أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (129)

اتفاق نووي جديد مع إيران لن يمنع صنع قنبلة إيرانية

دينس روس

تُشير المعلومات المتوفرة أن برنامج طهران النووي هو أكثر تقدماً بكثير مما كان عليه في عام 2015، لذا فإن التهديد الحقيقي باستخدام القوة هو وحده الذي سيمنع النظام الإيراني من تجاوز عتبة الأسلحة النووية.

قبل عقد من الزمن، كان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك يزور واشنطن بانتظام ويعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين في إدارة أوباما. وشكل برنامج إيران النووي المحور الرئيسي لتلك الاجتماعات، وأتذكر تحذيره المتكرر: «تقولون إن هناك وقتاً للتعامل مع هذه المسألة، ولكنني أخشى أن يستمر ذلك يتردد على مسامعنا حتى يُقال لنا: “لقد فات الأوان ولم يعد بوسعنا أن نفعل شيئاً وعلينا التعايش مع الأمر”». كنت أحد أولئك المسؤولين في الحكومة الأمريكية الذين حاولوا طمأنته بأننا لن نسمح بحدوث ذلك. ولكن مع قَوْل رافائيل غروسي، المدير العام لـ “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” حالياً، إن البرنامج النووي الإيراني “يتقدّم بسرعة”، فإنني أخشى أن تصبح توقعات باراك حقيقة واقعة.

تملك إيران حالياً قنبلتين من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي ما يقارب المستوى المطلوب للأسلحة [النووية]، وتواصل تركيب وتشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة يمكنها تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر بكثير من الجيل الأول من أجهزة الطرد المركزي من نوع “IR-1”. فقد تقدم خط الأساس للبرنامج النووي الإيراني بشكل كبير بحيث تجاوز المرحلة التي كان يمكن أن يكون فيها لو التزمت طهران بحدود الاتفاق النووي الإيراني، المعروف أيضاً بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة». ومن هذا المنطلق، وفّر قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» مبرراً لإيران للمضي قدماً، ومن هذا المنظور من الواضح أن حملة “الضغط الأقصى” التي شهدتها سنوات ترامب باءت بالفشل.

وترك النهج الفاشل لترامب المتعلق ببرنامج إيران النووي إرثاً ثقيلاً على الرئيس الأمريكي جو بايدن. لكن السياسة التي انتهجها بايدن حتى الآن لم تنجح أيضاً. فعلى مدار الثمانية عشر شهراً الماضية، تطور البرنامج النووي الإيراني بوتيرة متسارعة، حيث يشمل كميات كبيرة من المواد المخصَّبة المخزَّنة ومادتين (اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة وإنتاج معدن اليورانيوم) اللتين “ليس لهما أي غرض مدني مبرَّر”، على حد تعبير غروسي أيضاً. ويعني هذا الواقع أنه حتى لو تم إعادة صياغة «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ستصل إيران بعد عام 2030 إلى مستوى يسمح لها بالانتقال بسرعة إلى حيازة قنبلة [نووية] ما لم يدرك القادة الإيرانيون أن تكلفة هذه الخطوة باهظة للغاية.

أنا أتفهم رغبة إدارة بايدن في العودة إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة». فمن شأنها أن توقف تقدم البرنامج النووي الإيراني، وتفرض على طهران شحن اليورانيوم المخصب الفائض الذي خزنته إلى الخارج (19 مرة فوق حدود «خطة العمل الشاملة المشتركة»)، وتُبقي على كمية لا تكفي لصنع قنبلة واحدة من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67% فقط، وتنهي إنتاج معدن اليورانيوم، وتوقف عمل أجهزة الطرد المركزي المتطورة الخاصة بإيران.

لكن إيران طورت اليوم دراية نووية وأصبحت بالتالي دولة على حافة العتبة [النووية]. ولن يكون لإيران فترة تجاوز للعتبة النووية عندما تُرفع القيود النوعية والكمية التي تفرضها «خطة العمل الشاملة المشتركة» على برنامجها النووي في نهاية عام 2030. إن إعادة إحياء «خطة العمل الشاملة المشتركة» تسمح في الأساس بكسب الوقت حتى ذلك الحين. ومن شأنها تأجيل التهديد النووي الإيراني وليس إنهائه، ونتيجة لذلك، سيعتمد الكثير من مسار الأمور على كيفية استغلال الولايات المتحدة وغيرها للوقت الذي كسبته.

وعلى الاقل، من الضروري أن تستغل واشنطن الوقت لاتخاذ خطوات من شأنها أن تزيد بشكل موثوق من التكاليف التي ستتكبدها إيران إذا اختارت التوجه نحو امتلاك سلاح نووي بعد عام 2030 وتزيد من التهديدات في المنطقة. ولن تكون هذه المهمة سهلة بما أن إيران ستستغل ذلك الوقت أيضاً، وربما مئات المليارات من الدولارات التي يمكن أن تكسبها خلال الفترة المتبقية لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لتقوية وكلائها الإقليميين، وتطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية بشكل أكبر، وتعزيز بنيتها التحتية النووية لجعلها أقل عرضة للهجمات.

وفي هذه المرحلة، يبدو أن المواقف الإيرانية الأخيرة قد قلصت آمال وسطاء “الاتحاد الأوروبي” في التوصل إلى اتفاق لإعادة إحياء «خطة العمل الشاملة المشتركة» في المستقبل القريب. فقد صرح مفوض السياسة الخارجية في “الاتحاد الأوروبي”، جوزيب بوريل، في 5 أيلول/سبتمبر، قائلاً “يؤسفني أن أقول إنني أقل ثقة اليوم مما كنتُ عليه قبل 28 ساعة… بشأن إمكانية إبرام الاتفاق الآن”.

وهناك أمر واحد مؤكد: أن القادة الإيرانيين لم يتعاملوا مع “الاقتراح النهائي” الذي قدمه “الاتحاد الأوروبي” للإيرانيين والأمريكيين على أنه نهائي، بل على أنه قابل للتفاوض، ووافقوا عليه ولكن بشروط متعددة. ويقوم الشرط الأول على إلغاء العقوبات المفروضة على الشركات الإيرانية التي تتعامل مع «الحرس الثوري الإسلامي». بينما يتمثل الشرط الثاني بالحق في استئناف جميع جوانب برنامج إيران النووي إذا انسحبت الحكومة الأمريكية من «خطة العمل الشاملة المشتركة» مجدداً، مما يعني أن التخصيب بنسبة 60% وإنتاج معدن اليورانيوم، اللذين ليس لديهما غرض مدني مبرر، سيحظيان بقبول قانوني. وأخيراً، يمكن أن تبدأ عملية إعادة الامتثال لقيود «خطة العمل الشاملة المشتركة»، إلا أنها لن تكتمل ما لم تُنهِ “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” تحقيقاتها التي تطال ثلاثة مواقع إيرانية غير معلنة وجدت فيها آثاراً لليورانيوم. (أشارت تلك الآثار إلى عمل محظور وبرنامج سري.)

ويبدو أن الأوروبيين مستعدون للموافقة على استئناف «خطة العمل الشاملة المشتركة» حتى مع بقاء مسألة “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” دون حل. وبصرف النظر عن السماح لإيران بالوصول إلى بعض الحسابات المصرفية المجمدة في اليوم الأول من عملية التنفيذ، سيعني ذلك أيضاً وضع الكرة في ملعب “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، علماً أنه سيكون هناك تردد حقيقي على الأرجح في التصرف بطريقة تؤدي إلى عرقلة الاتفاق الآيل إلى تنفيذ الصفقة.

وإذا حدث ذلك وتمكنت إيران مجدداً من الإفلات من أي مساءلة عن عمل محظور، فقد يكون من الصعب للغاية ضمان عدم امتلاك إيران لبرنامج نووي سري. ولا يقتصر الأمر على عدم معرفة العالم الخارجي بصورة جماعية بما تفعله إيران في هذه المواقع الثلاثة غير المعلنة، ولكن يمكن أيضاً أن تكون إيران قد نقلت المواد المخصبة إلى مواقع سرية من دون علم “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، بما أنه تعذّر على هذه “الوكالة” الوصول إلى كاميرات المراقبة الخاصة بها في المواقع المعلن عنها منذ شهور.

وبطبيعة الحال، قد ترفض الولايات المتحدة شروط إيران، وقد لا يتم بالتالي التوصل إلى اتفاق. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فما هي الخطوات التي ستكون إدارة بايدن على استعداد لاتخاذها لوقف تقدم برنامج إيران النووي؟ وفقاً للنهج الحالي، ستعمد واشنطن إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران من خلال تطبيق العقوبات بصرامة أكبر، مما يجعل من الصعب، مثلاً، على إيران بيع نفطها، عبر تضييق الخناق على الدول التي تنتهك العقوبات بشرائها النفط الإيراني. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى سيكون الصينيون على استعداد للتعاون، لا سيما اليوم، وقد لا يكون البيت الأبيض حريصاً على إبقاء النفط بعيداً عن السوق نظراً لسعره. بالإضافة إلى ذلك، قد لا يكون الثمن الاقتصادي وحده كافياً لإقناع القادة الإيرانيين بالتخلي عما يريدونه على ما يبدو، وهو إما امتلاك إيران القدرة [على صنع] أسلحة نووية أو مجرد خطوة بسيطة بعيداً عن امتلاكها هذه القدرة.

وخلاصة القول هي أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، ستقترب إيران من امتلاك قنبلة [نووية] عاجلاً وليس آجلاً. وإذا أعيد إحياء «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ستمتلكها آجلاً وليس عاجلاً، إلا إذا عملت إدارة بايدن وخليفاتها على إقناع المسؤولين الإيرانيين بالمخاطر التي يواجهونها، بما في ذلك من خلال إبلاغهم بوضوح تام أن واشنطن ستستخدم القوة لمنع هذه الخطوة.

وللأسف، هناك أساساً أصوات في أوساط السياسة الخارجية تعتبر، كما توقع باراك، أنه لا يمكن منع إيران من تطوير سلاح نووي وأنه يجب على العالم أن يتعلم ببساطة التعايش مع الأمر. وفي اجتماع آب/أغسطس الذي عقدته “مجموعة آسبن الاستراتيجية”، التي تضم كبار المتخصصين في السياسة الخارجية من الحزبين الأمريكيين، أخبرني أحد أعضاء المجموعة أن عدداً مذهلاً من المشاركين كانوا يطرحون هذه الفكرة.

وعلى الرغم من أن مقدمي هذا الطرح مستعدون للتعايش مع قدرة إيران على امتلاك قنبلة نووية، إلا أنهم يخفقون في توقع الكيفية التي سيرد فيها الآخرين في المنطقة [على هذا الطرح]، حتى في الوقت الذي يستخلصون فيه دروساً خاطئة من الحرب الباردة بشأن آفاق الاستقرار في شرق أوسط يمتلك أسلحة نووية. على سبيل المثال، إذا رأت إسرائيل – التي تؤمن بأن إيران المسلحة نووياً تشكل تهديداً وجودياً للدولة اليهودية – أن الولايات المتحدة والآخرين مستعدون للتعايش مع إيران المسلحة نووياً، فسيزيد ذلك إلى حد كبير من احتمال قيام إسرائيل بشن ضربات عسكرية كبيرة على البنية التحتية النووية الإيرانية. وبالمثل، أعلن ولي العهد السعودي أنه إذا امتلكت إيران القدرة [على صنع] أسلحة نووية، فستحذو المملكة حذوها أيضاً. هل ستتخلف مصر وتركيا كثيراً عن الركب؟

يبدو أن أولئك الذين يشعرون بالطمأنينة من تجربة الحرب الباردة وتوازن الرعب الذي كان قائماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يعتقدون أن المنطق ذاته أو المبادئ ذاتها ستنطبق في الشرق الأوسط أيضاً. ولكنهم يتغاضون على الأقل عن عاملين: أولاً، كانت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تتمتع بقدرات توجيه ضربة ثانية، مما يعني أنه لا يمكن منعهما من الرد بواسطة قوتهما النووية حتى ولو تعرضا للقصف أولاً. أما في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل – التي يقال إن لديها القدرة على إطلاق صواريخ مسلحة نووياً من الغواصات – فسوف يستغرق الأمر سنوات لتطوير قدرات توجيه ضربة ثانية، مما يجعل القوة النووية لدول الشرق الأوسط عرضة بشدة لضربة استباقية.

وفي أي أزمة، تكون جميع الجهات الفاعلة في حالة تأهب، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام شن ضربة نووية واندلاع حرب. ثانياً، حتى في ظل ما يسمى بواقع التدمير المؤكد المتبادل، كان العالم على وشك أن يشهد كارثة نووية خلال الحرب الباردة. فبالإضافة إلى أزمة الصواريخ الكوبية، التي قادت البشرية إلى شفير حرب نووية بدرجة فاقت توقعات الجميع آنذاك، بات من المعروف أيضاً أن السوفيت أخطأوا في قراءة مناورة واسعة النطاق لحلف شمال الأطلسي عام 1983، اعتقاداً منهم أنها مقدمة لشن هجوم، وكانوا يستعدون لتوجيه ضربة نووية، إلا أن القدر حال دون حدوث تبادل نووي.

وليس من الضروري حتى النظر إلى الماضي. لنأخذ على سبيل المثال التهديدات الحالية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد رفع حالة التأهب لقواته النووية، مما أثار مخاوف من أن يؤدي دعم أوكرانيا بقوة إلى استخدام روسيا للأسلحة النووية. يجب أن يُظهر ذلك للعالم أن استخدام الأسلحة النووية لم يعد مستبعداً. وإذا طوّرت إيران سلاحاً نووياً، فستكون الاحتمالات كبيرة في أن يؤدي ذلك إلى تسلح الشرق الأوسط نووياً، وبالتالي يزداد خطر اندلاع حرب نووية في منطقة تمزقها الصراعات.

وبطبيعة الحال، ستترتب نتيجة أخرى عن السلاح النووي الإيراني، حيث سيزداد عدد الجهات التي تشعر أنه يجب عليها امتلاك قنبلة نووية أيضاً ومن المرجح جداً أن تتسع رقعة هذه الجهات فيما يتخطى الشرق الأوسط، مما ينذر بنهاية “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، التي تُعد من أنجح معاهدات الحد من التسلح في التاريخ، حيث أبقت عدد الدول المسلحة نووياً أقل بكثير مما توقعه واضعوها أساساً.

إن بايدن محق بقوله إن الولايات المتحدة ستمنع إيران من حيازة سلاح نووي. ولكن من المؤسف أن المسار الذي ينتهجه قد يجعل موقفه هذا ذو طبيعة خطابية أكثر من كونها حقيقية. صحيح أن هذه الخطوة قد تأخرت ولكن لم يفت الأوان بعد لمنع إيران من تحويل قدرة “عتبتها النووية” إلى سلاح. لكن الأمر يستوجب أولاً أن يؤمن القادة الإيرانيون أنهم يخاطرون فعلياً ببنيتهم ​​التحتية النووية بالكامل إذا استمروا في السعي إلى صنع قنبلة نووية. فهم لا يعتقدون اليوم أن واشنطن ستستخدم القوة ضدهم. ولكن لا يزال بإمكان المسؤولين الأمريكيين تغيير هذا التصور من خلال اتخاذ عدد من الخطوات.

أولاً، من الضروري أن تغيّر واشنطن موقفها العام. عليها أن تؤكد أنه في الوقت الذي يفضل فيه بايدن بشدة التوصل إلى نتيجة دبلوماسية، يتصرّف المسؤولون الإيرانيون كما لو كانوا يريدون سلاحاً نووياً ويستخدمون المحادثات كغطاء للسعي وراء هذا الهدف. يجب على هؤلاء المسؤولين أن يفهموا أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات في مرحلة معينة وتقضي على البنية التحتية النووية الإيرانية بالكامل، وهي بنية استثمر الإيرانيون فيها بتكلفة كبيرة على مدى عقود.

على وزير الخارجية الأمريكي إلقاء خطاب بشأن إيران يشرح فيه سياسة الولايات المتحدة، والتي تشمل سعيها إلى التوصل إلى حل دبلوماسي من شأنه أن يتيح لإيران امتلاك طاقة نووية مدنية ولكن ليس أسلحة نووية. كما عليه أن يوضح سبب ضرورة عدم امتلاك إيران أسلحة نووية.

وبالإضافة إلى تهديد مستقبل “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” وزيادة خطر نشوب حرب نووية في الشرق الأوسط بشكل كبير، على وزير الخارجية الأمريكي أن يوضح أن إيران دولة لا تلتزم بأي قواعد أو حدود، إذ تواصل محاولة اغتيال مسؤولين أمريكيين سابقين ومنشقين إيرانيين في الولايات المتحدة ودول أخرى، وتوفر الأسلحة والتمويل والتدريب لجماعات إرهابية مثل الحوثيين و «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وتستخدم القوات بالوكالة (الميليشيات الشيعية) لتقويض سلطات [بعض] الدول (في لبنان والعراق)، وتهدد جيرانها والممرات المائية الدولية، وتدعو بصراحة إلى القضاء على إسرائيل، دولة عضو في الأمم المتحدة.

وللتأكيد على تصريحات وزير الخارجية الأمريكية، على بايدن استخدام خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر لإعادة التأكيد على أن واشنطن تفضل التوصل إلى نتيجة دبلوماسية، بينما يشير نهج إيران إلى رغبتها في حيازة أسلحة نووية، وليس طاقة نووية مدنية، ونتيجة لذلك تجازف ببنيتها التحتية النووية بالكامل. وسوف يشير هذا الموقف العام أيضاً إلى أن واشنطن تعمل على تهيئة البيئة دولياً للقيام بعمل عسكري أمريكي محتمل. وحتى قبل إعلانها عن ذلك، على الولايات المتحدة إبلاغ حلفائها وعليها استخدام القنوات الخاصة لإيصال هذه الرسالة إلى المسؤولين الإيرانيين.

ثانياً، يجدر بالقوات الأمريكية إجراء تدريبات مع “القيادة المركزية الأمريكية” على عمليات جو-أرض ضد أهداف محصنة، والتي يجب أن تتضمن بالضرورة ضرب الدفاعات الجوية التي تحميها. وتولي إيران اهتماماً بالتمارين الأمريكية، وستفهم نوع الهجمات التي تعدها وتحاكيها وزارة الدفاع الأمريكية.

ثالثاً، من الضروري أن تستمر واشنطن في تحديث دفاعات شركائها الإقليميين ضد هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار. والهدف من ذلك هو طمأنة شركائها الإقليميين والإظهار لطهران أن بإمكان الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها أن تخفف من حدة ردودها أو تهديداتها العسكرية. (يتم عمل الكثير في “القيادة المركزية الأمريكية” بشأن الإنذار المبكر الجماعي للهجمات، ومن الضروري أن يستمر ذلك ويتوسع في مجموعات فرعية داخل المنطقة لفعل المزيد لتعزيز الدفاعات النشطة والمتكاملة. ودائماً ما سيكون الكل أكبر من مجموع الأجزاء المنفردة.)

رابعاً، على البنتاغون تسريع تسليم ناقلات التزود بالوقود من طراز “KC-46” إلى إسرائيل. فقدرة إسرائيل على ضرب البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل فعال تتطلب وقتاً أطول للتريث لضمان قدرتها أيضاً على القضاء على أهداف محصنة. وهي تحتاج إلى هذه الطائرات لتتمكن من تنفيذ نوع الضربات الضرورية. وحالياً، من غير المرجح أن يحصل عليها الإسرائيليون، الذين من المقرر أن يشتروا أربع ناقلات من طراز “KC-46″، قبل عام 2025. وإذا كان الهدف هو إقناع القادة الإيرانيين بأن الخيار العسكري واقعي وأنهم يلعبون بالنار إذا استمروا في التقدم نحو حيازة سلاح نووي، على إسرائيل الحصول على هذه الناقلات قبل الموعد المتوقع بكثير. وبالفعل، فإن إمدادها على وجه السرعة سيُظهر لإيران أن بايدن مستعد لدعم أي عمل إسرائيلي ولن يقوم بتقييده.

وطالما تشك إيران في استخدام الولايات المتحدة القوة ضدها أو ضد بنيتها التحتية النووية، فليس هناك احتمال كبير في التوصل إلى نتيجة دبلوماسية تؤثر فعلياً على مسار برنامجها النووي في نهاية المطاف. وبدلاً من ذلك، ستقترب إيران عاجلاً أم آجلاً من القدرة على التسلح، وعندئذ، إما سيقوم الإسرائيليون بعمل عسكري تكون نتائجه غير مؤكدة أو ستتحقق نبوءة باراك.

وإذا حصلت إيران على سلاح نووي، سيحذو السعوديون وغيرهم في المنطقة حذوها، وستنهار “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”. وهناك العديد من الأشخاص الجادين الذين بدأوا بالفعل في الدعوة بأخذ النتيجة التي كان يخشاها باراك على محمل الجد، وأن تكون بمثابة جرس إنذار. لقد حان الوقت لتغيير هذا الواقع.

على الغرب أن يواجه الحقيقة: بوتين ليس ضعيفا ولا معزولا ‏

‏جاك شوستر‏ – (وورلد كرانش)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏تعني أي سياسة خارجية فعالة مواجهة الحقيقة بعيون واضحة: لا يمكن لأوكرانيا أن تهزم روسيا، الدولة التي تتمتع بعشرة أضعاف قوتها النارية.

والأكثر من ذلك، أن العقوبات الاقتصادية لا يمكن أن تسقط فلاديمير بوتين. وليس أمام الغرب سوى خيار واحد. ‏

* *

‏برلين‏‏ – دعونا نزيح شيئاً واحداً من الطريق منذ البداية: لم يكن لدى الغرب أي بديل عن السياسات التي تبناها في التعامل مع روسيا بعد غزو أوكرانيا.

ولو لم تستخدم الولايات المتحدة وأوروبا كل ‏‏الأسلحة الاقتصادية والدبلوماسية‏‏ المتاحة لهما -لتقفا فقط قبل خطوة من الانجرار إلى الصراع بنفسيهما– لكان فلاديمير بوتين قد قرأ مثل هذا الرد اللامبالي العلامة على الضعف.

وكان سيرى في ذلك دعوة إلى توسيع طموحاته حتى أبعد إلى الغرب. ‏

تلعب ألمانيا دوراً مهمًا في التحالفات بين الدول الغربية. ولو أنها كسرت الصفوف وحاولت أن تضع نفسها كوسيط بين الشرق والغرب، رافضة ‏‏تزويد أوكرانيا بالأسلحة، لكانت‏ لذلك عواقب وخيمة لسنوات قادمة.

كانت أوروبا لتواجه مرة أخرى “مسألة ألمانية” جديدة، مع كل ما ترتب على ذلك من انعدام الثقة.

ينطوي فن تحديد السياسة الخارجية على تقييم الاحتمالات والنظر في الفروقات الدقيقة، والسؤال باستمرار عما قد يكون في المصلحة الفضلى للبلد المعنيّ.

وكل من فكر جديًا في الأمر سوف يستنتج أن قرارات الغرب حتى الآن كانت صحيحة.

وستظل هذه التوصيات صحيحة إذا قررت موسكو ‏‏قطع إمدادات الغاز الكاملة عن القارة‏‏. لقد نجت ألمانيا من أزمات أسوأ بكثير في تاريخها. ‏

بوتين يمسك بخيوط لعبة أنقرة في سورية

تعني السياسة الخارجية الفعالة أيضا التخلص من أكبر عدد ممكن من الأوهام. في أوقات الأزمات، نكون محاطين بالأساطير التي تريحنا، ويكون من المغري بشكل لا يصدق تصديقها.

في ألمانيا، هذا يجعل الناس مترددين في مواجهة الحقائق، مما يدفعهم إلى تبني منظور ضيق والتشبث بوجهة نظر متفائلة مضللة حول مدى سهولة حل الحرب والأزمة.

يجب أن نتخلص من ثلاثة أوهام خطيرة: (1) العقوبات الغربية سوف تجبر روسيا على التراجع. (2) موسكو معزولة عن بقية العالم. و (3.) سوف تخرج كييف ‏‏منتصرة‏‏.

لا يمكن إنكار أن العقوبات جزء مهم من رد الغرب على الحرب العدوانية الروسية. هذا غني عن البيان. فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي 830 عقوبة مختلفة.

وقد قُطِعت روسيا ‏‏عن نظام “سويفت” للمدفوعات‏‏ الدولية، وحُظِرت فعليًا من الكثير من التجارة الدولية، ومُنعت من استيراد سلع التكنولوجيا الفائقة.

العقوبات لا تطيح بالأنظمة‏

الآن، أصبح من الصعب جدا على المواطنين الروس السفر إلى الغرب. وصناعة السيارات في بلدهم –التي توظف 600,000 عامل– متوقفة عن العمل، وكذلك صناعة الطيران لأن 700 من أصل 1.100 طائرة يتم إنتاجها في الغرب.

ولم تعد موسكو قادرة على شراء سلع التكنولوجيا الفائقة في أماكن أخرى -فهي تعتمد على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث يزودونها بـ66 ٪ من وارداتها في هذا المجال. زيتوقع الخبراء أن ‏‏ينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 10 ٪ بحلول نهاية العام‏‏. ‏

لكن هذا الضغط لن يجبر بوتين على الركوع. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المبيعات الروسية من الغاز والنفط ما تزال مزدهرة، لكنه يرجع أساسا إلى أن الديكتاتوريين لا يهتمون بشيء أقل من اهتمامهم بمعاناة رعاياهم.

وقد تعلم الشعب الروسي على مدى قرون ‏‏أن يعيش مع المشقة والحرمان‏‏. وطوال تاريخ القرن العشرين بأكمله، لم تجبر العقوبات نظاما استبداديًا واحدًا على أن يتغير. ‏

على مدى عقود الآن، تخضع كوريا الشمالية وإيران ‏‏لأقسى أنواع العقوبات‏‏، لكن النخبة الحاكمة في هذين البلدين ليست قلقة.

فلماذا يمكن لروسيا –وهي دولة كبيرة جدًا ولديها الكثير من القوة العسكرية بحيث لا يمكن عزلها حقًا – أن تستسلم في حين أن بيونغ يانغ وطهران لم تفعلا؟‏

على الرغم مما يصر عليه المستشار الألماني أولاف شولتس ووزيرة الخارجية أنالينا بيربوك منذ أشهر حتى الآن، فإن روسيا ليست معزولة بأي حال من الأحوال.

وليس ذلك لأن الكرملين قادر على الاعتماد ‏‏على دعم قوة عظمى عالمية في الصين‏‏ فحسب، ولكن أيضًا لأن معظم البلدان في مختلف أنحاء العالم ترى الحرب في أوكرانيا مشكلة أوروبية.

وتظل غالبية الدول الأفريقية محايدة، و-باستثناء اليابان- ينطبق الشيء نفسه على آسيا. ‏

وماذا عن أميركا الجنوبية؟ لم تكن حكومات دول الكتلة التجارية، السوق الجنوبية المشتركة (ميركوسور) في أميركا الجنوبية مستعدة حتى للسماح للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتحدث في اجتماع قمة.

وهناك استنتاج واحد محتمل يمكن أن تستخلصه موسكو: إن حرب بوتين تخاض ضد الغرب وحده، وآفاقها ليست قاتمة بأي حال من الأحوال بالقدر الذي نود أن نعتقده.‏

لا يمكن تحقيق انتصار مباشر لأوكرانيا ‏

بعد أن منيت الأيام الأولى من الحرب بإخفاقات استراتيجية خطيرة، أصبحت روسيا ‏‏الآن تستخدم قوتها العسكرية الكاملة‏‏. لدى موسكو عشرة أضعاف القوة النارية لكييف.

ويقاتل الأوكرانيون من أجل البقاء على قيد الحياة، ولذلك كانت قواتهم في كثير من الأحيان أكثر نجاحًا مما توقعته روسيا.

ومع ذلك، بدأ الجنود الروس في الاستيلاء على أراض كبيرة، في حين أن كل ما يمكن للجيش الأوكراني القيام به هو الوعد ‏‏بأن الهجوم المضاد يسير في طريقه‏‏.

ومع ذلك، مهما كان عديد الجسور ومستودعات الذخائر التي يفجرها الجيش الأوكراني -ونأمل أن تكون كثيرة- لن تتمكن كييف من هزيمة ‏‏القوة العسكرية العظمى التي هي روسيا‏‏

. لن يكون هناك انتصار لأوكرانيا -على الأقل ليس انتصارا كما فهمناه منذ عهد الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز: “يجب تدمير القوة العسكرية، أي تقليصها إلى حالة لا تكون معها قادرة على ممارسة الحرب”.‏

إن أمل أوكرانيا الوحيد هو جعل روسيا تعاني من خسائر كافية بحيث تدرك موسكو أن حربها العدوانية لم تعد مقبولة. ولكن الأمر سيستغرق وقتا طويلاً قبل أن يصل الصراع إلى تلك النقطة.‏

درس متواضع من أيزنهاور ‏

يتعين على ألمانيا أن تدرك أن الحروب يمكن أن تستمر لسنوات عديدة، ومن المرجح أن تفعل هذه الحرب ذلك. وقد حان الوقت لأن تفتح الحكومة –وجميع ممثلي الجمهور – نقاشاً صادقاً حول ‏‏التضحيات التي يستعد مواطنوها لتقديمها‏‏ للفوز في هذه الحرب، وما هي خيبات الأمل التي ربما ما تزال تنتظرهم.

ومن واجب السياسيين والمعلقين أن يفكروا في المستقبل، وأن يدينوا إثارة الحروب، وأن لا يكتفوا أبدًا بالإجابات السهلة -حتى عندما يكون ذلك مؤلمًا.‏

من المؤلم أن ندرك أن أوكرانيا لا تملك القوة العسكرية الكافية للفوز في هذه الحرب مباشرة. ويكمن أمل الأوكرانيين في تحقيق النصر من خلال حرب العصابات.

وسوف يعني ذلك، عاجلا أم آجلا- إجراء مفاوضات مع موسكو، وروسيا ليست مستعدة لذلك بعد.

لكن على واشنطن –باعتبارها أهم حليف لكييف– أن تسعى إلى إجراء محادثات مع موسكو، في حين لا تغفَل أبدًا عن معاناة الأوكرانيين.‏

حتى في أحلك أيام الحرب الباردة، سعى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته، جون فوستر دالاس –وكلاهما سياسيان فضلا الحرب على خفض التصعيد– باستمرار إلى عقد اجتماعات مع السوفيات، كما يشهد تاريخ مؤتمرات جنيف في الخمسينيات. وقد فشلا، لكن الأمر كان يستحق المحاولة. تماما كما يستحق المحاولة الآن.‏

في أوقات الحرب، يجب على صناع السياسة الخارجية أن يسترشدوا بالعبارة الشهيرة التي كتبها صموئيل بيكيت: “جربتَ في أي وقت. فشلتَ من أي وقت. لا يهُم. حاول مرة أخرى. وافشل مرة أخرى. افشل بشكل أفضل”.‏

سياسة “صفر مشاكل” التركية أصبحت حلما بعيد المنال

جيمس دورسي

قال جيمس إم دورسي، الزميل البارز في الجامعة الوطنية، معهد الشرق الأوسط في سنغافورة، إن تركيا ربما سعت إلى إصلاح العلاقات مع القوى الإقليمية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، لكن سياستها الخارجية المعنونة “صفر مشاكل مع الجيران” التي تم التباهي بها ذات يوم أصبحت الآن حلماً بعيد المنال.

الآن، تحتل تركيا أراضي جيرانها في سورية والعراق وقبرص، وتنخرط في حرب كلامية مكثفة مع اليونان، زميلتها في عضوية حلف الناتو.

وقال دورسي في صحيفة “أوراسيا ريفيو” يوم الأربعاء أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهدد أيضا بشن عملية عسكرية ضد الأكراد في سورية، وتحويل البحر الأسود في شمال تركيا إلى منطقة حرب.

وفيما يلي نسخة كاملة من المقال:

* * *

لا تكاد مصالحة تركيا لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل تفعل شيئًا يذكر لإعادة البلد إلى سياسة “صفر مشاكل مع جيراننا” التي كانت قد أُعلنت منذ أكثر من عقد.

ومما لا شك فيه أن تركيا قد نجحت، على الرغم من هشاشتها، في تخفيف حدة التوتر مع دول الخليج عندما تخلى الرئيس رجب طيب أردوغان فعليًا عن هذه السياسة التي كان قد انتهجها من خلال دعم الثورات الشعبية العربية في العام 2011 ودعم “الإخوان المسلمين”، وتقديم المساعدة لقطر خلال فترة المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية التي قادتها السعودية للدولة الخليجية، وقيامه بتحميل السعودية المسؤولية عن مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول في العام 2018.

في الآونة الأخيرة، أعادت تركيا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد أكثر من عقد من التوترات التي اندلعت في العام 2010، عندما قتلت القوات الخاصة الإسرائيلية 10 نشطاء أتراك على متن سفينة المساعدات التركية، “مافي مرمرة”، في محاولة لكسر الحصار البحري الإسرائيلي على غزة.

ومع ذلك، مع تصاعد المخاوف من تصعيد العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، تشكل القضية الفلسطينية التي لم تُحل قنبلة موقوتة في العلاقات بين إسرائيل وتركيا.

وقد أصرت تركيا على أن إعادة العلاقات مع إسرائيل لا تعني أنها تخلت عن دعمها للفلسطينيين.

لكن مشكلة تركيا تكمن في أنها حسّنت علاقاتها مع القوى الإقليمية التي لا تقع أي منها على حدودها. وعلى النقيض من ذلك، ما تزال علاقاتها مع أربعة من جيرانها الثمانية الذين تشترك معهم في الحدود البرية -العراق، وسورية، والأكراد واليونان- في حالة من الانحدار، مع بقاء شبح الصراع المسلح معلقًا في الهواء.

في الوقت نفسه، حول الغزو الروسي لأوكرانيا البحر الأسود إلى منطقة حرب.

وبالمثل، سيكون من شأن أي هجوم تركي محتمل في شمال سورية أن يخلق منطقة حرب أخرى تخاطر فيها تركيا بمحاربة المتمردين الأكراد والقوات السورية والميليشيات المدعومة من إيران.

حتى الآن، أصرت تركيا على حقها في التدخل عسكريًا مرة أخرى في شمال سورية، لكنها أوقفت شن هجوم جديد بسبب المعارضة الروسية والإيرانية.

وبدلاً من ذلك، تستكشف تركيا، برعاية روسية، طريقة مؤقتة للتعامل مع الرئيس السوري بشار الأسد، الذي ينتهى بزواله السياسي الذي يطالب به أردوغان منذ بداية الحرب الأهلية السورية قبل 11 عامًا.

ومع ذلك، فإن المصالحة بشروط مقبولة لدى الأسد تظل بعيدة، بالنظر إلى الفجوة الواسعة في النهجين التركي والسوري تجاه السيطرة على الجماعات الكردية وغيرها من الجماعات المتمردة في شمال سورية.

أضف إلى علاقات تركيا المتوترة مع جيرانها نزاعًا تمت إدارته بعناية حتى الآن بين تركيا وحلف شمال الأطلسي حول عضوية السويد وفنلندا في الناتو، الأمر الذي يهدد العلاقات التركية المضطربة بالفعل مع الولايات المتحدة.

تطالب تركيا دول الشمال الأوروبي بتسليم العشرات من الأكراد ومن أتباع رجل الدين المنفي، فتح الله غولن، مقابل مصادقة البرلمان التركي على عضوية السويد وفنلندا. وتحمل تركيا غولن المسؤولية عن الانقلاب العسكري الفاشل في العام 2016.

بدلا من تخفيف التوترات، كان أردوغان ورفاقه يؤججون الحرائق. وفي آخر بيان صريح، بدا وزير داخلية أردوغان، سليمان صويلو، وكأنه ينطق بلسان إيران، التي سعت لعقود إلى إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من الشرق الأوسط. واتهم صويلو “حزب الشعوب الديمقراطي” المؤيد للأكراد في تركيا، الذي يقبع زعيمه وراء القضبان بتهم الإرهاب، إلى جانب “حزب العمال الكردستاني” المحظور الذي يخوض حربًا منخفضة الحدة منذ أربعة عقود في جنوب شرق كردستان، بأنه مدعوم من الولايات المتحدة.

وكان حزب العمال الكردستاني ووزارة الدفاع التركية قد اختلفا مؤخراً حول سبب خسارة مروحية تركية من طراز “سيكورسكي” في كردستان العراق، حيث كان الجيش التركي يستهدف قواعد المتمردين الأكراد.

وتسببت العمليات التركية في توتر العلاقات مع الحكومة العراقية في بغداد. وزعم “حزب العمال الكردستاني” أنه أسقط المروحية انتقاما لقتل تركيا أحد قادته، بينما أكدت تركيا أنها تحطمت “بسبب مشاكل فنية”.

ولكي تتعقد الأمور أكثر، تخوض تركيا وإيران وإسرائيل حربًا سرية منخفضة المستوى في شمال العراق على ظهور أكراد العراق.

وقال صويلو، في إشارة إلى “حزب العمال الكردستاني” وتفرعاته في سورية وكذلك الولايات المتحدة، وإلى الوجود العسكري في الدولة التي مزقتها الحرب: “لسنا في حاجة إلى الولايات المتحدة. لسنا في حاجة لأوروبا تريدنا أن نكون مقسمين وغير مبالين بديننا وثقافتنا ومعتقداتنا… بينما نقوم بتفكيك المنظمة الإرهابية، يجب أن تعلم أننا نريد أيضًا إخراج الولايات المتحدة الأميركية من هنا”.

ولم يتضح ما إذا كان صويلو يشير إلى الاتحاد الأوروبي ككل أو السويد وفنلندا فقط، اللتين تماطلان، وفقًا لتركيا، في الاتفاقات المبرمة عشية قبول الناتو لطلب عضوية دولتي الشمال.

وعلى نفس المنوال، قال أردوغان مؤخراً، مهدداً اليونان الزميلة في حلف شمال الأطلسي بعد أن اتهمت تركيا اليونان بمضايقة الطائرات التركية في مهمة استطلاع باستخدام نظام دفاع جوي روسي الصنع من طراز إس-300: “ألقوا نظرة على التاريخ. إذا ذهبت (اليونان) إلى أبعد من ذلك، فسوف تدفع ثمناً باهظاً”.

وكان يشير بذلك على ما يبدو إلى التطهير العرقي في العام 1923، عندما أُجبر اليونانيون على مغادرة تركيا وطُرد الأتراك من اليونان فيما يوصف باختصار بـ”التبادل السكاني”.

وما يزال أولئك الموجودون في تركيا على استعداد للمخاطرة بإغضاب السيد الاستبدادي. ويمزح أردوغان قائلاً إنه لو كان رئيسًا خلال الحرب العالمية الثانية، فإن تركيا كانت ستقاتل الألمان والبريطانيين والروس جميعًا في نفس الوقت.

هل كان ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم سوفياتي صهيوني؟‏

‏‏‏إقبال جاسات‏

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

على الرغم من أن هناك وجهات نظر متناقضة حول إرث ميخائيل غورباتشوف، فإن من المهم تذكُّر أنه أشرف، كزعيم للاتحاد السوفياتي، على انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان في العام 1989، بعد حرب موسكو الفاشلة التي استمرت عقدًا من الزمان هناك.‏

وفي حين أنه كان قد شغل منصب الأمين العام للحزب الشيوعي قبل صعوده إلى رئاسة البلاد، فقد كان يُنظر إلى حرب بلاده سيئة الطالع في أفغانستان على أنها “خطأ سياسي” كبير.‏

وكان ما فشل في الاعتراف به هو أنه على الرغم من القوة النارية الهائلة للاتحاد السوفياتي، وحملات القصف واسعة النطاق التي تشنها، ونشر الآلاف من الجنود، فإن مقاومة “المجاهدين” في أفغانستان لم تكن شيئاً يمكن كسره والتغلب عليه بسهولة.‏

وفي الحقيقة، فشل غورباتشوف أيضاً في الاعتراف بالفظائع والمذابح البشعة التي ترقى إلى جرائم حرب التي ارتُكبت في أفغانستان.

وقد نتجت عن ذلك الغزو السوفياتي موجات من النزوح الجماعي للملايين من الأفغان الذين أصبحوا لاجئين في باكستان وجمهورية إيران الإسلامية المجاورتين.

كما أن الاستمرار في محاولة تغيير النظام في أفغانستان، التي ترأسها غورباتشوف، على الرغم من سحب القوات، شوشت سمعته كثيراً في العالم الإسلامي.‏

‏كمحبوب للغرب، تحولت أيديولوجية غورباتشوف بشكل درامي من الماركسية اللينينية إلى الاشتراكية الديمقراطية -أو كما ادعى بعض المعلقين، من الشيوعية إلى الصهيونية والرأسمالية.‏

وبعد أن أصبح مُحملاً بالإشادات التي انهالات عليه من الولايات المتحدة خلال فترة إدارة ريغان بسبب الإصلاحات المعروفة التي أجراها باسم “البيريسترويكا” و”الغلاسنوست”، والتي سعت إلى تغيير صورة الاتحاد السوفياتي، سار غورباتشوف على حبل مشدود في محاولاته لحمل قاعدة دعمه على التوافق معه والمضي قدماً.‏

بالتوازي مع الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، سقط جدار برلين وتوقفت الحرب الباردة بين الشرق والغرب.

ونظرًا لكونه الرجل الذي قاد بلاده إلى احتضان الغرب، لم يكن من المستغرب أن يحصل غورباتشوف على جائزة نوبل للسلام. أما بالنسبة للمتشككين، فقد أكد حصوله عليها فكرة أنه كان مهندس سقوط الشيوعية في أوروبا.‏

كان من المتوقع أن يكون غورباتشوف، الذي نشأ في ظل نظام ستالين وشهد الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية، أكثر حذرًا بشأن المبادرات الغربية.

لكنه بدلاً من ذلك استمتع بالأضواء والترحيب به على السجاد الأحمر في لندن وباريس وواشنطن.‏

فيما يتعلق بفلسطين، كان الاتحاد السوفياتي قد علّق العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل خلال حرب الأيام الستة في العام 1967، لكن غورباتشوف أعاد استئناف هذه العلاقات بعد صعوده إلى سُدة السلطة.‏

ولذلك، ليس من المستغرب أن نلاحظ أن تخصيص المنصات الإعلامية الصهيونية مساحات كبيرة لرثاء القادة الإسرائيليين له والحداد على وفاته والإشادة به باعتباره “بطلاً” و”صديقًا حقيقيًا” للكيان الاستعماري.‏

كان ميل غورباتشوف المؤيد للصهيونية واضحًا أثناء توليه منصب الأمين العام للحزب الشيوعي، قبل فترة طويلة من رئاسته للاتحاد السوفياتي.‏

وخلال الفترة التي كانت فيها العلاقات الدبلوماسية لبلاده مع إسرائيل معلقة، حث غورباتشوف ياسر عرفات على تعليق الكفاح المسلح الذي كانت تعتنقه منظمة التحرير الفلسطينية و”الاعتراف” بدلاً من ذلك بوجود إسرائيل.‏

وعندما أعاد تأسيس علاقات الاتحاد السوفياتي بعد سنوات، كان من الواضح أن غورباتشوف لم يكن لديه أي ميل إلى تأييد نضال فلسطين العادل من أجل التحرر، بصرف النظر عن الخطاب الهزيل حول “التسوية التفاوضية”، وهو يعلم جيدًا أن فتح الأبواب على مصراعيها أمام طوفان من ملايين اليهود السوفيات سيكون من شأنه أن يعزز موقف إسرائيل في مواجهة التحديات الديموغرافية.‏

في غضون بضع سنوات، هاجر أكثر من 2 مليون شخص من الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل، ليضعوا أيديهم على الأراضي الفلسطينية ويقيموا فيها المستوطنات غير القانونية.‏

مع كثرة نعي ميخائيل غورباتشوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرئيسية، ينبغي أن يكون المرء على يقين من أن الغرب وإسرائيل سيكونان في حالة حداد وهما يتذكران دوره الخاص في إنهاء الحرب الباردة وإدارة ظهره لفلسطين.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Mickail Gorbachev’s Legacy: Was the Last Soviet Leader a Zionist?

ما هي دلالات زيارة وفد من حماس لروسيا؟

مدلين خلة

وفد من الحركة برئاسة رئيس المكتب السياسي، إسماعيل هنية وضم كلاً من في صالح العاروري وموسى أبو مرزوق وماهر صلاح، قام بزيارة إلى روسيا استمرت عدة أيام، التقى خلالها عدداً من المسؤولين الروس، على رأسهم وزير الخارجية، سيرجي لافروف.

ولا تعتبر علاقة الحركة بروسيا جديدة؛ حيث تعود جذورها إلى ما قبل عام 2006، خلال تواجد حماس في العاصمة السورية دمشق، قبل أن تتطور بشكل واضح مع فوزها في الانتخابات التشريعية في قطاع غزة خلال الفترة ما بين 2006 و2007.

وتواصلت الزيارات واللقاءات بين الحركة والمسؤولين الروس في قطر وكذلك في موسكو عبر زيارات شملت وصول رئيس المكتب السياسي للحركة أو وفود قيادية أخرى إلى جانب استضافة مؤتمر جمع الفصائل بهدف الاتفاق على رؤية مشتركة للخروج من الانقسام.

وقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، يوم الأربعاء، إن “وفد حماس التقى بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وعقد اجتماعات في دوما الدولة وغيرها من الهيئات، ناقشنا خلالها القضايا الأمنية والمزيد من التعاون، بما في ذلك في الشرق الأوسط”.

وأضاف هنية، في تصريحات لوكالة (نوفوستي) الروسية خلال زيارة لمسجد كاتدرائية موسكو، أن “الوفد الفلسطيني راضٍ عن زيارة موسكو، حيث تم التوصل إلى قرارات بشأن عدد من القضايا في الشرق الأوسط”.

بدوره، أكد الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبد اللطيف القانوع، أن زيارة وفد من الحركة لروسيا تأتي في إطار التحشيد للقضية الفلسطينية والدعم الدبلوماسي.

وأوضح القانوع في تصريح لـ”دنيا الوطن” أن الزيارة تحمل على عاتقها حشد الطاقات كافة لإسناد الشعب الفلسطيني.

وأشار إلى أن هذه الزيارة لها طابع خاص وذات اهتمام كبير في ظل المتغيرات الإقليمية بالمنطقة وحساسية القضية الفلسطينية والتحديات التي تعصف بها.

وشدد على أن “من ضمن ما يعصف بالقضية الفلسطينية الاقتحامات المتواصلة من العدو الصهيوني للمسجد الأقصى المبارك وارتفاع وتيرة الاستيطان والجرائم بحق أبناء شعبنا الفلسطيني”.

من جانبه، قال الباحث والمختص في الشأن الروسي، علي البغدادي، إن “توقيت الزيارة لا يحمل أي دلالات رسمية سوى التطور الحاصل في الظروف الحالية، وذلك لأن العلاقة بين روسيا وحماس علاقة طويلة ممتدة”.

وأضاف في حديثه لـ”دنيا الوطن”: إن موسكو أخذت باستعادة علاقاتها مع كافة الأطر والجهات التي تسيطر على بعض المناطق في العالم والتي تحمل وزناً سياسياً كونها تتوجه لتكون قوة وازنة بعد الفترات التي كانت فيها موسكو مستباحة.

وأشار إلى أن تاريخ العلاقات مع حماس ليس وليد اللحظة فقد كانت بدايات التوجه الروسي لبدء العلاقات مع حركة حماس منذ اللقاء الذي جمع رئيس المكتب السياسي السابق، خالد مشعل، وديمتري ميدفيدف، عندما تولى رئاسة روسيا قبل عدة سنوات،، في دمشق برعاية الرئيس السوري، بشار الأسد.

وأوضح أنه وبعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006، تم دعوة إسماعيل هنية كرئيس للوزراء، حيث أن هذا الفوز له وزن كبير جداً كسرت روسيا من خلال دعوتها طوق الحصار السياسي الذي فرض على الحركة في وقتها.

وبين أن الحرب الروسية الأوكرانية لعبت دورها في تحديد روسيا لعلاقاتها السياسية من جديد فكان الارتياح حليف الموقف الإيجابي لحركة حماس من تطور للازمة الأوكرانية الروسية.

وأكد أنه وعند الحديث عن الزيارة الحالية فإن القضية تتعدى الملفات التي يمكن مناقشتها إلى تعامل الجانب الروسي مع حركة حماس على اعتبارها حركة مقاومة وليست إرهابية كما الدول الأخرى التي تتحرج من دعوتها خشية الغضب الإقليمي والأمريكي.

وشدد على أن روسيا تدرك أن القضية الفلسطينية هي قضية أساسية ومحورية في الشرق الأوسط، جاء ذلك بعدما فتحت شهيتها عند دخولها للأراضي السورية لباقي الأراضي الشرق أوسطية.

وأشار إلى أن الزيارة والعلاقة الحالية تعتمد على محددين الأول: أن روسيا أخذت على عاتقها التوجه للنظام متعدد الأقطاب وكسر هيمنة القطب الواحد السائد الذي يمثل الولايات المتحدة وهو ما عبر عنه بوتين سابقًا، وبدأ عملية محاولة تطبيقه مع بداية العمليات في شهر فبراير/شباط الماضي، إلى جانب أن هناك رغبة روسية في إنهاء النظام أحادي القطبية في العالم وهذا يتماشى مع رغبة وسياسة حماس، والاحتلال هو ابن المنظومة الدولية وأي تغيير في المنظومة الدولية سيؤثر إيجابًا على القضية الفلسطينية”.

وبحسب الباحث في الشأن الروسي، فإن المفتاح الثاني “لفهم العلاقة هو السياسة الروسية في إقامة علاقات مع كل القوى الفاعلة في المنطقة وبالتالي هي تسعى للتواصل مع جميع الأطراف في الساحة الفلسطينية سواء فلسطينيين أم إسرائيليين، فهي ليست دولة مقاومة لإسرائيل بل هي مقاومة لأمريكا، فعملت على بناء علاقة جيدة مع مختلف الفلسطينيين حيث لها علاقات مع حماس وفتح والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي”.

وأردف البغدادي في حديثه على أنه وبالرغم من أن الموقف الإسرائيلي كان منحازاً إلى أوكرانيا إلا أنها تحرص على استمرار علاقتها بالاحتلال، إذ أنها حريصة على إبقاء العلاقة طيبة خصوصًا وأنها كانت جيدة في عهد نتنياهو.

ويستدرك: “الروس يعتقدون أن لبيد هو ألعوبة في يد الأمريكان إلى جانب وجود شواهد لدى الروس عن مشاركة مرتزقة إسرائيليين في العمليات العسكرية في أوكرانيا، مشيراً إلى أن حماس نفذت من هذه الثغرة وأحسنت استغلالها لمصالحها”.

كما وبين أن أوكرانيا ومن خلال سفارتها في إسرائيل أبدت إمتعاضها من زيارة حماس لروسيا واصفة إياها بالحركة “الإرهابية”، وتنديدها بالموقف الروسي وهذا الموقف ليس وليد اللحظة فقد بل إن هناك تيار داخل أوكرانيا كان يدعو وباستمرار إلى تصنيف حماس كحركة “إرهابية”.

ووفقاً للبغدادي، فإن المرحلة الحالية من المستبعد أن تشهد عودة العلاقات بين موسكو والاحتلال لسابق عهدها مع غياب الشواهد على ذلك، في ظل الشرخ الكبير الحاصل في العلاقات وهو ما يجب على حماس استغلاله لتحقيق أهدافها.

ويردف قائلاً: “الطرف الروسي هو الذي بادر هذه المرة بدعوة حركة حماس إلى زيارة موسكو بعد شعوره بالارتياح لهذه اللقاءات وهناك رغبة في الانفتاح أكثر على الحركة وهو ما يتضح في دعوة هنية في هذا التوقيت بالذات”.

ويبين أن حماس تبني على الخطوة الأساسية التي قامت لها منذ البداية بدعم الموقف الروسي وبالتالي هي تحاول الاستثمار في هذا الملف في ظل الانحياز العالمي والأمريكي لإسرائيل في ظل التناقض والتباكي على الضحايا في أوكرانيا، بالرغم ما يعانيه الفلسطينيين من دمار وحروب منذ زمن بعيد.

ويلفت المختص في الشأن الروسي، إلى أن أهم استفادة يمكن أن تحققها حماس حاليًا هي استضافتها من قبل دولة بحجم روسيا إذ أن هذا الأمر ليس بسيطًا في ظل الحصار المفروض عليها، وتحرج استقبالها حتى من دول عربية وممكن أن تطرح حماس عدة قضايا مثل رفع الحصار عن غزة والانتهاكات الإسرائيلية وفشل الحل السياسي.

قانون التقاعد المبكر قانون أحمق

د. أسامه الفرا

أمد/ يقول تشارلز ديكنز في روايته “اوليفر تويست” على لسان أحد شخصياتها حين تعرض للمساءلة عن فعل يجهله إرتكبته زوجته، وأخبروه أن القانون يجعله مسؤولاً عن أفعالها، أجابهم حينها بأن القانون حمار.. أحمق، ويقال أن صاحب المقولة هو وليام شكسبير وربما يكون صاحبها الحقيقي الكاتب جورج تشابمان، على أي حال المقولة في نسختها الأصلية هي أن القانون جحش وليس كما تم ترجمتها بأن القانون حمار، على إعتبار أن الحمار الذي يتسم بالغباء والحماقة في الثقافة الشرقية يوصف بالصبر والجلد عند الغرب لذلك اتخذه الحزب الديمقراطي الأمريكي شعاراً له، فيما الجحش يجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية حول حماقته، والتوصيف لم يذهب إلي القانون ذاته بل لأولئك الذين ينحرفون بالقانون بعيداً عن مقصده، والحالة لدينا هي أكثر هزلية مما ذهب إليه ديكنز في روايته، حيث تسعى الحكومة الفلسطينية للذهاب بالجحش ذاته “قانون التقاعد المبكر” إلى أروقة المحاكم كي يحكم القضاة بما ينطق به الجحش.

حدد قانون الخدمة المدنية لسنة ١٩٩٨ في البند الثالث من المادة الثالثة صلاحية مجلس الوزراء في اشرافه على شؤون الخدمة المدنية من خلال تكليفه بوضع أية مشروعات لخدمة مصلحة الموظفين وتطويرها بما يكفل توفير الاطمئنان والاستقرار المادي والاجتماعي والنفسي لهم، وهي بالقانون الجحش “قانون التقاعد المبكر” الذي تعكف على وضعه في صياغته النهائية ليصدر قانوناً بمرسوم من السيد الرئيس تكون قد أطلقت رصاصة الرحمة على الأمن الوظيفي للموظف، ويصبح قانون التقاعد المبكر بمثابة سيف “ديموقليس” المسلط على رقاب الموظفين ويلجأ إليه كل من يمتطي الجحش لإحالة أي موظف لا تتوفر لديه مهارات التزلف والتملق والنفاق ومسح الجوخ، باعتبارها من متطلبات الوظيفة الرئيسية، إلى التقاعد المبكر على حين غرة.

لكن لماذا تعكف الحكومة على وضع قانون التقاعد المبكر؟، وهل هو بهذا القدر من القبح الذي دفع الحكومة لتجميل وجهه بلفظ المبكر عوضاً عن الاجباري؟، وزارة المالية تسعى لخفض فاتورة الرواتب الشهرية من ١٠٠٪ من صافي الدخل إلى ٧٠٪ منه قبل نهاية العام الحالي، وهذا يعني أنها ستلجأ لإحالة أكثر من ٣٠ ألف موظف للتقاعد قبل نهاية العام، وطبقاً لوزير المالية فإن التقاعد سيشمل كل موظف ليس له عمل أو ليس على رأس عمله سواء كان بالضفة أو قطاع غزة، أما المساواة بين شقي الوطن فيما يتعلق بتطبيق القانون الجحش فما هو إلا ذر للرماد في العيون حيث المقصود بالقانون موظفو قطاع غزة التي تصنفهم رام الله بأنهم ليسوا على رأس عملهم، على الرغم من أن ذلك جاء انصياعاً منهم للقرارات الحكومية الصادرة إليهم من رام الله بالاستنكاف عن العمل بعد الإنقسام، والحكومة اليوم تعاقبهم على إلتزامهم بتعليماتها، نية الحكومة وضع قانون التقاعد المبكر ورفعه للرئيس للمصادقة عليه من خلال مرسوم بقانون في ظل غياب المجلس التشريعي ورغم ما فيه من عوار من ألفه إلى يائه يفصح عن تخبط الحكومة أو أنها في موقع المفعول به، ومن المفيد التوقف عند التالي:

أولاً: أن مهمة الحكومة تكمن في خلق فرص عمل والوظيفة الحكومية أحد أدواتها، وهي المنوط بها معالجة البطالة المستفحلة، فهل يمكن للحكومة أن تتكرم علينا وتشرح لنا إنجازاتها في خفض مؤشر البطالة؟.

ثانياً: أن ارتفاع فاتورة الرواتب الشهرية لم يكن بفعل الموظفين المغلوب على أمرهم بل بتكدس أصحاب الدرجات العليا من الخاصة وما تتطلبه تلك المراكز من بدلات ونفقات نجاري بها الدول الغنية، وبطبيعة الحال قانون التقاعد المبكر لن يصل لعتبة مكاتبهم بل يلاحق بسيفه صغار الموظفين.

ثالثاً: لسنا بهذا القدر من الغباء كي تقول لنا الحكومة بأن القانون يساوي بين شقي الوطن، فالجميع يعرف أن الغالبية العظمى ممن سيشملهم القانون هم من موظفي قطاع غزة، والسؤال ما الذي سيتبقى للسلطة الفلسطينية في غزة بعد أن تستكمل ما بدأته منذ سنوات بإحالة موظفيها في غزة إلى التقاعد الاجباري؟، وليت الحكومة تفصح لنا عن عدد من تم تعيينهم من أبناء قطاع غزة في موسساتها منذ الانقسام وحتى تاريخه بإستثناء تعيين أبناء المسؤولين فيها مقابل صمتهم على الظلم البين.

رابعاً: التقاعد الاجباري لن يخفض فاتورة الراتب بالشكل الذي تتحدث عنه وزارة المالية، سيما وأن السلطة لا تورد ما عليها من التزامات لصندوق التأمين والمعاشات، وكان الأجدر بالحكومة أن تبحث عن وسائل أخرى لتقليص النفقات خاصة تلك التي ينعم بها كبار القوم.

خامساً: آن للحكومة في رام الله من باب الشفافية الضيقة أن تفصح عن إيراداتها ومصروفاتها المتعلقة بقطاع غزة بشكل تفصيلي، والشيء ذاته مطلوب من حكومة غزة فمن حق المواطن أن يطلع على ذلك ليعرف حقيقة ما يقال وحقيقة الحال التي وصلنا إليها.

قد يتغلغل الظلم داخل المجتمع بفعل غياب القانون وإفتقار المجتمع للعدالة لكن الأسوأ يكون حين نشرع قانوناً نحمي به الظلم، وحين يصبح الظلم قانوناً يصبح التمرد واجباً.

مراسل إسرائيلي: هناك تعاون بين “الشاباك” ومنظمات الجريمة في الوسط العربي

بقلم: عودة بشارات

هآرتس

ما القاسم المشترك بين أبو عاقلة ونضال اغبارية؟ كلاهما صحافيان وكلاهما فلسطينيان، وإن كانا على جانبي الحدود. باحتمالية عالية، أصيبت أبو عاقلة، حسب تقرير عسكري إسرائيلي، بنار جندي إسرائيلي، أما اغبارية فأصيب على أيدي مجرم عربي. إضافة إلى ذلك، يوجد شيء مشترك آخر بينهما: في الحالتين، مطلق النار ليس موجوداً، نوع من المجهول. ولن ترفع ضد الجندي الإسرائيلي -وهذا أيضاً حسب التقرير إياه- لائحة اتهام، بينما مطلق النار في المجتمع العربي لن يقدم للمحاكمة، باحتمالية عالية جداً (استناداً إلى الإحصاءات في موضوع معدل ملفات الجريمة التي يحل لغزها في الشارع العربي).

وثمة مقايسة مشوقة أخرى: منذ بداية السنة، قتلت قوات الجيش في المناطق المحتلة 79 فلسطينياً؛ في الفترة إياها قتل 74 فلسطينياً من مواطني إسرائيل على أيدي مجرمين عرب. تعادل تقريباً، مع تفوق طفيف للجيش الإسرائيلي. وعندما لا يكون هناك قاتل في الحالة الأولى ثم لم يقدم إلى المحاكمة المجرم غالباً في الحالة الثانية، فالاستنتاج هو أن بإمكان كل جندي ومجرم أن يقتلا عرباً على جانبي الحدود دون أن يتحملا المسؤولية. فقد دفعت الدولة الحساب. لكن توجد هنا دولة ديمقراطية وإنسانية، والكل يصخب من القتل المكثف في الشارع العربي في إسرائيل؛ مداولات لا تنتهي، توجيه اتهامات، خطط عمل، رسومات بيانية، ما الذي لا يفعلونه من أجل مكافحة هذه الجريمة الخطيرة، ومصاعبها التي تحير كل العلماء والخبراء العسكريين ورجال الاستخبارات والسياسيين.

يروى بأن طريقاً في مدينة حدثت فيها حفرة، ما أدى إلى كثير من المصابين بسبب حوادث الطرق التي تسببت بها هذه الحفرة الملعونة. وكل وجهاء القرية جلسوا للتشاور في هذا الشأن: اقترح الأول إقامة عيادة قرب الحفرة لتقديم العلاج الفوري للمصابين، أما الثاني فاقترح إقامة مستشفى هناك. لكن الثالث اكتفى بسيارة إسعاف تقف هناك، تفادياً لكل مشكلة قد تقع. غير أن واحداً من بسطاء الشعب تحدث بتردد وبخشوع متواضع في ضوء الاقتراحات العظيمة التي سمعها، فقال: “وماذا إذا أغلقنا الحفرة بالحجارة وأصلحنا شأنها؟”، غني عن القول بأن هذا الرجل البسيط والوقح طرد من النقاش، وإلى اليوم ما زالت قضايا الحفرة تشغل بال أفضل العقول في القرية.

هذا بالضبط ما حصل الآن في مدينة الحلم هنا. محبو الحكم العسكري، الذين يحدون على العصر الذهبي الذي انقضى من العالم، يسعون لاستعادة المجد، وإعادة “الشاباك” إلى غرفة نوم المواطن العربي، بحيث يكون “للحيطان آذان” أيضاً، وربما حظر تجول، وربما أبعد من ذلك. وإذا ما واصلنا في هذا الترتيب، لا تتفاجأوا إذا ما التقيتم في زيارتكم إلى الناصرة جندي مارينز يتمترس من خلف أكياس رمل في ساعة النبعة هناك، التدويل على الطريق.

يا جماعة، عم تتحدثون؟ فالحل بسيط للغاية: أن تعمل الشرطة عمل الشرطة، لا كأنها شرطة. لماذا ترون عجائب أداء الشرطة عندما يكون هناك اشتباه طفيف للغاية بحدث ذي طابع أمني، ولكن عندما تجلب إليها أشرطة وشهادات، فإنها لا تعمل حسب ما يفترض به ضميرها المهني والإنساني؟ هذا هو المطلوب ليس أكثر. وسؤال آخر: ألم يحن الوقت لفحص ما كشفه مراسل قناة 12 موشيه نسباوم، بأن هناك تعاوناً بين “الشاباك” ومنظمات الجريمة في المجتمع العربي؟

إن المصلحة الأهم للجمهور العربي في إسرائيل هي مكافحة الجريمة وأجواء الرعب التي تفرضها على الجميع. وها هو معدل الجريمة في المجتمعات العربية، سواء في مناطق السلطة الفلسطينية أم في الدول العربية الأخرى، مشابه للدول الأخرى، العنف ليس في الـ دي.ان.ايه خاصتنا.

وعليه، لماذا هذا الابتزاز؟ فهل قدرنا أن نعيش إما الجريمة أو الحكم العسكري والشاباك؟ أخاف في النهاية أن نبقى مع الجريمة والشاباك والحكم العسكري.

“اليمين المتطرف لا يريد التهدئة”

محافظ جنين لـ”كان”: إذا أعطتنا إسرائيل الفرصة يمكن وقف التدهور

قال محافظ جنين أكرم الرجوب، يوم الخميس، إن “إسرائيل” مسؤولة عن تدهور الأوضاع في محافظتي نابلس وجنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، مشيرًا إلى أنه في حال أعطى الاحتلال السلطة الفرصة “فمن الممكن وقف التدهور”.

وأضاف الرجوب لقناة “كان” العبرية، وفق ترجمة وكالة “صفا”، “إسرائيل مسؤولة عن تدهور الأوضاع في جنين ونابلس، وإذا أعطت فرصة للسلطة الفلسطينية فمن الممكن وقف التدهور”.

وأكد الرجوب “ألا أحد في السلطة الفلسطينية يشجع ما يحدث على الأرض”، مشددًا على أن حكومة اليمين المتطرف في “إسرائيل” لا تريد تهدئة الوضع.

وأشار محافظ جنين إلى عدم وجود أفق سياسي للحل، لافتًا إلى أن “الناس فقدوا الأمل بذلك”.

وردًا على سؤال بشأن مشاركة أحد أفراد الأمن الفلسطيني في عملية إطلاق النار بالجلمة أمس، قال الرجوب: “رجل الأمن هو ابن للشعب الفلسطيني”.

وتشهد نابلس وجنين أعمال مقاومة مسلحة متصاعدة ضد الاحتلال الإسرائيلي، يقابلها اقتحامات دموية لجيش الاحتلال في بعض مناطق المحافظتين، تُخلف شهداء بشكل شبه يومي.

ونفّذ مقاومان من بلدة كفردان الليلة قبل الماضية عملية إطلاق نار قرب حاجر الجلمة شمالي جنين، أدت لمقتل ضابط إسرائيلي واستشهاد المنفذَين، وتبين أن أحدهما عنصر أمن في الاستخبارات العسكرية.

وقالت صحيفة عبرية إن الرئيس محمود عباس وقيادة السلطة بدأت تفقد السيطرة على عناصر الأمن الفلسطيني.

ونقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، وفق ترجمة “صفا”، عن مصادر فلسطينية قولها إن “السلطة بدأت تفقد السيطرة على عناصرها حيث ازداد انخراط عناصر الأمن الفلسطيني مؤخرًا في تنفيذ العمليات”.

وقالت الصحيفة إن كبار ضباط الأمن الفلسطيني فقدوا السيطرة على أبنائهم، حيث نفذ ابن الضابط الكبير في الأمن الوطني رعد خازم عملية في شارع ديزنغوف في تل أبيب، بينما يعد والد الشهيد إبراهيم النابلسي من نابلس ضابطًا كبيرًا في الأمن الوقائي.

ونقلت الصحيفة عن المصادر الفلسطينية قولها إن: “هناك حالة استياء في صفوف الأمن الفلسطيني من عباس، وإشارات أولية لإمكانية حدوث تمرد داخل وحدات الأمن بما يشبه الذي حصل بداية الانتفاضة الثانية مع انضمام عناصر من الأمن الفلسطيني للعمليات”.

وأضافت المصادر “يجد عباس صعوبة في السيطرة على الأجهزة وكذلك في السيطرة على مسلحي فتح التابعين لشهداء الأقصى”، مشيرة إلى “وجود غطاءً لمسلحي فتح من داخل الأجهزة الأمنية”.

ويرى محللون سياسيون، أن انخراط عناصر بالأجهزة الأمنية في موجة العمليات المتصاعدة بالضفة، يمثل هاجسًا حقيقيًا لأجهزة أمن الاحتلال؛ نظرًا لانسلاخ تلك العناصر عن المشروع السياسي الذي تنتهجه السلطة وفشل محاولات تغيير عقيدتهم الأمنية، إضافة للإمكانيات التي يمتلكونها ما يساعدهم في إيقاع الخسائر بالإسرائيليين.

وكانت وسائل إعلام عبرية كشفت عن عقد مسؤولين أمنيين إسرائيليين اجتماعًا مع وزير الشؤون المدنية الفلسطيني حسين الشيخ، ومدير المخابرات العامة ماجد فرج، لاحتواء التصعيد بالضفة الغربية.

صحيفة إسرائيلية.. “الإدارة المدنية”: سنطلق العنان لشرعنة عشرات “البؤر الرعوية” الاستيطانية في الضفة

بقلم: هاجر شيزاف

هآرتس

الإدارة المدنية تدفع بخطة تمكن شرعنة عشرات بؤر مزارع الرعاة الاستيطانية في الضفة الغربية، وسيتم ذلك بواسطة إجراء جديد تروج له الإدارة المدنية. وحسب التقديرات، فإن 30 – 35 من بؤر المزارع الاستيطانية غير الشرعية يتوقع أن تلبي المعيار الأساسي في هذا الإجراء، وهو الوجود على أراضي دولة. يقتضي الإجراء مصادقة وزير الدفاع ووزير العدل.

بصورة رسمية، استهدف الإجراء بلورة قواعد لإنشاء مزارع رعاة في الضفة، لكن يتوقع أن يستخدم أيضاً لشرعنة بؤر رعاة استيطانية قائمة في “المناطق”. مصدر في مجلس “يشع” قال للصحيفة بأن سكرتير عام حركة “أمانة”، زئيف حيفر (زمبيش) يعالج من قبلهم موضوع شرعنة المزارع أمام الدولة. حسب أقوال مصدر كان مشاركاً في بلورة الإجراء، فإن زمبيش ضغط من أجل زيادة عدد المزارع التي يسري عليها الإجراء. في هذه المرحلة، قررت الإدارة المدنية حصة نحو 30 – 40 مزرعة والتي ستحصل على الشرعنة في الضفة الغربية بالإجمال، سواء المزارع القائمة أو التي ستقام في المستقبل.

في العشر سنوات الأخيرة تحولت بؤر الرعاة إلى النوع الأكثر شيوعاً من بين البؤر الاستيطانية في الضفة، حيث إن حركة “أمانة” هي القوة المحركة التي تقف من وراء إقامتها. يوجد في الضفة نحو 50 بؤرة استيطانية كهذه، وحسب الخريطة التي رسمتها منظمة “كيرم نبوت” فإنها تسيطر بواسطة المراعي على حوالي 240 ألف دونم في الضفة، أقل من 7 في المئة من مجمل مناطق “ج”. المزارع تقام على الأغلب على أراضي دولة، وأحياناً على حدود مناطق تدريب ومحميات طبيعية أو أراضي فلسطينية خاصة، وتأثيرها أكبر بكثير من مساحتها، حيث إن القطعان التي تتم تربيها فيها تحتاج إلى مناطق رعي واسعة. هكذا، تطورت طريقة تسيطر فيها البؤر الاستيطانية على أكبر قدر من المساحة مع أقل قدر من السكان.

معظم مزارع الرعاة في الضفة تعمل بدون عقد رعي من وزارة الزراعة، والقليل منها حصل على عقود كهذه من لواء الاستيطان. هذا الأمر تم مرات كثيرة حسب الإدارة المدنية المسؤولة عن تخصيص مناطق الرعي في الضفة، بدون معرفتها. في تشرين الثاني، نشرت “هآرتس” بأن أربع بؤر مزارع رعاة سيطرت على أرض فلسطينية مساحتها تساوي مساحة “حولون” (19 ألف دونم) في السنوات الخمس الأخيرة. هذه البؤر الأربع وبمساعدة الجيش قطعت الطريق كلياً على وصول الفلسطينيين إلى أراض تبلغ مساحتها 20.866 دونماً، التي اعتادوا في السابق على فلاحتها والرعي فيها.

بدأت الإدارة المدنية في بلورة الإجراء قبل سنتين تقريباً على خلفية زيادة عدد هذه البؤر. هذا الإجراء يتوقع أن يحدد شروطاً يجب على البؤر تلبيتها، مثل أنها تستطيع أن تكون فقط على أراضي دولة، ويجب أن يكون لدى أصحابها تصريح رعي ومصادقات بيطرية، وتستطيع أن تكون هناك فقط عائلة نووية واحدة إلى جانب عمال وعدد المباني التي سيتم وضعها في المكان سيتم تقييده. كثير من البؤر القائمة ستحتاج إلى اجتياز تكييفات من أجل الحصول على الشرعية، شبيهاً ببؤر أخرى، التي شرعنتها الدولة بأثر رجعي. في موازاة هذا الإجراء، فإن الإدارة المدنية تخطط لإقامة قسم زراعي يناقش ويصادق على شرعنة مناطق الرعي، لإسرائيليين وفلسطينيين. يتوقع أن تصعب هذه الشرعنة على الرعاة الفلسطينيين الذين سيضطرون إلى الحصول على تصاريح لم تكن تطلب منهم في السابق.

مصادر مطلعة على الأمر قالت بأن هدف الإجراء هو التسهيل على إخلاء البؤر التي لن تلبي الشروط التي وضعت. مع ذلك، تعتبر هذه البؤر الآن غير قانونية، وهناك أوامر هدم ضدها لم يتم تنفيذها بسبب سياسة الإدارة المدنية ووزارة الدفاع ورئيس الحكومة. على أي حال، عندما سينتهي عمل المستوى المهني، فسيتم عرض هذا الإجراء على وزارة العدل والمستشارة القانونية للحكومة ووزير الدفاع الذين سيضطرون إلى المصادقة عليه. وفي نهاية المطاف، ينقل لمناقشته في مجلس التخطيط الأعلى التابع للإدارة المدنية، وبعد ذلك تبني هذا الإجراء من قبله.

جهات اطلعت على الإجراء الآخذ في التبلور قالت بأنه صيغ بصورة مساواتية، وأنه يسري على المستوطنين والفلسطينيين، وهكذا سيسمح بتسوية مزارع فلسطينية أيضاً. ولكن مصادر مطلعة على الأمر قالت للصحيفة بأن العمل على هذا الإجراء بدأ في المقام الأول من أجل إعطاء رد على ازدياد بؤر مزارع الرعي الإسرائيلية. أحد المصادر، الذي كان مشاركاً في صياغة الإجراء، قال إن الادارة المدنية بدأت في عملية البلورة بعد أن قامت بتجميد إخلاء مزرعة اسمها “متسبيه يهودا” في العام 2022 بتوجيه من مستشار وزير الدفاع لشؤون الاستيطان في حينه، آفي روأه، الذي شغل في السابق منصب رئيس مجلس “يشع”. ومثلما نشر في الصحيفة، قال روأه بأن هذه البؤرة أقيمت على أراض خاصة ليهود في منطقة الولاية القانونية لمستوطنة “كيدار” في المجلس الإقليمي “غوش عصيون”. بعد تجميد الإخلاء، طلب روأه إجراء نقاش يتم فيه تحديد قواعد لتسوية المزارع وتمكن من إقامة مزارع أخرى.

وقد أشار المصدر أيضاً إلى أنه عندما بدأ المستوى المهني ببلورة الإجراء، تم التوصل إلى اتفاق مع حركة “أمانة” يقضي بأن يتم وقف إقامة بؤر الرعاة الاستيطانية إلى حين استكماله، لكن هذا لم يستمر لفترة طويلة. مصدر في مجلس “يشع” اشتكى في محادثة مع الصحيفة من أن تقدم الإجراء غير سريع بدرجة كافية. “هناك تقدم بطيء، لكن الأمر يحتاج إلى شخص ما كي يضرب على الطاولة ويقول بأن عليهم إنهاء هذا الأمر”، قال هذا المصدر.

مكتب منسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية]، الذي تعمل الإدارة المدنية بإمرته، رفض إعطاء أي رد.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى