أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

حاشية عباس: لم يأت على ذكر النكبة “عرضاً” في الأمم المتحدة

بقلم: جاكي خوري

هآرتس

خطاب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في الجمعية العمومية للأمم المتحدة كان عاطفياً بشكل أساسي. فالزعيم الذي كان حاضراً في جميع مفترقات الطرق المهمة للشعب الفلسطيني، بدءاً من النكبة في 1948 ومروراً بالنكسة في 1967 وانتهاء باتفاقات أوسلو في 1993، وقف فوق منصة الجمعية العمومية وتوسل للعالم مرة تلو الأخرى: “كفى للاحتلال”.

 سُمع أبو مازن بوضوح وتركيز، ولكن ظهرت في خطابه علامات الشيخوخة مثل التنفس بشكل ثقيل، إلى جانب العصبية والسخرية التي تميز الأشخاص المسنين الذين ملوا من ترديد الرسائل نفسها. كل من شاهد رئيس السلطة الفلسطينية وهو يلقي خطاباته في الـ 17 سنة الأخيرة لاحظ أن محمود عباس ابن الـ 87 يتحدث بلهجة مختلفة. أقواله عبرت عن مقاربة لشخص أصبح لا يثق ما إذا كان سيقف على نفس المنصة في السنة القادمة.

لذلك، اختار محمود عباس صيغة الاستعراض الشامل للقضية الفلسطينية، التي تحدث من خلالها إلى قلوب الفلسطينيين كزعيم يتمسك بمبادئهم الوطنية. وفي الوقت نفسه، توجه إلى زعماء الدول العربية وزعماء المجتمع الدولي، وأوضح بأن لا أحد يمكنه فرض حل يخالف هذه المبادئ على الفلسطينيين، سواء كان اسمه ياسر عرفات أو محمود عباس أو من سيأتي بعدهما.

في خطابه، ذكر رئيس السلطة خطة التقسيم والقرار 181 وأحداث النكبة والوضع في المناطق المحتلة بالضفة الغربية والقطاع، واتفاقات أوسلو وتداعياتها. لامس هذا الاستعراض كل تفصيلة مهمة في الرواية الفلسطينية، بما في ذلك مشكلة اللاجئين والقرار 194 بشأن قرار العودة، وقضية السجناء والالتزام الفلسطيني بهم، وبالطبع قضية القدس والأماكن المقدسة. لم يقفز عباس عن قضية قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة في جنين في أيار الماضي.

في رام الله أكدوا أن بروز ذكر النكبة في الخطاب لم يكن بالصدفة؛ ففي السنة القادمة سيحتفلون في القدس بمرور 75 سنة على الاستقلال، وفي فلسطين سنؤكد على النكبة، هذا ما قالته حاشية محمود عباس. إذا لم يريدوا التحدث عن 1967، فسنتحدث عن 1948. وإذا لم تكن هناك دولتان، فلتكن دولة واحدة.

إضافة إلى ذلك، رغم أن أبو مازن ظهر يائساً وغاضباً، فإنه لم يحطم الأدوات. إلى جانب الإعلان عن انضمام الفلسطينيين لمنظمات دولية أخرى، كرر التهديد بإلغاء الاعتراف بإسرائيل، لكنه لم يحدد موعداً لذلك. ما زال موقفه الواضح من الكفاح المسلح ساري المفعول، أوضح. “نحن معكم”، قال للحضور في قاعة الجمعية العمومية. “سنحارب الإرهاب ولن نعود إلى السلاح”. إضافة إلى ذلك، طلب تقريراً من محكمة الجنايات الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة.

لم تكن هناك أي عناوين سياسية صاخبة أو مفاجئة في أقوال عباس. المواطن الفلسطيني في الضفة أو في غزة، وحتى في مخيمات اللاجئين في دول المنطقة، لم يجد في أقواله جديداً، إنما وصف لواقع بائس نتيجة مظالم الاحتلال ونظام الأبرتهايد. في الحقيقة، فضل أبو مازن النغمة الإيجابية بخصوص تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الحكومة الإسرائيلية يئير لبيد، حول حل الدولتين. ولكن من مثله يعرف أن الفلسطينيين قد شبعوا من الأقوال والتصريحات وينتظرون الأفعال. من ناحيته، لا حاجة إلى خطة سياسية جديدة أو مسار آخر وخريطة طريق. كل هذه الأمور على الطاولة، والمطلوب قرار استراتيجي من إسرائيل والمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لإنهاء النزاع وليس إدارته.

المقاومة الجديدة ومآلات التغيير في الواقع الفلسطيني

تواجه الاجتياحات العسكرية الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية مقاومة فلسطينية مسلّحة يقودها شباب لا يشيديون بأي انتماء حزبي أو تنظيمي. ومن شأن أفعال المقاومة هذه أن تُعيد رسم الواقع السياسي في الضفة الغربية، في مواجهة سلطة فلسطينية باتت دون جدوى، كما يقول معز كرَّاجة(*).  استحوذت الضفة الغربية خلال الأسابيع الماضية على اهتمام الإعلام العربي والإسرائيلي على حدٍ سواء، فقد صدرت تحليلات كثيرة تشير إلى تحولات ميدانية متسارعة وغير مسبوقة قد تؤدي إلى ما أسموه “انفجاراً كبيراً”، وتعالت أصوات في الأوساط الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية تحذّر من “خسارة الاستقرار” في الضفة الغربية. كما عقدت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى لقاءات خاصة حول هذه المسألة مع “مستشار الأمن القومي الإسرائيلي” وشخصيات عسكرية. التحول الأبرز وراء كل هذه التحليلات والمخاوف هو تنامي واتساع مساحة مقاومة الاحتلال، خاصة بشكلها المسلّح، والتي قد تؤدي في النهاية إلى مواجهة شعبية واسعة. تخوفات نجد ترجمتها العملية في إطلاق إسرائيل لعملية “كاسر الأمواج” العسكرية في بداية شهر أبريل/نيسان 2022، حيث لا يمرّ يوم دون مداهمات واعتقالات وتصفيات جسدية، ولعلها الأعنف والأطول منذ عملية “السور الواقي” عام 2000، التي أعاد فيها رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون اجتياح مدن الضفة وحاصر ياسر عرفات في مقره في رام الله. لا شك أن الضفة الغربية تشهد تحولاتٍ نوعية، وهي مرشحة للخروج من حالة “الاستقرار النسبي”، لكن علينا فهم هذه التحولات وتأطيرها ضمن سياقها العام والتاريخي التراكمي. فهي ليست وليدة اللحظة؛ ولا يمكن أن تكون؛ وبالتالي من المهمّ استحضار السياق كاملاً لتحقيق فهم أعمق لدلالات ما يحدث، بعيداً عن إغراء الحدث المباشر وسهولة التعاطي معه في حدود الراهن. تعيش الضفة الغربية في حالة حراك وتحولات واسعة ومترابطة سياسياً ووطنياً واقتصادياً منذ أكثر من عشرة أعوام على الأقل. رغم ذلك، يبدو أننا على أعتاب مرحلة مختلفة ذات سماتٍ خاصة، قد يقود انفجارها المُرتقب إلى تحوّل عميق في الواقع السياسي السائد والمهيمن منذ ثلاثة عقود، على عكس نمط الهبَّات السابقة التي سُرعان ما تنتهي ضمن حدود الواقع دون الخروج عنه تماماً. وربما هذا أيضاً الذي دفع الاحتلال بداية آب/أغسطس 2022 للمبادرة بالاعتداء على قطاع غزة وخوض مواجهة معه، في محاولة منه للحد من تأثير مقاومة غزة على ما يحدث في الضفة. وعليه، فإن الأهم من سؤال متى يقع الانفجار، هو محاولة فهم هذه المرحلة وسماتها الخاصة وأثرها المحتمل على الواقع السياسي المهيمن ومآلات التغيير فيه. فراغ ما بعد الانتفاضة الثانية لم تغب المقاومة بأشكالها المختلفة عن الضفة الغربية طوال العقود الثلاثة الماضية، أي منذ إنشاء السلطة الفلسطينية والدخول في “مسار السلام”، إذ شهد عقد التسعينيات عدَّة هبّات شعبية مثل هبَّتي “النفق” و”الأسرى”. كما تجلَّت المقاومة بشكلها المسلح آنذاك في نمط العمليات التفجيرية في العمق الإسرائيلي وخاصة من قبل حركة حماس، ثم جاءت المواجهة الأكبر والأشمل المتمثلة في الانتفاضة الثانية والتي شاركت فيها كل القوى السياسية بما فيها حركة فتح والقوى الأمنية للسلطة الفلسطينية. بعد الخروج من تلك الانتفاضة ساد الهدوء عدة سنوات، لكن سُرعان ما عادت الهبَّات والحراكات الشعبية من جديد، تحديداً بعد العام 2011، وقد ظهر معها هذه المرة نمط العمليات الفردية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “عمليات الذئاب المنفردة”. بينما شكَّل عام 2014 الانعطافة الأبرز في تنامي وتوالي تلك الهبّات والعمليات، حتى انبثق عنها شكل المقاومة الحاليّ المتمركز في جنين ونابلس والآخذ بالتوسع تدريجياً، كما هو واضح، في مناطق أخرى من الضفة. لم يأت ظهور نمط “العمليات الفردية” من فراغ بقدر ما جاء لسدّ الفراغ الميدانيّ الذي خلفته الانتفاضة الثانية، حيث أُنهكت الأحزاب السياسية وتعرَّضت لضربات موجعة، وأُغتيل منها قيادات سياسية وميدانية وازنة، ثم جاء الانقسام السياسي ليساهم في تغييب حركة حماس عن الضفة الغربية، في حين تعرّضت “كتائب شهداء الأقصى” للتفكيك بوسائل وسياسات مختلفة. جاء هذا كلّه الى جانب طبيعة المرحلة السياسية والاقتصادية والأمنية التي دُشنت في أعقاب الانتفاضة وغياب عرفات. لذلك كان من الطبيعي أن تدخل الضفة في حالة “السكون” و”الاستقرار” لسنوات. لكن كان من الطبيعي أيضاً أن يفرض وجود الاحتلال الحاجة للمقاومة، حيث تبلور تدريجياً نمط “المقاومة الفردية” و”غير الحزبية”، والحراكات الشعبية والشبابية، كتعبير عن غياب الأطر التنظيمية، بمعنى أن الشارع تولَّى مهمة الدفاع عن نفسه بنفسه. فالشعوب تحت الاستعمار هي مصدر المقاومة قبل أن تكون حاضنتها، ولعلَّ هذا السياق هو الذي يفسر اليوم كون المقاومة في الضفة الغربية “عابرة للأحزاب” كما يصفونها. احتضار منظومة “أوسلو” يتضح من هذا السرد السريع والمختصر لمسار المقاومة أنها لم تنقطع أبداً في الضفة الغربية ولا في أية مرحلة، ما يعني أن العامل المختلف فيما يجري في السنوات العشر الأخيرة وصولاً الى هذه اللحظة ليس تنامي الفعل المقاوم بحدّ ذاته، وإنما الظرف الموضوعي المتمثل في النظام السياسي الفلسطيني القائم، وعموم الحالة السياسية التي يجري تحت ظلّها فعل المقاومة. هذا الظرف هو الذي اختلف بشكل جوهري، وهو الاختلاف الذي يُكسب المرحلة الحالية مواصفات خاصة، كما يُكسب الفعل المقاوم إمكانات أكبر قد تجعله قادراً على تغيير جوهري في مرحلة سياسية ثقيلة على حياة الفلسطينيين عمرها ثلاثة عقود. وهذا أكثر ما يقلق إسرائيل والسلطة الفلسطينية. لم تغب المقاومة بأشكالها المختلفة عن الضفة الغربية طوال العقود الثلاثة الماضية… الهبَّات والحراكات الشعبية بعد العام 2011 ظهر معها نمط العمليات الفردية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “عمليات الذئاب المنفردة” قبل ثلاثة عقود، تولّدت منظومة فلسطينية تتمتع بعناصر قوة كثيرة، والمنظومة هنا ليست فقط مؤسسة السلطة الفلسطينية، وإنما معظم البنية المؤسساتية الأهلية والمدنية والبيئة الثقافية التي رافقتها ونتجت عنها، والمحكومة بشرط “عملية السلام” واتفاقيات “أوسلو” و”خطاب الدولة”. فقد كانت تتمتع بدعم دولي حكومي ومدني لا حدود له، وبالتفاف عربي رسمي. وحتى على صعيد شعبي، سادت قناعة لدى قطاعات واسعة من الناس أن هذه المنظومة قد تأتي لهم بما يتطلعون إليه، سواء على صعيد حقوقهم الوطنية أو المعيشية، أو على الأقل لنقل كان لديهم أمل ما. هذا يعني أن المقاومة والهبَّات الشعبية كانت تأتي في ظلّ عملية بناء ضخمة لمرحلة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني، ولهذا كانت تظهر دائماً وكأنها خارج السياق، أو فعل محدود يدور في الهامش، بينما المركز مستمر في الهيمنة. وهذا أيضاً من الأسباب التي حصرت الضفة الغربية في صورة ذلك المكان الخاضع والمتماهي مع المشروع السياسي القائم والأكثر تأثراً به، خاصة بعد الانقسام وتبلور نمط المقاومة الحالي في قطاع غزة. على صعيد إسرائيلي، لم يُنظر إلى الفعل النضالي المقاوم في تلك الفترة كما يُنظر إليه اليوم، فهو لم يصل إلى مستوى قد يهدد فيه ما تم بناؤه والخروج عليه بالكامل، وذلك ليس بسبب ضعف المقاومة أو غيابها في حينه، بقدر ما هو بسبب قوة المنظومة ورسوخها داخلياً وتمتّعها بقوة مادية وبحاضنة ثقافية؛ أي بسبب طبيعة الظرف الموضوعي. أكثر ما يدلُّ على ذلك هو وقوع الانتفاضة الثانية ومقتل ياسر عرفات، ذلك أن هذين الحدثين المركزيين كانا كفيلين بانهيارٍ كامل لتلك المرحلة والعودة إلى نقطة الصفر. فالانتفاضة عبّرت عن كسر قواعد “أوسلو” من جهة، فيما غياب عرفات كان بمثابة غياب عامود هذا المشروع على الصعيد الفلسطيني. لكن إسرائيل أعادت اجتياح مدن الضفة الغربية بتوافق دولي، وتخلصوا من عرفات وهم على ثقة بأنهم قادرون على المحافظة على قواعد اللعبة كما هي، مع إجراء بعض التعديلات التي تناسبهم. وهذا ما حصل فعلاً، حيث تمت إعادة إنتاج المرحلة السياسية واستئنافها تلقائياً، بما فيها إعادة إنتاج مؤسسة السلطة الفلسطينية بعد أن تم تدميرها مادياً ومعنوياً. على الرغم من أهمية ومركزية العامل الدولي وحتى الإسرائيلي في المحافظة على المرحلة السياسية والواقع القائم كما هو طوال الثلاثة عقود الماضية، إلا أن العامل الأهم في تقديري هو محلي داخلي يتعلق بالسياق السياسي والاجتماعي العام؛ طبعا مع الإقرار دائماً بجدلية العلاقة بين العوامل دون الفصل التام بينها. فالسلطة الفلسطينية استطاعت طوال تلك المرحلة أن تخلق لنفسها شرعية ما أو مبرر وجود في الوعي الشعبي الفلسطيني. كان ياسر عرفات بتاريخه والكاريزما التي يتمتع بها والثقة الكبيرة به، قادراً على إعطاء صبغة وطنية لكل ما يحدث ولكل ما يُبنى، واستطاع دائماً بخطابه وسياساته وطبيعة تعامله مع مكونات المجتمع والسياسة أن يعزز تلك القناعات وذلك الشعور لدى الناس، وأن يجعل منهم حاضنة لمشروعه السياسي. بالتوازي مع ذلك، كانت حركة فتح حتى وقت قريب؛ وهي قلب تلك المنظومة وقيادتها؛ قوية ومتماسكة ولها حضورها في الشارع، وقادرة على اختراقه واحتوائه بوسائل كثيرة، لدرجة استطاعت تجاوز غياب مؤسسها بسهولة. المجتمع الفلسطيني يعيش مرحلة انتقالية ما بين تفكك وتحلل ما كان قائماً ومهيمناً، وما بين محاولة بناء وبلورة ما هو جديد… مرحلة في ظاهرها أقرب إلى الفوضى، بينما هناك نظامٌ خاص يحكمها على صعيد أوسع من حدود السلطة الفلسطينية وحركة فتح، كان هناك حضور قوي لخطاب عام تقوده قطاعات واسعة من المجتمع وقواه الثقافية ومؤسساته الأهلية والمدنية، يتحدث عن التنمية وبناء المؤسسات والديموقراطية وغيرها من مفاهيم “الدولة”، وهو الخطاب الذي مثل امتداداً معنوياً للسلطة ومبرراً ضمنياً لوجودها، كما مثل تطبيعاً ما في الوعي العام لكامل المرحلة التي دخلتها القضية الوطنية مع مشروع “أوسلو”. وقد استطاع بذلك حتى وقت قريب، إغراء واستقطاب قطاع واسع من جيل الشباب على وجه الخصوص، هذا الجيل الذي أصبح في المرحلة الراهنة يثير المخاوف لأنه هو من يُعيد ليس فقط بلورة المقاومة في الضفة الغربية، وإنما يُعيد أيضاً ترميم وتشكيل الخطاب الوطني التحرري النقيض لخطاب الدولة. إقرأ على موقع 180  إنتخابات 2022: لبنان على أبواب حرب أهلية! تهديد للمركز شهد الظرف الموضوعي في العقد الأخير جملة تحوّلات عميقة أفقدت المنظومة القائمة وفي قلبها السلطة الفلسطينية عناصر قوتها التي لطالما تمتعت بها. فأصبح من الدارج اليوم استخدام الإعلام والمحللين السياسيين لمصطلح “ضعف السلطة الفلسطينية”، في إشارة لأثر تلك التحولات عليها. ولكن حتى هذا التوصيف لا يُعبر بالدقة اللازمة عن الواقع، فنحن وصلنا إلى ما يمكن تسميته “انتهاء جدوى السلطة”، حيث لم يعد لديها شرعية أو مبررات وجود تستند عليها. على صعيد المشروع السياسي المتمثل في “حل الدولتين”، وهو مبرر وجودها الأول، فقد انتهى أولاً على أرض الواقع بفعل السياسات الإسرائيلية المتمثلة بالاستيطان والاستحواذ على الأرض وإعادة هندستها بالطرق الالتفافية والجدار والحواجز العسكرية المركزية، لتخدم في النهاية وجود دولة استيطانية تتمتع بامتداد جغرافي متواصل حتى أقصى نقطة في الضفة الغربية. ثانياً، يبدو أن هذا المبرر انتهى حتى على صعيد استخدامه في الخطاب السياسي الدولي. لننظر مثلاً كيف يزور الرئيس الأميركي جو بايدن بيت لحم بدل “مقر الرئاسة” في رام الله، لدقائق معدودة، ويقدم “مساعدات إنسانية” بدل الحديث في السياسة، ويرفض استخدام مصطلح “التزام أميركا بحل الدولتين”، مؤكداً بذلك سُنَّة سلفه دونالد ترامب. ولهذا أيضاً غابت عن المشهد السياسي المفاوضات والمؤتمرات الدولية ولجنة الرباعية الدولية والزيارات المكوكية لـ”مبعوث عملية السلام” ومؤتمرات المانحين وخطط “بناء مؤسسات الدولة” و”التنمية”. كل ذلك أصبح من أرشيف مؤسسة فشلت في تحقيق “مشروعها السياسي”. ضمن هذا الإطار نفهم “صفقة القرن” التي جاءت للإعلان الضمني عن نهاية “حل الدولتين” واتخاذ مسار بديل لا مكان فيه “للحلول السياسية”. ضعف السلطة الفلسطينية”… توصيف لا يُعبر بالدقة اللازمة عن الواقع، فنحن وصلنا إلى ما يمكن تسميته “انتهاء جدوى السلطة”، حيث لم يعد لديها شرعية أو مبررات وجود تستند عليها هذا لا يعني أن المجتمع الدولي أو إسرائيل قد تخلوا عن السلطة الفلسطينية كمؤسسة أو أنهم فقدوا الحاجة لوجودها، وإنما باتوا يتصرفون على أساس أن السلطة الموجودة اليوم لها هوية جديدة لا علاقة لها بالهوية التي وُلدت بها قبل ثلاثة عقود، حيث انفصلت عن مشروعها السياسي وتحولت لمجرد مؤسسة تدير شؤون الناس اليومية من جهة، وملزمة بـ”ضبط الأمن” من جهة أخرى. ويبدو أن السلطة الفلسطينية نفسها تدرك هويتها الجديدة وواقعها الجديد وتتصرف وفقهما، لذلك هربت من فشل “المشروع السياسي” إلى مربع جديد يتمثل في “معركة” الانضمام إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، في محاولة لإيجاد مبرر بديل. من المهم الإشارة هنا إلى أن “انتهاء الجدوى السياسية للسلطة” قد بدأ مساره فعلياً مع الانتفاضة الثانية، التي كانت بمثابة الإعلان عن فشل الحل السياسي. ولذلك تم تغليف المرحلة السياسية التي أعقبتها بخطاب “الجدوى الاقتصادية”، وهي المرحلة التي سُميت بـ”الفياضية” (نسبة إلى رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض)، وقد كُتب عنها الكثير. ويبدو أن هذه الجدوى أيضاً قد انتهت، فإذا نظرنا إلى واقع الشارع اليوم، سنجد أن الدافع الأول وراء حراكاته وإضراباته النقابية واحتجاجاته المستمرة ضد السلطة الفلسطينية هو اقتصادي معيشي، فقد خلفت السنوات الماضية فجوة طبقية وظلماً اجتماعياً لدرجةٍ أسست لعلاقة صدام بين السلطة والشارع، باتت اليوم أكثر وضوحاً واستمرارية. لذلك وفي ظل افتقارها لعناصر قوتها التقليدية، وافتقارها لأي خطاب يمكن أن تخترق به الشارع وتحتويه، أخذت السلطة الفلسطينية تميل أكثر فأكثر إلى “الحلول الأمنية” في التعامل مع الناس، وتتغوَّل في حياتهم وحقوقهم بشكل غير مسبوق، وفقاً لعديد التقارير الصادرة عن مؤسسات مختصة. وبذلك نكون قد دخلنا حلقة مغلقة، حيث زيادة التغول والفساد والفوضى والقمع يزيد من وتيرة الرفض والاحتجاج، والعكس صحيح. وهذا تضاد يعني أن الواقع السياسي فقد صفة الاستقرار، بالتالي فإن وقوع “انفجار كبير” أو توسع المقاومة بأشكالها المختلفة سيُهدد بالضرورة مجمل الواقع السياسي القائم وفي قلبه السلطة الفلسطينية. وهنا لم تعد المقاومة فعلاً يجري في الهامش بقدر ما أصبحت تهدد المركز. من جنين إلى نابلس ضمن هذا السياق الطويل والشائك، يمكن فهم العلاقة بين المركز والهامش اليوم، حيث إن إعادة بلورة المقاومة في الضفة الغربية وتطوّر أشكالها على يد الجيل الجديد من الشباب، في ظل منظومة سياسية ضعيفة تفتقر لحاضنة شعبية، يعني بالضرورة أن أية مواجهة مع الاحتلال سيكون لها انعكاساتها المباشرة على مجمل الحالة الفلسطينية الداخلية. وهذا هو المختلف عن الفعل المقاوم ومجمل الهبات الشعبية خلال العقود الماضية. لم يعد هنالك مركز سياسي قادر على احتواء المواجهة، بل واستثمارها كما كان يحصل في بعض الأحيان، كما لم يعد هنالك “بديل سياسي” يشكل حداً لأية مقاومة. بمعنى آخر، باتت مقاومة الاحتلال تدور الآن في فراغ سياسي، وبالتالي فهي لم تعد مقاومة مجردة بقدر ما أصبحت بديلاً بحد ذاته. فالهامش هنا قد يصبح هو المركز. “صفقة القرن” جاءت للإعلان الضمني عن نهاية “حل الدولتين” واتخاذ مسار بديل لا مكان فيه “للحلول السياسية” قد نجد بعض الدلائل على هذا الطرح، في طبيعة المقاومة المتمركزة في جنين ونابلس. فهي بدأت تشكل حالة وطنية فوق حزبية، لها قياداتها ورموزها الشابة الخاصة بها والتي صنعها الميدان، حتى أن بعض هذه الرموز والقيادات الشابة تنتمي لأسر لها مناصب قيادية في الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وهذا بحد ذاته مؤشر على درجة استقلالية هذه الظاهرة النضالية عن المنظومة الرسمية ومجمل المرحلة السابقة ووعيها وخطاباتها. وبفضل هذه السمات جميعها، أخذت هذه الظاهرة تستقطب اهتمام الشارع الفلسطيني وتحوز على ثقته، أي بدأت تشكل لنفسها حاضنة شعبية. وهذا لا شك يشكل تهديدا للمنظومة السياسية القائمة، التي لن تقبل هذا التمدد لبديل يسلبها الشارع قبل أي شيء. بالتالي قد تؤدي هذه المعادلة ما بين ظاهرة نضالية تتوسع ومنظومة سياسية تنكفئ إلى صدام بينهما، ولعل المواجهات التي اندلعت في نابلس قبل أيام قليلة بين جماعات مسلّحة والسلطة الفلسطينية مؤشر كبير على ذلك. هذا الصدام ستكون السلطة هي الخاسرة فيه، ليس بالضرورة بالمعنى المادي للخسارة بقدر ما هو بالمعنى المعنوي، خاصة في ظل وجود مزاج شعبي رافض لها، وفي ظل حراكات نقابية وشعبية مازالت قائمة. لن تستطيع السلطة بأي شكل من الأشكال تحمّل الخسارة التي ستنتج عن صدام محتمل مع الجيل الجديد من الشباب، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي، وهذا بحد ذاته يعني أن المرحلة السياسية القائمة منذ ثلاثة عقود قد وصلت إلى نهايتها وباتت مفتوحة على احتمالات جديدة. وهذا هو ما يجعل للضفة الغربية والمقاومة فيها أهمية خاصة تختلف عن أهمية المقاومة في قطاع غزة، فهي الأقدر على التأثير العميق في الواقع السياسي. المقاومة الجديدة تشكل حالة وطنية فوق حزبية… تستقطب اهتمام الشارع الفلسطيني وتحوز على ثقته، أي بدأت تشكل لنفسها حاضنة شعبية. وهذا يشكل تهديداً للمنظومة السياسية القائمة كل ما سبق توصيفه يعني أن المجتمع الفلسطيني اليوم يعيش مرحلة انتقالية ما بين تفكك وتحلل ما كان قائماً ومهيمناً، وما بين محاولة بناء وبلورة ما هو جديد. لذلك تبدو هذه المرحلة في ظاهرها أقرب إلى الفوضى، بينما هناك نظامٌ خاص يحكمها. وهي مرحلة تتشابه وتتقاطع بشكل أو بآخر مع السنوات التي أعقبت النكبة مباشرة، حيث ترك الشعب خلفه أحزاباً وقوى اجتماعية وبُنى اقتصادية قد تفكَّكت واندثرت، وأصبح أمامه فراغ أخذ يمتلئ تدريجياً عبر جدلية شاقة بين مكونات وعناصر واقع جديد. إن المقصود من مقولة العيش في مرحلة ظاهرها فوضى وباطنها محكوم بنظام خاص، هو أن عملية البناء التي تعقب تحلّل وتفكّك مرحلة ما، لا تتم بالضرورة بوعي مسبق ولا عبر قوى اجتماعية وسياسية قائمة وقادرة، وإنما الممارسة اليومية في الميدان والجدل بين مكونات الواقع هو الذي يتولى مهمة تخليق الجديد. إنها عملية ممارسة السياسة من أسفل الى أعلى. لذلك، كلّ حراك ونشاط واحتجاج في الميدان اليوم هو عملية تشكيل بطيء لقوى اجتماعية وسياسية جديدة، وبلورة لخطاب سياسي جديد. ولذلك، لا يمكن اليوم قراءة إضراب المحامين وعموم الحراكات النقابية بنفس قراءة إضراب المعلمين في التسعينيات، كما لا يمكن قراءة اتساع الفعل النضالي “التحرري” في السنوات العشر الأخيرة، سواء كان على شكل “معركة بوابات الأقصى” أو على شكل المقاومة في جنين، بنفس قراءة “الانتفاضة الثانية” والهبَّات السابقة. الفرق بين الحالتين هو مدى حضور وهيمنة المشروع السياسي المتمثل في السلطة الفلسطينية وعموم المنظومة القائمة، حيث كل فعل في الحالة الأولى كان يقع ضمن نطاق ذلك المشروع بشكل أو بآخر. وكان “ظل الدولة” مازال محتفظاً بانعكاساته على مجمل الواقع السياسي. بينما ما يحدث اليوم سواء على صعيد الحراكات الشعبية والنقابية أو تمدد المقاومة والنضال الوطني، هو تعبير عن تجاوز الشارع الفلسطيني لهذا المشروع ومؤسساته وخطابه من جهة، وعملية بلورة لما هو جديد من جهة أخرى. ويبقى الواقع أعقد من أن تحكمه الحتميات.

رفع سعر الفائدة في أمريكا سلاح ذو حدين

محمد عبدالهادي نصار

أمد/ تسبب استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية، وعدم التعافي من أزمة كوفيد 18، وكذلك حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وحدوث تغيرات مناخية في مناطق مختلفة في العالم بالزيادة في الأسعار التي نلاحظها في الوقت الراهن وهو ما نطلق عليه ارتفاع معدلات التضخم. حيث بلغ معدل التضخم السنوي على مستوى العالم أكثر من الضعف خلال الفترة من مارس/آذار 2021 إلى مارس/آذار 2022، وفق منظمة العمل الدولية.

ويعني ارتفاع معدل التضخم زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية مثل الأطعمة والطاقة والنقل والملابس، ما يؤدي بدوره إلى رفع تكلفة المعيشة.

فقد سجل التضخم في الاقتصاد الأمريكي خلال الأشهر الماضية رقماً قياسياً لم يصل إليه منذ 41 سنة، فقد بلغت نسبة التضخم في أغسطس 9.1%، وللسيطرة على التضخم فقد قام البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بسلسلة من رفع سعر الفائدة منذ مارس من هذا العام، والتي كان آخرها في سبتمبر حيث وصل سعر الفائدة إلى 3.25%، مما سيؤثر سلباً على معظم اقتصادات دول العالم وخاصة الناشئة منها.

ربما يسأل القارئ نفسه نحن نعيش في قارة بعيدة عن أمريكا فلماذا نستخدم عملتها؟ وكيف ستتأثر حياتنا وحياة المواطنين في دول العالم برفع سعر الفائدة في أمريكا؟ وهل يمكن لرفع سعر الفائدة كبح التضخم؟

بداية الدولار وغيره من العملات هي سلع يتحدد سعرها وفق قانون العرض والطلب، والدولار الأمريكي هو العملة التي تلقى قبولاً عالمياً في المعاملات الدولية، بعد اتفاقية بريتون وودز منذ العام 1844م وحتى العام 1971م كان الدولار مغطى بالذهب، ولكن بعد أزمة النفط العالمية في السبعينات تخلت أمريكا عن غطاء الدولار بالذهب تدريجياً، وقد ساند الدولار في الاقتصاد العالمي ربطه بالنفط وتجارة الأسلحة ومنتجات التكنولوجيا، كما يستمد الدولار قوته من الهيمنة الأمريكية على العالم، وبالتالي تحتاج دول العالم المختلفة لاقتناء الدولار من أجل تمويل وارداتها وسداد ديونها والسياحة وغيرها من المعاملات…

وعلى صعيد الاقتصاد العالمي فسيكون لرفع سعر الفائدة في أمريكا انعكاسات خطيرة، حيث ستتحرك الأموال الساخنة من الدول الناشئة متجهة إلى السوق الأمريكي، وهذا سيؤثر سلباً على العملات المحلية التي ستنخفض قيمتها أمام الدولار، وسيدفع هذه الدول إلى إتخاذ سياسات نقدية متشددة ترفع بموجبها سعر الفائدة بمعدلات أعلى من سعر الفائدة في أمريكا حفاظاً على أسعار عملاتها المحلية أمام ظاهرة الدولرة، وهذا الأمر سيزيد كلفة الاقتراض الخارجي، وسيدفع بإتجاه أزمة مديونية عالمية ربما تؤدي إلى إعلان بعض الدول عن إفلاسها وعدم قدرتها على الوفاء بإلتزاماتها.

أما على الصعيد المحلي فإن رفع سعر الفائدة في أمريكا سيزيد من قوة الدولار أمام الشيكل، وبالتالي زيادة كلفة الواردات مما سيتسبب بموجات جديدة من ارتفاع أسعار السلع المستوردة خصوصاً في الاقتصاد الفلسطيني والذي يعتمد على الاستيراد لمعظم السلع التي يستهلكها، وسيستفيد من هذا الرفع من يتلقون رواتبهم بالدولار الأمريكي عند تحويله إلى الشيكل، أما أكثر المتضررين هم الذين يتلقون رواتبهم بالشيكل وعليهم قروض بالدولار لأن تكلفة القرض ستصبح أكبر عليهم، وسيكون هناك آثاراً إيجابية محدودة على ميزانية السلطة الفلسطينية في حال استمر تدفق المساعدات الدولية بالعملات الأجنبية.

خلاصة القول أن رفع سعر الفائدة هو سلاح ذوي حدين حيث لا يمكن التحكم في كافة العوامل المؤدية إلى ارتفاع معدل التضخم، ويمكن أن يكون لرفع سعر الفائدة نتائج إيجابية لو تمت السيطرة على أسعار النفط والغذاء وعادت سلاسل التوريد إلى العمل بشكل طبيعي، وجاءت نتائج السياسة النقدية المشددة الحالية وفق التوقعات، وإلا فإن الرفع المتتالي لسعر الفائدة سيكون له نتائج كارثية على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي وسيؤثر سلباً على مؤشرات الاقتصاد الكلي عالمياً وفي مقدمتها انخفاض الطلب العالمي، وزيادة معدلات البطالة، وتباطؤ النمو وربما الدخول في أزمة اقتصادية عالمية جديدة.

السلطة الفلسطينية بين الدولة والفوضى

لا يمكن التمسك بالسلطة الفلسطينية والدفاع عنها بوضعها الحالي ظالمة كانت أو مظلومة.

ابراهيم ابراش

عدم الحسم النهائي للقيادة الفلسطينية في موضوع الانتقال من وضع سلطة حكم ذاتي محدود إلى دولة تحت الاحتلال، مع أن الرئيس أبو مازن في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة ترك الباب مفتوحا لكل الاحتمالات، يتطلب مقاربة عقلانية وموضوعية لمستقبل السلطة والتزاماتها حسب اتفاق أوسلو، وخصوصا أن أصواتا ترتفع مطالبة بإسقاطها والبعض يعمل على إضعافها، يأتي ذلك في تزامن مع: تصاعد العمليات الفدائية ضد الاحتلال، تزايد حالة الغضب على السلطة، مساعي إسرائيلية متواصلة لإضعاف السلطة، توقف عملية التسوية السياسية، تكريس الانقسام، وغياب أفق للعملية الانتخابية.

كتبنا عشرات المقالات حول السلطة الوطنية وتحدثنا حول الموضوع في عشرات المؤتمرات والندوات والمقابلات وعبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وفيها قلنا بأن سلطة الحكم الذاتي المقيدة باشتراطات اتفاق أوسلو ليست معطى نهائيا أو ثابتا من ثوابتنا الوطنية، بل هي حالة مؤقتة يمكن تجاوزها إن توفرت الإرادة الوطنية بتغيير وظيفتها أو بالانتقال إلى الدولة أو بالرجوع إلى حالة التحرر الوطني، كما ميزنا بين مبدأ وجود سلطة وطنية من جانب وأخطاء وتجاوزات الطبقة السياسية الحاكمة من جانب آخر. لكن أن يطالب البعض بحل السلطة دون تهيئة البديل الوطني فهذا سيؤدي لحالة فوضى لن يستفيد منها إلا العدو. واليوم وبعد مرور سنوات عجاف لم يحدث فيها انتقال نحو الدولة ولا عودة لحالة التحرر الوطني ولا إعادة بناء واستنهاض منظمة التحرير ولا انهاء للانقسام، بل زادت السلطة ضعفا كما زاد ضعف وانكشاف معارضيها، ما زال البعض يطالب بإلغاء السلطة أو يعمل على إضعافها!

مفاعيل وتداعيات إسقاط السلطة الوطنية الفلسطينية أو حلها لن تقتصر على انهيار الحكومة ومؤسساتها وما يترتب على ذلك من توقف دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية لغالبية المواطنين، أو نهاية حقبة سيطرة حركة فتح على السلطة، بل ستؤدي لدخول النظام السياسي في متاهات وحالة فوضى لن يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني وأصحاب الأجندة غير الوطنية، ومع حالة الضعف التي عليها منظمة التحرير تبقى حركة حماس وسلطتها في القطاع العنوان الرئيس للفلسطينيين، وإسرائيل مستعدة للتعامل مع هذا العنوان.

ليس تشكيكاً في نوايا كل معارضي السلطة ولا في نوايا كل الشباب المسلحين المطاردين من إسرائيل وأحيانا من السلطة في الضفة؛ فهذه الأخيرة تراكمت عندها الأخطاء مما أثار غضب الكثيرين حتى ممن ينتمون للمنظمة وحركة فتح ويدافعون عن مبدأ وجود سلطة وطنية، ولكن ليس من المضمون أن إضعاف أو اسقاط السلطة يخدم المصلحة الوطنية في ظل غياب بديل وطني ليحل محلها.

هناك ثلاثة أطراف سياسية فاعلة في المشهد السياسي: إسرائيل والسلطة الفلسطينية وقوى المعارضة-دون تجاهل قوى أخرى بما فيها دول عربية وإقليمية تعمل بالخفاء ودون عناوين رسمية. إسرائيل معروفة الأهداف وهي تعادي السلطة كما تعادي معارضيها، حتى وإن نسقت تكتيكيا مع بعضها، لأنها تعتبر كل فلسطيني عدوا لها كما ترى الضفة جزءا من أرض إسرائيل ولن تتنازل عنها لأحد وهي معنية ومستفيدة من الصراعات والخلافات الفلسطينية بل تغذيها بالإشاعات وبالسلاح. وحال السلطة كما سبق الإشارة له مع أنها ترى في ذاتها إنجازا ومكسبا وطنيا ويؤيدها قطاع كبير من الشعب، ولكن ماذا بالنسبة لأطراف المعارضة؟

كلمة أو مصطلح “المعارضة” في الحالة الفلسطينية غامضة وملتبسة، فإن كانت أغلب قوى المعارضة تعلن عن معاداتها لإسرائيل وتقف موقفا معارضا للسلطة إلا أنها غير متفقة على كل ما عداها كما لا تملك أية رؤية أو استراتيجية لمرحلة ما بعد انهيار السلطة.

تحت عنوان المعارضة يختلط الحابل بالنابل ففيها:

1- ناشطون وفاعلون مدنيون يعارضون السلطة لانتهاكاتها حرية الرأي والتعبير أو لوجود فساد فيها أو ضد بعض مواقفها السياسية ولكنهم ليسوا ضد مبدأ وجود سلطة وطنية، ومن ضمن هؤلاء من ينتمون لحركة فتح وفصائل المنظمة.

2- كتائب شهداء الأقصى وهؤلاء يقولون إنهم جزء من حركة فتح، وهذه الأخيرة هي التي تقود السلطة!

3- حركة حماس والجهاد الإسلامي بما بينهما من اختلافات وخلافات مستترة، كما أنهما ملتزمتان بهدنة مع إسرائيل في قطاع غزة وملزمة لهم حتى في الضفة ومناطق 48.

4- حزب التحرير الإسلامي الذي يغرد وحده ويختلف ليس فقط مع السلطة، بل مع كل أطراف المعارضة الأخرى.

5- شباب من أجهزة أمنية قرروا التمرد على عقيدة دايتون التي أوهمتهم أن التنسيق الأمني وقمع المناضلين ومعارضي السلطة يحقق الأمن والأمان ويقرِب من قيام الدولة الفلسطينية المنشودة ولكنهم اكتشفوا أن ما يقومون به يخدم دولة الاحتلال أكثر مما يخدم الشعب الفلسطيني.

6- بعض العائلات والعشائر وطبقة المستفيدين من الاحتلال الذين يشعرون أن السلطة تهدد نفوذهم ومصالحهم.

7- وهناك من هيئتهم إسرائيل ليشكلوا روابط القرى من جديد.

8- وهناك من يدينون بالولاء للأردن وولائهم للأردن أقوى من ولائهم لفلسطين.

9- ولا ننسى المجرمين واللصوص وقطاع الطرق المعنيين بالفوضى لأنها تسهل عليهم عملهم الاجرامي.

10- بالإضافة إلى جواسيس وعملاء لإسرائيل يعملون بالخفاء أو تحت مسميات متعددة وقد نجد بعضهم في مؤسسات المجتمع المدني وداخل السلطة نفسها.

فإن كانت إسرائيل تقوم بتقليص صلاحيات السلطة ومناطق نفوذها وتحاول اضعافها بشتى الوسائل ولا تثق بها بالرغم من كل ما قدمته قيادة السلطة من ليونة سياسية وتنسيق أمني… فهل ستثق بمعارضي السلطة وهذا هو حالهم؟ وهل يمكن أن تمنحهم صلاحيات وإمكانية عمل تخدم المصلحة الوطنية أكثر مما منحت منظمة التحرير والسلطة الوطنية المنبثقة عنها؟

هناك من يقارن وفي سياق الدفاع عن السلطة الوطنية بين ما كان يجري في غزة قبل انقلاب حماس وما يجري في الضفة هذه الأيام، ونعتقد أن المقارنة صحيحة نسبياً وفي جانب واحد وهو إضعاف السلطة الوطنية، ولكن الفرق الجوهري وهو ما يتجاهله كثيرون أنه في الحالة الأولى كانت إسرائيل مستعدة للخروج من القطاع وكانت حماس جاهزة لاستلامه أما في الضفة فإسرائيل لن تسمح لأي طرف وطني فلسطيني بالسيطرة على الضفة لأن الضفة في نظرها جزء أساسي من دولتهم المزعومة.

لا يعني ذلك التمسك بالسلطة والدفاع عنها بوضعها الحالي ظالمة كانت أو مظلومة، بل ندعو للتفكير العقلاني من أجل المصلحة الوطنية بعيدا عن حسابات دول عربية وإقليمية وأصحاب الاجندة الخارجية وخصوصا أن تجربة الفلسطينيين مع هذه الدول والاجندات طوال عقود من تاريخ القضية الفلسطينية كانت مؤلمة، ولن يغير في شيء الشعارات والايديولوجيات التي ترفعها هذه الأطراف، كما يجب الاستفادة مما آلت إليه الانتفاضتان الأولى 1987 والثانية 2000 وكيف أدى غياب الرؤية واستراتيجية وطنية موحدة إلى عدم تحقيق إنجازات سياسية عملية.

في المقابل مطلوب من القيادة الفلسطينية العمل الجاد للانتقال من السلطة إلى الدولة مع إدراكنا للتحديات والصعوبات القانونية والعملية لهذا الانتقال، فإن كان تجاوزا يتم الحديث عن سلطة وطنية في الضفة وغزة أو في الضفة وحدها أو في غزة وحدها فلا يجوز ذلك بالنسبة للدولة، فهذه ستكون دولة كل الشعب الفلسطيني، وحتى تكون كذلك يجب أن تكون في سياق توافق وطني أو أن يتم الأمر من خلال استفتاء شعبي. ونعتقد أن الموضوع يستحق النقاش في اجتماعات المصالحة في الجزائر، والتي وإن كنا غير متفائلين بإنجاز اختراقات مهمة إلا أننا نتمنى أن تتجاوز الحوارات العبثية التي كانت على مدار سنوات في القاهرة وغيرها من العواصم العربية والأجنبية.

التصاقنا واتصالنا بالجماهير الشعبية مفتاح نجاحنا في الانتخابات البرلمانية القادمة

خليل اندراوس

 تعلُّم الفكر الماركسي لا يعني فقط اكتساب مجمل المعارف الواردة في الكتب والمؤلفات الماركسية اللينينية، لان هذا الأمر غير كافٍ. فما يجب فعله الى جانب اكتساب المعرفة، تنسيق وتطبيق هذه المعارف والتصرف بموجبها والعمل على تنفيذها والتصاقها بالواقع، والعمل على تغيير هذا الواقع لصالح الطبقة العاملة، من اجل احداث التغييرات الكمية المتراكمة لاحداث التغيير الكيفي مستقبلا أي احداث القفزة النوعية، أي الثورة، نحو مجتمع المستقبل المجتمع الشيوعي.

ومن الواضح أن جيلنا الذي تربَّى في المجتمع الرأسمالي يعاني الكثير في وعيه الجماعي من مظاهر وسلبيات هذه المجتمع مثل حب الذات، والتأثير السلبي للعقلية القبلية والطائفية والعائلية والانتهازية، وتفضيل المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة، وكل هذه السلبيات الموجودة في الوعي الجماعي للمجتمع الرأسمالي، كبناء فوقي لهذا المجتمع، تؤثر سلبا لا بل في بعض الحالات تقود الى اجهاض وانتكاس العمل الثوري.

ولذلك على هيئات الحزب والجبهة على مستوى الفروع والهيئات المركزية وكذلك فروع واتحادات الشبيبة والجبهة وجميع المنظمات الأخرى القيام بمهمات ملحة، وخاصة الآن وبعد الانتخابات حيث سيطرت لدى البعض مفاهيم اللامبالاة، وعدم التجند الكافي للمشاركة في الانتخابات، والتي لو زادت نسبة التصويت لدى الاقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل وبين قوى اليسار اليهودي، لبقي وزن هذه الجماهير هي مفتاح الخارطة السياسية في اسرائيل، وكذلك فرض وطرح رؤيتها وبرنامجها نحو تحقيق العديد من المطالب الملحة لجماهيرنا العربية الفلسطينية في المجال المدني والقومي، والربط العميق والواضح في طرح القضايا الكبرى من انهاء الاحتلال والاستيطان، والعمل على الغاء كل القوانين العنصرية التي سنتها الحكومات المتعاقبة ضد جماهيرنا العربية الفلسطينية من قانون القومية وقانون كمينتس وغيرها من التشريعات العنصرية. لذلك علينا وضع كل النقاشات والآراء المختلفة، والتجند الآن بكل قوة من أجل زيادة نسبة التصويت، وزيادة قوة الجبهة صاحبة الرؤيا والحارس الأمين لمصالح شعبنا ومجتمعنا.

لذلك علينا ان نتذكر منذ الآن، كلمة لينين، تعلم، تعلم ومرة اخرى تعلم فلنتعلم من تجربة الانتخابات الاخيرة، ونضع برنامج عمل مدروس للفترة والسنوات القادمة، استعدادًا للمعارك القادمة لكي تكون نتائج عملنا السياسية افضل وارقى وانجع لصالح الطبقة العاملة ولصالح نضالنا من اجل المساواة والعدالة الاجتماعية وضد طاغوت رأس المال ومن اجل السلام العادل وحل القضية القومية الفلسطينية حلا عادلا من خلال اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين حلا عادلا، لكي لا تُلقى هذه القضية الى مزبلة التاريخ كما قالت احدى الصحفيات في صحيفة هآرتس قبل نحو اسبوع.

ونقطة الانطلاق يجب ان تكون تعليم الجيل الصاعد والشباب تاريخ حزبنا الشيوعي وتاريخ القضية الفلسطينية، ومجمل المعارف وتاريخ المنظمات والمؤسسات، التي كان لها دور تاريخي في النضال من اجل تغير واقعنا كمجتمع يعاني من التمييز العنصري القومي والصراع الطبقي. وبرأيي هذه المواضيع ومعرفتها هي احدى نقاط ضَعفنا لدى الجيل الصاعد، والشبيبة.

وأول ما يجب ايضًا ان نتعلمه هو الفكر الماركسي اللينيني لأن هذا الفكر الجدلي الثوري العلمي هو الحصانة ضد الانغلاق القومجي وضد “التدين” الزائف، واستغلال الدين خدمة لأهداف سياسية رجعية لا تخدم قضايانا العادلة.

فعلى كل شيوعي ان يكون كلامه وخطابه مرتبطا بالعمل اليومي مع الجماهير وفي جميع الميادين. فبدون عمل وبدون مشاركة في النضال الثوري اليومي وفي جميع الميادين، وأؤكد في جميع الميادين، واقول هذا لمن يتساءل حول نشاط هذا الشيوعي أو ذاك في هذا المجال او ذاك. فلا فائدة اطلاقا من المعرفة التي نكسبها من الكتب والمراجع الماركسية اللينينية ان لم نفعل ذلك.

والخطر الاكبر ان نكتفي بالشعارات دون العلاقة اليومية والنضال اليومي الواسع والمثابر وفي جميع الميادين مع الجماهير الواسعة وشرائح المجتمع المختلفة ومعالجة قضاياها الخاصة اليومية وربطها بالنضال العام للطبقة العاملة.

من هذا المنطلق يجب النظر للعمل البرلماني، وعضويته ليسا كعرش بل خيار ورسالة سياسية.

حول هذا الموضوع كتب لينين يقول “ما يهمنا، ليس ان نؤمِّن لأنفسنا مكانا صغيرا في الدوما (في إسرائيل: الكنيست) بواسطة المساومات، بل بالعكس. فإن هذه الاماكن الصغيرة لا تتسم بأي أهمية بنظرنا إلا بقدر ما يمكنها ان تسهم في تطوير وعي الجماهير، في رفع مستواها السياسي، في تنظيمها، لا من اجل الازدهار المادي التافه، لا من اجل “راحة البال”، “والنظام”، “والبحبوحة الآمنة (البرجوازية)”، بل من اجل النضال، النضال في سبيل تحرير العمل تحريرا “تاما” من كل استثمار وكل اضطهاد. لهذا الغرض فقط وبهذا القدر فقط تتسم الاماكن في الدوما (في اسرائيل الكنيست)، والحملة الانتخابية كلها بقدر من الاهمية.

“إن حزب العمال يعلق جميع آماله على الجمهور” “الواعي المطالب المناضل”. ولذلك من اجل تعميق الوعي المطالب والمناضل على الحزب الثوري ان يضرب للشعب كله ولا سيما لكل طبقة العمال وشرائح المجتمع المختلفة مثالا على النقد الفكري الصلب والجريء والواضع استنادا للفكر الماركسي اللينيني. ضد سياسات حكومات اسرائيل وضد الايديولوجيا الصهيونية ودراسة الاحداث العاصفة في العالم العربي والواقع الصعب والمؤلم للاقلية الفلسطينية داخل اسرائيل. فالماركسية ليست من صنع انسان واحد، لأن الماركسية اعتمدت على كامل المعارف الانسانية المكتسبة قبل وفي ظل الرأسمالية.

فقد درس ماركس قوانين تطور المجتمع الانساني فأدرك ان تطور الرأسمالية يؤدي حتما الى الشيوعية. وهذا ما سيحدث مستقبلا وبشكل موضوعي، حتى ولو فشلت التجربة اي تجربة الانتقال الى الشيوعية مرة او مرات.

وهنا علينا ان نؤكد بأن دراسة ماركس لكل ما ابدعه الفكر الانساني لم يقبله ماركس كحقيقة منتهية بل عالجه بروح النقد واعادة البناء وبفكر جدلي، وايضا من خلال تركه الابواب مفتوحة لمعالجة ونقد واعادة بناء كل المعارف الانسانية من خلال خبرته ومشاركته نضالات الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر، وهذا ما فعله لينين قبل وبعد ثورة اكتوبر، من خلال علاجه ودراسته للمجتمع الرأسمالي في اعلى مراحل تطور المجتمع الامبريالي.

لذلك علينا ان نطور وننمي العلم والثقافة البروليتارية من خلال دراسة الفلسفة الماركسية اللينينية، وربطها بالاحداث والتطورات الجارية في عصرنا الحاضر ورؤيتها كفلسفة علمية تتطور من خلال ابوابها المفتوحة، مستوعبة التجربة الانسانية للمجتمع المعاصر، والفكر التقدمي والاجتهادات لهذا المفكر او ذاك.

فقط من خلال دراسة الثقافة الانسانية وفهمها بوضوح وبصورة انتقادية نستطيع ان نبني الثقافة البروليتارية، العلمية الثورية المرتبطة بالمجتمع المعاصر من اجل استيعاب هذه التطورات والسعي الى استغلالها وربطها بالعمل الثوري بين الجماهير الواسعة وخاصة الطبقة العاملة.

كتب لينين يقول:

“إن الشيوعي الذي يدّعي الشيوعية لأنه تعلم استنتاجات جاهزة، دون ان يقوم بعمل كبير جدي جدا، وصعب جدا، دون ان ينظر بعين نافذة الى الوقائع التي يترتب عليه ان يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ، ان مثل هذا الشيوعي يدعوك للرثاء له. وليس ثمة ما هو أشأم من موقف سطحي كهذا الموقف. وأضاف لينين “فإذا كنت اعرف أني اعرف قليلا، بذلت كل ما في طاقتي لأعرف المزيد، ولكن، اذا زعم امرؤ يدعي انه شيوعي، انه ليس بحاجة لان يعرف اي شيء ثابت، فانه لن يصبح ابدا ولو شبيها بالشيوعي”.

كل الاعلام والفكر البرجوازي يخدم طبقة رأس المال، وهناك الكثير من رجال العلم، وفلاسفة المجتمع الرأسمالي، وطبقة رأس المال، امثال فوكوياما، وهنتنغتون وغيرهم، يكتبون ويتكلمون بموجب اهواء الرأسماليين ومصالحهم الطبقية، لذلك علينا ان ندرس ونقرأ بفكر ناقد وجدلي كل ما يكتب، ونميز بين الفكر الذي يخدم طبقة رأس المال، وبين الفكر الذي يخدم الفكر الثوري والطبقة العاملة، ويخدم تطوير الوعي الطبقي والقومي والأممي من خلال استيعاب كل المعارف الحديثة.

وهذا ممكن كما قال لينين:

“الا اذا استطعتم تحويل الشيوعية من صيغ ونصائح، وتوصيات وتعليمات وبرامج جاهزة ومحفوظة غيبا، الى هذا الشيء الحي الذي ينسق عملكم المباشر إلا اذا استطعتم ان تجعلوا من الشيوعية مرشدا في نشاطكم العملي” (لينين في الايديولوجية والثقافة الاشتراكية المجلد 41 ص 298-318 – خطاب مهمات منظمات الشباب).

وكما قال لينين ايضا “اقل من الجمل الطنانة، واكثر من العمل البسيط اليومي”.

وأضاف لينين: “على الحزب (اي الشيوعي) الاعتماد على طبقة متقدمة سليمة ثورية قوية، صلبة، في نفس الوقت عليه ان يعرف ان يطهر صفوفه من الانتهازية والحلقات”. “ان الجيل الصاعد لا يستطيع ان يتعلم الشيوعية الا اذا ربط كل خطوة يخطوها في دراسته وتربيته وتعليمه بالنضال الدائب الذي يخوضه البروليتاريون والشغيلة ضد مجتمع المستثمرين”.

فالتثقيف الحقيقي الثوري يجب ان يرتبط ويلتصق بمجريات الحياة المتدفقة.

ولا يستطيع احد ان يقهر الفكر الثوري الماركسي اللينيني والعمل الثوري عندما نتعلم كيف نتحد وكيف نعمل بقلب واحد خالٍ من الذاتية والانانية والانتهازية وخالٍ من الفكر القبلي والتقوقع والانغلاق القومجي او الديني.

ولكسب هذه المعركة علينا ان نكرس كل ساعة من اوقات فراغنا لتحسين وتطوير عملنا الحزبي وتعميق التصاقنا بالجماهير الشعبية، وخاصة الطبقة العاملة، بروح وفكر مبادر، وعمل حي، ونشاط متحدين واعين من اجل اقناع كل عامل وكل مضطَهد باننا نبني ونعمل من اجل المستقبل، مستقبل الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والسلام، سلام الشعوب بحق الشعوب، مجتمع المستقبل، مملكة الحرية على الارض.

نحو الانتخابات البرلمانية القريبة

د. فؤاد خطيب

الحقيقة التي ينساها الجميع في خضم هذا الحراك الذي يخرج أحيانا عن مستوى الحوار ويتحول الى نفاق وأكاذيب وشتائم لهذا أو ذاك من المرشحين، هي أن التصويت للكنيست الاسرائيلي لم يعد الغاية الوحيدة لجماهيرنا بعد فشله كوسيلة لتحقيق حقوق الأقلية الاساسية في هذه البلاد طيلة سبعة عقود.

لم يكن هذا البرلمان الغاية لأن الحقيقة الفاقعة كقرص الشمس في يوم صيفي طويل أن هذا البرلمان صهيوني شوفيني بامتياز. هدفه بنظره ونظر كل صانعيه عبر 7 قرون ونيف المحافظة على يهودية الدولة وخلق قومية يهودية خارجة من عباءة الدين الاسطوري لها وجود “قومي” تصارع العرب كقومية قائمة منذ فجر التاريخ، ولكنها الان للأسف مفتتة متخلفة وعاجزة عن النهوض منذ عقود وقرون.

 اذًا هذا البرلمان لم يكن مرة غاية الأقلية العربية لتحقيق أفكارها الوطنية والقومية ولم يكن الوسيلة لأن الوسيلة أي الانتخابات بمجملها لم تحقق الكثير للأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها. اللوم هنا بطبيعة الحال قبل أن نحمله على الاخرين يجب أن نحمله نحن العرب الباقين في اسرائيل. نحن صورة زنكوغرافية صغيرة عن مجتمع عربي يحيطنا من المحيط الى الخليج الذي فشل في تطوره الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والحضاري مع أننا كنا من صناع الحضارة في التاريخ. اذ ان نقلتنا الاجتماعية كانت نقلة من مجهول الى معلوم مجهول. انتقلنا من مجتمع فلاحي اقطاعي الى اخر رأسمالي معولم ومتطور تقنيا واجتماعيا وسياسيا. مجتمعنا العربي بصورة عامة وحقيقية لم يمر بثورة صناعية تقنية متطورة ولا بمجتمع بروليتاريي ليصل الى ثورة اجتماعية سياسية اقتصادية. مازالت مجتمعاتنا متخلفة ومنقسمة طائفيا وحمائليا وحتى عائليا. مجتمع في هذا المستوى المتدني في الرقي الحضاري الاجتماعي السياسي عاجز عن الحصول الى تحقيق حقوقه وانتزاعها رغم كل الظروف. والعكس هو الصحيح اذ اننا فقدنا قدرة المحافظة على حقوقنا المشروعة كباقي الاقليات القومية في بلاد عديدة .

للحقيقة والتاريخ أن مجتمعنا هذا ومنذ النكبة لم يعرف الاحزاب السياسية العربية الوطنية، القائمة كأحزاب بكل معنى الكلمة، وهي أرقى تطور سياسي اجتماعي عرفته البشرية، اذا اسثنينا الحزب الشيوعي الذي حافظ على بقاء من تبقى من شعبنا وخلق وجود وكينونة اجتماعية سياسية اقتصادية قادرة على الصمود. وعلينا ان نذكر هنا وجود مثقفيين ثوريين حقيقيين كان لهم فضل كبير في تجسيد بقائنا وتطورنا وبعض حقوننا. معظم “الاحزاب العربية” كانت بحسب رأيي منذ بداية الانتخابات البرلمانية هنا كما أثبت التاريخ انتخابية موسمية تنقصها الايديولوجيا والتنظيم واختفت كما تختفي فزاعات المقاثي عند هطول الوسم الأول.

معظم مؤساساتنا المدنية غائبة عن وعيها أو انها مؤسسات فردية ضعيفة جدا وغير قادرة على المماحكة والصمود في حرب وجودية نعيشها منذ النكبة الى الان. ينقصنا فعلا مجتمع مدني وحدوي مؤدلج ووطني وفوق الطائفية والحمائلية والعائلية يعمل على توحيدنا كتلة واحدة واعية قادرة على الصمود وتحقيق حقوقنا كمواطنين متساوين في هذه الدولة لكوننا مواطنين لسبب خارج عن ارادتنا. نحن من دافعي الضرائب اذا نحن نساهم في تمويل الانتخابات ووجود هذا البرلمان المادي.

بما أننا أصبحنا بوجودنا في مرحلة متقدمة ومتطوررة علينا أن نطور ذواتنا وفكرنا ومعه مستقبلنا الاجتماعي والسياسي، وبحالتنا هذه علينا الان أن نختار أكثر أدواتنا الايدولوجية تطورا وتنظيما، أي الحزب الشيوعي لأنه الحزب الوحيد الجامع فوق العائلية والطائفية والقبلية. ينظر هذا الحزب منذ بداياته لمجتمعنا كوحدة وطنية قومية فوق العائلية والطائفية بل ينظر لنا كوحدة قومية سياسية واحدة وليس قوائم قائمة على الزعامة والمخترة العصرية التي لا تختلف عن مخاتيرنا في الخمسينيات من القرن الماضي . اللهم سوى بأنهم تزودوا بمنتجات الثورة التقنية بصورها المختلفة التي استوردناها ولم نصنعها، وهذا حيز واسع وكبير لا مكان لنا هنا للتفصيل عنه وحوله وثأثيره السلبي والايجابي.

أنا أنتخب وادعو الاخرين لانتخاب القائمة التي فيها الحزب الشيوعي والجبهة ربما نصل الى بداية غايتنا مرة ونساهم في حق وجودي للشعبين في دولة ديموقراطية حقيقية بعيدة عن العنصرية واالشوفينيية بكل صورها.

حوار مع هيكل عشية مئويته.. “أنا يسار وسط”

عبدالله السناوي

بعد عام واحد بالضبط تهل مئوية الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى (23) سبتمبر/ايلول (2023). بتعدد أدواره اكتسبت تجربته فرادتها. بتعبير «سارميللا بوز» مديرة كلية الصحافة فى جامعة أوكسفورد البريطانية العريقة، وهى تقدمه فى أكتوبر/تشرين الأول (2007) لإلقاء أول محاضرة تذكارية بالكلية الوليدة، فهو «أسطورة حية». كادت ألا تصدق أنه أمامها الآن. الاحتفاء بمئويته تكريس للمعنى والقيمة، أن الصحفى أبقى من السياسى والكلمة أقوى من السلطة، كما كان يعتقد دوما. ظاهرته غير قابلة للتكرار، فهو ابن عصره ونتاج تحولاته ومعاركه. لم يكن ممكنا كتابة التاريخ المعاصر والإلمام بأسراره وكواليسه دون إسهاماته فى النظر إلى الحوادث الكبرى، التى مرت على مصر وعالمها العربى، من عواصف وثورات وتحولات وحروب وانقلابات مضادة عاصرها ووثقها وكتب شهادته عنها. الاحتفاء بمئويته هو احتفاء بالذاكرة الوطنية وضرورة إحيائها بالبحث والتوثيق والحوار الجدى فى مواطن القوة والضعف، أسباب الصعود والانكسار. كان قريبا من مركز صنع القرار على عهدى «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات»، حتى عام (١٩٧٤) عندما افترقت الطرق، وذلك أتاح له أن ينظر من الداخل على حقائق القوة، لكنه لم يكن يعتبر نفسه مؤرخا. فوق ذلك فهو مفكر أمن قومى لا يضارعه فى عمق تأثيره على أجيال متعاقبة من العسكريين والدبلوماسيين أى أحد آخر. بخط يده وصفه المفكر الجغرافى الدكتور «جمال حمدان» بـ«ابن مصر العظيم»، ربما لهذا السبب قبل أى شىء آخر. هيكل: انتمائى العروبى هو حصاد تجربة جيل بأكمله شاهد وتأثر بحرب فلسطين، واكتشف هويته تحت وهج النيران وصدمة النكبة… انظر حولك الآن، أين اليسار؟ هو غائب حيث يجب أن يحضر، المرحلة الحالية تقتضى وجود من يدافع عن العدالة الاجتماعية عن اعتقاد وإيمان الاحتفاء بمئويته إعادة تأكيد على الحقائق الأساسية فى نظرية الأمن القومى، مفاهيمها وأسسها ومزالق تجريفها. ارتبط بتجربة «جمال عبدالناصر» ودافع عنها حتى النهاية. قبل أن يداهمه المرض بيوم واحد استنكر بكل وجدانه ما بث على إحدى الفضائيات من أنه اخترع زعيم ثورة يوليو، ولم يأبه بكلام آخر على نفس الفضائية يستعجل رحيله هو. قال: «جمال عبدالناصر؟!». أردف استنكاره ببيت شعر، وهو رجل يحفظ الشعر ويستدعيه فى كل مقام: «هانت حتى بالت عليها الثعالب». لم تكن صورة «هيكل» من بعيد تضاهى حقيقته الإنسانية. فى تسعينيات القرن الماضى رسمه الفنان «جورج بهجورى» كـ«آلة للتفكير بأسلاك متداخلة تنتج رؤى وسياسات». الصورة ــ أحيانا ــ أقوى من الحقيقة بالاعتياد، أو بالتقادم، لكن حسه الإنسانى كان أكثر رهافة من صور أسلاك متداخلة لعقل يفكر طوال الوقت دون توقف أو راحة. سألته عن رأيه في ما رسمه «بهجورى»؟ قال: «عقل إيه، ومبرمج إيه، ده نصف الذى أكتبه أدب». هذه حقيقة، فبعض كتاباته ــ بشهادة روائيين كبار أهمهم «نجيب محفوظ» ــ ترتقى بصورها الدرامية والإنسانية إلى مصاف الأعمال الروائية الرفيعة، لكنه لم يكن يعتبر نفسه روائيا ولا كانت كتابة الرواية من أحلام الشباب التى راودته. ما إن بدأت علاقته تتوطد مع «جمال عبدالناصر» حتى فرض على نفسه، وعلى حياته العامة والخاصة ستارا كثيفا من الصمت والكتمان. قال لى: «ما كان يجرى بينى وبين الرئيس ملكه وحده، وما يصل إليه من قرارات بعد حوارات معى ومع غيرى، ملكه وحده، يعلنها فى الوقت الذى يشاء وبالطريقة التى يراها مناسبة، لا أنقل عنه ولا أسمح لأحد بأن ينقل عنى». سألته: «ما تفسيرك أن بعض الذين عاصروا حقبة الستينيات قالوا لى إن ما أنشره عنك من قصص سياسية وإنسانية تختلف مع صورتك التى يعرفونها؟». قال: «عندهم حق.. فقد كنت أعمل وأحيا من خلف ستائر كثيفة». كان من رأيه أن «جمال عبدالناصر هو الحقيقة الأساسية فى التاريخ المصرى الحديث». لم يكن معنيا بالتصنيف الأيديولوجى بقدر ما كان متنبها إذا ما كان هناك فيما يسمع ويقرأ ويتابع شيئا له قيمة أو فكرة لها أثر. قال له الدكتور «عبدالوهاب المسيرى»: «لست ناصريا». أجابه: «ليس مهما». الواقعة جرت فى أواخر ستينيات القرن الماضى عندما عرض وزير الإعلام «محمد حسنين هيكل» على الباحث الشاب الانضمام إلى دائرته الاستشارية. حسب رواية أخرى لـ«المسيرى» فإنه سأله عن سر علاقته بـ«عبدالناصر» فــ«إذا به يتحول من كاتب صحفى إلى شاعر غنائى، كيف أن عبدالناصر بالنسبة لمصر هو المستقبل، وهو التنمية المستقلة، وكيف أن العروبة من الممكن أن تعطى لهذه المنطقة هوية حضارية وثقلا استراتيجيا يجعلها تواجه عالم التكتلات الكبرى». لم يمنع انحيازه للمشروع من انتقاداته للنظام. الأول، يمتد بالتجديد فى الزمن.. والثانى، تنقضى صلاحياته باختلاف زمنه. هيكل: كيف أكون يمينيا وأنا من صاغ فلسفة الثورة والميثاق الوطنى وبيان ٣٠ مارس/آذار والخطب التأسيسية للتجربة الاشتراكية، التى أعلن فيها عبدالناصر التأميمات سألته: «كيف تصنف نفسك فكريا وسياسيا؟». أجاب: «يسار وسط». قلت: «لماذا يعتقد بعض معاصريك أنك أقرب إلى اليمين؟». قال: «كانوا يظنون أن تجربتى فى أخبار اليوم أثرت على تكوينى الفكرى والسياسى». «كيف أكون يمينيا وأنا من صاغ فلسفة الثورة والميثاق الوطنى وبيان ٣٠ مارس/آذار والخطب التأسيسية للتجربة الاشتراكية، التى أعلن فيها عبدالناصر التأميمات». «أنت تعرف أننى لا أكتب شيئا لا أقتنع به». «ثم لا تنس أننى أول من كتبت عن زوار الفجر واستخدمت مصطلحات مراكز القوى والدولة داخل الدولة لإدانة أسلوب فى الحكم بعد نكسة يونيو، وتلك كلها اختيارات فكرية وسياسية أؤمن بها». «ثم إن انتمائى العروبى هو حصاد تجربة جيل بأكمله شاهد وتأثر بحرب فلسطين، واكتشف هويته تحت وهج النيران وصدمة النكبة». «انظر حولك الآن، أين اليسار؟ هو غائب حيث يجب أن يحضر، المرحلة الحالية تقتضى وجود من يدافع عن العدالة الاجتماعية عن اعتقاد وإيمان». كان رجل مستقبل لا يشغله الماضى إلا بقدر التعلم منه وعدم تكرار أية أخطاء حدثت. هكذا فإن الاحتفاء بمئويته بعد عام من الآن لا بد أن يذهب مباشرة إلى المستقبل، نراجع الماضى ونتعلم من دروسه، لكننا لا نتوقف عنده. بحسب تعبيره: «التاريخ هو أفضل معلم للسياسة».

عودة “الشعبية” الى دورها في مؤسسات منظمة التحرير ضرورة وطنية!

أمد/ كتب حسن عصفور/

 لا يمكن لوطني فلسطيني، أي كان انتماءه الحزبي أو بدون، الصمت على واقع مؤسسات منظمة التحرير دورا وفعالية، في ظل اتساع حركة التآمر على المشروع الوطني الفلسطيني، وممثله الشرعي الوحيد، لمصلحة المشروع التهويدي والبديل، خاصة ودولة الكيان أرسلت برسائل متعددة الرؤوس السياسية حول صفقاتها المتحركة لخدمة ذلك المشروع.

كان منطقيا، أن تسارع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عقد سلسلة لقاءات طارئة، بعد خطاب الرئيس محمود عباس، بصفتها “الخلية القيادية الأولى” و “حكومة الشعب العامة”، لدراسة كيفية التعامل مع ما ورد في خطاب 23 سبتمبر، من آليات ومواقف، ورؤية تنظيمية جديدة.

ورغم دور حركة فتح ومكانتها التاريخية في التأثير على “القرار الوطني”، لكنها لا يمكن أن تستبدل ذاتها باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولذا ومع أهمية بيانها يوم الجمعة 30 سبتمبر 2022، وما طالبت بتحويل خطاب الرئيس عباس الى خطة عمل، كان له أن يكون دعوة من قبل “الخلية القيادية الأولى”، بدعم التنظيم الأكبر، دون الاستبدال.

بيان مركزية فتح، مع أهمية عناصره، لكنه سيفقد جانبا هاما من “مشروعيته التمثيلية” دون ان يكون خطة عمل من “تنفيذية منظمة التحرير”، بصفتها ومكانتها وشرعيتها، وهو ما يجب أن يكون محل تركيز حقيقي لحركة فتح، لو حقا تعني ما تقول في بيانها مركزيتها الأخير، للانتقال من مرحلة الى مرحلة.

الحديث عن قيمة 23 سبتمبر، دون وضع آليات لتحويلة الى خطة متكاملة، سيدخل الى تاريخ الكلام الفلسطيني، ويفقد قوة الاندفاعة التي فتح بابها نحو انطلاقة وطنية سياسية شاملة لمحاصر التهويد، وما سينتجه جدارا واقيا عبر مشروع شارون “النتوء الغزي ومحميات بالضفة”، مع تسارع خطاها بعد الخطاب، وربما تستبق الفعل بخطوات عملية عن فعل الرسمية الفلسطينية.

والخطوة الأولى، وربما المركزية للمضي قدما وسريعا، تبدأ من إعادة “ترميم” وضع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قواعد عمل وآليات وقبلها إعادة الاعتبار لمكوناتها التاريخية، خاصة الجبهة الشعبية، التي مثلت ركنا رئيسيا في التأسيس والانطلاقة والدفاع عن المشروع والثورة، ولعل دماء القائد الرمز أبو علي مصطفى لا تزال آثارها باقية في مكتبه بصفته عضوا في اللجنة التنفيذية.

“ترميم” عمل التنفيذية دورا ومهما وقدرة، يتطلب فورا إزالة كل المسببات التي أدت بتعليق عضوية الجبهة الشعبية لنشاطها داخل المؤسسة، بعيدا عن “العصبوية الحزبية”، وبما يتوافق مع التاريخ والحاضر وما هو قادم، من خطر سياسي ربما هو الأكثر منذ انطلاقة الثورة وتأسيس الكيان الوطني الأول فوق أرض فلسطين.

“ترميم” العلاقة مع “الشعبية” بات فرض وطني، خاصة وأنها كانت “رأس حربة” صريح لكسر “مشروع البديل السياسي”، الذي تقدمت به حركة حماس في بيروت يونيو 2022، حاولت من خلاله الالتفاف على الممثل الشرعي الوحيد، تحت “نقاب جهادي، وكان له أن يمر سريعا جدا، بمسميات مختلفة، لو اغمضت “الشعبية” عينيها عن ذلك المشروع الأخطر المكمل للمشروع التهويدي.

تباطئ حركة فتح، في إدراك القيمة السياسية لما رفضته “الجبهة الشعبية” يمثل شكلا من اشكال الخطايا الوطنية، خاصة وانه لم يعد هناك “ترفا من الوقت” لعدم التفاعل السريع مع المخطط المضاد، والاتكال على “التاريخ” ردا، ليس سوى حماقة سياسية لن تمثل حماية للمشروع الوطني.

وبعيدا عن “حديث مهزلة حوار الجزائر”، فالأولوية التي يجب ان تحكم موقف الرئيس محمود عباس وحركة فتح، كيفية إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير ومؤسساتها كافة، وتفعيلها لتصبح حاضنة دولة فلسطين الى حين إجراء انتخاباتها، ولا يمكن الحديث عن تصويب تلك المؤسسات وتفعليها في غياب “الشعبية” كركن رئيسي فيها، وخاصة وهي من قطع الطريق على تسريع قاطرة “البديل”.

المرحلة القادمة، سواء ما يتعلق بكيفية رسم “خريطة عمل وطنية شاملة”، انطلاقا من خطاب 23 سبتمبر، أو بتطوير آلية عمل مؤسسات منظمة التحرير تفرض حضور “الجبهة الشعبية”، ومعها الكف عن تلك الأساليب التي أضرت كثيرا، باستخدام “السلطة الرئاسية” كسلاح مضاد أضر بالحالة التحالفية داخل مكونات المشروعية الوطنية.

لا وقت للترف السياسي أمام قوة اندفاع “المشروع البديل” بأركانه المختلفة…مضمونا وأدوات.

ملاحظة: استخدام” المساجد والجوامع من قبل الفصيل الإخوانجي في غزة لخدمة مشروعه السياسي.. ليس ضررا وطنيا فحسب، بل يحيل الدين الى استخدام في غير غاياته..هل آن أوان تجريم ذلك الاستخدام بالقانون..بدها تفكير بجد!

تنويه خاص: يفرح الروح كل صفعة توجه للغرب المستعمر من وين ما كانت..ما فعلته نيكارغوا مع سفير الاتحاد الأوروبي باعتبارها Persona non grata – “بيرسونا نن غراتا” يشرح القلب وعقبال سفراء “راس الحية” الأمريكان..في مليار داهية!

هل حانت لحظة الإصلاح الدستوري في العراق؟

صفوان الأمين

بلال وهاب

على الرغم من افتقار العراق حالياً إلى الوحدة وسيادة القانون اللازمين لمتابعة بحذر عملية مشحونة سياسياً مثل تعديل الدستور، إلا أن هناك العديد من البدائل التي يمكن أن تضع هذه العملية على طريق الإصلاح المنهجي.

دفع الجمود السياسي والحوكمة المختلة بالعراقيين إلى زيادة مطالبتهم بتعديل دستور البلاد، حيث اعتبر الكثيرون أن النظام الطائفي في فترة ما بعد صدام حسين عجز عن توفير الاستقرار أو الازدهار، وبالتالي أكمل مسيرته. ولا تزال المعايير الديمقراطية وحقوق الأقليات المنصوص عليها في الدستور بمثابة طموح في أحسن الأحوال، حتى في أوساط المراقبين الأكثر تفاؤلاً. وبناءً على ذلك، لفت بعض القادة السياسيين علناً إلى أنهم سيستجيبون لمثل هذه الدعوات. ومع ذلك، فإن محاولة تعديل الدستور في ظل الظروف السياسية الحالية غير قابلة للتطبيق. وبصرف النظر عن العيوب الفنية الإشكالية التي تشوب الميثاق الحالي، لا يزال العراق يعاني من نقص كبير في المبادئ الدستورية واحترام سيادة القانون.         

تزايد الشكاوى

تتنوع الأسباب الكامنة وراء الدعوات الأخيرة لإجراء إصلاحات دستورية. فبعض قادة حركة “تشرين” الاحتجاجية التي أُطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2020، المستائين من غياب المساءلة في ظل النظام الحالي القائم على الإجماع، كانوا يحثون على الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي يحترم في الوقت نفسه الحقوق المدنية. في المقابل، يرغب آخرون في نصوص أوضح بشأن المسائل المثيرة للجدل المتعلقة بالنصاب البرلماني أو الكتل أو حقوق إدارة النفط. وتشعر الأحزاب الكردية بخيبة أمل من الاتحادية العراقية ودعت إلى كونفدرالية. ومن المؤكد أن أصوات أخرى ستطرح مطالب جديدة إذا تم إرخاء القبضة عن هذه الدوامة الدستورية.       

كذلك، قد يواجَه عدد من التعديلات المحتملة بمعارضة كبيرة في بعض الأوساط. فقد ترفض الأحزاب الكردية والعربية السنية أي تغييرات تحد من البنود الاتحادية في الدستور أو تحوّله عن النظام البرلماني. فمن وجهة نظرها، أصبحت السلطة تتركز أكثر فأكثر في بغداد منذ عام 2003، وعلى الأخص من خلال إلغاء مجالس المحافظات. وعلى الرغم من معارضة الرأي العام المتزايدة للطائفية، لا تزال الأحزاب السنية والكردية تخشى أن تصبح الهيمنة السياسية الشيعية دائمة إذا سمحت باعتماد إجراءات معينة. من جهة أخرى، قد يطالب الليبراليون الذين يعلو صوتهم بشكل متزايد بالتخفيف من حدة موقف الميثاق بشأن الدين، الأمر الذي قد يثير بلا شك غيظ الأحزاب الإسلامية. وإذا وصلت الدعوات الواسعة النطاق لحظر الميليشيات إلى المرحلة الدستورية، فستتم مكافحتها – بكل معنى الكلمة.     

الحلول السابقة

على الرغم من أن الدستور لم يخلُ من الجدل عند صياغته، إلا أنه كان نتاج إجماع شاق. وحيث تمّت المصادقة عليه عبر استفتاء شعبي في عام 2005، انبثقت هذه الوثيقة من تنازلات متوازنة بدقة من قبل جماعات سياسية ودينية وعرقية وطائفية متنوعة، بالإضافة إلى تأثير كبير وتسهيلات مهمة من قبل “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” (“يونامي”) والولايات المتحدة. وهذا هو السبب جزئياً لعدم تعديل الدستور على مر السنين على الرغم من العديد من الشكاوى.  

وعلى مدى العقدين الماضيين، تخطت النخبة السياسية الالتباسات التي يكتنفها الدستور وأوجه قصوره المتصورة بطرق متنوعة. والأكثر أهمية أن “المحكمة الاتحادية العليا” لعبت دور الحَكم وقدّمت تفسيرات للبنود الرئيسية. وفي عام 2010، حدّدت هذه “المحكمة” ما يشكل “الكتلة الأكبر” في مجلس النواب لتشكيل الحكومة – وهو قرار يعتقد الكثيرون أنه أدى إلى تآكل احترام الرأي العام للدستور والمحكمة لأنه بدا أنه يتعارض مع المعايير الديمقراطية. وفي الآونة الأخيرة، أصدرت “المحكمة الاتحادية العليا” ​​سلسلة من الأحكام (القوانين/القرارات) الهامة التي أعادت تحديد النصاب البرلماني الضروري لانتخاب الرئيس وقلبت الأساس القانوني لقطاع النفط والغاز التابع لـ «حكومة إقليم كردستان» رأساً على عقب، من بين تأثيرات أخرى.

ومن جهته، سنّ مجلس النواب قانوناً يوسّع نطاق المواد الدستورية التي تغطي بعض القضايا الرئيسية (على سبيل المثال، القواعد المُنظمة للانتخابات). ومع ذلك، لم يتمّ تنفيذ أحكام أخرى بأي شكل من الأشكال، مثل حل الخلافات حول الأراضي المتنازع عليها (“المادة 140”) أو إنشاء “مجلس اتحادي” ليكون بمثابة مجلس الأعيان ضمن مجلس نواب على النحو المتوخى (في الأحكام) مؤلف من مجلسين تشريعيين (“المادة 65”). وحتى الإجراءات ذاتها لإدخال تعديلات على الميثاق تظل خاضعة لتفسيرات متباينة على نطاق واسع. 

الغوص في متاهة التعديل

من الناحيتين السياسية والقانونية، إن عملية تعديل الدستور طويلة وشاقة. وفي هذا السياق، يسلّط الدستور الضوء على آليتين: (1) عملية تعديل مرحلية تتطلب تصويتاً بالأغلبية البسيطة في مجلس النواب، ومن ثم إجراء استفتاء شعبي يستوجب تصويت الأغلبية بالإيجاب على المستوى الوطني وعلى ما لا يزيد عن قلة من المحافظات الفردية التي ترفض الاقتراح بأغلبية ساحقة، (2) وعملية تعديل عامة تتطلب موافقة ثلثيْ أعضاء مجلس النواب، ثم إجراء استفتاء عام بسيط. 

وبصورة أكثر تحديداً، نصت “المادة 142” على أنه في أعقاب تشكيل مجلس النواب بفترة وجيزة، كان من المتوقع أن يقوم بتشكيل لجنة تكون مهمتها إعداد تقرير حول التعديلات المقترحة في غضون “أربعة أشهر”. وكان من المقرر الموافقة على هذه التعديلات من خلال تصويت أغلبية بسيطة في المجلس التشريعي، ثم طرحها للاستفتاء وتمريرها ما لم يتم نقضها بأغلبية ثلثي الناخبين في ثلاث من محافظات العراق الثمانية عشر. ويُفترض أن واضعي مسودة الدستور قصدوا أن يكون هذا “الإجراء الانتقالي” متاحاً فقط في بداية مجلس النواب الأول في عام 2006 – في الواقع، يبدو أن اللغة في “المادة 142” تشير إلى أن أحكامها ربما تكون قد انتهت صلاحيتها منذ فترة طويلة. ومع ذلك، نظراً إلى عدم تحديد تاريخ نهائي صراحةً، واصل قادة مجلس النواب، بدعم من “توضيح” “المحكمة الاتحادية العليا” المقدم عام 2017، العمل كما لو أن هذه الآلية سارية المفعول إلى أجل غير مسمى، مما لا يتطلب سوى التصويت بأغلبية بسيطة في المجلس التشريعي. وقد تم بالفعل تشكيل لجنة المراجعة الإلزامية، ولكنها تجاوزت بأشواط فترة الأشهر الأربعة المحددة لها لاقتراح تغييرات.

وتتناول “المادة 126” الآلية الثانية، التي تنص على بدء تعديل الدستور من خلال اقتراح مشترك من قبل رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو من قبل خُمس أعضاء مجلس النواب. وبعد ذلك يجب الموافقة على هذا الإجراء من قبل ثلثيْ أعضاء مجلس النواب وتصويت أغلبية بسيطة في استفتاء شعبي، مع عدم منح سلطات النقض للمحافظات. واستناداً إلى هذه المادة، شكّل الرئيس برهم صالح لجنة لاقتراح التعديلات خلال احتجاجات “تشرين” عام 2019، مشيراً إلى أن رئاسة الجمهورية تؤمن بأن “المادة 126” سارية المفعول أساساً.

وعلى الرغم من أن المقاربتين هما حالياً قيد التنفيذ، إلا أنه لم يتمّ تقديم أي منهما رسمياً، علماً أن السعي إلى اعتمادهما في آن واحد ينافي النوايا المفترضة للمخططين والمتمثلة بتوفير عملية مرحلية متأنية – أي اقتراح مجموعة أولية من التعديلات عبر التدابير المؤقتة الموضحة في “المادة 142″، ثم تفعيل “المادة 126” باعتبارها المسار الوحيد لأية تعديلات مستقبلية. وإذا ما بقي المساران مفتوحين، فسوف يصطدمان من دون شك، وربما سيرغما “المحكمة الاتحادية العليا” على التدخل والفصل بموجب قرار وليس مجرد توضيح، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع المضطرب أساساً.    

ومع ذلك، في حين تُعتبر العملية الرسمية لتعديل الدستور شاقة، إلّا أن هذا التعقيد يوفر ضمانات حماية جاهزة ضد الاستغلال المتقلب أو الخبيث للتعديلات من أجل تحقيق مكاسب سياسية. ولا ينبغي الاستخفاف بتغيير الميثاق (أو، في أوقات الأزمات، تنفيذه على الإطلاق) نظراً لتداعياته الكبيرة على توازن القوى في العراق – ليس فقط داخل/فيما بين الأحزاب السياسية، ولكن أيضاً بين السلطة التشريعية وأولئك المواطنين الذين كانوا يضغطون من أجل التغيير.

التداعيات السياسية

باستثناء فترة قصيرة خلال ذروة احتجاجات “تشرين” في عام 2019، لم يتمتع العراق لبعض الوقت بالبيئة السياسية المناسبة لمثل هذه العملية الضخمة كتعديل الدستور. وبناءً على ذلك، قد يكون من الأفضل أن ينظر قادته في عقد مؤتمر دستوري أو آلية مماثلة في المقام الأول – أي عملية تكتسب شرعيتها من خلال مشاركة المجتمع المدني ومُصممة خصيصاً للنظر في مزايا التعديلات المحتملة ومناقشتها قبل طرحها للتصويت رسمياً. ويمكن بعد ذلك عرض النتائج على مجلس النواب وإخضاعها للإجراءات القانونية السائدة.

فضلأ عن ذلك، ووسط هذا الجوّ المستقطب السائد اليوم، قد تمنح بعض جوانب الغموض في الدستور المشرعين مزيداً من الوقت والمجال لإعادة هيكلة النظام الدستوري قبل محاولة تعديل الدستور بحدّ ذاته. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التوسّع في جوانب الوثيقة الأكثر إيجابيةً (خاصة الحقوق المدنية) عبر تشريع جديد أو وثيقة حقوق. على سبيل المثال، على الرغم من صعوبة النقاش حول سنّ قانون وطني للمواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، سيكون إقرار هذا التشريع الذي يجيزه الدستور أقل صعوبة من محاولة إعادة النظر في كيفية تصوّر الدستور للاتحادية ودور “إقليم كردستان”.   

كما يجب إعطاء الأولوية لبناء المؤسسات المنصوص عليها في الدستور. ويتمثل برنامج الأعمال الأول في إنشاء “محكمة اتحادية عليا” جديدة وفقاً لـ “المادة 92 (2)”. ثانياً، من أجل تجنب الخطوة الصارمة المتمثلة في الانتقال إلى نظام رئاسي مع الاستمرار في الاستجابة للدعوات إلى مزيد من المساءلة، يمكن لمجلس النواب أن يسن تشريعاً جديداً يُمكّن الرئيس باعتباره “حامي الدستور”. وسيتماشى هذا الأمر مع “المادة 67″، التي تمنح الرئيس صلاحيات المراجعة الإدارية وسلطة الإدعاء على الحقوق الدستورية.

وبالنسبة لدور الولايات المتحدة، فلا يزال دستور عام 2005 الإرث الأبرز الذي تركته أمريكا في العراق ويجب أن يبقى على هذا النحو. وتحقيقاً لهذا الهدف، وفي وجه البدائل غير المؤكدة، يتعين على واشنطن و “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” مساعدة بغداد مجدداً على إعادة هيكلة النظام الدستوري من خلال اتخاذ خطوات تشريعية وفي مجال السياسة، من دون تعديل الدستور في الوقت الحالي. ويمكن أن تندرج هذه المساعدة القانونية ضمن اختصاص “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” الثنائية (خاصة الفرعين الثاني والثامن)، والتي تلزم الولايات المتحدة بـ “دعم وتعزيز ديمقراطية العراق ومؤسساته الديمقراطية”. وعلى الرغم من الأزمة المتفاقمة، لا تزال سياسة العراق التي تشكل موضع نزاع شديد مراعية إلى حدّ ما للدستور، على الأقل ظاهرياً. وبغية الحفاظ على هذا الشق المهم للدستورية، على بغداد وشركائها الدوليين النظر بجدية في كيفية تعزيز الدستور وجعله يُطبَّق بشكل أفضل – ليس فقط من أجل التقدم في المجال السياسي، بل من أجل مستقبل الشعب أيضاً.        

تعليق: اجتماع اللجنة الرباعية حول مسألة الشرق الاوسط يتصعب ان يثبت فعاليته

اجتماع اللجنة الرباعية (روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) حول مسألة الشرق الاوسط عقد فى موسكو فى يوم 10 مارس

بثت وكالة انباء الصين الجديدة شينخوا تعليقا تحت عنوان” اجتماع اللجنة الرباعية حول مسألة الشرق الاوسط يتصعب ان يثبت فعاليته” وفيما يلى نصه:

تساءل عن دور اجتماع اللجنة الرباعية

خلال السنوات الأخيرة ، بادرت روسيا للقيام بأنشطة دبلوماسية ، وشاركت بنشاط في التوسط في مسألة الشرق الأوسط. ان روسيا ليست فقط لديها علاقات تقليدية من الثقة والمزيد من اتصالات وثيقة مع الدول العربية ولكنها اجرت اتصالات منتظمة مع إسرائيل أيضا. في الوقت ذاته ، حافظت روسيا أيضا على اتصال مع كل من المعتدلين والنشطاء فى فلسطين. بحيث تأمل روسيا في الاستفادة من هذا الوضع الخاص لرفع دورها ومكانتها في حل قضايا منطقة الشرق الأوسط. وان حث روسيا على عقد اجتماع اللجنة الرباعية هذا في موسكو هو مثال على ذلك.

بيد أن المعلقين فى روسيا اعتقدوا ان اجتماع اللجنة الرباعية هذا يتصعب ان يثبت فعاليته. فقالت سوبونينا المعلقة على الاخبار الدولية فى “نيوز تايمز” أن اجتماع اللجنة الرباعية حول الشرق الاوسط الذى عقد في موسكو لم يكن فى وقته. وان ما فعلته كل من اسرائيل وفلسطين له السلبية لهذا الاجتماع مشيرة الى ان كلا من الطرفين لم يرسل ممثلا للمشاركة فى هذا الاجتماع، وذلك يرمز الى انه اتخذ موقفه المتشكك في وساطة دولية. فتجاهلت اسرائيل تجاهلا تاما للتوصيات التى وضعتها اللجنة الرباعية ، اما الفلسطينيون فهم دائما يشكون من تقاعس اللجنة الرباعية عن عملها وعدم الكفاءة. ينطبق الشيء نفسه على الحالة الفعلية ، لان اجتماع اللجنة الرباعية لم يحقق أي نتائج ملموسة.

المشاركون في العاصمة الروسية موسكو لحضور اجتماع اللجنة الرباعية في الشرق الاوسط

قال نيكونوف المدير التنفيذي لمؤسسة”العالم الروسي” إن اجتماع اللجنة الرباعية لا يمكن أن ننتظره انتظارا خاصا ، لان اسرائيل غير راغبة في التوصل الى أي اتفاق. طالما أن إسرائيل ليس لديها الإرادة، تعجز اللجنة الرباعية عن فعل شىء لاجل مفاوضات السلام الفلسطينية الاسرائيلية.

قالت الاستاذة زيويياغ ليسيكايا في معهد الدراسات الشرقية التابع لاكاديمية العلوم الروسية أنه مع ألاخذ في الاعتبار باسرائيل ليست مستعدة لاجراء مفاوضات السلام والانقسام داخل فلسطين ، ينبغي للجنة الرباعية النظر في ممارسة الضغط على اسرائيل والفلسطينيين معا، ولا حاجة إلى السماح لهم بلجلوس إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل وضع جدول أعمال واضح وخطة واضحة ايضا، لضمان تنفيذ هذه الخطط في المستقبل.

وجهت اسرائيل فى نفس اليوم الذى عقد فيه اجتماع اللجنة الرباعية ردا على هذا الاجتماع، فقال ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلى أن اجتماع اللجنة الرباعية في موسكو حاول فرض الحل الاصطناعي، وذلك لا يمكن إلا أن يؤخر عملية التسوية السلمية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني.

مشكلة واحدة بعد الاخرى

اصدر اجتماع اللجنة الرباعية الذى استمر ليوم واحد بعد اختتامه بيانا. وقال البيان ان السلام الفلسطيني الاسرائيلي واقامة دولة فلسطين محبة للسلام تتمشيان مع المصالح الاساسية لكل من فلسطين وإسرائيل ، ودول الشرق الأوسط في المنطقة والمجتمع الدولي. وأكد البيان على معارضة انشاء الوحدات الاستيطانية الجديدة الاسرائيلية في القدس الشرقية، واعتقد ان وضع القدس يجب حله عبر قنوات التفاوض.

ودعا البيان أيضا كلا الجانبين الفلسطينى والاسرائيلى الى التحرك وفقا للقانون الدولي والاتفاقات الموقعة سابقا والتزامات العمل، والاستمرار في الامتثال لخطة “خارطة الطريق” لتهيئة الظروف لاجراء مفاوضات السلام الناجحة.

ولكن في ذلك اليوم الذى عقد فيه في اجتماع اللجنة الرباعية ، كانت اسرائيل قد قصفت عدة مواقع في جنوب قطاع غزة ، مما أسفر عن اصابة أكثر من 10 اشخاص بجروح. وزعم الجيش الإسرائيلي أن هذه الغارة الجوية ردت على صاروخ اطلقه النشطاء المسلحون فى غزة على اسرائيل، وسيواصل الجيش الإسرائيلي التصدي لهجمات مماثلة فى المستقبل.

حثت الاطراف الرباعية الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في البيان فلسطين واسرائيل على الحفاظ على الهدوء وضبط النفس والامتناع عن أي عمل استفزازي. وأشار البيان إلى وجوب بدء المفاوضات غير المباشرة بين فلسطين وإسرائيل اولا، لأن ذلك هو خطوة هامة لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين بدون شروط مسبقة،. أعربت اللجنة الرباعية عن اعتقادها بأن المفاوضات المباشرة ينبغي أن تكون قادرة على أن تستكمل في غضون 24 شهرا انهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتحقيق تأسيس دولة فلسطين.

وقال لافروف وزير الخارجية الروسى إن اجتماع اللجنة الرباعية في الشرق الاوسط الذى عقد فى موسكو كان اجتماعا بناءا. وأعرب عن أمله في أن يرد كل من فلسطين واسرائيل ردا ايجابيا على نتائج الاجتماع. كما اكد بان كي مون امين عام الامم المتحدة انه لا يوجد أي خيار آخر عدا المفاوضات المباشرة بين فلسطين وإسرائيل. واعتقد ان اجتماع اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط سيحدث تأثيرا ايجابيا للغاية فى دفع عملية السلام فى منطقة الشرق الاوسط . / صحيفة الشعب اليومية اونلاين/

في هجوم غير مسبوق..

صحيفة فرنسية: عباس “المتسلط” يفقد سلطته

أمد/ باريس: تحت عنوان: “المتسلط -الاستبدادي محمود عباس يَفقد سلطته”، قالت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية يوم الثلاثاء، إنه في حين أن خياراته الاستراتيجية أضعفته، وانتُقد بسبب زلّاته وتجاوزاته “الاستبدادية”، فإن خلافة الرئيس الفلسطيني، البالغ من العمر87 عامًا، تبدو غير مؤكدة. ومع ذلك ما يزال قائداً يصعب التخلي عنه خاصة في نظر الإسرائيليين.

وذكرت، “يفعل ما يشاء دون مراعاة لأي شيء: القانون والمؤسسات والتقاليد (…) لقد أصبح شموليًا”. أقسى الكلمات التي قيلت علناً حتى الآن عن محمود عباس هي تلك التي صدرت عن شخصية سياسية فلسطينية، ناصر القدوة (69 عاما)، ابن شقيقة ياسر عرفات والرئيس السابق للدبلوماسية الفلسطينية، لجأ لتوه إلى غزة حيث انتقد رئيس السلطة الفلسطينية في مقابلة مع وكالة فرانس برس يوم الاثنين، طُرد من فتح بعد إعلان نيته الترشح للانتخابات التشريعية على قائمة منافسة لقائمة محمود عباس، ولم يعد القدوة، المنفي في فرنسا، إلى الضفة الغربية خوفًا على حياته، “القدوة” فضل الذهاب الى غزة دون الانضمام لحماس.

وتقول الصحيفة الفرنسية، إن توفيق الطيراوي، الذي يعدّ أحد قيادات “فتح”، هو رجل يتمتع بالثقة، وقد شغل منصب مدير جامعة الاستقلال، حيث يتكون الجنود الفلسطينيون في أريحا. لكن الأمور اتخذت مساراً آخر منذ تسريب تسجيل صوتي، نسمع فيه توفيق الطيراوي ينتقد حسين الشيخ، الرجل الثاني المنتخب حديثًا في منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن التنسيق مع إسرائيل، الطيراوي انتقد أكثر فأكثر قرارات محمود عباس، خاصة أن الأخير يبدو أنه يفرض حسين الشيخ خلفًا له.

وهي مواقف كلفت هذا المسؤول الكبير سحب الحماية المباشرة عنه من خلال حرمانه من السيارات الدفع الرباعي والحراس الشخصيين، وانتقلت العقوبات إلى إقالته من منصبه كمدير لجامعة الاستقلال في11 أغسطس. وأخيرًا إخراجه من حقل الوظائف السياسية.

وتنقل “ليبراسيون” عن المحللة السياسية نور عودة قولها، إن هذه الطريقة في سحق الناس جديدة بالنسبة للفلسطينيين، موضحا أنه عندما حوصر ياسر عرفات في المقاطعة، كان الفلسطينيون يخاطرون بحياتهم لدعمه بالتظاهر ضد الجيش الإسرائيلي الذي لم يمنعهم من انتقاده علانية، لكنه ظل الزعيم بلا منازع.

لكن اليوم مع محمود عباس بدأ الخوف يراود الناس، الوضع يشبه تقريبا ما حدث مع زعيم مخلوع آخر وهو ناصر القدوة، الذي طرد من اللجنة المركزية لحركة “فتح” لأنه تجرأ على الإعلان عن رغبته في تقديم قائمته الخاصة في الانتخابات التشريعية عام2021، التي ألغاها أبو مازن.

وتتابع “ليبراسيون” القول إن توفيق الطيراوي قد نجا من السيناريو الذي تعرض له الناشط نزار بنات الذي تحول إلى معارض شرس لنظام عباس. هذا الرجل، وبعدما انتقد تأجيل الانتخابات تعرض للضرب حتى الموت على أيدي عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في شهر يونيو من العام الماضي، ما أدى إلى مظاهرات على نطاق غير مسبوق اجتاحت شوارع رام الله، مظاهرات قمعتها السلطة الفلسطينية ما تسبب في تدمير الثقة الضئيلة التي بقيت بين الفلسطينيين والرئيس محمود عباس.

وبحسب نور عودة فإن محمود عباس لن يترك ذكريات طيبة، وهو أمر مؤسف لأنه تمكن من القيام ببعض الأشياء الجيدة خلال فترة رئاسته، بما في ذلك تعزيز وجود فلسطين في الأمم المتحدة. كان بإمكانه أن يذهب أبعد من ذلك لو كانت لديه رؤية سياسية.

حتى إسرائيل لا تريد أي شخص آخر، ولا تتنازل له عن أي شيء في نفس الوقت، رئاسة عباس التي كان من المقرر أن تستمر أربع سنوات، ستصبح قريباً ثمانية عشر عاماً، وتتميز بسلسلة من الأزمات التي تحولت بشكل منهجي إلى مصلحته.

واعتبرت “ليبراسيون” أن أبو مازن وضمن سعيه اليائس للبقاء في السلطة، أصبح مستبدًا بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، وأحسن من يخدم المصالح الإسرائيلية.

فبالنسبة إلى الدولة العبرية فإن أبو مازن لا يخوض حربا ضدها، فهو يحافظ على تنسيق أمني وثيق معها، وهو أمر ضروري لتمييز نفسه عن “حماس” والاستمرار في تلقي الدعم الغربي، ومن جهة لم ينجح في إحلال السلام، من خلال نقل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى الخارج ضمن معارك دبلوماسية عبثية.

ومع ذلك، تواصل “ليبراسيون”، يظل عباس قائدا حتميًا، والشخص الوحيد الذي يعرف أين يتجه في متاهة بناها بنفسه، بين العلاقات المعقدة مع إسرائيل، والحرب مع حماس، ومطاردة منافسيه، وكل ذلك مع الحفاظ على تأييد الغرب. لكن اليوم، وفق الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، فإن عباس يعزل نفسه أكثر فأكثر.

في المدن الكبرى، نابلس، جنين، الخليل، وفي مخيمات اللاجئين، تتحد الجماعات المسلحة في خلايا عابرة للأحزاب، وترفض تواجد رجال الشرطة الفلسطينية، وتضايق القوات المسلحة الإسرائيلية.

وتقول “ليبراسيون”، أن حماس تواصل توغلها حيثما تستطيع: اتحاد الطلاب، جمعية أطباء فلسطين.. من خلال تحدي الدولة العبرية بصواريخها، كشكل من أشكال المقاومة الملموسة لإسرائيل، بدلاً من التنازل عن التنسيق الذي تقوم به السلطة الفلسطينية.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى