أهم الاخبارمقالات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي رقم (140)

عن العسكرة في الغرب
عامر محسن  
«الجريمة التي لا يمكن غفرانها هي أن تضرب ضربةً خفيفة. لا تضرب على الإطلاق إن كان يمكن تجنّب ذلك، ولكن إيّاك أن تقترف الضربة الخفيفة» ثيودور روزفلت
في وسعك أن تكتب التاريخ بأشكالٍ مختلفة، ومن أكثر من زاويةٍ ووجهة نظر؛ ولكنّني أميل للنظر إلى تاريخ روسيا القريب باعتباره عمليّة تفاعلٍ بين «التاريخ» و«الجغرفيا» بتعبير سمير أمين. هو كتب أنّ التركيز على الجغرافيا وحدها في التحليل (أي «الجيوسياسة» والنظام العالمي) أو التاريخ حصراً (مفهوم الصراع الطبقي مثلاً) ليس كافياً كمنهج؛ ويأخذنا غالباً إلى تنظيرات ثابتة و«جوهرانية» عن العالم ومسار الأمور. من هنا، فأنا أقسّم التاريخ الروسي الحديث إلى مراحل ثلاث أساسيّة، تعكس التقاء هذا الكيان الـ«أوراسي»، منذ أواسط القرن التاسع عشر، بحالة الحداثة والنظام العالمي الجديد. هذه، بمعنى ما، هي قصّة كلّ أقاليم الجنوب و«المصنّعين المتأخّرين»، أي الدّول التي فاتها الدّور الأول في الثورة الصناعية وأضحت تحاول اللحاق بمن سبقها في التحديث والانتاج الكثيف. ثقافتنا المعاصرة، من الصين إلى الهند إلى الشرق الأوسط وروسيا، هي بشكلٍ ما نتاج هذا التفاعل وردود الفعل المتباينة عليه.
لوحة من الحرب العالمية الأولى للفنان الروسي آريستاخ لنتولوف، «النمساويّون يسلّمون لفوف للروس مثل أرانب هزمتهم أسود» – ليثوغرافيا، 1914
يمكن أن نبتدىء القصّة، من هذا المنظار، من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والعقود الأخيرة للقيصرية الروسية. هذه المرحلة الحاسمة تلت فترة توسّعٍ هائل، جغرافي وبشري، للدولة الروسيّة: لم يعد القيصر ملكاً على بلدٍ، هو أساساً إقليمٌ أوروبي زراعي غرب الأورال، بل أصبح يحكم مساحات شاسعة تمتدّ من البحر الأسود إلى بحر اليابان. في الوقت ذاته، كان العديد من هذه «الممتلكات» الجديدة روسيّاً بالإسم فحسب، أهلها لا يشاطرون ديانة الروس وثقافتهم. من هذا السياق انطلقت مشاريع التحديث، عبر نقل ملايين الفلاحين السلاف إلى جنوب روسيا وشرقها، ومحاولاتٍ حثيثة لصنع ما يشبه دولةً مركزية وسوقاً وطنية في أراضٍ شاسعة قليلة السكّان كانت، لفتراتٍ طويلة، تحكم محليّاً وعلاقتها بالعرش في العاصمة رمزيّةٌ بالكامل.
هنا نجد سلسلةٍ من القياصرة «الاصلاحيين» في سان بطرسبرغ، وشخصيات مثل سيرجي فيتِّه – وزير المالية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر – الذي قاد برامج التحديث والتصنيع واصلاح القطاع الزراعي، قبل أن يصبح رئيساً للوزراء لفترةٍ قصيرة (وينتهي كأحد ضحايا الهزيمة في حرب اليابان وثورة 1905). بمعنى آخر، إنّ مشكلة روسيا كانت في «هضم» هذا الامتداد الأوراسي الشاسع وتحويله، بتناقضاته وتقاليده وقومياته، إلى دولةٍ «حديثة» ونظامٍ سياسيٍّ مستقرّ. والنظام القيصري انتهى لأنّه قد فشل في هذه المهمّة – من دون الدخول في تفاصيل تاريخية، ما حصل هو أنّ الاصلاحات لم تكن كافية، والروسنة أثارت ردات فعلٍ عنيفة في الأقاليم، والاصلاح الزراعي لم يرضِ النبلاء ولا الفلّاحين الأحرار. البعض يحمل صوراً مشوّهة عن الامبراطوريات التي بادت (كالروسية والعثمانية) وعن أيّامها الأخيرة، وسرديّة «الانحدار» في التأريخ تجعلهم يتصوّرون أنّ هذه الدّول كانت قد استسلمت، في نهاياتها، للرجعيّة والتقليد والمؤسسات البالية. الحقيقة هي أنّ أكثر هذه الحكومات كانت واعية بحدّة لتأخّرها أمام الغرب الصناعي، والعقود الأخيرة لهذه الدول كانت أيّام اصلاحاتٍ محمومة ومحاولات «لحاق» وتحديث مستمرة.
«الانحدار» هو ليس دوماً مرحلة سباتٍ وجمود كما يتمّ تصويره، الصورة الأدقّ عن هذا «الاحتضار» هي أن العثمانيين والروس والنمساويّين كانوا يسعون إلى التحديث والنموّ، ولكن نموّهم وتقدّمهم كان – ببساطة – أضعف وتيرةٍ من نموّ خصومهم في تلك المرحلة، ومن التحديات والنواقص التي كانت تواجههم. القيصر الروسي، على سبيل المثال، كان يحاول بناء دولةٍ «أوروبية»، تعيد إلى روسيا موقعاً كانت قد فقدته في خريطة النظام العالمي منذ قرون. إضافة إلى صادرات الحبوب والنفط (بعد اكتشاف الآبار الوفيرة حول باكو وفي القوقاز، أصبحت روسيا بسرعةٍ من أكبر منتجي النفط في بداية عصره)، كان القيصر يحلم أيضاً بأن تمرّ جل التجارة بين أوروبا وآسيا، من جديد، عبر روسيا على متن خطّ القطار السيبيريّ العظيم الذي كان يبنيه – نسخةٌ أخرى عن مشروع «طريق الحرير».
المرحلة الثانية هنا، بالطبع، هي فترة الاتحاد السوفياتي. وما صنعته الثورة البلشفية، من هذا المنظار، هو أنّها قد تمكّنت من انشاء نظامٍ ودولة «تستثمر» هذا الفضاء الأوراسي وتحكمه بفعالية: دولة مركزية تمسك بأطراف الاتّحاد، استثمار المناجم والمعادن في روسيا الآسيوية وبناء صناعاتٍ ومدنٍ كاملة حول هذه الموارد، إلخ. هذا الكيان قد بني بكلفةٍ عظيمة؛ من الحرب الأهلية إلى التجميع واخضاع القطاع الزراعي، وصولاً إلى الحرب العالمية والغزو الألماني، وتجنيد ومقتل عشرات ملايين المواطنين بغية صدّه. ولكن تأسيس السيادة على هذا الجزء من العالم، من جهةٍ أخرى، شكّل قاعدةً لامبراطوريةٍ حقيقية، أصبحت «قطباً» مواجهاً للقوة الأميركية العظمى، وطرفاً كسر الاحتكار الأميركي للسلاح النووي وغيره من عناصر القوّة بعد الحرب العالمية الثانية (بل لعلّ أن العداء الغربي للشيوعية والاتحاد السوفياتي قد جاء، أساساً، بسبب تحكّم البلاشفة بهذا الفضاء الحيوي بين أوروبا وآسيا؛ فلو أن الثورة قد قامت في بلدٍ طرفيٍّ صغير، كرومانيا أو ألبانيا، ولو أقامت نظاماً شيوعياً في بلدها وطالبت بنهاية الرأسمالية، لما كان الغرب قد جعلها عدوّه الايديولوجي الرئيس وسعى إلى عزلها وضربها بهذا الشكل).
الامبراطوريات لا تنحدر وتنهار وهي هامدة مستكينةً لمصيرها، فلماذا تظنّون أنّ أميركا ستكون مختلفة عمّن سبقها؟
هذا التاريخ يفسّر لماذا يستوحي الكثيرون (روساً وغير روس) من أحد هذين «النمطين» حين يقاربون مفهوم «الأمّة الروسيّة»: النمط التقليدي «القيصري» – محافظ، أورثوذوكسي، ومظلّة أبوية لأمّة متعدّدة الأعراق – ونمط الدولة المركزية\البيروقراطية، الدّولة التي تنظّم الشعب وتحمي مصالحه وترعى الأخوّة بين القوميات. البعض، أيضاً، يخلط بين هذين النموذجين ويستلهم عناصراً من كلٍّ منها (فلاديمير بوتين مثلاً). تكرّست هذه الثنائية مؤخراً بعد أن تبيّن بوضوح أنّ «الطريق الثالث»، أي روسيا ليبرالية مندمجة في أوروبا وفي النظام الغربي الرأسمالي، لم يعد مطروحاً أو متاحاً. تمّ تجريب هذا الخيار في مرحلة التسعينيات الكارثيّة، حتّى أصبح الحديث عن لبرلة روسيا ودمقرطتها – في عرف الكثيرين – هو مجرّد رمزٍ كوديّ لفكرة تفكيك البلد وافقاره وتحويله، مجدّداً، إلى هامشٍ يصدّر المواد الأولية ويغرق في أزماته والفساد. رغم ذلك، ظلّت نسبة وازنة من النخب الروسية متمسّكة، حتى الأمس القريب، بالطريق الليبرالي (الخيار المهيمن في عالمها) ولكن النقاش اليوم قد أُغلق وأقفل. الغرب نفسه لا يريد روسيا في رحابه، بل أنّه قد أعاد تعريف نفسه بصورةٍ تكون روسيا فيها خارجه ونقيضه.
السؤال هنا هو عن مصير هذه المساحة القاريّة بين أوروبا وآسيا، التي يسميها مؤرخون (كبيتر فرانكوبان) «العمود الفقري» للعالم، ومستقبل حضارتها. هذه منطقة كان لها مصيرٌ فريدٌ واشكاليّ في مرحلة التوسّع الأوروبي بعد القرن السادس عشر: لا هي أصبحت جزءاً من المركز، ولا تمّ غزوها واستيطانها من قبل الأوروبيين، ولا تمّ إلحاقها بهم ودمجها كهامشٍ وبلدٍ طرفيّ. ما يزيد من حدّة الاشكالية هي أنّه، منذ الانفجار في أوكرانيا، يقول الغرب بوضوحٍ أنّه لا يهدف إلى تغيير النظام في روسيا أو «اصلاح سلوكه» أو «دمقرطته»، ولا التصالح مع روسيا بشروطٍ يفرضونها. الهدف الوحيد اليوم (والتعابير المقتبسة هنا هي لرؤساء ومسؤولين غربيين، على رأسهم بايدن وبلينكن) هو «ضرب» روسيا، «اضعافها»، «اذلالها»، وجعلها مساحةً ميّتة «لا تشكّل في المستقبل خطراً على أحد».
«الحرب الشاملة»
ننطلق في الكلام عن الموقف الأميركي من كتابات الباحث الشهير جون ميرشهايمر لا لأنّ تعليقاته حول روسيا وأوكرانيا عميقةٌ أو جديدة، بل – تحديداً – لأنّ أكثر الأمور «الاشكالية» التي يقولها، والتي تستثير ضدّه موجاتٍ من الغضب والنقد، هي عبارةٌ عن بديهيّات «متّفق عليها» في نظريات العلاقات الدولية والمدرسة الواقعية. وهي بذلك تمثّل بقيّة منهجٍ كان حاضراً بقوة في السياسة الخارجية الأميركية، بل وقادها روّاده لفتراتٍ طويلة، قبل أن يخرج رموزه من الخدمة ويتمّ استبداله بعقيدةٍ مختلفة، حتى كاد وجوده يضمحلّ.
المسألة هي أنّ ميرشهايمر ليس يسارياً معارضاً للحكومة، أو ناقداً للامبريالية والهيمنة الأميركية. هو في النهاية قومي أميركي هدفه تعظيم مصالح بلاده واستدامة تفوّقها. حين يقول «لو فعلت كذا فإنّ ذلك سيعني حرباً بين روسيا وأوكرانيا»، فهو لا يقصد «تبرير» قرارات بوتين (كما يتمّ اتهامه دورياً)، هو يقول ببساطةٍ أنّ هذا هو منطق الأمور وديدن القوى الكبرى: حين تدخل إلى «الباحة الخلفية» لخصمك وتحوّلها خصماً له، وترفض التفاوض وتخترق كلّ خطوطه الحمراء، فهو سيقوم حكماً بردّ فعل ولن يسمح لهذا الواقع بأن يستفحل. هذه من أساسيات العلاقات الدولية، يقول ميرشهايمر، وهو ما ستفعله أي من القوى الكبرى لو كانت مكان روسيا، بغض النظر عن مفهومنا عن الحقّ والخطأ (في هذه الأيام، تقوم الحكومة الأميركية علناً بتهديد جزر سليمان، الدولة الصغيرة والفقيرة والنائية، في حال عقدت اتفاقات أمنية مع الصّين، والمسافة بين الجزر والساحل الغربي الأميركي تقارب العشرة آلاف كيلومتر عبر المحيط). تحقيق الهيمنة، عند الواقعيين، لا يكون عبر أن تدوس على كلّ من هو ليس في صفّك وتعزله وتسحقه، بل في أن تشكّل الكتلة الأكبر دولياً، ثمّ تبني حالة «توازن قوى» في كلّ اقليمٍ في العالم بالإمكان أن تديرها لصالحك، وهي تحدّ بطبيعتها من نفوذ الخصوم ومطامحهم.
حجّة ميرشهايمر الأساس هي أنّ الغرب، حين يقاتل روسيا في أوكرانيا، فهو سيصبح بمثالة تهديدٍ وجودي لموسكو؛ وحين يعلن عليها «الحرب الشاملة»، فهي ستتناسى كلّ تناقضاتها ومخاوفها تجاه الصّين وإيران وكوريا الشماليّة، وتركّز كامل جهدها على مواجهة الخطر المباشر الماثل. من جهةٍ أخرى، فإنّ روسيا دولة نووية، أي أنّك لن تتمكّن من تغيير النظام فيها بالقوّة أو غزوها مهما حصل. فوق ذلك، فإنّ الجميع يعرف أنّ خطاب «الخطر الروسي» و«التوسّع الروسي» في أوروبا هو في الجوهر مجرّد خرافة شعبوية. هي كانت أشبه بتلفيقة تستخدم للحشد والتخويف أيام الحرب الباردة والاتحاد السوفياتي، وروسيا هي ليست الاتحاد السوفياتي. الطريف هنا هو أنّ الغربيين يتصرّفون في القرن الماضي على أساس أنّهم يحتاجون إلى حمايةٍ وعازلٍ بينهم وبين روسيا، فيما الواقع هو أن روسيا هي التي كانت تتعرض دورياً، طوال القرنين الماضيين، للغزو والتدخّل من قبل القوى الغربيّة. إلى أين سيكون، إذاً، هذا «التوسّع الرّوسي» المزعوم؟ أميركا قد ابتلعت أوروبا الشرقية وأصبحت موسكو محاطةً بحكوماتٍ جميعها تقريباً في الاتحاد الأوروبي والـ«ناتو»، وهي تتبارى في التعبير عن عدائها لكلّ ما هو روسي (بل إن بعضها يعيد كتابة تاريخه بشكلٍ يجعل الرّوس هم «العدو الحضاري» والمستعمر، والمسؤول عن جلّ مصائب الماضي)، فأين ستجد روسيا مجالاً للتمدّد وغربها مقفلٌ بأسوارٍ ثلاثة: أوروبا والناتو و«الاخوة السابقين» في حلف وارسو (الذين يروى أن الماريشال جوكوف قال عنهم بعيد تحرير برلين: «نعم، لقد حررناهم من النازيّة، وهم لن يسامحونا على ذلك أبداً»).
في حالةٍ كهذه، يقول «واقعي» من طراز ميرشهايمر، من الأفضل أن تقيم «توازن قوى» في المنطقة يهدّىء الجبهة ويغلقها، بل ويطمئن روسيا. ولو كان بثمن عدم إدخال أوكرانيا في الناتو أو إعطاؤها الدونباس حتّى – فما قيمة هذه الأمور بالمعنى الستراتيجي الأوسع؟ في المقابل، حين لا تعود روسيا تستشعر خطراً من الغرب ولا يعود بينهما سببٌ مباشر للشقاق، يمكنك عندها أن تتعامل معها، وهي قد تمّ احتواؤها ضمن منظومة أمنيّة لا تقدر على اختراقها، وقد تنجح في التسيق معها غداً ضدّ الصّين أو غيرها وأن تعقد تفاهمات «على القطعة» – بدلاً من أن ترعى حرباً ساخنة لست تدري أين ستصل آثارها.
إلى أين سيوصل التقليد الجديد الذي يعبّىء الناس في حروبٍ دفاعاً عن «القيم الأوروبية»؟
لم تعد هذه الحجج «العقلانية» مقبولة في واشنطن، وادارة الصّراع هناك قد سلكت منهجاً مختلفاً، وحصل اجماعٌ على إعلان «الحرب الشاملة» ضدّ الرّوس. أنا لا أؤمن بأنّ السّبب هو أن الحاكمين في واشنطن ليسوا «عقلانيين» أو أن عدائيتهم تتحكّم بهم مع كراهية تاريخية تجاه روسيا؛ بل إنّ هذا هو نتاج تغيّرٍ شاملٍ في «عقيدة الامبراطورية» والطريقة التي ستتصرّف بها في العالم في السنوات القادمة. هذا ما سنشرحه في الجزء الأخير من المقال، ولكنّ ملفتٌ هنا، على الهامش، أن نقارن بين العدائية الغربية التي انفجرت ضدّ الرّوس وثقافتهم وتاريخهم وموسيقاهم، والتي تصل بسهولةٍ إلى حدّ التنظير للعنصرية ضدهم، وبين العرب الذين يعيبون على قومهم عداءهم لأميركا وإسرائيل، ويصفون مشاعر الكراهية، حين تظهر في حمأة القهر والحرب، بالتخلّف واللانسانيّة. بل هم يستنكرون أن تقاطع عدوّك التاريخي ولا تتبادل معه – مجرّد مقاطعة (وهذه النخب العربية تمولها في الغالب مؤسسات وصناديق الدول الأوروبية إيّاها، التي تقاطع حالياً الفنون والأدب الكلاسيكي إن كان مصدره روسياً).
قال مسؤول استوني، في دفاعه عن منع اعطاء تأشيرات دخول إلى الرّوس – ولو كانوا معارضين لبوتين يحاولون الهرب من التجنيد – أن «المواطنين مسؤولون عن تصرّف حكوماتهم». حسنٌ، إن كانت هذه هي القاعدة، فكيف يفترض بنا أن نتعامل مع الإسرائيليين؟ الطريف هو أن هذه الدّول لم تشهد حتّى حالة حربٍ مباشرة، يحتملون فيها الخسائر والموت والتضحيات (هم يرونها «حربهم» باعتبار أنها تخاض دفاعاً عن «قيمهم»، ولكن عن بعدٍ وبأيدي آخرين يؤدّون هم وظيفة القتال والموت). العدائيّة المفرطة التي تعبّر عنها دول البلطيق وشرق أوروبا تجاه روسيا، مثلاً، ليست حبّاً بالأوكرانيين وبالقيم الأوروبية، بل إنّ منبعها – في الحقيقة – هي مظلوميات (حقيقية أو متخيّلة) يحملونها بحقدٍ ضدّ الرّوس، يكون عمر المثال «الحديث» منها قرنٌ أو أكثر. لست أدعو لتقليد كارهي روسيا في فوقيّتهم وعنصريّتهم، فكلّ الهدف هو أن نهزم هذه الظواهر وأسبابها. الفكرة هنا هي أن النخب «العربية» (التي تعتنق الليبراليّة ظاهراً) لا تهدف لتعليمك كيف تدير معاركك بشكلٍ أكثر انسانيّة في عين «الجمهور الغربي»، أو أكثر فعالية، أو أن تخوض حرباً بلا كراهية (وهذا مستحيل)، أوأن تتشرّب فضائل الغفران ونسيان الماضي. إنّ وظيفتها هي في تحويلك إلى كائنٍ لا يقدر – بنوياً وبتكوينه وثقافته ودونيّته – على رفع عينه في وجه سلطةٍ غربيّة كندٍّ يمتلك (هو أيضاً) القدرة على الأذية والكراهيّة والحقد؛ ثقافة «ناشطٍ مدني» لا يمكنه تخيّل أخذ العداء مع الهيمنة إلى مكانٍ أبعد من المطالبة والاستجداء، وترجّي العطف من الأقوياء ومن «جمهورهم».
العنف القادم
الرّهان الحقيقي والعظيم هو ليس في حرب أوكرانيا ونتيجتها (كما أسلفنا، السيطرة على أوكرانيا لن تغيّر شيئاً جذرياً في موازين القوى بالعالم). أنت أصلاً يمكنك أن تتعرّف على «الحروب بالواسطة»، التي يتمّ اشعالها ورفدها من الخارج، حين لا تكون «الجائزة» التي يتحارب حولها الأطراف قيّمة واستراتيجيّة بشكلٍ حيوي، بل إنّ الهدف يكون الصّراع في ذاته والمواجهة مع الآخرين. هذه قصة الحروب التي دمّرت دولاً مثل لبنان وسوريا والصومال؛ وسيتمّ التضحية بأوكرانيا أيضاً على هذا المذبح.
الامبراطورية تعمل وتفكّر على مستوى العالم ككلّ، والخطير في ما يحصل اليوم هو هذا التحوّل الذي يطرأ على بنية الهيمنة: إلحاق أوروبا بالكامل تحت القيادة الأميركية، صعود العسكرة والشراسة ضدّ الآخرين، وخلق جيشٍ عالميّ «أبيض» اسمه «الناتو». في مقاله الأخير، يقول الباحث الألماني وولفغانغ ستريك (وهو من القلّة من بين أترابه الذين حافظوا على نقديتهم تجاه المؤسسة، ولم يتحولوا فجأة إلى جنرالات عسكريين أو إلى منظّرين في العنصرية وأساليب العقاب ضدّ الرّوس) أنّ الهدف من حزمات التسلّح الهائلة التي تُعلن من قبل حلفاء أميركا، من اليابان وكوريا إلى ألمانيا وبولندا، ليس أوكرانيا أو الحرب الدائرة فيها. حزمة التمويل الهائلة التي أقرّتها ألمانيا لجيشها، يضيف ستريك، لن تظهر آثارها قبل خمس سنوات، فهي لن تؤثر على الصراع الدائر. بالمعنى نفسه، لماذا يقوم بلدٌ مثل بولندا بعقد صفقاتٍ لبناء جيشٍ ضخم جرّار، سيمتلك في المستقبل القريب مئات الدبابات والطائرات الحديثة، ويتكلّف على تشغيلها وصيانتها؛ وأنت في الاتحاد الأوروبي والناتو، ولا تهدّدك نزاعات مباشرة مع جيرانك؟ نظرية ستريك هي أنّ هذا السلاح يتم اقتناؤه لكي يُستخدم في نهاية المطاف، ولكن ليس في أوكرانيا.
بحسب ستريك، فإنّ هذه العناصر التي تتشكّل حولنا ما هي إلّا نذرُ لناتو جديد وامبراطورية تخلّت عن خطاب العولمة والانفتاح والتبادل الحرّ. هم يبنون منظومة عسكريّة ستكون، خلال سنوات، قادرة على التدخّل في أيّ مكانٍ في العالم. لن تعود أميركا وحيدة حين تفكّر في غزوٍ خارجيّ جديد، فالحمل سيتوزّع على عشرات الدول الثريّة التي تتعسكر، وهي تعلن أن جيوشها تبنى وتعدّ لكي تعمل تحت قيادة الناتو (أي واشنطن).
كما قلنا في البداية، إنّ الامبراطوريات لا تنحدر وتنهار وهي هامدة مستكينةً لمصيرها، فلماذا تظنّون أنّ أميركا ستكون مختلفة عمّن سبقها؟ أو أنها ستراقب التراجع التدريجي لسطوتها، وصعود المنافسين، من غير أن تنتفض على ذلك بكلّ ما تملك من أدوات؟ الواضح هو أنّ «عسكرة الليبرالية»، وخوضها لحروبٍ في أرجاء العالم لفرض إرادتها، سيكون الوجه الجديد للامبراطورية في طورها القادم. كلّ ما يجري اليوم في الغرب هو تحضيرٌ لذلك، أي توفير أرضية مادية وايديولوجية لسلسلة من الحروب المستقبلية ضدّ المخالفين بقيادة أميركا. إلى أين سيوصل التقليد الجديد الذي يعبّىء الناس في حروبٍ دفاعاً عن «القيم الأوروبية»؟ ويعيّن الآخرين كأعداء وجوديين لمجرّد أنّ «قيمهم» تختلف عن «قيمك»، وإن كانت لا تعاديها أو تنقضها (كمثال الصين)؟ هذا يعني أننا، بعد عشر سنوات، قد نجد جيشاً «ناتوياً» يقاتل في لبنان، إلى جانب حلفاء له يشاطرونه «قيمه» ضدّ لبنانيين آخرين، أو في العراق أو إيران أو أفريقيا دفاعاً عن القيم الغربية «السامية» ضدّ شرقيين أشرار. حروبٌ تؤدّب وتضبط الآخرين «المختلفين»، وتغطّي على التناقضات الواسعة التي تستعرّ ضمن المنظومة الغربية نفسها: بين القاعدة الشعبية والنخب الحاكمة، بين الوسط الليبرالي واليمين الصاعد، وبين مصالح الدّول التي تكوّن هذا الحلف نفسه.
الأساس هو أنّ تثبيت الامبراطورية في المستقبل سيكون عبر القوة المباشرة. وأكثر ما سيدفع الناس (في الغرب وخارجه) ضدّ الليبرالية، ويعزّز الحركات والأفكار المعادية لها من كلّ الأصناف، هو تحديداً هذه النسخة الجديدة منها، أي حين تقترب الليبرالية من طورها الفاشي. هناك دلالةٌ مهمّة في أن يكون حزب الخضر الألماني وجمهوره هو أكثر قطاعات البلد تحمّساً للحرب ضدّ روسيا، ولإرسال السلاح إلى الميدان وتصعيد الصراع وتعظيم الجيش الألماني. الأمر عندي له تفسيرٌ طبقيّ واضح: الفئات التي تؤيّد حزب الخضر ونظرائه في الغرب، الـ«الترا-ليبراليين»، هم حقيقةً أقرب الناس إلى المؤسسة ونخبهم تعتاش منها وتحتل المراكز المؤثرة في أجهزتها: البيروقراطية، المنظمات الدولية، الأكاديميا، الإعلام. بهذا المعنى، هم أكثر من يمثّل ايديولوجيا المؤسسة الحاكمة بصيغتها المعاصرة الصافية، وهم سيكونون رأس الحربة في حروبها القادمة.
الامبراطوريّة تتبدّل مع الزّمن، يتغيّر مجتمعها وتفرز نخباً وثقافات جديدة تستبدل ما سبقها. لهذا السبب، ليس غريباً أن تعلن صحيفة حزب اليسار الألماني، في بداية الحرب، أن الناتو قد أصبح «أداة تقدمية» في عالمنا؛ أو أن يصبح أكثر من يتماهى مع الناتو هم الفئات «الليبرالية» النخبوية في أميركا، والأوروبيين الذين كان نشاطهم المفضّل، منذ عشرين عاماً، هو السّير في مظاهرات «ضدّ الحرب»، أيّ حربٍ تجري. لا تناقض جوهرياً في أن تكون متطرّفاً مع البيئة ومتطرّفاً مع الناتو، أو أن تكون مع تحرير المجتمع من البطركية وتجنّد في كلّ حربٍ تخوضها الامبريالية (فالمؤسسة الحاكمة، أصلاً، هي من يتبنى الأجندة البيئية اليوم، كما تفعل مع الديموقراطية والحقوق). التناقض الوحيد هنا هو أنّ هؤلاء الناس – وامتدادتهم في بلادنا – يعتقدون فعلاً أنّهم جذريّون و«كول»، وليسوا مجرّد الوجه البشع للهيمنة وطبقتها المحظيّة، درّبهم النظام ليكونوا نسخته عن مفهوم الانسان «المتحرر» و«الحقوقي» و«التقدّمي» – تقدّمي إلى حدّ الفاشيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
في الحلم الكوبيّ
صابر المنتصر  
هذه الليلة الأخيرة في العاصمة الكوبيّة هابانا. هكذا تُكتب باللّغة الإسبانية، بحرف الباء. كل اللافتات في هذا البلد تُكتب بهذه الطريقة. كانت تلك المفاجأة الأولى لي. كنت طوال سنوات الطفولة أحلم بزيارة هذه الجزيرة. في ذلك الوقت لم أكن أعرف أن ثورة ما قد قامت هنا. لم أكن أفقه من الإيديولوجيا شيئاً. كنت يساريّ الكتابة فقط. أستعمل يدي اليسرى فينعتونني في المدرسة باليساريّ. كانت الوالدة حينها، وهي السلطة العليا بالنسبة إلي، تنهاني عن استعمال يدي اليسرى في الأكل والشرب. كان ذلك الفعل مكروهاً. منذ ذلك الحين بدأتُ رحلة الرفض.
تشكّل هذا الحلم في سنوات الطفولة بعد أن شاهدت برنامجاً وثائقياً يروي قصة الكوبيين والرقص. ظلّت تلك الصورة في مخيلتي وكبرت معي وكبر معها حب زيارة هذا البلد. ذات يوم، في سنوات المراهقة ذهبت إلى منزل صديق. كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها أغنية للشيخ إمام تحمل عنوان «غيفارا مات». أعجبت بالأغنية وسألت عن تلك الشخصية. حين عرفت أن غيفارا قاد الثورة الكوبية مع رفيق دربه فيديل كاسترو قررت أن زيارتي لهذا البلد آتية لا محالة. كانت مسألة وقت. كلما تقدمت في العمر رافقتني هذه الفكرة وكبرت معي حتى أصبحت منذ أيام مضت حقيقة.
وصلت إلى هابانا بعد 26 ساعة من السفر. بدأت الرحلة من تونس العاصمة نحو مطار مدريد في إسبانيا ودامت ثلاث ساعات تقريباً. أُجبرت أن أبقى في المطار لمدة عشر ساعات لأنني إنسان من الدرجة الثالثة ولا يحق لي الدخول إلى بلد يعتقد أن مواطنيه بشر من الدرجة الأولى. يسمون هذه التفرقة «تأشيرة». تسميها السلطة في وطني «سياسة خارجية». اسمها الحقيقي «عنصرية». في مطار مدريد، التدخين ممنوع، النوم ممنوع، الجلوس على كرسي مقهى أو مطعم دون طلب شيء ما ممنوع، الحديث مع الشرطي ممنوع، استنشاق الهواء الطبيعي ممنوع، الصراخ ممنوع، الاستحمام ممنوع، الجري ممنوع، البكاء ممنوع، في مطار مدريد الممنوعات أكثر من أن تُحصى أو تُعد. نتجاوز.
مرّت الساعات العشر وتوجّهت نحو الممر الذي سيحملني إلى كوبا. دام جلوسي على كرسي الطائرة عشر ساعات ونصف ساعة تناولت خلالها وجبة واحدة. كل ما يباع في الهواء يجب أن تدفع مقابله بالهواء. المال الورقي هنا لا قيمة له. يجب أن تستعمل بطاقتك البنكية للدفع. كالعادة، يذكرونني أنّي إنسان من درجة ثالثة لأن السلطة في وطني تمنع استعمال بطاقات العملة الأجنبية للدفع خارج هذا الوطن. أجوع، أعطش. تمر الساعات ثقيلة. يزداد جوعي وعطشي. تتحرك داخلي غرائزي الحيوانية. أتوجه إلى إنسان من الدرجة الأولى وأطلب أن يدفع بعضاً من الهواء مقابل بعض الطعام وأمنحه أوراقاً مالية. يقبل. أعود إلى مكاني فرحاً بالمقايضة التي نجحت.
بعد أن أكلت وشربت مرّت الساعات بسرعة واقتربنا من مطار خوسيه مارتي في هابانا. هذا الرجل أسّس الحزب الثوري الكوبي عندما كانت الولايات المتحدة الأميركية تعتبر الإتجار بالبشر شيئاً مسموحاً ويكفله قانونها. أحاول أن أنام لكن شغف الرحلة يمنعني من ذلك.
كنت قد قرّرت أن أقضي الأسبوع الأول لي في العاصمة هابانا. لا أريد أن أعرف أكثر من العاصمة الكوبية. أريد أن أختلط مع عامة الشعب؛ آكل مأكلهم، أشرب مشربهم، أسكن مسكنهم وأعيش همومهم اليومية. ستدوم رحلتي ثلاثة أسابيع. سيكون الأسبوع الأول أسبوعاً كوبياً بالأساس. باقي الأيام سأكون فيها مجرد سائح رأسمالي (ربما) في بلد شيوعي (ربما).
أخبرنا قائد الطائرة أننا سنبدأ عملية الهبوط. غيّرت مكاني بسرعة وجلست على كرسي فارغ يحاذي النافذة. يجب أن تدفع ثمانين دولاراً للجلوس على هذا الكرسي. بالرغم من أن الطائرة فارغة تقريباً إلا أن أحداً لم يجلس في هذا المكان. السحاب يملأ السماء ونحن ندخل في الغيوم وضباب شديد يحجب الرؤية كلياً. بعد مرور عشر دقائق تقريباً رأيت اليابسة. كانت عبارة عن أرض خضراء فلاحية كبيرة جداً. كلما ننزل أكثر تزداد الأرض الفلاحية الكبيرة وضوحاً. بالكاد أرى مبانيَ قديمة صغيرة. الطرقات أيضاً صغيرة. ربما أرى عشر سيارات على أقصى تقدير. عندما اقتربت أكثر، بدأت الشمس بالغروب وكان المشهد رائعاً. حطّت عجلات الطائرة في المطار. كنت أعتقد أنها ستحط في حقل فلاحي. لا أثر هنا لمطار ما أو طرقات أو حركة مثل باقي المطارات. تتقدّم الطائرة نحو مبنى المطار، لكنّ المشهد في الخارج يعود بي سنوات إلى الماضي. كأنني أشهد من شباك الطائرة فيلماً سينمائياً يصوّر طائرة تنزل في مطار ما سنة 1960. الألوان، المباني، ملابس العمّال، اللافتات، الإشارات، حجم الجدار. كل شيء في الخارج يوحي بأنّي في سنة 1960. في حقيقة الأمر يشبه هذا المطار كثيراً مطار تونس قرطاج.
حطّت الطائرة ووصلت بسرعة. كل شيء في هذا المكان صغير. نزلنا الدرج ودخلنا مبنى المطار ووصلنا مباشرة إلى قاعة كبيرة. اصطففنا تلقائياً كلّ أمام مكتب يوجد فيه عون شرطة. أغلب أعوان الشرطة هنا من النساء. يرتدين تنورات قصيرات جداً وتحتها جوارب طويلة شفافة بعض الشيء. يتقدّم البشر نحو الشبابيك وتؤخذ صورة لكل منا ثم يُختم على جوازه ويمر نحو التفتيش. عندما حان دوري منحت الشرطية جواز سفري ونزعت كمامتي وابتسمت قليلاً بالرغم من التعب الشديد ورغبتي الملحّة في إشعال سيجارة. فتحت جوازي ومرّرته على آلة. سمعت صوتاً ما. مرّرت الجواز مرة أخرى. سمعت الصوت نفسه مرة أخرى. طلبت مني الشرطية الوقوف جانباً والانتظار. قالت لي ذلك بلغة إسبانية وابتسامة. لا أفهم الإسبانية إلا أنّي أفهم الابتسامات. كانت ابتسامة احترام. وضعت حقيبة الظهر وجلست على الأرضية. يمر البشر من الدرجة الأولى مباشرة. يُمرر جواز سفرهم على الآلة فتصدر صوتاً غير الذي سمعته، تُختم جوازاتهم بكل بساطة ثم يغادرون. تشير الشرطية إلى زميلها وتتحدث. قدم نحوي. وقفت. سألني عن سبب زيارتي لكوبا. لو كنت جاسوساً أو عميلاً أو مخبراً أو صهيونياً أو قاتلاً مأجوراً سأقول بأنّي جئت للسياحة. لست أحد هؤلاء لكني أجبت مثلهم. أعتقد أنه يصدّقني. دخل مكتباً آخر حاملاً جواز سفري التونسيّ. جلست مجدّداً. لم يتبقّ في هذه القاعة غيري. كل أعوان الشرطة تركوا أماكنهم. أنا الوحيد الإنسان من الدرجة الثالثة الذي قدم لكوبا. أنا الوحيد الشيء غير المرغوب فيه. أو تحديداً أنا الوحيد الشيء غير المفهوم.
بعد نصف ساعة تقريباً عاد الشرطي ومعه امرأة أخرى ترتدي ملابس عادية. وقفت. سألتني عن سبب زيارتي لكوبا. أجبتها. سألتني عن مهنتي والأموال التي أحملها والأماكن التي سأزورها. أجبتها. سألتني عن المكان الذي يقع فيه هذا البلد الذي يُسمى تونس. كدت أن أقول لها بأنه قرطاج. أجبتها فقط أن تونس بلد في شمال أفريقيا. عندما نطقت كلمة أفريقيا عرفت سبب كل هذه الإجراءات. القارة التي أنتمي إليها مشبوهة. قارة فقيرة. ذلك يعني أن شعوبها من الصنف الثالث. حاولت قدر المستطاع، وبلغة ديبلوماسية أن أقول إنّي لا أنوي الهجرة السرية نحو أميركا. أحاول أن أقول لشرطي إن حلم طفولتي زيارة بلده. أريد أن أقنع شرطياً ما، في هذا العالم، أنّي بصدد تحقيق حلم. لا أعرف هل نجحت في ذلك أم لا؟ لكنّ الشرطية سمحت لي بالعبور نحو الحلم. ربما خرائط غوغل التي أعددتها مسبقاً ساعدتني في ذلك. ربما عدد الأطباق الكوبية التي أعرفها ساعدني أيضاً. ربما معرفتي الشديدة بالوضع الاقتصادي وحديثي عن أسعار الفواكه والمأكولات في وطنها ساعدني. في حقيقة الأمر لا أعرف تحديداً السبب الذي جعل تلك الشرطية تسمح لي بالمرور بعد ساعات من النقاش والانتظار، لكني، عند سماعي للختم الذي يسمح لي بالدخول، أحسست بدمعة تتكوّن في عيني اليسرى. وبما أنّي رجل وُلد وتعلّم وكبر في بلد يعتبر البشر فيه من الدرجة الثالثة، حاولت قدر المستطاع ألا تتكوّن دمعة أخرى في العين اليمنى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
“فتح” بين شيخوخة العقل السياسي والكفاحي.. وشرط مواجهة الاحتلال
 
سليم يونس الزريعي
أمد/ ربما تجيب ملحمة جنين الجديدة في مواجهة جيش الاحتلال بكل آلته العسكرية التي ارتقى فيها أربعة شهداء وعددا من الجرحى، على سؤال البعض الملغم بسوء النية، أين حركة فتح في المشهد الكفاحي الفلسطيني في بعده العنفي؟ ومن ثم قصر هذا الشكل من أشكال الصراع مع الاحتلال على بعض الفصائل وتغييب حركة فتح.
والمفارقة أن ذلك يبرز عندما تخاطب الآلة الإعلامية لبعض الفصائل والأحزاب التي تتخذ من غزة قاعدة لها، ثم تتحدث عن وحدة البندقية والساحات، لكنها تسقط دوما حركة فتح من خطابها وتعبئتها الإعلامية، كونها تريد ذلك بدوافع حزبية وفكرية وسياسية، لأن تلك القوى المتنفذة عسكريا، تعتقد سواء كان ذلك صحيحا أم لا، أن فتح فقدت إيقاعها الكفاحي في شكله المسلح سواء في الضفة أو غزةـ بعد أن أصبحت السلطة.
لكن مع أن هناك من عمل على وضع فتح داخل صندوق أوسلو وربما جزئيا إلى حين، إلا أن فتح بكل ثقلها المادي والمعنوي وتجربتها الكفاحية وإرثها تبقى أكبر من أن تدجن وسلبها وعيها بحقيقة التناقض الأساس ومع منْ؟ لكن من موقع المراقب، يمكن القول إن مشكلة فتح أن الرأس القيادي فيها يعاني من شيخوخة سياسية وفكرية، ولا يريد أن يقرأ المتغيرات التي حدثت في المشهد الفلسطيني وهو المتغير الذي يقف وراء تلك النظرة إلى حركة فتح، وربما بسوء نية تحميل هذه البنية لفتح أوزار أوسلو وخيارات قيادتها السياسية والكفاحية، ولأن هذا العقل السياسي الذي يقود فتح مُصِر مع كل هذه العدوانية الصهيونية على أن موقف فتح، هو كما أكد الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة، وهو عدم اللجوء لما سماه: ” للسلاح والعنف.. هذه قاعدة لدينا.. لن نلجأ للإرهاب وسنحاربه معًا وسويًا..” هذا الموقف الذي يتقاطع فيه رئيس فتح مع بعض مواقف الكيان الصهيوني من المقاومة، هو سبب أكيد في الحد من أخذ فتح لدورها ارتباطا بثقلها الموضوعي وريادتها للكفاح المسلح.
ومن ثم فإن شيخوخة قيادة فتح التي تعتبر أن وجودها على رأس هرم التنظيم هو بحق الميراث، إنما ينعكس سلبا على الحركة ، ويجدر الإشارة هنا أن المقصود بالشيخوخة ليس شيخوخة الأعمار، ولكن شيخوخة الفكر والمقاربات السياسية، والفكرية في مواجهة الاحتلال، كون تلك القيادة استمرت لسنوات وحتى الآن، تراوغ ومصره على نهج تجاوزه الزمن في ظل صراع مع عدو أكد خطل مبررات طريق أوسلو البائس، الذي أنتج للأسف قوى متنفذة، في فتح وفي المشهد الفلسطيني، في حين أن فضاء تلك القوى هو حديقة فتح الخلفية وهؤلاء جميعا ليس لهم مصلحة في المراجعة السياسية، وتبني مشروعا وطنيا جامعا لمفهوم الكفاح بكل أشكاله وعلى رأسه الكفاح المسلح، الذي يجب الأخذ به في مواجهة الإجماع الصهيوني، بعد أن تبين أنه ما من حل سياسي مع الفلسطينيين ولا دولة حتى بمواصفات أوسلو.
وأستطيع أن أقول كمراقب إن المشكلة ليست في جسم فتح في مستوياته المتوسطة والقاعدية وربما بعض المستويات القيادية في هرم التنظيم، لكنها في العقل السياسي والفكري والعملي الذي يقود فتح، سواء كان شخصا أو أشخاص، وفي أولئك الذين من خارج فتح ويسعون إلى إزاحتها من المشهد في حين أن فتح وفق آخر انتخابات تشريعية كانت الثقل الشعبي الأكبر كأصوات في صناديق الاقتراع بصرف النظر عن النتائج التي قررها قانون الانتخابات. ومن ثم فإن كان هذا الثقل الوازن بحاجه إلى تفعيل، فمن غير المتوقع أن تستطيع ذلك قيادة عاجزة بالمعنى السياسي والفكري، ساهم سقفها المتدني سياسيا وكفاحيا في إضعاف فتح حتى وصل الأمر أن تأكل أبناءها.
إن ما يجري في الضفة من حضور لحركة فتح من خلال الاشتباك الشعبي والعسكري مع الاحتلال هو من فعل فتح الغاضبة التي يحدد بوصلتها حس أعضائها الوطني، وليس الخيارات السياسية لقيادتها العليا، ومع ذلك فإن وجود فتح في غزة الذي يمكن توصيه بـ” المراقب” على ضوء انقلاب حماس الدموي عام 2007، وتعامله معها كعدو محتمل، في حين أن مواجهة المشروع الصهيوني تتطلب وجود كل القوى الفاعلة وليس القوى المنصبة من هذا الطرف أو ذاك، دون وجود موضوعي كفاحي أو شعبي، سوى أنها أصوات إعلامية في حدائق بعض القوى الفلسطينية الأكبر.
إن وجود فتح في المشهد الكفاحي وفق برنامج ورؤية سياسية وكفاحية مسؤولة جادة وموضوعية لمشروع التحرير، هو هدف يجب العمل عليه من قبل القوى الحريصة على الوحدة أفعالا لا أقوالا ، لأننا لا نتصور أن مشروع وحدة فلسطينية تُغيّيب عنه فتح، هو مشروع كامل الوطنية، لأنه في مثل تلك الحالة يعكس نوايا مقصودة لا تريد مصلحة فلسطين بل مصلحتها ومصلحة داعمها الإقليمي.
إن وجود فتح بثقلها وتجربتها هو بمثابة وضع هرم فتح على قاعدته مجددا، شرط أن تواؤم العقل القائد مع الجسم، كي نكون أمام جبهة فلسطينية واحدة تضم الجميع دون استثناء، بدل الهبات الفصائلية التي تهدف لإثبات الذات فيما الشعب يدفع الثمن لإرضاء غرور هذا الفصيل أو ذلك، سعيا وراء “برواز” إعلامي مقابل ثمن فادح يدفعه الشعب. لأن هذه الوحدة هي السبيل لترجمة الأقوال إلى أفعال على طريق تحرير الأرض وإنجاز حق العودة.
ومن ثم فإن دور فتح الكفاحي في الضفة ، من شأنه أن يقول إن غياب دور فتح كفاعل في الضفة وغزة، هو عامل سلبي ويضع علامة استفهام حول صدقية وحدة المقاومة سواء في شكل سيف القدس أو وحدة الساحات أو أي عنوان آخر ، وإنه من ثم لتقدير خاطئ من البعض تغليب التناقض الداخلي على التناقض التناحري الرئيس، كتناقض مع مشروح الحركة الصهيونية في فلسطين، وهذا في تقديري يتطلب صياغة برنامج سياسي وكفاحي مشترك يستجيب لشرط اللحظة بعد أن ثبت أن الطريق الخاطئ الذي سار فيه فريق أوسلو ضيع الكثير من الأرض، وجعل الشعب الفلسطيني يدفع أثمانا باهظة جراء تلك السياسات، وأيضا جراء حماقات بعض الفصائل التي جعلت الشعب الفلسطيني أسير مصالحها السياسية والأيديولوجية.
وهذا بالتأكيد يتطلب القطع مع فكر أوسلو ومشتقاته بعد انكشاف وهم حل الدولتين، ومن ثم بناء ميزان قوى فلسطيني وفق شرط اللحظة في بعده الراهن والمستقبلي، لأنه هو العامل المقرر في الصراع مع هذا الكيان الإحلالي، ووعي أهمية وضرورة هذا العامل، هو بداية جدية للخروج من المأزق الذي يعيشه الواقع الفلسطيني.
 
 
 
 
 
 
 
كي لا تبيع أمريكا “المياه السياسية في حارة السقايين الفلسطينية”؟!
 
كتب حسن عصفور
 منذ مايو 2017، الزيارة الأخيرة للرئيس محمود عباس الى واشنطن ولقاء الرئيس السابق ترامب، أوقفت الإدارة الأمريكية حركة استقبال أو لقاء المسؤولين الرسميين الفلسطينيين (مستثنى وجود الراحل د.صائب عريقات خلال إجراء عملية جراحية نوفمبر 2017)، مع ما تلاها من اغلاق مكتب منظمة التحرير في سبتمبر 2018.
وقف حركة الاستقبال الرسمية، واغلاق مكتب المنظمة من قبل إدارة ترامب، نتاج رفض التعامل مع المخطط الأمريكي الجديد، فيما عرف بصفقة ترامب، والذهاب الى المحكمة الجنائية الدولية، لمطاردة الكيان العنصري حول جرائم الحرب المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، ولا تزال، لتأكيد الموقف الرسمي الأمريكي أن “العداء للفلسطيني” في الثقافة الرسمية الأمريكية ليس حدثا وخبرا، بل سلوك ممنهج وفكر متواصل منذ قيام دولة الاغتصاب الاحتلالي.
ورغم ان إدارة بايدن، جاءت بوعود مختلفة في التعامل مع الرسمية الفلسطينية، لكنها لم تغير الواقع بل كرسته رسميا، ليس فيما يتعلق بنقل السفارة الى القدس، بل بالتصدي لكل موقف فلسطيني ضد دولة الاحتلال، في المحافل الدولية مقابل حصار الفلسطيني، وكانت رحلة بايدن الى بيت لحم في يوليو 2022، الرسالة الأوضح في عدم القيام بأي خطوة تغييرية عما سبق، ولعل ما نقله الرئيس عباس عما قاله بايدن له “المسيح لن يتمكن من تلبية الطلب الفلسطيني”، أي الخلاص من الاحتلال والذهاب الى إقامة دولة فلسطين، تكثيف للعداء الأمريكي.
وفجأة، تعلن “الإدارة البايدينية” عن استقبالها لأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعد 5 سنوات و5 أشهر، من زيارة الرئيس عباس الى البيت الأبيض، خبر بدأ وكأنه بمثابة “مفاجأة سياسية”، وربما يكون ذلك، ولكن لماذا قررت واشنطن تلك الخطوة، وهل هي تصويبا لمسار أعوج ضال الهدف والرؤية، أم أن حسابات بيدرها ليس كما هو حساب الحقل الفلسطيني.
الخطوة الأمريكية جاءت بعد خطاب الرئيس محمود عباس يوم 23 سبتمبر 2022، حيث حدد خلاله ملامح مرحلة سياسية جديدة، أنهت العمل باتفاقات ميتة منذ 2000، والذهاب نحو ترسيخ أقدام دولة فلسطين، عبر مجموعة إجراءات متنوعة، وما بدأ ينعكس من حركة نمو “الغضب الشعبي الفلسطيني” العام في الضفة والقدس.
أي أن الاستقبال نتاج فعل فلسطيني مختلف عما كان سائدا طوال السنوات الخمس الماضية، وتلك خطوة جيدة، لا يجب تغافل أهميتها، ولكن سيتقرر قيمتها السياسية بما سيكون بعد ختامها، نتائج وخطوات، هل ستعزز “الانطلاقة الوطنية” أم تبدأ بفرملتها ووضع عناصر كسر حركتها.
وكي لا نكرر تعريف الجوهر الأمريكي من فلسطين قضية وشعب، ولا نبقى غارقين في التكرار بأن أمريكا هي “راس الحية” ضد شعبنا وشعوبنا وأمتنا، سنغمض العين لساعات، حول تلك الحقائق الراسخة، فربما يكون حسابات مخاوف التطورات الدولية، وخاصة الاندفاعة الروسية وما احدثته من تغييرات عملية، تجبر واشنطن بتصويب بعض جوانب العداء الفطري للشعب الفلسطيني.
ومبدئيا، وكي لا تبيع أمريكا “الميه في حارة السقايين الفلسطينية”، ما يجب أن يكون خطوات محددة، تنطلق من خطاب الرئيس الأمريكي بايدن في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر 2022، والذي تحدث به أن الشعب الفلسطيني يستحق دولة، فكيف يمكن ذلك واقعيا، فلو كان الصدق السياسي فلتعلن أمريكا أنها توافق على:
*قبول تغيير صفة دولة فلسطين في الأمم المتحدة الى عضو كامل.
*تأييد طلب الرئيس محمود عباس من الأمين العام للأمم المتحدة وضع آلية دولية لإنهاء الاحتلال خلال فترة زمنية محددة.
*تأييد مقترح تشكيل “قوات حماية دولية” في أرض دولة فلسطين.
*تأييد التفاوض بين “دولتي فلسطين وإسرائيل” تحت مظلة دولية – إقليمية” خاصة من اجل صياغة اتفاق سلام شامل.
*وقف عرقلة التوجه الفلسطيني الى المحكمة الجنائية الدولية، وتأييد انضمام فلسطين الى عضوية المنظمات الدولية، ومنها الصحة العالمية، أو تمتنع عن التصويت كحد أدنى.
*بيان خاص حول دعم وكالة الأونروا كما في السابق.
*رفع الحظر الأمريكي عن قضية رواتب الأسرى والشهداء، والتعامل معها قضية فلسطينية خالصة.
*فتح مكتب فلسطين في واشنطن بالتوازي مع فتح القنصلية في القدس بشكل مستقل كليا عن سفارة أمريكا.
*الغاء قانون اعتبار منظمة التحرير حركة “إرهابية”.
تلك بعض خطوات يجب القيام بها لو أرادت أمريكا التصرف كطرف مسؤول في الصراع القائم.
وكي لا يصاب البعض المرتعش فطريا بحالة هلع مما كتب أعلاه، فما تتحسب له الإدارة الأمريكية من تطورات في الضفة والقدس، سياسيا وكفاحيا، ثمنه أعلى بكثير مما يطلب منها خطوات باتت حقيقة سياسية، والتراجع عنها تعني نهاية الرسمية الفلسطينية بلا رحمة ولا عودة.
المخاوف الأمريكية من تطورات الانفجار السياسي والكفاحي الشعبي الفلسطيني، في ظل العملية الروسية التي كسرت الشوكة الأمريكية دوليا، ستفرض عليها التعامل مع حق لا بد منه فلسطينيا.
على الرسمية الفلسطينية إدراك، أن طلب الزيارة على عجل هي رسالة تكشف “هلعا” مسبقا مما سيكون فعلا، لا يجب ان تذهب ريحها بطمأنة دون ثمن سياسي ملموس، وغيرها لـ “كل مقام موقف وإجراء”.
ملاحظة: حكومة الجماعة الإخوانجية في قطاع غزة، بدأت تتفن في رسم آليات سرقة أهل القطاع..ضرايب على كل بنطلون جينز..سرقة في أسعار المحروقات لتصبح أغلى من الضفة بكثير..”اللصوصية تطورت يا رجالة”..و”هي لله لا سلطة ولا جاه”..متذكرينها!
تنويه خاص: اغتيال الطفل ريان سيلمان، لا تعيد مشهد جريمة اغتيال محمد الدرة وبس..لكنها تفتح الباب لصناعة رواية كاملة عن جرائم “الإرهاب اليهودي” ضد أطفال فلسطين…لتصبح وثيقة شاملة أمام الجنائية الدولية..هيك عمل اهم مليار مرة من صراخ “وين العدالة”.. العدالة ما بتيجي لمولولين!
المناطق التي وافقت ستبقى روسية إلى الأبد…
بوتين: العالم دخل مرحلة التحولات الثورية..والغرب ينتهج سياسة الاستعمار للهيمنة وإسقاط الأنظمة
 
أمد/ موسكو: أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة، انضمام جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك ومقاطعتي زابوروجيه وخيرسون إلى روسيا.
ويشهد الكرملين، حدثا تاريخيا ينتظره الملايين من سكان مناطق دونباس، وزابوروجيه، وخيرسون، يتمثل في توقيع اتفاقيات انضمام هذه المناطق الأربع إلى روسيا الاتحادية.
كما أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن ثقته في أن الجمعية الفيدرالية ستدعم القوانين الخاصة بانضمام أراض جديدة إلى روسيا، مؤكدا أن هذا حق المواطنين الشرعي بتقرير مصيرهم، وتقره الأمم المتحدة التي تؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
قال بوتين: “اريد أن تسمعني سلطات كييف وأسيادهم الحقيقيون في الغرب؛ سكان دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيه هم مواطنون روس من اليوم”.
وشدد بوتين، على أن روسيا ستوفر الأمن لجمهوريتي دونباس ومقاطعتي خيرسون وزابورجيه وستساعدهم في إعادة إعمار البنية التحتية.
وقال”ندعو نظام كييف إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، وجميع العمليات العسكرية، والحرب التي أطلقها في 2014 ، والعودة إلى طاولة المفاوضات”.
ونوه بوتين إلى أن “الولايات المتحدة لا تزال تحتل في الواقع ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من البلدان الأخرى، وتصفهم محليا على أنهم حلفاء”.
وأشار بوتين إلى أن أمريكا بدأت عملية التخريب في أوروبا وقال: “لقد انتقوا إلى عملية التخريب، بعد مدهم بخط التيار الشمالي 2، في الواقع، بدأوا في تدمير البنية التحتية للطاقة الأوروبية، الجميع يفهم من يستفيد من ذلك”.
وبين بوتين أن العالم دخل فترة التحولات الثورية، منوها إلى أن “روسيا تناضل من أجل طريق عادل وحر للتنمية دون إملاءات واستبداد”.
وقال بوتين: “رهاب الروس في الغرب ما هو إلا عنصرية، والغرب كان يبحث عن فرصة جديدة لإضعاف روسيا وتدميرها ولن يريحهم وجود دولة عظيمة كهذه”.
وأعرب بوتين ،أن اختيار الأشخاص في الأراضي الجديدة الانضمام إلى روسيا هو حق فردي ومنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
وتابع، لقد حافظ أجدادنا منذ يكاتيرينا العظمى على تلك المناطق وقاتل من أجل هذه المناطق أجدادنا في الحرب العالمية الثانية ،لقد دافع عن تلك المناطق أبطالنا البواسل أبطال روسيا الذين دفع بعضهم حياته ثمنا لذلك.
وقال، لقد سقطت أقنعة الغرب الذي حاول في عام 1991 أن يفتت روسيا ويحولها لشعوب متحاربة، فهو ينتهج سياسة الاستعمار الجديد من أجل الهيمنة على العالم وإسقاط الأنظمة.
كما اتهم ،الأنجلو ساكسون بالتخريب الذي تعرضت له أنابيب السيل الشمالي لنقل الغاز الروسي.
وأوضح بوتين، “لقد حل الغرب أزمته في الكساد العظيم بالحرب العالمية الثانية، وأزمة الثمانينيات من القرن العشرين بموارد الاتحاد السوفيتي المنهار، كل من يشتكي من أزمة الطاقة يصفونه بـ “عدو الشعب”، ويعلقون تلك الأزمة على شماعة روسيا”.
وتابع بوتين، يدخل العالم إلى حقبة جديدة متعددة القطبية تدافع فيها الدول عن استقلالها وإرادتها ورغبتها في التنمية.
النص الكامل لخطاب فلاديمير بوتين بمناسبة انضمام دونيتسك ولوغانسك وزابوروجيه وخيرسون إلى روسيا
شهد الكرملين، الجمعة، حدثا تاريخيا انتظره الملايين من سكان دونيتسك، ولوغانسك، وزابوروجيه، وخيرسون، يتمثل في توقيع معاهدات انضمام هذه المناطق الأربع إلى روسيا الاتحادية.
وألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذه المناسة، خطابا أمام الجمعية الفدرالية الروسية (البرلمان). وفيما يلي نص الخطاب كاملا:
“مواطني روسيا الأعزاء، مواطني جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، وسكان منطقتي زابوروجيه وخيرسون، نواب مجلس الدوما، وأعضاء مجلس الاتحاد الروسي!
كما تعلمون، فقد أجريت الاستفتاءات في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين وفي مناطق زابوروجيه وخيرسون. وقد أعلنت النتائج، وهي معروفة. لقد اتخذ المواطنون خيارهم، وهو خيار واضح.
ونحن نوقع اليوم معاهدات قبول انضمام جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبية ومنطقتي زابوروجيا وخيرسون إلى روسيا، وأنا على يقين من أن الجمعية الفدرالية سوف تدعم القوانين الدستورية ذات الصلة باعتماد وتشكيل أربع مناطق جديدة في روسيا، وأربع كيانات جديدة في الاتحاد الروسي، لأن تلك هي إرادة ملايين السكان.
وهذا، بالطبع، هو حقهم غير القابل للانتزاع، والمنصوص عليه في المادة الأولى من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، التي تتناول مباشرة مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
أكرر: هذا حق غير قابل للانتزاع، قائم على الوحدة التاريخية، التي باسمها انتصرت أجيال أجدادنا، أولئك القادمون من أصول روسيا القديمة لقرون، والذين أنشأوا ودافعوا عن روسيا. وهنا في “نوفوروسيا”، قاتل روميانتسيف وسوفوروف وأوشاكوف، وهنا أسست يكاتيرينا العظمى وبوتيومكين مدنا جديدة، وهنا وقف أجدادنا وآباء أجدادنا حتى الموت خلال الحرب الوطنية العظمى. سوف نتذكر دائما أبطال “الربيع الروسي”، الذين لم يقبلوا انقلاب النازيين الجدد في أوكرانيا في العام 2014، وجميع الذين ماتوا من أجل الحق في التحدث بلغتهم الأم، والحفاظ على ثقافتهم وتقاليدهم، وعلى إيمانهم، من أجل الحق في الحياة. إنهم محاربو دونباس، شهداء “أوديسا خاتين”، ضحايا الهجمات الإرهابية اللاإنسانية التي شنها نظام كييف، هؤلاء المتطوعون والميليشيات، وهم مدنيون، وأطفال، ونساء، وكبار السن، من الروس والأوكرانيين وأناس من جنسيات مختلفة. نتحدث عن الزعيم الشعبي الحقيقي، ألكسندر زاخارتشينكو، عن القادة العسكريين: آرسين بافلوف، فلاديمير زوغا، أولغاكوتشورا، أليكسي مزغوفوي، نتحدث عن المدعي العام لجمهورية لوغانسك، سيرغي غورينكو، عن المظلي نورمحمد حاجي محمدوف، وجميع جنودنا وضباطنا الذين ماتوا ميتة الشجعان خلال العملية العسكرية الخاصة. إنهم أبطال (تصفيق)، أبطال روسيا العظيمة، وأطلب منكم تكريم ذكراهم بلحظة صمت.
إن وراء اختيار ملايين السكان في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين في منطقتي زابوروجيه وخيرسون مصيرنا المشترك وتاريخنا الممتد لألف عام. لقد نقل السكان هذه الصلة الروحية لأبنائهم وأحفادهم، وعلى الرغم من كل التجارب، فقد حملوا على مر السنين حباً لروسيا. ولا أحد يستطيع قتل هذا الشعور داخلنا. لهذا السبب صوتت كل الأجيال الأكبر سنا والشباب على حد سواء، ممن ولدوا بعد مأساة انهيار الاتحاد السوفيتي، من أجل وحدتنا، ومن أجل مستقبلنا المشترك.
لقد قرر ممثلو النخب الحزبية، في العام 1991 بمنطقة غابة بيلوفيج، انهيار الاتحاد السوفيتي، دون الرجوع لإرادة المواطنين العاديين، ليجد الناس العاديون أنفسهم فجأة معزولين عن أوطانهم. ومزق هذا القرار أوصال المجتمع وتحول إلى كارثة وطنية، تماما كما حدث بعد الثورة حينما تقطعت حدود الجمهوريات الاتحادية، هكذا دمر آخر قادة الاتحاد السوفيتي، وخلافا للتعبير المباشر عن إرادة غالبية الشعب في استفتاء عام 1991، بلدنا العظيم، ببساطة، ووضعوا الناس أمام الأمر الواقع.
أعترف أنهم لم يفهموا تماما ما الذي كانوا يفعلونه، وما هي العواقب التي سيؤدي إليها ذلك حتماً في النهاية. لكن، لم يعد الأمر مهماً. لم يعد هناك اتحاد سوفيتي، ولا يمكن إرجاع الماضي. بل إن روسيا اليوم لم تعد بحاجة إلى هذا الماضي، ولا تسعى إليه. لكنه لا يوجد شيء أقوى من تصميم ملايين الأشخاص، الذين بحكم ثقافتهم وإيمانهم وتقاليدهم ولغتهم، يعتبرون أنفسهم جزءاً من روسيا، التي عاش أسلافها في دولة واحدة لعدة قرون. ولا يوجد شيء أقوى من تصميم هؤلاء الناس على العودة إلى وطنهم الحقيقي والتاريخي.
لقد تعرض هؤلاء، على مدار ثمان سنوات طوال، إلى الإبادة الجماعية والقصف والحصار، وفي خيرسون وزابوروجيه، حاولوا بشكل إجرامي زرع الكراهية لروسيا، ضد كل شيء روسي. الآن، ومن خلال هذه الاستفتاءات، هدد نظام كييف بالعنف، وبموت معلمي المدارس، والنساء اللواتي عملن في لجان الانتخابات، أرهبوا ملايين الأشخاص، الذين جاءوا للتعبير عن إرادتهم بالقمع. لكن شعب دونباس وزابوروجيه وخيرسون الصامد قال كلمته.
أود أن تسمعني السلطات في كييف وأسيادهم الحقيقيون في الغرب، حتى يتذكر الجميع هذا: لقد أصبح الناس الذين يعيشون في لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابولوجيه مواطنينا إلى الأبد.
إننا ندعو نظام كييف إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف كافة الأعمال العدائية والحرب التي أطلقها منذ العام 2014، والعودة إلى طاولة المفاوضات. نحن جاهزون لذلك، وقد كررنا ذلك أكثر من مرة. لكننا لن نناقش اختيار الناس في دونيتسك ولوغانسك وزابوروجيه وخيرسون، فقد انقضى ذلك الأمر، ولن تخونه روسيا. (تصفيق)، ويجب على سلطات كييف اليوم التعامل مع هذه الإرادة الحرة للشعب باحترام، ولا شيء غير ذلك، فذلك هو السبيل الوحيد للسلام.
سنحمي أراضينا بكل القوة والوسائل المتاحة لدينا، وسنبذل قصارى جهدنا لضمان الحياة الآمنة لشعبنا. هذه هي مهمة التحرير العظيمة لشعبنا. سنقوم بالتأكيد بإعادة بناء المدن والبلدات المدمرة والمساكن والمدارس والمستشفيات والمسارح والمتاحف، وسنعمل على استعادة وتطوير المؤسسات الصناعية والمصانع والبنية التحتية والضمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية وأنظمة الرعاية الصحية والتعليم.
طبعا، سنعمل على تحسين مستوى الأمان، سنعمل معا على التأكد من أن المواطنين في المناطق الجديدة يشعرون بدعم الشعب الروسي بأكمله، والدولة بأسرها، وجميع الجمهوريات، وجميع أقاليم ومناطق وطننا الأم الشاسع.
الأصدقاء والزملاء المحترمين!
أود اليوم أن أخاطب الجنود والضباط المشاركين في العملية العسكرية الخاصة، جنود دونباس ونوفوروسيا، الذين انضموا بعد المرسوم الخاص بالتعبئة الجزئية إلى رتب القوات المسلحة، لأداء واجبهم الوطني، والذين، بدعوة من قلوبهم، توجهوا إلى مكاتب التسجيل والتجنيد العسكرية. أود أن أتوجه بالحديث إلى آبائهم وزوجاتهم وأبنائهم لأقول لهم من أجل ماذا يقاتل شعبنا، ومن هو العدو الذي يقاومنا، الذي يلقي بالعالم في حروب وأزمات جديدة، ويحقق من تلك المآسي مكاسبه الدموية.
مواطنونا، إخواننا وأخواتنا في أوكرانيا، الجزء الأصلي من شعبنا الموحد، رأوا بأعينهم ما تعده الدوائر الحاكمة لما يسمى الغرب للبشرية جمعاء. لقد ألقوا هنا، في واقع الأمر، جميع أقنعتهم، وأظهروا جوهرهم.
لقد قرر الغرب، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، أن على العالم، على كل منا، أن يتحمل إملاءاتهم إلى الأبد. حينئذ، في العام 1991، توقع الغرب ألا تتعافى روسيا من مثل هذه الصدمات، وأن تنهار من تلقاء نفسها. نعم، حدث ذلك بالكاد، ونحن نتذكر التسعينيات الرهيبة من القرن الماضي، نتذكر الجوع والبرد واليأس. إلا أن روسيا قاومت، وعادت إلى الحياة، وعززت مكانتها مرة أخرى في العالم.
في الوقت نفسه، كان الغرب يبحث طوال هذا الوقت ويستمر في البحث عن فرصة جديدة لضربنا وإضعاف روسيا وتدميرها، وهو الحلم الذي طالما راودهم، من تقسيم دولتنا، وتحريك الشعوب ضد بعضها البعض، ودفعهم نحو الفقر والانقراض. فدائماً ما كانت ولا زالت تقض مضاجعهم حقيقة أن هذا البلد العظيم الضخم بمساحته وأراضيه وثرواته الطبيعية وموارده يعيش على أرضه شعب لا ولن يعيش أبداً وفقاً لإرادة الآخرين.
إن الغرب مستعد لتخطي كل شيء من أجل الحفاظ على النظام الاستعماري الجديد الذي يسمح له بالتطفل، وواقعياً، نهب العالم على حساب قوة الدولار والإملاءات التكنولوجية، لجمع الجزية الحقيقة من الإنسانية، لاستخراج المصدر الرئيسي للازدهار غير المكتسب، ريع الهيمنة. إن الحفاظ على هذا الريع هو دافعهم الرئيسي الحقيقي، الذي يخدم مصالحهم الشخصية تماماً. وهو السبب في أن السيادة الكاملة لمصلحتهم، ومن ثم فإن عدوهم الرئيسي هو الدول المستقلة، والقيم التقليدية والثقافات الأصلية، التي تحاول تقويض العمليات الدولية والتكاملية الخارجة عن سيطرتهم، والعملات العالمية الجديدة، ومراكز التطور التكنولوجي، ليصبح من الأهمية بمكان بالنسبة لهم أن تتخلى جميع الدول عن سيادتها للولايات المتحدة الأمريكية.
توافق النخب الحاكمة في بعض الدول حول العالم طواعية على القيام بذلك، وتوافق طواعية على أن تصبح تابعة، بينما يتم رشوة الآخرين وترهيبهم. وإذا لم ينجح الأمر، فإنهم يدمرون دولاً بأكملها، تاركين وراءهم كوارث إنسانية، ومآس، وأنقاض، وملايين من المصائر البشرية المدمرة والمشوهة، والجيوب الإرهابية، ومناطق الكوارث الاجتماعية، والمحميات، والمستعمرات، وشبه المستعمرات. هم لا يهتمون بكل ذلك، طالما سيحصلون على مصلحتهم الخاصة.
أود التأكيد مرة أخرى على السبب الحقيقي في الحرب الهجينة التي يشنها “الغرب الجماعي” ضد روسيا، ألا وهو الجشع تحديدا، والحفاظ على قوتهم غير المحدودة، فهم لا يريدون لنا الحرية، لكنهم يريدون رؤيتنا كمستعمرة، إنهم لا يريدون تعاوناً ندّياً، وإنما يريدون السرقة، هم لا يريدون رؤيتنا كمجتمع حر، وإنما كحشد من العبيد بلا روح.
إن التهديد المباشر بالنسبة لهم هو فكرنا وفلسفتنا، وبالتالي فهم يتعدون على فلاسفتنا، فثقافتنا وفننا خطر عليهم، لذلك يحاولون منعهم. تنميتنا وازدهارنا يشكلان أيضاً تهديداً لهم، فالمنافسة آخذة في الازدياد، وهم لا يحتاجون إلى روسيا على الإطلاق، أما نحن فنحتاجها. (تصفيق).
أود أن أذكركم بأن الادعاءات بالسيطرة على العالم في الماضي قد تحطمت أكثر من مرة بسبب شجاعة وعزيمة شعبنا، وستظل روسيا دائما هي روسيا، وسنواصل الدفاع عن قيمنا ووطننا الأم.
إن الغرب يعتمد على الإفلات من العقاب، والإفلات من كل شيء. في الواقع، فقد أفلت كل شيء من بين يده حتى الآن، فالاتفاقات في مجال الأمن الاستراتيجي تذهب إلى سلة المهملات، إعلان عدم صحة الاتفاقات التي تم التوصل إليها على أعلى المستويات السياسية، والوعود الصارمة بعدم توسيع “الناتو” شرقاً، أصبحت خدعة قذرة، بمجرد أن صدقها زعماؤنا السابقون، أما معاهدات الدفاع المضاد للصواريخ والصواريخ متوسطة وقصيرة المدى فتم خرقها من جانب واحد تحت ذرائع واهية.
وكل ما نسمعه من جميع الأطراف هو أن “الغرب يؤيد النظام على أساس القواعد”، أين تلك القواعد؟ ومن رأى تلك القواعد؟ ومن وافق عليها؟ صدقوني إنها ليست سوى مجرد نوع من الهراء، والخداع المطلق، والمعايير المزدوجة أو الثلاثية بالفعل! إنها مصممة فقط للحمقى.
إن روسيا قوة عظمى عمرها ألف عام، وهي دولة حضارة، ولن تعيش بمثل هذه القواعد الخاطئة المزورة. (تصفيق)
إن ما يسمى بالغرب هو الذي داس على مبدأ حرمة الحدود، والآن يقرر، وفقاً لتقديره الخاص، من له الحق في تقرير المصير، ومن لا يستحقه. لماذا قرروا ذلك، ومن أعطاهم الحق؟ غير واضح. هم لأنفسهم.
لهذا كان اختيار السكان في شبه جزيرة القرم، وسيفاستوبول، ودونيتسك، ولوغانسك، وزابوروجيه، وخيرسون يسبب لهم غضباً شديداً. إلا أن الغرب ليس له أي حق أخلاقي في تقييم ذلك، ولا حق له في أن يتلعثم متحدثاً عن الحرية والديمقراطية. لا ولم يكن له أبداً!
إن النخب الغربية لا تنكر السيادة الوطنية والقانون الدولي فحسب، وإنما أيضا تتخذ هيمنتهم عليهما طابع واضح من الشمولية والاستبداد والفصل العنصري، فهم يقسّمون العالم بوقاحة إلى أتباعهم، أو ما يسمى بالدول المتحضرة، ثم إلى بقية العالم، الذين، وفقا لخطة العنصريين الغربيين اليوم، ينبغي أن يضافوا إلى قائمة البرابرة والمتوحشين. حتى تسمياتهم كاذبة: “دولة مارقة”، “نظام استبدادي”، نماذج جاهزة لوصم شعوب ودول بأكملها، ولا يوجد شيء جديد في هذا، فالنخب الغربية كانت وستظل دوماً هكذا: مستعمرون، يميزون ويقسّمون الشعوب إلى أصناف “أولى” و”أخرى”.
لم ولن نقبل مثل هذه القومية السياسية والعنصرية، وماذا يمكن أن يطلق على “الروسوفوبيا” (رهاب الروس) غير أنها توجه عنصري، ينتشر الآن في جميع أنحاء العالم؟ ما هي، إن لم تكن العنصرية، والاقتناع القاطع للغرب بأن حضارته وثقافته النيوليبرالية هي النموذج الذي لا جدال فيه للعالم بأسره؟ “من ليس معنا فهو ضدنا”. كم غريب يبدو هذا كله.
حتى التوبة عن جرائمهم التاريخية يتم تحويلها من قبل النخب الغربية إلى شماعة الآخرين، مطالبين مواطني بلدانهم والشعوب الأخرى بالاعتراف بما لا علاقة لهم به على الإطلاق، على سبيل المثال، في فترة الفتوحات الاستعمارية.
يجدر تذكير الغرب بأنه قد بدأ سياسته الاستعمارية في العصور الوسطى، ثم اتبعها بتجارة الرقيق العالمية، والإبادة الجماعية للقبائل الهندية في أمريكا، ونهب الهند، وإفريقيا، وحروب إنجلترا وفرنسا ضد الصين، ونتيجة لذلك اضطرت الصين إلى فتح موانئها لتجارة الأفيون. إن ما فعلوه هو وضع أمم بأكملها تحت أسر المخدرات، وتعمدوا إبادة مجموعات عرقية بأكملها من أجل الأرض والموارد، وقاموا بمطاردة حقيقية لأناس مثل الحيوانات. إنه أمر مخالف لطبيعة الإنسان والحقيقة والحرية والعدالة.
أما نحن، فنفتخر بأن بلادنا قادت الحركة المناهضة للاستعمار في القرن العشرين، وفتحت الفرص لعدد من شعوب العالم للتطور من أجل الحد من الفقر وعدم المساواة، والتغلب على الجوع والمرض.
أؤكد أن أحد أسباب “الروسوفوبيا” منذ قرون، والحقد غير المقنع لهذه النخب الغربية تجاه روسيا هو بالتحديد لأننا لم نسمح لأنفسنا بالسرقة خلال فترة الفتوحات الاستعمارية، بل أجبرنا الأوروبيين على التجارة من أجل المنفعة المتبادلة. تم تحقيق ذلك من خلال إنشاء دولة مركزية قوية في روسيا، طورت وعززت نفسها على أساس القيم الأخلاقية العظيمة للأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية، وعلى أساس الثقافة الروسية والكلمة الروسية المفتوحة للجميع.
من المعروف أن خطط التدخل في روسيا قد تم وضعها مراراً وتكراراً، وحاولوا استخدام كل الأوقات المضطربة في بداية القرن السابع عشر، وفترة الاضطرابات بعد العام 1917، وفشلوا. ومع ذلك، فقد تمكن الغرب من الاستيلاء على ثروة روسيا في نهاية القرن العشرين، عندما تم تدمير الدولة. ثم تم استدعاء أصدقاء وشركاء، لكنهم في الحقيقة عاملونا كمستعمرة، حينما تم سحب تريليونات الدولارات من البلاد بموجب مجموعة متنوعة من المخططات. كلنا نتذكر كل شيء، لم ننس أي شيء.
اليوم، قال المواطنون في دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيه كلمتهم، لصالح استعادة وحدتنا التاريخية. شكراً لكم! (تصفيق)
لقد دأبت الدول الغربية منذ قرون على تكرار أنها تجلب الحرية والديمقراطية للشعوب الأخرى. كل شيء هو عكس ذلك تماماً: فبدلاً من الديمقراطية، يجلبون القمع والاستغلال، بدلاً من الحرية، يجلبون الاستعباد والعنف، فالنظام العالمي أحادي القطب بأكمله هو بطبيعته مناهض للديمقراطية وليس حراً، إنه مخادع وكاذب حتى النخاع.
والولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت الأسلحة النووية مرتين، ودمرت هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. بالمناسبة، كانوا هم من وضع السابقة الأولى.
اسمحوا لي أيضاً بتذكيركم بأن الولايات المتحدة الأمريكية، جنباً إلى جنب مع البريطانيين، هم من حولوا دريسدن وهامبورغ وكولن وعدد من المدن الألمانية الأخرى إلى أطلال دون أي ضرورة عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تم ذلك بتحدٍ، وأكرر دون أي ضرورة عسكرية. كان ذلك لهدف واحد فقط: كما في حالة التفجيرات النووية في اليابان، لتخويف كل من بلدنا والعالم بأسره.
لقد تركت الولايات المتحدة الأمريكية بصمة رهيبة في ذاكرة شعبي كوريا وفيتنام من خلال “القصف البربري” الهمجي، واستخدام النابالم والأسلحة الكيمياوية.
وحتى الآن، تحتل الولايات المتحدة الأمريكية ألمانيا واليابان وجمهورية كوريا (الجنوبية) ودول أخرى، في نفس الوقت الذي يسمونهم بشكل ساخر حلفاء متساوين. فعن أي تحالف يدور الحديث؟ إن العالم أجمع يعرف أن قادة هذه الدول يخضعون للمراقبة، وأعلى القيادات في هذه الدول يركب لهم أجهزة استماع ليس فقط في مكاتبهم، وإنما في مبانيهم السكنية. إنه العار الحقيقي، عار على أولئك الذين يفعلون هذا، وعلى أولئك الذين يبتلعون مثل هذه الوقاحات بصمت وخنوع، مثل العبيد.
إنهم يسمون الأوامر والصياح الفظ والمهين لأتباعهم بالتضامن الأوروبي الأطلسي، وتطوير أسلحة بيولوجية وتجارب على الأحياء، بما في ذلك أوكرانيا، بالأبحاث الطبية النبيلة.
وبسبب سياساتهم المدمرة، وحروبهم ونهبهم، تسببوا في زيادة هائلة في تدفقات الهجرة اليوم، حيث يعاني ملايين الأشخاص من الحرمان وسوء المعاملة ويموتون بالآلاف في محاولاتهم الوصول إلى أوروبا ذاتها.
الآن يقومون بتصدير القمح من أوكرانيا، فإلى أين يتجه بحجة “توفير الأمن الغذائي لأفقر دول العالم”؟ أين تذهب تلك الشحنات؟ كل شيء يذهب إلى نفس تلك البلدان الأوروبية. تذهب إلى هناك، بينما 5% فقط ذهبت إلى أفقر دول العالم. مرة أخرى خداع آخر وكذب صريح.
إن النخبة الأمريكية، في واقع الأمر، تستخدم مأساة هؤلاء الناس لإضعاف منافسيهم، لتدمير الدول القومية. ينطبق هذا أيضاً على أوروبا، وينطبق أيضاً على هوية فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من الدول ذات التاريخ الطويل.
تطالب واشنطن بمزيد ومزيد من العقوبات ضد روسيا، ويوافق معظم السياسيين الأوروبيين بخنوع على ذلك، بينما يفهمون بوضوح أن الولايات المتحدة، تدفع من خلال تخلي الاتحاد الأوروبي الكامل عن ناقلات الطاقة الروسية والموارد الأخرى إلى تراجع التصنيع في أوروبا، والاستيلاء على السوق الأوروبية بالكامل، فهم يفهمون كل شيء، النخب الأوروبية تفهم كل شيء، إلا أنهم يفضلون خدمة مصالح الآخرين. لم يعد هذا مجرد خنوع، بل هو خيانة مباشرة لشعوبهم. لكن فلتصحبهم بركة الله، هذا شأنهم.
لكن العقوبات ليست كافية بالنسبة للأنغلوساكسون، فقد تحولوا إلى التخريب، أمر لا يصدق، لكنه حقيقي، فتنظيمهم للتفجيرات على خطوط أنابيب الغاز الدولية “السيل الشمالي”، التي تمتد على طول قاع بحر البلطيق، يعني البدء الفعلي لتدمير بنية الطاقة التحتية لأوروبا. وأصبح واضحا من المستفيد من ذلك، وأيا كان المستفيد، فهو من فعلها.
إن إملاءات الولايات المتحدة الأمريكية تقوم على القوة الغاشمة، على قانون القبضة. أحياناً ما يتم تغليف ذلك على نحو جميل، وأحياناً لا يتم تغليفها بالمرة، إلا أن الجوهر نفسه هو قانون القبضة. ومن هنا جاء نشر وصيانة مئات القواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم، وتوسع حلف “الناتو”، ومحاولات لتشكيل تحالفات عسكرية جديدة مثل “أوكوس” وما شابهها. كما يجري الآن العمل النشط لإنشاء رابط عسكري سياسي بين واشنطن وسيئول وطوكيو، أما الدول التي تمتلك أو تسعى لامتلاك سيادة استراتيجية حقيقية وقادرة على تحدي الهيمنة الغربية فيتم إدراجها تلقائياً في فئة الأعداء.
استناداً إلى تلك المبادئ، تبنى العقيدة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية و”الناتو”، ولا تطلب شيئاً أقل من الهيمنة الكاملة، بينما تقدم النخب الغربية خططها الاستعمارية الجديدة بنفس النفاق، حتى مع التظاهر بالسلام، إلا أنها تتحدث عن نوع من الاحتواء، وتتجول مثل هذه الكلمة الماكرة من استراتيجية إلى أخرى، لكنها في الواقع تعني شيئاً واحداً فقط، هو تقويض أي مراكز لتنمية سيادية.
لقد سمعنا بالفعل عن احتواء روسيا والصين وإيران. أعتقد أن دولاً أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى الشركاء والحلفاء الحاليين للولايات المتحدة الأمريكية، هي التالية في الصف. نحن نعلم أنهم يفرضون أيضاً عقوبات على حلفائهم، أيا كان ما لا يحبونه، أولاً ضد أحد البنوك، ثم ضد بنك آخر، الآن ضد شركة، ثم ضد شركة أخرى. إنها الممارسة نفسها، التي سوف تتوسع، فهم يستهدفون الجميع، بما في ذلك أقرب جيراننا، بلدان رابطة الدول المستقلة.
في الوقت نفسه، أصبح من الواضح أن الغرب كان يفكر بالتمني منذ فترة طويلة، ولهذا، وعند بدء حرب خاطفة ضد روسيا، اعتقدوا أنهم سيكونون قادرين مرة أخرى على بناء العالم بأسره تحت قيادتهم. ولكن، وكما اتضح فيما بعد، فإن مثل هذا الاحتمال الوردي لم يثر الجميع، ربما أثار بعض المازوخيين السياسيين والمعجبين بأشكال العلاقات الدولية غير التقليدية الأخرى، ورفضت معظم الدول “ابتلاع” ذلك، واختارت طريقاً معقولاً للتعاون مع روسيا.
من الواضح أن الغرب لم يتوقع منهم هذا التمرد، فقد اعتادوا على التصرف وفقا للقالب، وأخذوا كل شيء بوقاحة من خلال الابتزاز والرشوة والتخويف، وإقناع أنفسهم بأن هذه الأساليب ستنجح للأبد، كما لو كانت متحجرة ومتجمدة في الماضي.
إن هذه الثقة بالنفس هي نتاج مباشر ليس فقط للمفهوم سيء السمعة لاستثنائية الغرب، على الرغم من أن هذا الأمر بالطبع مثير للدهشة، ولكن أيضاً بسبب “شح المعلومات” الحقيقي في الغرب. فقد أغرقوا الحقيقة في محيط من الأساطير والأوهام والأخبار المزيفة، مستخدمين دعاية شديدة العدوانية، فأصبحوا يكذبون بفجاجة، مثل غوبلز. وكلما كانت الكذبة عصية على التصديق، كلما أسرعوا في تصديقها، وأصبحت تلك الطريقة التي يتصرفون بها، وفقاً لهذا المبدأ.
لكنك لا تستطيع إطعام الناس بالدولار واليورو والمطبوع، ومن المستحيل إطعام البشر بهذه القطع من الورق، ومن المستحيل تدفئة المنازل باستخدام الرسملة الافتراضية المتضخمة للشبكات الاجتماعية الغربية. كل هذا مهم، إلا أن ما أتحدث عنه هو أنك لن تتمكن من إطعام أي شخص بالنقود الورقية، فأنت بحاجة إلى طعام، ولن تقوم بتدفئة أي شخص بهذه الأحرف الكبيرة المتضخمة أيضاً، فأنت بحاجة إلى ناقلات الطاقة.
لهذا، أصبح واجباً على السياسيين في أوروبا إقناع مواطنيهم بتناول كميات أقل، والاغتسال مرات أقل، وارتداء ملابس أكثر دفئاً في المنزل، ومن بدأ في طرح أسئلة عادلة: “لماذا يحدث هذا في الواقع؟” يتم وصمهم على الفور بالأعداء والمتطرفين والراديكاليين. ويجعلون من روسيا شماعة لأخطائهم، فيقولون: ها هو مصدر كل مشاكلكم. مرة أخرى يكذبون.
ما أريد التأكيد عليه هو أن كل الأسباب أصبحت موجودة للاعتقاد بأن النخب الغربية لن تبحث عن طرق بناءة للخروج من أزمة الغذاء والطاقة العالمية، التي نشأت من خلال خطأهم، وبالتحديد من خلال خطاياهم، نتيجة سنوات عديدة من سياساتهم قبل وقت طويل من عمليتنا العسكرية الخاصة في أوكرانيا، في دونباس. إنهم لا ينوون حل مشاكل الظلم وعدم المساواة، فهناك خوف من استعدادهم لاستخدام وصفات أخرى مألوفة لديهم.
وهنا يجدر التذكير بأن الغرب خرج من تناقضات أوائل القرن العشرين من خلال الحرب العالمية الأولى، ثم سمحت أرباح الحرب العالمية الثانية للولايات المتحدة الأمريكية بالتغلب أخيراً على عواقب الكساد الكبير، وأن تصبح أكبر اقتصاد في العالم، لفرض قوة الدولار كعملة احتياطية عالمية. وحينما تفاقمت الأزمة الأخيرة في ثمانينيات القرن الماضي، تغلب الغرب عليها إلى حد كبير من خلال الاستيلاء على إرث وموارد الاتحاد السوفيتي، الذي كان ينهار ثم انهار في نهاية المطاف. تلك حقيقة.
الآن، ومن أجل تخليص أنفسهم من مجموعة متشابكة أخرى من التناقضات، يحتاجون إلى كسر روسيا وغيرها من الدول التي تختار مسار التنمية السيادي بأي ثمن من أجل نهب ثروات الآخرين بشكل أكبر وحل التناقضات وسد الثغرات على حساب ذلك. وإذا لم يحدث ذلك، فأنا لا أستبعد أنهم سيحاولون تدمير النظام بأكمله، حيث يمكن إلقاء اللوم على كل شيء، أو، لا قدر الله، استخدام الصيغة المعروفة أن “الحرب ستتكفل بكل شيء”.
إن روسيا تتفهم مسؤوليتها تجاه المجتمع الدولي، وستبذل قصارى جهدها لإعادة هؤلاء المتهورين إلى رشدهم.
من الواضح أن النموذج الاستعماري الجديد الراهن محكوم عليه بالفشل في نهاية المطاف، لكني أكرر أن أصحابه الحقيقيين سوف يتشبثون به حتى النهاية، فليس لديهم ببساطة ما يمكن أن يقدمونه للعالم، باستثناء الحفاظ على نفس نظام السرقة والابتزاز.
في الواقع، هم يبصقون على الحق الطبيعي لمليارات البشر، معظم البشرية، في الحرية والعدالة، وحقهم في تقرير مستقبلهم بأنفسهم. الآن انتقلوا تماماً إلى الإنكار الجذري للمعايير الأخلاقية والدين والأسرة.
دعونا نجيب على بعض الأسئلة البسيطة لأنفسنا، وأود العودة هنا إلى ما قلته، مخاطباً جميع مواطني بلدنا، ليس فقط للزملاء الموجودين في القاعة، وإنما جميع مواطني روسيا: هل نريد، هنا في بلادنا، في روسيا، أن نطلق على الأم والأب، “الوالد رقم 1″ و”رقم 2″ و”رقم 3” (لقد فقدوا رشدهم تماماً هنا بالفعل!)؟ هل نريد حقاً أن تفرض الانحرافات التي تؤدي إلى التدهور والانقراض على الأطفال في مدارسنا من الصفوف الابتدائية؟ أن يتم إحاطتهم علما بأنه من المفترض أن تكون هناك أجناس أخرى غير النساء والرجال، وأن يعرض عليهم عملية تغيير الجنس؟ هل نريد كل هذا لبلدنا وأطفالنا؟ بالنسبة لنا، كل هذا غير مقبول، فلدينا مستقبل مختلف.
أكرر أن ديكتاتورية النخب الغربية موجهة ضد كل المجتمعات، بما في ذلك شعوب الدول الغربية نفسها. إنه تحدٍ يواجه الجميع، ومثل هذا الإنكار الكامل للإنسان، والإطاحة بالإيمان والقيم التقليدية، وقمع الحرية، يكتسب سمات “الدين المعكوس”، شيطانية صريحة. لقد قال يسوع المسيح، في عظته على الجبل، مستنكراً الأنبياء الكاذبين: “من ثمارهم تعرفونهم” وتلك الثمار السامة واضحة للناس بالفعل، ليس فقط في بلادنا، وإنما في جميع البلدان، بما في ذلك بالنسبة لكثير من الناس، حتى في الغرب نفسه.
لقد دخل العالم فترة من التحولات الثورية، التي تحمل طبيعة جذرية، حيث يتم تشكيل مراكز تطوير جديدة، تمثل الأغلبية، وأصبحت أغلبية المجتمع الدولي مستعدة ليس فقط الإعلان عن مصالحها، وإنما لحمايتها، والنظر إلى التعددية القطبية كفرصة لتعزيز سيادتها، وبالتالي اكتساب الحرية الحقيقة، والمنظور التاريخي، والحق في الاستقلال والإبداع، والتطوير الأصيل، والعملية المتناغمة.
إن لدينا، كما قلت، كثيرون يشبهوننا في التفكير، في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كثيرون ممن نشعر بدعمهم. فحركة التحرير المناهضة للاستعمار، وضد الهيمنة أحادية القطب تتطور بالفعل داخل أكثر البلدان والمجتمعات تنوعاً، وسوف تنضج علاماته، وتلك ستكون القوة التي ستحدد الواقع الجيوسياسي في المستقبل.
الأصدقاء المحترمين!
إننا نكافح اليوم من أجل طريق حر وعادل، أولاً وقبل كل شيء من أجل أنفسنا، من أجل روسيا، من أجل أن تصبح الإملاءات والاستبداد من الماضي. وأنا على يقين من أن البلدان والشعوب تدرك أن السياسة القائمة على استثنائية أي من الأطراف، وقدرته على قمع الثقافات والشعوب الأخرى، هي سياسة إجرامية بطبيعتها، ويجب علينا طي هذه الصفحة المخزية. وانهيار الهيمنة الغربية الذي بدأ، لا عودة عنه. وأكرر مرة أخرى أن الأمور لن تعود كما كانت من قبل.
إن ساحة المعركة التي دعانا إليها القدر والتاريخ هي ساحة المعركة لشعبنا ولروسيا التاريخية العظيمة. (تصفيق)، من أجل روسيا التاريخية العظيمة، ومن أجل الأجيال القادمة، ومن أجل أطفالنا وأحفادنا وأحفادهم. علينا أن نحميهم من الاستعباد، من التجارب الوحشية التي تهدف إلى شل وعيهم وأرواحهم. إننا اليوم نكافح حتى لا يدور في خلد أحد في يوم من الأيام أن روسيا وشعبنا ولغتنا وثقافتنا يمكن أن تستثنى أو تحذف من التاريخ. اليوم، نحن بحاجة إلى توطيد المجتمع بأسره، وهذا التماسك الذي لا يمكن أن يقوم إلا على السيادة والحرية والإبداع والعدالة. فقيمنا هي الإنسانية والرحمة والتعاطف.
وأريد أن أنهي حديثي بكلمات الوطني الحقيقي، إيفان إيلين: “إذا كنت أعتبر روسيا وطني، فإن ذلك يعني أنني أحب بالروسية، وأفكر وأدرك بالروسية، وأغني وأتحدث بالروسية، وأؤمن بقوة روح هذا الوطن، روحه هي روحي، وقدره هو قدري، ومعاناته مصدر تعاستي، وازدهاره مصدر سعادتي”.
إن وراء هذه الكلمات، خيار روحي عظيم، اتبعته أجيال وراء أجيال من أجدادنا لأكثر من ألف عام من تاريخ الدولة الروسية. اليوم، نقوم نحن أيضاً بهذا الاختيار، وقد اتخذه مواطنو جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين وسكان منطقتي زابوروجيه وخيرسون، الذين اختاروا أن يكونوا مع شعبهم، ومع وطنهم الأم، وأن يعيشوا مصيره، وأن ينتصروا معه.
الحق معنا، وروسيا سندنا
 
 
 
 
 
 
 
الحرب في أوكرانيا: انتقادات دولية بعد إعلان بوتين ضم مناطق لروسيا
 
وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قرار ضم أربع مناطق من أوكرانيا، على الرغم من الانتقادات الدولية لهذه الخطوة.
وفي خطاب حماسي معاد للغرب في الكرملين، أعلن بوتين أن الموجودين في هذه الأقاليم “مواطنون روس إلى الأبد”.
وجاء ذلك بعد ساعات من إعلان أوكرانيا أن صواريخ روسية ضربت عددا من السيارات المدنية في زاباروجيا، وهو ما نجم عن ذلك مقتل 25 شخصا وأصيب أكثر من 60 آخرين.
وقال الرئيس الروسي، في خطاب ألقاه أمام المئات من كبار الشخصيات في قاعة سان جورج في الكرملين: “إنها إرادة الملايين من الناس”.
وفي كلمته التي قاطعها مرارا تصفيق الحضور، حث بوتين أوكرانيا على وقف الأعمال العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات.
ويأتي ذلك بعد ثلاثة أيام من انتهاء عمليات تصويت وصفت بأنها “استفتاءات” نظمت على عجل.
ويزعم مسؤولون موالون لموسكو في تلك المناطق أنّ نتيجتها جاءت لصالح الانضمام لروسيا بنسبة 99 في المئة من الأصوات.
عقب إعلان بوتين ضم المناطق، قال المجلس الأوروبي الذي يضم زعماء الاتحاد الأوروبي: “نرفض وندين بشكل قاطع” ضمّ الأراضي روسيا للمناطق الأوكرانية، وأضاف أنه لن يكون لذلك أي أثر قانوني.
وقال المجلس الأوروبي إن روسيا انتهكت “بشكل صارخ” “الحقوق الأساسية لأوكرانيا في الاستقلال”.
وأكّد عدم الاعتراف “بهذا الضمّ غير القانوني”، وعن الوقوف “بحزم” إلى جانب أوكرانيا.
كما أعلن المجلس الأوروبي عن تشديد “عقوباته” على روسيا.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن هذه الخطوة لن تغير أي شيء، وإن جميع الأراضي “التي احتلها الغزاة الروس بشكل غير قانوني هي أراض أوكرانية”.
ووصفت أوكرانيا التصويت بأنه زائف وغير شرعي، وأنه جرى تحت تهديد السلاح.
وأعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنه يطلب عضوية سريعة في حلف الناتو.
وفي منشور على تيلغرام قال زيلينسكي: “لقد أثبتنا بالفعل توافقنا مع معايير التحالف. ونحن نتخذ خطوة حاسمة بالتوقيع على طلب أوكرانيا التعجيل بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي”.
وكانت كييف تعهدت باستعادة كامل الأراضي التي استولت عليها الروس، وقالت إن قرار روسيا ضمّ الأراضي، قضى على أي فرصة لإجراء محادثات.
وأدان الرئيس الأمريكي جو بايدن ما وصفه بأنه محاولة روسيا “الاحتيالية” لضم أربع مناطق في أوكرانيا، وقال إنها تنتهك القانون الدولي.
وقال بايدن في بيان “روسيا تنتهك القانون الدولي وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة وتظهر ازدراءها للدول السلمية في كل مكان”.
وأضاف أن الولايات المتحدة “ستحترم دائما حدود أوكرانيا المعترف بها دوليا”.
وأكد أن الولايات المتحدة “سنواصل دعم جهود أوكرانيا لاستعادة السيطرة على أراضيها من خلال تقويتها عسكريا ودبلوماسيا، بما في ذلك من خلال 1.1 مليار دولار من المساعدات الأمنية الإضافية التي أعلنتها الولايات المتحدة هذا الأسبوع”.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على روسيا.
وقال وزير الخارجية البريطاني، جيمس كليفرلي، إن بريطانيا ستزيد من العقوبات على روسيا بعد الضم “غير الشرعي”.
وأضاف أن الإجراءات الجديدة ستحد من وصول روسيا لمؤسسات تجارية كبيرة وخدمات المعاملات ومنع تصدير 700 سلعة أساسية في عمليات التصنيع.
وفي إيطاليا، قالت جورجيا ميلوني – التي فاز حزبها الذي يمثل أقصى اليمين بالانتخابات العامة في إيطاليا الأسبوع الماضي – إن بوتين “يمثل مرة أخرى الإمبريالية الجديدة، التي تضاهي الأسلوب السوفياتي، والذي يهدد أمن القارة الأوروبية بأكملها”.
وأدانت ماغدالينا أندرسون، رئيسة الوزراء السويدية، ضم الأراضي الأوكرانية الذي رأته “غير شرعي” ووصفت الخطوة الروسية بـ”المسرحية الهزلية تماما”.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى