اسرائيلياتمقالات

هكذا تحول اتفاق أوسلو من صيغة للحل إلى “مهزلة” ومشروع استيطاني بيد اليمين

لم يعد هذا سراً؛ لقد تحول اتفاق أوسلو من مبادرة من اليسار الاسرائيلي إلى بؤبؤ عين اليمين. بعد فزع أولي من أن الحديث بات يدور عن مسيرة تؤدي إلى تقسيم البلاد، أدرك رجال اليمين بأنهم إذا ما أوقفوا الاتفاق في المكان الذي هو فيه الآن، فسيكسبون العالمين: أغلبية واسعة من الفلسطينيين تتركز في 360 كيلومتراً مربعاً في قطاع غزة، ونحو 2.500 كيلومتر مربع من مناطق “أ” و “ب” في الضفة الغربية. وهم يحظون بحكم ذاتي جزئي، لكن دون سيادة في الضفة. الجيش الإسرائيلي حر في أن يعمل في المناطق الفلسطينية والتفتيش عن مشبوهين في الليالي. مشروع الاستيطان يزدهر، والتنسيق الأمني يبقى ويوفر حياة الإسرائيليين، والعالم يواصل تمويل السلطة ويوفر على إسرائيل نفقات بمليارات الشواكل في السنة.

كل هذا يتم في إطار اتفاق سياسي يقدره العالم كله: ما لم يتوصل الطرفان إلى توافق على اتفاق دائم ومع أنهما قررا التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في موعد لا يتجاوز 4 أيار 1999، يبقى الاتفاق الانتقالي ساري المفعول، ويحق لإسرائيل أن تختبئ من خلفه وتقول إن كل ما يجري، يجري برعاية الاتفاق.

غير أن الاتفاق الانتقالي أصبح مهزلة. الترتيبات التي تمت انطلاقاً من نية تنفيذها في غضون سنوات قليلة، ها هي تقترب الآن من عمر الـ 30 ولا يمكنها أن تحمل العبء – لا الحلول الاقتصادية المؤقتة ولا الحلول السياسية المؤقتة، ولا الخريطة الإشكالية. التفكير قصير النظر الذي بموجبه يمكن “تقليص النزاع”، وانكماشه أو إدارته، دون أن يوضع له أفق سياسي واضح للعودة إلى طاولة المفاوضات دون الانشغال بالتناكف على من عطل نجاح المحادثات في الماضي، ودون بذل جهد جبار للوصول إلى اتفاق دائم، إنما هو تفكير عابث.

الأرقام واضحة: لا توجد اليوم أغلبية يهودية غربي نهر الأردن، وهذا يجب أن يكون كابوس كل صهيوني يؤمن بالديمقراطية. لا يمكن تعزيز السلطة الفلسطينية عندما يصل جنودنا في كل ليلة للتفتيش عن مشبوهين في بيوتهم، وعندما يكون البديل للحل السياسي هو مساعدة اقتصادية وإعطاء تصاريح عمل في إسرائيل (كي يعرفوا ماذا يخسرون عندما يُمنعون من العمل في البلاد). بعد سنوات اعتقد فيها اليمين بأن التعاون مع حماس وإضعاف السلطة الفلسطينية هما الحل، وبعد سنوات اعتقد فيها الوسط بأن التعزيز الاقتصادي للسلطة سيؤجل التسوية السياسية إلى موعد بعيد جداً، يقف كلاهما أمام فشل ذريع.

ربما يكون الرئيس الفلسطيني محمود عباس هو الذي سيخرج الكستناء من النار نيابة عنا ويعلن، في خطابه السنوي في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، عن إنهاء الالتزام الفلسطيني باتفاق أوسلو. في العام الماضي، في خطابه في الجمعية العمومية، قال إنه إذا لم تنسحب إسرائيل في غضون سنة من مناطق 1967، فلن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل، وسيتوجهون إلى المحكمة الدولية في لاهاي كي تعلن عن أن وجود إسرائيل في المناطق التي احتلتها في حرب الأيام الستة ليس قانونياً. ولما كان قال هذا بضع مرات، لم يأخذ كثيرون تهديده على محمل الجد، لكن حيال عدم قدرته على الحكم في أجزاء من الضفة الغربية، ربما يعلن عن تنفيذ تهديده هذه المرة.

سيتعين على إسرائيل لبيد أن ترد على مثل هذا البيان، ولست واثقاً أنها جاهزة لذلك. الانتخابات على الأبواب، ولبيد سيحذر من الدخول إلى الملعب السياسي خشية أن يتهم باليسروية، والمعاذ بالله. غير أن الحذر الزائد ليس وصفة للانتصار في الانتخابات. وثمة قول واضح له بأنه إذا انتخب لرئاسة الوزراء سيقرر أخيراً حدوداً بين إسرائيل والفلسطينيين، سواء بالاتفاق أم من طرف واحد، وسيضع نهاية لمسيرة أوسلو، وكفيل بأن يصبح تفوقاً سياسياً. سيكون هذا قولاً حيوياً في نظر معظم الإسرائيليين ممن فقدوا الأمل بالسلام، وسيكون هذا جوابا لكثير من الفلسطينيين ممن فقدوا الثقة في إمكانية الوصول إلى تسوية، وسيجعل الانتخابات استفتاء شعبياً عن الحاجة لحل لأجل إنقاذ المشروع الصهيوني.

——————————————

هآرتس 9/9/2022

إسرائيل تسكب مزيداً من الزيت على النيران المتأججة في الضفة

بقلم: عاموس هرئيل

في الأسابيع السبعة والنصف، التي بقيت إلى حين موعد انتخابات الكنيست في 1 تشرين الثاني، تأمل حكومة يئير لابيد الخير، وتحاول إطفاء الحرائق الأمنية. سرعت أزمة أمنية واحدة، وهي موجة العمليات في أشهر آذار حتى أيار، حل الائتلاف وإعلان الانتخابات. أزمة أخرى، وهي عملية “بزوغ الفجر” في آب الماضي، مرت بسلام. من الآن كل تورط آخر يمكن أن يرجح قليلا الكفة لصالح “الليكود”. ولكن طالما أن الأمور بقيت تحت منسوب المواجهة فيمكن التقاط الصور مع الضباط والجنود والطيارين والبحارة واستعراض التصميم وتبديد التهديدات تجاه العدو. لو صمدت الحكومة بضعة اسابيع اخرى لربما كان بالإمكان اخراج معاطف اليونيكلو من الخزانة أثناء الحملة، على الأقل في الجولات على الحدود الشمالية.

في هذه الاثناء يبدو أن جزءاً من الأمور يأتي لصالح الحكومة، التي تخاف من الظهور متنازلة. تضع إيران لاعتباراتها عقبات على عرض الحل الوسط الأوروبي بشأن الاتفاق النووي الجديد، وربما لن يوقع هذا قبل الانتخابات في البلاد وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. في منطقة الحدود البحرية المختلف عليها مع لبنان تم تأجيل بداية الحفر في حقل كريش حتى النصف الثاني من تشرين الاول على الأقل. وربما يؤجل توقيع الاتفاق الى ما بعد الانتخابات. مع قليل من الحظ ايضا سيحافظ “حزب الله” على الهدوء.

ايضا أمام الفلسطينيين تبذل محاولات لتحييد جزء من الألغام المحتملة. من المرجح أن يتم العثور على طريقة لتحرير السجينين الإداريين من “الجهاد الاسلامي”، اللذين تستعين ايران بوضعهما ذريعة لاشعال المواجهة الأخيرة في القطاع. وخلف الكواليس قامت مصلحة السجون المعطوبة بعدة تنازلات لسجناء “الجهاد” من أجل منع إضراب جماعي خطط للقيام به في وقت حساس.

اذا لم يستأنف “حزب الله” تهديداته فان الجبهة الأساسية التي ستؤثر على الاستقرار في الاشهر القريبة القادمة هي الضفة الغربية. هنا الأمور مقلقة اكثر. منذ موجة العمليات في الربيع كثف الجيش الإسرائيلي بصورة كبيرة القوات في منطقة التماس، وبعد ذلك شن عملية اعتقالات مع “الشاباك” والشرطة، تركزت في منطقة جنين التي جاء منها معظم منفذي العمليات. الهجمات في حدود الخط الاخضر تم كبحها في معظمها منذ ذلك الحين (أول من أمس اعتقل فلسطيني مسلح ببندقية وعبوات ناسفة في الطريق لتنفيذ عملية في يافا)، لكن ساحة الاحتكاك انتقلت إلى جنين، إلى مخيم اللاجئين القريب من المدينة، ومن القرى حولها وبعد ذلك انزلقت الى منطقة نابلس.

ووجهت عمليات اقتحام كثيرة لهذه المناطق بمقاومة مسلحة من قبل عشرات وأحياناً مئات الشبان المسلحين. ولأن قوات الجيش الإسرائيلي تتحرك في سيارات مصفحة فان عدد الإصابات في أوساط الجنود منخفضة. في المقابل تتزايد خسائر الفلسطينيين. منذ بداية الشهر الحالي قتل ستة فلسطينيين في الضفة بنار الجيش الإسرائيلي، ثلاثة في جنين ونابلس، اثنان في رام الله، وواحد في الخليل. الى جانب ذلك سُجلت، هذا الاسبوع، عملية طموحة نسبيا في شمال غور الاردن، شرق نابلس. خلية عائلية، أب وابن وابن عم، أطلقت النار في وضح النهار على حافلة نقلت جنودا مستجدين من لواء المشاة كفير، وحاولت احراقها بوساطة الزجاجات الحارقة، وقد أُصيب السائق وستة جنود.

تنبع نشاطات إسرائيل الحثيثة، في جزء منها، كما قال، هذا الاسبوع، رئيس الاركانـ افيف كوخافي، من العجز الذي تظهره الاجهزة الأمنية الفلسطينية. وهنت سيطرة السلطة الفلسطينية على شمال الضفة. وباتت تسيطر عليها مجموعات من الشباب المسلحين، غير المتماهية مع أي تنظيم رغم أن “حماس” و”الجهاد الاسلامي” يحاولون الادعاء بالسيطرة عليها. ولكن كوخافي، مثل متحدثين رسميين آخرين، يتجاهل الدور المتواصل لإسرائيل في المسؤولية عن هذا الواقع. منذ سنوات وهي تمتنع عن القيام بأي تقدم في العملية السياسية، وتتعامل مع السلطة على أنها مقاول لها من الباطن لشؤون الأمن، وتغدق التسهيلات والمكافآت على سلطة “حماس” في القطاع، التي لا تعترف أبدا بإسرائيل وتعارض المفاوضات المباشرة معها.

في الوقت ذاته يطرح هنا سؤال البيضة والدجاجة. المقاربة الإسرائيلية الدارجة تقول إننا منذ سنوات نحارب “الارهاب” في الضفة بأسلوب ماكينة “جز العشب”، فقط نشاطات متواصلة من عمليات الاعتقال والتحقيق وجمع المعلومات وبعد ذلك اعتقال مطلوبين آخرين ستنجح في الاحباط والتشويش على معظم العمليات. ولكن معظم الاعتقالات في شمال الضفة في الاشهر الاخيرة وجهت ضد مسلحين متورطين في اطلاق النار على القوات داخل المنطقة، وبطبيعة الحال أي اقتحام لغاية الاعتقال يولد احتكاكاً آخر، على الاغلب ينتهي بالمزيد من القتلى الفلسطينيين والرغبة في الانتقام.

هل كل نشاطات إسرائيل ضرورية؟ ثمة مثال جيد على هذا النقاش قدم في بداية الأسبوع. يوم الاثنين بعد الظهر نشر الجيش نتائج التحقيق في موت الصحافية شيرين أبو عاقلة، التي قتلت في ايار اثناء عملية اعتقالات مشابهة في جنين. للمرة الاولى، بعد تملصات كثيرة، وافق الجيش على الاعتراف بأنه وباحتمالية عالية يبدو أن المراسلة الفلسطينية قتلت بنار جندي من وحدة “دفدفان”. استُقبل الاعلان الإسرائيلي بنقد فلسطيني. وبعد ذلك دعت وزارة الخارجية الأميركية الى كبح نشاطات الجيش في “المناطق” (كانت أبو عاقلة تحمل الجنسية الأميركية).

ولكن في تلك الليلة عاد الجيش الى الساحة ذاتها، الى جنين، من أجل هدم بيت “المخرب” الذي قتل ثلاثة إسرائيليين في نيسان الماضي. مراسل “أخبار 12″، نير دبوري، الذي رافق القوات، وصف النشاط بأنه العملية العسكرية الكبرى منذ أشهرـ والتي خلالها دخل نحو 400 جندي الى المدينة. ووجهت القوات كما هو متوقع بنار شديدة نسبيا. الفلسطيني الذي وثّق تبادل إطلاق النار ببث مباشر في الشبكات الاجتماعية قتل بنار الجنود. بجهودها المعلنة لإطفاء النار فان إسرائيل أيضا تشعلها.

لا يمكن تجاهل الظروف السياسية. لابيد ووزير الدفاع، بني غانتس، يستعدان للانتخابات، ويخافان من أن أي بادرة حسن نية حقيقية تجاه الفلسطينيين ستعتبر اظهار ضعف ويسارية. فوقهما يحوم ظل رئيس المعارضة، بنيامين نتنياهو، الذي سينقض على أي خطأ. يدرك كوخافي، مثل رؤساء اجهزة الامن الاخرى، الضعف النسبي للمستوى المشرف، ويبدي استقلالية حتى بصورة علنية. اكثر من مرة يبدو أن رئيس الاركان يفعل ذلك في الوقت الذي تتطلع فيه إحدى عينيه إلى الرأي العام، من خلال الرغبة في الحفاظ على مكانته العامة. يفعلون هذا في إسرائيل فقط بطريقة واحدة وهي اظهار خط متصلب تجاه العرب.

هل يحاول الجيش إطفاء الحريق أم أنه يصب عليه الزيت، بصورة متعمدة أم بغير قصد؟ المستوى السياسي مذعور قليلا، والمستوى المهني قلق على صورته، ودائرة الدماء تواصل تغذية نفسها. هكذا نشأ فراغ، حيث يتم املاء جزء من السياسة من الاسفل، من مستوى اللواء والفرقة القطرية، المندفع دائما نحو القتال. لا يجب أن يصوغ رئيس الاركان توقعاته بعدد كبير من الكلمات – المستويات الوسطى تقرأ نواياه وتعمل طبقا لها. في هذه الظروف تبدو عملية اكثر اتساعا في جنين، والى جانبها ارتفاع في التوتر في الحرم في اعياد تشري، في هذه الاثناء كسيناريو محتمل.

قبل ايام ثارت عاصفة صغيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة. على خلفية التحقيق في مقتل أبو عاقلة قال المتحدث بلسان الادارة الأميركية بأن الولايات المتحدة تتوقع من إسرائيل تغيير اوامر فتح النار التي تعطيها للجنود في “المناطق”. من ناحية لابيد وغانتس فان الأميركيين قدموا لهم الفرصة المناسبة للعمل. لكنهما ردا بهجوم متزامن: لا يجوز أن يتدخل أي أحد في نشاطاتنا العسكرية، أو أن يقول لجنودنا إن عليهم تعريض أنفسهم للخطر. فقط رئيس الاركان هو الذي يحدد اوامر فتح النار.

وسارعوا في الادارة الأميركية الى التراجع. كانت هذه ملاحظة عامة، قيل هناك، ولم توجه من اجل ضغط محدد. وحتى الآن، رغم الغضب في إسرائيل، إلا أنه من غير المؤكد أن الملاحظة الأميركية كانت خاطئة. لا تهتم الحكومة تقريبا بما يحدث في “المناطق”، ووسائل الاعلام لامبالية (حداشوت 12 كرست، هذا الاسبوع، نصا من نصف دقيقة في النشرة الاخبارية لنشر التحقيق عن موت الصحافية)، ولم تتدخل المحاكم في أي يوم. ربما لا يضر أن يشعر الجيش الإسرائيلي بأن هناك من يتابع نشاطاته.

توتر غير ظاهر

إذا لم يحدث تأخير غير متوقع في اللحظة الاخيرة فسيتسلم الجنرال اوري غوردون، غداً، منصب قائد المنطقة الشمالية. الجنرال التارك، أمير برعام، دخل موقف الانتظار. يبدو برعام المرشح الاكثر حظا لتسلم منصب نائب رئيس الأركان القادم، تحت قيادة رئيس الاركان المرشح، هيرتسي هليفي. ولكن هذا الامر لم يحسم بعد، وفي هذه الاثناء يتم وضع عقبات امام تعيين هليفي نفسه. أعلن غانتس في الواقع عنه، الاحد الماضي، لكنّ خلافا قانونيا حول إشغال وظيفة اخرى، وهي رئيس لجنة المصادقة على تعيين كبار الشخصيات، وصل الى المحكمة العليا، ويمكن ان يؤخر استكمال العملية حتى وقت قريب من الانتخابات.

ينهي برعام فترة عمل ناجحة، طويلة نسبيا، بدأت في نيسان 2019. في عدة مرات وقفت إسرائيل خلالها على حافة اشتعال مع “حزب الله”، لكن في كل مرة تجنبت ذلك بفضل استخدام محسوب وحكيم للقوة. ما زال هذا الخطر يكمن لنا، من خلال تصريحات رئيس “حزب الله”، حسن نصر الله، عن حقل “كاريش”. في عدد من الحالات وقع تصعيد بسبب نشاطات خارج قطاع السيطرة لقيادة المنطقة الشمالية. هاجم سلاح الجو دمشق في اطار المعركة ضد التعزز العسكري لايران و”حزب الله” في المنطقة، وبحث نصر الله عن انتقام على طول الحدود. أحبط برعام، بالخداع والتحايل واحيانا ايضا باصطدامات مباشرة، هذه الردود، واهتم باعادة الهدوء الى الجليل.

كلف هذا الجهد إسرائيل فترة استعداد طويلة. في أشهر الصيف والخريف من العام 2020 لم يذهب الجنود في الوحدات العملياتية تقريبا الى البيوت في اجازة في اعقاب الاستعدادات لانتقام “حزب الله”. ولكن هذه التطورات تقريبا لم تظهر على رادارات معظم الجمهور الإسرائيلي لسببين: الاول هو أن محاولات “حزب الله” انتهت بدون اصابات في الجيش الإسرائيلي. والثاني هو أن الدولة كانت مشغولة اكثر بوباء “كورونا”. انشغلت العناوين بالاعباء الزائدة في الاقسام الداخلية للمستشفيات، وليس التوترات على طول الحدود.

في هذه الاثناء سُجل نجاح جيد في جنوب سورية. في صيف 2018 دخل نظام الأسد العملية الحاسمة في الحرب الاهلية، عندما وبمساعدة من روسيا وايران، استكمل عملية السيطرة على اجزاء مهمة في المناطق القريبة من دمشق. إسرائيل، بتفاهمات صامتة مع الولايات المتحدة وروسيا، كفت عن مساعدة المتمردين في هضبة الجولان السورية، مقابل ضمان روسي بأن ايران ورجال “حزب الله” لن يسمح لهم بالاقتراب من مسافة تقل عن 60 كم من الحدود. لم ينفذ تعهد روسيا في أي وقت، وسرعان ما نشر الحرس الثوري الايراني و”حزب الله” شبكات محلية من النشطاء المسلحين قرب الحدود.

أدارت قيادة المنطقة الشمالية في السنوات الاخيرة عملية معقدة وصبورة للمس بهذه التنظيمات، في أحداث لم يصل معظمها الى علم وسائل الاعلام مطلقا. النتيجة، حتى هذا الصيف، كانت ايجابية. هذه الشبكات تم سحبها، وحتى الآن فشلت الجهود الايرانية في تحويل الحدود في هضبة الجولان الى نوع من جبهة لبنانية ثانية.

في فترة برعام سُجل مع ذلك حدث واحد، ما زال محل خلاف شديد داخل الجيش. في صيف 2020 ارسل “حزب الله” خلية اخترقت المنطقة الإسرائيلية، وتسلقت جبل الشيخ بهدف مهاجمة موقع غالديولا. استعد الجيش الإسرائيلي بشكل جيد، ووضع كمينا من القناصة، كان ينوي ضرب الخلية. ولكن في نهاية المطاف تقرر الاكتفاء بتحذير لـ “حزب الله”: قصفت طائرة مسيرة بشكل متعمد قرب الخلية، الى أن انسحب اعضاؤها وعادوا الى الاراضي اللبنانية وتركوا وراءهم وسائل قتالية.

برعام، الذي عارض القرار، تم ارساله الى وسائل الاعلام لشرح القرار. ربما أن الحق مع قادته. انخفضت التوترات على الحدود بالتدريج بعد أن كان الطرفان قريبين من اصطدام كبير. وحتى الآن، في المستويات الميدانية في الجيش، توجه انتقادات لهذا القرار بذريعة أن الجيش الإسرائيلي سمح لنشطاء مسلحين اخترقوا اراضي إسرائيل بالتملص بسلام، في حين أنه كانت لديه كل المبررات لقتلهم. يعتقد برعام، حتى الآن، بأنه كان يجب ضرب الخلية.

في الاشهر الاخيرة، رغم الوضع الاقتصادي المخيف في لبنان زاد التوتر مرة اخرى. فـ “حزب الله” ينشر مواقع على طول خط الحدود وقد قام بعدة استفزازات محلية لجنود الجيش الإسرائيلي قرب الجدار، وهو يسخن الاجواء حول “كاريش”. قوة اليونفيل التابعة للامم المتحدة، التي تقوم بتعبئة تقارير عن الخروقات، تقلل من تدخلها خوفا من أن تصاب. وحتى الآن برعام متفائل نسبيا، وبقي نصر الله، كالعادة، حذرا من استخدام القوة، وهو غير متلهف لأن يفحص من جديد علاقات القوة بين حزبه وإسرائيل منذ التعادل الذي توصل اليه الطرفان في الحرب في 2006. في هذا الوقت فان المشكلات التي تقلق حقا سكان إسرائيل هي اقتصادية واجتماعية. ويشهد على ذلك الاحياء الجديدة التي يتم بناؤها في البلدات على طول الحدود، التي يوجد عدد من بيوتها على بعد عشرات الامتار فقط من الجدار.

——————————————

يديعوت أحرونوت 6/9/2022

حقلان ودولتان: سياسياً بانتظار “المرشح الأفضل” وعسكرياً أمام نية “حزب الله”.. ماذا عن هوكشتاين؟

بقلم: سمدار بيري

الوسيط الأمريكي – اليهودي عاموس هوكشتاين يعود غداً إلى بيروت لمواصلة المحادثات على توزيع حقول النفط بين إسرائيل ولبنان. حقل كاريش يذهب لإسرائيل، بينما يذهب حقل قانا للسيادة اللبنانية. هوكشتاين يبقي الأمور في الظل عن قصد. مؤخراً، يتبين أنه تحدث في أثينا مع مسؤولين إسرائيليين كبار كي يغلق تفاصيل أخيرة لتفعيل شركة تنقيب النفط “إنرجيان” اليونانية – القبرصية. وثمة خطوة مشابهة اتخذها أيضاً مع شركة “توتال” الفرنسية، لتفعيل الحقل اللبناني.

لكن كما يتبين، فإن “صفقة” تفعيل حقول النفط، والتي ستسهم إسهاماً غير قليل في اقتصاد لبنان المنهار، تأجلت إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل في 1 تشرين الثاني، وبعد نهاية ولاية من ست سنوات للرئيس اللبناني ميشال عون. يوم واحد فقط يفصل بين الحدثين. إسرائيل ستنشر بياناً عن جيل الحسم في موضوع حقل كاريش، بينما يصدر المسؤول اليوناني عن شركة “إنرجيان” بياناً مرتباً عن انتظار حتى إنهاء ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين والتزام واضح وصريح من كل الأطراف للحفاظ على الأمن والهدوء في منطقة حقول النفط. واللبنانيون؟ سيسكتون أغلب الظن.

الشريك الإضافي في القضية، حزب الله، يتابع كل تفصيل بل ويهدد باستغلال الأيام المتبقية حتى الإعلان (إذا لم تكن مفاجأة في اللحظة الأخيرة) لتنفيذ عملية في حقل كاريش، أو لصرف الانتباه الإسرائيلي لعملية على طول الحدود المشتركة. إيران، رغم الادعاءات النشطة من نصر الله بأنها “قضية داخلية” وقفت خلف حزب الله وتعهدت بنقل السلاح والأموال.

وثمة قضية مشتركة: مثلما هو الحال عندنا؛ أي ليس معروفاً من سيكون رئيس الوزراء التالي في إسرائيل، ففي لبنان أيضاً تحتدم علامات الاستفهام في موضوع التصويت للرئاسة، والذي سيجري بعد أقل من شهرين. الرئيس الحالي ميشال عون، بدأ يلمح بأنه سيوافق على البقاء في المنصب إلى أن يتوفر “المرشح الأفضل”. العيون الإسرائيلية تنظر إلى رئيس الأركان اللبناني جوزيف عون (ليس قريب عائلة للرئيس الحالي) كالمرشح المثالي: ليس فاسداً، يتصرف بالشكل الأكثر نجاعة، بينما سيوافق “حزب الله” على صفقة مع إسرائيل، وربما يسير أبعد من ذلك، في الجانب السياسي.

يحرص سياسيون لبنانيون كبار منذ الآن على الظهور بأنهم غير راضين. من جهة، واضح لهم بأن حقل النفط قانا سيدخل عشرات ملايين الدولارات التي يحتاجها لبنان كهواء للتنفس. من جهة أخرى، يمكن التخمين إلى أين ستصل أموال المردودات في ظل طريقة الحكم المتبعة في لبنان.

80 في المئة من السكان، وربما أكثر، نزلوا إلى دون خط الفقر منذ انفجار مرفأ بيروت؛ وقف الإنتاج في المصانع، وتوقف الاستيراد والتصدير من أوروبا، والنساء يخرجن كل ما لديهن إلى الشوارع لبيعه بأسعار زهيدة، من أجل الطعام.

رسمياً وعملياً، لبنان وإسرائيل في وضع حرب. الحدود مغلقة، لكن يمكن فتحها في حالات خاصة. الدليل –تمر بين الحين والآخر طواقم المفاوضات عبر الحدود المشتركة لعقد لقاءات في منطقة راس الناقورة “روش هنكرا” أو رأس الناقورة اللبناني.

الآن السؤال هو من نصدق: نصر الله الذي يهدد بـ “مفاجأة سيئة لإسرائيل” حتى قبل التنفيذ، أم بيني غانتس الذي يحذر اللبنانيين لكنه يقصد “حزب الله”، أم عاموس هوكشتاين الذي يبقي الأوراق قريبة من الصدر ويعلن بأنه “متفائل جداً”.

——————————————

هآرتس 6/9/2022

هكذا تخط “العنزة اليهودية” حدود الاستيطان في الضفة الغربية

بقلم: أسرة التحرير

تستمر حملة السيطرة على المناطق “ج” بكامل شدتها للمضي بمشروع الاستيطان، وذلك برعاية الإدارة المدنية وبمعونة الجيش وحكومات إسرائيل. والآن تدفع الإدارة قدماً بخطة تسمح بتأهيل عشرات “المزارع الرعوية” غير القانونية.

في السنوات العشر الأخيرة، طلبت ما لا يقل عن 60 “مزرعة رعوية”، وأكسب هذا الشكل من السيطرة الاستيطانية نوع البؤرة الاستيطانية الأكثر انتشاراً في الضفة. وحسب ترسيم أجرته منظمة “كيرن نافوت” التي تتابع انتشار المشروع الاستيطاني، فإن البؤر الاستيطانية غير القانونية ذات الاسم الشاعري سمحت للمستوطنين بالسيطرة على نحو 240 ألف دونم تشكل نحو 7 في المئة من المناطق “ج”.

تجري السيطرة بواسطة طريقة العنزة الاستيطانية: يدخلون عنزة إلى المناطق، وعندها تكون هناك حاجة لتوفير أرض رعي واسعة لها. معظم المزارع الرعوية في الضفة تعمل بلا عقود رعي من وزارة الزراعة. وبعضها تلقى عقوداً كهذه من دائرة الاستيطان. الميزة الهائلة لهذه الطريقة أنها تسمح بالسيطرة على الحد الأقصى من الأرض بالحد الأدنى من القوة البشرية الاستيطانية. وما إن تثبتت طريقة السلب والنهب وتمت السيطرة بواسطتها على مئات آلاف الدونمات، تأتي المرحلة الثانية في الخطة: التسوية. بداية يخرقون القانون وبعدها يغيرون القانون بحيث يسوي السطو.

هذه هي المهمة التي أخذها على عاتقه زئيف حفير (زمبيش)، أمين سر حركة “أمانة”، الذي لشدة العار، وجد أذناً مصغية في الإدارة المدنية. النظام الجديد الذي تبلوره الإدارة سيسمح بتأهل نحو 30 – 35 من البؤر الاستيطانية التي تستوفي معياره الأساس: الوجود على ما يسمى “أراضي دولة”. وإذا ما أقر، فسيسمح النظام بإقامة مزارع إضافية.

مرة أخرى، أثبت المستوطنون بأن الجريمة اليهودية في “المناطق” [الضفة الغربية] مجدية دوماً. بدأت الإدارة ببلورة النظام قبل نحو سنتين، على خلفية الارتفاع في عدد هذه البؤر. لو كان القانون شمعة تضيء طريقها، لكان الرد المناسب في ضوء كثرة المزارع التي قامت بخلاف القانون إخلاءها وتشديد الإنفاذ للقانون. بدلاً من ذلك، انحنت الإدارة أمام الأسياد المستوطنين وتسعى لتكييف القانون على مقاييسهم السيئة.

لا تكفي الإدارة المدنية لأجل إقرار النظام، بل ثمة حاجة أيضاً إلى إقرار من وزير الدفاع ووزارة العدل. موقف بيني غانتس لم يعرف بعد؛ فهو ينتظر أولاً أن يعرض النظام عليه. نأمل أن يدرك غانتس بأنها آلية سلب ونهب معدة للسيطرة على المزيد فالمزيد من الأراضي على المنطقة “ج”، لمنع الفلسطينيين من فلاحة أراضيهم وتقليص مجال معيشتهم. محظور عليه أن يعطي يداً لعمل يقضم الفلسطيني في المنطقة، بخلاف الاتفاقات التي وقعت عليها إسرائيل فيشجع الجريمة الاستيطانية. على غانتس أن يرفض هذا النظام رفضاً باتاً، بل ويأمر بإخلاء المزارع الرعوية التي تعمل اليوم.

——————————————

هآرتس 6/9/2022

بانتهاجها 5 شروط للتستر على القتل.. ما الذي غاب عن إسرائيل في تصفيتها أبو عاقلة؟

بقلم: عميره هاس

يريدنا الجيش أن نصدق بأن جندياً إسرائيلياً من وحدة “دفدفان” الخاصة قد تشوش عليه الأمر فظن بأن الصحافية شيرين أبو عاقلة هي مسلح فلسطيني، وذلك بسبب الخوذة التي على رأسها والسترة الواقية التي ترتديها. لذلك هو أطلق النار عليها من خلال المنظار الذي يعمل على تكبير الهدف بأربعة أضعاف، من داخل السيارة العسكرية المحصنة ضد الرصاص والتي كان يجلس فيها.

من وجهة نظر مدنية، وليست عسكرية، فإن هذه الاستنتاجات هي نتيجة عملية التستر الجديدة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي والتي تسمى “تحقيقاً”. الاستنتاج الأول، أنه إذا كان الأمر قد اختلط على الجندي، بين مراسلين ومسلحين، وإذا كان قادته يسمحون له بمواصلة إطلاق ليس أقل من عشر رصاصات في غضون هذا الاختلاط على المراسلين، فإن وضع الجيش الإسرائيلي سيئ جداً. الاستنتاج الثاني، أن هذا الاختلاط أمر محتمل؛ لأن الجيش وضباطه وجنوده يستخفون بحياة المواطنين الفلسطينيين بشكل متزايد وخطير. الجنود مبرمجون على “التشوش” وعلى الفشل حتى من ناحية مهنية، لأنهم مبرمجون للتصديق بأنهم الضحية، في حين أن السكان المدنيين الفلسطينيين الخاضعين للحكم الأجنبي، هم المجرمون.

بيان المتحدث بلسان الجيش حول نتائج التحقيق الجديدة حول ظروف قتل الصحافية، الضليعة في تغطية الاقتحامات العسكرية، يتجاهل حقيقة أنه وقبل إطلاق الجندي للنار وقتلها، فإنه هو أو جندي آخر أطلق النار على المراسل علي السمودي وأصابه في كتفه. بيان المتحدث والتقارير الصحافية أيضاً قفزت عن حقيقة أنه قبل بضع دقائق من إطلاق النار القاتلة، مرت مجموعة المراسلين وهم يرتدون الخوذات ويرتدون الستر الواقية، من أمام الجنود الذين كانوا في السيارات العسكرية المحصنة. “لقد مشينا بشكل مباشر، حيث كان أمامنا وعلى بعد 200 متر تقريباً عدد من السيارات العسكرية. رغبنا بأن يرانا الجنود ويشخصوننا كمراسلين”، هكذا شرح لـ “بتسيلم” الصحافي المخضرم السمودي، الذي مثل زميلته أبو عاقلة، هو أيضاً ضليع في مثل هذه التغطية، وتعلم أساليب الحيطة والحذر التي يجب اتباعها كي لا يصاب.

صحافيان آخران كانا هناك أيضاً وقدما إفادتهما لـ”بتسيلم”، هما شذى حنايشة ومجاهد السعدي، أكدا أيضاً أنهما حرصا على التصرف بالصورة التي يفهم فيها الجنود الموجودون في السيارات العسكرية بأن الأمر يتعلق بمراسلين. لم يكن هناك قتال. ولو كان هناك قتال لما مروا أمام الجنود بمثل هذه الثقة من أمام السيارات العسكرية. حسب الجيش، أطلق الجندي نحو 20 رصاصة، 10 منها نحو “الفضاء” الذي كانت فيه أبو عاقلة. وحسب “بتسيلم”، فإن الجنود أطلقوا نحو 16 رصاصة على الصحافية. رصاصة من الست رصاصات الأولى أصابت السمودي. وقد أسرع واختبأ وراء سيارة متوقفة. ثلاثة مراسلين آخرون، من بينهم أبو عاقلة، انسحبوا من المكان الذي كانوا فيه. عندها تم إطلاق سبع رصاصات أخرى عليهم، أصابت إحداها رأس أبو عاقلة من الخلف. عندما حاول أحد السكان الفلسطينيين إنقاذها، أطلق عليه الجنود ثلاث رصاصات أخرى. فهل يتعلق الأمر إذاً بجندي أو جنديين؟ لا نعرف.

هناك خمسة شروط ضرورية كي يمر قتل وإصابة المواطنين الفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي بهدوء وبدون أي تعقيدات إعلامية. تحقق منها أربعة شروط فقط في حالة قتل أبو عاقلة:

الشرط الأول، أن يصدق الجمهور الإسرائيلي قصص الكاوبوي التي يلقنونهم إياها وكأن جنود الجيش يرسلون إلى معارك، بل إلى معارك متكافئة، ضد خصم يماثله في القوة وليس لديه أي مبرر لمعارضة الغزو العسكري للحي الذي يعيش فيه. التحقيق المتستر الحالي يتحدث أيضاً عن إطلاق نار شديد على السيارات العسكرية المحصنة ضد الرصاص والتي كان الجنود يجلسون فيها. نعم، كثير من الشباب الفلسطينيين، خاصة في مدينة جنين وفي مخيم جنين للاجئين، اشتروا السلاح وأقسموا بأن لا يسمحوا للجيش بغزو قراهم أو إحيائهم بدون أي مقاومة، وكأنهم صيادون في السفاري. في الصور التي تبث في التلفزيون، يظهر المسلحون مخيفين وملثمين ويحملون بنادق ضخمة، وأحياناً ينجحون بإصابة جنود، ولكن تسميتهم بالأبطال من قبل الفلسطينيين واستعدادهم للتضحية بحياتهم أمام عدو مزود بسلاح متقدم ودقيق، الذي لا يوجد مثله معهم، لا يعتبر بديلاً عن التدريب والتطوير المستمر لتكتيك القتال في ظروف حرب العصابات.

مصادر في الجيش الإسرائيلي، التي نشرت عن التحقيق والتي تم اقتباسها، تحدثت عن إطلاق نار كثيف لم يميز، وعرض حياة الجنود للخطر، أثناء المعركة. لا يجب الاستخفاف بالخوف الشخصي للجنود، لكن الذين أجروا التحقيق في وصف المعركة ووصفوا جنود الجيش بأنهم مدنيون أبرياء، هل يصدق أنهم كانوا هناك بالصدفة؟ أفلام الفيديو التي تم تصويرها في الوقت الحقيقي والتي حصلت عليها ونشرتها وسائل الإعلام الدولية (نيويورك تايمز والـ سي.ان.ان)، تظهر بأنه لم تكن هناك أي معركة قبل ذلك، وفي الوقت الذي أطلق فيه الجندي، الذي اختلط عليه الأمر، النار على أبو عاقلة وعلي السمودي. إذا كان هناك رصاص أصاب السيارات العسكرية، فإن هذا لم يحدث في حينه. إذاً عن أي معركة يحدثوننا.

الشرط الثاني المطلوب من أجل أن يمر قتل فلسطيني من تحت الرادار، هو عدم تصديق الجمهور الإسرائيلي لشهود العيان الفلسطينيين والتحقيقات المستقلة، سواء وسائل إعلام أجنبية أو منظمات لحقوق الإنسان. وإذا ما زال الجيش ناجحاً في الاختباء وراء نظرية “بالخطأ” و”الاحتمالية العالية”، حتى بعد نشر تحقيقات صحافيين مستقلين، فلأنه يشعر بأنه محمي بفضل نفس عدم الثقة الإسرائيلية والاستخفاف بكل اكتشاف فلسطيني.

الشرط الثالث هو تجاهل إسرائيل، الجماعي والثابت، لقائمة طويلة تضم مواطنين فلسطينيين قتلهم وأصابهم رصاص الجيش وحرس الحدود والشرطة. هذه قائمة تشير إلى نموذج متساهل جداً لأوامر فتح النار. “بتسيلم” توثق كل حادثة. عدد من الحالات يعرفه قراء “هآرتس”، وهذا هو كل شيء. لا يتحول العدد إلى جرس تحذير، لا للجمهور ولا للكنيست ولا للنيابة العامة أو المحاكم. فلماذا إذاً يغير الجيش الإسرائيلي ويتغير.

الشرط الرابع هو التطرق إلى مهمة قوات الأمن (الجيش والشاباك وحرس الحدود والشرطة)، الحامية والمدافعة عن مشروع الاستيطان، كأمر مفهوم ضمناً. ولأن مشروع الاستيطان يتوسع بدون أي معارضة دولية، فإن الكثير من الإسرائيليين يكسبون منه بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه حالة طبيعية، وحتى المتظاهرون الفلسطينيون غير المسلحين يعطلونها أحياناً. ولأن كل بيت في إسرائيل له ابن في الجيش، ويتماهى معه تلقائياً، فإن القدرة المعرفية على التشكيك بالحالة الطبيعية تضررت وأصبحت مشلولة. الجندي دائماً على حق. لذلك، الجيش الإسرائيلي على حق دائماً (إلا إذا قام القادة بالتنكيل بجنودهم أو قدموا لهم طعاماً لا يؤكل، عندها يتداعى الأهالي).

الشرط الخامس هو عدم الكشف عن هوية الضحايا الفلسطينيين. عندما يصاب الإسرائيلي في عملية، فإنه يصبح على الفور معروفاً ومقرباً من الجمهور الإسرائيلي. فهم يعرفون قصة حياته والسياق الاجتماعي الذي يصبح مفهوماً حتى بدون شرحه. عندما يكون القتلى والمصابون من الفلسطينيين، حتى لو تم نشر أسمائهم، يبقون غرباء. لا شيء من التفاصيل الصغيرة المعروفة يثير مشاعر المودة والتعاطف. في حالة أبو عاقلة، هذا هو بالضبط الشرط الذي لم يتحقق. مواطنة أمريكية وأيقونة إعلامية لمئات ملايين مشاهدي “الجزيرة” أصبحت مألوفة حتى لمن لم يعرفها من قبل.

مع ذلك، لم يكن هذا كافياً كي لا يتستر الجيش الإسرائيلي. تجاهله للتوثيق المصور في الوقت الحقيقي ولإفادات شهود العيان الفلسطينيين التي نشرتها وسائل إعلام أجنبية موثوقة ومحترمة، يعزز الشكوك حول سبب التستر في هذه الحالة. هل يدور الحديث عن جندي/ جنود اختلط عليهم الأمر وأخطأوا، أم يدور عن إصبع خفيفة على الزناد كأمر روتيني، وهو روتين لا توجد أي نية لتغييره لأنه جزء من الحوكمة اللازمة للنهوض بمشروع الاستيطان.

——————————————

هآرتس 6/9/2022

مقتل أبو عاقلة: التحقيق العسكري لن يساعد إسرائيل في الخروج من المأزق

بقلم: عاموس هرئيل

اقتضى الأمر تقريباً أربعة أشهر، لكن نشر الجيش الإسرائيلي، أول من أمس، النتائج التي ظهرت منطقية جداً منذ اليوم التالي للحادث الذي قتلت فيه الصحافية شيرين أبو عاقلة في جنين. يعترف الجيش بأنه وباحتمالية عالية أُصيبت الصحافية الفلسطينية بالنار الإسرائيلية. حسب التحقيقات فإنه قبل وقت قصير من ذلك أطلقت النار من منطقة مجاورة للمكان الذي كانت فيه أبو عاقلة على قافلة سيارات عسكرية دخلت المدينة كجزء من عملية لاعتقال مطلوبين. أبلغ جندي من وحدة المستعربين “دفدفان” أنه لاحظ مسلحاً أطلق النار على القوة، وهو بدوره قام بفتح النار من مسافة 200 متر، وكما يبدو أصاب الصحافية.

استخدم الجندي بندقية قنص مزودة بمنظار، وكان يجلس في سيارة من نوع دافيد محصنة ضد الرصاص، وكان ينظر بالمنظار من خلال استخدام فتحة لإطلاق النار في السيارة. كان حقل رؤيته محدوداً، وقد عمل في المنطقة التي أُطلقت فيها نار شديدة نسبياً على قوات الجيش. ارتكز اطلاق النار، حسب سلسلة التحقيقات العسكرية، إلى خطأ في التشخيص. لم يخطئ الجندي الهدف، بل اعتقد أنه يوجه النار على الهدف الصحيح. كانت هذه أيضا تقاريره في شبكة الاتصالات قبل وبعد إطلاق النار.

كانت نتيجة الحدث مأساوية، لكن الخطأ نفسه حسب ادعاءات النيابة العسكرية لم يكن كبيراً جداً في مثل هذه الظروف. يمكن أن تحدث هذه الأمور تحت النار. مراسلون ومواطنون عاديون ممن لم تكن لهم علاقة بالقتال أصيبوا في السابق، في “المناطق” وفي ساحات أخرى في أرجاء العالم، في ظروف مشابهة جداً.

تستبعد التحقيقات كلياً إمكانية أن الجندي شخّص الصحافية وأطلق النار عليها بشكل متعمد. اكتفت المدعية العسكرية الأولى، الجنرال يفعات تومار يروشالمي، بذلك، وهي لا تعتقد أن نتائج التحقيقات تبرر فتح تحقيق في الشرطة العسكرية في القضية. استنتاجها هو أنه لم يتبلور هنا اشتباه بارتكاب عمل جنائي. أبقت التحقيقات، والمدعية العسكرية ايضا، امكانية ضئيلة لاحتمالية أن الصحافية اصيبت مع ذلك بنار فلسطينية. تحليل نطاق القوس وخطوط الرؤية والفيديو والصوت المسجل اثناء تبادل إطلاق النار، كل ذلك يشير الى الجندي، لكنه لا يستبعد السيناريو الثاني تماماً.

الرصاصة التي تم إخراجها من جثة أبو عاقلة ونقلت من الفلسطينيين لفحص أميركي – إسرائيلي بعد نقاشات كثيرة لم تساعد في بلورة النتائج. لم يصل الفحص البالستي الى نتائج قاطعة بسبب وضع الرصاصة. على أي حال، لن يتم اتخاذ أي خطوات، جنائية أو انضباطية، ضد أي من المتورطين من الجيش الإسرائيلي في الحادث.

هناك فجوة كبيرة بين هذه الاستنتاجات، مثلما عرضت، أول من أمس، على الإعلام، وبين سلسلة تحقيقات صحافية اجراها، الى جانب قناة “الجزيرة” التي عملت فيها الصحافية، عدة وسائل اعلام رائدة في العالم. كل ذلك اشار الى إسرائيل، تقريباً دون تحفظ أو أي علامات استفهام بأنها مسؤولية رئيسية عن موت أبو عاقلة. كان التحقيق العسكري شاملا وعميقا، واستند الى عدد كبير من الوسائل التكنولوجية التي لم تكن جميعها في متناول وسائل الإعلام.

حتى الآن يمكن الافتراض بأن الشكوك ستبقى قائمة. لن تراكم إسرائيل نقاطاً في الساحة الدولية حتى بعد عرض النتائج والاستنتاجات. وعدم التناظر الاساسي يعمل في غير صالحها. فالجيش عمل في جنين كقوة احتلال وداخل سكان مدنيين. أُصيبت المراسلة في الوقت الذي كانت تقوم فيه بعملها وهي لديها جنسية أميركية. لا يوجد أي شيء في العالم يمكن أن يخرج الجيش الإسرائيلي من هذه القصة.

في الجانب الثاني من المقياس توجد ردود الفعل الإسرائيلية. عندما تم نشر التقارير الأولية تعرض كثيرون في المستوى السياسي وحتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية الى هجوم شديد. من غير المحتمل، تم الادعاء بحماس، أن يدنا قد سفكت هذا الدم. واذا كانت سفكت فما الذي يهم؟ لقد كان هناك من ذهبوا ابعد من ذلك وقالوا إن أبو عاقلة، كمراسلة لقناة “الجزيرة” ومن هنا كما يبدو كمؤيدة لـ “الارهاب”، هي المسؤولة الوحيدة عن موتها.

بعض هذه الردود ليست بعيدة كما يبدو عن مشاعر الجمهور السائدة. لا يوجد هنا حادثة اليئور ازاريا أخرى التي أطلق فيها جندي النار وقتل “مخرباً” مصاباً من مسافة قصيرة وأمام العدسات. عندما يدور الحديث عن جندي عمل اثناء تبادل لاطلاق النار وتحت الخطر، وعندما لا يوجد أي توثيق يظهر بأنه عرف بأنه يطلق النار على مواطنة لا علاقة لها بالقتال، فلن يكون هناك أي صبر للجمهور ازاء اجراء جنائي ضده. ورغم أنهم لم يعترفوا بذلك بشكل مباشر إلا أن هذه هي حقيقة معروفة جيداً لكل الذين لهم علاقة بالإجراء، المستوى السياسي والمستوى العسكري والنيابة العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى