أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

إسرائيل: انتخابات متكررة وقيادات عربية ويهودية جُلُّها متعثرة

الكاتب: زكي كمال

كثيرة هي الأسئلة والتساؤلات والسيناريوهات التي ترافق المعركة الانتخابيّة الحاليّة التي تشهدها إسرائيل للمرة الخامسة خلال أربع سنوات ونيِّف. وهي تساؤلات وأسئلة رافق بعضها المعارك الأربع السابقة التي جرت وسط تساؤلات حول ما إذا كانت نتائجها ستشكّل فصلًا جديدًا يعني الانفراج والانطلاق إلى مرحلة جديدة من الهدوء والسكينة، وإلى ائتلاف حكومي يعمِّر طويلًا ،أم أنها ستشكّل فصلًا إضافيًّا في حالة عدم الاستقرار السياسيّ، أو مرحلة جديدةً ربما تكون أكثر تفاقمًا وحدّة من الأزمة السياسية التي تكرر نفسها مرة تلو الأخرى عبر نتائج انتخابات لا تعني الحسم لأيٍّ من المعسكرات، ويختص بعضها بالخامسة دون غيرها، خاصّة تلك الأسئلة التي لا تكتفي باختزال المعركة الانتخابية في شخص بنيامين نتنياهو عبر تكرار ترديد السؤال المعتاد: ” نعم بنيامين نتنياهو” أو ” لا لبنيامين نتنياهو” ، ما يشير إلى أن نتنياهو وصل إلى وضع يكون فيه إما رئيس وزراء وإما شبحًا يخيف أيّ رئيس وزراء آخر، وأنه يرى نفسه المتحدي الوحيد لخصومه، والمنقذ الوحيد لمعسكره، يستمد قوة حضوره وتأثيره ليس فقط من المقوّمات التي يتمتّع بها سياسيًّا وعسكريًّا محليًّا وعالميًّا، وإنما من ضعف من يقف أمامه وقلّة خبرتهم السياسيّة تارةً ( نفتالي بينيت)، والعسكرية تارةً أُخرى( يئير لبيد). بل إنها أسئلة تدور حول أسباب الفراغ البرلمانيّ وعدم الاستقرار السياسيّ الذي تشهده إسرائيل، وتتمحور حول دور الزعامات في هذا الوضع، أو تحديدًا حول السؤال ما إذا كان من استلموا مواقع التأثير ومقاليد السلطة في إسرائيل، سواء كانوا من رؤساء الأحزاب والحركات السياسيّة، أو من رؤساء الحكومات والمرشحين لرئاستها ، قد اكتفى بدور القائد العادي الذي يمكن وصفه بأنه القائد الإجرائي التقليديّ، الذي ينصب جلّ اهتمامه على تسيير الإجراءات اليوميّة، أو عمليًّا ذلك القائد، أو المسؤول الذي يكرِّس جلّ وقته وجهده للتأكد من أن أتباعه، أو مرؤوسيه يطبّقون أوامره دون تفكير، ويعاملهم بمبدأ الثواب والعقاب ساعيًا للحفاظ على منصبه، أو على كتلته وقوة الجناح، أو المعسكر الذي يؤيّده، أي أنه ينظر إلى الصعيد والبعد الداخلي فقط، أو أنه قائد ملهمٌ ينشد التغيير ويطرح أمام الحلبة السياسيّة العالميّة والمحليّة خيارات جديدة نتائجها الحتميّة تغيير الوضع حتى لو تطلب ذلك الاعتراف بأنه أنهى حياته السياسيّة والدبلوماسيّة واضعًا مصلحة الدولة والبلاد وجمهور مصوتيه وغيرهم أمام عينيه قبل مصلحته الخاصّة وقبل مصلحة حزبه. وباختصار هل فَعَل هذا الزعيم أو ذاك ما يؤهله لأن يوصف بأنه غيَّر وجه الأحداث ووجهتها وقاد بلاده نحو الأفضل، أم أنه أراد بكل ثمن إبقاء سلطته وسيطرته وسلطانه، وهو الأمر تحديدًا هذه المرة خاصّة، وأنها معركة انتخابية ترافقها سيناريوهات كثيرة تتعلق من جهة بمستقبل دولة إسرائيل، وتحدد الأخطار التي تهدد مستقبلها، حيث لم تعهد الساحة السياسيّة الإسرائيليّة مثل هذه التحذيرات منذ عقود طويلة تم الإشادة خلالها بقوة الدولة، ومناعتها، وحصانتها، وقدرتها على التغلب على مشاكلها الداخليّة والخارجيّة، ما يطرح علامات استفهام حول صدورها تباعًا عن مسؤولين رفيعي المستوى أمنيًّا وسياسيًّا يعرفون خبايا الأمور. وتؤكد هذه السيناريوهات أن الخطر الداهم على إسرائيل هو ليس بالضبط خارجيًّا أو دوليًّا في مقدّمتها النوويّ الإيرانيّ والنزاع مع الفلسطينيين، بل مخاطر داخليّة سببها الانشقاقات الداخليّة التي تعيشها إسرائيل ، وفي مقدّمتها التطرّف اليمينيّ، والخطر الذي تشكله العوامل الديمغرافيّة والدولة ثنائيّة القوميّة بحجّة الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، ومنع تدفق الفلسطينيين إليها( وأنصار اليمين والمتدينين في هذا يشبهون أولئك في أوروبا المعادين للأجانب واللاجئين

لأسباب ديمغرافيّة ودينيّة يمكن إجمالها بأنها عنصرية)، والتطرّف الديني والعداء المستشري لجهاز القضاء والمحاكم وأجهزة تنفيذ القانون وغيره، وحقوق الأقليّات، كما عبَّر عن ذلك رئيس الوزراء الأسبق أهود براك، الذي استحضر نماذج من شعوب العالم الذين أصابتهم “لعنة العقد الثامن”؛ فالولايات المتحدة نشبت فيها الحرب الأهليّة في العقد الثامن، وإيطاليا تحولت إلى دولة فاشيّة خلاله، وألمانيا أصبحت دولة حكمها الفكر النازي، ما تسبّب بهزيمتها وتقسيمها، وفي العقد الثامن من عمر الثورة الشيوعيّة تفكّك الاتحاد السوفيتي وانهار، مع الإشارة إلى أن المرشح لرئاسة الحكومة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الأسبق، كان قد قال أنه يأمل أن تصل إسرائيل المئة من عمرها، وأن التاريخ اليهودي يشير إلى أن أيًّا من الكيانات اليهوديّة على مرّ التاريخ لم يتجاوز الثمانين من العمر، كما ترافقها أسئلة تتعلّق بتمثيل الأقلية العربيّة في البرلمان، وبعضها تساؤلات متفائلة تجزم بأن هذا التمثيل سيكون بيضة القبان في الانتخابات القريبة، كما كان المرة السابقة وإلى جانبها وبموازاتها تساؤلات يلفّها التشاؤم تؤكّد أنها المرة الأولى التي يهدّد كافة الاحزاب العربيّة، أو القوائم الثلاث، الجبهة والعربية للتغيير، والتجمع والقائمة العربيّة الموحدة، كلها دون استثناء خطر عدم اجتياز نسبة الحسم بسبب عزوف المواطنين العرب عن التصويت، وقنوطهم بسبب الخلافات التي تسبّبت في تفكّك القائمة المشتركة وما شاب وتخلل المفاوضات بين احزابها الثلاثة من خلافات حول توزيع المقاعد والنقاش العبثيّ والنظريّ حول ” التوصية على مرشح لرئيس الحكومة”، وهي نقاشات دارت حول المصلحة الصغيرة والضيقة( إداريّة) دون أن تأبه للقضايا الكبيرة، أي دون أن يرتفع المسؤولون فيها إلى مرتبة الملهم الذي ينظر إلى بعيد ويملك الجرأة لاتخاذ قرارات تضمن المستقبل ربما لا ترضي البعض أو الكثيرين حاليًّا، ما يعني أن قادة أحزاب المشتركة الثلاثة فضّلوا ” القيادة الإداريّة الإجرائيّة ” على ” قيادة التغيير واستشراف المستقبل والعمل لتحسينه”.

ما قيل سابقًا حول الفرق الشاسع بين القيادة الإجرائيّة والقيادة التغييريّة، يتعدى كونه أقوالًا نظريّة، بل إنه قول له ما يبرره إزاء واقع انتخابيّ في دولة إسرائيل يشير إلى أن تكافؤ الفرص وتعادل الكفة بين الطرفين ، المؤيّد لنتنياهو والطرف المعارض له، هو السيناريو الأقرب إلى التحقق، ما ينذر بانتخابات سادسة فورية أو انتخابات سادسة بعد فترة قصيرة للغاية، ربما سيحاول نتنياهو خلالها تحطيم كافة قواعد الديمقراطية وإلغاء لوائح الاتهام الماثلة ضده، وسيحاول ائتلافه تنفيذ أجنداته التي يتحدث بعضها عن ضم الضفة الغربية وتحويل إسرائيل إلى دولة ثنائيّة القوميّة، أو تطبيق قوانين الشريعة اليهوديّة ومواصلة تمويل اليهود المتزمتين- الحريديم- دون أيّ خطوات تضمن دمجهم في الحياة العامة والاقتصاديّة وإبقاءهم عبئًا على كاهل الاقتصاد الإسرائيليّ، وطبعًا مواصلة وتعميق إقصاء المواطنين العرب في البلاد عبر قوانين جديدة خاصة لنواب من اليمين الديني لم يتورعوا عن الحديث عن ترحيل المواطنين العرب، ( إيتمار بن غفير مثلًا ) . لكن هذا كله لم يقنع رؤساء الأحزاب الثلاثة في المشتركة بمناقشة الفحوى والمضمون وليس القشور، وهي أقوال يسوقني اليها ما جاء في الكتاب الجديد لوزير الخارجية الأميركي الأسبق المشهور والمعروف هنري كيسينجر، بعنوان:” “القيادة: ست دراسات في الاستراتيجيّة العالميّة”، والذي يعتبر كتابه التاسع عشر، وصدر في أوائل شهر تموز 2022، والذي يقول فيه كيسينجر إن الغالبية العظمى من صناع القرار في العالم عامّة يفضلون تقمّص الدور الإجرائيّ الإداريّ وإدارة الحياة اليوميّة سواء للدولةن أو للحزب الذي يقفون في رأسه، وينحصر جلّ اهتمامهم في حماية مناصبهم ، فتجدهم مثلًا يتحاشون تعيين نواب لهم خشية أن يخطفوا منهم الأضواء، ويرفضون الديمقراطيّة الحقيقيّة، أو يحوِّلون الحزب إلى ” ملك خاص لهم ولمقربيهم” ( والأمثلة في إسرائيل كثيرة على

صعيد حزب الليكود وبعض الأحزاب العربيّة) ومنهم من لا يتردد عن إحاطة نفسه بضعفاء يسيّرهم كيفما شاء، متناسيًا أن القائد يستمد قوته من قوة فريقه. ولذلك فهم قادة أو رجال دولة يحلّلون الموقف القائم راغبين أن يحققوا في حدوده أقصى الممكن، وليسوا ضمن القادة الملهمين التحويليين، الذين يعتقدون أنه لا بد لهم من خوض غمار التجارب واتخاذ خطوات وقرارات تؤكّد رؤيتهم الواضحة للمستقبل، ورغبتهم في أن تتحقق هذه الرؤية السياسيّة باعتبارها الأكثر رفعة والأقدر على تحقيق التحوّلات التاريخيّة، حتى لو تطلّب ذلك بعض المعاناة البشريّة، أو إجبار الجيل الراهن على التكيف مع التغيير الجذريّ،( إسحق رابين وشمعون بيرس اللذين وقعا اتفاقيات أوسلو التي امكنها إحداث تحول تاريخيّ، ومعهم ياسر عرفات) متّخذًا من ستة زعماء عالميين سابقين التقاهم شخصيًّا ويعرّف صفاتهم عن كثب وهم كونراد أديناور أول مستشار لألمانيا الغربيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، وشارل ديغول الذي أسس الجمهورية الفرنسيّة الخامسة، والرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، والرئيس المصري الراحل أنور السادات، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر (المرأة الحديديّة) ولي كوان يو أول رئيس وزراء لسنغافورة، المثال والدليل على كيفيّة القيادة الملهمة والتحويليّة، مع التأكيد على أنه ، أي كيسنجر، اعترف أن هذا الكتاب يأتي في وقت يواجه فيه قادة العالم أزمات غير مسبوقة، منها الحرب على أوكرانيا وانعدام الاستقرار في مناطق عديدة من العالم خاصّة الشرق الأوسط ومناطق من آسيا، ووسط تشاؤم متزايد بشأن قدرة القادة على إدارتها.

الزعماء الستة، كلّ منهم يشكّل بالنسبة لهنري كيسنجر، أفضل تعبير عن الفارق بين” القائد التقليديّ” وهم كثر في عالمنا العربيّ عامّة، وبين رجل الدولة الملهم، مؤكّدًا مرة أخرى أن معظم القادة ليسوا أصحاب رؤى، بل هم إداريّون، وأن كل مجتمع بحاجة إلى من يديرون شؤونه اليوميّة المعتادة، لكن في أوقات الأزمات من حروب إلى تغيرات اجتماعية وخلل اقتصادي، أو اضطراب أيديولوجي يقتضي الأمر وجود قادة قادرين على إحداث التغيير، فهو يشير إلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات بأنه قائد ثوريّ تحويليّ ملهم، استطاع عبر المزج الصحيح بين الاستراتيجيّة العسكريّة والدبلوماسيّة أن يسترد معظم الأراضي المصريّة المحتلة بل كلها ، كما نجح في ضمان أن تستعيد مصر ثقتها بنفسها بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967، وأن يضمن سلامًا مع إسرائيل يعتمد على فهم واضح للمستقبل مفاده أن الحسم العسكريّ أصبح غير ممكن إزاء ميزان القوى الدوليّ ووقوف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل بشكل منقطع النظير ما منع عمليًّا انهيار جيشها في الأسبوع الثالث من حرب أكتوبر عام 1973( علمًا أن السادات بعث لكيسنجر رسالة في اليوم الثاني من الحرب يقول إنه يريد التفاوض بعد الحرب، ليرد عليه كيسنجر برسالة جاء فيها:” خلال الحرب أنت تقاتل بالأسلحة السوفيتية لكن سيكون عليك صنع السلام من خلال الدبلوماسيّة الأمريكيّة)، وفهمه بأن القوة التي يملكها العرب على الساحة الدوليّة ومعهم الفلسطينيون لا تكفي- في المرحلة تلك- لضمان إقامة كيان فلسطينيّ مستقلّ، وبالتالي فضَّل أن تضمن اتفاقيات السلام مع إسرائيل( اتفاقيات كامب ديفيد) الحكم الذاتيّ- أوتونوميا- للفلسطينيين وهو ما رفضه الفلسطينيون وباقي الدول العربيّة وردّوا عليه بمقاطعة مصر وإخراجها من الجامعة العربيّة، إضافة إلى أن بقاء السادات في منصبه وعدم اغتياله كما يؤكّد كثيرون مطلعون كان سيؤدي إلى حل يضمن انسحاب إسرائيل من معظم هضبة الجولان وفق ترتيبات أمنية أسوة بما حدث في سيناء، خاصّة وأنه شمل اقتلاع وإخلاء المستوطنات في سيناء ورفح وغيرها وبضمنها مدينة يميت وغيرها، وأنه اتخذ قراره هذا بزيارة إسرائيل رغم معرفته بما سيسببه هذا من ” معاناة” ورفض من مواطنيه والدول القريبة، دون أن يردعه ذلك، واعتبر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بطل فضيحة ووترغيت، والذي استقال من منصبه بسببها ، قائدًا فذًّا على ساحة السياسات الدوليّة التي تتطلّب اليوم المرونة التي تبناها نيكسون للمساعدة على تخفيف الصراعات بين الولايات المتحدة والصين، وأيضًا بين روسيا وباقي أوروبا، وقاد الولايات المتحدة حتى أخرجها من صراع

فيتنام، وجعل للسياسة الخارجيّة الأميركيّة موطئ قدم على المسرح العالميّ، وأقام علاقات مع الصين، وبدأ عملية سلام غيرت من وجه الشرق الأوسط، ورسخ مفهومًا للنظام العالميّ قائمًا على التوازن، رغم فشله الداخليّ مؤكّدًا أن بعض القادة التحويليين الملهمين يمتازون بهذه الصفة على الصعيد الخارجيّ وليس الداخليّ، بعكس أول رئيس وزراء لسنغافورة، لي كوان يو ، الذي برز كقائد ثوريّ تحويلي مُلهم على الصعيد الداخليّ، لتحويل سنغافورة من بلد فقير متعدد الأعراق يحيط به جيران معادون، إلى بلد ينعم بالرخاء والأمن وحسن الإدارة ويجتمع شعبه على هوية وطنيّة واحدة ، أما مارغريت تاتشر فتولّت رئاسة الوزراء في بريطانيا سنة 1979 لتجد دولة فقدت امتدادها العالميّ وأهميتها على المستوى الدوليّ، واستطاعت تجديد حيوية بلدها من خلال إصلاح اقتصاديّ، واتباع سياسة خارجيّة قائمة على توازن بين الجرأة والحذر، فهي ملهمة داخليًّا وخارجيًّا. وهو الأمر بالنسبة لكونراد أديناور، أول مستشار لألمانيا بعد هزيمتها النكراء في الحرب العالميّة الثانية وقبولها شروط دول الحلفاء التعجيزيّة، والتي منعتها من تصنيع الأسلحة أو تكوين الجيش وغير ذلك، ورغم ذلك استطاع بفكره التحويليّ وقيادته الملهمة أن ينقل بلده من أدنى نقطة في تاريخها، بأن جعلها تتخلى عن سعيها الطويل إلى السيطرة على أوروبا، وثبتها في الحلف الأطلسي وأعاد بناءها على أساس أخلاقيّ، كما أعاد شارل ديغول، كقائد تحويلي ثوري، أعادة بناء فرنسا السياسي مرة أخرى بعد انهيارها في الحرب العالمية الثانية، وكذلك سنة 1958 إذ أحيا روحها ومنع وقوع حرب أهليّة فيها، وقاد انتقالها من دولة مهزومة مقسمة إلى بلد يتسم بالاستقرار والرخاء.

والشيء بالشيء يذكر، فتجربة الأحزاب العربيّة وعدم قدرتها على ضمان استمرار وحدتها رغم اختلاف المواقف في القضايا الصغيرة والاتفاق حول الثوابت، ورغم أن الذهاب إلى قائمة مشتركة أثبت جدواه السياسيّة والحزبيّة والجماهيريّة، فأسفر عن 15 نائبًا وجعل الأحزاب العربيّة القوة الثالثة برلمانيًّا وفرض على الأحزاب الأُخرى التعاون التعامل معها ولو من باب المصلحة المتبادلة أو من باب:” مجبَرٌ أخاك لا بطل”، كما أعاد للمواطنين العرب والمصوتين العرب ثقتهم بأنفسهم وقوتهم وقدرتهم على تحقيق مطالبهم وضمان حقوقهم ووقف التحريض ضدهم ومحاولات إقصائهم، إلا أنهم عادوا وقت الامتحان ليكونوا ” قادة إداريين” ينشغلون بالصغائر باستثناء القائمة الموحدة التي كان رئيسها الدكتور منصور عباس، تحويليًّا قياديًّا عبر خوضه غمار الحياة الائتلافيّة والمشاركة الجزئيّة في مواقع اتخاذ القرار( حزب في الائتلاف دون تولي مناصب وزاريّة بما يشكّل اقترابًا من نهج وتجربة الأحزاب الدينية المتزمتة الحريديم بالمشاركة في الائتلاف دون تولي منصب وزير بل نائب وزير)، ويختلفون حول قضية إجرائيّة كقضية التوصية على مرشح لتشكيل الحكومة، وهي قضية لا قيمة لها إذا فاز نتنياهو بفضل انقسامهم بواحدٍ وستين مقعدًا في البرلمان، ولا قيمة حقيقية لها إذا فشل نتنياهو بصفته رئيس أكبر حزب في تشكيل حكومة فعندها ستنتقل هذه الصلاحية بموافقتهم أو بعدمها إلى رئيس الحزب الثاني من حيث عدد المقاعد البرلمانيّة وهو يئير لبيد رئيس الحكومة الحالي، ورغم ذلك علقوا على هذه القضية أو قضية تقسيم المقاعد( تقسيم الغنائم قبل الفوز في المعركة) أسباب انقسامهم وفشلهم، والحقيقة أن توزيع المقاعد لا يمكن أن يكون السبب في الانقسام بين الجبهة برئاسة أيمن عودة، والعربية للتغيير برئاسة د. أحمد طيبي من جهة وبين التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة سامي أبو شحادة من جهة أخرى، وكذلك قضية التوصية فالنائب أحمد طيبي يرفع منذ تسعينيات القرن الماضي راية التعاون البرلمانيّ مع أحزاب من الائتلاف خاصة الأحزاب المتزمتة دينيًا- الحريديم- يشهد على ذلك النائب المتدين موشيه غافني، وقبله ارييه درعي الوزير السابق من الحزب المتدين لليهود من أصل شرقي ” شاس” ، وكذلك النائب أيمن عودة الذي أعلن عام 2019 استعداد المشتركة للمشاركة في ” لعبة التوصيات على من سيشكل الحكومة” ، وبالتالي فالخلاف هو حول المشاركة في الائتلاف، أو الحكومة ودعمها من الخارج، لكن مهمتهما الآن تتمثل بل تُخْتَزَلُ في رفع نسبة المصوتين العرب الذين أصابهم القنوط جراء ما

شهدته المفاوضات من تراشق بالتهم وانشغال بترتيب الكراسي والشعارات بدلًا من الانشغال بمطالب واحتياجات المواطن العربي الذي أنهكه العنف وغلاء المعيشة والتحريض ومحاولات الإقصاء وهو الذي بتصويته للمشتركة عام 2015 ثم انخفاض نسبة مشاركته في اللعبة الانتخابية بعدها جراء الانقسامات غير المبررة والتحالفات غير المنطقيّة، وجّه لنوابه وأحزابهم رسالة واضحة بأن عليهم أن ينتقلوا من مرحلة” القائد الإداريّ” إلى “القائد الثوريّ التحويليّ الملهم” فهذا ما يحتاجه المواطن العربيّ في حالته اليوم التي وصفها كيسنجر في كتابه بأنها ” أوقات الأزمات التي يتخللها خلل اقتصاديّ، أو اضطراب أيديولوجي وتقتضي وجود قادة قادرين على إحداث التغيير”. ولكن يبدو أن العنوان لهذه الرسالة أساء فهمها أو لم يفهمها، وربما وهذا الأسوأ، لم يكن مستعدًا لفهمها، انطلاقا من اعتقادهم الخاطئ بأن لا خيار غيرهم للمصوت العربي حتى لو لم يكونوا بالنسبة له أو من أجله ، بشير مستقبل أفضل متناسين قول نابليون بونابرت :” لا نحكم شعبا إلا بأن نريه المستقبل ، القائد هو تاجر الأمل”، فاختارت المشتركة المناصب قبل المكاسب، وللناخب في هذا قول آمل أن لا يكون متخاذلًا، بل أن يختار الانتخابات والتصويت لمن يراه القيادي والريادي في السياسة وليس المتزمت الذي لا يعرف اللعبة السياسية الحقيقيّة. وهي إمكانية التغيير في المواقف والآراء من أجل رفاهية وتقدم شعبه، وجعله في أعلى القمم وليس مسكينًا كي يستعبده أو يستغله . فالامتحان للعربي في هذه البلاد أن يقوم بدوره عن طريق التصويت وليس القنوط .

جامعة بيرزيت تغرق في صراعات دون نهاية

عقل أبو قرع

عملت في جامعة بيرزيت أكثر من 12 عاما، وفي فترات مختلفة خلال العقود السابقة، وقبل ذلك كنت طالبا في جامعة بيرزيت، وفي تلك الفترات كانت الجامعة تنعم بالاستقرار والهدوء والنمو والتطور والتركيز على النوعية والجودة، وفي نفس الوقت، تتوجه نحو الريادة على الصعيد الأكاديمي والوطني والمجتمعي، وعلى صعيد العلاقات والتعاون داخليا وخارجيا، وكان من الواضح وكما تثبته الأحداث الحالية، أن التوازن الذي حافظت عليه جامعة بيرزيت من خلال كل مكوناتها، والتعاون والتشاور والاحترام للشرائح المختلفة التي تنضوي تحت مظلة الجامعة، والتشارك من خلال الرؤى والرسالة لهذه المكونات كان أهم الأسباب لتقدمها وللحفاظ عليها في الطليعة، وهذه المكونات هي مجلس إدارة الجامعة ومعها مجلس الأمناء، ومجلس نقابة العاملين في الجامعة من أساتذة وموظفين وعمال، ومجلس طلبة الجامعة الذي يحوي كافة شرائح المجتمع الفلسطيني.

وكما هو واضح، الآن، فإن أي إخلال بالتوازن بين مكونات الجامعة، من خلال التقليل من أهمية أحد المكونات أو الاستهتار بمطالب أو مصالح أحد الأطراف، كان ويكون كفيلا بإحداث الخلل وبالتالي لجوء هذا الطرف أو ذاك إلى إجراءات من أجل تحقيق مطالب قد تكون عادلة أو مستحقة أو منطقية، وبأساليب مختلفة، ومن أقسى هذه الإجراءات اللجوء إلى الإضرابات وإغلاق الجامعة، كما يتمثل حاليا من خلال الإضراب وبالتالي تعطيل عمل الجامعة خلال الأسابيع الماضية، من خلال نقابة العاملين، أو كما حدث قبل حوالي عام من خلال إغلاق الجامعة من قبل مجلس الطلبة.

وبصرف النظر عن المطالب أو الأهداف من الإجراءات الحالية أو السابقة، وبصرف النظر عن التبريرات التي يتم عرضها من هذه الجهة أو تلك لاستمرار الأوضاع الحالية، إلا أن من يدفع ثمن هذه الأوضاع هو جامعة بيرزيت بكل مكوناتها، سواء من خلال السمعة الأكاديمية المتمثلة بالجودة والنوعية والعلاقات الدولية، أو من خلال مساهمتها الوطنية والمجتمعية، أو من خلال الثقة والعمل بروح الفريق، والتي من الواضح أنها تعرضت لأضرار نتيجة الأحداث المتلاحقة من إضرابات وإغلاقات وبيانات وتصرفات من هذا الطرف أو ذاك، أو من صراعات لأهداف أخرى.

وبعد مرور أسابيع على الإضراب أو على الإغلاق أو الأزمة الحالية، وبصرف النظر عن المسميات، ما زالت الجامعة تعاني من الشلل التام، ولم يعد الآلاف من الطلبة ومن الموظفين والعاملين والأساتذة يتوجهون إلى الجامعة أو يمارسون نشاطاتهم الاعتيادية، وبصرف النظر عن نوعية الاتفاق الذي سوف يتم يوما ما بين نقابة العاملين والإدارة، والذي سوف ينهى الأزمة، وبصرف النظر عن الآلية التي سوف يتم التوصل من خلالها إلى الاتفاق، وبصرف النظر عمن سوف يكون الرابح أو الخاسر، أو بالأدق نسبة الربح أو الخسارة لهذا الطرف أو ذاك، إلا أن هناك دروسا من الممكن استنتاجها أو استنباطها من هذه الأزمة، على أمل أخذها بعين الاعتبار في الأزمات القادمة، والتي وان لم تتم معالجة هذه الأزمة جذريا، سوف تكون الأزمات القادمة أكثر خطوره وفتكا.

ومن الدروس التي من الممكن أن تفرزها الأزمة الحالية في جامعة بيرزيت، مثلما أفرزتها الأزمات السابقة، انه لا يمكن التفرد بالقرار في هذه الجامعة، التي اعتادت على العمل بشراكة أو بالتشاور وأخذ الرأي، بين الأطراف الثلاثة، أي بين الإدارة ومعها مجلس الأمناء ونقابة العاملين والطلبة، ولم تكن ومن الممكن ألا تكون هذه الأزمة هي الأخيرة، وذلك بسبب إهمال الجانب التشاركي أو الحوار أو التواصل الفعال بين الأطراف الثلاثة قبل اتخاذ قرارات منفردة ومن أي طرف، وهناك إضرابات أو احتجاجات خاضها أحد مكونات الجامعة، بسبب التفرد في القرارات أو محاولة إهمال أو تجاهل احد الأطراف، وبالتالي وفي ظل المصلحة العامة للجامعة وبما أنها جامعة «عامة»، فمن المفترض التشاور أو أخذ الآراء في قرارات مستقبلية من قبل احد الأطراف يمكن أن تؤثر على الأطراف الأخرى.

الدرس الآخر هو رد الفعل العكسي والنفسي الذي يمكن أن تؤدي إليه قرارات متسرعة،  ومن المعروف أن تاريخ الإضرابات والاحتجاجات وبأنواعها طويل ومتشعب في الجامعة، سواء من قبل الطلبة أو من قبل العاملين، أو كليهما، وبالتالي فإن اتخاذ قرار متسرع كرد فعل على احتجاج أو مظهر من مظاهر الاحتجاج مهما كان نوعه، لم ولن يعطي النتيجة المطلوبة، بل على العكس أدى إلى ردات فعل نفسية قوية، والى مزيد من تضافر المكون المستهدف والى توجيه الاتهامات وبأنواعها لإدارة الجامعة وامتداداتها، وهذا ما يحدث بالضبط خلال الأزمة الحالية وكما حدث خلال الأزمات السابقة. 

ومن الدروس أو العبر الأخرى، هو أهمية الحوار بين الأطراف في الجامعة، ليس فقط قبل حدوث الأزمة، بل بعد حدوثها وبشكل فعال، أي دون انقطاع وتدخل أطراف أخرى إذا امكن، واعتقد أن هذه الأزمة لم تكن لتطول إلى الآن من الإغلاق مع كل الخسائر، لو كان هناك حوار متواصل وبحسن نية، وبمرونة وبأخذ مصلحة الجامعة، كجامعة تضم الأطراف الثلاثة بعين الاعتبار.

وكان واضحا من هذه الأزمة أن محاولة التهميش أو التعامل الفوقي، أو تجاهل مطالب معيشية حياتية، لم تنجح بل بالعكس قد تسببت بتفاقم الأزمة، والاهم أنها اضعفت الثقة بين الأطراف، واعتقد أنها من الأسباب التي أطالت الأزمة وعقدتها وما زالت، ولو أن التعامل كان بروح العمل الجماعي للتوصل إلى حل وسط، لما دامت الأزمة أياما، والجميع تقريبا يعرف ما هو الحل الذي سوف تنتجه أزمة الإغلاق هذه، وان الحلول الوسط في النهاية هي التي سوف تسود. 

وبالطبع فإن توفير حلول جذرية لازمات جامعة بيرزيت والجامعات الأخرى، وبالإضافة إلى العمل التشاركي بين الأطراف الداخلية، يتطلب بناء التواصل الفعال مع المجتمع، كما كان قبل سنوات عديدة، وأظهرت أزمة جامعة بيرزيت الحالية، تقريبا عدم اللامبالاة من قبل المجتمع وبأطيافه، سواء أكان القطاع العام أو الأهلي أو القطاع الخاص، إلا لما له مصلحة مباشرة مع تداعيات هذه الأزمة. ولبناء تواصل فعال مع المجتمع يتطلب العمل بروح المصلحة المشتركة، وليس فقط بأن يكون المجتمع هو المتبرع والجامعة تتلقى كما كان، ولكن بأن يتم إرساء ثقافة عمل الفائدة المشتركة، بحيث يستفيد القطاع العام أي الحكومة والقطاع الخاص والمدني من الجامعة وفي مجالات عدة، أسوة بالجامعات الأخرى في المجتمعات المتقدمة.

ومن العبر أو الدروس التي تم استخلاصها من أزمة الإضراب الحالية، أنه وفي ظل دوامة تكرار الإضرابات وشل الجامعة، من المفترض أن يعمل مجلس أمناء الجامعة وإداراتها بالتخطيط بعيد المدى الهادف لإيجاد حلول مستدامة لقضايا مكررة وتعود كل عام وبشكل مضجر، بعيدا عن قرارات أو إجراءات لا تتعامل مع قضايا ومطالب تؤثر على حياة العاملين اليومية، وأن تضع خططا استراتيجية للاستثمار ومن أجل إنشاء صناديق استثمارية خاصة بها تحقق عائدا ماليا يساهم في سد عجزها المالي وبشكل مستدام.

وفي ظل تواصل أزمة جامعة بيرزيت الحالية وغرق الجامعة بكافة مكوناتها في صراعات بدون نهاية، من المفترض على مكونات الجامعة، أي الإدارة والنقابة والطلبة، التعامل بحذر مع تداعيات أو آثار هذه الأزمة، والنظر إلى الأمور بشكل أوسع من عناد شخصي أو من تشبث بمواقف لا تفيد أحدا، وفي نفس الوقت أن تبدأ وبشكل متواز بحوار لإيجاد حلول مستدامة لازمات تتكرر كل عام، من قبل هذا الطرف أو ذاك وبأن يتم هذا الحوار في إطار روح عدم وجود رابح أو خاسر، ولكن في المحصلة التوصل إلى حلول وسط تحقق الحد الأدنى من مصالح الأطراف الثلاثة داخل الجامعة، والتي هي بشكل أو بآخر مصالح متداخلة ومتشابكة، وشكلت وسوف تشكل الدعامة لاستمرارها وتقدمها.

فلسطين، من الاستيطان إلى الأبارتهايد

آلان غريش

بعد مضي 30 سنة على اتفاق أوسلو، لم تعد هناك أية إمكانية لتحقق حل الدولتين. وبينما يتعرّض قطاع غزة لحصار خانق، تتعاظم معاناة أهالي الضفة الغربية بسبب سياسات التمييز والتنكيل. على عكس حالة الضياع والفوضى السائدة في أوساط القيادة الفلسطينية، فإن الشعب غير مستعد للخضوع.

«في القدس، وقّع بايدن شهادة وفاة الفلسطينيين». اختار الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي هذا العنوان لمقاله ليقدّم الخلاصة الرئيسية لزيارة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط في تموز 2022. كرّر هذا الأخير، شكلياً، تأييده لحل الدولتين، ولكنه حرص على الـتأكيد أنها لن تجد طريقها إلى التنفيذ «على المدى القصير». ما الذي سيحصل حينها؟ «هل سيعود القرار للإسرائيليين وحدهم؟ هل سينسحب المستوطنون بملء إرادتهم؟ هل سيشعرون بالرضى عندما يصل عددهم إلى المليون بدلاً من 700000؟»، انطوت صفحة من التاريخ، وفقاً لكاتب العمود في «هآرتس»، أخذ خلالها الفلسطينيون بخيار الرهان على الاعتدال وعلى الغرب. ومع القوانين الجديدة التي جرى سنها ضد حركة المقاطعة (BDS)، والتعريفات المضللة لمناهضة الصهيونية باعتبارها عداء للسامية، لم تعد الولايات المتحدة وأوروبا حاضرتين في حسابات الفلسطينيين، الذين «قد يواجهون مصيراً مشابهاً لمصير السكان الأصليين في الولايات المتحدة».

هل سيكون مآل الفلسطينيين هو الاكتظاظ في المعازل، على نمط تلك الخاصة بـ«الهنود الحمر»، ورقص الدبكة أمام سياح مفتونين بما هو غريب وجديد؟ منذ الحرب العربية-الإسرائيلية في حزيران 1967، لم يسبق أن كانت ظروفهم السياسية والديبلوماسية والاجتماعية تبعث على هذا القدر من اليأس. هم عرفوا أوضاعاً بالغة الصعوبة بعد إنشاء إسرائيل في 1948، وتصفية قيادتهم السياسية واقتلاع مئات الآلاف منهم من أرضهم وتشتتهم في مخيمات اللجوء. ولكن بين عامي 1967 و1969، فاجأت منظمات الفدائيين الجميع عبر استغلالها الفراغ الذي أوجدته هزيمة البلدان العربية؛ حمل جيل جديد السلاح وأعلن أن التحرير سيكون من فعل الفلسطينيين أنفسهم. كرس إحياء منظمة التحرير الفلسطينية الوجود السياسي لشعب حاولت إسرائيل محو أثره، وعودة فلسطين إلى الخريطة الجيوسياسية. وفي بضعة سنوات، تعزز دور منظمة التحرير في مخيمات اللجوء، بخاصة في الأردن ولبنان، وفي الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية. وبالتدريج، تم الاعتراف بها كـ«ممثل وحيد للشعب الفلسطيني»، وهو ما أكده خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1974.

لم يعرقل خطف الطائرات في أواخر الستينيات، ولا قتل الرياضيين الإسرائيليين في الألعاب الأولمبية في ميونيخ في 1972، أو العمليات ضد المدنيين في إسرائيل، استمرار صعود هذا الدور. وكما تساءل جيروم ليندون، مدير دار نشر «مينوي»، التي تأسست سرّاً خلال الاحتلال النازي لفرنسا، والمدافع بحزم عن استقلال الجزائر، «لماذا سيحترم الفلسطينيون قواعد الحرب الحديثة التي فرضتها الأمم المسيطرة؟» بدأنا نفهم، حتى في أوروبا، وعلى المستوى الرسمي، أن «الإرهاب» ليس وباء، بل هو أحد أعراض انسداد الأفق السياسي. في 1975، وافق رئيس الجمهورية الفرنسية فاليري جيسكار ديستان على فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس.

غير أن فكرة التحرير اعتماداً على البندقية تلاشت بالتدريج هي الأخرى. فبعد طرد منظمة التحرير من الأردن في 1970-1971، أخرجت كذلك من لبنان في 1982. أدى حصار بيروت في صيف 1982 إلى تعاطف قطاع من الرأي العام الأوروبي مع الفلسطينيين -بعد مشاهد القصف العشوائي للعاصمة اللبنانية من قبل مدافع وطائرات ودبابات آرييل شارون، ومجازر صبرا وشاتيلا- لكنه وجه ضربة قاضية للخيار العسكري الفلسطيني. وكانت الأنظمة العربية من جهتها قد تخلت عن الخيار العسكري، وقام الأقوى بينها، النظام المصري، بتوقيع اتفاق سلام منفرد في 1979. فقدت العمليات العسكرية الموسمية من فعاليتها مع تشتت مقاتلي منظمة التحرير بعيداً من حدود فلسطين، بين تونس واليمن. احتفظت المنظمة بورقتي قوة: التفاف شعبها من حولها الذي أثبتته الانتفاضة الأولى (1987-1993)، والوعي الدولي المتنامي باستحالة السلام من دونها، وهو ما ورد في إعلان فيينا الصادر عن المجموعة الاقتصادية الأوروبية آنذاك، في حزيران 1980، الذي اعترف بحق الفلسطينيين بتقرير المصير، وبضرورة إشراك المنظمة بأية مفاوضات في الشرق الأوسط.

نهاية الحرب الباردة وانهيار «المعسكر الاشتراكي»، والتفاؤل الناجم عن تسوية عدة نزاعات، من جنوب القارة الأفريقية إلى أميركا اللاتينية، وحالة الإنهاك في المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات الانتفاضة، وسخط الرأي العام الغربي حيال قمع الفلسطينيين، جميعها عوامل أفضت إلى اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993، الموقّع بين عرفات ورابين بإشراف الرئيس الأميركي بيل كلينتون. من الممكن تلخيص فلسفة هذا الاتفاق على النحو التالي: حكم ذاتي فلسطيني يقود بعد فترة انتقالية من 5 سنوات إلى دولة فلسطينية. عدلت منظمة التحرير عن فكرة إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية على أراضي فلسطين التاريخية، يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وتبنّت، بدفع من الغربيين، مشروع حل الدولتين.

لا «عرض سخي» إسرائيلي خلال مفاوضات كمب دايفيد

اتفاق أوسلو لم يكن عقداً بين شريكين متساويين بالحقوق، بل ترتيبات بين واقعين تحت الاحتلال ومحتلّين، في ظل رجحان ميزان القوى لصالح الطرف الثاني. نصوص الاتفاق كانت غير واضحة وضبابية، ملائمة للإسرائيليين -فهي لم تتطرق مثلاً إلى ضرورة وقف الاستيطان للأراضي التي من المفترض إعادتها للفلسطينيين. هل كان من الممكن، رغماً عن ذلك، أن تطلق دينامية سلام؟

الجواب هو بالنفي لأن المحتل فرض خلال كل مرحلة وجهة نظره بدعم من الولايات المتحدة وبتواطؤ من الاتحاد الأوروبي. جزء يسير من موجبات الاتفاق تم الالتزام بها: لم يتم تحرير جميع الأسرى الفلسطينيين، لم يجر بناء مرفأ في غزة، «الممر الآمن» بين الضفة وغزة فتح بعد 5 سنوات من التأخير. رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين قال إن «التواريخ ليست مقدسة»، لكن الاستيطان تسارع. شرعت تل أبيب بتقسيم سوريالي للضفة. عدم الاحترام المزمن للجدول الزمني الوارد في الاتفاق تسبب بالنتيجة بنفاد صبر الفلسطينيين وعزز موقع حماس المعارضة لنهج التفاوض الذي اعتمده عرفات… «السلام» الذي كان ينبغي أن يقود إلى الاستقلال والازدهار، عمم الشعور بالمهانة والاستباحة.

وفي تموز 2000، عقدت قمة كمب دايفيد بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، وعرفات، والرئيس كلينتون، لتسوية المشكلات العالقة (الحدود، اللاجئين، مستقبل المستوطنات، القدس)، ولم تكن السلطة الفلسطينية تسيطر سوى على مناطق متفرقة من الضفة تمثل 40% من مجمل مساحتها. أصبحنا نعرف اليوم، استناداً إلى شهادات مختلفة من أفرقاء المفاوضات أنه لم يقدم خلالها أي «عرض سخي» إسرائيلي. تل أبيب أرادت ضم 10% من الضفة على الأقل، والاحتفاظ بسيطرتها على الحدود وبقاء غالبية المستوطنات. الفشل كان حتمياً لكن باراك اتهم عرفات بالمسؤولية عنه. انفجرت انتفاضة ثانية، حتمية هي الأخرى، في أيلول 2000. في نفس تلك الفترة، نجح باراك في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام وأنه كشف «الوجه الحقيقي لعرفات».

هذه العقلية الاستعمارية تعود إلى جذور الحركة الصهيونية، وهو أمر يرفض العديد من الغربيين الإقرار به كما يعكس السجال حول وجود نظام أبارتهايد في إسرائيل

وحتى الذين لا يعزون مسؤولية فشل «مسار السلام» لعرفات وحده، وجدوا متهماً مثالياً: «المتطرفون من الجهتين». يتعامى هؤلاء عن العامل الحاسم، وهو الرفض الإسرائيلي الحكومي والشعبي للاعتراف بالآخر الفلسطيني كندٍ متساو بالحقوق. حق الفلسطينيين بالكرامة والحرية والأمن والاستقلال جرى إخضاعه تماماً لصالح حق الإسرائيليين. هذه العقلية الاستعمارية تعود إلى جذور الحركة الصهيونية، وهو أمر يرفض العديد من الغربيين الإقرار به كما يعكس السجال حول وجود نظام أبارتهايد في إسرائيل.

في 19 تموز 2018، صوت البرلمان الإسرائيلي على قانون أساسي جديد عنوانه «إسرائيل كدولة-أمة للشعب اليهودي»، ينص البند الأول فيه على أن «ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل محصور بالشعب اليهودي»، أي أن هذا الحق لا ينطبق على الفلسطينيين؛ بند آخر يشير إلى أن «الدولة تعتبر نمو الاستيطان اليهودي هدفاً قومياً وستعمل على تشجيع المبادرات العاملة على ذلك»- ما يعني الحق بمصادرة أراض فلسطينية في الضفة والقدس وداخل حدود 1948. هذا النص يكرس واقع أبارتهايد عرفته المحكمة الجنائية الدولية على أنه «نظام ممأسس لاضطهاد مجموعة عرقية لأية مجموعة عرقية أخرى والسيطرة عليها». في 2021، خلصت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية إلى وجود «نظام تفوق يهودي بين نهر الأردن والمتوسط». تبعها في ذلك أكبر منظمتين غير حكوميتين دوليتين، «هيومان رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية». وعلى عكس من الإشادات التي تحصل عليها المنظمتان عادة عندما توجهان انتقاداتهما للصين وفنزويلا وروسيا، فقد تعرضتا لحملات تشوية واتهام بالعداء للسامية.

إذا تجاوزنا هذه الإدانات التي تظهر في فرنسا انزياح قسم كبير من الطبقة السياسية لصالح إسرائيل منذ بداية الألفية الثانية، فإن اللافت هو الصعوبة التي يجدها بعض أصحاب النوايا الحسنة، ومنهم من يعارض الاحتلال، على الاعتراف بحقيقة تجلت عبر إقرار قانون في إسرائيل. إصرارهم على وجود فوارق بين أفريقيا الجنوبية وإسرائيل غايته «إنقاذ» صورة إسرائيل، «المعجزة» التي سمحت بـ«الحق بالعودة» لليهود المنفيين بعد تدمير الهيكل من قبل الرومان.

غير أن التاريخ الفعلي، الملموس واليومي للحركة الصهيونية منذ تأسيسها في أواخر القرن التاسع عشر يتماهى مع عملية توسع السيطرة الغربية على العالم. عند اندلاع حرب 1967، كتب المستشرق الفرنسي، اليهودي الديانة، مكسيم رودنسون، خلاصة لمقاله المعنون «إسرائيل، ظاهرة استعمارية؟»، نشر في «الأزمنة الحديثة»، رأى فيها أن «إقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية جاء في سياق مسار طويل من التوسع الأورو-أميركي في القرن الـ19 والقرن الـ20 للاستيطان في بلدان الشعوب الأخرى والسيطرة عليها سياسياً واقتصادياً». في ذلك الزمان، كان مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتزل يجهر علناً، في رسالته لسيسيل رودس مثلاً، أحد قادة التوسع البريطاني في جنوب القارة الأفريقية، بأن برنامجه «هو برنامج استعماري استيطاني».

ترتب على الطبيعة الاستعمارية للحركة الصهيونية، منذ البداية، سياسة «فصل»، أي أبارتهايد سبّاق، بين المستوطنين والسكان الأصليين. وكما كانت الحال في أميركا الشمالية وأستراليا وجنوب القارة الأفريقية والجزائر، انطلق الاستعمار الاستيطاني في تعامله مع السكان الأصليين على أن وجودهم غير شرعي، وأن بالإمكان طردهم أو قتلهم باسم الرب أو «الحضارة».

أمّا بالنسبة للصلة بين «الشعب اليهودي» والأراضي المقدسة، فإن الباحث الإسرائيلي إيلان بابيه أشار إلى أن «غالبية الصهاينة لا يؤمنون بالرب غير أنهم يعتقدون أنه وهبهم فلسطين». وهو اعتقاد يشاطرهم إيّاه كثير من الغربيين، بمن فيهم بعض المناهضين للأديان. أية محكمة مستعدة للإقرار بأن التوراة ممكن أن تعتمد كصك ملكية؟

المشتركات أكبر من الفوارق بين مشاريع الاستعمار الاستيطاني. وكما أوضحت الباحثة الأميركية آمي كابلان، فإن أحد أسباب التعاطف الأميركي مع إسرائيل يرتبط بالتشابه بين استيطان الغرب الأقصى الأميركي والاستيطان اليهودي، وبين راعي البقر المقدام، والمستوطن الإسرائيلي المسلح. ذو مغزى أكبر هو التحالف الذي نسجته إسرائيل مع أفريقيا الجنوبية، التي قادها الحزب الوطني بين 1948 و1994، والذي أوصل الفصل والتمييز العنصريين إلى أوجهما، وطبق سياسة «التنمية المنفصلة»، وهو المعنى الحرفي للأبارتهايد. قادة الحزب الوطني، اللاساميون والمتعاطفون مع ألمانيا النازية، سيتعاونون لعقود مع إسرائيل، التي ستساعدهم بدورها على امتلاك التكنولوجيا النووية العسكرية. أسرار هذا الزواج المنافي للطبيعة كشفها الأستاذ الجامعي الإسرائيلي بنيامين بيت هالامي: «تستطيع أن تكره اليهود وأن تحب الإسرائيليين، لأن الأخيرين، بمعنى ما، ليسوا يهوداً. الإسرائيليون مستوطنون مقاتلون، على غرار البيض في جنوب أفريقيا. هم قساة وأشداء ويعرفون كيف يسيطرون». هذا التفسير يسمح بفهم تأييد غالبية حركات اليمين المتطرف عبر العالم لإسرائيل اليوم، وان بقيت لاسامية، هي تنظر للإسرائيليين على أنهم «مستوطنون بيض» في المقام الأول، يجب دعمهم في مقابل «التهديد الإسلامي». هرتزل تحدث عن إسرائيل كقلعة متقدمة للحضارة ضد البرابرة، وجرى تجديد هذا الدور في زمن «الحرب على الإرهاب».

تجربة سياسية صلبة ووعي وطني لا يتزعزع

لقد انتهت المرحلة التي دشنتها حرب 1967. القيادات الفلسطينية باتت فاقدة لأية رؤية استراتيجية وللكثير من شرعيتها. البلدان العربية -وهذا لا يصح على الرأي العام العربي- تبتعد عن فلسطين. الغرب الموحد في مواجهة «الإرهاب الإسلامي»، وروسيا والصين يصنف المأساة الفلسطينية على أنها ملهاة في أحسن الأحوال، أو على أنها إحدى جبهات الحرب على الإرهاب في أسوأها، مبرراً «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حتى عندما تبادر بالحرب، كما جرى في غزة في آب 2022. الاتحاد الأوروبي يسمح باستمرار الاستيطان، ولا يفرض أية عقوبات بسببه، فيتيح دفن حل الدولتين الذي يزعم التمسك به.

من غير المجدي إنكار خطورة التحديات التي يواجهها الفلسطينيون. لديهم رغم ذلك أوراق قوة هامة، إضافة لمساندة حركة التضامن العالمية الأوسع منذ معارك التحرر في فيتنام وجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من جميع المحاولات لاقتلاعهم من أرضهم، فهم ما زالوا يشكلون نصف سكان فلسطين التاريخية ويمتلكون تجربة سياسية، وتصميم صقل في الشتات أو تحت الاحتلال، ووعي وطني لا يتزعزع عبرت عنه الهبة الشعبية في أيار 2021 في القدس وغزة، وفي حيفا وجنين، وفي أنحاء فلسطين التاريخية. شعب عنيد ومصمم ومقاوم يرفض الاستسلام. وإذا كانت غاية الحرب، وفقاً لكارل فون كلاوسفيتز (1780-1831) هي «إخضاع الخصم لإرادتنا»، فإن إسرائيل، على هذا المستوى على الأقل، قد فشلت في ذلك.

خطاب الرئيس عباس.. انطلاق قاطرة فك الارتباط وما يجب ان يكون!

كتب حسن عصفور

 يوم 23 سبتمبر 2002، بات اليوم الرسمي لإلغاء العلاقة “الاتفاقية” بين منظمة التحرير، ودولة الكيان من خلال اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو)، الموقع في 13 سبتمبر 1993ـ أي بعد 29 عاما، وضع الرئيس محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة نهاية التمسك الرسمي الفلسطيني به.

خطاب الرئيس عباس، بعدما وضع الرواية الفلسطينية في سياقها بتحميل مسؤولية “الجريمة السياسية الكبرى” انطلاقا من “وعد بلفور” لأمريكا، بريطانيا ودولة الكيان، صحح مسارا غاب كثيرا عن “العلاقة الثلاثية” بين أطراف الجريمة وما تلاها من حماية كاملة لكل ما حدث لفلسطين، أرضا وشعبا وحقوقا.

القيمة السياسية لخطاب الرئيس محمود عباس، انه أعاد رسم ملامح الصراع بعيدا عن “خدعة وجود اتفاق” تم اغتياله من طرف الحكومات الفاشية المتعاقبة في تل أبيب، منذ مايو/ يونيو 1996، مع انتخاب قاتلي رابين موقع الاتفاق مع الخالد ياسر عرفات.

 إعلان انهاء العمل رسميا باتفاق كان “أطلالا سياسية” استخدمها العدو القومي نفقا للهروب من المساءلة، بعدما تأخر القرار طويلا، تأكيد بأن العلاقة القائمة ليست بين أطراف تشاركت في عملية كانت تهدف الى انتاج حل سياسي، لكنها علاقة تصارعية بين شعب محتل يقاوم دولة تحتل أرضه، وترتكب الجرائم اليومية ضده.

وانطلاقا، من تحديد شكل العلاقة وطابعها، أعلن الرئيس عباس رسميا، الطلب من الأمين العام للأمم المتحدة وضع خطة لإنهاء الاحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والى حين ذلك يجب توفير “الحماية الدولية للشعب الفلسطيني”، مما ترتكبه دولة غازية ومغتصبة لدولة فلسطين.

وبالتساوق مع طلب الحماية الدولية، تقدم الرئيس رسميا بالعمل على تغيير صفة “دولة فلسطين” من عضو مراقب وفق قرار 19/ 67 لعام 2012، الى دولة كاملة العضوية، واستنادا الى قراري 181و194، كنقلة سياسية جديدة في تحديد الإطار القانوني والجغرافي، يتجاوز حدود قرار 2012، بالعودة لحدود قرار “تقسيم فلسطين 1947”.

التأكيد، على العودة لقرار 181، تأكيد صريح لحق دولة فلسطين، ومرتبط بها حق العودة وفق قرار 194، وهو تعديل جذري في الخطاب الرسمي الفلسطيني، والذي غاب عنه الاستخدام السياسي للقرار الأممي، بصفته الإطار القانوني لقيام دولة فلسطين.

الرئيس عباس، أكد ان فلسطين ستعود لممارسة حقها الطبيعي في تقديم طلبات قبولها عضوا كامل الحقوق في منظمات دولية، منظمة الصحة العالمية، والتي تأخر الطلب نحوها تحت التهديد الرسمي الأمريكي للرسمية الفلسطينية، بل اعتبرتها مختلف الإدارات الأمريكية بمثابة تجاوز “الخط الأحمر”، نظرا لأهمية ودور تلك المنظمة، وما سيترتب على عضوية فلسطين من أثر سياسي – قانوني، ومعها الذهاب لعضوية منظمة الطيران العالمية والملكية الفكية.

تفاصيل الخطاب أعاد “تلميع” ذاكرة المنظومة العالمية حول جرائم الحرب الإسرائيلية ضد فلسطين أرضا وشعبا، بعد أقل من 24 ساعة على خطاب التضليل السياسي والخداع الممنهج لرئيس “الطغمة الحاكمة” في تل أبيب يائير لابيد، في ذات القاعة، بعدما “تفاخر” بما فعل عبريا.

وردا على مناورة لابيد حول “حل الدولتين”، التي قام بعرضها تنسيقا مع الإدارة الأمريكية، طالب الرئيس عباس بعقد مفاوضات فورا بين “دولة فلسطين” ودولة الكيان، وهنا انتقال جوهري لشكل التفاوض ومضمونه، فلم يعد الأمر بين منظمة/ سلطة، بل تفاوض بين دولة ودولة لترسيم علاقات بينهما.

خطاب الرئيس محمود عباس مثل مرحلة فصل سياسي جديد، أطلق قاطرة فك ارتباط متدرج ولكنه سريع، عبر خطوات محددة تتاليه ولكنها تكاملية، تطبيقا عمليا لقرارا الشرعية الفلسطينية منذ 2015.

القيمة السياسية لخطاب الرئيس عباس، سريعا واجهتها دولة الكيان العنصري الفاشي، باعتباره “رئيس غير صلة ولى زمانه”، مترافقا مع حملة عسكرية واسعة في أرض دولة فلسطين، تأكيدا لحقيقتها الاغتصابية.

خطة الرئيس عباس السياسية لفك الارتباط مع دولة الاحتلال، تتطلب أدوات فعل وتعزيز، دون المساس بقيمتها وأهميتها، تبدأ من تصويب دور المؤسسة الفلسطينية الرسمية، أداء ومهام، ما يتطلب البدء فورا لاستكمال خطوات فك الارتباط والسير بتعزيز مكانة دولة فلسطين دوليا، وطلب الحماية الدولية، عبر خطوات محددة:

سياسيا – قانونيا

* اعتبار المجلس المركزي (مع تعديلات ضرورية في عضويته) برلمان دولة فلسطين، يتمتع بصلاحيات كاملة.

* تشكيل حكومة دولة فلسطين، تنال ثقتها من البرلمان.

* العمل على صياغة دستور دولة فلسطين.

* تكليف البرلمان بوضع خطة عمل لتصويب المشهد الانقسامي.

* دراسة التعامل مع “التمرد الخاص” في قطاع غزة.

حول جوانب العلاقة المدنية – الأمنية

* الغاء وزارة الشؤون المدنية، ونقل صلاحياتها الى دائرة شؤون المفاوضات.

* وقف التنسيق الأمني والكف عن أي تبادل معلوماتية خاصة، وحصر أي علاقة ضمن دائرة شؤون المفاوضات، أو مكتب مستشاررئيس دولة فلسطين الأمني.

* تغيير كل المسميات على الورق الرسمي من سلطة فلسطينية الى دولة فلسطين.

قواعد الاشتباك مع محتلي أرض دولة فلسطين

* العمل على ترسيخ قيمة مواجهة المحتلين بكل السبل الممكنة، واعتبار قوات الأمن الفلسطينية جيش الدولة وحامي أراضيها بكل ما يمكنهم ذلك.

* التفكير بإعادة العلاقة بين “القوات الرسمية الأمنية” والأجنحة الفصائلية المختلفة، نحو علاقة تكامل لمواجهة العدو، بعيدا عن الحسابات الفصائلية الخاصة.

* الانطلاق نحو فك الارتباط من علاقة مع عدو غازي الى فك ارتباط بكل ما كان من “أساليب عمل بليدة”، خاصة في المؤسسات الرسمية كافة، لتصبح أداة تنفيذية لخطة الرئيس عباس.

ملاحظة: أن تحتفي الناس بخطاب الرئيس كويس..ان تعارض بعض الناس الخطاب كويس.. بس اللي مش كويس أبدا أن تنفخ في سوره أكثر ما قال أو تكسر مجدافيه لأنك شو ما قال انت ضده…عارضوا بس ما تصيروا “أردان 2”..الباقي عندكم!

تنويه خاص: شكلها “حكومة بني البنا” في غزة كل يوم تقوم باختراع ظلم الناس اللي مش على هواها…واللي مش عارف يسأل ابن الشوا واللي صار فيه…

مرافعة الرئيس عباس بين استجداء الحل وفرضه

سليم يونس الزريعي

خاطب الرئيس محمود عباس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة انعقادها الـ77 الجمعة 23 سبتمبر 2022، كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، والعنوان الشرعي للتمثيل الفلسطيني أمام العالم، وهو بهذه الصفة، تحدث كقائد للشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن أن هناك قوى فلسطينية لا ترى ذلك ارتباطا بأجندتها السياسية الأيديولوجية، وهناك قوى لا تشكك في مشروعية الرئيس كقائد للشعب الفلسطيني ومتحدثا باسمه، ولكنها تختلف معه في مقاربته السياسية للصراع مع الكيان الصهيوني، وفي كيفية إدارة الصراع وضمن أي فكر سياسي يجري ذلك قي غياب الوحدة، فيما هناك قوى سياسية فلسطينية، التي هي صوت سياسي خفيف الحِمل شعبيا وسياسيا وكفاحيا، ويمكن استعارة تشبيه أنها أطراف مع الفارق تدور حول المركز، أي السلطة الفلسطينية وتتبني سياساتها ومواقفها لأسباب معروفه لأي متابع للشأن الفلسطيني، وبالطبع هناك فريق السلطة وله ثقله وحضوره، ولذلك من الطبيعي أن تكون مرافعة الرئيس عباس محل تباين في وجهات النظر، تبعا لرؤية كل طرف فلسطيني السياسية والفكرية، ومن ثم مقاربته لحل الصراع مع الكيان الصهيوني في ظل حالة الانقسام وغياب البرنامج السياسي في حده الأدنى الذي يمكن أن يلتف حوله الكل الفلسطيني بكل ألوان طيفه الفكري والسياسي.

ويعنيني هنا كمتابع محكوم بشرط فلسطينيتي، أن أحاول تفكيك مرافعة الرئيس عباس كما فهمتها، ليكون السؤال هل الجمعية العامة هيئة محلفين في محكمة حتى تحكم له بالحل الذي طالب به في نهاية مرافعته، “أريد حلا”.

إن طلب الرئيس للحل من الجمعية العامة فيما هي لا تملك أن تقرر، وإنما يقتصر دورها على أن توصي، وهي توصيات غير ملزمة وإنما لها قيمه معنوية فقط، وهناك عشرات التوصيات التي أصدرتها الجمعية حول القضية الفلسطينية ولكنها بقيت مجرد توصيات لا أكثر، وأعتقد أن أهمية الجمعية العامة هي في تعريف أعضائها بالمظلمة الحقوقية والقانونية والإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ 74 عاما من أجل حشد رأي دولي فردي وجمعي لدعم القضية الفلسطينية وتفهم كفاح الشعب الفلسطيني من أحل التحرر، لكن الحل ينتزعه الشعب الفلسطيني عبر مواجهة الاحتلال لا استجداءه من أي جهة، حتى لو كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لا تملك هذه المُكنة أصلاـ وإلا لفرضت قرارها الأشهر رقم 194 الصادر في 11/12/1948، المتعلق بحق العودة.

وإذا كانت مرافعة الرئيس قد أعادت التذكير بجرائم مشروع الحركة الصهيونية في فلسطين من مجازر وتدمير قري وتهجير، وتأكيده أن هذا الكيان هو نظام فصل عنصري بامتياز، ضحيته الشعب الفلسطيني، ومع ذلك وإن كان هذا الاستعراض مهما، كي يعرف العالم ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، الذي هو فيما نقدر يعرف ولكنه يتجاهل لأن هناك من يقف وراء ذلك، ثم لماذا الاستغراب من ذلك، في حين أن بعض ما يسمى بالأشقاء العرب يتجاهلون؟ ذلك، وعِوض أن ينتصروا للشعب الفلسطيني، وثقوا علاقاتهم مع كيان الاحتلال، في حين أن اعترافهم بهذا الكيان هو وفق مفهوم المحالفة، نفي صارخ لحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه الذي سلبه الصهاينة.

وإنه والحال هذه لمن قصر النظر، تصور أن تقدم الأمم المتحدة العاجزة أصلا، التي تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية المعادية للشعب الفلسطيني على قرارات أغلبية دولها، في حين أن الجهة صاحبة القرار هي مجلس الأمن، إلا أن الكيان الصهيوني محصن بالفيتو الأمريكي إزاء قراراته، الأمر الذي جعله فوق القانون، حتى أنه في ظل هذه الحماية لم ينفذ قرارا واحدا من قرارات مجلس الأمن، لأن واشنطن توفر له الحصانة، حتى إذا ما صدر قرار لظرف ما، بل إنها تعمل على توفير الحماية المسبقة بمنع صدور أي مشروع قرار ضد الكيان بتهديدها باستخدام حق الاعتراض، لتجهض بذلك مشروع القرار قبل صدوره.

ولا يمكن على ضوء ذلك لعاقل بالمعنى السياسي أن يعيد إنتاج السياسيات الفلسطينية بالحديث عن حل الدولتين، التي تجاوزتها الوقائع على الأرض والتمسك بوهم الحل على مدى عمر خطيئة أوسلو، فيما الرئيس يقول في مرافعته إن”إسرائيل” بأفعالها لم تبق شيئًا للفلسطينيين ليقيموا دولتهم”، وتصل المرافعة حدود الفنتازيا عندما يتساءل الرئيس: “أين سنقيم دولتنا المستقلة؟ وأين سيعيش شعبنا؟ وإذا كان الرئيس عباس يعترف أنه لم يبق من أرض تقام عليها الدولة المنشودة؟ فهل عنوان الحصول على الدولة هو استجداءها من الجمعية العامة؟، أم أن المقاربة الأصوب، هو أن يبدأ الحل في فلسطين، عبر فرض ذلك على الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي بإعادة الاعتبار للكفاح بكل أشكاله وأساليبه ضمن رؤية فلسطينية واحدة، لأن تصور أي مسؤول سياسي فلسطيني أن الكيان الغاصب سيمكنه من إقامة دولة بمقاييس الحد الأدنى وطنيا، في ظل ميزان القوى القائم إنما يعيش حالة انفصام عن الواقع في بعديه السياسي والفكري، لأن ممارسات الكيان الصهيوني السياسية والعملية تقول ذلك، وإنه ليصبح نوعا من التفريط المجاني وبحثا عن شهادة حسن سيرة وسلوك في غير محلها عندما يقول الرئيس: “لن نلجأ للسلاح والعنف.. هذه قاعدة لدينا.. لن نلجأ للإرهاب وسنحاربه معًا وسويًا.. لكن احمونا من الإرهاب والعنف أسوةً ببقية شعوب العالم خاصة وأن دولة الاحتلال تتصرف كدولة فوق القانون”.

هذا الخلط المتعمد في المفاهيم، بين الإرهاب والعنف مقاربة خطِرة وضارة وطنيا، كون مرافعة الرئيس وتعهده وبالطبع كـ”حركة فتح” بعدم اللجوء للسلاح وأنه ينبذ العنف فهو بذلك يتماهى مع توصيف الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر بعض فصائل المقاومة الفلسطينية التي تتبني كل أشكال الكفاح العنفية على تنوعها وحتى الناعمة إرهابا، في حين أنها حق مشروع، قانوني وإنساني ووطني.

وتبدو المفارقة محزنة وتكشف مدى العجز والضياع الذي تعيشه السلطة الفلسطينية عندما يقول الرئيس عباس في مرافعته: “لن نقبل أن نبقى الطرف الوحيد الذي يلتزم بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل عام 1993 (أوسلو)، وهذه اتفاقيات لم تعد باقية على أرض الواقع في ظل قيام إسرائيل بأعمال أحادية مناقضة للاتفاقيات، ونحن لن نفعل ذلك ولكن إلى متى سنبقى ملتزمين لوحدنا بها .. لذلك أصبح لزامًا علينا للبحث عن وسائل أخرى للحصول على حقوقنا وتحقيق السلام بما في ذلك تنفيذ القرارات التي اتخذتها مجالسنا وهيئاتنا الوطنية”.

ليكون السؤال ماذا ينتظر الرئيس محمود عباس؟ ومن ثم لماذا لم تنفذ قرارات الهيئات الوطنية والمجالس، في الوقت الذي يعرف القاصي والداني أن الكيان الصهيوني دفن أوسلو منذ وقت طويل؟، أليست السلطة والرئيس عباس هو من يتحمل مسؤولية استمرار التنسيق الأمني مثلا، مع أن هناك قرارات بوقف التنسيق؟، ثم ألا يمكن اعتبار استمرار التنسيق الأمني رغم تلك القرارات، مكافأة لعدوانية الكيان الصهيوني وقطعان مستوطنيه وجرائمه في مدن الضفة وغزة بصرف النظر عن نوايا من يقف وراء عدم وقف التنسيق الأمني.

ثم ألا يكشف قول الرئيس”لن نقبل أن نبقى الطرف الوحيد الذي يلتزم بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل عام 1993 (أوسلو)، وهذه اتفاقيات لم تعد باقية على أرض الواقع في ظل قيام إسرائيل بأعمال أحادية مناقضة للاتفاقيات، ونحن لن نفعل ذلك ولكن إلى متى سنبقى ملتزمين لوحدنا بها” إنما يكشف بؤس واقع إدارة الصراع في شقه السياسي من قبل قيادة السلطة.

إن دور القائد لمثل هذا الشعب الصامد الصابر ليس استجداء الحلول، وتوصيف الواقع مع أهمية ذلك، وإنما في اتخاذ قرارت ترتقي إلى مستوى تطلعات الشعب الذي يتقدم القيادة بمراحل،فهو الذي يبادر ويمارس الاشتباك مع الاحتلال، كونه يعرف بوعيه وحسه الوطني وتراكم تجربته أن هذا هو الطريق لكنس الاحتلال، وفي الحد الأدنى، توفير أوراق تفاوض لأولئك الذين لا يؤمنون بالكفاح المسلح الذي هو حق وواجب في مواجهة مثل هذا الوجود الكولنيالي للمشروع الصهيوني في فلسطين.

ليكون السؤال هل يترجم الرئيس عباس قوله “لذلك أصبح لزامًا علينا البحث عن وسائل أخرى للحصول على حقوقنا وتحقيق السلام بما في ذلك تنفيذ القرارات التي اتخذتها مجالسنا وهيئاتنا الوطنية”. إلى برنامج كفاحي جامع يشمل الكل الفلسطيني، ويوقف التنسيق الأمني ويسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، وإعادة الاعتبار إلى منظمة التحرير لتكون اسما على مسمى وكما بدأت أول مرة.. الكرة الآن في مرمى قيادة السلطة الفلسطينية.

والنائب توما ستخف به..

اليمين الإسرائيلي ينتقد خطاب لابيد في الأمم المتحدة حول “حل الدولتين”

وجّه اليمين الإسرائيلي انتقادات لرئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد بعد أن أعلن في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن دعمه لفكرة “حل الدولتين” ضمن شروط، ودون أن يحدد حدود الدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها. حسب الأناضول.

وفي المقابل، فقد أعلنت أحزاب اليسار ويسار الوسط الإسرائيلية دعمها للخطاب، فيما استخفت به نائبة عربية في الوقت الذي وصفه السفير الأمريكي في إسرائيل توماس نايدز بـ”الشجاع”.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس: “رغم كل العوائق، فإن اليوم أيضا الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين يدعمون رؤية حل الدولتين؛ أنا واحد منهم؛ لدينا شرط واحد فقط: أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستكون مسالمة؛ يجب عليها ألا تتحول إلى قاعدة إرهاب أخرى تهدد سلامة ووجود إسرائيل؛ يجب أن تكون لدينا القدرة على الدفاع عن أمن مواطنينا بأي لحظة كانت”.

ولم يحدد لابيد حدود هذه الدولة التي يقول الفلسطينيون إنها يجب أن تكون على حدود 1967، مع تبادل طفيف بالقيمة والمثل للأراضي، وعاصمتها القدس الشرقية.

ورفض زعيم حزب الليكود ورئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو خطاب لابيد بشدة، رغم أنه كان قد أعلن سابقا دعمه لحل الدولتين في خطاب مماثل أمام الأمم المتحدة.

وقال نتنياهو في تغريدة على تويتر، الخميس: “لن نسمح للابيد بإقامة دولة فلسطينية وإعادتنا إلى كارثة أوسلو”.

ووصف زعيم حزب “الليكود” اليميني الخطاب بأنه “مليء بالضعف والهزيمة وانحناء الرأس”.

أما وزيرة الداخلية أياليت شاكيد، فقالت في تغريدة على تويتر: “يائير لابيد يتحدث عن نفسه فقط، عندما يؤيد قيام دولة فلسطينية؛ هذه مجرد حيلة انتخابية؛ لن نسمح أبداً بإقامة دولة إرهاب فلسطينية في قلب أرض إسرائيل؛ مثل هذه الدولة ستكون بؤرة للتطرف والإرهاب وعدم الاستقرار الإقليمي”.

وبدوره، قال زعيم حزب “الصهيونية الدينية” اليميني المعارض بتسلئيل سموتريتش: “معنى خطاب لابيد في الأمم المتحدة هو العودة إلى أيام أوسلو الملعونة؛ كلمات صاخبة وممتعة تلتف حول الاستسلام المخزي للإرهاب واندفاع لتقسيم البلاد والتخلي عن الأراضي وطرد آلاف اليهود من ديارهم”.

وأضاف: “يجب ألا يُسمح لهذا أن يحدث”.

وفي المقابل، قالت زعيمة حزب “ميرتس” اليساري زهافا غلؤون في تغريدة على تويتر: “خطاب تاريخي لرئيس الوزراء لابيد، أخيرًا أصبحت رؤية السلام على جدول الأعمال”.

وأضافت: “ميرتس سيقف على يسار لابيد ليحوّله من رؤية إلى واقع لوضع حد لدوامة إراقة الدماء، وإنهاء السيطرة على ملايين الفلسطينيين، ولسنوات من الألم والحزن على الجانبين”.

وبدورها، قالت زعيمة حزب “العمل” (وسط) ميراف ميخائيلي في تغريدة على تويتر: “أهنئ رئيس الوزراء لابيد على الخطاب الصهيوني المهم والاستراتيجي لدولة إسرائيل من منصة الأمم المتحدة”.

وأضافت: “سيواصل حزب العمل دعم وتعزيز المصلحة الإسرائيلية المتمثلة في تسوية سياسية تضمن استمرار الازدهار ومستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية”.

لكنّ النائب العربية في الكنيست من القائمة المشتركة عايدة توما سليمان، استقبلت خطاب لابيد باستخفاف.

وكتبت سليمان في تغريدة على تويتر: “حسنًا، يائير، لقد أقنعتني: أنت تستحق الأوسكار!”.

أما السفير الأمريكي في إسرائيل توماس نايدز، فقد وصف الخطاب بـ”الشجاع”.

وقال في تغريدة على تويتر: ” كلام شجاع لرئيس الوزراء يائير لابيد في الأمم المتحدة لدعم حل الدولتين؛ التعايش السلمي هو السبيل الوحيد للمضي قدما”.

غانتس “يتهرب” من الإجابة على سؤال حول تأييده إقامة دولة فلسطينية – فيديو

تهرب وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، من الإجابة بشكل صريح على ما إن كان يؤيد إقامة دولة فلسطينية من عدمه، مكتفيا بالقول إن إسرائيل بحاجة لـ “تنظيم” العلاقات مع الفلسطينيين، وتؤيد “وجود كيانين”.

جاء ذلك خلال مقابلة أجرتها معه قناة “كان” التابعة لهيئة البث الإسرائيلية تذاع كاملة السبت.

وفي رده على سؤال ما إن كانت إقامة دولة فلسطينية هو الطريق الصحيح لإسرائيل، مثلما قال رئيس الوزراء يائير لابيد، قال غانتس: “لا لا، سأقول ذلك مرة أخرى.. نعم هذا هو حلم الجميع، لكن ما هو المتاح من الناحية العملية؟ أنا لا أنشغل بالأحلام، بل بما يمكن إنجازه”.

ومجددا، سألته المذيعة ياعرا شابيرا: “لكن هل الحلم هو إقامة دولتين؟”، ليجيب غانتس: “أقول إنه يجب تنظيم العلاقات مع الفلسطينيين (..) عليك أن تفهمي ذلك، يتعين على دولة إسرائيل للأبد الحفاظ على تفوقها الأمني في هذه المساحة”.

وتابع: “لا نريد أن نحكم الفلسطينيين، وغير مستعدين بأي شكل للمخاطرة أمنيا، وعلينا أن نتغلب على هذا التوتر”.

ومرة أخرى سألته شابيرا: “إذن الحلم من وجهة نظرك ليس دولتين، بل أمر آخر، ربما دولة واحدة للإسرائيليين والفلسطينيين؟”.

ورد غانتس: “لا سمح الله، نحن في الحقيقة ضد فكرة دولة واحدة، ضد فكرة دولة ثنائية القومية، بل مع كيانيين، لكن لا يمكن أن تكون دولة تعرض إسرائيل للخطر”.

وأضاف مخاطبا الفلسطينيين: “ماذا تريدون؟ أن يحدث في كفار سابا (مدينة وسط إسرائيل) ومنطقة الوسط، ما يحدث في غزة (في إشارة لسيطرة حركة حماس على القطاع)، هذا أمر غير مسؤول للغاية، لذلك يجب الانشغال بما يمكن فعله”.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، أكد في كلمته في الأمم المتحدة، يوم الخميس، أنه “رغم وجود عوائق إلا أن إبرام اتفاق مع الفلسطينيين يقوم على حل (إقامة) دولتين لشعبين هو الخيار الصائب لأمن إسرائيل واقتصادها ولمستقبل أولادنا”.

وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، مساء يوم الخميس، أن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، اعتبر أن تصريح يائير لابيد بأن “حل الدولتين” هو الشيء الصحيح لأمن بلاده واقتصادها ومستقبل الأطفال الإسرائيليين، بأنه إعلان جريء.

التعليم في فلسطين المحتلة… حق لا يحصل عليه الجميع

دنيا عبد القادر

يعتبر الحق في التعليم أحد أهم وأسمى حقوق الإنسان وهو حق واجب ولازم للفرد، ولا يقل أهمية عن حق الإنسان في الحياة بل التعليم في حد ذاته يخلق الحياة، التي يرغب الفرد في أن يحياها. لكن هذا الحق منزوعًا من الشعب الفلسطيني مثلما تُنزع أراضيهم بيد الاحتلال، إذ يؤثر الاحتلال على استمتاع أبناء الشعب الفلسطيني -سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة- بحقهم في التعليم، في ظل وجود الجدار العازل، الذي يتسبب في منع الكثير من المعلمين والطلاب القاطنين في الأحياء المحيطة بالقدس من الوصول إلى مدارسهم بشكل منتظم، كما يتسبب أيضًا توقيف الاحتلال للمعلمين والطلبة على الحواجز وتعرضهم للتفتيش لساعات طويلة ومنعهم في بعض الأحيان من دخول القدس التي بها جامعة القدس، والتي تعد أكبر صرح أكاديمي فلسطيني، في كثرة تغيب وتسرب الطلاب من مدارسهم مما يمثل تهديدًا كبيرًا لإكمال مسيرتهم التعليمية.

عدم اعتراف إسرائيل كذلك بالجامعات والكليات الفلسطينية بالقدس، في حرمان الخريجين حملة شهادات تلك الجامعات من العمل هناك، مما يزيد من معدل البطالة. يمنع أيضًا الجدار العازل والحواجز وصول المساعدات -التي تُمنح لمدارس وجامعات القدس من مناطق السلطة الفلسطينية- من أثاث وكتب وأغذية مدعمة بالفيتامينات.

 فضلًا عن معاناة المدارس من عدم توفر وسائل تعليم مساعدة، ونقص المختبرات والمكتبات المدرسية. تؤثر كذلك التصعيدات في الضفة الغربية وحملات التفتيش والاعتقالات اليومية، التي تشنها قوات الاحتلال، على توفير الأمن والأمان للطالب في بيته وفي الوصول إلى مدرسته، خاصة وأن الاعتقالات اليومية تستهدف -في كثير من الأحيان- أطفالًا أقل من 17 عام.

أما في قطاع غزة فيعتبر الوضع أسوأ في ظل الهجمات التي تشنها دولة الاحتلال من حين إلى آخر فضلًا عن أزمة الكهرباء وزيادة المدارس المتهالكة، بعد تعرضها للقصف من قبل الاحتلال، مما يؤدي إلى الحاجة لتوفير دعم لإعادة إعمار تلك المباني، وهي عملية تحتاج لموافقة الاحتلال، الذي كثيرًا ما يماطل لدخول المساعدات المالية، التي تقدمها الدول المانحة، إلى القطاع.

وعلى المستوى المادي، تعاني الجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة من ارتفاع المصاريف الدراسية، التي لا يستطيع الكثير من الطلبة، خاصة وأن الجامعات الحكومية ليست مجانية، مما يؤدي إلى عزوف عدد كبير من طلاب الثانوية عن إتمام دراستهم الجامعية أو اختيار تخصص يستطيع تحمل تكلفته، وهو الأمر الذي يؤدي إلى نقص الأيدي العاملة في التخصصات ذات التكلفة المادية العالية لعدم قدرة بعض الطلاب على التخصص فيها مما يؤدي لانخفاض الخريجين منها، ومن ثم عجز في سوق العمل. على الجانب الآخر، يشتكي الأساتذة العاملين في تلك الجامعات من تدني الرواتب، مما يؤدي لهجرة كفاءات أكاديمية إلى الخارج؛ بحثًا عن فرص عمل برواتب أفضل.

ومع كثرة الخريجين من الجامعات بشكل متزايد يفوق استيعاب سوق العمل لكل هذا العدد وسط تدني الرواتب، يرتفع معدل البطالة في قطاع غزة بلغ هذا المعدل 47٪ مقارنة بـ16٪ في الضفة الغربية، أما على مستوى الجنس فقد بلغ معدل البطالة للإناث 43% مقابل 22٪ للذكور في فلسطين.

أما في المدارس، فكثير ما يشتكي أولياء الأمور من ارتفاع رسوم المدارس الخاصة سنويًا من دون حسيب أو رقيب وتمادي بعض المدارس في رفع الأقساط المدرسية، مما دفع بعض أولياء الأمور إلى نقل أبنائهم إلى المدارس الحكومية باعتبارها مجانبة، فوفق إحصاءات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لعام 2022، بلغ عدد الطلاب في جميع محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة نحو مليون و385 ألف طالب وطالبة، من بينهم أكثر من 911 ألفًا في المدارس الحكومية البالغ عددها 2,333 مدرسة بينما يصل طلاب المدارس الخاصة، التي يبلغ عددها 484، حوالي 135 ألف طالب.

وفي ظل ارتفاع الأسعار ومستوى المعيشة فضلًا عن أن حوالي 36% من السكان الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر، وفقًا لأرقام لأحدث بيانات أصدرها مؤتمر «الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (أونكتاد)، الخميس الماضي، يعزف بعض الطلاب -لا سيما الذين يعولون أسرهم- إلى ترك مدارسهم وجامعاتهم من أجل العمل لتوفير متطلبات معيشتهم اليومية.

خلاصة القول يعاني التعليم في فلسطين المحتلة من مشكلتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في الاحتلال بحد ذاته أما الثانية في تتمثل في نقص التمويل والحاجة إلى ترشيد النفقات، ويمكن اقتراح آلية شاملة لتمويل التعليم بمراحله المختلفة تقوم على تنويع مصادر التمويل، ورفع نسبة التمويل الحكومي، وإنشاء صندوق للتعليم -يُمول من الدول الصديقة والمانحة لفلسطين- على أن يهدف الصندوق إلى توفير المواد اللازمة وسد العجز في الفصول المدرسية،

فضلًا عن زيادة رواتب المعلمين والأساتذة الجامعيين؛ حفاظًا على بقائهم داخل فلسطين بدلًا من هجرتهم إلى الخارج، وتشغيل المدارس على فترتين فترة مسائية وأخرى صباحية؛ كحل مؤقت لأزمة نقص الفصول المدرسية، وضع خطة واضحة تناسب التخصصات الجامعية وحاجة سوق العمل في فلسطين، بحيث يتم توزيع الخريجين على سوق العمل بشكل متناسب نسبيًا، بالإضافة إلى الاتفاق مع الدول الصديقة لفلسطين لتوفير منح لطلبة الثانوية لاستكمال دراستهم الجامعية هناك، على أن يعودوا مرة أخرى لبلادهم، مع توفير التسهيلات والخروج الآمن لهؤلاء الطلبة من فلسطين إلى تلك الدول، والعمل على تطوير جسر «الملك حسين»، حتى يتمكن هؤلاء الطلبة من العبور.

أوروبا تدفع ثمن الاندفاع وراء أحلام اليقظة في ملف الطاقة

أمد/ برلين – د ب أ

 تواجه أوروبا أزمة طاقة متزايدة، يعاني منها المستهلكون والشركات، ففي 31 أغسطس(آب) الماضي أوقفت روسيا ضخ الغاز الطبيعي إلى ألمانيا عبر خط الأنابيب الرئيسي نورد ستريم1، في البداية لمدة ثلاثة أيام بدعوى إجراء صيانة دورية، ثم إلى أجل غير مسمى بسبب “صعوبات فنية”.

كما أعلنت شركة الغاز الطبيعي الروسية العملاقة غازبروم خفض إمداداتها إلى شركة الطاقة الفرنسية إنجي على الفور، هذه الإجراءات خلقت حالة من الغموض الشديد، وتهدد بمزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة في أوروبا مع اقتراب فصل الشتاء حيث يصل الطلب على الطاقة إلى ذروته.

وفي تحليل نشره موقع معهد جيتستون الأمريكي للأبحاث، قال بيت هوكسترا السفير الأمريكي لدى هولندا خلال حكم الرئيس السابق دونالد ترامب، إنه زار هولندا خلال الشهر الماضي وناقش مشكلة الارتفاع الصاروخي لأسعار الطاقة، حيث أصبح من المعتاد وصول قيمة فاتورة الكهرباء للمنزل في هولندا إلى ما بين 400 و600 يورو شهرياً.

وقالت إحدى الشركات الهولندية إنها تدفع حالياً سعراً للغاز الطبيعي يعادل أربعة أمثال السعر منذ عام، وأضافت أنه بسبب ارتفاع أسعار الطاقة تعتزم خفض إنتاجها بنسبة 50% خلال الشتاء المقبل، وتعاني أغلب دول الاتحاد الأوروبي من وصول أسعار الطاقة إلى ثمانية أمثال مستواها في العام الماضي.

وتشهد كل من ألمانيا وهولندا ارتفاعات صاروخية لأسعار الطاقة، ففي ألمانيا وصل السعر إلى 1050 يورو لكل ميغاوات/ساعة قبل التراجع إلى 610 يورو لكل ميغاوات/ساعة خلال الشهر الماضي، وكان سعر الميغاوات/ساعة خلال العام الماضي حوالي 85 يورو.

وهذا التضخم الهائل في تكاليف الطاقة يؤدي إلى إجراءات متوقعة ونتائج غير متوقعة، ورصدت هولندا تراجعاً في الطلب، وهذا يعني أنه عندما يرتفع سعر منتج يقل الطلب عليه، وما نراه في أوروبا هو تراجع في الطلب على الطاقة بسبب الزيادة الهائلة في الأسعار، وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي تراجع استهلاك الهولنديين من الغاز الطبيعي بنسبة 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك نتيجة ارتفاع الأسعار واعتدال درجات الحرارة مقارنة بالتوقعات.

وبالفعل طالب الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بخفض استهلاك الطاقة خلال الشتاء المقبل بنسبة 15%، ودعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لين إلى الاستعداد “لموقف أسوأ” بالنسبة لإمدادات الغاز الطبيعي القادمة من روسيا، وفي الوقت نفسه تقدر شركة إيكوينور النرويجية للطاقة احتياجات شركات الطاقة الأوروبية بحوالي 1.5 تريليون يورو لتغطية النفقات الإضافية اللازمة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، ويعني هذا أن أوروبا ستواجه شتاء قاسياً ومكلفاً.

وكما هو متوقع، تحرك العديد من دول الاتحاد الأوروبي بشكل منفرد لمواجهة أزمة أسعار الطاقة، سواء بوضع سقف للأسعار أو بتقديم منح نقدية مباشرة للأسر والشركات المتضررة، ولكن على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل يبدو أنه أصبح هناك اتفاق على ضرورة إعادة هيكلة سوق الطاقة الأوروبية بالكامل، وبسرعة.

ويأمل قادة الاتحاد في إنجاز المهمة أوائل العام المقبل، لكن أياً من تلك الإجراءات لا تضع أساساً لحل عملي طويل الأجل لأزمة الطاقة في أوروبا، بحسب هوكسترا الذي يعمل حالياً رئيساً لمركز مجلس المستشارين للسياسة الأمنية وباحثاً كبيراً في معهد جيتستون.

والحقيقة أن مشكلة الطاقة في أوروبا لم تتكون في يوم وليلة، وبالتالي فحلها لن يكون في يوم وليلة، ورغم أن السياسيين الأوروبيين يلقون بكامل مسؤوليتها على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وغزوه لأوكرانيا، فإن جذور المشكلة أعمق من ذلك.

فمنذ سنوات تعهد الاتحاد الأوروبي بالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ولكن ألمانيا والنمسا وإيطاليا وهولندا تعود بسرعة إلى تشغيل محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم للحد من استخدام الغاز الطبيعي، ويقول الخبراء في ألمانيا إن الحكومة الائتلافية تحاول شراء الوقت باستخدام الفحم، وبالتالي فإنها لن تستطيع أن تقدم حلولاً طويلة المدى أكثر استدامة.

وفي يناير(كانون الثاني) الماضي أغلقت ألمانيا نصف محطاتها النووية الست رغم ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه لم تتضمن أهداف ألمانيا النبيلة بشأن التغير المناخي خططاً لكيفية توفير بديل للطاقة النظيفة والآمنة والمعتمد عليها التي تنتجها المحطات النووية، وبدلاً من تحقيقها أهدافها المثالية بشأن المناخ قررت ألمانيا الاعتماد بصورة متزايدة على إمدادات الغاز الطبيعي الروسية، والتي أصبحت تشكل أكثر من 40% من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي لأوروبا.

وحول تقليص روسيا إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا بشدة رداً على العقوبات الغربية التي تم فرضها على موسكو بسبب غزو أوكرانيا، ستتحرك الحكومات الأوروبية بشكل قوي خلال الشهور المقبلة للتعامل مع الأزمة، وأعلنت ألمانيا مؤخراً استمرار تشغيل محطتين نوويتين كان يفترض غلقهما أوائل العام المقبل، وبعد ذلك سيتوجه الساسة الأوروبيون إلى الناخبين ليستعرضوا ما يعبرونه عملاً مذهلاً للتعامل مع الأزمة دون أن يذكروا أنهم كانوا المسوؤلين عنها في المقام الأول.

ويرى الدبلوماسي الأمريكي وعضو الكونغرس السابق هوكسترا أنه “كان في مقدور أوروبا تجنب أزمة الطاقة الحالية لو أن حكوماتها كانت قد وضعت خططاً عقلانية للتعامل مع ملف الطاقة بدلاً من الخطط التي تستند إلى أحلام اليقظة مهما كان إغراء تلك الأحلام”.

وأضاف “الخطط الأوروبية استندت إلى الأمل في قبول المستهلكين بدفع أسعار أعلى للحصول على الكهرباء مقابل الحفاظ على البيئة، وإلى أن بوتين وروسيا يمكن الاعتماد عليهما كمصدر للطاقة، وأن تكنولوجيا بطاريات تخزين الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ستتزدهر بسرعة لكي تضمن تغطية الأوقات التي لا تكون فيها الرياح قوية ولا الشمس مشرقة بما يكفي لتوليد الكهرباء، وأخيراً فإن أوروبا تدفع الآن ثمن الاندفاع وراء أحلام اليقظة في التعامل مع ملف الطاقة”.

رحيل أحد الأعمدة القانونية المدافعة عن فلسطين في بلجيكا

حسان البلعاوي

فقدت فلسطين واحدا من أبرز المدافعين عنها في أوروبا في المجال القانوني وهو العلامة البروفيسور البلجيكي جان سلمون والذي توفي في 14 أيلول الماضي، كما أعلن مركز القانون الدولي في جامعة بروكسل الحرة وهو المركز الذي أسسه البروفيسور سلمون  منذ 30 عاما وبقي يديره طوال هذه السنوات، وهو واحد من أهم مراكز الأبحاث القانونية ليس فقط على المستوى البلجيكي بل على المستوى الأوروبي.

ولد جان سلمون في عام 1931 في بلجيكا وحاز منذ عام 1954 على دكتوراة في القانون الدولي من جامعة بروكسل الحرة ونال لاحقا درجة الدكتوراة من جامعة باريس في 1957 وتدرج في الجامعات الأوروبية كأستاذ للقانون الدولي وأصبح منذ عام 1969 أستاذا فخريا في جامعة بروكسل وعضوا في معهد القانون الدولي وعضوا فخريا في محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي.

بدأت علاقته مع فلسطين في عام 1958 عندما عمل في بيروت كنائب للمستشار القانوني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في تلك الفترة انحصر اهتمامه كما كتب في إحدى شهاداته (التي ألقاها في الذكرى الـ 35 لاستشهاد نعيم خضر والتي نظمتها سفارة فلسطين في بلجيكا بالتعاون مع حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في بلدية اكسيل في نهاية شهر مايو 2016) بالجانب القانوني للمنظمة الدولية ولم يكن على اطلاع على البعد الحقيقي للقضية الفلسطينية، فكان مشبعا بالرواية الإسرائيلية السائدة حينها في بلجيكا وأوروبا والتي كانت ترى في إسرائيل ملجأ اليهود الناجين من المعسكرات النازية، وكبلد يقوم على تجمعات كيبوتس مبني بروح اشتراكية ومجتمعية.

ويضيف البروفيسور سلمون في هذه الوثيقة: “ما يقرب من أربع سنوات هناك جعلتني أكتشف حقيقة المأساة الفلسطينية، وظلم مصيرهم، وسمحت لي بالتعرف على تاريخ الشعب الفلسطيني، والقواعد القانونية التي رافقت مصيره، وحول الآليات السياسية التي قادت إلى هذه النتيجة. من خلال تحريف أو تخريب قواعد القانون الدولي، في ذلك الوقت، كانت فلسطين كيانا قانونيا مختفيا بموجب القانون الدولي، حيث ضمت إسرائيل والأردن الأراضي الفلسطينية وبقيت غزة فقط هي الأرض الوحيدة التي يطلق عليها فلسطين وكانت تحت الإدارة العسكرية المصرية، وتم اختزال القضية الفلسطينية من منظور اللاجئين الذين تدير حياتهم وكالة الأونروا، والتي مولها الغرب ليرضي ضميره، هي المنظمة التي عملت على إنقاذ قرابة 600 ألف لاجئ من ديارهم على حساب الدول العربية المجاورة التي تحملت الكثير من العبء”.

ويكمل البروفيسور: “عدت إلى بلجيكا في نهاية عام 1961، وعملت كمحاضر في القانون الدولي في جامعة بروكسل الحرة. كان عمري 30 سنة. وجدت نفسي منعزلا على اعتبار أن إسرائيل كانت عملية احتيال كان العرب الفلسطينيون ضحيتها. كان لدي شعور بأنني وحيد في رأيي، في بيئة معادية، شاهدت بارتياب وتعاطف في أحسن الأحوال زملائي، بمن فيهم أستاذي هنري رولين، والذي للمفارقة كان مدافعا قويا عن الجزائريين ثم الفيتناميين ولكنه كان آنذاك من أشد المعجبين بإسرائيل وهو عضو  في الاشتراكية الدولية”.

“بعد عشر سنوات، وترسخا أكثر فأكثر في قناعاتي، جعلت القضية الفلسطينية جزءا بارزا من مساري لتوضيح إنهاء الاستعمار الذي زوره نظام الانتداب في ظل عصبة الأمم، ثم تقسيم فلسطين في ظل الأمم المتحدة، فشلت هذه الخطة من خلال سلسلة من اللجوء إلى القوة”.

في عام 1970 تعرف البروفيسور سلمون على طالب فلسطيني اسمه نعيم خضر كان مسجلا في كلية الحقوق في جامعة بروكسل الحرة، حيث يذكر: “في ظل هذه الظروف، رأيت في عام 1970 فلسطينيا اسمه نعيم خضر ينزل من بين المسجلين للحصول على تسجيل في دراسة القانون الدولي في كلية الحقوق في جامعة بروكسل الحرة، إنه فلسطيني، جسم غامض، أول فلسطيني مسجل في كلية الحقوق، كنت سعيدا. لقد حاولت، في السنوات السابقة، عبثا أن يمنح الفلسطينيون من الأونروا مزايا وضع لاجئ من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولكن دون جدوى. هذا واحد جاء إلي دون أي مساعدة خاصة من جامعة لوفان الكاثوليكية، ولحسن الحظ، اخترت ذلك العام ليكون موضوع ندوتي عن القانون الدولي: حق الشعوب في تقرير المصير. قدم نعيم خضر حينها عرضا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. لقد كان أداؤه رائعا ومنظما جيدا، ومناقشا جيدا في الواقع والقانون، مصحوبا بكتاب توثيق مع النصوص الأساسية لفهم موضوعه، مقدما بلغة جميلة، مع البساطة والسهولة والاعتدال والصفاء ولقد استطاع غزو جمهوره ومعلمه”.

ويكمل سلمون في مداخلته المكتوبة: “لم يستطع نعيم إكمال تخصصه في السنة الثانية في الجامعة لأنه ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في بروكسل ولكن هذا لم يمنعنا من التواصل ضمن منعطف حيث إنني ارتبطت بمارسيل ليبمان الذي كان يدرس العقائد السياسية في العلوم السياسية والذي كنت أعرفه منذ مايو 1968. وكان يوافقني في آرائي حول القضية الفلسطينية، وكان يحرر مجلة تدعى “مايو” حيث كان يكتب مقالات مؤيدة لفلسطين، ما جعل منه “خائنا” من قبل جزء كبير من الطائفة  اليهودية في بلجيكا، وسرعان ما شكلت أنا ومارسيل ونعيم ثلاثيا التقى بانتظام في مكتب مارسيل في جامعة بروكسل أو في مكتب نعيم في بعثة جامعة الدول العربية وكنا نناقش تطورات القضية الفلسطينية والتي كانت تقدمها وسائل الإعلام ونقوم بإعداد الردود والبينات للتعقيب على ما يرد في وسائل الإعلام البلجيكية والعمل على تنظيم المؤتمرات والندوات الخاصة بالقضية الفلسطينية”.

بالإضافة إلى مئات الدراسات والمحاضرات القانونية التي قدمها العلامة القانوني جان سلمون في المعاهد والكليات والفصليات القانونية، فقد كانت مستشارا للعديد من الحكومات في دول العالم في الهند، إيران، موريتانيا، مالي، قطر، فيتنام، النيجر، الجزائر، بيرو،… في قضايا تتعلق بنزاع الحدود، وعمل مستشارا في القانون الدبلوماسي. وقدم آراء مختلفة للمنظمات الدولية: الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واليونسكو، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي ومحكمة العدل الدولية. وفي هذا السياق كان البروفيسور سلمون مستشارا لدولة فلسطين لدى محكمة العدل الدولية في لاهاي حين نجحت في يوليو 2004 في الحصول على الرأي الاستشاري القانوني الذي يدين بناء جدار الفصل العنصري الإسرئيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة.

أخيرا كان البروفيسور جان سلمون أحد أعمدة محكمة راسيل الشعبية الدولية التي تحاكم الاحتلال وتلاحقه على المستوى الدولي والتي عقدت جلسات متعددة في جنوب أفريقيا، نيويورك وبروكسل وكان يرأسها السفير الفرنسي الراحل ستيفان هيسيل والذي كان واحدا من الذين صاغوا الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى