مقالات

قضيتنا الفلسطينية ومحيطها المضطرب

  أسامة خليفة
باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات
                                      

قراءة في كتاب «في مجرى الأحداث 2017»، وهو الإصدار الثالث والثلاثون من «سلسلة الطريق إلى الاستقلال» التي يصدرها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات “ملف”، يسلط الكتاب الضوء على ما شهدته القضية الفلسطينية من تطورات مهمة في العام 2017، في زمن ترامب، أو زمن الاضطرابات الإقليمية، تطورات أربكت القيادة الرسمية الفلسطينية فأصابها قصور في التفكير وعجز في التدبير وضعف في الإرادة السياسية، إنها أحد أبرز مظاهر أزمة حركة التحرر الفلسطينية، والتي استوجبت زحمة من المبادرات والحوارات والتفاهمات لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

يعرض الكتاب لهذه الحوارات في 3 فصول، يبين فيها نتائج حوار القاهرة، حيث صادقت الوفود على البيان الختامي  واعتبر في حينه خطوة إلى الأمام، ولكن قبل أن يجف حبر البيان الختامي بدأت التصريحات من الطرفين (حماس وفتح) تحمل في طياتها العودة إلى الوراء بظهور التعارض وحالة التوتر في سياق الحديث عن تمكين حكومة الوفاق الوطني لتحمّل مسؤولياتها وآليات التمكين في القطاع، متزامناً مع رفع العقوبات، وفتح معبر رفح، وإجراءات رفع الحصار، ورغم مسؤولية الطرفين في عدم تنفيذ الاتفاقات، إلا أنه يمكن الحديث عن تدخلات خارجية لإفشال أي اتفاق بين حماس وفتح.

في ظروف الانقسام الفلسطيني هذه، كان الشرق الأوسط يعيش حالة من الاضطراب السياسي تتشتت فيه دوله، على اختلاف اتجاهاتها، في محاور تتصارع وتتنازع حول ملفات الإقليم، انقساماتها المحورية غير مستقرة تخضع لاستراتيجيات وتكتيكات متباينة حتى في إطار المحور الواحد، بسبب تشابك التقاطعات مع الخلافات القائمة بين أطراف المحاور المختلفة، في ظل تدخلات إقليمية ودولية تزيد الأمور تعقيداً، لا يمكن الحديث عنها بحدود قاطعة تفصل بين هذه المحاور وتباعد فيما بينها، بل يمكن الحديث عن سلسلة واسعة من التقاطعات السياسية والميدانية حول قضايا لا تشكل ملفاً خلافياً متفجراً بقدر ما تشكل نقطة تلاقي فرضتها تعقيدات الأوضاع في الإقليم.

تشكلت في الإقليم ثلاثة محاور، تختلف وتتفق في قضايا سياسية واقتصادية وإعلامية وعسكرية، وهذه المحاور هي:

المحور الأول: يضم السعودية والإمارات ويتقاطع مع دول عربية أخرى (البحرين – السودان) حسب القضية المطروحة، وتعتبر القاهرة في عدد من القضايا أقرب إلى هذا المحور المتحالف مع الولايات المتحدة ويلحق نفسه بالسياسة الأمريكية ويتساوق معها في التصدي لإيران باعتبارها العدو، وليست إسرائيل هي العدو، وبالتالي يعمل على تجييش المشاعر الدينية والمذهبية (الخطر الشيعي) للتمويه على الحقائق السياسية والمصلحية، كما يعمل على التطبيع مع اسرائيل.

المحور الثاني: يتشكل من قطر وتركيا ومعهما الإخوان المسلمين، وهؤلاء يشكلون نقطة تباعد مع المحور الأول حيث أدرج مؤتمر الرباط الإخوان في لائحة المنظمات الارهابية، وبالتالي تُتهم قطر بدعم الإرهاب، وحقيقة الصراع بين المحورين أنه خلاف على النفوذ، ورغبة السعودية في اصطفاف القوى العربية تحت سيطرتها وزعامتها، ونقطة الخلاف الأخرى مع الرياض الانفتاح القطري على إيران، أما التقاطع بين الجانبين فيبدو في ارتباط المحورين بالسياسة الأمريكية في المنطقة، وفي التدخل في الأزمة السورية بدعم المجموعات الإرهابية.

المحور الثالث: محور المقاومة، ويضم سوريا والعراق وايران ومعهما حزب الله و أنصار الله، والحشد الشعبي ، وفصائل فلسطينية،

يتصادم هذا المحور مع المحورين السابقين في الملف السوري والعراقي واليمني والبحريني واللبناني، هذا التصادم يعكس حجم الاختلاف والصراعات على النفوذ.

تباين وتنافس، اختلاف وصراع، بين المحورين الأول والثاني في قضايا كثيرة، لكن في العلاقة مع إسرائيل تتسابق الدول الخليجية نحو التطبيع الثقافي والسياسي والتبادل السياحي والتعاون الاقتصادي وصولاً فيما بعد إلى الأمني والعسكري، ودولة مثل تركيا ترتبط مع إسرائيل باتفاقيات وتفاهمات ومعاهدات ومنها العسكرية، أما الأردن ومصر وهما من خارج المحورين ترتبطان بمعاهدات سلام مع إسرائيل.

وهناك تقاطع في علاقة حركة حماس مع المحاور الثلاثة، فإلى جانب علاقتها الجيدة مع تركيا وقطر، وتفاهمها مع مصر، لم تقطع حماس الصلة مع إيران وحزب الله.

للولايات المتحدة عموماً دور كبير في الاضطرابات في المنطقة، واستمرت تدخلاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مساهمة في تصاعد صراع المحاور، واستمر سعيها لفرض الهيمنة على الإقليم، وصولاً إلى إعادة رسم الحدود الجغرافية والأوضاع الداخلية لبعض دول هذه المنطقة، وقد جاءت فترة رئاسة ترامب وسياسته التصعيدية من خلال صفقة القرن لتزيد من حدة الاضطرابات، مع كل خطوة خطاها لإعادة صياغة أوضاع الإقليم الجيواستراتيجية، فسعى لإقامة تحالف عريض في مؤتمر الرياض دعي إليه أكثر من خمسين دولة عربية واسلامية، وقدم دعماً غير محدود لليمين الإسرائيلي، وضغطاً على الخليجيين لتسريع التطبيع والعمل على إقامة حلف عسكري خليجي معادي لإيران، اسرائيل في عضويته، وألغى الاتفاق النووي مع إيران وصعّد من لهجته العدوانية ضدها.

ورغم رحيل ترامب عن البيت الأبيض، إلا أن الإدارة الامريكية برئاسة بايدن ما زالت تعمل على استمرار الاضطراب الشامل السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، اضطراب له تداعياته وتأثيره على مجمل الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، لقد باتت الدولة الوطنية ومن خلالها الجغرافيا السياسية مستهدفة وهي أولى علامات الاضطراب، فلدى الولايات المتحدة مشاريع ما زالت قائمة تهدف لتفكيك الكيانات الوطنية كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وإغراقها في حروب محلية لا تستنزف طاقاتها البشرية وإمكانياتها الاقتصادية فحسب، بل وبناها الاجتماعية، بإعادة صياغة الأسس الاجتماعية التي تقوم عليها باعتماد مفاهيم ومعايير مذهبية أو جهوية أو أثنية على حساب معايير المواطنة والمساواة بين أبناء البلد الواحد، ما يعمق أزماتها السياسية ويؤسس لحروب مديدة داخلية أهلية، تبقي الوضع العربي في حالة انشغال عن همومه القومية، ويفسح المجال لكل أشكال التدخل الخارجي على حساب استقلال الدول وتقدمها والسيادة الوطنية لشعوبها.

إن الولايات المتحدة تعتبر الشرق الأوسط منطقة نفوذ لها، تتحالف مع إسرائيل في تحالف التوحش لخدمة مصالحهما الاستعمارية المشتركة في المنطقة بسياسات عدوانية ضد عواصم عربية ترفض التطبيع وتعادي النهج التدخلي العدواني الأمريكي، والذي يفرض املاءات على عواصم عربية أخرى بشأن توريد نفطها، ومعاداة إيران، وفتح باب التطبيع والتعاون الأمني والاقتصادي مع إسرائيل.

سؤال مهم في هذا الموضوع: كيف يمكن درء مخاطر الاضطرابات الإقليمية على الوضع الفلسطيني؟.

تتفرد الإدارة الأمريكية برعاية المفاوضات وفرض حل للمسألة الفلسطينية بالتعاون مع إسرائيل وبالتواطؤ مع أطراف عربية بذرائع واهية أن إسرائيل لم تعد هي الخطر على المنطقة، بل هو التمدد الإيراني، ويراد للفلسطينيين أن ينشغلوا بالخلافات التي تحدث بين البلدان العربية والاسلامية، أو بالخلافات الداخلية للبلدان، أو الخلافات الاثنية والطائفية، وللثورة الفلسطينية تجارب في هذا الموضوع إذ أثرت الصراعات في المنطقة سلباً على المسار الفلسطيني، وينبغي استخلاص الدروس والعبر، في تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وفي القضايا الخلافية موضوع الصراع المحتدم داخل بلدان المحيط، إن المقاومة الفلسطينية وقضيتها أسمى وأهم من أن تبدد طاقتها في غير مكانها وخارج سياقها، ويجب حصر جهدها وتركيزه على مواجهة من يحتل أرضها ويغتصب حقوق شعبها.

قد يسود حالة من الغموض السياسي الحاصل من حالة الاضطراب الشامل، لتشابكات المحاور والتحالفات في المنطقة وتقاطعاتها وخلافاتها وصراعاتها، مما يتطلب رسم الصورة والمسارات بوضوح لوضع سياسات وطنية ملائمة تصون مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وتتعامل مع الوقائع اليومية، العربية والإقليمية، بإرادة سياسية متماسكة وبرؤية استراتيجية واضحة.

ينبغي أن يتوجه الخطاب الفلسطيني إلى الدول العربية والاسلامية والتيارات العربية والوطنية لوضعها أمام واجباتها لخدمة القضية الوطنية الفلسطينية وأهدافها، وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على المقاومة، وعدم الزج بها في الصراعات التي لا تخدم القضية الوطنية الفلسطينية.

لم تنتهِ «صفقة القرن» بنهاية حقبة ترامب، الإدارة الأمريكية الجديدة تقول إن الحل شامل -وفق الصفقة- لكل قضايا المنطقة، وليست فقط حلاً للقضية الفلسطينية، تقترح أن التطبيع العربي أولوية تسبق أية تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وهو ما يمثل خلطاً للأوراق يجري لمصلحة إسرائيل بربط الحل الفلسطيني «حكم ذاتي» بقضايا الإقليم المعقدة وكأن القضية الفلسطينية ينقصها المزيد من التعقيد ومن الأزمات والصعوبات، والدخول في متاهات مفاوضات الإطار الإقليمي.

لا مفاوضات تنعقد في شأن «حل الدولتين» في ظل التهميش الأمريكي للمسار الفلسطيني، واستمرار الاستيطان، وما هذا التعقيد إلا لكسب مزيد من الوقت لفرض الأمر الواقع على الأرض بالتهويد والاستيطان والضم، فقد انطلق مسار «الحل الإقليمي» بديلاً «لحل الدولتين»، وكان أحد محطاته قمة النقب التي حضرها وزير الخارجية الأمريكي بلينكن واستضافها رئيس الوزراء لبيد، وشهدت جهوداً أميركية إسرائيلية مشتركة لبناء إطار إقليمي جديد يغير وجه الشرق الأوسط.

لقد اتخذت الإدارة الامريكية موقفاً عدائياً من القضية الفلسطينية وانحازت بشكل كامل إلى الجانب الإسرائيلي ذلك كان واضحاً في سياسة ترامب، وليس أقل وضوحاً في عهد بايدن وسياسته المنحازة التي برزت في «إعلان القدس»، وأوضحت أن لا تراجع عن توقيع ترامب على الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل بشطريها الشرقي والغربي.

في سياق زيارة الرئيس بايدن إلى فلسطين المحتلة وإلى السعودية دعا إلى بناء هيكل إقليمي قوي لتعميق العلاقات بين إسرائيل وشركائها الإقليميين، والعمل على توسيع دائرة التطبيع لتشمل مزيداً من الدول العربية والاسلامية، بادعاء أن مثل هذا التطبيع من شأنه أن يمد المفاوضات الثنائية بقوة دفع إضافية، وأن يسبغ على نتائجها مشروعية عربية، تعزز من قوة المفاوض الفلسطيني في مواجهة قوى المعارضة داخل الصف الفلسطيني وخارجه، وكأنه استقواء بمحور إقليمي على الوضع الداخلي، أو شد أطراف فلسطينية كل إلى محور لمزيد من التصادم وتعميق الانقسام الفلسطيني، هذه هي مخاطر الاضطرابات الإقليمية على الوضع الفلسطيني، التي قد تفتح الباب مشرعاً للحالة الإقليمية للتأثير السلبي بانعكاس خلافاتها الإقليمية على القوى الوطنية الفلسطينية، مما يمزق الوحدة الوطنية ويشعل نار الاحتراب الداخلي.

لقد فرضت حركة حماس سلطتها وسيطرتها كأمر واقع على قطاع غزة  عام 2007، وبنت رهاناتها على التطورات الإقليمية والعربية التي جاءت لصالح الاتجاه الإخواني في تيار الاسلام السياسي الذي توّج بعد بضعة أعوام في وصول “محمد مرسي” إلى السلطة في مصر، “والغنوشي” في تونس، و«الدولة الداعشية» في منطقة تقع بين سوريا والعراق، راهنت حركة حماس على أن بإمكان هذا التيار لعب دور في صياغة سياسات المنطقة ومستقبلها، ولقيت تشجيعاً على ذلك من تركيا وقطر وقيادة الحركة الإخوانية، إلا أن خطاب حماس في مرحلة لاحقة وفي سلسلة من التصريحات لقياداتها بدأ يبتعد عن خطابها السياسي السابق.

وفي نيسان/ابريل 2017 صدرت “الوثيقة السياسية” للحركة في إطار مراجعة لمجمل الحالة الإقليمية والتطورات التي شهدتها المنطقة العربية وعلاقات حماس الإقليمية، تبنت فيها حركة حماس سياسة أكثر براغماتية، تمكنها من التملص من احتمالات حشرها في محور إقليمي معين، قد يقودها إلى صدامات مع محاور إقليمية أخرى. هذه الوثيقة تمكنها من التفاعل الإيجابي مع كل المحاور الإقليمية، والانفتاح عليها، وتمكنها من القول إنها تقف من الصراعات الإقليمية موقفاً حيادياً، وأن تقدمها خلافاً لاتهامها بالإرهاب، جزءاً من الحركة الوطنية الفلسطينية، لا تربطها بحركة الإخوان صلات تنظيمية.

لبنان بمساحته المحدودة صورة مصغرة عن الانقسامات المحورية الإقليمية تتشت فيه قواه السياسية وفق اختلافات، وتناقضات، وتشابكات، وتقاطعات، وحالة اضطراب سياسي شامل تؤثر على الأوضاع الفلسطينية ولاسيما أن الوجود الفلسطيني اللاجئ واسع ومهم في لبنان، حيث يعمل الفلسطينيون على ألا يكونوا جزءاً من الأزمة اللبنانية والإقليمية، وأن همهم الأساس هو قضيتهم الوطنية ودعمها بكل السبل خاصة حق العودة ورفض التوطين، فرغم التوافق على حماية الوجود الفلسطيني في لبنان، وتعزيز العلاقات الفلسطينية –اللبنانية، فما زالت الأوضاع الفلسطينية عرضة لتوترات أمنية متواصلة، تزداد الأمور تعقيداً في ظل تدخلات قوى إقليمية ودولية تسعى مع قوى محلية إلى استخدام بعض الأطراف الفلسطينية كصندوق بريد يمكن من خلاله إرسال رسائل باتجاهات متعددة، ولبنان مسرح جيد لهذه الرسائل، مما يتطلب ضرورة التوقف أمام الحيثيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر سبباً رئيسياً لكل ما يحدث من توترات، وعدم حصر الوضع الفلسطيني في لبنان بالجانب الأمني فقط، خاصة أن الفلسطينيين ليس لديهم أي مشروع سياسي في لبنان خارج إطار المشروع  الوطني، وما يطالبون به سياسات اقتصادية اجتماعية تحقق لهم العدالة والعيش الكريم.

إن إدارة الخلافات والتباين بين صفوف الحركة الوطنية، بما هو فن التعامل مع التناقضات الثانوية يجري تجميدها بعد تحجيمها ومن ثم تجاوزها من خلال توجيه كل الطاقات وتركيزها على التناقض الرئيسي مع إسرائيل، وبناء العلاقات الداخلية الفلسطينية بما يتناسب مع الوحدة الوطنية على أساس برنامج وطني مقاوم، والمقاومة والفصائل الفلسطينية معنية أكثر من غيرها في صياغات تحالفاتها وفق المصلحة الوطنية العليا التي تخدم القضية الفلسطينية وأهدافها، فالقوى السياسية الفلسطينية تتحمل جزء من مسؤولية ازمة حركة التحرر الفلسطيني ، فإذا وضعنا جانباً التأثيرات بالغة الأهمية لمجمل التطورات الدولية وفي الإقليم على الحالة الفلسطينية وتأثيرها البنيوي السلبي الفائق على مسيرتنا الوطنية، فإننا نضع اليد على مسؤوليتنا الخاصة كحركة وطنية عن أزمتها الراهنة والأزمة التي يواجهها المشروع الوطني الفلسطيني عموماً، لابد من تحديد مساهمة القوى السياسية الفلسطينية في تحمل مسؤولية نشوء أزمة المشروع الوطني وأزمة النظام السياسي، هذه الأزمة التي تسمح وتسهل التدخل الإقليمي والدولي بالشأن الفلسطيني.

إن جذور الأزمة الراهنة للحركة الوطنية الفلسطينية وللمشروع الوطني عموماً يعود إلى العملية السياسية المجحفة التي افتتحتها اتفاقية أوسلو فتحولت إلى عملية مديدة متواصلة الحلقات تكاد تتجاوز الربع قرن، وإزاء ذلك لابد من الخروج من اتفاقية أوسلو -بعد مضي 23 عاماً على الفترة الانتقالية- والتي جعلت من السلطة الفلسطينية تعمل ككيان إداري وظيفي تحت الاحتلال، وتدير حكم ذاتي للسكان دون الأرض المعرضة للمصادرة والاستيطان، بأفق الضم الكولونيالي، وإبقاء السيطرة الإسرائيلية الأمنية على الأرض ومن ضمنها المعابر والحدود.

من هذه النقطة انطلقت الأزمة الوطنية التي فشل اليسار في احتوائها منذ البداية لأنه لم يتمكن من تعبئة القوى الذاتية والتحالفية اللازمة لتغيير شروط العملية السياسية، وفي المقدمة منها وقف الاستيطان، ومفاوضات من مرحلة واحدة بدلاً من مرحلتين فرضت على الفلسطينيين، والآن تتحدد المهمة الرئيسة لليسار ببناء الذات وتوطيد التحالفات والانخراط الواسع في الحركة الجماهيرية مسترشداً ببرنامج سياسي واقعي يضع خلف الظهر التجربة البائسة لاتفاقات أوسلو التي لن تقود إلى إنجاز الحقوق الوطنية لشعب فلسطين.

لقد اتخذت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على الدوام مواقف مبدئية وصلبة في رفضها التنازل عن أي من مكونات البرنامج الوطني الفلسطيني، أو التنازل عن أي من الحقوق الوطنية والقومية، أو المقايضة بين حق وآخر، والتمسك بها كلها باعتبارها وحدة واحدة، وأي تنازل أو مقايضة من شأنه شق وحدة الصف الوطني من خلال شق وحدة الشعب خلف برنامجه الوطني.

إن صون وحدة الشعب هي في صون وحدة حقوقه الوطنية والقومية، وأن البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج العودة وتقرير المصير والاستقلال الناجز والسيادة، هو الوحيد الذي صان هذه الوحدة، وأعاد صياغة الهوية والشخصية الوطنية لشعب فلسطين، بعد أن ألحقت به النكبة التشتت والتمزق الوطني والجغرافي.

من هنا تلعب م.ت.ف. كممثل شرعي ووحيد لشعب فلسطين دوراً شديد المركزية في صون وحدة هذا الشعب وحقه في تقرير مصيره، لكن ومنذ أوسلو بدأت أزمة حركة التحرر الفلسطيني وبدأ المنحى التراجعي لموقع ودور م.ت.ف بعد نقل مؤسسات م.ت.ف. الرئيسية إلى ولاية السلطة، ثم القانون الذي أصدره الرئيس عباس بتحويل “م.ت.ف” إلى دائرة من دوائر السلطة، والسلطة نفسها تعاني أزمة مركبة، فهي منقسمة على نفسها مؤسسياً وجغرافياً وبيد حزبين حاكمين متصارعين ينفردان عملياً بها، مما يؤدي إلى تعميق سماتها البيروقراطية وممارستها القمعية ومصادرة الحريات العامة.

واهتزت مكانة م.ت.ف. التمثيلية بغياب حركات الاسلام السياسي عنها، واضمحلت مؤسسات الحركة الجماهيرية من اتحادات شعبية ومهنية في الشتات والتي لها دور هام في تعبئة وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني من مختلف القطاعات، وبالنسبة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين احتلت مسألة تعزيز الديمقراطية في العلاقات الوطنية وداخل المؤسسات والاتحادات الشعبية موقعاً متقدماً في اهتمامات و برنامج عمل الجبهة، وتصدت لسياسة إفراغ الهيئات القيادية واللجنة التنفيذية بشكل خاص من مضمونها وإحالة وظائفها إلى وزارات السلطة الفلسطينية، وتحويلها إلى هيئة شكلية لا يؤخذ حتى برأيها الاستشاري، كما أيضاً التصدي لسياسة تعطيل الهيئات الوطنية وتعطيل قراراتها وتكريس سياسة اللون الواحد.

وبالنتيجة فإن تمسك كل الأطراف الفلسطينية بالوحدة الوطنية، وتغليب المصلحة الفلسطينية العليا، والتفاف كل القوى حول برنامج وطني يحقق أهدافنا في العودة والاستقلال الناجز، هو ما يحصن الداخل الفلسطيني، ويعطي المناعة السياسية والصلابة الوطنية أمام أي تأثير سلبي لاضطرابات المحيط، ويصد التدخلات الخارجية الهادفة إلى تمزيق وحدة الصف الفلسطيني وتعميق أزمة حركته التحررية. وما يحصن الحالة الفلسطينية إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية عبر الانتخاب، تمنح السلطة و “م.ت.ف” قوة مستمدة من الشرعية الشعبية فهي التي تعالج أحد عوامل ضعف المناعة السياسية الناجم عن حالة ضعف تعانيها القيادة الرسمية الفلسطينية والتي تعزز قدرة الإدارة الأمريكية والجانب الإسرائيلي على الضغط على الجانب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى