تقارير ودراساتمقالات

الملف الصحفي

الفلسطيني والعربي والدولي

رقم (132)

تاريخ : 22/9/2022

موقع إماراتي: حماس تقود مخططاً لإسقاط السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية

أثار اندلاع الاشتباكات المسلحة بين قوات الأمن الفلسطيني ومسلحين في مدينة نابلس بالضفة الغربية، مساء يوم الاثنين وفجر الثلاثاء، الكثير من التساؤلات حول دور حركة حماس في تغذية الصراع بين الشارع الفلسطيني والمؤسسات الرسمية.

واندلعت الاشتباكات في مدينة نابلس إثر قيام الأمن الفلسطيني باعتقال مصعب اشتية، أحد المسلحين التابعين لكتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس، الأمر الذي أدى لمقتل شخص وإصابة آخرين بجراح متفاوتة.

وحذرت الأجهزة الأمنية الفلسطينية من استغلال حماس لحالة الفوضى الأمنية في مدينة نابلس، فيما دعت الرئاسة الفلسطينية لتفويت الفرصة على مؤامرات بعض الدول الإقليمية (لم تسمها) التي تريد الإضرار بالمشروع الفلسطيني.

وتتزايد المخاوف من تمدد حالة الفلتان الأمني في مدن أخرى، خاصة مدينة جنين، في الوقت الذي تحذر فيه أوساط إسرائيلية من فقدان السلطة الفلسطينية لسيطرتها على المناطق الشمالية من الضفة الغربية.

أهداف حزبية

ورأى سياسيون ومحللون أن حركة حماس تقود مخططا إقليميا لإسقاط حكم السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية عبر بوابة الفلتان الأمني، الأمر الذي يدفعها لتغذية أعمال الشغب والمواجهات المسلحة بين عناصر الأمن الفلسطيني والمسلحين.

واتهم منير الجاغوب، رئيس المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم بحركة فتح، حركة حماس بـ“الوقوف وراء الأحداث الأمنية في مدينة نابلس والهجوم على المؤسسات الرسمية والمقرات الأمنية في المدينة“.

وقال الجاغوب لـ ”إرم نيوز“ إن ”ما تقوم به حماس ومؤسساتها الإعلامية يؤكد أن الحركة تدير ما يحدث في نابلس لأهداف حزبية ضيفة“، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في إطار خدمة الحركة لحلفائها الإقليميين.

وأضاف الجاغوب: ”من حق الجميع التعبير عن رأيه؛ ولكن ما حدث في نابلس ليس هدفه الاحتجاج؛ وإنما إثارة حالة من الفوضى والفلتان الأمني“، داعياً حماس لتجاوز هذه النقطة بما يضمن عدم المساس بالدم الفلسطيني.

وتابع: ”حماس منذ نشأة السلطة الفلسطينية وهي تسعى لإضعافها والهجوم المستمر على مؤسساتها وإظهارها كأنها متعاون مع إسرائيل، وهذا نهج الحركة منذ سنوات طويلة“، مستكملاً: ”حماس قتلت 500 فلسطيني في قطاع غزة وتحاول تصغير أخطائها مقابل تهويل أخطاء الآخرين“.

وشدد المسؤول الفلسطيني على أن ”ما حدث في نابلس خطير للغاية، وأن الأمن الفلسطيني يمثل سيادة الفلسطينيين“، متابعاً: ”الهجوم على مقرات الأمن يأتي في إطار رسائل من بعض الجهات الفلسطينية للخارج بأن السلطة وأجهزتها الأمنية غير قادرين على ضبط الأوضاع في الضفة الغربية“.

وأشار الجاغوب إلى أن ”ما تقوم به حماس يغذي مخططاً إسرائيلياً يهدف لتقسيم الأراضي الفلسطينية إلى أربع مناطق، الأولى شمال الضفة الغربية والتي تعاني ضعفا أمنيا وغيابا للسلطة الفلسطينية“.

وأكمل الجاغوب: ”أما القسم الثاني فهو في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس، والقسم الثالث مناطق الخليل التي تهدف إسرائيل لحكمها عشائرياً، والقسم الرابع مدينتي رام الله وأريحا وسط الضفة الغربية“.

مخطط إقليمي

بدوره، قال المحلل السياسي رياض العيلة إن ”ما يحدث بالضفة الغربية يأتي في إطار مخطط إقليمي تشارك فيه حركة حماس لإضعاف السلطة الفلسطينية“، مشيراً إلى أن حلفاء حماس في المنطقة يرغبون في أن تكون الضفة ساحة حرب بالوكالة لصالحهم.

وأوضح العيلة لـ ”إرم نيوز“ أن ”الأحداث الأمنية التي شهدتها مدينة نابلس تشير إلى رغبة حركة حماس في إضعاف السلطة الفلسطينية عبر بوابة الفلتان الأمني، وذلك في إطار سعيها للسيطرة على الضفة الغربية مستقبلاً“.

وأشار العيلة إلى أن ”حماس لا ترغب في إنهاء حالة الانقسام التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وترغب في تعزيزه من خلال تغذية التوتر الأمني في الضفة الغربية سواء في المواجهات مع إسرائيل أو بين الفلسطينيين وأجهزة الأمن“.

ووفق المحلل السياسي، فإن ”هذا المخطط يعزز نفوذ حلفاء حماس الإقليميين ويجعل من الضفة الغربية ساحة لأي حرب مقبلة مع إسرائيل“، مضيفاً: ”حالة الفلتان الأمني ستؤثر سلباً على القضية الفلسطينية وستؤدي إلى تقديم جميع الأطراف تنازلات غير مسبوقة“.

وشدد المحلل السياسي على ضرورة وضع حد لمثل هذه الأحداث من خلال تعزيز نفوذ السلطة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، مؤكداً أن تكرار ما حدث في قطاع غزة بالضفة الغربية مرهون بالانسحاب الإسرائيلي.

سيناريو غزة

من ناحيته، قال المحلل السياسي سهيل كيوان إن ”الأحداث الأمنية التي تشهدها الضفة الغربية تأتي في إطار محاولات حماس لإحراج السلطة الفلسطينية وإظهارها بموقف الضعيف وغير القادرة على ضبط الحالة الأمنية“.

وأوضح كيوان لـ ”إرم نيوز“ أنه ”بات من الواضح أن حماس تجهز نفسها للسيطرة على الضفة الغربية وتكرار سيناريو قطاع غزة، وذلك من خلال تغذية احتقان الشارع الفلسطيني من الأجهزة الأمنية، الأمر الذي سيؤدي للمزيد من أحداث العنف“.

وأضاف كيوان: ”حماس ترغب في أن تفقد السلطة الفلسطينية قدرتها الأمنية على ضبط الشارع الفلسطيني، الأمر الذي يحقق للحركة هدفين رئيسيين: أولهما تعزيز نفوذها في قطاع غزة، وتوقف حركة فتح عن المطالبة بإنهاء الانقسام“.

أما الهدف الثاني، وفق المحلل السياسي، فيتمثل في ”تعزيز قوة حماس في الضفة الغربية كإطار بديل عن السلطة الفلسطينية لتولي حكم الضفة“، مستدركاً: ”لكن هذا الأمر مرهون بالانسحاب الإسرائيلي من مدن الضفة المحتلة“.

وأشار كيوان إلى أن ”حماس لا تشارك بشكل مباشر في الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها مدن الضفة الغربية؛ لكنها تغذي الصراع الدائر في الشارع الفلسطيني عبر وسائل مختلفة“، مبينة أن حماس ستكون المستفيد الأول من انهيار السلطة الفلسطينية.

مستقبل مدينة القدس يشكل مصدر قلق

الملك الأردني: لا يمكن إنكار حق الفلسطينيين بـ”تقرير مصيرهم” وفق ” حل الدولتين”

قال العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، يوم الثلاثاء، في أعمال الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة:”لا يمكن إنكار حق الفلسطينيين ب”تقرير مصيرهم” وفق ” حل الدولتين”، كما أن مستقبل مدينة القدس يشكل مصدر قلق”.

وأضاف:” أنه لا مكان للكراهية والانقسام في القدس، وأن المسيحية جزء لا يتجزأ من منطقتنا والأراضي المقدسة”.

وتابع:” لا يمكن لبلد أن يزدهر إذا لم يكن الغذاء متوفرا بكلفة مناسبة على مائدة كل أسرة، ونرى الآن شبكات تتشكل للمنعة الإقليمية ولتحفيز الفرص الجديدة والنمو”.

وشدد على أن الأردن نقطة ربط حيوية للشراكات الإقليمية والعمل للتصدي للأزمات الدولية.

وفيما يلي نص الخطاب:

” بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس،

السيد الأمين العام،

أصحاب الفخامة،

نجتمع اليوم في الجمعية العامة، بينما يدق ناقوس الخطر من حولنا جميعا، إذ تتعدد وتتداخل الأزمات التي تواجه عالمنا، من أزمات إقليمية ذات تداعيات عالمية، وتغير مناخي وآثاره، إلى انعكاسات جائحة كورونا على مختلف القطاعات، وعنف وتطرف، وتضخم متنام، وكساد اقتصادي وشيك، وواقع يواجه الكثيرين حول العالم بانعدام الأمن الغذائي، والدول النامية هي الأكثر تضررا جراء ذلك.

هل هذا هو المستقبل الذي سنتركه للأجيال القادمة؟

علينا أن نوفر لهم عالما مختلفا أوسع أفقا وأكثر عدالة يسوده النمو الاقتصادي المستدام والفرص الواعدة الجديدة وفرص عمل أكثر وأفضل، وسلاما يقود لازدهار ينعم به الجميع. وحتى نحقق هذه الأهداف، على بلداننا أن تتحد في العمل المشترك الفاعل. والسؤال الآن هو، هل نمتلك الرؤية والعزيمة اللازمتين لإنجاز ذلك؟

فلننظر إلى أزمة المناخ على سبيل المثال، فلا يمكن لأي بلد بمفرده أن يعالج أثرها على البيئة، بل نحن بحاجة إلى شراكات قادرة على إحداث تغيير حقيقي، والأردن جزء من هذه الجهود، إذ يعمل على بناء شراكات قوية لإدارة واستدامة الموارد المائية، ونرى المزيد من الفرص للعمل مع شركائنا للحفاظ على مواقع التراث العالمي والبيئات الطبيعية المميزة بالمملكة، كالبحر الميت ونهر الأردن والشعاب المرجانية في خليج العقبة، المهددة جميعها بفعل التغير المناخي.

أما الأمن الغذائي، فهو أولوية عالمية أخرى، فمئات الملايين في العالم ينامون جياعا، وهذه الأعداد في تزايد مستمر. كيف للآباء والأمهات أن يتمكنوا من تنشئة أطفال أصحاء؟ كيف للطلبة أن يتمكنوا من تلقي تعليمهم، وكيف للعمال إنجاز عملهم وهم يواجهون اليأس وانعدام الأمن الغذائي؟

منذ بداية الجائحة، والآن مع الأزمة في أوكرانيا، تعثرت سلاسل توريد الغذاء العالمية، وواجهت العديد من الدول الغنية نقصا حادا في الأطعمة الأساسية لأول مرة في التاريخ المعاصر. وفي هذه الظروف، تبين لهذه الدول حقيقة لطالما أدركها سكان الدول النامية منذ زمن طويل، وهي أنه لا يمكن لبلد أن يزدهر إذا لم يكن الغذاء متوفرا بكلفة مناسبة على مائدة كل أسرة. وعلى صعيد عالمي، يتطلب ذلك إجراءات مشتركة لضمان سهولة الوصول إلى الغذاء بكلف مناسبة، وتسريع وصول السلع الغذائية الأساسية للدول المحتاجة.

أصدقائي،

لطالما كان النمو الاقتصادي الشامل والمستدام أول ضحايا الأزمات العالمية، لكن هذا يجب أن يدفعنا لتعزيز المنعة الاقتصادية لتمكيننا من الصمود في وجه العواصف. وفي منطقتنا، نحن نتطلع لبناء شراكات تكاملية تستثمر في إمكانيات وموارد كل بلد لتحقيق المصلحة المشتركة لجميع بلدان الإقليم. ونرى الآن شبكات تتشكل للمنعة الإقليمية ولتحفيز الفرص الجديدة والنمو، وقد أسس الأردن لشراكات متعددة الأطراف مع مصر والعراق والإمارات والسعودية والبحرين ودول أخرى في المنطقة، للاستثمار في هذه الإمكانيات.

الأردن نقطة ربط حيوية للشراكات الإقليمية والتعاون والعمل للتصدي للأزمات الدولية وتوفير الإغاثة الإنسانية، ولطالما كان مصدرا للاستقرار الإقليمي وموئلا للاجئين.

وفي هذا السياق، أود أن أتحدث عن اللاجئين والمجتمعات المستضيفة لهم، ففي عام 2012، وأمام الجمعية العامة بدورتها السابعة والستين، تحدثت للمرة الأولى عن تدفق اللاجئين السوريين إلى الأردن وعن الضغط الناجم عن ذلك على مواردنا المحدودة. وفي ذلك الوقت، كان نحو 200 ألف سوري قد لجؤوا إلى بلدنا الصغير، أما اليوم، وبعد مرور عشر سنوات، فنحن نستضيف ما يزيد عن 1,3 مليون لاجئ سوري. ولأن تلبية احتياجات هؤلاء اللاجئين وغيرهم مسؤولية دولية، فإن الدول المستضيفة تتطلع لالتزام المجتمع الدولي بتعهداته في هذا المجال.

أصدقائي،

على مدار عدة عقود، ارتبط الشرق الأوسط بالصراعات والأزمات، لكننا نأمل أن تجعل روح التعاون الجديدة بيننا، من المنطقة مثالا في الصمود والتكامل.

وعلى الرغم من أن السياسة قد تخذل عالمنا في بعض الأحيان، إلا أن الثابت الوحيد هو أن الشعوب هي الأولوية، لذا فإن إبقاء الأمل حيا لديها يتطلب النظر لما هو أبعد من السياسة والعمل لتحقيق الازدهار للجميع. لكن هذه الجهود لن تؤتي ثمارها إن كانت إقصائية، بل لا بد أن يكون شمول الفلسطينيين في المشاريع الاقتصادية الإقليمية جزءا أساسيا من جهودنا.

وأما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فلا يزال السلام بعيد المنال، ولم تقدم الحرب ولا الجهود الدبلوماسية إلى الآن حلا لإنهاء هذه المأساة التاريخية. وهنا فلا بد من أن تعمل الشعوب قاطبة، لا السياسة أو السياسيون خاصة، على الضغط باتجاه حل هذا الصراع من خلال قادتها.

كيف كان سيبدو عالمنا الآن لو تم الوصول إلى حل للصراع منذ زمن طويل، ولم يتم تشييد الجدران، وسمح للشعوب أن تبني جسورا للتعاون بدلا منها؟ ماذا لو لم يتمكن المتطرفون من استغلال ظلم الاحتلال؟ كم جيل من الشباب كان من الممكن أن يكبر في بيئة يسودها التفاؤل بالسلام والازدهار؟

وبينما نواصل جهودنا لتحقيق السلام، علينا ألا ننسى اللاجئين، فهذا العام، ستصوت الجمعية العامة على تجديد التكليف الأممي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وعلى المجتمع الدولي أن يبعث رسالة قوية في دعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين، لضمان توفير التعليم والخدمات الصحية، وخاصة للأطفال.

أصدقائي الأعزاء،

أحد أبرز المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة هو حق جميع الشعوب في تحديد مصيرها، ولا يمكن إنكار هذا الحق للفلسطينيين وهويتهم الوطنية المنيعة، فالطريق إلى الأمام هو حل الدولتين، وفقا لقرارات الأمم المتحدة، الذي يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل بسلام وأمن وازدهار.

واليوم، يشكل مستقبل مدينة القدس مصدر قلق ملح، فهي مدينة مقدسة للمليارات من أتباع الديانات السماوية حول العالم، وإن تقويض الوضع القانوني والتاريخي القائم فيها يسبب توترات على المستوى الدولي ويعمق الانقسامات الدينية. لا مكان للكراهية والانقسام في المدينة المقدسة.

وانطلاقا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فنحن ملتزمون بالحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي القائم فيها، وحماية أمن ومستقبل هذه الأماكن المقدسة. وكقائد مسلم، دعوني أؤكد لكم بوضوح أننا ملتزمون بالدفاع عن الحقوق والتراث الأصيل والهوية التاريخية للمسيحيين في منطقتنا، وخاصة في القدس. اليوم، المسيحية في المدينة المقدسة معرضة للخطر، وحقوق الكنائس في القدس مهددة، وهذا لا يمكن أن يستمر، فالمسيحية جزء لا يتجزأ من ماضي منطقتنا والأراضي المقدسة وحاضرها، ويجب أن تبقى جزءا أساسيا من مستقبلنا.

السادة رؤساء الوفود،

يمكننا تخطي أخطر الأزمات إذا اتحدنا للعمل معا. فلنسعى، ونحن في هذه الاجتماعات، لتحقيق مستقبل أفضل يخدم مصلحتنا المشتركة، مستقبل من الكرامة والأمل يوفر فرصا جديدة لجميع شعوبنا.

لا يمكننا أن نتجاهل ناقوس الخطر الذي يدق من حولنا، بل علينا أن نتصدى له.

شكرا لكم.”

“ج.بوست”: ما هي التداعيات السياسية لتفكك “القائمة المشتركة” في إسرائيل؟!

سلط تقرير صحفي إسرائيلي، الضوء على التداعيات السياسية لتفكك “القائمة  المشتركة”، عقب انفصال حزب “التجمع الوطني” عنها.

وذكر تقرير لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية يوم السبت، أن “تفكك القائمة المشتركة يمكن اعتباره الحدث الأبرز في إسرائيل والأهم فيما يتعلق بانتخابات الكنيست المقررة في شهر نوفمبر المقبل”.

الكتل السياسية

وأوضح التقرير أن ”الآثار المتتالية لهذه الخطوة قد تدفع إحدى الكتل السياسية الإسرائيلية لتجاوز عتبة 61 مقعداً“، مستدركاً: ”لكن ليس من الواضح بعد أي منها المستفيدة من انقسام القائمة المشتركة“.

وأضاف أنه ”قبل الانشقاق كانت القائمة المشتركة خليطا من الحزب الشيوعي الاشتراكي الذي يقوده أيمن عودة، والحزب العربي القومي الذي يقوده سامي أبو شحادة، والحزب الذي يقع في أيديولوجيا ما بين الحزبين ويقوده أحمد الطيبي“.

ولفت التقرير إلى أن ”حزب التجمع كان هو الفصيل من بين الأحزاب الثلاثة الذي أصر على التعهد مسبقاً بألا توصي القائمة المشتركة بأي مرشح لمنصب رئيس الوزراء أو تتعاون مع أي ائتلاف بعد انتخابات الكنيست“.

وبحسب التقرير العبري، فإن ”عضويْ الكنيست المنحل أيمن عودة وأحمد الطيبي لم يستبعدا أيا من هذه الخيارات، خاصة أنهما يفكران في التعاون مع رئيس الوزراء يائير لابيد حال كانت الظروف مناسبة، ويعملان على كسب ثقة الجمهورين العربي واليهودي“.

سيناريوهات متوقعة

ويرصد التقرير عدة سيناريوهات لمرحلة ما بعد تفكك ”القائمة المشتركة“ أولها أن ينتهي الأمر لصالح زعيم حزب ”يوجد مستقبل“ يائير لابيد“، لافتًا إلى أن 64% من الجمهور العربي يؤيد الدخول في ائتلاف حكومي.

وأضاف أنه ”قد يؤدي انسحاب حزب التجمع من ”القائمة المشتركة“ إلى سير عودة والطيبي على خطى زعيم القائمة العربية الموحدة منصور عباس والانضمام إلى كتلة لابيد“، مشيرًا إلى أن رغبة الأحزاب بتحقيق إنجازات للمجتمع العربي قد تدفع نحو ذلك.

ووفق التقرير ، فإن ”حزب التجمع لن يتمكن من تجاوز نسبة الحسم في انتخابات الكنيست المقبلة“، مؤكدًا أن ”دعم الأحزاب العربية ليائير لابيد سيؤدي إلى منحه النصر من الناحية النظرية“.

انتصار نتنياهو

سيناريو آخر يطرحه التقرير العبري، يتمثل في أن يمنح تفكك ”القائمة المشتركة“ زعيم المعارضة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو النصر، وذلك عبر وصوله إلى 61 مقعداً في الكنيست المقبلة، مما يعزز فرصه بتشكيل الحكومة.

وأشار التقرير إلى أن ”إقبال العرب في إسرائيل على التصويت في يوم انتخابات الكنيست سيحدث فرقاً في النتائج“، مبينًا أنه ”من المتوقع حالياً أن يكون التصويت العربي في أدنى مستوياته على الإطلاق“.

ونوه التقرير إلى أن ”الناخبين العرب يشكلون 17% من الناخبين الإسرائيليين، ووفق استطلاعات الرأي الأخيرة فإن ما لا يزيد عن 45% قالوا إنهم سيصوتون بالانتخابات المقبلة“، مستدركاً: ”لكن ووفق تقديرات المحللين السياسيين فإن هذه النسبة ستنخفض بسبب تفكك القائمة المشتركة“.

ويرى التقرير العبري أن ”الناخبين العرب في إسرائيل عادة ما يصوتون لصالح أحد الأحزاب العربية أو أحزاب اليسار، مما يعني أن زيادة إقبالهم على التصويت تحقق لكتلة يسار الوسط التي يقودها لابيد المزيد من الأرباح، وعكس ذلك سيكون لصالح نتنياهو“.

وأضاف التقرير أن ”غياب المصوتين لصالح حزب التجمع عن المشاركة في انتخابات الكنيست يعطي فرصاً أكبر لفوز نتنياهو على لابيد“.

وبحسب التقرير، فإن ”لابيد قد يتجه للتعاون مع الأحزاب العربية التي يقودها عودة والطيبي في حال بدأوا باستخدام لهجة أكثر تصالحية، خاصة أنهم فضوا الشراكة مع الحزب الأكثر تطرفاً في القائمة المشتركة“.

استطلاع رأي

وأظهر استطلاع أجرته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية ”كان“، السبت، حصول كتلة نتنياهو على 60 مقعداً في الكنيست المقبل، الأمر الذي يمكنه من تشكيل الحكومة، في حين حصلت كتلة لابيد على 56 مقعداً، و4 مقاعد لقائمة عودة والطيبي.

وبحسب الاستطلاع، فإن حزب ”الليكود“ بقيادة نتنياهو حصل على 33 مقعداً، مقابل 24 مقعداً لحزب ”يوجد مستقبل“ بقيادة لابيد، في حين حصل ”المعسكر الوطني“، الذي يقوده غانتس على 12 مقعداً، ومثلها لحزب ”الصهيونية الدينية“.

ووفق الاستطلاع، حصل حزب ”شاس“ على 8 مقاعد، وحزب العمل 6 مقاعد، و“ميرتس“ 5 مقاعد، ومثلها لحزب ”يسرائيل بيتنا“، و4 مقاعد للقائمة العربية الموحدة، التي يتزعمها منصور عباس.

أموال المقاصة والاستخدام الاحتلالي لمواجهة الغضب الوطني!

كتب حسن عصفور

 منذ سنوات، تستخدم دولة الكيان الفاشي أموال المقاصة كأحد الأسلحة لممارسة ضغط سياسي وأمني على السلطة الفلسطينية، كي تفرض بعضا من مطالبها، ما يؤدي الى تعزيز مشروعها التهويدي على حساب المشروع الوطني.

يوم الثلاثاء، أصدرت وزارة جيش الاحتلال قرارا استكماليا لمصادرة أموال جديدة مخصصة للأسرى والمعتقلين وأسرهم المستفيدة منها، في سياق مواصلة الضغط والحصار، في ظروف ملتبسة بين حالة انتفاضية شعبية، ومشهد من مشاهد الفوضى التي تبحث عنها أجهزة أمن المحتلين، لتصبح السمة البديلة.

القرار من حيث الجوهر ليس جديدا، ولكن توقيته يحمل قيمة مضافة للأهداف الكامنة التي أدت بالحكومة الفاشية الجديدة الى تطبيقه وبشكل سريع، حيث تهدف فيما تهدف الى وضع الأمر وكأنه جزء من الحملة ضد السلطة التي تمول العمليات العسكرية المنفذة، وتمثل جدارا اجتماعيا لهم ولأسرهم، خاصة في ضل تصاعد الفعل المقاوم، وتحديدا من أبناء حركة فتح والأجهزة الأمنية.

“الحكومة الفاشية”، تعتقد أن مصادرة تلك الأموال الخاصة بأسرى الحرية، سيضع السلطة أمام ضغط مالي لسد الثغرة التي فتحتها، خاصة وأن الأزمة المالية والعجز يطال مختلف أوجه الصرف، (تجاهلوا حالات الفساد والفوضى والانفاق في أبواب غير التي تستحق كأولوية)، وما سيدفع السلطة لتوفير المال المصادر من زوايا أخرى.

“الحكومة الفاشية”، بقرارها تبحث على تكريس أن الأسرى هم جزء من أدوات العمل ضدها، بما تصفهم من أوصاف خاصة، وسحب كل ما له صلة بالعمل المواجهة للمحتلين، مخاطبة بمثل هذه الخطوة الإعلام الغربي، بل والراي العام الدولي، ما يتطلب عدم الاستخفاف في كيفية استخدام مصادرة المال المحدد.

ما سيكون من أيام قادمة، لن تكون أسلحة “الحكومة الفاشية”، تقليدية بالمعنى المتعارف عليه، لأنها تخوض معارك متعددة، داخلية عبر الانتخابات القادمة، ما يتطلب انتاج وسائل دعم للتحالف القائم، ومزايدة يمينية أكثر من المعارضة بقيادة الفاشي بنيامين نتنياهو، التي تمنحه الاستطلاعات أسبقية، ما يمثل ضغطا على “حكومة الثلاثي ونصف”، لسداد فاتورة العجز الاستطلاعي من حساب الفلسطيني.

إعادة ملف أموال الأسرى ومخصصاتهم كسلاح في المواجهة مع السلطة وحكوماتها، رسالة أن الملف المالي بكل أركانه، سيكون جزء من المعركة التي تستعد لها حكومة الاحتلال الاغتصابي، وكأنها تستبق أي خطوات ربما تتعاكس والوضع القائم، بتهديد صريح، ليس بالمنع الجزئي للمال بل ربما يكون شاملا، ما سيولد أزمة مركبة بتسديد رواتب الموظفين وعناصر الأجهزة الأمنية، كما سبق أن حدث خلال سنوات ما قبل 2005.

تفكير “الحكومة الفاشية” باستخدام “أموال المقاصة” سلاحا ضاغطا، وهي تعلم يقينا أن هناك فصيل فلسطيني يملك من الأموال ما يمكنه من دفعها مباشرة لشراء ولاء المقطوعة عنهم، كما كان ذات السيناريو خلال المواجهة الوطنية الكبرى (20000 2004)، ما أدى لتحقيق هدف المخطط الأمريكي – الإسرائيلي بفوز حماس الانتخابي يناير 2006، تمهيدا لتنفيذ “الانقلاب الحزيراني” 2007.

“السلاح المالي” سيكون أحد الأوجه التي ستكون ضمن الحرب الاحتلالية على المشروع الوطني، وتمهيد الطريق أمام فرض مشهد جديد بأدوات استخدامية محلية، مستفيدة من تجربتها السابقة..ولعل “أحداث نابلس” الأخيرة، وما كشفته عن كميات سلاح ومال لا تستخدم فيما يجب ان يكون حقا، أحد المؤشرات التي تضاف لما هو سيكون أسلحة متعددة الرؤوس والمهام.

رسائل “الحكومة الفاشية” متلاحقة الى “الرسمية الفلسطينية”، فهل تتحرك لمواجهتها أم تنتظر مصيرها السياسي العام، والذي لم يعد غيابها عنصر “قلق” لأمريكا ودولة الاحتلال، في ظل عجز وارتعاش وتفتت داخلي، بين مختلف مكوناتها.

ملاحظة: مسألة وجود الفلسطيني موسى صرصور منتحرا بعد اتهامه بقتل إسرائيلية في منطقة تل أبيب، يجب ان تدفع الحكومة الفلسطينية لتشريح جثمانه، لمعرفة هل تم إعدامه أم حقا اختار طريق الخلاص الذاتي…بعض الصور تضع كل علامات الشك الكبير!

تنويه خاص: فصائل غزة سارعت لتلبية أمر الحكومة الإخوانجية لنصرة فوضى مسلحي حركتها في نابلس..بينما أصابها الخرس يوم “غزوة القرية البدوية” وكوارث الترهيب ضد غلابة القطاع اليومية…فعلا أنتم لجنة بس مش للمتابعة الوطنية..لاقوا اسم غيره يليق بكم وبدوركم المعيب!

بناء ميناء بحري في قطاع غزة: الآفاق والتحديات والفرص

عمر شعبان

إن ميناءً بحريًا في غزة لن يشكل قفزة اقتصادية وتنموية ضرورية لفلسطين فحسب، بل سيكون تعبيرًا عن وحدتها وسيادتها، ولتحقيق ذلك، هناك العديد من الخيارات المتاحة، ولكل منها مجموعة فريدة من التحديات والفرص.

قد يبدو الحديث عن ميناء غزة البحري في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالقضية الفلسطينية على المستوى الداخلي والدولي، غير واقعي، لا سيما وأن إنشاء أي ميناء لا يخضع للاعتبارات الاقتصادية بقدر ما يخضع للأبعاد السياسية والأمنية، وعلى رأسها مسألة السيادة الفلسطينية في ظل الانقسام الداخلي وتوقف عملية المفاوضات بين إسرائيل وفلسطين، كما أن القيود المفروضة على التنمية الاقتصادية تمنع معظم الأطراف الدوليين وحتى الفلسطينيين والقطاع الخاص منهم من ضخ الأموال في القطاعات الإنتاجية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية.

لن تنفكَّ أفضلُ خطط التنمية الموضوعة، خصوصًا في قطاع غزة، تفشلُ ما دام الفلسطينيون محرومين من الوصول إلى أرضهم ومواردهم الطبيعية، وممنوعين من تشييد موانئ لمزاولة النزر اليسير من الأنشطة التجارية والاقتصادية، خصوصًا بما أن الأطراف الدولية لم تنشغل بمعالجة القيود التي تفرضها دولة الاحتلال بقدر اهتمامها في التعامل مع تداعيات العنف المتكرر بين إسرائيل وغزة أو الضفة الغربية من خلال محاولات تبريد الأجواء وضخ أموال المساعدات الإنسانية، أو إعادة الإعمار من خلال آليات غير مباشرة وبطيئة ومكلفة لتفادي مشاركة حماس أو التعامل معها -ما يتيح لإسرائيل منع دخول المواد والمعدات إلى غزة- أو عبر ما يُسمى آلية إعادة إعمار غزة التي تقودها الأمم المتحدة منذ العام 2014، والتي تمنح إسرائيل حق الفيتو الأمني على أي سلعة، ولذلك أصبحت التنمية الاقتصادية رهينة المخاوف الأمنية الإسرائيلية، بغض النظر عن آثارها على صحة سكان غزة ورفاهيتهم.

وباتت التعقيدات الإسرائيلية المفروضة، وآثارها الاقتصادية المتزايدة، عقبة ملحة يواجهها العالم، تتطلب تحركًا سريعًا، وإعادة سردية النظرة السياسية بما يشمل عودة الحديث عن الميناء، والاستعاضة عن الآلية القديمة بأخرى تجمع أصحاب المصلحة الكبار وتؤكد على ملكية الفلسطينيين للعملية، الذين لا يعانون أبدًا من نقص الأفكار حول كيفية استثمار الموارد المتاحة لديهم، وإن كانت محدودة، وخلق رؤية إنمائية، مردفةً بأفق زماني فيما يتعلق بالأراضي التي يُديروها لتسهيل حياتهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

في سياق تلك الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، يفترض إعادة الحديث عن ممكنات تشيد الميناء باعتباره من الروافد الاقتصادية في ظل غيمة الحلول الاقتصادية التي تلوح في الأفاق، لأن الفلسطينيين يحتاجون إلى ما هو أكثر بكثير من المساعدات الإنسانية لتحقيق الاستقرار على المدى البعيد؛ فهم بحاجةٍ إلى خطةٍ إنمائيةٍ مستدامة، والقدرة على التجارة، وفرص عملٍ، ومعالجة الأضرار البيئية التي تسببت بها عمليات القصف الإسرائيلية المتعاقبة، ناهيك عن المشاكل المتعلقة بمياه الشرب وخدمات الصرف الصحي.

من فكرة مقبولة إلى إنشاء متعطل

ينظر الفلسطينيون إلى إنشاء ميناء في غزة كأحد مقومات الاستقلال الوطني على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، وهو أيضًا يشكل رافعة اقتصادية هامة، لأن غزة بحاجة إلى وسائل للنقل من أجل الاستيراد والتصدير، ويتمثل الطموح السياسي للفلسطينيين أساسًا في السيادة والاستقلال وتحسين الأوضاع المعيشية، فالعامل الرئيس لإنشاء ميناء هو “سياسي/اقتصادي”، حيث سيحقق الميناء الفلسطيني خدمات لكل الفلسطينيين بمختلف المحافظات، وسيخدم الأراضي الفلسطينية ككل، وسيكون متصلًا بشبكة الموانئ والمعابر البرية الأخرى، وهذا يفرض دراسة الاحتياجات الفلسطينية في إنشاء الميناء للنقل التجاري والإنساني.

وكان في غزة قبل العام 1967 ميناء تصدر وتستور منه ما تحتاجه، كما أن مسألة بناء ميناء ومطار في غزة، طُرحت في عملية التسوية، في اتفاق أسلوا سنة 1993 واتفاق شرم الشيخ سنة 1999، حيث اتُفق على البدء في عملية التنفيذ عبر اتفاقية شرم الشيخ الموقعة في سبتمبر/ أيلول سنة 1999.

وبالرغم من تعدد المقترحات المطروحة، لم تبد إسرائيل طوال السنوات الماضية أي موافقة رسمية على إقامة ميناء بغزة سوى في الاتفاقات الموقعة في أوسلوا 1993، وشرم الشيخ 1999. تلت هذه الاتفاقات إجراءات ومراسيم حكومية لتنظيم إنشاء الميناء وإدارته، حيث أُنشأت سلطة الموانئ البحرية الفلسطينية بموجب القرار الرئاسي رقم (47) لسنة 1999م، ثم أُصدر المرسوم الرئاسي رقم (1) بتاريخ 30 أبريل/ نيسان سنة 2000 لإنشاء ميناء في غزة يتبع لسلطة الموانئ البحرية، التي تتمثل مهامها في توفير نظام نقل بحري في فلسطين ذي كفاءة وإمكانيات عالية من خلال إنشاء وإدارة وتشغيل المرافق البحرية بما في ذلك الموانئ البحرية التجارية والسياحية والصيد.

وفي مطلع العام 2000، باشرت السلطة الفلسطينية في بناء ميناء بحري صغير وسط مدينة غزة بتمويل أوروبي، لكن إسرائيل قصفت ودمرت موقع الميناء في الانتفاضة الثانية -بعد ثلاث أشهر فقط من بدء بنائه. ثم استأنفت السلطة الفلسطينية البناء بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة على إثر “اتفاقية المعابر سنة 2005″، التي تضمّنت بندًا ينص على عدم تدمير الميناء مرة أخرى.

مع ذلك، أدى الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006، وكذلك الانقسام الفلسطيني سنة 2007، عندما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة وتراجع نفوذ السلطة إلى محافظات الضفة الغربية، إلى وقف عملية التنمية الفلسطينية في شتى المجالات، ومن ضمنها بناء الميناء. وفي ضوء تردي الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الصراع والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة طوال تلك السنوات، عاد الحديث من جديد حول الميناء بغزة سواء على صعيد كسر الحصار، أو محاولة تحسين الأوضاع الاقتصادية في القطاع الذي يعاني معدلات بطالة غير مسبوقة، بلغت 50% سنة 2021، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وفي ضوء استمرار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، بالإضافة إلى الاعتداءات المتكررة منذ العام 2008، طالبت حركة “حماس” في مفاوضات وقف إطلاق النار أعقاب العدوان على غزة في العام 2014، بإقامة ميناء غزة، لكن إسرائيل رفضت الفكرة كليًا، حيث صرّح الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري لقناة الجزيرة: “الرد الإسرائيلي الذي تلقاه الوفد الفلسطيني من الجانب المصري لم يتضمن حديثًا عن الميناء التجاري الذي يطالب الفلسطينيون بتشييده، ولا عن المطار الذي يطالبون بتفعيله”، ومن ثم بدأ الحديث يتسع حول إعادة بناء الميناء بقطاع غزة، وبرزت مقترحات متعددة حول ذلك.

ويعتمد الرفض الإسرائيلي بالأساس على عنصر الأمن، رغم أن تحقيقه يتطلب خفض الصراع وتحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين وليس العكس، وكذلك سيعمل الرفض على الإبقاء على احتياج الفلسطينيين للموانئ الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالسلع الضخمة التي تتطلب موانئ كبرى لنقلها.

خيارات للمضي قدمًا

طُرحت مجموعة بدائل في الأوساط الأكاديمية والسياسية لإعادة تفعيل “ممر مائي” بقطاع غزة، حيث ترتبط مسألة ميناء غزة بالمعابر والمنافذ بالقطاع، سواء معبر رفح البري أو الميناء والمطار، ولكن في ضوء ما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية والاعتبارات الإقليمية، بدأ الحديث يدور حول حلول بديلة لتوفير منفذ بحري لقطاع غزة كبديل لميناء غزة، فقد طُرحت فكرة إقامة جزيرة بحرية قباله ساحل غزة، لإقامة ميناء ومطار، وهي أساسًا من أفكار رئيس الموساد السابق، مئير داغان، وتبناها فيما بعد وزير النقل الإسرائيلي السابق يسرائيل كاتس.

غير أن الحكومة الإسرائيلية رفضت مقترح إنشاء ميناء أمام سواحل غزة في 5 أغسطس/ أب 2016، لدواعي أمنية، وجاء رد حركة حماس على ذلك على لسان نائب رئيس المكتب السياسي آنذاك إسماعيل هنية الذي وصف إنشاء ميناء بغزة “حق أصيل لشعبنا الفلسطيني،” وكان يجب تحقيقه بعد توقف العدوان في العام 2014.

في المقابل، أعلنت سلطة الموانئ التابعة للسلطة الفلسطينية أنها تدرس مقترحات باستخدام ميناء العريش كميناء مؤقت واستحداث خطوط نقل بحري بين ميناء العريش ومرفأ الصيادين بغزة، للاستغناء عن استخدام الموانئ الإسرائيلية التي تُكبّد السلطة الوطنية الفلسطينية تكاليف باهظة تؤثر سلبًا على تنمية وتطوير قطاع التجارة في المناطق الفلسطينية.

أعادت الحكومة الإسرائيلية مناقشة فكرة الميناء بعد توالي الأحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية في غزة سنة 2018، حيث ناقش وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان، في زيارته إلى قبرص فكرة إنشاء جسر بحري من قبرص إلى غزة في21 يونيو/ حزيران 2018.

ثم توالت المقترحات، وكان منها “رؤية مكانية لمحافظات غزة”، والتي تركزت على معايير الاقتصاد بحلول العام 2050، وقد طرحت 70 مشروعًا تحفيزيًا من ضمنها فكرة “ميناء عائم”، من أجل مجابهة التحديات التي وردت في تقرير الأمم المتحدة (غزة غير صالحة للحياة بحلول عام 2020).

وبحسب سلطة الموانئ، فقد درست السلطة الفلسطينية كافة البدائل المطروحة، لكنها لم تعط أي تصريح رسمي بشأنها، علاوة على ذلك، لم يقدم صناع القرار تلك الطروحات بعرض رسمي. ونظرًا لواقع قطاع غزة الصغير جدًا (362 كلم مربع) والازدحام السكاني الهائل ومحدودية الأراضي الزراعية والتداعيات البيئية لبناء الميناء، يمكن مناقشة تلك المقترحات في أربعة أقسام رئيسة وهي: إنشاء ميناء في قطاع غزة، أو إنشاء خطوط بحرية، أو استئجار رصيف في ميناء موجود بالفعل، أو بناء جزيرة بحرية قبالة ساحل غزة.

يمكن بناء ميناء في غزة في وسط أو شمال أو جنوب القطاع، ويقبل الفلسطينيون إنشاء هذا الميناء أيًا كان موقعه ما دام يحقق المصالح الاقتصادية والسيادة البحرية، خاصة إذا أُعيد استئناف بناء الميناء المقرر في اتفاقات أوسلو سنة 1993 وشرم الشيخ سنة 1999، ويحظى هذا المقترح بقبول وتمويل دولي.

لا ترغب إسرائيل في إقامة الميناء أو تحريكه تحت ذرائعها الأمنية وتطورات الأوضاع السياسية الفلسطينية. وبالرغم من أن إقامة ميناء في الشمال يسهل القبضة الأمنية الإسرائيلية إلا أنه يسبب لها مشاكل بيئة، خاصة تآكل السواحل.

أما النسبة للخطوط البحرية، فهي خطوط سياسية أكثر منها اقتصادية، وهي حلول مؤقتة لا تحقق تنمية اقتصادية كالميناء، وبالرغم من تصفير المشاكل البيئة والجغرافية، إلا أنها بحاجة لموافقات دولية وضمانات أمنية، وقد طرحت إسرائيل فكرة خط قبرص-غزة البحري، حيث يُبنى الميناء في قبرص وتُنقل البضائع بالسفن إلى غزة، ما يعني موافقتها المبدئية لكن الفكرة لم تتحول إلى طرح سياسي بعد.

ولم تعترض حركة حماس أو السلطة الفلسطينية على إنشاء ممر بحري ما دام حلاً مؤقتًا لحين استئناف إنشاء الميناء البحري، وعلى صعيد مماثل، قدم مجلس رئيس الوزراء الفلسطيني مقترح لدراسة إمكانية إنشاء ممر بحري “بين ميناء غزة وأقرب ميناء تركي” برعاية وإشراف تركي.

أما بالنسبة لاستئجار رصيف بحري، فالخيارات هي إما في مصر أو في إسرائيل، ويظل هذا حلًا مؤقتًا بالأساس ولا يعالج الحاجة لإقامة ميناء بقطاع غزة وتوسعته ليشمل النقل التجاري والإنساني.

قد تقبل إسرائيل بتأجير رصيف في ميناء أسدود، لأنه يحقق متطلباتها الأمنية، وليس له أي أضرار بيئة أو جغرافية، فهو ميناء قائم، ولكنها لن تقبل بإدارته فلسطينيًا. علاوة على ذلك، لن يحقق الاستئجار التطلعات السياسية والاقتصادية الفلسطينية، وسيكون له رسوم نقل بري وبحري باهظة من خلال إسرائيل.

من ناحية أخرى، قد تُوافق مصر صاحبة المنفذ البري الوحيد مع غزة، والتي تتعاطى مع احتياجات غزة الإنسانية حاليًا مع المقترح الذي يحظى بقبول الفلسطينيين الذين درسوا المشروع سابقًا، ولن يتعارض مع تطلعاتهم، لأنه حل مؤقت، وسيحقق عوائد مادية للمصريين والفلسطينيين، وسيوفر تكاليف النقل المرتفعة من ميناء أسدود، بالإضافة لانعدام وجود مشاكل بيئة وجغرافية جديدة، فالميناء قائم بالفعل، أما الموقف الإسرائيلي، فقد يكون إيجابيًا ضمن ترتيبات دولية وأمنية، ولينجح المشروع يجب أن يكون هناك إجماع إقليمي وحل سياسي وموافقة من السلطة الفلسطينية.

تُعتبر فكرة بناء جزيرة في البحر أمام ساحل قطاع غزة لإقامة “الميناء والمطار”، من الناحية البيئة والجغرافية والتشغيلية، من أفضل الأفكار المطروحة، لكنها ذات تكاليف عالية جدًا، أضف إلى ذلك المعضلة السياسية والأمنية التي قد تفرضها إسرائيل، فالجزيرة ستكون في الأراضي الفلسطينية والتحكم التشغيلي والأمني إسرائيلي.

إن أي حل سيكون بحاجة إلى إقرار سياسي بين الأطراف الرئيسية وينتهي باتفاق دولي، لأن الميناء ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل تعبيرًا عن السيادة الوطنية والإدارة الحكومية التشغيلية، فالسفن والناقلات تسير وفق أنظمة دولية، كـ”معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982″ و”المنظمة البحرية الدولية بشأن تسهيل حركة الملاحة البحرية الدولية (FAL) عام 1965″، و”منظمة الملاحة الدولية (IMO)”، وغيرها من الاتفاقات الدولية التي تحكم التجارة الدولية في البحار، والتي قد تؤهل الفلسطينيين لإدارة الميناء عالميًا. وما زالت سلطة الموانئ تتابع انضمام فلسطين منظمة الملاحة الدولية، بما يكفل تطوير وتنمية قطاع النقل البحري في المناطق الفلسطينية، وهو ما يطرح سؤالاً حول قدرة غزة على تشغيل الميناء دوليًا، في الوقت الذي قد ترفض فيه السلطة الفلسطينية أي مقترح من شأنه تأمين العيش المشترك بين غزة التي تحكمها حركة حماس وإسرائيل دون حل سياسي. وفي ضوء ذلك، يُظهر اختلاف الرؤى الفلسطينية كافة الأطراف عاجزة عن المضي قدمًا في إنشاء الميناء وتشغيله، وهو ما تحاول إسرائيل ترويجه دوليًا.

إقامة الميناء يحقق مصلحة الجميع

بشكل عام، تنشأ الموانئ البحرية بين الدول المتجاورة من خلال توافقات واتفاقات دولية، فمشروع الميناء ليست مسألة بناء وإما مسألة تشغيل، ولذلك، نظرًا للخصوصية الحالة الفلسطينية، فقد طُرحت مسألة الميناء والمطار ضمن الحل السياسي وخضعت لاتفاقات ثنائية. إن إعادة تفعيل تلك الاتفاقيات هو البديل الواقعي، خاصة وأن التمويل الأوروبي مرصود بالفعل، وتكلفة البناء لا تتجاوز الـ(200 مليون دولار)، مقارنة بالتكاليف العالية لإقامة ميناء عائم في البحر والتي تقدر بـ(7 إلى 10 مليار دولار). فمن سيتحمل تكاليف الإنشاء، في ضوء تراجع الدعم المالي للشعب الفلسطيني؟

إن المخاوف الأمنية، قد تكون مدخلًا لإعادة استئناف البناء، فبدون توفير المتطلبات الاقتصادية ستبقى الأوضاع السياسية متأزمة، وإعادة استئناف البناء أولوية فلسطينية لما يحققه الميناء من خفض تكاليف النقل المرتفعة، حيث يدخل إلى قطاع غزة حاليًا ما بين 700 إلى 1,000 شاحنة شهريًا، سيقلل الميناء الفلسطيني من تكاليف نقلها ويوفرها لصالح الاقتصاد الفلسطيني، فغزة تستورد كل متطلباتها واحتياجاتها من الخارج. وخفض تكاليف الاستيراد يدعم الاقتصاد من جهة، ويمنح فرص تشغيلية من جهة أخرى ما يمكن أن يحد من نسب البطالة المرتفعة، وبالتالي، سيُحدث إنشاء الميناء طفرة في الاقتصاد الفلسطيني ككل. وعليه، يبقى الحل سياسيًا بالأساس، لأن تعقيدات إسرائيل الأمنية تُفشل أي بديل مطروح، وأول محاولات إعادة استئناف إنشاء الميناء تبدأ بإعادة تفعيل الاتفاقيات الدولية، فهي الضامن لتشغيل الميناء دوليًا.

في ظل استمرار الأوضاع الحالية -الانقسام السياسي- يمكن الاعتماد على أحد الحلول المؤقتة برعاية أممية ودولية لمواجهة الرفض الإسرائيلي، والتي من شأنها تغير نمط التفكير السائد في السياسة الفلسطينية. إن “إقامة الميناء وتعظيم المكاسب الاقتصادية” سيدفع كل الأطراف إلى المصالح المشتركة التي يمكن أن تتحقق لصالح الشعب الفلسطيني.

إن بناء ميناء غزة يشكل عاملًا مهمًا في تخفيف الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، والتي هي سبب أساسي للتوتر والحروب المتعددة بين إسرائيل والتنظيمات الفلسطينية. ميناء في غزة سيشكل حافزًا قويًا للمصالحة الفلسطينية، حيث يمكن تحقيق مصالح طرفي الانقسام الفلسطيني. ميناء في غزة يمكن إشراك منظمات دولية في إدارته والإشراف عليه، كما كان الحال عندما كان في معبر رفح بعثة مراقبة أوروبية لتوفير ضمانات أمنية لأطراف جميعًا. ميناء في غزة لا يجب أن ينتظر تحقق المصالحة الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية بل يكون هو الحافز لها. يجب تبنّي منظورًا جديدًا يقوم على أن ميناءً في غزة سيشكل عاملًا هامًا للاستقرار والتنمية والسلام في المنطقة.

عن “نخبوية” حركة المقاطعة!

حيدر عيد

على الرغم من انسحابها من المشهد الوطني برمته، تقوم بعض الأصوات بتوجيه تهمة “النخبوية” لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، وكيل بعض الاتهامات جزافا ودون سند في معظم الأحيان للحركة بأسلوب فيه نوع من التعالي والتجني في الوقت ذاته. إلا أن الحركة ترحب بصدور واسعة وعقول منفتحة بكل ما من شأنه أن يوسع دائرة الحوار المجتمعي الفلسطيني حول معايير ومبادئ وإستراتيجيات حركة مقاطعة إسرائيل، والانخراط بها وبفعالياتها المتعددة. وكانت الحملة منذ انطلاقتها قد رحبت بالمشاركة الفاعلة لعدد كبير من المثقفين/ات والفنانين/ات الفلسطينيين/ات في لقاءات عديدة، جرى خلالها تطوير معايير المقاطعة، حيث أدلوا بآرائهم ونقدهم بشكل بنّاء، بدل اللجوء للهجوم الاستثقافي القادم أساسا من أبراج عاجية نفسها نخبوية.

إن المنطق الأساسي لحركة المقاطعة يبقى واحدا، وهو تفعيل وتعزيز كافة أشكال الضغط المتاحة على إسرائيل والمؤسسات والشركات المتواطئة في اضطهادها المركّب لشعبنا، بما يراعي خصوصية السياق في كل موقع ويضمن الاستدامة والفاعلية، من أجل استعادة الحقوق الأساسية لشعبنا وأهمها التحرر، والعودة إلى الديار، وممارسة حقنا غير القابل للتصرف في تقرير مصيرنا على أرضنا. لذا، فإن مقاطعة إسرائيل هي إستراتيجية رئيسية في مقاومتنا للاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، تهدف إلى عزل إسرائيل دوليا، ومقاومتها داخليا وعربيا، لتعديل موازين القوى لصالح شعبنا ونضالنا من أجل حقوقنا. لا يمكن القيام بذلك دون فك التبعية بأشكاله والتزام مثقفينا، قبل غيرهم، بهذه الحالة من الإجماع غير المسبوق.

قد يتوجب على من يتهم الحركة بالنخبوية أن يراجع بعض الحقائق: لقد تم إطلاق نداء المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005 لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. انبثقت اللجنة الوطنية للمقاطعة عن المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول لحركة مقاطعة إسرائيل عام 2007، وأصبحت منذ ذلك الوقت تقود حركة المقاطعة عالميا. تتشكل اللجنة الوطنية للمقاطعة من القوى والاتحادات الشعبية الكبيرة (العمال، المرأة، الكتاب، الفلاحين وغيرها)، وجميع الاتحادات النقابية والائتلاف العالمي لحق العودة (أوسع ائتلاف يدافع عن حقوق اللاجئين)، وشبكات المؤسسات الأهلية، وغيرها من أهم وأكبر الأطر التي تمثل كل قطاعات شعبنا في الوطن والشتات. فأين النخبوية في ذلك التحالف الأوسع فلسطينيا؟

من الواضح أن تهمة “النخبوية” تأتي من بعض الأفراد الذين لا يعلمون أبجديات المقاطعة، وهي شكل ريادي من أشكال المقاومة الشعبية، التي ترى أنه في ظل الاحتلال والاضطهاد الإسرائيلي المركب لشعبنا، وتشتت شعبنا بين أراضي المحتلة عام 1948 و1967 والمنافي، لا يمكن الحكم على شعبيتها من خلال تكتيكات ومناكفات فصائلية، بل من خلال مؤشرات ومقاييس مختلفة تراعي ظرف الاحتلال. فحركات المقاومة في فلسطين وخارجها تتكون بالكامل تقريبا من متطوعين أخذوا على عاتقهم مقاومة الظلم والاستعمار، إما من خلال الكفاح المسلح أو المقاومة الشعبية أو الاثنين معا. إن تواجد واستمرارية المجتمع المدني تحت الاحتلال هو جزء من تواجد الشعب الفلسطيني واستمراره وتمثيل رأيه، وأدوات المقاومة التي يطورها هذا القطاع هي جزء لا يتجزأ من نضال هذا الشعب. لا يسعنا هنا إلا أن نتساءل من هو النخبوي؟ تحالف معظم قوى ومؤسسات ونقابات وأطر المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات أم مثقف فرد؟! وما الذي يمنع هذا المثقف في الانخراط في هذا التحالف الأوسع فلسطينيا وأمميا؟ إن رفض فكرة المبادئ التي يتم التوصل لها جماعيا كمرجعية للجميع في حسم الاختلافات، والإصرار على مرجعية الفرد، أي فرد، هو بمثابة رفض لفكرة المقاومة، كل مقاومة، جماعية للاحتلال والأبارتهايد، ورفض لأسس العمل المجتمعي من أجل التحرر والتقدم سياسيا، واجتماعيا وثقافيا.

المقاطعة كأي أداة مقاومة أخرى تحتاج إلى الوقت والجهد والحوار والإقناع والتصحيح من حين إلى آخر، والتطوير المستمر لترسيخ جذورها في الأرض ولخلق تراكم فعلي في نتائجها الملموسة، خصوصًا أنها تستهدف محليا تفكيك علاقة اقتصادية وثقافية عملت إسرائيل جاهدة على مدى عقود على نسجها بشكل محكم. إن التأييد الشعبي لمقاطعة إسرائيل يتجلى لا في التأييد العلني للغالبية الساحقة من أطر شعبنا لهذه المقاطعة فحسب، بل في انحسار ظاهرة التطبيع في فئة صغيرة للغاية، تكاد تكون معزولة جماهيريا. كما تتجلى في انخراط عدد متنام بتسارع من شعبنا في مطالبة العالم بمقاطعة إسرائيل في شتى المجالات، وفي فرحة قطاعات واسعة من شعبنا، بالذات المُعبّر عنها في وسائل “الإعلام الاجتماعي”، كلما نجحت الحركة في إفشال نشاط إسرائيلي أو في امتناع كاتبة عالمية، مثلا، عن طباعة كتابها من قبل دار نشر إسرائيلية، أو في إلغاء مخرج عالمي مشاركته في مهرجان سينمائي إسرائيلي وغيرها. وفي ظني أن هذه وسائل لا يمكن وصمها بالنخبوية!

والحقيقة هي أن هذه التهمة تعكس ضحالة فهم آليات عمل المقاطعة على أرض الواقع، وإهمال كم هائل من الدلائل التي تثبت زيف هذا الادعاء، بل وتثبت أن المقصود من توجيهه هو التبرير للخروج عن مبادئ المقاطعة المقرة من قبل غالبية أطر مجتمعنا، أو إسقاط نفسي من قبل أشخاص “مستثقفين”. إن أي باحث في مسيرة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات منذ 2005، يستطيع بسهولة أن يفهم الطبيعة الجماعية المميزة في آلية عمل الحركة، وأن القوة الوحيدة التي تمتلكها لفرض العزلة على منظومة الأبارتهايد والاحتلال والاستعمار، هي القوة الأخلاقية التي تنبع من قناعة بفك الارتباط معها ومع مؤسساتها.

إن أعضاء الحركة هم متطوعون ونشطاء في هذا الشكل من أشكال المقاومة، لا أكثر من ذلك. وقد جرى التوافق بين أكبر أطر ومؤسسات المجتمع المدني على تفعيل المقاطعة من خلال مجموعة من المعايير، التي تهدف إلى خلق قاسم مشترك مقبول وواقعي يلتزم به الفلسطينيون كوسيلة للضغط على إسرائيل. وترى حركة المقاطعة أن من دورها نشر هذه المعايير والرد على استفسارات الجمهور والشركاء العالميين بخصوصها، ومواجهة محاولات خرقها، سواء من قبل فلسطينيين أو عرب أو دوليين، بأسلوب أخلاقي يستند دائما إلى المعايير الجماعية المنشورة، لا على الآراء والمشاعر الفردية لهذا الناشط أو ذاك. كثيرا ما تتلقى الحركة عددا من الاستفسارات من قبل الفنانين والمثقفين والأكاديميين والطلبة، وحتى العاملين في قطاع الأعمال، كما من المؤسسات المختلفة حول معايير المقاطعة وتفسيراتها في سياق مشاريع عينية، ما يعكس احترام عدد كبير جداً لهذه المعايير ولمرجعية اللجنة الوطنية للمقاطعة، ومن ضمنها حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية.

تناضل حركة المقاطعة من أجل توسيع دائرة التأييد الفلسطيني والعربي والدولي لمقاطعة إسرائيل، في كافة المجالات، وللمساهمة في الوصول إلى حقوقنا دون انتقاص. وتقف في صف هذه الحركة الغالبية العظمى من الأدباء والفنانين والأكاديميين وكافة أبناء شعبنا. وهذا، للأسف، يثير غيرة البعض في بعض الأحيان! في هذا السياق، وبدلاً من توجيه التهم غير المجدية بالنخبوية، تتنامى الحاجة لتعزيز الالتفاف الجماهيري الفلسطينية والعربي الواسع لمقاطعة إسرائيل، ومعايير هذه المقاطعة، كما تزداد الحاجة لمشاركة كل مثقفينا، لا في نشر ثقافة المقاطعة فحسب، بل والمساهمة الفاعلة والإيجابية في تطوير المقاطعة باستمرار، لتتناسب مع ضرورات النضال من أجل الحرية، والعدالة، والمساواة.

الانتخابات الإسرائيلية: الفلسطينيون يحسمون النتائج

أشرف العجرمي

بقي واحد وأربعون يوماً حتى موعد الانتخابات العامة في إسرائيل، والصورة تبدو محبطة من ناحية النتائج المتوقعة. فالجمهور الإسرائيلي يذهب بشكل ثابت نحو اليمين، حيث إن حزب «الليكود» برئاسة بنيامين نتنياهو يتصدر القوائم في كل استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الأشهر الماضية منذ الإعلان عن تقديم موعد الانتخابات ويحافظ على 32-34 مقعداً يليه حزب «هناك مستقبل» بزعامة يائير لابيد رئيس الحكومة المؤقت الذي يحافظ على مستوى بين 22-24 مقعداً، وتتأرجح الأحزاب الأخرى في المعسكرين المتنافسين على المقاعد بحيث لا يوجد حسم، وتحصل كتلة نتنياهو التي تضم «الليكود» و»الصهيونية الدينية» وحزبي «شاس» و»يهدوت هتوراة» على 58-60 مقعداً دون الحصول على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل حكومة. كما يحصل معسكر لابيد على 55 إلى 56 مقعداً دون التمكن كذلك من تشكيل حكومة. وهذا كان الحال قبل تسجيل القوائم المشاركة في الانتخابات وعلى فرضية أن «القائمة المشتركة» التي تضم ثلاثة أحزاب عربية بالإضافة إلى «القائمة العربية الموحدة» موجودة وتشارك كما حصل في الانتخابات السابقة، في ظل عدم الذهاب نحو قائمة موحدة لكل الأحزاب العربية. ولكن الأمر تغير بصورة دراماتيكية بعد انسحاب «التجمع» من «القائمة المشتركة» والتسجيل بقائمتين: «الجبهة الديمقراطية» و»الحركة العربية للتغيير» في قائمة و»التجمع الوطني الديمقراطي» في قائمة منفصلة.

الانفصال والتشرذم في القوائم الفلسطينية في إسرائيل يؤثر سلباً على تصويت الناخبين الفلسطينيين الذين تتوقع استطلاعات الرأي أن نسبة تصويتهم لن تصل إلى 40% قبل خروج «التجمع» من «القائمة المشتركة». وهذا قد يدفع الفلسطينيين في إسرائيل إلى الامتناع عن التصويت بكثافة كرد فعل على خيبة الأمل من الأحزاب العربية التي لم تنجح حتى الآن في تغيير واقع الجماهير هناك. حتى عندما فازت «القائمة المشتركة» بخمسة عشر مقعداً في العام 2020 للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات حيث بلغت نسبة تصويت الفلسطينيين 64.8%، لم يحدث التغير المأمول، وكذلك هو الحال في المرة الماضية مع دخول «القائمة العربية الموحدة» برئاسة منصور عباس في الائتلاف الحكومي الحالي. فما بالنا عندما يشاهد المواطنون عملية الانقسام التي تحدث غالباً لأسباب ومصالح شخصية. ولا شك أن انخفاض نسبة تصويت الفلسطينيين في إسرائيل هو أكبر هدية لنتنياهو حيث من المتوقع أن تحصل «القائمة المشتركة» على 4 مقاعد أو 5 في أبعد تقدير، و»القائمة العربية» على 4، أما «التجمع» فلا يتوقع له أن يجتاز نسبة الحسم، وعملياً خسارة المقاعد العربية ستتحول لصالح معسكر نتنياهو.

التأثير الفلسطيني على الانتخابات الإسرائيلية لا يتوقف فقط على نسبة التصويت ولا على الوحدة والانقسامات فقط، بل أيضاً ما يحث في المناطق الفلسطينية ينعكس بدوره على نتائج الانتخابات. فعندما تزداد وتيرة العمليات الفلسطينية كما يحدث هذه الأيام وكما حصل في أعوام 1995، و1996، و2000، و2001، فمن المرجح أن يستفيد منها اليمين الإسرائيلي المتطرف. والحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة يائير لابيد التي تفعل كل ما في وسعها من أجل الإثبات أنها ليست أقل تشدداً من أكثر الحكومات تطرفاً في إسرائيل ستدفع على الأغلب الثمن في الانتخابات القادمة، لأنها تجر ردود فعل فلسطينية غاضبة وعنيفة تتعاظم مع استمرار القمع الدموي الإسرائيلي. وحتى ردود الفعل الشعبية والرسمية لها تأثير على نتائج التصويت في الانتخابات.

لا شك أن إسرائيل الرسمية تتحمل المسؤولية عما يمكن أن يحصل، ولكن لماذا لا يفكر الفلسطينيون على جانبي الحدود بالتأثير بشكل مخطط ومدروس في نتائج الانتخابات في إسرائيل بما يخدم مصالحهم. ففلسطينيو الداخل يريدون المساواة التامة في الحقوق ويريدون إلغاء القوانين العنصرية بما فيها قانون «القومية» وتمييزهم إيجابياً، كما يرغبون في التوصل إلى تسوية سياسية عادلة مع أبناء شعبهم في الأراضي المحتلة. أما نحن، المحتلين،  فنريد التخلص من الاحتلال والحصول على حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل الأراضي المحتلة منذ العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية وإيجاد حل عادل لكل قضايا الصراع وعلى رأسها قضية اللاجئين الفلسطينيين.

نحن نقوم بأفعال وردود أفعال ونخلق أيضاً ردود أفعال، ولكن لا يوجد لدينا عمل مخطط وموجه مع أننا نملك القدرة على التأثير وحسم نتيجة الانتخابات في إسرائيل بهذا الاتجاه أو ذاك. وللأسف لا نستخدم أوراق القوة التي لدينا لأسباب تتعلق بغياب القيادة الموحدة القادرة على اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت الملائم. ولهذا سنبقى نؤثر ولكن ليس بالضرورة لصالح قضيتنا. وسنعود للحديث عن دورنا في الانتخابات بعد انتهائها وظهور النتائج بأننا لو فعلنا كذا وكذا لكانت النتيجة مختلفة. سنحسم ولكن لا شيء لصالحنا وفقط يستفيد أعداؤنا والمتطرفون منهم من غياب قدرتنا على اللعب بما يحقق لنا ما نريد.

إعادة التصور الأمريكي لمكافحة الإرهاب:

تَتَبُع جهود إدارة بايدن لإصلاح طريقة تعامل الولايات المتحدة مع التطرف العنيف

ماثيو ليفيت

يؤكد الموقف الأمريكي الجديد إزاء مكافحة الإرهاب أنه على الرغم من النجاحات التكتيكية الذي حققها في إحباط الهجمات وإلقاء القبض على الإرهابيين أو قتلهم، إلا أن المساعي الأمريكية على مدى العقدين الماضيين لم تحقق النتائج المرجوة، من منظور استراتيجي.

إعادة تقييم كيفية مواجهة أمريكا للإرهاب

عمدت إدارة بايدن خلال عامها الأول في السلطة إلى إعادة تقييم شامل لكيفية تصدي الولايات المتحدة للإرهاب والتطرف العنيف سواء على الصعيد المحلي أو في الخارج، علماً أن البلاد لم تشهد عملية تحول جذري مماثلة في موقفها إزاء مكافحة الإرهاب منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر.

ويقيناً، تمر الإدارات الأمريكية كافة بفترات تتراجع فيها سياساتها لتنتقل بعدها من تنفيذ سياسات الإدارة التي سبقتها إلى تطبيق سياساتها الخاصة. غير أنه عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب، كان التحول الذي أحدثته إدارة بايدن أكثر جوهرياً من عهد أي رئيس آخر خلال السنوات العشرين الماضية. وحتى التركيز الهائل على مكافحة الإرهاب في ظل إدارة جورج بوش الابن نتج عن هجمات 11 أيلول/سبتمبر وليس من عملية مراجعة السياسة. وبالفعل، خطط الرئيس بوش خلال الأيام الأولى من عهد إدارته للتحول نحو آسيا قبل أن يقلب تنظيم «القاعدة» هذه الخطط رأساً على عقب من خلال استهدافه الولايات المتحدة.

وفي المقابل، وصلت إدارة بايدن إلى السلطة بهدف واضح يتمثل في إعادة تحديد مفهوم التصدي للإرهاب والتطرف العنيف. وشمل ذلك على المستوى المحلي مواجهة الارتفاع الكبير في التطرف العنيف الذي تمارسه الجهات الفاعلة من المتعصبين البيض والمعادين للحكومة وغيرها من “الجهات المتطرفة العنيفة ذات الدوافع العنصرية والعرقية” (“الجهات المتطرفة”)، والحرص في الوقت نفسه على توخي الحذر من التهديدات المستمرة التي تطرحها الجماعات الإرهابية الدولية على غرار تنظيمي «الدولة الإسلامية» و«القاعدة»، والجماعات التي يلهمها هذان التنظيمان.

وتكتسي إعادة تقييم الولايات المتحدة لعمليات مكافحة الإرهاب حول العالم التي طال انتظارها أهمية أكبر حتى من حيث المعايير البيروقراطية والميزانية. وهذا يعكس الانتقال نحو منافسة القوى العظمى التي تحدّد مفهومها في عهد الإدارات السابقة ولكنها لم تطبق فعلياً إلا في عهد بايدن. وانبثقت أيضاً عن إدراك أن تبرير السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب كان ضرورياً من أجل تخصيص الأموال اللازمة لمعالجة مجموعة كبيرة من قضايا الأمن القومي التي لا تقل أهمية، بدءاً بصعود الصين وروسيا (قبل غزو أوكرانيا)، ومروراً بالتغير المناخي، ووصولاً إلى حاجات البنية التحتية وقضايا الصحة العامة وغيرها محلياً.

وهيمنت هذه التحديات على أجندة فريق الأمن القومي في إدارة بايدن خلال عامها الأول الذي تخللته أحداث مثل الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، ومجموعة من حملات الاعتقال والمحاكمات المرتبطة بالتمرد الذي شهدته واشنطن في 6 كانون الثاني/يناير، والمخططات التي حاكها متطرفون محليون ودوليون على حد سواء، وشكّلت المواضيع الرئيسية في “سلسلة محاضرات مكافحة الإرهاب” هذه. وبينما شرعت إدارة بايدن في إجراء هذه التغييرات الجذرية في موقفها المناهض للإرهاب، تواصلت مع حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والمنظمات الدولية مثل “حلف الناتو” لإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بتعددية الأطراف والتخطيط لكيفية التعامل بشكل مشترك مع تداعيات تراجع حضورها على الساحة الدولية لمكافحة الإرهاب.

مواجهة التطرف الداخلي المحلي

أرغم التمرد الذي شهدته واشنطن في 6 كانون الثاني/يناير بحكم طبيعته إدارة بايدن على منح الأولوية للتصدي للمعلومات المضللة والتطرف العنيف المحلي منذ أول يوم لها في السلطة. فقد طلب الرئيس في أول يوم عمل كامل له بعد استلامه منصبه في 20 كانون الثاني/يناير مراجعة شاملة لمدة 100 يوم لجهود الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب المحلي، وهي مشكلة “تطورت لتصبح التهديد الإرهابي الأكثر إلحاحاً الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم”، وفق بيان حقائق صدر عن البيت الأبيض لاحقاً. وبعد ثلاثة أشهر، أدّى ذلك إلى إصدار تقييم عن مجتمع الاستخبارات حول التطرف العنيف المحلي، حيث نشر “مكتب مدير الاستخبارات الوطنية” ملخصاً عن نتائجه بعنوان “ملخص غير سري عن تقييم التطرف العنيف المحلي”. وحذر هذا المخلص من أن المتطرفين العنيفين المحليين الذين تحفزهم مجموعة من الأيديولوجيات وتحثهم أحداث سياسية ومجتمعية مختلفة تشهدها البلاد على التحرك، “يشكلون تهديداً متزايداً للوطن في عام 2021”. وخلص التقرير إلى أن أكبر التهديدات جاءت من مرتكبي الجرائم المنفردين أو خلايا صغيرة من المتطرفين العنيفين المحليين. وكانت الأشد فتكاً بين هذه التهديدات تلك التي نفذتها “الجهات المتطرفة العنيفة ذات الدوافع العنصرية والعرقية” أو المتطرفين العنيفين من الميليشيات، إذ تنفذ هذه “الجهات المتطرفة”  على الأرجح هجمات تُسبب إصابات/ضحايا جماعية تستهدف المدنيين، في حين تستهدف الميليشيات على الأرجح الموظفين الحكوميين ومسؤولي إنفاذ القانون.

وبعد مرور ثلاثة أشهر، وهي سرعة قياسية بالمعايير الحكومية البيروقراطية، أصدر البيت الأبيض أول “استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب المحلي”. وسلطت الاستراتيجية الضوء على حماية الحقوق والحريات المدنية كضرورة حتمية للأمن القومي، وشددت على الحاجة إلى برامج بقيادة المجتمع تهدف إلى منع الأفراد من الوصول إلى مرحلة ممارسة العنف الإرهابي. وشملت أبرز مصادر القلق بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين الخلافات المجتمعية حول قيود الصحة العامة التي فرضها مرض “كوفيد-19” ومساعي المتعصبين البيض إلى إشعال حرب عرقية، والجهود الرامية إلى غرس بذور الاضطرابات المدنية وفتح المجال أمام أعمال العنف بهدف تسريع وتيرة الانهيار المجتمعي، أو ما يُعرف بمبدأ التسريعية (التسارع). وما يثير القلق بشكل خاص هو التحذير الذي أطلقه “مكتب التحقيقات الفدرالي” بشأن نزعة المتطرفين العنيفين المحليين إلى شن هجمات على أهداف مدنية سهلة، بما فيها دور العبادة ومتاجر البيع بالتجزئة والتجمعات العامة.

وفي غضون ذلك، تصدى “مكتب التحقيقات الفدرالي” ووكالات إنفاذ القانون الأخرى للمتطرفين العنيفين المحليين والذين اعتبرهم المكتب وفقاً لتقييمه، التهديد الإرهابي الدولي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة. فهؤلاء المتطرفين يستوحون عملياتهم من “المنظمات الإرهابية الأجنبية” على غرار تنظيمي «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» ولكن دون الحصول على توجيهات فردية من هذه الجماعات. وينمي هؤلاء المتطرفون مظالمهم المزعومة من خلال الحملة الدعائية القائمة أساساً التي تشجع على تنفيذ مشاريع إرهابية، في حين أن افتقارهم إلى الروابط الملموسة مع منظمة إرهابية أجنبية وتمتعهم بالقدرة على نشر التطرف والحشد بسرعة ودون أن يكشفهم أحد، يشكلان تحديات كبيرة لسلطات مكافحة الإرهاب. فتنظيما «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» يسعيان إلى إلهام المتطرفين العنيفين المحليين لتنفيذ هجمات في بلدانهم الأصلية، من بينها الولايات المتحدة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، حذرت نشرة “النظام القومي للاستشارات حول الإرهاب” الصادرة عن وزارة الأمن الوطني الأمريكية من انتشار بيئة تهديدات في جميع أنحاء الولايات المتحدة مع اقتراب موسم الأعياد، بما في ذلك على يد مرتكبي الجرائم المنفردين والجماعات الصغيرة الذين يستوحون عملياتهم من الأشكال المحلية والخارجية للتطرف العنيف. وكشف انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في آب/أغسطس 2021، التي ازداد فيها الوضع سوءاً عندما هاجم تنظيم «الدولة الإسلامية» مطار كابول، عن بيئة تهديدات أكثر إثارة للقلق. فقد احتفل تنظيم «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» والجماعات اليمينية المتطرفة على حد سواء بالانسحاب الأمريكي، ووصفوه بأنه هزيمة أمريكية على يد حركة “طالبان”.

إعادة ضبط الموقف الأمريكي إزاء مكافحة الإرهاب العالمي

سعى الرئيس باراك أوباما خلال فترة ولايته إلى تسليط الضوء على عدد من القضايا تتعلق بسياسة الأمن الخارجي والوطني نظراً إلى أهميتها بحد ذاتها، وليس فقط كنتائج لسياسة مكافحة الإرهاب. لكن الأحداث التي جرت في الداخل والخارج، بدءاً بتفجير “ماراثون بوسطن” ووصولاً إلى الحرب الأهلية في سوريا وصعود «الدولة الإسلامية»، أحبطت مساعيه. وخلال عهد إدارة ترامب، بدأت مواجهة التحديات التي تطرحها القوتان العُظمتان المنافستان، أي الصين وروسيا، فضلاً عن التهديدات الإقليمية من دول مثل كوريا الشمالية وإيران، تتصدر قائمة الأولويات بالنسبة لوزارة الدفاع الأمريكية على وجه الخصوص. ففي شباط/فبراير 2017، أعد “رئيس هيئة الأركان المشتركة “الأمريكية الجنرال جوزيف دانفورد إطار عمل “4+1” لمنح الأولوية للتهديدات الدولية والقدرات العسكرية الضرورية للتصدي لها، وشكلت فيه مكافحة الإرهاب “الزائد واحد” بعد المنافسة الاستراتيجية بين الدول. وكما أوضحت “استراتيجية الدفاع الوطني” لعام 2018، “فإن المنافسة الاستراتيجية بين الدول وليس الإرهاب، هي الشغل الشاغل حالياً للأمن القومي الأمريكي”. ولكن فكرة إعادة ضبط عمليات الانتشار الدولية لمكافحة الإرهاب التي تقوم بها الولايات المتحدة منذ عشرين عاماً لم تنفذ فعلياً إلا في عهد بايدن.

وقد واجه المسؤولون صعوبة في المواءمة بين مكافحة الإرهاب ومنافسة القوى العظمى. فخلال السنوات التي أعقبت إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن تغيير محور تركيزها، ساد الارتباك بشأن كيفية بلورة هذه الخطوة من حيث تخصيص الموارد أو تحديد أولويات المهمة. وبدا واضحاً أنه حتى عند إعادة توجيه الموارد نحو التنافس مع الصين وروسيا، كان على بيروقراطية أجهزة الأمن القومي الأمريكي البقاء على أهبة الاستعداد لمواجهة مجموعة من التهديدات الإرهابية. وأدت استراتيجيات الأمن القومي الثلاث غير المتوافقة إلى حد كبير التي أعدتها إدارة ترامب إلى تفاقم المشكلة. وفي غضون أسابيع بعد تولي إدارة بايدن السلطة، أصدرت الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي الذي أشار إلى ضرورة “مواجهة التحديات، ليس فقط تلك التي يطرحها الخصوم الإقليميون والقوى العظمى، بل أيضاً الجهات الفاعلة من غير الدول والمتطرفون العنيفون والمجرمون”، إلى جانب مخاطر التغير المناخي والأمراض المعدية وغيرها. ولكن دليل بايدن المؤقت، على غرار استراتيجيات سلفه، لم يضع توجيهات بشأن كيفية تخصيص الموارد المحدودة المتوافرة لمواجهة هذه التهديدات.

ويرى البعض أن الولايات المتحدة أمام خيارين، إما الانخراط في منافسة القوى العظمى أو خوض “الحروب الطرفية” في دول مثل سوريا أو اليمن، وهما حربان يفترض أنهما من بقايا الحرب القديمة ضد الإرهاب، إنما لا يمكنها فعل الأمرين معاً. لكن الحقيقة هي أنه مع القليل من التخطيط الاستراتيجي، يمكن للمجهودين أن يعزز كل منهما الآخر، ولا يستبعد أحدهما الآخر. وسرعان ما أدرك المسؤولون في إدارة بادين أنه سواء انخرطت الولايات المتحدة في منافسة القوى العظمى أو مكافحة الإرهاب، فقد يتعيّن على واشنطن إعادة إحياء التحالفات الدولية والمشاركة المتعددة الأطراف. وسيتعين على المسؤولين الأمريكيين تخطي مسألة عدم استعدادهم التقليدي للتعاون مع أبرز شركائهم الأجانب في عملية صنع القرار، في الوقت الذي سيضطر فيه هؤلاء الشركاء إلى التغلب على عدم ارتياحهم التقليدي بشأن تقاسم الأعباء. 

ونبعت هذه الضرورة من طبيعة الموقف الأمريكي الجديد إزاء مكافحة الإرهاب، والذي أطاح بالمساعي التي استمرت لعقدين من الزمن بقيادة أمريكية وتمكين من الشركاء في جهود مكافحة الإرهاب. أما الآن، وحيثما كان ذلك ممكناً، فستكون العمليات بقيادة الشركاء وتنفيذ أمريكي. وحيث يمكن للقدرات الأمريكية الفريدة مساعدة الحلفاء على التصدي للتهديدات القريبة منهم، فستكون الولايات المتحدة على استعداد للمساعدة من خلال توفير الدعم الاستخباراتي واللوجستي، والإمدادت الجوية، والتزود بالوقود في الجو، وغير ذلك. لكن الولايات المتحدة لن تأخذ زمام المبادرة في مهام لمكافحة الإرهاب حول العالم إلا في الحالات التي تهدد فيها الجماعات الإرهابية أرضها أو مصالحها في الخارج. وبحكم التعريف، ينطوي ذلك على اعتماد أكبر على تعزيز العمل مع الشركاء الخارجيين أكثر من ذي قبل.

تطوير أدوات غير حركية لمكافحة الإرهاب

يؤكد الموقف الأمريكي الجديد إزاء مكافحة الإرهاب ضمنياً أنه على الرغم من النجاحات التكتيكية الذي حققها في إحباط الهجمات وإلقاء القبض على الإرهابيين أو قتلهم، إلا أن المساعي الأمريكية على مدى العقدين الماضيين لم تحقق النتائج المرجوة، من منظور استراتيجي. فبحلول عام 2020، ازداد عدد الأشخاص الذين تحوّلوا إلى التطرف العنيف بصورة كبيرة بالمقارنة مع عام 2001، مما يطرح تهديداً إرهابياً أكثر تنوعاً وانتشاراً على الصعيد العالمي.

وقد حملت سنوات من تكريس الموارد الضخمة لمكافحة الإرهاب التكتيكية مفاضلة متأصلة، وهي: التركيز على دعم المهام الحركية بدلاً من الجهود المبذولة لمنع التطرف العنيف من الترسخ في المقام الأول. وفي ظل هذا الموقف الجديد إزاء مكافحة الإرهاب، ستستمر الاستثمارات في تمويل الجهود التكيتيكية وفقاً للضرورة، لكنها ستمنح الأولوية لبرامج القوة الناعمة، بما فيها التوقعات الاستخباراتية والدبلوماسية المتعددة الأطراف، وبناء القدرات المدنية، ومنع نشوب النزاعات وضمان الاستقرار، ومكافحة الفساد.

وسيكون الكثير من التخطيط الحالي تطلعياً، ويهدف إلى منع تحوّل الأفراد إلى متطرفين عنيفين أو معالجة المشاكل بشكل استباقي لمنع حدوث جولة أخرى من حشد المقاتلين الأجانب. لكن من الضروري بذل بعض الجهود على الفور، لمواجهة التهديدات على غرار الظروف المزرية في معسكرات الاعتقال في سوريا مثل مخيم الهول، والتي قد يشكل عدم التدخل فيها أرضاً خصبة لظهور الجيل التالي من الإرهابيين الإسلاميين.

رسالة بوتين من قمة شنغهاي

هاني عوكل

لم يكن مفاجئاً حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على المشاركة في قمة رؤساء بلدان منظمة شنغهاي للتعاون، وسط تصاعد التوترات بينه وبين الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي مكّنت أوكرانيا من الصمود واستعادة بعض أراضيها من القوات الروسية.

بوتين الذي حشد حلفاءه للمشاركة في هذه القمة، بدا مهتماً في التركيز على هذا المحيط الجغرافي الإقليمي لكسر العزلة الدولية التي يفرضها عليه الغرب، وكذلك فتح أسواق جديدة وتبادل المنافع الاقتصادية مع بلدان منظمة شنغهاي وبالأخص الصين.

القمة جاءت في وقت حساس للغاية، وقت تحتاج فيه موسكو بكين والعكس صحيح، وهو وقت تبادل المصالح بمستويات أعلى من السابق، خصوصاً وأن واشنطن تدعم كييف بقوة وتمدها بالمال والسلاح لإضعاف روسيا ومنعها من تحقيق أي انتصار في المربع الأوكراني.

كذلك يحتاج الرئيس الروسي من منصة قمة شنغهاي للتأكيد على أن عالم اليوم لابد أن يتغير ويتحول من أحادي القطبية إلى متعدد الأقطاب، فيه مكان لدول عظمى مثل روسيا والصين، وهذا بالضبط ما أكد عليه الرئيسان الروسي والصيني في لقاء خاص على هامش انعقاد القمة في اليومين الماضيين.

وعلى الرغم من أن الصين لم تدعم الحرب الروسية على أوكرانيا وإنما وقفت على الحياد، إلا أن بوتين ثمّن هذا الموقف انطلاقاً من اهتمامه بتوسيع العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين، لأن بكين يمكنها أن تلعب دوراً مهماً على صعيد تخفيف الحصار الغربي المفروض على موسكو.

يدرك الرئيس بوتين أهمية تعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، لذلك حرص خلال لقائه نظيره الصيني شي جينبينغ على زيادة حجم التبادل التجاري السنوي إلى أكثر من 200 مليار دولار. ومن المتوقع أن تشهد العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين آفاقاً أرحب في ضوء الآتي:

أولاً: للصين وروسيا مصلحة في كسر شوكة الولايات المتحدة الأميركية التي تحاربهما بالوكالة عبر أطراف ثالثة، كما هو الحال في نموذج أوكرانيا مع روسيا، وتايوان مع الصين.

 ثانياً: موسكو ترغب بأقصى سرعة ممكنة في إيجاد أسواق جديدة لتصريف بضاعتها وأيضاً ملء الفراغ الذي تركته الشركات الأوروبية.

في الأشهر القليلة الماضية اعتمدت موسكو على استيراد السيارات الجديدة من الصين، وفي ذات الوقت تحولت شركة «أكسيومي» الصينية للهواتف النقالة إلى الشركة الأكثر مبيعاً لمنتجاتها في روسيا، وفي الجهة الأخرى قبلت بكين تسديد ثمن الغاز الروسي باليوان والروبل.

ثالثاً: الصين مستفيدة من توسيع التعاون الاقتصادي مع روسيا، لكنها مهتمة أيضاً للغرب وسياسة البقاء على الحياد تعني بالنسبة لها «رِجل» في الشرق و»الرجل» الأخرى في الغرب، وهذا يعني ضمان توسيع حضورها الاقتصادي على خريطة العالم.

رابعاً: مثلما تأذت موسكو من دعم واشنطن لأوكرانيا، تتأذى بكين من الدعم الأميركي لتايوان، وترى أن دورها الرئيسي في مجموعة شنغهاي يحمي مصالحها الحيوية، ويضفي نوعاً من القوة في مواجهة الهيمنة الأميركية.

خامساً: بالنسبة للرئيس الصيني شي جينبينغ تعد هذه القمة ضرورية لتمكين نفوذه على الساحتين الداخلية والخارجية، من حيث أنها تحقق له مكاسب سياسية لتعزيز التضامن الدولي مع سياسة الصين الواحدة، ومكاسب اقتصادية بالإضافة إلى إنجازاته التي تؤهله للترشح لفترة رئاسة ثالثة منتصف الشهر المقبل.

قمة شنغهاي التي شهدت بالأمس انضمام إيران رسمياً إلى هذه المجموعة التي تضم تحت مظلتها كلاً من الصين وروسيا والهند وباكستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان، تشكل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ودولها تمثل أكثر من 44% من سكان العالم.

بوتين لم يغفل استعراض هذه الإحصائيات على هامش القمة، من باب القول للغرب إنه «مسنود» إقليمياً ودولياً وبلده عضو مؤسس في تكتل دولي يوازي قوة وحجم مجموعة الدول الصناعية السبع، وكذلك حلف الشمال الأطلسي «الناتو».

روسيا التي تدير مع الصين هذه المنظمة الدولية -شنغهاي- هي التي وقفت بقوة وراء انضمام طهران إلى المجموعة، وبوتين متحمس جداً لفتح أبواب التعاون السياسي والاقتصادي معها، وكذلك يبدو أنه منفتح على فكرة انضمام دول أخرى لمجموعة شنغهاي.

لابد من ملاحظة أن موسكو تعمل ضد الغرب على كسر العزلة الدولية المفروضة عليها وعلى دول مثل إيران وسورية، ومن غير المستبعد أن يتبلور دور مجموعة شنغهاي في المستقبل المنظور كتكتل قوي مناهض لمجموعة السبع.

نظرة الرئيس الروسي للعالم واقعية من باب أنه لا يمكن هزيمة الولايات المتحدة الأميركية وإخراجها من دائرة الضوء، وإنما هناك فرصة للتنافس على شكل النظام الدولي نحو الوصول إلى مقعد فيه على مسافة قريبة من واشنطن يحقق لروسيا تقاسم «الكعكة» الدولية والوصول إلى المنافع المرجوة. والصين كذلك ولو أنها «تطبخ» سياستها على «نار هادئة» وتترجم المثل الذي يقول «يتمسكن حتى يتمكن».

ماذا تريد دولة الاحتلال من السلطة؟

صادق الشافعي

المقاومة الفلسطينية تفرض حضورها وفعلها بشكل متواصل على واقع الاحتلال وقواته العسكرية والأمنية. يحصل ذلك بشكل عام وبأشكال مختلفة في جميع أراضي الوطن المحتل. ولكنه يتركز في الأشهر الأخيرة بشكل خاص في شمال الضفة الغربية، وفي منطقتي جنين ونابلس بالذات.

ويتميز هذا الحضور بطابعه العسكري وبقوة فعله وتأثيره وبدرجة فعاليته وحجم الخسائر التي يوقعها في قوات الاحتلال.

(يعترف جهاز الشاباك بدولة الاحتلال بأن «الهجمات على جنودنا ارتفعت الى 30% مقارنة بالعام الماضي).

كما يتميز حضور المقاومة هذا بأنه يزداد انتشاراً وفاعلية وتأثيراً. ويتميز ايضا بأنه لا يقتصر على تنظيم فلسطيني مقاوم واحد بل يشارك فيه أكثر من تنظيم وكذلك عمليات فردية قد لا تكون بقرار تنظيمي كما توضح البيانات والتصريحات والتسريبات المعلنة والقادمة من أكثر من مصدر.

وبالتوازي، فان تأثر دولة الاحتلال من هذا الحضور المقاوم وفاعليته، وزيادة ونوعية الخسائر التي يلحقها بها، وتسارع ازدياده حجماً وعمقاً، كل ذلك يزيد من شدة وعمق تأثرها به.

ويزيد من شدة ونوعية التأثر كونه يحصل ويتصاعد أيضا ودولة الاحتلال على بُعد أيام معدودة من انتخابات تشريعية حامية الوطيس، خصوصاً وان واحداً من عناوين هذه الانتخابات وسمة من سماتها الأساسية هو تسابق القوى المتنافسة فيها على مستوى ودرجة تصلبها في كل الأمور التي تتعلق بدوام واستمرار وتوسع احتلالها واستيطانها للأرض الفلسطينية، وزيادة قمعها لأهل الأرض وأصحابها الفلسطينيين.

دولة الاحتلال، كما هي طبيعتها العدوانية والقمعية والتوسعية لا تملك سوى القوة المفرطة نهجاً وأسلوباً وتطبيقاً في التصدي والتعامل مع قوى الشعب الفلسطيني وحضوره المقاوم الموصوف، وهي لا تقصر في ذلك أبداً بل هي تفرط وتتوسع فيه، ويشهد على ذلك عدد الشهداء والجرحى والمعتقلين الفلسطينيين المتصاعد باستمرار. ( دولة الاحتلال أعلنت عن 607 حالة اعتقال في شهر آب فقط).

ولكنها بالإضافة الى كل ذلك وبالتوازي معه، فإنها تلجأ الى مناورة مكشوفة تماما بإعلان دعوتها ومطالبتها السلطة الوطنية الفلسطينية الى القيام بما تدعي انه مسؤوليتها في الحفاظ على استتباب الأمن في المناطق التي تقع نظريا فقط ـ وبعيدا جدا عن الواقع المعاش – تحت ولايتها. وبما يعني ان تقوم هي أي السلطة الوطنية الفلسطينية بالتصدي وربما الاشتباك مع مقاومي ومناضلي القوى والتنظيمات والجمهور الفلسطيني المقاوم تحت عنوان الحفاظ على الأمن في أي منطقة ينشطون فيها وذلك تحت خديعة الادعاء انها صاحبة الولاية على تلك المناطق.

وهي – دولة الاحتلال وأجهزتها- اول من يعلم يقينا زيف هذا الادعاء كونها هي من سلب السلطة الفلسطينية بقوة الامر الواقع أي محتوى قيادي حقيقي، واول من جردها – بالقوة- من كل حقوقها الولائية، ومن إمكانية القيام بكامل واجباتها الطبيعية في المناطق التي هي تحت ولايتها حسب الاتفاق المسبق بين الطرفين.

وهي- دولة الاحتلال – من يطلق الاستيطان ويحرره من كل وأي قيد وشرط، فينطلق يقضم بنهم من الأراضي الفلسطينية ويقيم عليها مستوطناته بشهية لا تشبع، وطموحات لا تعرف الحدود، ولا التوقف. ووصل الامر بدولة الاحتلال في تضييقها على السلطة الوطنية الفلسطينية وسلطاتها وحقوقها الى التضييق المالي بحجز جزء هام من حقوقها ومواردها المالية التي يعطي اتفاق باريس لدولة الاحتلال مسؤولية تحصيلها وتوريدها للسلطة. وهو ما يعمق الأزمة المالية للسلطة، ويضعف من قدرتها على القيام بمسؤولياتها.

أن كل سياسات دولة الاحتلال ومسلكيتها الرافضة والمانعة للتوصل الى حلول واقعية لحالة الصراع القائمة، على الأقل بالمنظور الذي يراه ويتبناه المجتمع الدولي بشكل عام.

 فدولة الاحتلال – بتوافق كل قواها السياسية والمجتمعية تقريبا – ترفض لجهة المبدأ فكرة ومقترح حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة وذات سيادة لهم على ارض وطنهم كما يتبناها معظم المجتمع الدولي.

وبالمقابل فإنها تتمسك في ممارستها اليومية بسياسة الاستيطان والتوسع والقمع. وتدعو السلطة ان تكون شريكا في هذه السياسات.

وبعد، أليس من السخرية أو السريالية أن تطلب دولة محتلة من سلطة من تقوم باحتلاله أن تكون أداتها أو تنوب عنها – او تشاركها على الأقل- في التصدي لأهل الوطن ولقواهم الذين يقاومون احتلالها؟

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى