أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

هل “أوسلو” كارثة؟ أم إنجاز؟

عبد الغني سلامة

مع حلول الذكرى التاسعة والعشرين لاتفاقية أوسلو، يتجدد الجدل حول الاتفاقية، بين من يراها كارثة ونكبة، ومن يراها إنجازاً ونواة دولة.. على أي حال هذه مناسَبة لإعادة قراءة الاتفاقية ونتائجها على ضوء الواقع الراهن.

في تسجيل على اليوتيوب يقول «ياسر عرفات»: «إذا كان لأحدكم اعتراض واحد على «أوسلو»، فأنا لدي مائة اعتراض». وبعد رحيل عرفات اجتمعت قيادات السلطة في أكثر من مناسبة وأقرت بفشل «أوسلو» ووصولها إلى طريق مسدود؛ لذا من العبث أن يدافع أي كاتب عن «أوسلو»، أو أن يعدد مناقبها؛ ولكن الأكثر عبثية أن نظل في دائرة صب اللعنات على الاتفاقية، وتعداد مساوئها.

مشكلة أغلب المحللين السياسيين (مؤيدين ومعارضين) أنهم يقرؤون الأحداث من زاوية واحدة، أو بمنهج المؤرخ، أو يقعون في مغالطات منطقية.. وهناك منهج عبثي آخر يتخذه بعض المنظّرين: أثناء الحدَث يتبعون طريقة «قل كلمتك وأمشِ»، وبعد مرور الزمن يقيّمون الحدث على طريقة «ألم أنصحكم؟»، وأحياناً يتمنون الهزيمة أو الفشل حتى لا يخسروا رهانهم.

أولاً: إذا أردنا فهمَ «أوسلو» يتوجب بداية فهمُ الدوافع السياسية التي أفضت لتوقيع الاتفاق، أي من وجهة نظر فلسطينية وإسرائيلية.. وثانياً: منهج المؤرخ لا يفيد السياسي والثائر، لأن التاريخ مضى وانقضى ولا يمكن تغييره، والبقاء فيه لا يعني سوى البكاء على الأطلال، وتقديم المراثي الحزينة، وهذا لا يفيدنا بشيء.. وثالثاً: حتى لا نقع في فخ المغالطات المنطقية، لا يجوز قراءة «أوسلو» بمعزل عن الظرف السياسي والتاريخي الذي أحاط به آنذاك، والأهم أن نطرح الأسئلة بطريقة صحيحة.

وعند النقطة الأخيرة تحديداً، تبرز إشكاليتان: نطرح أسئلتنا منطلقين من أحكام مسبقة، ثم نربط كل الأحداث والوقائع التي حصلت بعد 1993 بأوسلو، باعتبارها هي المسبب الوحيد، وبالتالي نعلّق عليها كل شيء. وللتوضيح، هنالك مغالطة منطقية في الربط بين السبب والنتيجة، وبين تتالي الأحداث زمنياً، فعلى سبيل المثال، بعد انتشار الأسلحة النووية زادت معدلات الإجهاض، وأمراض القلب، وحوادث السيارات، وتفاقمت أزمات اقتصادية عديدة، وحصلت انقلابات عسكرية في العديد من البلدان، وظهرت تداعيات التغير المناخي.. وهذه كلها حصلت زمنياً بعد اختراع الأسلحة النووية، لكن أسبابها مختلفة كلياً، ولا علاقة بين الأمرين.

بعد اتفاق أوسلو تعقد المشهد السياسي، وانسدت آفاقه، وتعثر حل الدولتين، وتوقفت المفاوضات، وصار الانقسام، وتعطلت المصالحة، وتفاقمت الأزمة المالية للسلطة، وفقد الشعب ثقته بها، وما زال الاحتلال جاثماً فوق صدرونا، واللاجئون ما زالوا منفيين، والقدس تهوّد معظمها، والمستوطنات قضمت أطراف الأرض، وحلم التحرير والاستقلال صار أبعد، والمنظمة أضعف.. وهذا كله صحيح للأسف، ولكن هل كان السبب «أوسلو»؟ أم هناك أسباب أخرى؟

قبل «أوسلو» كان هذا كله في رحم الغيب، وتصوره كان ضرباً من التشاؤم. ولكن ماذا لو طرحنا السؤال بطريقة معكوسة: أي لنتخيل الوضع الفلسطيني، والمسارات التي سنسلكها.. دون «أوسلو».

كيف سيكون وضع المنظمة؟ وأين ستقيم؟ وكيف ستتحرك؟ وكيف ستتواصل مع شعبها؟ في ظل الحصار العربي والدولي، وتجفيف مواردها، ومحاولات عزلها، وتدمير بنيتها العسكرية.. هل ستصمد؟ أم ستتحول إلى «مجاهدي خلق» جديدة؟

كيف سيكون وضع الجماهير الفلسطينية في الأرض المحتلة، بعد أن استنزفتهم الانتفاضة، وانتهت إلى حالة من الفوضى؟ هل ستتحول إلى عشائر وأحزاب متناحرة؟ أم ستنهض من جديد؟

لست معنياً بالدفاع عن «أوسلو»، ولا مهاجمتها، بل أطرح الأسئلة التالية: هل كانت «أوسلو» ممراً إجبارياً؟ أم مغامرة تاريخية؟ أم مؤامرة؟ أم ورطة؟ وماذا جنينا منها؟

من السهل علينا الآن أن نقول «أوسلو» فشل، وأنه كان خياراً كارثياً، ولكن، باعتقادي أن «أوسلو» مثلت فرصة تاريخية كان ممكناً لنا تطويرها، والبناء عليها، لكننا لم نفعل ذلك.. هل كان الخطأ بداية أن القيادة أفرطت في التفاؤل، وراهنت على الشعب بمغامرة تاريخية؟

ما حدث بعد «أوسلو» كان معاكساً تماماً لكل التوقعات وكل الرهانات.. لكن أحداث التاريخ ليست قدراً محتوماً.. كان الفضاء السياسي للمنطقة يتسع لكل الاحتمالات، وكان كل شيء مرهوناً بالأداء من ناحية، وبتطور أحداث قريبة وبعيدة ستؤثر بشكل أو بآخر على المنطقة من ناحية ثانية.

صحيح أن إسرائيل تعمدت إفشال «أوسلو»، وتنكرت لها، ولم تلتزم ببنودها، وأن أميركا دعمتها بانحياز سافر، وأن المجتمع الدولي خذل الفلسطينيين، وأن قوى التطرف على الجانبين نجحت في إفشال التسوية السياسية.. هذه أسباب مهمة، لكن هناك أسباباً لا تقل أهمية تتعلق فقط بأداء الفلسطينيين ( نخباً، وفصائل، وقيادات، ومؤسسات، وأفراداً..).

سياسياً: تأسست سلطة وطنية تمتلك كافة مؤسسات الدولة وتقدم خدمات حيوية للشعب، بما يساهم في تعزيز صموده، لكن هذه الخيارات على أهميتها، كانت تنطوي على مغامرة غير مضمونة النتائج، وكانت تعني تغييراً في استراتيجية الثورة الفلسطينية، وتخليها عن الكفاح المسلح، وتغيير تكتيكاتها المرحلية، بحيث تصبح الأولوية لقضايا التنمية والبناء بكل تفاصيلها وتفرعاتها المعقدة، على حساب قضايا التحرير والمقاومة، وكانت تعني أيضاً تحول الفصائل الفدائية إلى أجهزة أمنية، وأن الثورة ستحصر نفسها في عرين الأسد، وستضع كل بيضها في سلة واحدة، وستكون مرهونة للدول المانحة، وستكون مجبرة على التنسيق الأمني، ولن تتمكن من الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي.

لكن «أوسلو» نفسها ليست المسؤولة عن ضعف السلطة، ومظاهر الفساد، والشللية، والفوضى والفلتان الأمني.. هذا كله بسبب الأداء المرتبك، وسوء الإدارة، وانعدام التخطيط.  

«أوسلو» ليست سبب تراجع دور الفصائل الوطنية، وتهميش منظمة التحرير، وتحويل فتح إلى حزب حاكم، هذا بسبب القيادات وترهلها، وسوء تقديرها، وتهافتها على المصالح الحزبية والشخصية. 

«أوسلو» ليست سبب الانقسام، الانقسام الذي يعادل بخطورته نكبة فلسطين 48 حصل لأن «حماس» أرادت ذلك، واستمر الانقسام لنفس السبب، ولأن قيادات مؤثرة في طرفي الانقسام مستفيدة منه، ولا تريد إنهاءه.

تزايد وتيرة الاستيطان ليست بسبب «أوسلو»، بل بسبب تغير في بنية وطبيعة نظام الحكم في إسرائيل، أي صعود اليمين القومي والديني، واعتماد النيوليبرالية، والتخلي عن «دولة الرفاه»، واستمراراً لعقيدة التوسع الصهيونية، وسياسات الضم الزاحف، والترانسفير البطيء.. وأسباب أخرى مرتبطة بالشأن الإسرائيلي الداخلي.. ولو لم تكن «أوسلو» بما تعنيه وجود سلطة وطنية لاستمرت نفس سياسات الاستيطان والتهويد والضم والترانسفير وبوتائر أسرع، ودون منغصات.

فإذا كان «أوسلو» كارثة، ومؤامرة خطيرة هدفها تصفية القضية؛ فلماذا سعت إسرائيل وأميركا لإسقاطها؟ فطالما أنها تخدم أهدافهم، لماذا أفشلوها بالفعل!

نزيف الدم الفلسطيني في جنين!

عبد المجيد سويلم

يريد رئيس حكومة الاحتلال أن يدخل إلى الانتخابات الإسرائيلية وهو يحمل راية مخضّبة بالدم الفلسطيني وفي ظنّه أن من شأن ذلك أن يجلب له المزيد من أصوات الناخبين الإسرائيليين بعد خطابه في الجمعية العامة، وحديثه بشكل مبهم، وغامض إلى أبعد الحدود عن دولة فلسطينية، وهو الإعلان الذي تحول بعد عدة دقائق فقط إلى هدف لهجوم كاسح من قبل حزب “الليكود” ورئيسه نتنياهو، ومن باقي مركبات اليمين الاستيطاني الفاشي، وحتى من بعض أطراف اليمين المتحالف معه، وصولاً إلى انتقادات وزير الحرب غانتس المحسوب على “يمين الوسط” في إسرائيل.

الدم الفلسطيني في جنين كان وما زال، وسيظل مادة اللعبة السياسية الداخلية، وهو ككل دم في المدن الأخرى، وهو استمرار لنهج المشروع الصهيوني الذي يمعن في هذا الدم في القدس ونابلس والخليل، وهو استمرار للدم الذي أُريق في غزة، والانتخابات الإسرائيلية ليست سوى “المناسبة والموسم”، لأن الفتك بالفلسطينيين هو عنوان النهج الذي تمارسه حكومات الاحتلال، والانتخابات ما هي سوى “فرصة” أخرى لهذه الحكومات من أجل ممارسة الإجرام الذي لم ينقطع ولا للحظة واحدة، قلنا في مقالات سابقة إن عنوان المرحلة الجديدة هو الفتك بالشعب الفلسطيني، وإن من يعتقد أن لدى إسرائيل غير القتل والفتك والإجرام في “لعبة” الدم الفلسطيني لم يعد لديه ما يقوله لنا، ولم نعد بحاجة إلى المزيد من مثل هذه الاعتقادات!

إسرائيل تضع الشعب الفلسطيني أمام خيار واحد ووحيد، وهو إما القبول بـ “الحل الاقتصادي” مقابل الهدوء التام، على أمل أن يسمح للقيادات الفلسطينية بإدارة شؤون السكان الفلسطينيين في منعزلات سكانية، وتوسيع صلاحيات هذه الإدارة مع “تكريس” الهدوء التام، وصولاً إلى أعلى مستوى ممكن من دون الوصول أبداً ومطلقاً إلى مفهوم الدولة المستقلة، أو “تحمّل” تبعات أي شكل من أشكال المقاومة، حتى ولو كانت سلمية، أو “دبلوماسية”، أو مجرد تظاهرات عادية، ويمنع الفلسطيني بموجب ذلك من مقاومة الاستيطان أو سرقة الأرض، ولا يحق له حتى الاحتجاج السلمي على هدم البيوت التي يضطر لهدمها بنفسه لكي لا تجبره سلطات الاحتلال على دفع “ثمن” هدمها بالجرّافات الإسرائيلية.

لابيد نفسه قدم لنا نموذجاً من الهدوء المطلوب، وهو النموذج الذي تقدمه له حركة حماس في القطاع، حيث أكد أن هذا “النموذج” هو المطلوب في الضفة، أما غير ذلك، أو بالتعارض مع ذلك، أو رفض ذلك و”التمرد” عليه، فالحل الذي ينادي به هو القتل والفتك كما حصل في القطاع مع حركة “الجهاد الإسلامي”، وكما يجري الآن مع كوادر حركة “فتح” في الضفة.

دعونا من الكلام الذي لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يفعل ولا يؤثّر حول “وحدة” المقاومين، ووحدة الصفوف، ووحدة “الغرف المشتركة”، وغير “المشتركة”، الحقيقة البعيدة كل البعد عن الواقع الذي نعيشه مفادها واضح وصريح ولا يحتاج إلى أي بلاغة لغوية أو أدبية، ولا يغير من هذه الحقيقة كل دواوين الحماسة العربية.

فكما نحن منقسمون على المستوى السياسي، ومختلفون على كل شيء، فنحن منقسمون، أيضاً، على مواجهة الاحتلال، وعلى وسائل هذه المواجهة، وعلى تنظيم هذه المواجهة، وعلى تخطيط هذه المواجهة، وعلى أهداف هذه المواجهة، تماماً كما أننا منقسمون على تحمّل أعبائها.

وإذا أردنا الوقوف والتوقف أمام الحقائق الدامغة على هذا الصعيد، فإن إسرائيل قد عقدت صفقة متكاملة مع “حماس” بوقف كل الأعمال العدائية من جانب “القطاع”، مقابل تسهيلات اقتصادية مؤقتة، ستتطور وستتعمق بقدر ما سيتطور التنسيق ويتعمق الهدوء “أملاً” في أن تتحوّل هذه الصفقة، من صفقة “مؤقتة” إلى اتفاق دائم.

وإذا أردنا أن نقف أمام الحقائق الدامغة فيما يخص “مقاومة” الضفة فإن هذه المقاومة في جنين ونابلس والخليل والقدس مستفردٌ بها، وما زالت الحركة الشعبية دون مستوى “المؤازرة” لهذه المقاومة، وما زال الحراك الشعبي الذي يحميها انفعالياً، وأبعد ما يكون عن أن يؤدي إلى الدفاع عنها، أو تقديم يد العون الحقيقية لها.

وكما أننا نقول القصائد الشعرية احتفاءً وتبجيلاً بفعل البطولة في هذه المقاومة فإننا لا نفعل شيئاً يعتد به من أجل الاتفاق على استنهاض الحالة الوطنية، وتحولت حالة الاستنهاض وكأنها حالة الانفعال التي تنجم عن هذه البطولة.

هناك في القطاع يتم “إلهاء” الناس بـ”التحرير السريع” القادم، وتشكل المجالس البلدية لاستلام مهامها دونما إبطاء، بعد تحرير المدن والبلدات الفلسطينية، ووصلت الأمور ببعض المهووسين بهذا “التحرير السريع” أن يتحدث عن بدء بعض الناس ببيع ممتلكاتهم، لأن العودة أصبحت وشيكة والتحرير ليس سوى مسألة أسابيع أو شهور على أبعد الحدود!

فما هي قيمة الوحدة وإنهاء الانقسام والمصالحة، وغيرها.. وغيرها إذا كان “التحرير” قد أصبح على الأبواب؟!

وما الضير في التنسيق على الهدوء التام مقابل التسهيلات الاقتصادية طالما أن إسرائيل نفسها هي مسألة وقت يتراوح بين الأسابيع والشهور؟!

وفي المقابل فإن بعضنا الآخر هنا في الضفة لا يفعل شيئاً سوى “الاحتجاج” و”الاعتراض” و”التعارض” مع كل شيء دون التفكير، مجرد التفكير في أعباء وكلفة الاعتراض، ودون أن يقدم في مسار هذا الاعتراض سوى الاعتراض نفسه.

وهنا في الضفة كل شيء يبدو حالة “انتظار”، انتظار عمّا سيسفر عنه فعل ما، وأحداث ما ومستجدات ما، وتوقعات ما وتطورات ما، كلها مبنية للمجهول، والمعلوم الوحيد فيها هو الانتظار نفسه.

ليت الأمور تقف عند هذا الحد، لأن الناس لا تعرف ــ حتى ولو اعتقدت أنها تعرف ــ ما الذي ننتظره على وجه التحديد.

هل تنتظر ــ على سبيل المثال ــ تطورات سياسية دولية أو إقليمية من شأنها “تحريك” عملية السلام؟!

أم هي تنتظر أحداثاً سياسية داخلية من شأنها “تحريك” حالة الانفصال والانقسام باتجاه الوحدة وإنهاء هذه الحالة المزرية؟!

هل تنتظر شيئاً ما حول العلاقة مع إسرائيل، وحول قرارات المجلسين الوطني والمركزي أم نحو تفاهمات جديدة، مع الحكومة الإسرائيلية “الجديد” حول “حل اقتصادي” جديد أم ماذا؟

انتظار هنا، وهدوء هناك، وفي هذه الأثناء تستمر إسرائيل في استباحة الدم الفلسطيني، وتستمر استراتيجية الفتك بالشعب الفلسطيني، ولا شيء سوى الفتك والقتل والإجرام.

وبين فعل البطولة النادرة، والهدوء التام ــ “ما قبل التحرير بهنيهة” ــ والانتظار القاتل لشيء ما، ربما يحدث، وربما لا يحدث أبداً، فإن إسرائيل لديها الكثير مما تفعله، ولديها المزيد في كل يوم جديد.

كوخافي وملامح الحرب ضد “فتح” و”الجهاد” القادمة!

كتب حسن عصفور

بات واضحا، أن رهان دولة الكيان العنصري على محاصرة “حراك الغضب الفلسطيني”، دخل في نفق معتم رغم كل ما سبقه، تهديدا وتلميحا، بل وعقابا للسلطة الفلسطينية من خلال أبواب المقاصة، بعيدا عن كونها تحاول “النأي بالذات” من تطورات الأحداث في الفترة الأخيرة.

حراك الغضب الفلسطيني، وبخاصة في جنين ونابلس عسكريا وبعض من الخليل، لم يصب بتعب أو تباطئ، رغم جرائم الحرب المتتالية التي ينفذها جيش الاحتلال، من خلال عمليات اعدام ميدانية علنية، بدأت حكومة لابيد تتفاخر القيام بها، وتنشرها علانية، بعدما أدركت أنها وجدت التأييد الأمريكي والحماية الكاملة لها، من عقاب يطل برأسه في مجالات عدة.

ما حدث في جنين، يوم 28 سبتمبر 2022، في ذكرى يوم انطلاقة المواجهة الكبرى 2000، يؤكد بلا أي تردد أن حركة الفعل الفلسطيني تسير في خط تصاعدي، ليس مستقيما كما يراد ولكنه مستمر، ما يضع “الحكومة الفاشية” في تل أبيب تحت ضغط خارج الحسابات، بعدما اعتقدت أنها خرجت من الهدوء السابق بـ “بربح أمني”، زادها غطرسة سياسية عما كانت.

أحداث جنين الأخيرة، ورغم ما بها من جريمة حرب صريحة، كشفها الإعلام العبري مصورا، لكنها دفعت بحراك سريع شعبي ربما هو الأوسع منذ فترة زمنية، لمواجهة الفعل الإرهابي لدولة الاحتلال وجهازها الأمني، وعل ذلك سيكون الأهم في سياق القادم.

واستباقا لما سيكون من فعل خارج الحسابات التقليدية للمواجهة والرفض للهدف المعادي، بتهويد الضفة والقدس، وتدمير الكيانية الوطنية الموحدة، مستغلين “الثغرة السياسية الكبرى”، التي تم صناعتها أمريكيا – إسرائيليا، المعروفة إعلاميا باسم “الانقسام”، تتجه دولة الكيان ومؤسساتها كاملة برسم مخطط مستحدث، لمواجهة الفعل الفلسطيني المستحدث.

ولعل تصريحات رئيس أركان جيش العدو الاحتلالي كوخافي يوم 28 سبتمبر 2022، ساعات بعد معركة جنين، وحراك شعبي بالضفة غضبا ووعيدا، أتت لتكشف ملامح المخطط العدواني الجديد ضد “الوطنية الفلسطينية”، وأدوات الاستخدام التي لم تكن يوما سابقا.

ما يلفت الانتباه في ملامح المخطط الاحتلالي الجديد، والتي كشفها رئيس أركان حرب جيش العدو، انها لا تقوم فقط على البعد الأمني العسكري، بل على بعد آخر يرتبط بصفقة التهدئة مع حركة حماس في قطاع غزة، والاستفادة منها بالضفة الغربية.

كوخافي تحدث بوضوح، ان القادم سيكون تطوير عمليات الإعدام ضد شخصيات ونشطاء من حركة فتح، وحركة الجهاد، من خلال الطائرات المسيرة للحد من قوة اندفاعة الغضب الفلسطيني، وتلك سابقة أن تستخدم طائرات لاغتيال في الضفة، ومقدما يسجل أن جرائم حرب في الطريق، وربما تصبح تلك التصريحات “وثيقة اثبات” في معركة الجنائية الدولية حول مسار جرائم الحرب التي تنفذها دولة الكيان.

تصريحات كوخافي، كشفت عن تطوير أدوات الاستخدام التي ستدخل في محاولات حصار “حراك فلسطيني” يتبلور ويتسارع، وربما يذهب الى منحنى يكسر كل ما تتحسب له “دوائر الأمن” في دولة الحكم الاحتلالي.

ملامح المخطط الاحتلالي القادم، حدد الجهات المركزية المستهدفة فعلا ومسمى، في الطرفين الرئيسيين في الفعل العسكري، ولذا لم يذهب الى التعميم في الاستهداف الاغتيالي القادم، بل حدد قيادات من فتح والجهاد، كرسالة ترهيب مسبقة.

ولكن، الجديد، وربما المرة الأولى التي يخرج فيها رئيس أركان جيش الاحتلال، ويكشف عن “تحييد” كامل لحركة حماس في المواجهة القائمة والقادمة، عندما استثناها من “المطاردة الاغتيالية الساخنة في الضفة، بقوله المباشر، “إذا لزم الأمر سيتم ملاحقتهم”.

أقوال كوخافي، والتي لم يسبق لمسؤول أمني في دولة الكيان الحديث عنها علانية، تشير الى أن ابعاد الصفقة التي كشف عن مكونها رئيس الطغمة الحاكمة في تل أبيب يائير لابيد، في مقابلة مع وسائل إعلام عبرية وأجنبية يوم 25 سبتمبر 2022، لا تقف عند حدود قطاع غزة، والتهدئة المحدودة معها، بل هي تمتد الى الضفة الغربية، بأن لا تشارك حماس بأي عمل عسكري او حراك غاضب بشكل واضح.

تصريحات كوخافي تفتح الباب لكل التساؤلات الوطنية، عن الدور القادم لما سيكون من حماس بالضفة الغربية بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وما هو مضمون الصفقة التي حدثت وما هو ثمنها السياسي، الى جانب تعزيز النتوء الكياني الإخوانجي في قطاع غزة.

ولذا، الاستعداد للمواجهة القادمة، وربما لن تطول، لا يجب أن يغيب عنها ما أشار له رئيس اركان جيش الاحتلال، كي لا تصاب حركة الفعل والمواجهة بعمليات غدر وطنية، من حيث حسابات العمل الذي سيكون ممرا إجباريا رفضا للتهويد وتدمير الكيانية الموحدة.

ملامح المخطط الاحتلالي، والذي لم يعد به كثيرا من الأسرار، يتطلب من قيادة فتح قبل غيرها، بحكم دورها ومسؤوليتها في المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية أن تبدأ بفعل استباقي، وخاصة ما يتعلق بذاتها، وحدة وفعل ودور، وأن تذهب لفتح “ورشة وطنية” لكيفية المواجهة المشتركة، للمخطط الاحتلالي والصفقة الموقعة.

فتح دون غيرها، من يتحمل مسؤولية بناء “جدار وطني واقي” من الكل الفلسطيني الرافض للتهويد والرافض لـ صفقة البديل”، وأن تكسر “الجرة الانتظارية” كي لا يقال ليت الذي جرى ما جرى، فربما لن ينفع في حينها ندما سياسيا.

فتح دون غيرها، عليها أن تعيد كل حساباتها في الفعل، كي لا تكرر “خدمتها الكبرى” لمنح حماس أغلبية وهمية في انتخابات المجلس التشريعي يناير 2006، بفرقة وتصارع ذاتي صُنع أمريكيا – إسرائيليا لفتح الباب أم “خيارهم الخاص”.

خيار الفعل والرد الثوري هو خيار الضرورة الكبرى، وكل رهان على خيار آخر ليس وهما فحسب، بل خدمة كاملة الأركان للمشروع الاحتلالي التهويدي والبديل، بعدما كشفت قيادة الكيان رؤيتها الكاملة عداء للشعب ودولته المستقلة.

ملاحظة: سفيرة الرئيس الساهي دوما، تعتبر دفع رواتب الأسرى تشجيع للعنف والإرهاب…كلام مش لازم ابدا السكوت عليه…وقاحتها لا تستحق سوى وقاحة بصوت أعلى..ومش غلط معها رفع كندرة في وجهها!

تنويه خاص: أهل المحروسة حولوا خوف دولة الكيان الى حفلات مسخرة خالص..من “طل البرص من أرض بلادي” الى “تسلم الأيادي تسلم يا برص بلادي”..و “كل الدعم لأبو الأبراص”..خفة دم تعكس  كراهية للكيان وعشقا للوطن..وسلاما لك “أبوالأبراص”!

حوار استراتيجي بديل..

صحيفة عبرية: إدارة بايدن قلقة من “التدخل الصيني” في الاقتصاد الإسرائيلي

أمد/ تل أبيب: قال تقرير عبري يوم الأربعاء، إن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، قلقة من التدخل الصيني في الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بمجال التكنولوجيا العالية والبحث والتطوير في الجامعات الإسرائيلية.

وأوضح التقرير، الذي أعدته صحيفة “معاريف” العبرية، أن “هذه المخاوف هي السبب وراء إطلاق واشنطن للحوار الاستراتيجي حول التكنولوجيا مع تل أبيب”.

ووصف التقرير، مشاركة إسرائيل بالحوار الاستراتيجي مع أمريكا بـ “الخطوة الدراماتيكية” تجاه الصين، مضيفا أن “المخاوف الأمريكية من مشاركة الصين في قطاع التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل، نابع من أسباب أمنية واقتصادية”.

وأشار إلى أن “إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت أول من بدأت الضغط على إسرائيل بشأن القضية الصينية“، مستدركا “لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو لم يتخذ أي خطوات مهمة بهذا الملف”.

وأضاف التقرير: “إدارة بايدن زادت الضغط على إسرائيل بشأن الصين، الأمر الذي دفع الحكومة الإسرائيلية للبدء في النظر إلى العلاقات مع الصين باعتبارها مسألة أمن قومي وليس مجرد قضية اقتصادية”.

ووفق التقرير العبري، فإن “الحوار الاستراتيجي حول التكنولوجيا هو نتيجة زيارة بايدن لإسرائيل في يوليو الماضي، وجزءا من إعلان القدس الذي وقع عليه الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد”.

وبين أن إسرائيل “هي الدولة الرابعة بعد الهند واليابان وكوريا الجنوبية التي تقيم معها الولايات المتحدة حواراً تكنولوجيا”، مضيفا أن “الغرض من المنتدى الجديد هو تطوير التعاون التكنولوجي المدني بين إسرائيل وأمريكا بعد عدة سنوات كان فيها في حالة تدهور”.

ولفت التقرير إلى أنه “كجزء من اتفاق عقد الحوار الاستراتيجي حول التكنولوجيا، وافقت إسرائيل على فتح محادثات مع الولايات المتحدة حول بناء آلية حماية التكنولوجيا، وهو اسم رمزي لحماية التقنيات الحساسة من التسرب إلى الصين”.

ووفقا للاتفاق، “ستعمل إسرائيل والولايات المتحدة على زيادة التنسيق في حماية الأبحاث وفحص الاستثمار الأجنبي، ومراقبة الصادرات وحماية التقنيات الهامة والمتطورة”.

ونقل التقرير العبري، عن مستشار الأمن القومي، إيال هولتا، قوله، إن “إسرائيل تشارك الولايات المتحدة القلق بشأن حماية التقنيات من الانتشار إلى الدول، وكذلك من إساءة استخدام التقنيات من قبل الأطراف الخبيثة”.

ووفق التقرير العبري، فإن هولتا الذي تجنب وبشكل واضح ذكر الصين، أكد أن “المخاوف الأمريكية بشأن حماية التكنولوجيا هي فرصة لإسرائيل لزيادة التعاون مع الولايات المتحدة”.

وأضاف هولتا: “نحن بحاجة إلى لغة مشتركة مع الأمريكيين، وإذا أردنا توسيع التعاون التكنولوجي يجب علينا تطوير آليات أمنية تحمي هذه التقنيات”.

في تعديل دستوري..

أمر ملكي سعودي… تعيين بن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء وإعادة تشكيل المجلس

أمد/ الرياض: أعلنت وكالة الأنباء السعودية، مساء يوم الثلاثاء، عن صدور أمر ملكي بتكليق الأمير محمد بم سلمان ولي العهد بتولي رئاسة مجلس الوزراء.

وفيما يلي نص القرار كما نشرته وكالة الأنباء السعودية “واس”:

سياسي / صدور ثلاثة أوامر ملكية إضافة أولى

الرقم : أ / 62

التاريخ : 1 / 3 / 1444هـ

بعون الله تعالى

نحن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

ملك المملكة العربية السعودية

بعد الاطلاع على النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم ( أ / 90 ) بتاريخ 27 / 8 / 1412هـ.

وبعد الاطلاع على نظام مجلس الوزراء، الصادر بالأمر الملكي رقم ( أ / 13 ) بتاريخ 3 / 3 / 1412هـ.

وبعد الاطلاع على الأمر الملكي رقم ( أ / 138 ) بتاريخ 20 / 4 / 1440هـ ، الصادر بإعادة تشكيل مجلس الوزراء، وعلى الأوامر الملكية ذوات الصلة.

وبعد الاطلاع على الأمر الملكي رقم ( أ / 61 ) بتاريخ 1 / 3 / 1444هـ.

وبناء على مقتضيات المصلحة العامة.

أمرنا بما هو آت:

أولاً : إعادة تشكيل مجلس الوزراء على النحو التالي :

1ـ صاحب السمو الملكي الأمير / محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيساً لمجلس الوزراء.

2ـ صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور / منصور بن متعب بن عبدالعزيز آل سعود وزير دولة.

3ـ صاحب السمو الملكي الأمير / عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزيراً للطاقة.

4ـ صاحب السمو الملكي الأمير / تركي بن محمد بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود وزير دولة.

5ـ صاحب السمو الملكي الأمير / عبدالعزيز بن تركي بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود وزيراً للرياضة.

6ـ صاحب السمو الملكي الأمير / عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود وزيراً للداخلية.

7ـ صاحب السمو الملكي الأمير / عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود وزيراً للحرس الوطني.

8 ـ صاحب السمو الملكي الأمير / خالد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزيراً للدفاع.

9ـ صاحب السمو الأمير / فيصل بن فرحان بن عبدالله بن فيصل بن فرحان آل سعود وزيراً للخارجية.

10ـ صاحب السمو الأمير / بدر بن عبدالله بن محمد بن فرحان آل سعود وزيراً للثقافة.

11ـ الشيخ / صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ وزير دولة.

12 ـ الدكتور / عبداللطيف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل الشيخ وزيراً للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.

13ـ الدكتور / وليد بن محمد الصمعاني وزيراً للعدل.

14ـ الدكتور / مطلب بن عبدالله النفيسة وزير دولة.

15ـ الدكتور/ مساعد بن محمد العيبان وزير دولة.

16ـ الدكتور / إبر اهيم بن عبدالعزيز العساف وزير دولة.

17ـ الدكتور / توفيق بن فوزان بن محمد الربيعة وزيراً للحج والعمرة.

18ـ الدكتور / عصام بن سعد بن سعيد وزير دولة لشؤون مجلس الشورى.

19ـ الدكتور / ماجد بن عبدالله القصبي وزيراً للتجارة ووزيراً مكلفاً للإعلام.

20ـ الأستاذ / محمد بن عبدالملك آل الشيخ وزير دولة.

21ـ المهندس / عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي وزيراً للبيئة والمياه والزراعة.

22ـ الأستاذ / خالد بن عبدالرحمن العيسى وزير دولة.

23ـ الأستاذ / عادل بن أحمد الجبير وزير دولة للشؤون الخارجية.

24ـ الأستاذ / ماجد بن عبدالله بن حمد الحقيل وزيراً للشؤون البلدية والقروية والإسكان.

25ـ الأستاذ / محمد بن عبدالله بن عبدالعزيز الجدعان وزيراً للمالية.

26- المهندس/ عبدالله بن عامر السواحة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات.

27- المهندس/ أحمد بن سليمان بن عبدالعزيز الراجحي وزيراً للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

28- الدكتور/ حمد بن محمد بن حمد آل الشيخ وزير دولة.

29- الأستاذ/ بندر بن ابراهيم بن عبدالله الخريف وزيراً للصناعة والثروة المعدنية.

30- المهندس/ صالح بن ناصر بن العلي الجاسر وزيراً للنقل والخدمات اللوجستية.

31- الأستاذ/ أحمد بن عقيل الخطيب وزيراً للسياحة.

32- المهندس/ خالد بن عبدالعزيز الفالح وزيراً للاستثمار.

33- الأستاذ/ فيصل بن فاضل بن محسن الابراهيم وزيراً للاقتصاد والتخطيط.

34- الأستاذ/ فهد بن عبدالرحمن بن داحس الجلاجل وزيراً للصحة.

35- الأستاذ/ يوسف بن عبدالله بن محمد البنيان وزيراً للتعليم.

ثانياً: يبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.

سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

// يتبع //

20:23ت م

0190

سياسي / صدور ثلاثة أوامر ملكية إضافة ثانية وأخيرة

الرقم : أ / 63

التاريخ : 1 / 3 / 1444هـ

بعون الله تعالى

نحن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

ملك المملكة العربية السعودية

بعد الاطلاع على النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم ( أ / 90 ) بتاريخ 27 / 8 / 1412هـ.

وبعد الاطلاع على نظام الوزراء ونواب الوزراء وموظفي المرتبة الممتازة، الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م / 10 ) بتاريخ 18/ 3 / 1391هـ .

وبناءً على الأمر الملكي رقم ( أ / 14 ) بتاريخ 3 / 3 / 1414هـ.

أمرنا بما هو آت :

أولاً : يعين الأستاذ / طلال بن عبدالله بن تركي العتيبي مساعداً لوزير الدفاع بالمرتبة الممتازة.

ثانياً : يبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.

سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

السماح لإيران بأن تصبح دولة نووية

روبرت ساتلوف

يستمر برنامج طهران النووي في التطور بسرعة، إلّا أن الولايات المتحدة لا تفعل الكثير حيال ذلك.

لماذا تتخذ إدارة بايدن هذا الموقف اللامبالي تجاه برنامج إيران النووي؟ عندما كان جو بايدن لا يزال مرشحاً للرئاسة الأمريكية، كتب مقال رأي عن السياسة الخارجية الأمريكية، وبالتحديد عن الجمهورية الإسلامية، أعلن فيه أن “تصحيح السياسة تجاه إيران يمثل أولوية”. وأعرب عن قلقه العميق من [واقع] أن قرار دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، أي «خطة العمل الشاملة المشتركة»، سمح لإيران بالحصول على مخزون ضخم من اليورانيوم المخصب، مما قلص بذلك فترة تجاوزها للعتبة النووية من عام إلى “بضعة أشهر فقط”. ثم تعهد بايدن بإعادة الانضمام إلى الاتفاق “إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم” به.

ومنذ ذلك الحين، ساد هذا النهج الدبلوماسي على السياسة الأمريكية بشكل أساسي، إذ ما زالت واشنطن مستعدة لإعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي عند موافقة إيران. لكن طهران لم تعلن موافقتها بعد، على الأقل حتى الآن. وفي غضون ذلك، ازداد الوضع سوءاً.

منذ أن تولى بايدن منصبه، خصّب الإيرانيون اليورانيوم بشكل مكثّف. وقد تجاوزوا حدود «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وقاموا بتخصيب اليورانيوم بنقاء يصل إلى 20 ثم 60 في المائة باستخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً وتقدماً بكثير من تلك المسموح بها بموجب الاتفاق الأصلي. ونتيجة لذلك، ووفقاً لـ “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، أنتجت إيران قرابة أربعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، من بينها 55.6 كيلوغرام بنسبة 60 في المائة.

وإذا قررت إيران استخدام هذا اليورانيوم لأغراض عسكرية، فيمكنها أن تندفع بسرعة باتجاه تخصيب يصل إلى نسبة 90 في المائة في غضون أسابيع فقط، مما يحتمل أن تنتج ما يكفي من المواد الانشطارية لأجهزة نووية متعددة. وبينما يعتقد معظم الخبراء أن صنع قنابل قابلة للتسليم سيستغرق وقتاً أطول بكثير، إلّا أنه لا أحد يعلم فعلياً حالة برنامج “التسلح” الإيراني، إذ من السهل إخفاء عمليات المحاكاة الحاسوبية والاختبارات المخبرية، كما لم تكن هناك عمليات تفتيش شاملة للمنشآت المعروفة، ناهيك عن تلك غير المعروفة، منذ أكثر من عام ونصف.

باختصار، يُعد التهديد النووي اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه عند تولي بايدن منصبه. وللمفارقة، لم تفعل واشنطن الكثير فعلياً حيال ذلك.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، حسّنت الإدارة الأمريكية عرضها لحث إيران على إبرام اتفاق نووي جديد. وبينما تصدت واشنطن عن حق لمطالب إيران بإزالة «الحرس الثوري الإسلامي» من القائمة الرسمية لـ “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، إلا أنها قدمت تنازلات بشأن العديد من البنود الأخرى.

وفيما يتعلق بالجانب النووي من الاتفاق، يُزعم أن الولايات المتحدة وافقت على السماح لإيران بالاحتفاظ بآلاف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي صنعتها، في المخازن [من دون استخدامها]، بما يخالف شروط الاتفاق الأصلي. ومن خلال اعتراف المفاوضين الأمريكيين، فإن النتيجة التراكمية لمثل هذه التنازلات هي أن الاتفاق الجديد لن يؤدي سوى إلى إعادة فترة “تجاوز” إيران للعتبة النووية إلى ستة أشهر، وهي نصف ما كانت عليه عندما انسحبت الولايات المتحدة من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في عام 2018. ومن الناحية الاقتصادية، يُزعم أن الاتفاق الجديد يمنح إيران إمكانية الوصول الفوري إلى عدد معين من الأصول المحظورة، حتى قبل أن تصدّر معظم مخزونها الضخم من اليورانيوم المخصب لحفظه في بلد ثالث. كما أنه يفسح المجال لإيران للالتفاف حول الحظر المفروض على المعاملات المالية مع «الحرس الثوري الإسلامي»، الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني، من خلال تقديم خيار للشركات الدولية بممارسة الأعمال التجارية مع الشركات التي يمتلك «الحرس الثوري» الإيراني حصة جزئية فيها (ولكن ليس حصة مهيمنة).

ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من كل هذه [الخطوات] قد أقنعت إيران بالتوقيع على «خطة العمل الشاملة المشتركة» الجديدة. وحتى مع هذه الحوافز الإضافية، لا تزال إيران ترفض توقيع اتفاق. في الواقع، تشير أحدث التقارير إلى أن طهران شددت موقفها أساساً.

لماذا ترفض إيران الآن عرضاً أفضل من ذلك الذي وافقت عليه قبل سبع سنوات، علماً أن القيود المفروضة على برنامجها النووي، المعروفة بـ “أحكام الانقضاء”، تبدأ صلاحيتها بالانتهاء خلال ثلاثين شهراً فقط؟ هناك بضعة تفسيرات محتملة، أو مجموعة من التفسيرات المحتملة. ربما حققت إيران مثل هذا التقدم التكنولوجي الهائل لدرجة أنها لا تريد إيقاف برنامجها النووي. وربما لا تكون العقوبات الحالية مؤلمة تقريباً كما نعتقد، حيث تكسب إيران ما يكفي من مبيعات النفط شبه السرية بحيث أن مزايا صفقة جديدة لا تُعد مغرية بما يكفي لاستبدال الواقع الحالي بمستقبل مجهول. ولعل إحجام إيران عن عقد اتفاق جديد يعكس الجدل الدائر على أعلى مستويات الحكومة، أو ربما تنتظر طهران ببساطة عرضاً أفضل من واشنطن.

وبغض النظر عن السبب الفعلي لذلك، يتمثل الواقع الخطر بأن برنامج إيران النووي يتقدم بسرعة، بينما لا تفعل الولايات المتحدة شيئاً يذكر حيال ذلك. ويبدو أن حوافزها لا تنجح. وتتردد إدارة بايدن في السعي وراء أي من وجهيْ الضغط الأكثر مناقشة على نطاق واسع، وهما: تشديد العقوبات أو جعل إمكانية اللجوء إلى بديل عسكري واقعاً. ويعني الوجه الأول من الضغط معاقبة الصين، التي تشتري معظم النفط الإيراني، وهي خطوة قد تدفع بكين إلى انتهاج سلوك أكثر عدوانية في شرق آسيا بينما تقيد في الوقت نفسه إمدادات النفط العالمية، وربما تزيد من التضخم. ومن شأن الوجه الثاني من الضغط أن يثير القلق بشأن نشوب نزاع مسلح في الخليج، والذي تقول الإدارة الأمريكية إنها تحرص على تجنبه.

وكانت النتيجة تقاعساً مذهلاً في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية النووية الإيرانية. فقد تشجب الإدارة الأمريكية علناً التقدم المقلق الذي تحرزه إيران نحو تطوير قدرة في مجال الأسلحة النووية، لكنها أيضاً لا تفعل الكثير حيال ذلك.

هنا، اسمحوا لي أن أدلي بوجهة نظري الشخصية: أنا أعارض العودة إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لأنها معيبة للغاية، وأعارض بشكل خاص الشروط المحسّنة التي عرضتها الولايات المتحدة منذ ذلك الحين لإغراء إيران بقبول نسخة ملطفة من الاتفاق. أعتقد أنه مهما كانت فوائد حظر الانتشار النووي التي قد يُسفر عنها الاتفاق، ستحصد إيران مزايا هائلة تفوق بكثير هذه الفوائد، بدءاً من إضفاء الشرعية على تقدمها النووي غير القانوني بشكل فاضح إلى تلقي مكافآت مالية كبيرة من شأنها تعزيز أعمال التخريب والإرهاب في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وفي رأيي، أصبحت الولايات المتحدة أساساً في عالم ما بعد «خطة العمل الشاملة المشتركة». والآن، يجب أن ينصب تركيز واشنطن على التنسيق مع حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط بشأن استراتيجيات لردع إيران عن إحراز المزيد من التقدم النووي.

لكن إدارة بايدن تتبنى وجهة نظر مختلفة، إذ تعتقد أن الصفقة النووية الجديدة تستحق العناء. في الواقع، تعتبر أن الاتفاق النووي الجديد هو السبيل الوحيد لوقف تقدم إيران النووي الجامح، لكنها لا تفعل الكثير لإلزام إيران بقبول اتفاق جديد.

وإليكم اقتراح: إذا أرادت إدارة بايدن تجنُّب ألم تشديد العقوبات أو الخوف من عمل عسكري، يمكنها أن تلجأ إلى طريقة ثالثة لرفع تكلفة رفض إيران للقبول باتفاق نووي، وهي التهديد بإلغاء التنازل الأساسي في صلب «خطة العمل الشاملة المشتركة» الأصلية، وهو الاعتراف بـ “حق” إيران “في التخصيب”.

وأكثر من أي شيء آخر، كان أعظم إنجازات إيران في «خطة العمل الشاملة المشتركة» الأصلية هو اكتساب الشرعية الدولية لمطالبتها بالحق في التخصيب. وهي المطالبة ذاتها التي أصرت واشنطن على دول أخرى، مثل الإمارات العربية المتحدة، أن تتنازل عنها إذا أرادت التعاون مع الولايات المتحدة في المجال النووي.

وإذا كانت إدارة بايدن تريد فعلاً تهديد إيران، فقد تعيد “حق التخصيب” إلى طاولة المفاوضات. وتتمثل الطريقة الأكثر فاعلية للقيام بذلك في الحصول على التزام من دولة أخرى موقّعة على «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وهي على الأرجح بريطانيا، بإطلاق آلية “العودة للحالة السابقة” للاتفاق بحلول تاريخ محدد، مما سيطيح فعلياً بما تبقى من «خطة العمل الشاملة المشتركة» إذا لم توافق إيران على العودة إلى الاتفاق.

أكرر أنني لم أُحبذ أبداً «خطة العمل الشاملة المشتركة» الأصلية، وبالتأكيد لا أُحبذ النسخة الملطفة التي تعرضها إدارة بايدن على إيران حالياً. ولكنني لا أحبذ كذلك التقاعس الأمريكي. فإذا كانت واشنطن تعتقد حقاً أن الاتفاق النووي الجديد هو الطريقة الأكثر فاعلية لوقف برنامج إيران النووي الجامح، فلا ينبغي ببساطة انتظار قبول إيران باتفاق تتراجع قيمته في كل يوم تجلس فيه طهران على طاولة المفاوضات. يجب على الولايات المتحدة أن تتصرف، والآن.

احتدام المعركة في الجولة الخامسة من الانتخابات الإسرائيلية

ديفيد ماكوفسكي

تناقش المقالة الأولى في سلسلة مقالات معهد واشنطن حول الانتخابات الإسرائيلية المقبلة كيفية تشكيل التحالفات المتنافسة، ولماذا يحظى المتطرفون بالتأييد على حساب اليمين، وما هي القضايا السياسية التي من المرجح أن تؤدي إلى توجيه النقاش الوطني.

في 15 أيلول/سبتمبر، تُوِّجت المناورات الداخلية بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية بتقديم قوائم المرشحين إلى “لجنة الانتخابات المركزية” لعملية الاقتراع التي ستجري في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وهي الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الخامسة خلال ثلاث سنوات ونصف. وتدخل دورة الحملة الانتخابية الآن مرحلة جديدة ستتسارع أكثر فأكثر بعد الأعياد اليهودية القادمة.

نمط مُتّسِق في الاستطلاعات

بالكاد تغيرت أرقام استطلاعات الرأي للفصائل المختلفة منذ انهيار الحكومة الإسرائيلية السابقة، التي تألفت من تحالف لأغلبية ضئيلة للغاية سعى إلى التركيز على قضايا الإجماع، وذلك في حزيران/يونيو وسط ضغوطٍ تعرّض لها الطرفان اليميني واليساري. والمثير للدهشة هو أنه على الرغم من الأحداث الكبرى التي جرت في السنوات القليلة الماضية – أي “اتفاقيات أبراهيم”، جولتان من القتال في غزة، جائحة “كوفيد-19″، وزيارة رئاسية أمريكية – إلّا أن النظام البيئي السياسي الإسرائيلي لا يزال ثابتاً إلى حدٍ ما، ويبدو أن الحملة الانتخابية ستشكل معركة محتدمة أخرى. وحالياً ومن المتوقع أن تفوز الأحزاب اليمينية المتحالفة مع رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو بـ 59 أو 60 مقعداً، أي أقل بقليل من الأغلبية الحاكمة في الكنيست المكوّن من 120 عضواً. أما القوى المؤلفة بمعظمها (ولكن ليس حصرياً) من يسار الوسط والمصطفة ضده، والمعروفة باسم “ائتلاف التغيير”، فيبلغ عدد مقاعدها حوالي 56 مقعداً وفقاً للاستطلاعات. أما الأحزاب العربية التي عارضت في السابق الانضمام إلى أي ائتلاف فهي التي تصنع الفارق.

ويعزز اتساق هذا التوزيع الشعور بأن الانتماء السياسي أصبح أكثر تشابكاً مع الهوية الشخصية بالنسبة للكثير من الإسرائيليين. كما يبدو أن الناخبين اليهود غير متأثرين بالإرهاق الانتخابي، مع بقاء نسبة الإقبال فوق الثلثين على الرغم من عمليات التصويت اللامتناهية.

الرهانات

لا تزال تشكيلة أحزاب “ائتلاف التغيير” قائمة إلى حدٍ كبير، حيث يجمع أعضاءها الخوف من انهيار المعايير الديمقراطية إذا فاز “حزب الليكود” برئاسة نتنياهو. فقد صرّح ممثلو “الليكود” في الكنيست علانيةً أنه في حال عودة نتنياهو إلى السلطة، فإنهم سيطردون المدعي العام الحالي، ويغيرون الطريقة التي يتم بها شغل هذا المنصب، ويمررون قانوناً يؤجل محاكمة زعيمهم بتهمة الفساد إلى ما بعد خروجه من السياسة. وعلى نطاقٍ أوسع، سوف يسعون إلى إخضاع قرارات “المحكمة العليا” لقوانين الكنيست، مما يشكل انقلاباً على “الثورة الدستورية” التي حدثت في التسعينيات. وعلى الرغم من أن نتنياهو نفسه لن يدلي على الأرجح بمثل هذه التصريحات، إلّا أن الانتخابات التمهيدية الأخيرة داخل “حزب الليكود” أظهرت أن حلفاءه مستعدون وقادرون على خفض رتبة أعضاء الكنيست المخضرمين الذين يترددون في مهاجمة سلطات إنفاذ القانون والقضاء. وتتم مكافأة المشاغبين والموالين عوضاً عنهم.

وفي غضون ذلك، كان تحالف “الليكود” مع المعسكرات القومية الدينية والمتشددة محكماً منذ عام 2009، ويجب أن يؤتي ثماره في صناديق الاقتراع بالنظر إلى أن 62 في المائة من الناخبين اليهود الإسرائيليين يتعاطفون مع اليمين. وفي الوقت نفسه، لم يحقق بعد التحالف اليميني الأغلبية في البرلمان، بسبب القلق العام المستمر بشأن اتهامات نتنياهو بالفساد وتدمير المعايير الديمقراطية – وهي مشاعر يمكن أن تتواجد بين أعداد كبيرة من مؤيدي يمين الوسط غير الديني وحتى بعض الناخبين القوميين المتدينين.

الدور الجديد للبيد كقائم بأعمال رئيس الوزراء

هذه هي الحملة الانتخابية السابعة التي يخوضها نتنياهو ورئيس الوزراء الحالي المؤقت يائير لبيد ضد بعضهما البعض، لكنها الأولى منذ عام 2009 التي يخوض فيها نتنياهو من جهة المعارضة. ففي السابق، استخدم زعيم “الليكود” منصبه لتعزيز أوراق اعتماده الدولية، لكن لبيد سيجني الآن فوائد الاجتماعات رفيعة المستوى مع القادة العرب والأوروبيين والخطابات في المحافل الدولية، بما في ذلك “الجمعية العامة للأمم المتحدة” هذا الأسبوع. وفي الواقع، يبدو أن لبيد يعتمد على استناد الناخبين في خيارهم على السياسة الخارجية والأمن، حتى عندما يخبرون مستطلعي الآراء أن الاقتصاد هو أهم قضاياهم.

إلا أن نتنياهو لم يقف مكتوف اليدين. فقد وحّد تحالفه وأعاد ضبطه لتجنب “إهدار” أصوات اليمين على الأحزاب الهامشية التي تقلّ نسبة أصواتها عن العتبة الانتخابية البالغة 3.25 في المائة المطلوبة للدخول إلى البرلمان. وجرّب لبيد التكتيك نفسه على يسار الوسط، لكن دون جدوى – فقد رفضت زعيمة “حزب العمل” ميراف ميخائيلي الاندماج مع “حزب ميريتس” الذي يُعرف بإعلان يساريته بصراحة أكبر بسبب مخاوفها من إضعاف سمة حزبها.

ما مقدار الدور الذي سيلعبه الإرهاب؟

شهد أحد الفصائل في تحالف نتنياهو صعوداً كبيراً في الأسابيع الأخيرة: وهو “الحزب الصهيوني الديني”، الذي يحمل اسم أكبر فئة من الناخبين ولكنه يمثل اليمين المتطرف فقط. ويتولى قيادة الحزب بتسلايل سموتريش وإيتمار بن غفير، وهذا الأخير هو تلميذ سابق للشخصية السياسية المعروفة بعنصريتها مائير كاهانا. وعلى الرغم من أن بن غفير تخلى عن دعوات كاهانا إلى التطهير العرقي، إلا أنه دعا مراراً وتكراراً إلى طرد بعض المعسكرات العربية التي يعتبرها غير مخلصة.

ونمت شعبية بن غفير لعدة أسباب. أولاً، إنه مُحرِّض يستغل وسائل الإعلام لنشر رسالته، إذ يُسرع إلى مسرح الهجمات الإرهابية أو مناطق حساسة أخرى لالتقاط الصور. ثانياً، من خلال إصراره على أنه يقول فقط ما يعتقده الآخرون ولكنهم لا يجرؤون على التفوه به، استمال إليه بعض الناخبين الشباب المتدينين المتشددين وغيرهم من الجماهير غير المتوقعة (على سبيل المثال، تجمهر حوله مؤخراً طلاب من مدرسة ثانوية علمانية راقية في منطقة تل أبيب لالتقاط صور شخصية معه). ثالثاً، يُظهر التاريخ أن الإرهاب الفلسطيني يثير بشكل عام المشاعر العامة الإسرائيلية إلى اليمين عشية الانتخابات. وقد تَعلّم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت هذا الدرس بالطريقة الصعبة – فبعد أشهر من إطلاق ائتلافه تجربته التاريخية المتمثلة في ضم نواب عرب في الحكومة، أدّت سلسلة من الهجمات إلى مقتل 19 إسرائيلياً خلال شهر رمضان في الربيع الماضي، مما أدى إلى انشقاقات رئيسية أدت في النهاية إلى انهيار ذلك الائتلاف.

وهذه الهجمات، والعمليات العسكرية الإسرائيلية شبه اليومية منذ ذلك الحين في مدينتَي جنين ونابلس اللتين يسودهما الاضطراب، هي جزء من دورة عنف كشفت عجز “السلطة الفلسطينية” عن توفير الأمن لأجزاء كبيرة من الضفة الغربية. وحتى الآن، كان عام 2022 أكثر الأعوام دموية في تلك المنطقة منذ عام 2016، إذ قُتل 85 فلسطينياً، بينما أبلغ الشاباك عن 981 حادثاً إرهابياً أُحبِط أو ارتُكِب بين آذار/مارس وآب/أغسطس وحدهما. وستزيد الأعياد الدينية القادمة من خطر انتشار العنف حيث يزور عشرات الآلاف من اليهود جبل الهيكل/الحرم الشريف، الذي يشكل على الدوام مصدراً رئيسياً للتوتر.

وسعى بن غفير و”الحزب الصهيوني الديني” إلى استغلال مثل هذه الأعمال العنيفة لانتزاع الأصوات من “حزب الليكود” وأيضاً من “اليمين الليّن” الضعيف بقيادة وزير العدل جدعون ساعر ووزير المالية أفيغدور ليبرمان. وفي الانتخابات السابقة فاز “الحزب الصهيوني الديني” بستة مقاعد ويبلغ عدد مقاعده الآن 11 أو 12 مقعداً حسب الاستطلاعات، مما يزيد من احتمال فوز بن غفير بحقيبة وزارية رفيعة إذا فاز نتنياهو.

التصويت العربي

كما في الجولة الماضية، قد تتوقف النتيجة على الفصائل العربية. أولاً، كانت نسبة الإقبال بين الناخبين العرب الإسرائيليين متقلبة، وعادةً ما تتوافق مع وحدة الأحزاب العربية. فقبل انتخابات عام 2021، انشق فصيل منصور عباس عن “القائمة المشتركة” ذات الأغلبية العربية وخاض الانتخابات مع قائمته الخاصة، “القائمة العربية الموحدة”. وعلى الرغم من أن هذا التكتيك قد مكّن “القائمة العربية الموحدة” من أن تصبح أول حزب عربي ينضم إلى ائتلاف، إلا أن الانقسام أضر بالإقبال العام للمجتمع العربي (انخفض إلى 45 في المائة، بتراجع قدره عشرين نقطة) وبعدد مقاعده في الكنيست (انخفض إلى 10 مقاعد موزعة على قائمتين، مقارنة بـ 15 مقعداً لـ “القائمة المشتركة” في الانتخابات السابقة، مما جعلها ثالث أكبر فصيل في ذلك الوقت). علاوةً على ذلك، تجنبَ نتنياهو إلى حدٍ كبيرٍ اللهجة المثيرة للمخاوف المناهضة للعرب والتي أدت إلى إقبال كبير من هذا المجتمع في الماضي.

ثانياً، قد يؤدي الانقسام في “القائمة المشتركة” في اللحظة الأخيرة إلى مساعدة نتنياهو أو “ائتلاف التغيير”. فبعد انشقاق “القائمة العربية الموحدة” في العام الماضي، بقيت ثلاثة أحزاب ضمن “القائمة المشتركة” هي: “التجمع الوطني الديمقراطي”، و”الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” وهي فصيل عربي يهودي شيوعي، و”الحركة العربية للتغيير” وهي فصيل قومي عربي. لكن في الآونة الأخيرة، تم استبعاد “التجمع الوطني الديمقراطي” – الأكثر تطرفاً من بين الثلاثة – من القائمة. واتهم هذا “التجمع” لبيد بأنه العقل المدبر للانقسام بهدف تحرير “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير”، إما لتقديم دعم ضمني في البرلمان المقبل أو الانضمام إلى التحالف بشكل مباشر، وهو ما قد يجعل لبيد أقرب إلى الحصول على 60 مقعداً.

وقد يوحي خروج “التجمع الوطني الديمقراطي” أيضاً بجدول أعمال أكثر شمولاً للتحالف بين حزبَي “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير”. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الشباب العربي الإسرائيلي يريدون الاندماج في بلادهم وهم محبطون بشكل متزايد من التقاعس الملحوظ لممثليهم السياسيين. ومع وجود ثلاث مقاربات سياسية متميزة أمامهم – هي براغماتية “القائمة العربية الموحدة”، وتفضيل التحالف بين حزبَي “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير” لتأدية دور صانع الملوك، ونزعة الرفض في “التجمع الوطني الديمقراطي” – تتعدد الخيارات المتاحة أمام الناخبين العرب أكثر من أي وقت مضى. إلا أن ذلك قد يشكل سيفاً ذا حدين: فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن “القائمة العربية الموحدة” والتحالف بين حزبَي “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير” يقتربان على نحوٍ خطير من العتبة الانتخابية البالغة 3.25 في المائة، في حين أن “التجمع الوطني الديمقراطي” يبقى بعيداً جداً عنها. وإذا فشلت الأحزاب الثلاثة في دخول البرلمان، فلن يتم تمثيل المجتمع العربي للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، مما يشكل نكسة مروعة بعد الإنجاز غير المسبوق في العام الماضي.

الخاتمة

لن يؤدي احتدام السباق هذا العام إلا إلى تضخيم دور الحوادث الفردية على الأرض والمناورات التي تقوم بها الأحزاب الصغيرة. وبناءً على ذلك، حتى التطورات الثانوية قد يكون لها عواقب انتخابية كبيرة.

شراكات التعاون الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط

ديفيد شينكر

زادت اتفاقيات إبراهيم بشكل كبير من خيارات المنطقة لمواجهة التهديدات الإيرانية، لكن الأداء السابق للتحالفات العربية يجب أن يجعل صناع السياسة حذرين بشأن توقع الكثير من التحالفات الجديدة.

تم تحضير الشهادة التالية لجلسة استماع أمام “اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومكافحة الإرهاب العالمي” بـ “مجلس النواب الأمريكي”.

لقد تغير الكثير في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين اللذين أعقبا توقيع “اتفاقيات إبراهيم” التاريخية. فقد مضت البحرين والإمارات العربية المتحدة قدماً وبسرعة وتصميم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتبّنى البلدان “سلاماً ودياً” مع الدولة اليهودية. وبالإضافة إلى الأردن ومصر والمغرب، يكون نحو ثلث الدول العربية قد اختار الآن السلام مع إسرائيل، الأمر الذي ينهي أحد المحرمات القبيحة ويخلق زخماً إقليمياً إيجابياً. وقد شجعت هذه البيئة الإقليمية المتحسنة بدورها الدول العربية الأخرى – من بينها تلك التي ليس لها علاقات دبلوماسية رسمية والتي لا تزال من الناحية المنطقية “في حالة حرب” مع إسرائيل – على التصرف بالمثل والانخراط [في اتفاقيات]، حتى لو بشكل سري.

وإحدى النتائج الواعدة لهذه الديناميكية الإقليمية الجديدة هي إمكانية توسُّع كتلة السلام هذه، المتعاظمة في حجمها والموالية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لتتحول إلى تعاون استراتيجي إقليمي غير مسبوق. ولطالما كان التعاون الأمني في المنطقة مصلحة أمريكية في الشرق الأوسط، لكن الحاجة إليه أصبحت أكثر إلحاحاً مع ما يسمى بـ “التحول نحو آسيا” والطلبات المتزايدة على الجيش الأمريكي في جميع أنحاء العالم، والخطر المتزايد الذي تشكله إيران. غير أن هذا النوع من التعاون الملموس لم يصبح ممكناً إلا في الآونة الأخيرة مع توقيع “اتفاقيات إبراهيم” وانتقال إسرائيل من منطقة عمليات “القيادة المركزية الأوروبية” إلى منطقة عمليات “القيادة المركزية الأمريكية”.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، ومع انتشار التقارير عن حصول اتصالات بين كبار مسؤولي الأمن الإسرائيليين والعرب، احتدم النقاش في واشنطن حول تحالف استراتيجي إقليمي جديد. وفي حين يصعب معرفة مقدار التقدم المُحرز حتى الآن، إلا أن القصص المتداولة بهذا الشأن مثيرة للإعجاب.

فوفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”، عقدت “القيادة المركزية الأمريكية” خلال شهر آذار/مارس الماضي اجتماعاً لمسؤولي الدفاع من المملكة العربية السعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل في شرم الشيخ في مصر، لمناقشة التهديد الجوي الإيراني. وفي حزيران/ يونيو، ادّعى وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس انعقاد ما يقرب من 150 اجتماعاً بين عناصر الدفاع الإسرائيليين ونظرائهم من دول المنطقة، “باستثناء مصر والأردن”، منذ آب/أغسطس 2019. بعد ذلك، أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله أنه “سيكون من أوائل المؤيدين لحلف مشابه للناتو في الشرق الأوسط”. وأثارت كل هذه الضجة بدورها تكهنات واسعة النطاق بأن الرئيس بايدن سيجعل هذا التعاون محور رحلته إلى الشرق الأوسط في تموز/يوليو. ومع ذلك، بينما كان موضوع الأمن مدرجاً على جدول أعمال بايدن، إلّا أنه لم يَصدر أي إعلان كبير عن إحراز تقدم على صعيد التعاون الاستراتيجي الإقليمي.

وقبل الزيارة، حدد مسؤولٌ كبير في الإدارة الأمريكية بشكل عام ما قد يبدو عليه التعاون، وانطوى على “جمع البُلدان معاً لمواجهة التهديدات والتحديات المشتركة، وهو أمر تتقنه الولايات المتحدة بشكل فريد، ضمن أطر جديدة تهدف إلى تسخير القدرات الأمريكية الفريدة لتمكين الشركاء من العمل معاً بشكل أوثق”. وبالفعل يُعتبر دور الولايات المتحدة هنا فائق الأهمية. ومع ذلك، فإن ما تتصوره إدارة بايدن لا يرقى إلى درجة “الناتو العربي” الذي طرحه الملك عبد الله، بل هو مبادرة تعاون استراتيجي إقليمي تدعمها الولايات المتحدة وتركز على التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، بما يتضمنه ذلك من تبادل المعلومات المستمدة من أجهزة الرادار ودمج منظومات الدفاع الصاروخي المتعددة المستويات. ويبدو أيضاً أن هذا التعاون يشمل تدريبات ومناورات مشتركة للقوات الجوية، فضلاً عن بيع معدات إسرائيلية تشمل على وجه التحديد صفقة بيع منظومة دفاع صاروخي بقيمة 500 مليون دولار إلى المغرب. وعلى العموم، لم تظهر حتى الآن إلّا تفاصيل قليلة حول ما يسمى بـ “تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط”، ومن ضمنها الدول المعنية ومستوى مشاركتها. مع ذلك، ووفقاً لوزير الدفاع الإسرائيلي، فإن “تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط” جارٍ على قدم وساق و”يحبط المحاولات الإيرانية” لاستهداف المنطقة.

في الواقع، إن هذا النهج الأقل طموحاً أمراً مستحسناً. وليس بالأمر الجديد أن تساعد واشنطن على تسهيل التعاون الاستراتيجي بين الشركاء، فالولايات المتحدة تقوم بذلك في جميع أنحاء العالم، وبنجاح كبير. ولكن في الشرق الأوسط، لم تنجح الولايات المتحدة بالقدر نفسه في تعزيز التعاون الاستراتيجي بين شركائها العرب. كما أن سجلّ التنسيق العسكري بين الدول العربية، دون دعم أمريكي، ليس متميزاً بالقدر نفسه. وفي حين أن الحماسة الحالية في المنطقة هي سبب لبعض للتفاؤل، تشير السوابق إلى ضرورة توخّي الواقعية عند توقع ما يمكن تحقيقه وما سيتم إنجازه.

المحاولات السابقة

تاريخياً، كانت التجارة الثنائية بين الدول العربية ضئيلة للغاية. وكذلك الأمر بالنسبة للتعاون الاستراتيجي البيني في المنطقة.

لقد نشرت جامعة الدول العربية عدداً من قوات حفظ السلام وقوات الحملات العسكرية منذ إنشائها في عام 1945. ففي عام 1976 تم إنشاء ما يسمى بـ “قوات الردع العربية” للمساعدة على إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. وفي نهاية المطاف، ما فعلته هذه القوة المكونة بشكل أساسي من قوات سورية معززة ببعض القوات السعودية والسودانية والليبية الرمزية، هو أنها سهّلت الاحتلال العسكري السوري للبنان الذي استمر لعقود. وفي عام 1982، ساهمت الدول الست الأعضاء في “مجلس التعاون الخليجي” في “قوات درع الجزيرة”، وهي وحدة قوامها 40 ألف جندي مصممة لمواجهة التخريب الإيراني. ولكن باستثناء عام 2011 حين أُرسلت قوة لقمع انتفاضة شعبية في البحرين، لم تشهد “قوات درع الجزيرة” معارك قتالية مِن قَبل.

بالإضافة إلى ذلك، شاركت سبع دول عربية إلى حد ما في عملية “عاصفة الصحراء” (1991)، عندما قام تحالفٌ بقيادة الولايات المتحدة مكوَّن من خمس وثلاثين دولة بتحرير الكويت من العراق في عهد صدام حسين. وفي أعقاب “حرب الخليج”، وافق “مجلس التعاون الخليجي” على تشكيل قوة عسكرية إقليمية تضم مصر وسوريا، ولكنها لم تبصر النور. والواقع أن “حرب الخليج” شكلت ذروة التعاون العسكري العربي، تحت مظلة أمريكية منسقة بعناية، ولم يتكرر هذا المستوى من التنسيق منذ ذلك الحين.

ومؤخراً، أنشأت الرياض تحالفاً في عام 2015 لدعم السعودية في تدخلها في اليمن في أعقاب التمرد الحوثي المدعوم من إيران. وفي حين شارك سبعة أعضاء من جامعة الدول العربية في عملية “عاصفة الحزم”، تفاوتت درجة المشاركة بين الدول، شأنها شأن الأداء في ساحة المعركة والقدرة على العمل المتبادل. وباختصار، لم تعمل القوة “بشكل مشترك”. فضلاً عن ذلك، خرجت قطر والمغرب من التحالف في عامَي 2017 و 2019 على التوالي. كما انسحبت أبو ظبي – الشريك الذي لا غنى عنه للرياض في الحملة – في عام 2019، دون موافقة السعودية وفقاً لبعض التقارير. (لا تزال الإمارات منخرطة في اليمن حالياً، ولكن ليس كجزء من التحالف الذي تقوده السعودية. وفي الواقع، كان الجهد العسكري الإماراتي في أوائل عام 2022 لوقف هجوم الحوثيين في مأرب حاسماً في جلب الجماعة المدعومة من إيران إلى طاولة المفاوضات.)

ضبط التوقعات

أدى التصوّر المشترك للتهديد الإيراني إلى تغيير المقاربة المتبعة لتحقيق التعاون العسكري الإقليمي مع إسرائيل. وفي حين أن المسار الحالي للتعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والدول العربية غير مسبوق، إلّا أنه لا تزال هناك عقبات كبيرة أمام بناء “تحالف” عملي فعال.

المنافسة بين العرب: إن الحديث الدائم عن العلاقات “الأخوية” لا يعني بالضرورة أن الوفاق والوئام يسودان بين الدول العربية. فبين عامَي 2017 و 2021، فرضت ست دول عربية حصاراً سياسياً واقتصادياً على قطر. وفي حين تم رأب الصدع، إلا أن الشكوك لا تزال قائمة. وبالمثل، خلال السنوات الأخيرة، كانت السعودية والإمارات شريكتين استراتيجيتين في اليمن ومتنافستين في الاقتصاد. فالمملكة تسعى حالياً إلى إرغام الشركات متعددة الجنسيات على نقل مقراتها الرئيسية من دبي إلى الرياض. وفي عام 2021، أفادت بعض التقارير أن السعوديين حاولوا تقويض صفقة المياه والطاقة الشمسية بين القدس وأبوظبي وعمّان. [وبالتالي]، قد تؤدي المنافسات الإقليمية وانعدام الثقة إلى تقويض الجهود المبذولة لإقامة تعاون أمني وثيق.

التعاون العلني مقابل التعاون الهادئ: تشير استطلاعات الرأي العام والأدلة التجريبية على حد سواء إلى أن “اتفاقيات إبراهيم” ومسألة التطبيع مع إسرائيل لا تحظى بشعبية كبيرة في الخليج والشرق الأوسط إلى حد بعيد. ولهذا السبب، فضّل كلٌّ من الأردن ومصر – الشريكان الأولان لإسرائيل في السلام – تاريخياً إبقاء التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي مع الدولة اليهودية بعيداً عن الأضواء. وتم أيضاً التعامل بسرية مع العلاقات الناشئة بين إسرائيل ودول الخليج، التي تشكلت في أعقاب “اتفاقيات أوسلو” عام 1993. وفي أعقاب “اتفاقيات إبراهيم”، أصبحت تعاملات الدول العربية مع إسرائيل أكثر علنية، لكن التحفظ لا يزال قائماً.

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الرياض ستعمل حتماً على التطبيع مع إسرائيل، إلا أن المملكة حرصت حتى الآن على سرية تعاملاتها مع القدس. وفي الشهر الماضي، أدت الخلافات الناتجة من نشر إسرائيل لمكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لابيد ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى إحباط مخطط لفتح قنصلية إسرائيلية في الدوحة خلال كأس العالم. لذلك فإن تردد بعض الدول العربية في الإعلان عن تعاون استراتيجي قد يجعل من الصعب نشر المعدات الإسرائيلية و/أو العناصر الإسرائيليين في الدول التي لم تنضم إلى “اتفاقيات إبراهيم”. فميل المسؤولين الإسرائيليين إلى تسريب المعلومات لن يُطمئِن الدول التي ما زالت مترددة بشأن رفع الرهان.

معاداة إيران: يثير الرأي العام بشأن التطبيع مع إسرائيل مخاوف متفاوتة بين الدول العربية. غير أن هذه الدول متخوفة بالقدر نفسه، إن لم تكن أكثر تخوفاً بشأن رد فعل طهران إزاء توثيق التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل. فمنذ عام 2019، حذر كبار المسؤولين في «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني دول الخليج مرراً وتكراراً من مواصلة العلاقات الأمنية مع شريكهم الجديد في السلام. ومنذ البداية، أفادت بعض التقارير أن أبوظبي سعت إلى استباق هذه التهديدات عبر الإعلان أن الإمارات العربية المتحدة لن تسمح لإسرائيل بإقامة قاعدة للطائرات العسكرية على أراضيها. ولا شك في أن إيران ستجد إشكالية في وجود أنظمة الرادار الإسرائيلية على الأراضي الإماراتية، على الرغم من أن تهديدها لا يتفوق على تهديد الطائرات المقاتلة من طراز “أف-35”. وبالنسبة للإمارات والبحرين والسعودية، سيكون السؤال الرئيسي المطروح هو: إلى أي مدى يمكنها التنسيق مع إسرائيل قبل أن ترد إيران، إما مباشرة أو عبر وكلائها. وعلى غرار الإمارات، ترتبط قطر وسلطنة عُمان أيضاً بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية مهمة مع إيران، وقد يتبين أنهما أكثر حذراً بشأن اتخاذ خطوات مع إسرائيل قد تثير استعداء طهران.

ما الذي يجب مشاركته؟ ومع من؟ يعتبر التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل وشركائها العرب تطوراً إيجابياً. ومن المؤكد أن تبادل المعلومات الاستخباراتية سيؤدي إلى تحسين أمن الدول الإقليمية المهددة من قبل إيران ووكلائها. ولكن في الوقت نفسه، يتمتع بعضٌ من أفضل شركاء إسرائيل المحتملين في المنطقة بعلاقات وثيقة بشكل متزايد مع الصين. وإذا تم نشر المعدات الإسرائيلية – التي تم تطوير بعضها بصورة مشتركة مع الولايات المتحدة – في الخارج، فسيتعين اتخاذ تدابير معينة لضمان عدم اختراق التكنولوجيا. كما أن بعض الدول العربية التي تأمل إسرائيل في تعزيز التعاون الاستراتيجي معها في مواجهة إيران تقود حالياً جهوداً تهدف إلى مساعدة طهران على التخلص من العقوبات الأمريكية.

الخاتمة

تتمتع الشراكة الأمنية الإقليمية بين إسرائيل والدول العربية بإمكانيات كبيرة لمساعدة أصدقاء واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط على التصدي بشكل أفضل للتهديد المتزايد من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ولكن هذه الشراكة لا تزال في مراحلها الأولى. وفي حين أن تبادل المعلومات الاستخباراتية قد يتوسع في نهاية المطاف ليشمل مجموعات أخرى من التهديدات، بما في ذلك تحديات مكافحة الإرهاب على الأرض التي يطرحها وكلاء إيران، إلّا أنه من الصعب التخيل أن يتخذ هذا التعاون نهجاً حركياً استباقياً. وفي الواقع، نظراً لتفاوت درجات تحمّل التهديدات في جميع أنحاء المنطقة، تبدو العمليات الجوية البرية المنسقة والاستباقية غير مرجحة. ومع ذلك، فإن هذا التعاون يتطور، على الرغم من أنه يمثل تحسناً كبيراً عما كانت عليه المنطقة قبل عامين.

ومع ذلك، من المهم وضع توقعات معقولة بشأن حدود التعاون الاستراتيجي. ففي حين أن الدول العربية الشريكة هي في أحسن الأحوال دول غير ديمقراطية، إن لم تكن استبدادية، إلا أنها ما زالت تولي بعض الاعتبار للرأي العام. فضلاً عن ذلك، لا تزال قدرات الكثير من هذه الدول العربية محدودة، في حين تفتقر إسرائيل إلى القدرات الكافية في مجال التزود بالوقود جواً والذخائر الجوية لتنفيذ مهام معينة ضد إيران. وفي هذا الصدد، لا يعتبر “تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط” الدواء الشافي، على الرغم من فائدته.

وتشكل البنية الاستراتيجية الجديدة التي أصبحت ممكنة بفضل “اتفاقيات إبراهيم” عنصراً مهماً في تقاسم الأعباء، لكنها ليست خطة بديلة يمكن اللجوء إليها عندما تصل إيران حقاً إلى العتبة النووية. وحتى لو حقق التعاون الاستراتيجي في المنطقة كامل طاقاته في التصدي لتحدي الصواريخ والطائرات المسيرة، ستبقى الولايات المتحدة الحليف الذي لا غنى عنه لشركائها الإقليميين في مواجهة التهديد النووي الإيراني.

الدبلوماسية ما تزال ممكنة (تقريبا) في أوكرانيا‏

ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏

‏‏‏يوجين شوسوفسكي*‏‏ – (فورين بوليسي)

ثمة جهد دبلوماسي ناجح في المرحلة الحالية من الصراع في أوكرانيا، وافقت عليه وقامت بتنفيذه (بما في ذلك كل من أوكرانيا وروسيا)، ويمكن أن يكون إطار عمل يتم الاسترشاد به لمنع الحرب من التفاقم.‏

ويُعرف هذا الجهد باسم “‏‏مبادرة حبوب البحر الأسود”‏‏ -وهو اتفاقية تضم أوكرانيا وروسيا، توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة، ودخلت حيز التنفيذ في 1 آب (أغسطس).

* * *

‏الآن، تدخل الحرب التي طال أمدها في أوكرانيا مرحلة جديدة، ربما أكثر خطورة بكثير. بعد التقدم السريع الذي أحرزته القوات الأوكرانية في ‏‏هجوم مضاد‏‏ ضد القوات الروسية في منطقة خاركيف الأوكرانية، فضلاً عن الدعم السياسي والأمني الدائم من الغرب، أصبح الكرملين يتسلق الآن سُلَّم التصعيد.

وقد أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ‏‏بتعبئة عسكرية‏‏ روسية في 21 أيلول (سبتمبر)، بينما أصدر تهديدًا آخر شبه مبطن باستخدام الأسلحة النووية، في عودة إلى إحدى ثيمات موسكو التي كررتها بعد هزائم سابقة في المراحل الأولى من الغزو.

وتشكل الاستفتاءات على الانضمام إلى روسيا في العديد من ‏‏المناطق الانفصالية‏‏ المدعومة من موسكو، والتي نوقشت منذ فترة طويلة ويجري تنفيذها حاليًا، علامة أخرى على محاولات الكرملين تصعيد الضغط على أوكرانيا.‏

كل هذه التطورات تشير إلى خطر جدي للتصعيد في الصراع الأوكراني، وهو صراع أفضى مسبقاً إلى اضطرابات في مجال الطاقة بين روسيا وأوروبا، واقترب بشكل مثير للقلق من التهديد ‏‏بوقوع حوادث نووية‏‏.

لكن المزيد من التصعيد ليس حتميًا. في الواقع، يمكن أن تعطي هذه التطورات الزخم لشيء ظل مراوغاً في الصراع الروسي الأوكراني، يعود كل الطريق وراءً إلى العام 2014: محاولة جادة ومخلصة تبذلها جميع الأطراف المعنية للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا -أو التخفيف من نتائجها الأكثر تدميرًا على الأقل.‏

من المؤكد أن العديد من ‏‏الجهود الفاشلة‏‏ لحل الصراع الأوكراني دبلوماسيًا قد بُذلت في السابق. وتعود هذه الجهود إلى بداية الصراع في أوائل العام 2014، في أعقاب “ثورة الميدان الأوروبي” في كييف، عاصمة أوكرانيا، وضم روسيا اللاحق لشبه جزيرة القرم، فضلاً عن رعايتها انتفاضة انفصالية في منطقة دونباس. في ذلك الحين، بدأت المفاوضات الدبلوماسية على الفور تقريبًا.

وجاءت أطر ذلك التفاوض في المقام الأول في شكلين: “مجموعة الاتصال الثلاثية”، التي ضمت أوكرانيا وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لمعالجة المكونات التكتيكية والأمنية للصراع؛ وما يسمى “رباعي نورماندي” الذي ضم أوكرانيا، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا، لمعالجة القضايا الاستراتيجية الأوسع نطاقا من المستوى السياسي.‏

وأسفرت جهود الوساطة هذه عن اتفاق على خريطة طريق لإنهاء الصراع الأوكراني، يُعرف باسم “‏‏اتفاق مينسك”‏‏، الذي تضمن وقفاً لإطلاق النار وسحباً للقوات من خط التماس، ولكن لم يتم تنفيذ أي جزء من ذلك الاتفاق بنجاح أو بطريقة مستدامة.

كانت هناك العديد من القضايا التي قوضت تنفيذه، بما فيها وضع روسيا الغامض كوسيط ومحارب في الوقت نفسه، فضلاً عن الخلافات بين كييف وموسكو حول تسلسل المكونات الأمنية والسياسية للبروتوكول.

وكان جوهر فشل اتفاق مينسك هو أن كل الأطراف الرئيسية كانت ترى الغرض منه بشكل مختلف، حيث نظرت أوكرانيا إليه باعتباره وسيلة لاستعادة الأراضي التي استولت عليها روسيا، في حين نظرت موسكو إليه باعتباره وسيلة لتقويض جهود كييف للاندماج في الغرب.

ثم أصبح اتفاق مينسك بالياً ولاغياً تمامًا مع بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 شباط (فبراير) من هذا العام.

لم يعد وضع جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين موضوعاً للتفاوض؛ وبدلاً من ذلك، اختارت روسيا الاعتراف بهاتين المنطقتين كدولتين مستقلتين قبل شن هجومها العسكري الشامل على أوكرانيا.

وادعى الكرملين أن هذا كان ضرورياً لحماية هاتين المنطقتين، وكذلك لإنجاز “‏‏نزع السلاح ونزع النازية‏” على نطاق أوسع في أوكرانيا. وأدى ذلك إلى المرحلة الحالية من الصراع العسكري في أوكرانيا، وهي مرحلة تم التفاوض عليها إلى حد كبير ميدانياً في ساحة المعركة، والتي يبدو الآن أنها على شفا المزيد من التصعيد.‏

* * *

على الرغم من فشل الجهود الدبلوماسية لحل الصراع بين أوكرانيا وروسيا، فإن هذا لا يعني أن الوساطة الدولية في الصراع الأوكراني كانت غير مجدية ككل.

كان هناك نوع من جهد دبلوماسي من هذا القبيل في المرحلة الحالية من الصراع، والذي لم يقتصر أمره على أن جميع الأطراف المعنية وافقت عليه وقامت بتنفيذه (بما في ذلك كل من أوكرانيا وروسيا) فحسب، بل إنه يمكن أن يكون أيضًا بمثابة إطار عمل يتم الاسترشاد به لمنع الحرب من التفاقم.‏

يُعرف هذا الجهد باسم “‏‏مبادرة حبوب البحر الأسود”‏‏، وهي اتفاقية دولية تضم أوكرانيا وروسيا، توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة، وتم التوقيع عليها في 22 تموز (يوليو) ودخلت حيز التنفيذ في 1 آب (أغسطس).

وقد مهدت هذه الاتفاقية الطريق لفتح ممر بحري إنساني لمرور إمدادات الحبوب عبر البحر الأسود، وسمحت لكل من أوكرانيا وروسيا باستئناف صادراتهما من الأغذية التي كانت قد أعاقتها الحرب.

وبما أنه تم تنفيذ مضمون هذا الاتفاق بنجاح لأكثر من شهرين الآن، فقد ساعد على تخفيف الضغوط الاقتصادية في أوكرانيا ونقص الغذاء في جميع أنحاء العالم، فيما يوفر دليلاً على أنه ما يزال من الممكن تحقيق تعاون عملي بين كييف وموسكو، حتى في خضم الحرب.‏

كانت تركيا لاعبًا رئيسيًا في التفاوض على هذا الاتفاق، حيث برزت كأكثر ‏‏الوسطاء‏‏ نشاطًا وفعالية بين روسيا وأوكرانيا منذ بدء الصراع.

وقد أسهم موقع تركيا الفريد باعتبارها العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي الذي لم يطبق عقوبات ضد روسيا، وعلاقة أنقرة المعقدة والبناءة مع كل من موسكو وكييف، في منح أنقرة التأثير السياسي اللازم للتوسط بين الجانبين.

وإضافة إلى ذلك، فإن موقع تركيا الاستراتيجي على البحر الأسود وإشرافها على نقاط دخوله من مضيق البوسفور إلى البحر الأبيض المتوسط، جعلها حاسمة من منظور لوجستي، حيث يجب أن تمر أي شحنات تمر عبر البحر الأسود من ‏‏المضائق التي تسيطر عليها تركيا‏‏ لكي تصل إلى الأسواق العالمية.‏

وكان دور الأمم المتحدة مهمًا أيضاً لأنه أعطى الشرعية متعددة الأطراف للاتفاق، خاصة وأن الصراع الروسي الأوكراني خلق ‏‏مشاكل في إمدادات الحبوب‏‏ ذات طبيعة عالمية.

وتمثل روسيا وأوكرانيا مجتمعتين نحو ‏‏18 في المائة‏‏ من صادرات الحبوب العالمية؛ حيث توفر هاتان الدولتان غالبية الحبوب المستوردة للعديد من البلدان في أفريقيا والشرق الأوسط.

ومع ذلك، جعل الحصار العسكري الروسي المضروب على موانئ البحر الأسود الأوكرانية والعقوبات الغربية ضد روسيا من الصعب على كلا البلدين إرسال إمدادات حبوبهما إلى السوق.

ولم تؤثر الحرب على أسعار الحبوب وتؤدي إلى تضخم غذائي متفش فحسب، وإنما صنعت أيضًا نقصًا في الحبوب في بعض المناطق الأكثر هشاشة في العالم.‏

نتيجة لذلك، كان لدى كل من أوكرانيا وروسيا الحافز للتوصل إلى اتفاق بشأن إمدادات الحبوب -حتى مع استمرار الصراع العسكري الأوسع بينهما، وهو ما مهد الطريق أمام تركيا والأمم المتحدة للتوسط. ومنذ إطلاق “مبادرة البحر الأسود للحبوب”، كانت هناك نحو 200 ‏‏رحلة لسفن‏‏ الحبوب، والتي نقلت أكثر من 4 ملايين طن متري من منتجات الحبوب.

وعلى الرغم من إبرامه أثناء نزاع نشط، كانت هناك العديد من العوامل التي سهلت تنفيذ اتفاق الحبوب. كانت هناك حوافز واضحة لدى كل من روسيا وأوكرانيا لرفع الحظر عن شحنات حبوبهما، ولم يتطلب الاتفاق من أي من الطرفين تقديم تنازلات بشأن مصالحهما الاستراتيجية الأوسع.

لماذا لم يدعم سكان الشرق الأوسط ودوله أوكرانيا؟

كما خاطب الاتفاق مخاوف تركيا والأمم المتحدة بشأن معالجة نقص الغذاء والتضخم، وكان هناك قبول بين جميع الأطراف للمراقبة والتنسيق الدوليين المتعلقين بالتنفيذ.

وسمح ذلك بمتابعة الدبلوماسية بجدية، وللمفاوضين بالتركيز على التفاصيل الفنية للمعايير القانونية واللوجستية من أجل التوصل إلى اتفاق، بينما يتم تذليل أي عقبات سياسية.

* * *

كل هذه العوامل مهمة ويجب وضعها في الاعتبار لدى النظر في ما يمكن أن يبدو عليه اتفاق دبلوماسي لإنهاء -أو على الأقل التخفيف من حدة تصعيد- الصراع الجاري في أوكرانيا في هذه المرحلة من الحرب.

وعلى غرار “مبادرة البحر الأسود للحبوب”، وخلافًا لاتفاق مينسك، من المهم لأي اتفاق من هذا القبيل أن يكون له غرض مشترك وغاية تتفق عليها جميع الأطراف بصورة متبادلة.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد بالتأكيد نقص في الخلافات بين موسكو وكييف والغرب، إلا أن هناك أهدافًا مشتركة ما يزال بإمكان جميع الأطراف أن تلتف حولها، حتى لو كانت هذه الأهداف ترمي فقط إلى الحيلولة دون تصعيد دراماتيكي سيكون من شأنه أن يضر بجميع الأطراف دون استثناء.

ويمكن أن يتخذ مثل هذا التصعيد أشكالاً عديدة، من هجوم روسي بالأسلحة النووية، إلى قطع كامل لإمدادات الطاقة عن أوروبا، إلى أزمات اقتصادية وسياسية.‏

وهكذا، يمكن لـ”مبادرة حبوب البحر الأسود”، بتركيزها على التعاون متعدد الأطراف وتحديد الأهداف المشتركة وتنفيذها، أن توفر إطارًا مفاهيميًا مفيدًا لمنع تصعيد الصراع الأوكراني.

ولم تخف تركيا رغبتها في المساعدة على التوسط في اتفاق أوسع لوقف إطلاق النار بين أوكرانيا وروسيا، حيث تأمل أنقرة في الاستفادة من تجربة صفقة الحبوب -فضلاً عن ‏‏تبادل السجناء‏‏ الأخير الذي توسطت فيه مع المملكة العربية السعودية- لتحقيق هذا الهدف.

ويمكن لوساطة ناجحة تسفر عن نتائج ملموسة، حتى في القضايا الصغيرة نسبيًا، أن تبني الأساس لخفض التصعيد في المستقبل.‏

بطبيعة الحال، سيكون التوسط في القضايا الرئيسية المتعلقة بالسيطرة على الأراضي والضمانات الأمنية أكثر صعوبة بكثير، وما يزال من الممكن أن تتجنب كل من أوكرانيا وروسيا جهود الوساطة هذه بينما تحاول قواتهما الحصول على ميزة في ساحة المعركة.

ومع ذلك، وضعت التطورات الأخيرة الصراع الأوكراني على مفترق طرق من نوع ما، مع خطر جدي للتصعيد من جهة، وفرصة لتراجع دبلوماسي معقول من جهة أخرى.‏

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى