهد المقاوم في الضفة الغربية على نحو مفاجئ. ابن مخيّم جنين، والذي لم يتجاوز عمره الـ25 ربيعاً، كان قد نفّذ في أثناء معركة «سيف القدس» عدّة عمليات إطلاق نار، باكورتها وقعت في كانون الثاني 2020. يومها، أطلق العموري، مع مجموعته التي لم يتجاوز تعدادها أصابع الكفّ الواحدة، النار على جنود الاحتلال الذين كانوا يهدمون منزل الأسير أحمد القنبع في مدينة جنين. وعقب ذلك، واصل الشاب مشاغلة الاحتلال بتنفيذ عمليات متفرّقة على الحواجز وضدّ القوّات التي كانت تقتحم جنين في السابق بهدوء لا يعكّر صفوَه إلّا رشق الحجارة. تجاوَز العموري حدود الشخصية العسكرية ذات الإرادة والطموح والمبادرة، وأدّى أدواراً أكثر أهمّية. امتلك الشاب شخصية اجتماعية محبوبة، وكاريزما قيادية ملهِمة، وخطّ شكل الحراك المقاوم الذي يشتهيه بكلمات ألقاها في جمْع من مقاتلي «سرايا القدس» عقب معركة «سيف القدس»: «إلى شبابنا الذين تحملون السلاح في الضفّة، لا تُطلِقوا رصاصكم في الهواء، إن هذا السلاح أمانة في أعناقكم، وواجب ديني وشرعي أن يتوجّه إلى الاحتلال». هكذا، تَحوّل الشاب الهادئ ذو الوجه البشوش إلى رمز وأيقونة، أجمعت عليها قلوب الشبان الثائرين في مختلف مدن الضفة، وقد رسمت تفاصيل استشهاده إلى جانب الملازم أدهم ياسر توفيق عليوي (23 عاماً) من نابلس، والنقيب تيسير محمود عثمان عيسة (33 عاماً)، الإطار الوحدوي الذي سيتشكّل بتناغم يكسر الجمود بين مكوّنات حركة «فتح» وحتى بعض عناصر الأجهزة الأمنية في جنين ونابلس، وبين «السرايا». ثمّ أكملت عملية الهروب من سجن جلبوع، «نفق الحرية»، تحويل الإطار النظري إلى حالة قائمة، لتنطلق «كتيبة جنين»، التي ضمّت أيضاً مقاتلي «فتح» تحت اسم جامع هو «كتيبة جنين – حزام النار».

ثُنائية الاشتباك

ضربت عملية «السور الواقي» عام 2002، البُنى التحتية لفصائل المقاومة في الضفة. وحتى عام 2018، كان ملاحَظاً أن العمل العسكري المنظَّم والمستدام، قد تقلَّص إلى حدود الصفر، خلال تلك السنوات الطويلة. صحيح أن عدداً من الخلايا المسلّحة التابعة لـ«كتائب القسام» كسرت حالة الجمود، بتنفيذ عمليات أوقعت عدداً من القتلى، غير أن القبضة الأمنية الإسرائيلية استطاعت دائماً احتواء الموقف سريعاً. وبالتزامن مع ذلك، عما الجنرال الأميركي، كيث دايتون، على تعميق الشرخ بين الأجهزة الأمنية التي كانت لبعض قياداتها مِن مِثل ضابط المخابرات العامّة رائد الكرمي، ومدرّب قوات الأمن الوطني يوسف ريحان «أبو جندل»، البصمة الواضحة في الانتفاضة الثانية. استغلّ دايتون أحداث الاقتتال الداخلي في غزة عام 2007، واشتغل على بناء أجهزة أمنية «مهنية»، تضع نصْب أعينها المحافظة على الهدوء الأمني الذي من الممكن أن يخرقه تشكيل خلايا عسكرية تابعة لـ«حماس» بوصْف الأخيرة متّهمةً دائماً بالتخطيط للانقلاب على السلطة في الضفة، وإعادة سيناريو طردها من غزة. غير أن جهود الأجهزة الأمنية تجاوَزت «كتائب القسام» لتُطاول فصائل المقاومة كافة، ومن بينها «الجهاد الإسلامي». وفي هذا السياق، يقول مصدر مطّلع في «الجهاد» لـ«الأخبار»: «كسر العموري الحاجز النفسي بين عناصر المقاومة وضبّاط الأجهزة الأمنية، وقد أعاد استشهاده إلى جانب شابَّين من جهاز الاستخبارات العسكرية التابعة للسلطة، نظْم العلاقة مع هؤلاء، الذين وجدوا أنفسهم طوال سنوات منبوذين وطنياً، فيما يؤدّون اليوم دوراً خفيّاً ومهمّاً في رفد فصائل المقاومة بالمعلومات التي يتحصّلون عليها من بيئة عملهم، عن نيّة الاحتلال تنفيذ عملية اقتحام أو عن تسلُّل قوات خاصة في منطقة ما». ويضيف المصدر نفسه: «شكّل عناصر فتح والأجهزة الأمنية في مخيم جنين تحديداً ثُنائية قلبت المشهد، إذ يحمي هؤلاء ظهر المقاومين، فضلاً عن أنهم يشاركون إلى جانب كتيبة جنين في التصدّي للاقتحامات وتنفيذ عمليات إطلاق النار».

غادرت الظاهرة التي كانت محصورة في جنين، المخيّم إلى مساحات جديدة

الكتائب تتوسّع

غادرت الظاهرة التي كانت محصورة في جنين، المخيّم إلى مساحات جديدة. ففي نهاية أيار 2022، أُعلن عن تأسيس «كتيبة نابلس». وبعد أقلّ من شهر واحد، تمدّدت ظاهرة الكتائب إلى طولكرم. وبعد قرابة شهر ونصف الشهر، أعلنت «السرايا»، نهاية تموز الماضي، انطلاق «كتيبة طوباس». هذه الكتائب لا تمثّل، وفق ما يقوله الباحث السياسي إسماعيل محمد، الشكل المشتهَى لطبيعة العمل العسكري في الضفة، بقدْر ما هي نقطة ارتكاز يُعمد إليها في المحافظة على ديمومته. ويعتقد محمد، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «مجرّد انطلاق عمل شبه منظَّم في بيئة مقطَّعة الأوصال بالمئات من الحواجز، و ساقطة أمنياً مثل الضفة، هو إنجاز بحدّ عينه»، مضيفاً أنه على رغم «انحصار هذا العمل بعمليات المشاغلة وإطلاق النار، فإنها تؤسّس لحالة توتير غير محسوبة الآثار والنتائج، فبالنسبة للاحتلال، أيّ تقويض لحالة الهدوء التي استمرّت لسنوات، يمثّل إعادة لدفق الدماء في خلايا جديدة، من الممكن أن تعمل بصمت وهدوء شديد لتنفيذ عمليات نوعية تُفاقم من خسائر الجيش، وتُقوّض مشاريع تذويب الوجود الفلسطيني، عبر تدجين الأجيال وحصْر اهتمامها بالهموم الذاتية الخاصة، من دون أن تؤدّي أيّ دور وطني، بينما يلتهم الاحتلال ما تبقّى من هويّة وجغرافيا في الضفة». ويَعتبر أن «الاحتلال لا يخشى من الذين يحملون السلاح في حيّز جغرافي مراقَب ومحصور، بقدْر خشيته من الذين لم يحملوه بعد، ويفكّرون في طريقة أكثر جدوى لفعلهم، هؤلاء يضربون ضربتهم خارج الحسابات الأمنية للعدو، في مساحات آمنة من وجهة نظره، وتواقيت تتجاوز استعداداته”.

السلوك الإسرائيلي

يمكن القول إن ما حدث خلال عام وثلاثة أشهر شكّل مفاجأة للمؤسّسة الأمنية الإسرائيلية، التي انحصر تقديرها في بداية الأمر، بأن الظاهرة لن تتعدّى تشكيل عدّة زُمر عسكرية عديمة الخبرة ومحدودة التمويل، يمكن اجتثاثها قبل أن تُشكّل فارقاً في المعادلة القائمة. غير أن تمدُّد الفعل المقاوم إلى مساحات جديدة، تزامَن مع ظهور أيقونات ذات طابع وطني متجاوِز للحسابات الحزبية، حيث أعاد اغتيال إبراهيم النابلسي إنعاش بُنية العمل المقاوم، وانخرطت عقب مشهد وداعه الملهِم، أعداد جديدة من الشبّان في تشكيلات المقاومة، فضلاً عن ظهور حالات عسكرية من رَحِم الأحزاب الكبيرة، وزيادة حدّة العمل الذي يحمل في شكله الظاهر طابعاً فردياً. وهنا، يعلّق «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» في تل أبيب على عملية الأغوار التي وقعت مطلع الأسبوع الجاري، بالقول: «هي نجاح آخر للمقاومة التي تُشكّل روحَها حركة الجهاد الإسلامي، لقد نجحت الجهاد في تحويل شمال الضفة إلى بؤرة مقاومة، وموّلت مجموعات لا تتبع لها تنظيمياً، كما نجحت في تهريب السلاح والأموال في الفترة الأخيرة، ومن الخطأ القول إن السبب هو الحالة الاقتصادية، إنها روح الشباب التي تتشكّل على طريق المواجهة، وتُحاول الحركة اليوم نقل بؤر المواجهة من مكان إلى آخر في الضفة».

وفي مواجهة ذلك، عمدت قوات الاحتلال إلى مضاعَفة الضغط على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من أجل حمْلها على تكثيف جهودها في إجهاض الحالة الآخذة بالتمدّد. كما نفّذت عمليات اعتقال احترازية طاولت حتى اللحظة ما لا يقلّ عن 1300 شابّ في مختلف مدن الضفّة، يرى فيها مصدر ميداني في جنين «تعبيراً عن حالة الإفلاس المعلوماتي». إذ يبيّن المصدر أن «اعتقال هذا العدد الكبير يؤكّد أن الاحتلال يفتقر إلى المعلومة، التي يمكن أن يستند إليها في توجيه ضربة جراحية ودقيقة إلى خطوط التمويل والتسليح، معظم الاعتقالات تمّت على الاشتباه، وأكثر ضحاياها لا لائحة اتّهام تُدينهم وجرى اعتقالهم إدارياً، ما يعني أن العدو يقف عاجزاً أمام تمدّد الظاهرة». وإذ تُراهن المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية على إبقاء الحالة العسكرية محصورة في مناطق شمال الضفة، واستمرار دَورانها في دائرة المشاغلة ذاتها، من دون أن تتطوَّر إلى عمليات مدروسة ومنظَّمة، ما يسهم بالتالي في إشاعة حالة من الإحباط، فضلاً عن أثر العمل على زرع بذور الخلاف والفتنة بين مكوّناتها، فإن الاختراق الأكبر يتمثّل، بحسب المصدر الذي تحدّث إلى «الأخبار»، في أن «يتمدّد العمل إلى مدن بيت لحم ورام الله والخليل، إذ سيسهم ذلك في زيادة الإشغال، ما سيخفّف الضغط عن مدن الشمال جنين ونابلس وطولكرم، وسيسمح بعمل خلايا الظلّ بشكل أكثر فاعلية وتأثيراً».

من ملف : الضفة: بداية انتفاضة

نعم.. هناك أمل وهناك ضوء في نهاية النفق

تيسير خالد

الوضع في اسرائيل على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والأمنية مصاب هذه الأيام بحالة من الذهول ، فقد جاءت التحديات أكبر من التوقعات ما دفع الاحتلال لشن عملية عسكرية وأمنية مطلع العام اطلق عليها كاسر الامواج ، وهي تشمل انتشار أعداد كبيرة من القوات ضمن مهمات ثلاث رئيسية ، الأولى والأساسية فيها هو الأمن في نطاق المدن ، والثانية الأمن على خط التماس وجدار الفصل العنصري ، أما الثالثة فهي نشاط هجومي موجه في عمق الضفة في المدن والقرى الفلسطينية ، وفي الأساس ضمن نطاق مدينتي جنين ونابلس . وقد بدأ جيش الاحتلال في الأشهر القليلة الماضية  بشنّ حملات مداهمات واعتقالات طالت مختلف محافظات الضفة الغربية بتركيز على محافظتي نابلس وجنين ، فما يحدث في هاتين المحافظتين يقلق المؤسسة الأمنية الاسرائيلية وفق تقديراتها أكثر من التهديد الذي يمثله قطاع غزة ، أو حتى “حزب الله” على الجبهة الشمالية . لماذا ؟ لأن الضفة الغربية بما فيها القدس هي الخاصرة الضعيفة للاحتلال K حيث تعمل الخلايا المحلية للمقاومة ، وهي خلايا ينظمها شبان فلسطينيون من أبناء جيل ما بعد الانتفاضة الثانية / انتفاضة الاقصى

هذا الجيل اصبح عنوان التحدي الأبرز للاحتلال ، جيل مقدام وغير هياب ، فقد الثقة بأي مسار سياسي وأصبح أكثر قناعة بأن المقاومة المسلحة هي الأنسب في مواجهة الاحتلال والاستيطان ، وهو جيل يعمل ، وفق تقديرات الاجهزة الامنية ومراكز البحث والمعاهد الاسرائيلية بطرق ووسائل وأهداف مختلفة عن جيل انتفاضة الاقصى ونفذ حسب روايات أجهزة أمن الاحتلال بين كانون الثاني وتموز  من العام 2021 ، أكثر من 30 عملية إطلاق نار واشتباكات مع قوات للاحتلال ، وارتفعت عملياته في الفترة الموازية لها من العام 2022  إلى 91 عملية . وتخشى المؤسسة الأمنية والعسكرية الاسرائيلية  من احتمالات تصاعد هذه العمليات ، ومن محاولات تقليد العمليات الناجحة ، في ظل الدور الذي تلعبه هنا شبكات التواصل الاجتماعية . وبدا أن حلم استمرار الاحتلال بدون كلفة مع تسهيلات ورشوات اقتصادية للجمهور في الضفة ، من شأنه أن يدفع الفلسطينيين للتسليم بالوضع القائم والتعايش معه . وقد اصبح واضحا للمستوى العسكري والأمني كما السياسي في اسرائيل أن ذلك  ليس اكثر من أضغاث أحلام .

ومن هنا لجأ جيش الاحتلال بتوجيه من المستوى السياسي الى حملة ” كاسر الامواج ” ، التي انبثق عنها نظرية سياسية عنوانها ” قص العشب ” . وقص العشب هذا هو  الوجه الأخر لنظرية ” كي الوعي ”  ، التي رافقت ما أسمته اسرائيل في حينه عملية السور الواقي عام 2002 وكلاهما لا يصدر إلا عن عقلية فاشية وشيطانية . يأتي ذلك ردا على إرهاصات انتفاضة ، تختلف وفق التقديرات الاسرائيلية عن الانتفاضة الأولى التي تفجرت أواخر العام 1987 وعن انتفاضة الأقصى ، التي اندلعت مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2000 وتمتاز بممارسة قدر كبير من الاستعداد للمواجهة العنيفة ضد قوات الاحتلال ، فكل عملية اعتقال ينفذها جيش الاحتلال في الضفة الغربية باتت تواجَه بمقاومة عبر إطلاق النار وإلقاء الزجاجات الحارقة والحجارة  تطاول حسب تقديرات الاجهزة العسكرية والأمنية الاسرائيلية مناطق كثيرة في الضفة ، يواجه فيها جيش الاحتلال أزمة خيارات في كل ما يتعلق بأشكال المواجهة فكل اجتياح ليلي للجيش الإسرائيلي لتنفيذ اعتقال في أي منطقة فلسطينية يصطدم اليوم باستعداد عال للمواجهة من جانب خلايا تسندها جماهير عفوية تقف الى جانبها وتمدها بعزيمة اكبر

ومن هنا جاء تقرير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2022 يؤكد أنّ أحد أبرز التهديدات التي تواجه الاحتلال هي الجبهة الداخلية في فلسطين المحتلة ، فالوضع الأمني في الضفة الغربية حسب المعهد يغلي في ظل مخاوف من أنه ذلك من شأنه أن يؤدي وخاصة في ظل الضعف الواضح ، الذي تؤشر عليه أوضاع السلطة الوطنية الفلسطينية ، إلى حالة استنزاف وتهديد ستجعل إسرائيل غير قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية وخاصرتها الأمنية رخوة .

يبدو واضحا هنا ان دولة الاحتلال بمختلف مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية تتعامل مع الاوضاع في الضفة الغربية المحتلة كمشكلة أمنية بالدرجة الرئيسية ، والمسؤولون فيها لا يسألون انفسهم عن الاسباب التي تدفع بهذه الاوضاع الى مزيد من التأزم . هم لا يدركون أن حدة التناقض في المصالح الوطنية والمادية مع الشعب الفلسطيني قد وصلت الذروة ، وعندما يصل هذا التناقض الى الذروة فمن الطبيعي أن يحدث الانفجار . تلك دروس تاريخ ومن يتجاهل دروس التاريخ سوف يجد نفسه مضطرا لإعادة انتاجه ولكن على نحو كارثي . وفي الجانب الأمني تلقي سلطات الاحتلال باللائمة على ضعف السلطة الوطنية وعجزها وتعرب عن استعدادها لدراسة معالجة هذا الضعف بحلول هي مجرد وعود وحبر على ورق ، كإطلاق سراح بعض المعتقلين ، إذا كان ذلك يرمم صورة السلطة أو بزيادة تصاريح العمل في المشاريع الاسرائيلية . وهي في مجملها حلول نسبة مساهمتها في تخفيف حالة التوتر والاحتقان جدا محدودة ، لأن الأسباب تكمن في ميادين أخرى مختلفة تتجاهلها حكومات اسرائيل . 

فإسرائيل تواصل نشاطاتها الاستيطانية الهدامة في طول الضفة الغربية بما فيها مدينة ومحيط القدس المحتلة . هي نشاطات لا تتوقف بصرف النظر عن الفريق الحاكم في هذه الدولة . وقد أظهرت معطيات لمجلس يشع الاستيطاني ، نشرت حديثا أن عدد المستوطنين في مناطق الضفة الغربية بما يشمل وادي الأردن ، سيرتفع إلى نصف مليون مستوطن بحلول نهاية عام 2022 الجاري يتمركزون في 158 مستوطنة ونحو 200 بؤرة استيطانية الى جانب نحو 250 الف مستوطن في مدينة القدس الشرقية ومحيطها . لا فرق هنا بين حكومة يقودها بنيامين نتنياهو او حكومة يتناوب على قيادها نفتالي بينيت ويئر لبيد . فمعدل الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس في ارتفاع مضطرد ، فقد أقام الاحتلال خلال العام الماضي 2021 أكثر من 22030 وحدة استيطانية، منها 14894 في شرق القدس وتضاعف العدد أكثر من الضعف مقارنة بالعام 2020 الذي وصل فيه عدد الوحدات الاستيطانية الجديدة في القدس إلى 6288 و 7136 وحدة في الضفة الغربية وأصبحت المدن والقرى الفلسطينية محاطة بأسيجة استيطانية تحبس عنها الماء والهواء

وفي الوقت الذي تواصل اسرائيل بناء وتوسيع الاستيطان فإنها تقوم بهدم منازل الفلسطينيين . فقد هدمت قوات الاحتلال نحو 11900 منزل وهجّرت نحو 73 ألف فلسطيني منذ عام 1967 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2021 منهم 47 ألفا و220 مواطنا مقدسيا. عمليات الهدم هذه متواصلة فقد هدمت 500 مبنى بالضفة الغربية والقدس المحتلتين منذ مطلع العام 2022 ، بحسب إحصاءات وثقتها منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (أوتشا)، التي حذرت في أحدث تقاريرها من خطورة سياسة هدم المنازل التي تتبعها سلطات الاحتلال بالقدس والضفة وخاصة في مناطق (ج) .أما الغطاء القانوني الذي تستند إليه سلطات الاحتلال فهو قانون الطوارئ البريطاني لفلسطين عام 1945 ، الذي ظل ساريا حتى بعد إقامة دولة إسرائيل التي تستخدمه بذرائع أمنية شتى. كإجراء إداري يطبق دون محاكمة ودون الحاجة إلى إظهار أدلة وهو قانون يتناقض مع المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة تطالب سلطة الاحتلال بتغيير القوانين في الأراضي المحتلة، والتي لا تلبي الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية المنصوص عليها في الاتفاقية.

وتستسهل قوات الاحتلال في علاقتها مع الفلسطينيين الضغط على الزناد في التعامل حتى مع المدنيين بمن فيهم الصحفيين وفق التعليمات الصادرة عن المستويين السياسي والعسكري لدرجة أثارت حفيظة أقرب الحلفاء الى اسرائيل . ولا تأبه حكومة اسرائيل بالمناشدات الخجولة من هؤلاء الحلفاء والتي تدعوها الى إعادة النظر في هذه التعليمات . حتى مناشدات مبعوثي الادارة الاميركية ، الذين زاروا اسرائيل مؤخرا لا تجد صدى لدى حكومة تل أبيب ، التي أكد رئيسها يئير لابيد قبل أيام بلغة محمولة على موجة عالية من التحدي والعجرفة في مراسم تخرج فوج جديد من ضباط وضابطات البحرية الإسرائيلية بأنه لا أحد يمكن ان يملي لنا تعليمات إطلاق النار وبأن جنوده يتمتعون بدعم كامل من قبل الحكومة والشعب الإسرائيلي . تعليمات اطلاق النار هذه ثمنها باهظ للغاية في الجانب الفلسطيني فقائمة الشهداء الذين ارتقوا نتيجة هذه التعليمات منذ بداية العام وحتى اب 2022 بلغ 132 شهيدا وبات العدد يقترب من 150 شهيدا .

وتستمر سياسة الباب الدوار في السجون الاسرائيلية ، أفواج تدخل وأخرى تخرج دون انقطاع ، وهي في حقيقة الأمر ليست بالسجون بقدر ما هي معسكرات اعتقال جماعي تمارس سلطة السجون وأجهزة القمع ساديتها بوحشية ضد الأسرى الفلسطينيين . وفق بيانات المؤسسات الفلسطينية المعنية بمتابعة قضايا وحقوق الأسرى في السجون الاسرائيلية وصل عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو (4550) أسيراً ، وذلك في نهاية شهر تموز 2022 ، من بينهم (27) أسيرة ، و(175) قاصراً ، ونحو (670) معتقل إداري . وبلغ عدد أوامر الاعتقال الإداريّ الصّادرة في شهر تموز 2022 نحو (191) أمراً ، بينها (65) أمراً جديداً ، و(126) أمر تمديد.

ولا تكتفي اسرائيل بهذا كله ، بل هي تمارس سياسة لصوصية وتسطو على المال العام الفلسطيني دون ضوابط أو كوابح سياسية كانت أم أخلاقية . الأمر هنا لا يتصل فقط بالسطو على أموال المقاصة وخصم مئات ملايين الشواقل تساوي ما تدفعه السلطة وتدفعه منظمة التحرير الفلسطينية لأسر الأسرى والشهداء والجرحى الفلسطينيين ، بل هو يمتد الى السطو على جيوب المواطنين الفلسطينيين برسوم المغادرة ، التي تستخدمها سلطات الاحتلال للسيطرة على المعابر وبالتالي على حركة الفلسطينيين ويمتد الى سرقة أموال الفلسطينيين بوسائل غير مشروعة من خلال أنظمة مالية وتجارية فرضتها على الجانب الفلسطيني في اتفاق باريس الإقتصادي ، وهي أموال تتجاوز في قيمتها عشرات مليارات من الدولارات ، علما أن ذلك الاتفاق مخالف للقانون الدولي لأنه ينطوي بشكل واضح وصريح على سياسة ضم وإلحاق .

والى جانب هذا كله هناك عامل تفجير بل صاعق تفجير لا تدرك سلطات الاحتلال بمستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية خطورته ، يتمثل في الاعتداء المتواصل على مقدسات المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين . فما يحدث في المسجد الأقصى المبارك هو تآكل مستمر في الوضع الراهن لصالح رواية توراتية لا سند تاريخي لها غير الاساطير وأقوال العرافين ، ما يثير غضب ونقمة الفلسطينيين . سلوك سلطات الاحتلال أخذت تسمح في السنوات الأخيرة للحاخامات والمستوطنين بإملاء قواعد جديدة لسياسة سوف يكون له نتائج مدمرة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية لن تخفف من وقعها اتفاقيات التطبيع الابراهيمية على الاطلاق .

وفي  بحثها عن حلول للأوضاع المتفجرة في المناطق الفلسطينية المحتلة تحاول دولة الاحتلال إطفاء الحرائق بمزيد من العوامل ، التي تؤجج الحرائق . هي لا تدرك ان إطفاء النار بالنار عملية عقيمة وعديمة الجدوى . وفي النتيجة هناك حقيقة يجب ان يدركها الجميع وهي ان الذين لا يتعلمون من التاريخ ومآزقة ومآسيه بشكل خاص محكوم عليهم بإعادته ، وفي ظني أن حكام تل أبيب هم من ذلك الصنف ، الذين لا يبدون ذرة استعداد للتعلم من التاريخ . وفي الجانب الاخر نقف نحن ، وتاريخنا الحديث قدم لنا نموذج نجاح في انتفاضة الحجارة المباركة التي انطلقت شرارتها نهاية العام 1987 وانتهت الى ما انتهت إليه . الآن نحن أمام لحظة تاريخية بدأت صورتها تتبلور في نموذج جديد من النضال ضد الاحتلال ، وهو نموذج يعطي الأمل ويشعل الضوء في نهاية النفق ويفتح على مسار سياسي ، ينعقد شرطه وتنعقد آفاق تطوره على مدى استجابة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة السلطة الوطنية وقيادات الفصائل والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لرعاية هذا النموذج وتقديم كل أشكال الاسناد له بسياسة جديدة قررتها مجالسنا الوطنية والمركزية جوهرها يفصح عن نفسه بأن الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن ، بما انطوت عليه من التزامات ، لم تعد قائمة ، ما بات يفرض التعامل مع اسرائيل باعتبارها دولة احتلال استيطاني ودولة تمييز عنصري وتطهير عرقي وما يترتب على ذلك من تدابير وخطوات عملية لترجمة تلك القرارات دون إبطاء ، باعتبارها الرافعة السياسية للنموذج الكفاحي الجديد ولانتفاضة شعبية واسعة تفضي الى عصيان وطني شامل يفتح الآفاق لتسوية سياسية شاملة ومتوازنة .

التصدي للأزمة المالية المتفاقمة لـ “السلطة الفلسطينية”

ديفيد ماكوفسكي

أدت سنوات من تراجع المساعدات الدولية، والمحسوبية العامة غير المستدامة، والسياسات المثيرة للجدل، إلى دفع الحكومة الفلسطينية والقطاع المصرفي إلى حافة الإفلاس.

في 30 آب/أغسطس، اختتم مسؤولو “صندوق النقد الدولي” زيارة مكثفة إلى الأراضي الفلسطينية بإشارتهم إلى العديد من التحديات الداخلية والخارجية التي سيواجهها المسؤولون المحليون إذا كانوا يأملون في وقف تراجع النمو الاقتصادي ومعالجة المشاكل المالية المزمنة الأخرى. وتفاقمت هذه التحديات في تموز/يوليو عندما أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خصم 180 مليون دولار من عائدات المقاصة التي تجمعها نيابةً عن “السلطة الفلسطينية”، بقولها أن هذه الأموال كانت ستُستخدَم لدفع رواتب السجناء الأمنيين الفلسطينيين وعائلاتهم. ولم يكن هذا الخصم، الذي يمثّل نحو 4 في المائة من إجمالي صافي الإيرادات الخاصة بـ “السلطة الفلسطينية”، سوى الانتكاسة الأخيرة التي حدثت في إطار أزمة مالية تزداد سوءاً، وسبقها عجز كبير في الميزانية، وانخفاض حاد في الدعم الدولي للموازنة، وعدم القدرة على دفع رواتب موظفي القطاع العام كاملة.

إلى أي مدى الأمر سيء؟

وفقاً لـ “البنك الدولي”، بلغ العجز في ميزانية “السلطة الفلسطينية” في عام 2021، 1.26 مليار دولار، مع فجوة تمويلية قدرها 940 مليون دولار (أي العجز بعد استبعاد المساعدات الدولية في الميزانية والتنمية). وتُعزى هذه الفجوة إلى أربعة عوامل رئيسية هي: القطاع العام المتضخم وغير الفعال لا سيما في مجالات الأمن والصحة والتعليم، والانخفاض الهائل في مساعدات الميزانية، وحجب عائدات المقاصة رداً على مدفوعات السجناء، والتعثُّر في تحصيل الإيرادات المحلية.

وتُوظف “السلطة الفلسطينية” ما يقدَّر بنحو 150 ألف شخص في الضفة الغربية وقطاع غزة من أصل ما يقرب من خمسة ملايين نسمة. وحوالي 40 ألف من هؤلاء الموظفين هم في قطاع الخدمة المدنية أو عناصر الأمن في غزة، ومعظمهم لم يعملوا منذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة في عام 2007، ولكنهم ما زالوا يتقاضون رواتبهم من “السلطة الفلسطينية” لضمان ولائهم. وبلغت فاتورة الأجور الناتجة لعام 2021، 2.6 مليار دولار، أو ما يقرب من نصف النفقات العامة لـ “السلطة الفلسطينية” – وهي نسبة تبلغ ضعف ما تنفقه الدولة المتوسطة على الأجور على النطاق العالمي. وهذا الفائض له جذور سياسية، إذ لطالما سعت حركة «فتح» بقيادة رئيس “السلطة الفلسطينية” محمود عباس إلى ترسيخ قاعدة دعم من الطبقة الوسطى من خلال الرعاية الحكومية، إلا أن هذه الاستراتيجية حدّت من قدرة “السلطة الفلسطينية” على التخلص من الوظائف أو تنفيذ إصلاحات حاسمة.

ويُعد قطاع الأمن عرضة بشكل خاص للتضخم والمحسوبية. فوفقاً لمسؤولين مطّلعين، تضم قوات أمن “السلطة الفلسطينية” حوالي 17200 ضابط و15000 مُجنّد، أي بمعدل 0.9 جندي تقريباً لكل ضابط مقارنةً بـ 4.2 في “جيش الدفاع الإسرائيلي” و4.7 في الجيش الأمريكي.

وفي غضون ذلك، انخفضت المساعدات الدولية لـ “السلطة الفلسطينية” إلى النصف في عام 2021 بعد سنواتٍ من التراجع. كما انخفضت مساعدات الموازنة، التي كانت تمثّل نسبة مرتفعة جداً قدرها 27 في المائة من “الناتج المحلي الإجمالي” في عام 2008، إلى 1.8 في المائة العام الماضي (أي 186 مليون دولار). ونتج هذا التراجع الحاد عن التآكل التدريجي لركائز الميزانية الأربع في “السلطة الفلسطينية” وهي: “الاتحاد الأوروبي” و”البنك الدولي” والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. ولعبت الأزمات المؤقتة أيضاً دوراً في ذلك، ومن بينها وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) والمخاوف الأوروبية بشأن التحريض في الكتب المدرسية لـ “السلطة الفلسطينية”.

وعلى الرغم من أن “الاتحاد الأوروبي” و”البنك الدولي” لا يزالان أكبر مانحَين للموازنة اليوم، إلّا أنهما قلّصا دعمهما على مدى العقد الماضي وسط خيبة أمل متزايدة من “السلطة الفلسطينية”، والرغبة في التحول من المساعدة المباشرة إلى تمويل التنمية، وظهور الأزمات الناشئة في مناطق أخرى. وأنهت السعودية دعمها للميزانية بالكامل في نيسان/أبريل 2020 بعد تخصيصها ما يصل إلى 200 مليون دولار في السنوات الماضية، مستشهدة بأسباب مماثلة ومعربة في الوقت نفسه عن غضبها من الفساد المتفشي في “السلطة الفلسطينية”، وشعورها الملموس بعدم الامتنان، والخطاب المعتمَد رداً على “اتفاقيات إبراهيم” (لم تكن المملكة جزءاً من الاتفاقيات لكنها استاءت من اتهامات “السلطة الفلسطينية” بخيانة [دول] الخليج). كما ألغى السعوديون مساعدات أخرى، من بينها مئات الملايين من الدولارات على شكل تبرعات سنوية كانت تقدَّم إلى “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” (“الأونروا”).

وفي عام 2018، أوقفت الحكومة الأمريكية دعمها للميزانية الفلسطينية بسبب “قانون تايلور فورس” الذي يحظر أي تمويل قد يساعد برنامج “الدفع مقابل القتل” الذي تعتمده “السلطة الفلسطينية”. ويمنح هذا البرنامج رواتب للإرهابيين الفلسطينيين المسجونين بصورة تتوافق مع خطورة جرائمهم، وهي ممارسة يقول المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون إنها تحفز الإرهاب.

وتنتهج إسرائيل سياسة مماثلة تتمحور حول العائدات الفلسطينية التي تجبيها نيابةً عن “السلطة الفلسطينية” وتحوّلها إلى رام الله شهرياً، وتشمل بشكل أساسي عائدات المقاصة من البضائع التي تصل إلى الموانئ الإسرائيلية والمتجهة إلى المناطق الفلسطينية، إلى جانب ضريبة الدخل على الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، وبعض ضرائب القيمة المضافة. وإجمالاً، تمثّل هذه الأموال المُجمّعة بين 60 و 70 في المائة من جميع إيرادات “السلطة الفلسطينية”. وفي عام 2018، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً شبيهاً بـ “قانون تايلور فورس” يُلزم الحكومة بتخفيض عائدات المقاصة المحوّلة، بناءً على احتسابها لمقدار الأموال التي تدفعها “السلطة الفلسطينية” للمقاتلين المسجونين سنوياً. وبالمثل، استخدم القادة الفلسطينيون عائدات المقاصة لممارسة الضغط السياسي، إذ رفضوا أحياناً التحويلات احتجاجاً على السياسة الإسرائيلية. ففي عام 2019، رفضت رام الله قبول المدفوعات لفترة دامت ثمانية أشهر، مما دفع “السلطة الفلسطينية” إلى حافة الانهيار المالي. واتبعت هذا التكتيك مجدداً في أيار/مايو 2020 رداً على عمليات الضم الإسرائيلية المخطط لها في الضفة الغربية.

وإدراكاً لواقع أن ضعف “السلطة الفلسطينية” يشكل خطراً أمنياً، فقد تحايلت الحكومة الإسرائيلية على قانون عام 2018 من خلال تقديم “قروض” طارئة لـ “السلطة الفلسطينية” لسد الفجوة. ففي آب/أغسطس 2021، حولت مبلغ 500 مليون شيكل (155 مليون دولار) إلى “السلطة الفلسطينية” بعد اجتماع عُقد بين عباس ووزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، مشيرةً إلى أنها ستستردّ أموالها بحلول حزيران/يونيو القادم باستخدام جزء من مبلغ قيمته 600 مليون شيكل (186 مليون دولار) كانت قد حجبته في وقتٍ سابقٍ من الصيف وأودعته في حساب الضمان. وقدّمت الحكومة قرضاً آخر بقيمة 100 مليون شيكل (31 مليون دولار) في كانون الأول/ديسمبر. ومع ذلك، بينما تتبع الحكومة الحالية التي يرأسها يائير لبيد سياسة تقوية “السلطة الفلسطينية”، إلّا أن بنيامين نتنياهو قد يرفض اتباع مثل هذه الحلول إذا عاد إلى السلطة بعد الانتخابات المبكرة في تشرين الثاني/نوفمبر.

وتكثر المشاكل أيضاً على صعيد الجهود التي تبذلها “السلطة الفلسطينية” في عملية الجباية المحلية، والتي تشكل ثلث إجمالي إيراداتها. وأحد الأمثلة على ذلك هو عدم قيام “السلطة الفلسطينية” بتحصيل الأموال من غزة أو القدس الشرقية، في حين أنفقت ما يقرب من ثلث ميزانيتها هناك في عام 2021، وخُصص معظم هذا المبلغ للأجور والمنافع والمدفوعات الخاصة بالكهرباء الإسرائيلية. وفي العام الماضي، زعمت “السلطة الفلسطينية” أنها ستنفق 1.7 مليار دولار على غزة في عام 2022، بما يتماشى تقريباً مع المزاعم السابقة بأنها كانت ترسل 96 مليون دولار شهرياً إلى قطاع غزة.

وبالنسبة للقاعدة الضريبية الفلسطينية التي يمكن الوصول إليها في الضفة الغربية، يُقدّر “البنك الدولي” أن 30 في المائة فقط من المطالَبين بدفع الضرائب يفعلون ذلك أساساَ. علاوةً على ذلك، قدّرت دراسة أُجريت في عام 2020 وجود ثغرة امتثال آخذة في الاتساع فيما يتعلق بتحصيل ضريبة القيمة المضافة تصل إلى 9 في المائة من “الناتج المحلي الإجمالي”. ونتجت هذه الثغرة إلى حد كبير عن قيام المستوردين بتقليل قيمة شحناتهم أو رفضهم تقديم الفواتير، مما جعل “السلطة الفلسطينية” غير قادرة على الوصول إلى عائدات المقاصة المناسبة من إسرائيل. وينشأ الكثير من هذه التسريبات الضريبية عن شوائب في “بروتوكول باريس”، وهو الاتفاقية التي أُبرمت في عام 1994 وحددت العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل و”السلطة الفلسطينية”. وعلى الرغم من أن “السلطة الفلسطينية” تجمع الآن حوالى 23 في المائة من “الناتج المحلي الإجمالي” كضرائب، بما يتماشى مع البلدان النامية الأخرى، إلا أنه من الضروري إجراء المزيد من الإصلاحات على القوانين والاتفاقيات الفلسطينية مع إسرائيل.

وللتعويض عن فجوة الإيرادات، تأخرت “السلطة الفلسطينية” في الدفع لصندوق معاشات التقاعد والموظفين في القطاع العام والقطاع المصرفي الخاص. ففي أواخر عام 2021، أعلنت رام الله أنها ستخفض الرواتب إلى 70-80 في المائة من القيمة المعتادة. وفي حزيران/يونيو الماضي، أعلنت وزارة المالية أنها ستواصل دفع 80 في المائة فقط. وفي الوقت نفسه، وصلت متأخرات صندوق التقاعد إلى مبلغ مذهل قدره 3 مليارات دولار في الربع الأخير من عام 2021، بينما بلغت المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص 975 مليون دولار.

مشكلة للقطاع المصرفي

بحلول نهاية عام 2021، بلغ إجمالي ديون “السلطة الفلسطينية” للمصارف المحلية (أي المتأخرات بالإضافة إلى أحدث الالتزامات) 2.5 مليار دولار. ورداً على ذلك، أوقفت هذه المصارف تمويل الحكومة بالكامل، مما سيجعل تمويل عجزها في الإنفاق أكثر صعوبة. ومع ذلك، يسلط الوضع الضوء أيضاً على مدى تعرُّض القطاع المصرفي لعدم الاستقرار المالي القائم في “السلطة الفلسطينية”، مع احتمال حدوث تداعيات ملحوظة على الاقتصاد الأوسع نطاقاً.

إن الديون للمصارف المحلية البالغة 2.5 مليار دولار والتي تراكمت على “السلطة الفلسطينية” على مر السنين تتجاوز بكثير الحد الذي أوصت به “سلطة النقد الفلسطينية” في إطار التعرض لهذا الخطر الائتماني، وهو 1.4 مليار دولار. وكما هو متوقع، لم تتمكن “السلطة الفلسطينية” من سداد المدفوعات في الوقت المحدد، مما دفع المصارف إلى إيقاف الدعم. غير أن المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من الحكومة، إذ حصل العديد من الموظفين في القطاع العام أيضاً على قروض مدعومة برواتبهم المستقبلية. وبالإجمال، تشكل “السلطة الفلسطينية” وموظفوها الآن حوالي 40 في المائة من ائتمانات القطاع المصرفي. وبما أن “السلطة الفلسطينية” لن تستأنف على الأرجح مدفوعات الرواتب الكاملة أو تسدّد ديونها في أي وقت قريب، فستظل المصارف المحلية في وضع غير مستقر في المستقبل المنظور. ويؤدي التعرض لهذا الخطر إلى تعقيد تقييم “البنك الدولي” الذي يعتبر أن القطاع المصرفي الفلسطيني “ظل مستقراً نسبياً ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تطبيق الأنظمة المالية السليمة”.

الإصلاحات المحتملة

تتمثل إحدى الطرق الواضحة لإحداث تغيير كبير في عجز “السلطة الفلسطينية” في زيادة المساعدات الخارجية إلى المستويات السابقة، وإنهاء اقتطاعات العائدات التي تقوم بها إسرائيل. ومع ذلك، فإن الخطوتين تتطلبان تحركاً سياسياً ملحوظاً. فمن أجل تخطي قيود التمويل التي يفرضها كل من القانون الإسرائيلي والقانون الأمريكي، سيتعين على “السلطة الفلسطينية” تغيير برنامجها المتعلق بنظام المدفوعات للأسرى إلى نظام أكثر استناداً إلى الاحتياجات، ولكن مثل هذه المقترحات تغلبت عليها جماعة الضغط في قضية الأسرى في رام الله. وبالمثل، من غير المرجح استئناف التمويل الخليجي الكامل إلى أن يصلح الفلسطينيون علاقاتهم مع السعودية ودول أخرى.

ويتمثل أحد الخيارات الأخرى في قيام “السلطة الفلسطينية” بتقليص فاتورة أجورها والحد من اتباع نظام المحسوبية الأوسع نطاقاً. إلا أن هذا صعب أيضاً من الناحية السياسية، حيث أخبر مسؤولون من “السلطة الفلسطينية” كُتّاب هذا المقال على انفراد أنهم يفضلون الاستمرار في دفع رواتب جزئية بدلاً من مواجهة عواقب طرد عدد كبير من الموظفين في القطاع العام، وخاصةً أولئك الذين تلقوا تدريبات عسكرية.

بإمكان الأطراف أيضاً زيادة جانب الإيرادات في المعادلة من خلال تعزيز النمو الفلسطيني الذي تعرّضَ للركود بشكل كبير بسبب احتلال الضفة الغربية والحصار المفروض على غزة. فوفقاً لدراسة أجراها “مكتب الرباعية” في عام 2015، أدت القيود الاقتصادية التي فرضها الاحتلال إلى خفض النمو الفلسطيني إلى النصف بين عامي 1994 و 2014. وفي الوقت نفسه، قدّرت دراسة أجرتها “مؤسسة راند” أن حل الدولتين سيزيد “الناتج المحلي الإجمالي” الفلسطيني بمقدار 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات (بالدولار في عام 2014)، مع ارتفاع معدّل دخل الفرد بنسبة 36 في المائة. ومع أن التوصل إلى هذا الحل لن يكون ممكناً في أي وقت قريب، إلّا أنه لا يزال بإمكان الأطراف اتخاذ الكثير من الإجراءات المؤقتة لتخفيف الأثر الاقتصادي الناتج عن الاحتلال، وبشكل خاص زيادة إمكانية وصول الفلسطينيين إلى “المنطقة ج” في الضفة الغربية، والتي يقدر “البنك الدولي” أنها قد تزيد الإيرادات بنسبة 6 في المائة من “الناتج المحلي الإجمالي”.

ويتطلب تحقيق التحسينات الأكثر أهمية في تحصيل الإيرادات دعماً إسرائيلياً لعمليات مراجعة “بروتوكول باريس”، لكن أحد الخيارات الواعدة التي تتجاوز تلك العقبة هو إصلاح نظام تصاريح الخروج لما يقدَّر بنحو 140 ألف فلسطيني يعملون داخل إسرائيل ومستوطناتها في الضفة الغربية، علماً أن متوسط ​​أجرهم اليومي يزيد عن ضعف ما يتقاضاه الفلسطينيون العاملون في الأراضي التي تديرها “السلطة الفلسطينية” من الضفة الغربية. وإذا فرضت “السلطة الفلسطينية” على هؤلاء العمّال ذوي الأجور الأعلى ضريبة شهرية ثابتة قدرها 700 مليون شيكل (206 مليون دولار) مقابل تصاريح خروجهم بدلاً من بعض الضرائب الأخرى التي تجمعها إسرائيل وتحوّلها، فمن المحتمل أن تخفض عجزها بمقدار الثلث مع القضاء على السوق السوداء الاستغلالية التي يديرها سماسرة التصاريح.

وعلى أي حال، من الضروري أن تتحرك الأطراف قريباً نظراً إلى الزيادة المقلقة في استياء الفلسطينيين من “السلطة الفلسطينية”، وهو شعورٌ قد يتأجج إذا تحولت الأزمة المالية إلى أزمة اقتصادية كاملة. ويقول بعض المراقبين أن إسرائيل لن تسمح أبداً بحدوث ذلك لأنها تدرك التأثير السلبي على أمنها الخاص، وستقدّم أكبر عدد ممكن من “القروض” الطارئة حسب الضرورة. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من شأن العواقب المحتملة على الاستقرار الاجتماعي والخلافة السياسية في فلسطين.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى