أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

عن القوميّة العربيّة الحديثة

رأي  عبد المنعم علي عيسى 

يقول كارل ماركس، الذي نستشهد بقوله هنا كأكثر المستشرقين رصانة في رصد ودراسة ظواهر الشرق، إن أوّل تعبير عن «الشعور القومي العربي» المستيقظ كان قد جاء في سياق الرد على الأحباش والفرس، ويُضيف أنّ «ثورة» محمد «العروبية» كانت تمثل عودة للتراث التوحيدي الذي جسّده «الكتاب المقدّس» الذي جاء كنسخة معدّلة عن تراث عربي قومي قديم هو إرث «إبراهيم الخليل». ومن المؤكد أن هذا الرأي الأخير لماركس، الذي صنّف الكتاب المقدّس كنسخة معدلة من إرث إبراهيم، يستولد أسئلة كثيرة وردت بوضوح عند إلياس مرقص الذي قال إنها تتعلق بأسبابه ثم تتعلق بالمواضع التي حدث فيها. وفي الشقّ الأول قال إن الأسباب الموجبة له قد فرضتها شروط الحياة المتغيرة من نوع دخول الزراعة والعداء للجوار العربي. أمّا الشق الثاني المتعلق بالمواضع فله علاقة بقصة إبراهيم ومن بعده إسحاق ويعقوب وإسماعيل الذي تمثل حادثة «رفعه لقواعد البيت» بداية التأسيس لكينونة سوف تؤسس لاحقاً، أو تكون جنين إرث لبناء «تكتل» ناطق بالضاد.

برز الشعور القومي العربي بوضوح زمن الدولة الأموية (662 -750)، فالجناح الذي قاده معاوية بن أبي سفيان، مؤسس تلك الدولة، كان يمثل ولا شك «جناح المعارضة المكية» للنبي محمد (ص)، والطيف هنا يمتد، ومن دون شك أيضاً، ليطول مبدأ «الشعوبية» الذي نادى به الإسلام في محاولة لصهر نسيج متعدد الأعراق والثقافات كانت قد انضوت تحت راية الدين الجديد الذي كان أحد شعاراته أن «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». هذا المسار الذي أرساه المؤسس «المعارض» سوف يترسخ لاحقاً زمن عبد الملك بن مروان الذي بدأ العمل الحكومي في عهده يسجل بانتظام تعريب مؤسسات الدولة وطابعها. وفي السياق بات العرب المسلمون على رأس المجتمع حتى باتت ملامح المشروع عربية خالصة. والمؤكد هو أن «العروبة» كانت قد شهدت أزهى عصورها زمن الأمويين. ومن المؤكد أيضاً أن التجارب الحديثة التي عملت على استنهاضها كانت تستنير بتلك الفترة بكل أدبيّاتها وكل منعرجاتها الفكرية، ولربما أيضاً وقعت بنفس محاذيرها التي أدت إلى سقوطها في التجربتين السابقة واللاحقة.

كان انهيار الدولة الأموية يمثل في أهم تراسيمه انحساراً للمشروع العربي لصالح بروز مشروع «الشعوبية» الذي برز بوضوح زمن الدولة العباسية التي تناوشتها هويات عدة كانت العربية إحداها ولم تكن البارزة فيها في مراحل عدة، ثم جاء المغول، ومن بعدهم العثمانيون الذين حكموا المنطقة تحت راية «الخلافة الإسلامية» لمدة تزيد على الأربعة قرون استمرت حتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين. والشاهد هو أن الهوية العربية كان قد أصابها الكثير من التهتك، والتلون، على امتداد المرحلة الممتدة ما بين عام 1258 الذي سجّل مجيء الأولين وبين عام 1918 الذي شهد رحيل الأخيرين.

من حيث النتيجة كان الشريف حسين، في بيانه الذي أعلن فيه ثورته على العثمانيين، أقرب إلى التمحور حول «نصرة دين الإسلام»

كانت أولى نسائم القومية العربية الحديثة قد هبّت مع ظهور العديد من النخب المسيحية اللبنانية أواخر القرن التاسع عشر التي راحت كتاباتها تذكي الروح العربية بوسائل شتى، بدءاً من استحضار الموروث التاريخي الذي يغوص عميقاً في الذات العربية، ثم وصولاً إلى محاولة استنهاض ذلك الموروث، والمؤكد أن ذلك كان قد شكّل نقطة تلاق مع رياح الغرب، المقاد من بريطانيا في حينها، التي كانت تهدف إلى تسديد «ضربة قاضية» للإمبراطورية العثمانية التي بدا ترنحها واضحاً قبل نحو قرنين من سقوطها، فراحت تعمل على الاستثمار فيها. ولذا فإنه من الجائز القول إن «عاصفتَي» آب 1915 بساحة البرج – بيروت، و أيار 1916 بساحة المرجة – دمشق، اللتين شهدتا إعدام العثمانيين لكوكبة من القوميين العرب المنادين باستقلال بلادهم، كانتا ذروة ذلك المسار ونقطة تحول فارقة فيه. فاللحظة استولدت تأجيجاً للمشاعر القومية بدا طاغياً بدرجة يصح توصيفها معها على أنها باتت تمثل «حالة شعبية» يمكن الركون إليها في حسابات القوى والتيارات السياسية التي راحت تعمل ديناميكياً على تقطيع آخر الخيوط التي تربطها بـ«الراية العثمانية» ظناً منها أن الفعل سوف يقودها إلى تحقيق مراميها في الاستقلال تحت راية عروبتها المنشودة. وما جرى هو أن المرامي البريطانية كانت تتلاقى، عند نقطة محددة لا تتجاوزها، مع تلك الحالة، وتفترق معها في ما بعدها.

هنا، يمكن في سياق التشريح للمسار الذي اختطته الفكرة ما بعد «البرج والمرجة» منتصف العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم، التمييز بين الإرهاصات التي استولدتها أفكار المسيحيين العروبيين في لبنان بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر، وبين الحركة التي قام بها الشريف حسين بن علي انطلاقاً من الحجاز لتحرير البلاد العربية بدعم بريطاني. والثابت هو أن اللبوس الذي استخدمته هذه الأخيرة لم يكن قومياً عروبياً خالصاً، وإنما كان يستند إلى «سلفية إسلامية» ارتأت أن تتزين بـ«زراكش عربية» كان الغرض منها هو توسعة جبهتها واستمالة التيار العروبي الأصيل الناهض في الرحم العربية، بل وضعه تحت عباءتها.

كانت إيديولوجيا «ثورة الحجاز» التي قادها الشريف حسين لتحرير المنطقة من العثمانيين قد ارتكزت على إرثَين «مشوبين» بصبغتهما العربية. ولكي يكون التوصيف أكثر دقة يمكن القول إن ذينك الإرثين كانا يمتحان من «السلفية» زادهما الأساس، وإن احتوى الأخير على بعض «المقبلات» ذات النكهة العربية، أولهما أفكار عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتابي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» الذائعي الصيت. وعلى الرغم من أن الكتابين كانا قد وُضعا، في المناهج الدراسية وكذا في أدبيات معظم من تناول تلك الفترة بالبحث والدراسة، في سياق المناهضة الفكرية للاحتلال العثماني ومحاولة خلق قوالب «عروبية» قادرة على تفكيكه، فإن الأدوات المستخدمة في ذلك كانت لا تخرج عن نظيرتها التي استخدمت لترسيخ ذلك الاحتلال. وبمعنى أوضح كان مشروع الكواكبي أميل لأن يكون محاولة لنقل «الخلافة العثمانية» إلى «الحظيرة العربية» لكن دون المساس بطبيعتها الإسلامية عبر حصر قيادتها بالعرب المسلمين، وهذا بالتأكيد لا يمثل خطاباً، أو منهجاً قومياً عربياً بل يمثل خطاباً إسلامياً صارخ الوضوح. وثانيهما رشيد رضا الذي قال عقب مبايعته للشريف حسين بأن «الإسلام دين حكمه عربي» وفي حينها أكد على أن تكون الخلافة «قرشية»، لكن التطورات التي أعقبت سقوط حكم الهاشميين في سوريا بعد دخول الفرنسيين إليها كان قد قاده للتحول نحو الوهابيين الذين كانت تباشير ميلان الكفة لصالحهم تبين في الأفق.

ومن حيث النتيجة كان الشريف حسين، في بيانه الذي أعلن فيه ثورته على العثمانيين، أقرب إلى التمحور حول «نصرة دين الإسلام» وعلى أساس الشرع الإسلامي «الذي لا يكون لنا مرجع سواه»، حتى إن الشريف حسين لم يأت على أي ذكر للعروبة في بيانه السابق الذكر، وإنما اكتفى بالإشارة إلى أن «العصيان على الدولة العثمانية هو واجب ديني». وهذا يقود إلى استخلاص النتيجة التالية: إن ثورة الشريف حسين، التي أُطلق عليها في كتب التاريخ والمناهج المدرسية اسم الثورة العربية، لم تكن كذلك، ولا هي تنتمي إلى الغرس الذي بانت جذوره عند الاحتكاك مع الفرس والأحباش، المشار إليه في رؤية كارل ماركس، والذي تبلور في ما بعد زمن الدولة الأموية التي استنارت بها أفكار القومية عند المسيحيين اللبنانيين، وجلّ ما كانته هو نقل للخلافة الإسلامية من الكتف العثمانية إلى الكتف العربية.

هنا يمكن القول إن أفكار القومية العربية الحديثة التي جاءت بطبعتين اثنتين أولاهما «طبعة البعث» وثانيتهما «الطبعة الناصرية» لم تأتِ، فقط، من الأدبيات التي قدّمها منظّرو القرن التاسع عشر المسيحيون اللبنانيون، وإنما شابها الكثير مما روّجت له ثورة الشريف حسين، وما اعتدت به من إرث إسلاموي سبق ذكره. ولعل هذا ما يفسر ذهاب المدرستين نحو مزاوجة «الروح الإسلامية» بالروح العربية. وعلى الرغم من أن استحضار ذلك الفعل كان يبدو مبرّراً، لاعتبارات عدة لا يمكن تجاوزها لعل أبرزها أن الإرث الإسلامي يغوص بدرجة كبيرة داخل الذات المجتمعية العربية عموماً، فإن النتائج جاءت بعد التطبيق لتحدث حالة هي أقرب إلى تغليب للأولى على الأخيرة بدرجة أصبح معها الفعل معيقاً لحركة العربة. والمؤكد هو أن فعلاً نقيضاً، كان يمتلك مشروعية أكبر بما لا يقاس عن الفعل الذي مورس من تينك المدرستين، فالعروبة، بصبغتها «الأموية»، تمثّل ضرورة لبقاء المجتمعات العربية، ولا بديل منها كهوية حضارية تؤطر للصورة التي يعرفنا بها العالم، وكل النظريات والطروحات التي سعت إلى تغليب إيديولوجيا «ما» عليها فشلت، ولسوف تفشل في محاولاتها اللاحقة.

هكذا تصبح “مبادرة السلام العربية” نافذة إسرائيلية لتوسيع التطبيع مع العالم العربي

بقلم: يوئيل جوجنسكي

يديعوت أحرونوت

يقدر كثيرون في إسرائيل بأن المطالب التي عرضتها مبادرة السلام العربية كشرط للتطبيع مع إسرائيل فقدت مفعولها، لكنه تقدير مغلوط. فالسعودية، الأهم من بين الدول العربية والإسلامية والتي لا اتفاق بينها وبين إسرائيل، تشدد بقوة أكبر، وبالذات منذ توقيع اتفاقات إبراهيم، على التزامها بهذه الصيغة وتربط بينها وبين التطبيع مع إسرائيل.

السعودية، التي وقفت من خلف المبادرة الأصلية، تسعى الآن كما يبدو لنفض الغبار عن المبادرة كصيغة منافسة لاتفاقات إبراهيم للسلام بين إسرائيل والعالم العربي. فما هي الدوافع السعودية من خلف محاولة إحياء المبادرة الآن. ربما يكون هذا انعكاساً للتأييد الجماهيري في الخليج لاتفاقات إبراهيم، الذي اهتز في السنة الأخيرة، ومحاولة للتصدي لنقد الشارع العربي تجاه المملكة كمن أيدت من الخارج وبشكل غير مباشر هذه الاتفاقات. فمحاولات السعودية المضي بالمبادرة ترتبط أيضاً بإرادة المملكة العودة لشغل دور القيادة في العالم العربي، ورغبة ولي العهد والحاكم الفعلي، محمد بن سلمان، تثبيت مكانته داخل المملكة وفي الساحة الإقليمية والدولية، ولاعتباره لاعباً براغماتياً وإيجابياً.

تشكل المبادرة عملياً صيغة ترسم مبادئ المفاوضات والتسوية السياسية. وهي تترك مجال مناورة لمعان مختلفة وحلول عملية. فقد تقرر مثلاً أن حل “مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يجب أن يكون “متفقاً عليه”. وثمة مثال آخر، وهو انعدام المطالبة بإخلاء كل المستوطنات، مما يترك مجال مرونة لترتيبات على أساس إبقاء الكتل المحاذية لإسرائيل.

موقف إسرائيل من مبادرة السلام العربية كما هي، كان ولا يزال متحفظاً. فالحديث يدور عن وثيقة إشكالية أساساً في موضوع اللاجئين (بالاستناد إلى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 194 في ظل رفض التسوية التي بموجبها يتم توطين اللاجئين في الدول المضيفة). لكن إعلاناً متجدداً من جانب إسرائيل بأن مبادرة السلام العربية تشكل أساساً لمفاوضات متجددة إلى جانب استعداد لتعزيز المكانة المتدهور للسلطة الفلسطينية واستئناف المسيرة السياسية معها، كفيل بأن يكون بمثابة اختراق للطريق المسدود في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.

بالنسبة لإسرائيل، هناك قيمة لإجراء حوار مع لاعبين براغماتيين كالسعودية، ومحاولة الوصول معها إلى صيغة متفق عليها حول المبادرة. ستحظى إسرائيل بنقاط استحقاق في الدولة التي هي الأهم في العالم العربي، وتلك بالشرعية في الرأي العام لمزيد من الانفتاح تجاه إسرائيل.

في ضوء هبوط تأييد اتفاقات إبراهيم من العالم العربي، على إسرائيل أن تفحص ما إذا بقي نموذجها ذا صلة في الظروف الإقليمية والدولية الحالية. لأنه يجب التفكير بحلول أخرى لتعزيز مسيرة التطبيع.

بعد عقدين من نشرها، وسنتين من التوقيع على اتفاقات إبراهيم، ظلت مبادرة السلام العربية ذات صلة. لا يمكن لإسرائيل أن تقبلها كما هي، لكن السعوديين أوضحوا بأنها أساس للمفاوضات. في المبادرة قيمة محتملة لإسرائيل، وموقفها منها جدير بفحص متجدد كأساس للبحث تعرض في إطاره تحفظاتها ومطالبها.

انتخابات الكويت تقدم نظرة ثاقبة على السياسات الأوسع نطاقاً في الخليج

سايمون هندرسون

تعكس عملية الاقتراع للانتخابات البرلمانية في الكويت والأحداث التي أدت إليها، وجود نظام في حالة شبه شلل بدلاً من نموذج تحتذي به دول الجيران.

عندما توجه الكويتيون إلى صناديق الاقتراع في 29 أيلول/سبتمبر لاختيار أعضاء “مجلس الأمة” الجديد المكوّن من خمسين عضواً، لم يتوقع المعلّقون حدوث تغيير عام يُذكر في توازن القوى غير الفعال غالباً بين السلطة التشريعية وعائلة آل صباح الحاكمة. وتأتي هذه الانتخابات في أعقاب إقدام ولي العهد الأمير مشعل الصباح على حل “مجلس الأمة” في الثاني من آب/أغسطس بعد أشهر من المشاحنات السياسية.

وترشح نحو 400 شخص للانتخابات، وإن تم انسحاب العشرات من السباق في الأيام الأخيرة. وكان من بين المرشحين 27 امرأة، فيما لم تُنتخَب أي امرأة في دورة عام 2020. وفي “مجلس الأمة” السابق، صُنّف 24 عضواً كجزء من المعارضة، وقد خاض المعركة الانتخابية هذه المرة العديد من الشخصيات الجديدة في المعارضة بعد مقاطعتهم الانتخابات منذ عام 2012. ومن بين هذه الشخصيات خمسة إسلاميين، إلى جانب العديد من الأشخاص الآخرين الذين يتمتعون بعلاقات وثيقة مع جماعة «الإخوان المسلمين» وفقاً لبعض التقارير. ومع ذلك، أياً كان المرشحون الفائزون، فمن غير المرجح أن تتغير حالة الجمود السياسي الشامل الذي يسود في الكويت: تُعتبَر عائلة آل صباح حاكمة وليست ملكية، وقد أنتج الدستور نظاماً يعيّن بموجبه الأمير أحد أقاربه كرئيس للوزراء، لكن باستطاعة “مجلس الأمة” استخدام حق النقض (“الفيتو”) ضد القوانين واستدعاء الوزراء للاستجواب.

ومن الناحية المالية، تواجه الحكومة حالة فوضى ناتجة عن مشاكل السيولة والعجز في الموازنة على الرغم من تفاخرها بامتلاك صندوق ثروة سيادية بقيمة 750 مليار دولار. وقد مكّنت الاحتياطيات النفطية الهائلة معظم المواطنين من تحصيل رواتب من القطاع العام، لذلك كان التنوع الاقتصادي ضئيلاً.

وعلى عكس الدول المحافظة الأخرى في الخليج العربي، حيث انتقلت القيادة إلى جيل أصغر سناً سواء عملياً أو بالكامل، لا تزال الكويت دولة يحكمها المسنون ويبدو أنها ستبقى كذلك إلى أجل غير مسمى. فالأمير نواف الصباح يبلغ من العمر خمسة وثمانين عاماً وهو في حالة صحية متدنية. ويبلغ عمر أخيه غير الشقيق ولي العهد، الأمير مشعل، واحداً وثمانين عاماً، وقد توفي الأمير السابق، صباح الصباح، عام 2020 عن عمر يناهز الحادية والتسعين.

علاوةً على ذلك، لا تبدو الكويت النموذج الأفضل لفوائد الديمقراطية بالنسبة إلى باقي الدول في «مجلس التعاون الخليجي» المؤلف من ستة أعضاء. وقد دفع الجمود السياسي المستمر ولي العهد الشيخ مشعل مؤخراً إلى توجيه تهديد غامض باتخاذ “إجراءات حازمة” غير محددة إذا استمر المأزق بعد الانتخابات. وبالنظر إلى خلفيته في قوات الأمن في البلاد، فقد يعني ذلك تعليق عمل “مجلس الأمة” وفرض شكل من أشكال الأحكام العرفية.

ومع ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً في الأشهر القليلة المقبلة هي أن الكويت ستشق طريقها عبر الأزمة، على الرغم من أن الخليج قد يشكل بيئة لا يمكن التنبؤ بها. فأراضي البلاد ومنشآت النفط فيها متاخمة للعراق الذي يفتقر إلى الاستقرار، وهي تقع على بُعد أميال قليلة من إيران العدوانية. وفي الآونة الأخيرة، أدى تطوير الكويت لحقل غاز طبيعي بحري إلى حث طهران على المطالبة بحصة. وفي عام 2019، أفادت بعض التقارير بأن طائرات إيرانية بدون طيار حلّقت عبر المجال الجوي الكويتي أو قريباً جداً منه في طريقها إلى مهاجمة منشآت النفط السعودية.

وفي العقود التي مرت منذ أن قادت الولايات المتحدة التحالف الذي ضمن عودة العائلة الحاكمة وإحياء “مجلس الأمة” بعد غزو صدام حسين، حافظت واشنطن على وجود عسكري كبير في الكويت، وشمل ذلك تنفيذ العديد من العمليات من “قاعدة علي السالم الجوية”. وتشمل الأهداف التي يصعب تحقيقها حتى الآن بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية، إشراك الكويت بشكل أكبر في التعاون العسكري والاستخباراتي الذي أجرته الدول الأخرى في «مجلس التعاون الخليجي» مع إسرائيل بسبب المخاوف المشتركة بشأن إيران. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى وجود حد أدنى من الدعم العام للاتصالات مع إسرائيل، ويحظر القانون الكويتي رسمياً إقامة علاقات مع المواطنين الإسرائيليين، على الرغم من وجود اتصالات سرية.

الملك السعودي يتنازل عن منصبه كرئيس للوزراء لصالح ولي العهد

سايمون هندرسون

سيؤدي نقل السلطة من العاهل السعودي لابنه ولي العهد إلى تعزيز سلطة الأمير وربما قد يكون ذلك مقدمة لتنازل غير مسبوق للملك سلمان عن العرش.

في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر، صدر أمر ملكي بتعيين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيساً جديداً للوزراء في المملكة العربية السعودية. ومن شأن هذا الإعلان المفاجئ – الذي يتعارض مع “النظام الأساسي” للمملكة والترتيب التقليدي المتمثل في تولي الملك منصب رئيس الوزراء – أن يضفي الشرعية بحكم القانون على السلطة السياسية التي يتمتع بها بن سلمان بحكم الأمر الواقع منذ بعض الوقت.

فصحة الملك سلمان البالغ من العمر 86 عاماً قد تدهورت بشكل متزايد منذ توليه العرش في عام 2015، لكنه واصل بشجاعة في الظهور علناً (على سبيل المثال، مشاركته في الاجتماعات الأسبوعية لمجلس الوزراء، والتي من الواضح أنه سيواصل القيام بها على الرغم من أنه لم يعد يحمل لقب رئيس الوزراء). وقد يعني تسليم محمد بن سلمان هذا المنصب أن العاهل السعودي يفكر بالتنازل عن العرش، في خطوة غير مسبوقة بالنظر إلى أن الملوك السعوديين عادة ما يحكمون حتى وفاتهم. 

وسابقاً، شغل محمد بن سلمان منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع. وفي حين لم يتمّ بعد تعيين بديل له في المنصب الأول، إلّا أن شقيقه الأصغر سناً خالد بن سلمان سيتولى حقيبة الدفاع، علماً أن هذا الأخير هو طيار سابق لطائرة “أف-15” تمّت ترقيته من منصب نائب وزير الدفاع ويُعتبر المستشار الأكثر ثقة لولي العهد. وتجدر الإشارة إلى أن الأميرين هما في الثلاثينات من عمرهما فقط. وتم الإعلان أيضاً عن تغييرات وزارية أخرى، ولكن لم يطرأ تغيير على منصبين رئيسيين، إذ احتفظ الأمير فيصل بن فرحان بوزارة الخارجية، والأمير عبد العزيز بن سلمان، الأخ غير الشقيق الأكبر سناً لمحمد بن سلمان، بحقيبة النفط كونه وزيراً للطاقة، مما يشير إلى عدم وجود تغيير في سياسة المملكة على هذا الصعيد.

وفي ميدان السياسات العامة الأخرى، قد تؤثر الخطوة في آفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية، حيث يُنظر إلى الملك سلمان على أنه عائق أمام هذه العملية، إذ أبطأ مُعظم الجهود الرامية إلى إقامة علاقات عامة مع القدس. ولكن إذا كان تنازله عن العرش وارداً فعلاً، فقد يلين موقف الرياض إلى حد ما في هذا الصدد (على الرغم من أن استطلاعات الرأي السعودية الأخيرة تشير إلى أن المواطنين لن يتبنوا مثل هذه الخطوات).

ولا يُتوقع أي تغيير في العلاقات مع الولايات المتحدة، على الرغم من أن المعلقين أشاروا إلى أن بن سلمان كرئيس للوزراء سيتمتع بحصانة سيادية عندما يسافر إلى الخارج. ففي السابق، ربما كان يتوخى الحذر بشأن زيارة الولايات المتحدة خشية مواجهة إجراءات قانونية محتملة على خلفية مقتل الصحفي في “واشنطن بوست” جمال خاشقجي. وبغض النظر عن التحليل المنطقي لترقيته إلى هذا المنصب، فقد تكون مفاعيل هذا التغيير كبيرة على السعودية وعلاقاتها الخارجية على حد سواء.

وحدهم هؤلاء هم الذين يقدرون “القيم الغربية”

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏‏كيتلين جونستون*‏ – (كونسورتيوم نيوز)

إنهم منتقدو الإمبراطورية الغربية هم الذين يجسدون القيم، مثل الحقيقة، وحرية التعبير، والمساواة والمساءلة التي يجب أن تعتنقها الصحافة القوية والجسورة.‏

* * *

هل سبق وأن لاحظتم كيف أن أولئك الذين يصرخون بأعلى صوت ضد الاستبداد في البلدان الأجنبية هم نفس الأشخاص الذين يدعون إلى تشديد الرقابة، وحرمان كل شخص ينتقد الإمبراطورية الغربية من منصات التواصل؟‏

إنه فيروس عقلي منتشر في كل مكان في جميع أنحاء المجتمع الغربي. أي شخص -وأنا أعني ‏‏أي شخص-‏‏ ينتقد بقوة وباستمرار السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها أمام جمهور كبير سرعان ما يصفه المدافعون عن الإمبراطورية بأنه عميل روسي، ويرافق هذا الإجماع رأي متزايد باطراد يقول بأنه يجب حظر عملاء روسيا و”الحمقى المفيدين”** من المنصات الغربية.‏

لن يعترف المدافعون عن الإمبراطورية الغربية بأنهم يريدون جميع منتقدي الإمبراطورية ساكتين، لكنّ هذا هو ما تحصل عليه حقاً عندما تجمع بين (أ) حقيقة أنهم ينظرون إلى كل من ينتقد الإمبراطورية بما يكفي من الجسارة على أنه عميل روسي، مع (ب) دعوتهم إلى أن أولئك الخاضعين للنفوذ الروسي يجب أن يخضعوا للرقابة.‏

كلما انتقدتُ السياسة الخارجية للإمبراطورية الغربية، فإنني أجد مدافعين عنها يقولون لي إنه لن يُسمح لي أبدًا بانتقاد حكامي بهذه الطريقة لو أنني كنت أعيش في دولة مثل روسيا أو الصين، بينما يعرفون جيدًا أنه لو كان الأمر متروكًا لهم، فإنه لن يسمح لي بانتقاد الإمبراطورية الغربية هنا أيضًا.

إن المشكلة في “القيم الغربية” هي أن الغربيين أنفسهم لا يقدِّرونها. ‏إنهم ‏‏يعتقدون‏‏ بأنهم يقدرونها، لكن كل هذا التغني بحرية التعبير ومحاسبة السلطة بنور الحقيقة، يخرج مباشرة من النافذة في اللحظة نفسها التي يرون فيها أحداً يقول شيئًا يختلف اختلافا ظاهراً عما أخبرهم به حكامهم ودعايتهم. ثم يريدون إسكات هذا الشخص وحظره.‏

في الحقيقة، إنهم أشد منتقدي الإمبراطورية الغربية هم الذين يجسدون هذه القيم الغربية أكثر بما لا نهاية مما يفعل المدافعون عن الإمبراطورية.‏

إنهم منتقدو الإمبراطورية هم الذين يقدرون حرية التعبير ويحاولون محاسبة الأقوياء. وهم لاعقو الأحذية الذين تم غسل أدمغتهم في الإمبراطورية المتمركزة حول أميركا هم الذين يدعون إلى الرقابة، ويصرخون لإغراق صوت أي شخص يجري تمحيصاً ويوجه نقداً معارضًا جسوراً إلى أقوى الناس في العالم.‏

يقول لي الناس “انتقلي إلى روسيا”! أو “انتقلي إلى الصين”! اعتمادا على أي جانب من جوانب أجندات القوة العالمية للإمبراطورية التي يصادف أنني أنتقدها في تلك اللحظة. وأريد دائما أن أقول لهم، لا، ‏‏أنت‏‏ الذي يجب أن تذهب إلى روسيا. ‏‏أو إلى الصين.

إنه أنت هو الشخص الذي يحاول قمع المعارضة وإسكات الانتقاد الموجه إلى الأقوياء.

أنا هو الطرف الذي يعيش وفقًا للقيم الغربية، كما تم بيعها لي، ويطالب بالتدقيق الطبيعي في أعمال أقوى إمبراطورية موجودة على الإطلاق. و‏‏أنت هو الطرف‏ الذي‏ لا تنتمي إلى هنا.‏

‏في المدرسة، يقومون بتعليمنا أن مجتمعنا يقدّر الحقيقة، وحرية التعبير، والمحاسبة، والمساءلة، التي تمارسها صحافة قوية جسورة. ثم نكبر ونرى الجميع وهم يمزقون ملابسهم لأن مؤسسات مثل ‏‏”سي. بي. إس. نيوز”‏‏ أو “‏‏منظمة العفو الدولية”‏‏ لا تسمح لأكثر من تقرير صغير واحد لا يتوافق تمامًا مع الموقف الرسمي لحكامنا بأن يتسلل.

إننا نرى ‏‏وسائل الإعلام الروسية وهي تُحظر، وبروتوكولات الرقابة وهي ‏‏تتسع إلى التشجيع المتحمس لليبراليين السائدين. إننا نرى ‏‏عمليات التصيد المتخفي وهي‏‏ تستخدم لتأليب الجماهير والصراخ ضد أولئك الذين يدققون في موقف المؤسسة حول أوكرانيا على وسائل التواصل الاجتماعي.

ونرى جوليان أسانج يقبع في سجن بلمارش بسبب جريمة “ممارسة ‏‏الصحافة غير المصرح بها”‏‏.‏

من الواضح لدى إلقاء نظرة حولنا أن “القيم الغربية” التي يتم إخبارنا عنها جميعًا ليست شائعة إلى حد استثنائي في الغرب.‏

انظروا إلى المنصات الإعلامية الرئيسية في الغرب وهي لا تكاد تتبنى أبدًا أي شخص ينتقد بشكل هادف مراكز القوى الحقيقية في الحضارة الغربية.

انظروا إلى الحكومات الغربية وهي ترقص باستمرار على إيقاع الأوليغارشية والإمبراطورية بغض النظر عن كيفية تصويت الناس في انتخاباتهم التي يفترض أنها ديمقراطية وحرة.

انظروا إلى الإنترنت وستجدون أن من الصعب جدًا في الحقيقة العثور على انتقادات حقيقية للقوة الإمبريالية -ما لم تكن تعرف مسبقاً أين تبحث.‏

لقد اقتنع بعضنا بتلك القيم الغربية التي تعلمنا عنها في المدرسة، لكنها ليست الأشخاص الذين جرى تدريبك على توقعها منهم. إنهم نحن، الخارجيون المهمشون، هم الذين يعارضون بشدة الرقابة والدعاية وحرب الإمبراطورية على الصحافة، ونعمل باستمرار على تسليط الحقيقة على آليات السلطة من الهامش، بينما يصرخ بنا ويتهمنا بالخيانة المتملقون الرئيسيون الذين لديهم قدر أكبر بكثير من القواسم المشتركة مع المستبدين الذين يدَّعون أنهم يعارضونهم مما لهم مع القيم الغربية التي يزعمون أنهم يجلونها.‏

كيف تنظر الصحافة الإيرانية إلى المفاوضات النووية؟

علي منتظري* – (أوريان 21)

علاء الدين ابو زينة

لا يفتأ ملف المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية يشهد تقلبات من أسبوع لآخر، فتارة يُقال إن الطرفين على وشك الوصول إلى اتفاق، وطوراً تبدو الأطراف المعنية متشائمة.

وفي الأثناء، تتابع الصحف الإيرانية هذه التطورات باهتمام وشغف، وتتساءل عن الجدوى من نجاح هذه المفاوضات، كما تتبادل الحجج والتحاليل الجيوسياسية التي تأخذ بعين الاعتبار موقفي روسيا وإسرائيل.

* *

بعد أربعة أشهر من بدء أول جولة مفاوضات تخوضها بلاده من أجل استعادة الاتفاق النووي الإيراني، تسلم الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي مقاليد الحكم في إيران.

وأسند مهمة قيادة المفاوضات إلى نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، علي باقري كني، الدبلوماسي المعروف بمواقفه الرافضة للاتفاق المبرم في العام 2015، الأمر الذي أثار انتقادات في أوساط التيار الإصلاحي.

إلا أن طيفاً واسعاً من الإصلاحيين أعربوا عن أملهم في أن تسهم سيطرة المحافظين على البرلمان والحكومة بالكامل في تشكيل نواة تساعد على انطلاق مفاوضات نووية جادة تؤدي إلى التوصل إلى حلول للأزمة العالقة بين إيران والولايات المتحدة، وتمهد الطريق أمام إنجاح مفاوضات فيينا.

نظام القرن الحادي والعشرين

في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، استؤنفت المفاوضات في فيينا في جولتها السابعة برئاسة باقري كني، واستمرت حتى منتصف آب (أغسطس) 2022، وتخللها الكثير من فترات المد والجزر، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين. فكيف ترى الصحف الإيرانية هذه التطورات؟

“لا تسمحوا لحمار أميركا بعبور الجسر”

بعد أن تعقدت المفاوضات مؤخراً، كتب عضو تحرير صحيفة “كيهان” المحافظة، محمد أعرابي، وهو أحد أبرز معارضي الاتفاق النووي، مقالاً في 27 آب (أغسطس) بعنوان “من الخيانة في فرض العقوبات إلى محاولة تجاوز العقوبات”.

واقترح أعرابي في مقاله على الحكومة الإيرانية تأجيل المفاوضات لمدة شهرين حتى يدخل فصل الشتاء، بهدف الضغط على الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية من خلال أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية.

ورد عليه، عبر حسابه على “تويتر” عباس عبدي؛ أحد الوجوه الإصلاحية المعروفة في إيران، بتغريدة كتب فيها: “تطالب صحيفة ’كيهان‘ بتأجيل المفاوضات النووية لمدة شهرين، وتدعي أن هذه الحكومة أثبتت أنه يمكن تحقيق إنجازات متقدمة من دون الاتفاق النووي واتفاقية الشفافية المالية الدولية.

إذا كانت الحكومة الإيرانية تشارك صحيفة ’كيهان‘ هذه القناعة، وترى أنها ليست في حاجة إلى الاتفاق النووي، فإن عليها أن توقف المفاوضات وتخرج من الاتفاق بلا رجعة، وليس لمدة شهرين فقط”.

ومن جهته، يؤكد إسماعيل غرانماية، من صحيفة “اعتماد”، هو الآخر، ضرورة التمسك بالمفاوضات الدبلوماسية وعدم محاولة تعويضها بوسائل ضغط أخرى.

وكتب في مقال له نشر بتاريخ 17 آب (أغسطس) 2022 تحت عنوان “إحياء خطة العمل المشتركة الشاملة والمخاوف”:

“يجب الالتفات إلى موضوع مهم، هو أن عملية توظيف الدبلوماسية لتحقيق المصالح الوطنية لا يمكن أن تتم إلا من خلال المفاوضات.

نجاح دعائي إيراني باهر بفضل أنشودة حماسية

واستبدال عملية المفاوضات بأي عملية أخرى، سواء كانت الحرب والمواجهة أو حتى المماطلة في المفاوضات، لن يحقق سوى الخسارة البحتة لكلا الطرفين. وفي الحقيقة، لا يمكن أن نتصور أي بديل مناسب للاتفاق النووي”.

بعد ذلك بثمانية أيام، كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان” مقالاً بعنوان “لا تسمحوا لحمار أميركا بعبور الجسر”.

وتشير هذه العبارة إلى مثل إيراني شعبي حول صاحب حمار أراد عبور الجسر بدابته المحملة بالبضائع، واعداً حارس الجسر بأنه سيدفع له رسوم المرور بعد قضاء حاجته، لكنه بمجرد أن عبر حماره الجسر، نكث بوعده ولم يدفع أي شيء.

وأراد الكاتب أن يقول، من خلال اللجوء إلى هذه الصورة، إن أميركا إذا حصلت على ما تريد، فإنها ستتجاهل المطالب الإيرانية:

“على الفريق الإيراني المفاوض أن يكون حذراً أمام الحيل الأميركية كافة، وألا يوافق على العودة إلى نقطة تسبق المفاوضات الأخيرة والاتفاق المبرم في العام 2015، الذي كان في حد ذاته بمثابة خسارة محضة بالنسبة لنا.

كان الهدف المعلن للاتفاق النووي هو إلغاء العقوبات، لكنها لم تُلغ. وها قد أضيفت إليها مئات العقوبات الجديدة”.

إنكار للأزمة الاقتصادية

وكان شريعتمداري قد حذر سابقًا الفريق الإيراني المفاوض ووزير الخارجية، وطالبهم في 18 آب (أغسطس) 2022 بعدم الاطمئنان إلى الضمانات الأميركية في مقال بعنوان “ما الضمان للضمان الأميركي”؟ الذي جاء فيه:

“يمكن القول بجرأة إنه لا يوجد أي اعتبار لأي ضمانات أميركية. ألم يكن الاتفاق النووي معاهدة دولية؟ ألم تتعهد أميركا بأن تلتزم بتنفيذ هذا الاتفاق؟

لكننا رأينا كيف أنها لم تكتف بعدم الالتزام بأي تعهد من تعهداتها في هذا الاتفاق فقط، بل إنها خرجت من الاتفاق النووي بسهولة ولم يحرك أحد ساكناً! أي عقل سليم يمكن أن يثق بأي ضمانات تقدمها الولايات المتحدة الأميركية؟!”.

وتظل فكرة الفخ الأميركي تعود بانتظام، كما يظهر هنا في مقال السيد محمد أعرابي، بتاريخ 27 آب (أغسطس) 2022، الذي يرى فيه أن المفاوضات مصيدة أميركية، والتي لطالما طالب حكومة رئيسي بالانسحاب منها:

“إن رفع العقوبات من خلال المفاوضات ما هو إلا طُعم تزين به الإدارة الأميركية مصيدتها. يمكن للحكومة الحالية من خلال عزمها ودعم الشعب الإيراني أن تتتجنب هذا الطعم وتغض الطرف عنه.

وكما نجحت في تحقيق إنجازات جيدة خلال العام الأول من عمرها، فإن عليها أن تُركز وتخصص وقتها لوضع خطط تؤدي إلى إفشال العقوبات وإبطال أثرها”.

كما تتعارض الآراء أيضًا بشأن التداعيات الاقتصادية. وقد تبنت صحيفة “رسالة” المحافظة أيضاً مواقف قريبة من مواقف صحيفة “كيهان”، وهي تعتقد بأن أثر العقوبات على الاقتصاد المحلي في عهد إبراهيم رئيسي أصبح ضئيلاً، وأن إيران لن تتعرض لأزمات اقتصادية مستقبلية حتى في غياب اتفاق.

وفي مقابلة أجرتها الصحيفة مع المحلل الاقتصادي عبد المجيد شيخي في 5 أيلول (سبتمبر) 2022، قال شيخي:

“مع انفتاح الحكومة الحالية في علاقاتها الدبلوماسية مع دول المنطقة والدول الصديقة، تراجع تأثير العقوبات بشكل ملحوظ. […] لحسن الحظ، بدأت الحكومة في تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية (…). ولكن بما أن الحكومة السابقة وقعت على الاتفاق الذي كان بمثابة شيك على بياض، فإننا مضطرون إلى الصمود والمطالبة بالامتيازات التي وُعدنا بها”.

بيد أن المحلل الاقتصادي في صحيفة “آرمان” الإصلاحية، بيمان مولوي، عدد الآثار الإيجابية التي يمكن أن يجلبها الاتفاق على الاقتصاد الإيراني، فكتب دفاعاً عنه في 18 آب (أغسطس) 2022:

“يجب أن نرى الآن ما مدى تأثير الاتفاق النووي في حال تم إحياؤه مجدداً: سوف تتضاءل المخاطر الاقتصادية في إيران، وسيبطئ الاتفاق عجلة خروج الاستثمارات من الأسواق المحلية، كما سيرتفع معدل النمو الاقتصادي ويتراجع معدل التضخم بشكل كبير، ناهيك عن انخفاض التكاليف التي يتحملها التجار في الساحات الدولية وارتفاع عائدات الحكومة، ما سيساعدها على ترميم البنية التحتية المهترئة.

وبطبيعة الحال، سوف يحدث كل هذا شريطة ألا تحدث تغييرات في الولايات المتحدة جراء وصول الجمهوريين إلى السلطة مجدداً وخروجهم من الاتفاق مرة أخرى”.

في محاولة منه لتقريب وجهات النظر، يعتقد السيد جواد حصار، وهو أحد الوجوه الإصلاحية البارزة، أنه يجب اعتبار أي اتفاق يتم التوصل إليه في مفاوضات فيينا بمثابة إنجاز وطني لجميع التيارات السياسية، وهو ما عبر عنه في مقال له بعنوان “التوافق الداخلي بعد الاتفاق النووي”، نُشر في 31 آب (أغسطس) 2022 بصحيفة “اعتماد” الإصلاحية:

“كنتُ قد أكدت في أكثر من مرة أن إيران، بعد إحياء الاتفاق النووي على المستوى الدولي، يجب أن تعمل على إبرام صفقة الاتفاق على المستوى المحلي (الاتفاق الداخلي).

وهذا يعني مشاركة جميع التوجهات السياسية في إدارة البلد على المستويات كافة؛ حيث يجب العمل على استثمار جميع الطاقات السياسية في البلد، وأن يجلس الجميع إلى طاولة المفاوضات بهدف التفاهم وقيادة المجتمع نحو التطور والنمو والازدهار.

لا يجب أن تُسجل المصالح الاقتصادية والثقافية والسياسية الناتجة عن الاتفاق باسم تيار معين وتساعد على تعزيز مكانته وحده في الساحة المحلية”.

انتقاد المفاوضات غير المباشرة

يعتقد الكثير من المحللين السياسيين والدبلوماسيين السابقين أن سياسة إدارة المفاوضات بشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية تحتاج إلى إعادة النظر في مصلحة الاستغناء عن وسيط، وفي هذا الصدد، كتب حسن بهشتي بور في صحيفة “اعتماد” في 3 أيلول (سبتمبر):

“إن طريقة دبلوماسية البينغ بونغ بين إيران وأميركا هي عملية مملة ومتعبة للطرفين، وفق الآلية التي تدور بها في الوقت الحالي.

إيران تتفاوض مع الدول الأوروبية، وبعد ذلك تقوم أوروبا بنقل الرد الإيراني إلى أميركا، ثم تعاد الكرة مرة أخرى من أميركا إلى إيران. هذه الآلية تستهلك طرفي المفاوضات وتشعرهما بالتعب”.

ومن جهته، أرجع موقع “الدبلوماسية الإيرانية” المعتدل سرد أسباب عدم التوصل إلى النتائج المرجوة من المفاوضات إلى سببين رئيسيين: الأول هو عدم توفر الإرادة الجادة والملحة لإعادة إحياء الاتفاق النووي لدى الجانبين الإيراني والأميركي، والثاني هو آلية إدارة المفاوضات -خاصة من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية- بشكل غير مباشر، والتي يصفها الموقع بـ”الخاطئة مائة بالمائة”.(1)

وهو رأي شاطره إياه على الموقع الدبلوماسي السابق نفسه أبو القاسم دلفي الذي صرح في لقاء صحفي:

“عندما يقود مفاوضات حساسة مثل هذه شخص بمستوى نائب وزير الخارجية في الشؤون السياسية علي باقري كني (بدلاً من أن يقوم بذلك الوزير بنفسه)، لا يمكن أن نتصور نتائج مناسبة للمفاوضات حول ملف بهذه الأهمية. وسوف يخلق عدم إحياء الاتفاق النووي تحديات دبلوماسية وأمنية لإيران مع كل دول العالم، ولذلك نعتقد أن إكمال المفاوضات وفق هذه الآلية وعلى هذا المستوى لن يحقق المطالب المرجوة”.

“لا يوجد تنسيق بين المحافظين”

ليس انتقاد الحكومة في إيران حكرًا على الإصلاحيين، وهم الذين يتمنون أن تصل الحكومة الحالية إلى اتفاق في نهاية المطاف. وهو ما يظهر من حديث الناشط السياسي الإصلاحي، علي باقري، مع وكالة أنباء “إيلنا” الإصلاحية في الأول من أيلول (سبتمبر) 2022، حول تحديات الرئيس إبراهيم رئيسي:

“تواجه حكومة إبراهيم رئيسي الآن معارضة من التيار المحافظ (المعارض للاتفاق النووي) أكثر مما تواجه من التيار الإصلاحي. وأتمنى أن يفكر هذا التيار أكثر بالمصالح الوطنية الايرانية لكي تثمر المفاوضات وتؤدي إلى التوصل إلى نتيجة تصب في مصلحة الشعب الإيراني”.

وعبرت صحيفة “ابتكار” الإصلاحية عن تعجبها من موقف الإصلاحيين في اليوم نفسه:

“في الوقت الذي تبنت فيه الحكومة المحافظة الحالية سياسة المضي قدماً بالمفاوضات، كنا نتصور أن الوجوه والشخصيات البارزة في هذا التيار -أو معظمها- سوف تدعمها، لكننا اكتشفنا أنه لا يوجد تنسيق بين المحافظين على هذا المستوى، بل وأن الاتفاق النووي قد يصبح محوراً تتركز من حوله الكثير من النزاعات الداخلية”.

أثار تعامل المحافظين مع ملف الاتفاق النووي اهتمام وسائل الإعلام بشكل خاص في السنوات الأخيرة. وينظر موقع “ديدار نيوز” إلى هذا الأمر في إطار السياسات العامة والاستراتيجية الإيرانية:

“التيار المحافظ يسيطر اليوم منفرداً على مقاليد الحكم كافة في إيران، وجميع المؤسسات هي في يد المحافظين وكل الطرق تؤدي إلى مكاتب الشخصيات البارزة وصاحبة النفوذ في هذا التيار.

وعلى الرغم من ذلك، تواجه البلاد مشاكل جادة، فقط وضع حذف عائدات النفط من موازنة البلد قطاع الاستثمار الخاص في مأزق حقيقي، والتضخم بلغ أرقاماً قياسية وأدى إلى إضعاف القطاع الصناعي الخاص بشكل كبير.

وفي النتيجة تراجعت عائدات الحكومة بشكل كبير وملحوظ. في هذه الأوضاع نتوقع أن ينظر المحافظون إلى الاتفاق النووي على أنه بمثابة صك مصرفي يجب صرف رصيده، لكن ذلك ليس بالأمر السهل، فمشكلة الولايات المتحدة مع إيران -وخاصة مع التيار المحافظ- لا تتعلق بالملف النووي فحسب، بل تتعلق أيضاً بجوهر السياسة الخارجية الإيرانية، التي تعد جزءاً أساسياً من هوية التيار المحافظ، وتدعمها بشكل تام مؤسسات سياسية وعسكرية نافذة في الجمهورية الإسلامية.

وحتى لو أثمرت المفاوضات النووية -على عكس ما يتمناه الوفد الإيراني المفاوض- فإننا نستبعد أن يقدم الغرب على خفض الضغوط الاقتصادية والسياسية.(2)

مصلحة روسيا وإسرائيل

على الرغم من التركيز على الشأن الداخلي، تبقى القراءة الإقليمية حاضرة؛ إذ يضع موقع “إنصاف نيوز” الإصلاحي التحليلي حسين شريعتمداري وإسرائيل في كفة ميزان واحدة. وجاء في مقال لمدير الموقع، علي أصغر شفيعيان، الذي نُشر بتاريخ 17 آب (أغسطس) 2022:

“ما أهداف إسرائيل و’كيهان‘ المشتركة في معارضة الاتفاق النووي؟ على الرغم من أن الدوافع قد تبدو مختلفة نوعاً ما، إلا أنها تأتي من جذور مشتركة.

فالاتفاق بين إيران والغرب سوف يحرمهم من استخدام ورقة الضحية ومن المتاجرة بالأمن (أمن المنطقة بالنسبة لإسرائيل وأمن إيران بالنسبة لصحيفة كيهان)، ولهذا السبب نشاهد ظهور موجة جديدة من الأفكار المعارضة للاتفاق النووي داخل إيران وخارجها”.

ومن جهتها، تطرقت صحيفة “شرق” الإصلاحية مرة أخرى إلى مسألة تدخل روسيا في قرار طهران في مفاوضات فيينا، وكتبت تقول:

“يعتقد الكثيرون أن المواقف الروسية هي أحد أهم العوامل التي تؤخر التوصل إلى اتفاق نهائي في مفاوضات فيينا.

وبناء على ذلك وإلى جانب معارضة التيارات المتشددة في الداخل والانتهاكات الصادرة عن الكونغرس الأميركي والدور المخرب لإسرائيل، يجب أن نحمّل الجانب الروسي جزءًا من المسؤولية عن الوصول إلى الأوضاع القائمة”.

في الحقيقة، واجهت محادثات فيينا منذ الغزو الروسي لأوكرانيا تحديات جديدة؛ إذ وضعت روسيا شروطًا إضافية للاتفاق، وهي عدم إدراج العقوبات الأميركية ضد روسيا في العلاقات التجارية مع إيران، واستبعاد علاقات الصناعة النووية بين البلدين من نطاقها.

ومن ناحية أخرى، تشعر روسيا بالقلق مما سيصبح عليه تصدير النفط والغاز الإيراني بعد الاتفاق، وتخشى أن يُعرض ذلك مصالحها الاقتصادية للخطر.

ومن جهته، نشر موقع “خبر أونلاين” الإيراني التحليلي في الرابع من أيلول (سبتمبر) مقالاً للصحفي الإيراني البارز، جلال خوش جهرة، انتقد فيه بشدة قرار إيقاف المفاوضات:

“على إيران وواشنطن أن تتخليا عن الحذر والتحفظات، وأن تختبرا مرة أخرى مدى إرادتهما الجادة في العودة إلى طاولة المفاوضات. […] إذا استمرت واشنطن بفرض التحديات التي تعارض المطالب الإيرانية، فإنها تلعب في منطقة إسرائيل والمعارضين للاتفاق النووي.

وعلى وطهران أيضاً أن تتقدم بأفكار وحلول قوية لكي تخرج من حالة التشتت الراهنة ولكي تتجنب الخسائر الضخمة التي تتكبدها، لأن الفرصة تكاد تضيع على الجميع”.

نظام القرن الحادي والعشرين

على الرغم من الفوارق التي قد نجدها بين مختلف الأطياف السياسية، إلا أنه قد يوجد بينها قاسم مشترك؛ إذ يبدو أن الأغلبية بدأت تضيق ذرعا من غياب أفق واضح، لا سيما في صفوف المحسوبين على التيار المحافظ، مثل نائب رئيس لجنة الشؤون الداخلية والمجالس في البرلمان الإيراني محمد آصفري الذي دعا إلى وضع حد لحالة الضياع الغالبة على المفاوضات النووية:

“أعتقد أن هناك الكثير من الفرص التي يتم التفريط فيها بسبب المماطلة. يجب تعيين مصير المفاوضات بشكل حاسم. في كل مرة يطرأ مستجد يعرقل المفاوضات، ما يتسبب في يأس الشعب من التوصل إلى النتيجة المرجوة، ويضع المنتجين والمستثمرين المحليين والأجانب في مأزق، وكأنهم في برزخ (…). الاستثمار في زمن العقوبات أو في زمن الاتفاق مختلف، والناس ينتظرون إعلان نتيجة المفاوضات لكي يتضح مستقبلهم. لقد ارتكبت الحكومة السابقة خطأ بأن سمحت للمفاوضات بأن تكون مرنة، مما أدى إلى ضبابية أحاطت بالأشخاص الذين يريدون الدخول إلى المجال الاقتصادي”.(3)

مجلس الشراكة الأوروبي الإسرائيلي يعقد اجتماعا بعد انقطاع 10 سنوات

بروكسل- وفا

عقدت في بروكسل، يوم الإثنين، أعمال مجلس الشراكة الأوروبي الإسرائيلي.

وكانت أعمال المجلس قد علقت بقرار من مجلس وزراء خارجية الاتحاد عام 2012، بربط تطور العلاقات مع فلسطين وإسرائيل بالتقدم في عملية السلام.

وقال السفير المناوب في بعثة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي عادل عطية: “عبرنا عن استيائنا من انعقاد مجلس الشراكة، في ظل تنكر إسرائيل المستمر لعملية السلام وتصاعد وتيرة جرائم الاحتلال ضد المدنيين”.

وأضاف أن الموقف الرسمي الفلسطيني جاء على لسان وزير الخارجية والمغتربين رياض المالكي الذي قال إن انعقاد المجلس في هذه المرحلة يشكل مكافأة للاحتلال ويساعد إسرائيل على الإفلات من العقاب والمساءلة، ويشجعها على التمادي في جرائمها ضد شعبنا.

وأضاف عطية: “عملنا على مدار الأسابيع الماضية على متابعة صياغة البيان الأوروبي الذي سيصدر عن الاجتماع، وتمكنا مع الدول الصديقة من إدخال العديد من القضايا الحيوية لشعبنا، ورغم المحاولات إسرائيلية إلا أن البيان تطرق مطولا لعملية السلام والوضع الميداني”.

وتابع أن البيان يشير إلى التزام الاتحاد الأوروبي بحل الدولتين على أساس القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية والقدس عاصمة لدولتين وضرورة إيجاد أفق سياسي لعملية السلام، ودعا إسرائيل الى الكف عن الإجراءات الأحادية، وعبّر الاتحاد من جديد عن معارضته لسياسة الاستيطان وضرورة الالتزام بقرارات مجلس الامن الدولي وخص بالذكر القرار 2334.

وفي إشارة إلى معارضة الاتحاد لمحاولات تغيير الوضع القانوني في القدس، يؤكد البيان أن الاتحاد الأوروبي ملتزم بقرارات مجلس الأمن حول المدينة المحتلة وسيحافظ على الإجماع الدولي على وضع القدس ولن يعترف بأي تعديل على الحدود خارج اتفاق بين الطرفين، ويشدد على ضرورة الحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة، ويعبر عن قلق الاتحاد من استهداف المدنيين وارتفاع عدد الضحايا خاصة من الأطفال والنساء، وعن قلقه من الظروف التي يعاني منها المعتقلون.

ويدعو البيان إسرائيل إلى ضرورة احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ويعبر عن معارضته لسياسة الهدم والطرد والتهجير القصري واستهداف مشاريع البنية التحتية خاصة التي تمّت بتمويل من الاتحاد، وأدان عنف المستوطنين، ويطالب بضرورة الكشف عن ملابسات مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة وجلب المسؤولين للعدالة.

وجاء قرار تفعيل مجلس الشراكة في ظل تدهور الوضع الأمني في أوروبا بسبب الحرب في أوكرانيا وحاجة الاتحاد لاستيراد المزيد من الغاز والنفط من منطقة الشرق الأوسط لمواجهة أزمة الطاقة التي تعصف بأوروبا، كما يأتي في ظل تصاعد وتيرة الجرائم الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين وانتهاك إسرائيل لمبادئ اتفاقية الشراكة مع الاتحاد، التي تنص في الفقرة الثانية على أن العلاقة بين الطرفين تقوم على احترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية.

بوليتيكو: انتصارات اليمين المتطرف في أوروبا إشارة على خروجها من الهامش إلى قلب السلطة

جورجيا ميلوني

إبراهيم درويش

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته باربرا موينز وكورينلوس هيرش، قالا فيه إن جماعات اليمين المتطرف في أوروبا خرجت من دائرة الغضب لكي تصبح جزءا من التيار السياسي الرئيسي في بلادها.

فبعد عقود من تجاهلها كحركات سامّة، حققت هذه الأحزاب انتصارات واسعة في العام الجاري، وتحولت إلى جزء من العملية السياسية في بلادها.

وقال الكاتبان إن جماعات اليمين المتطرف اقتحمت الميدان السياسي وحققت الانتصار في إيطاليا بعد فوزها أيضا في السويد وفرنسا. وعلّقت زعيمة التجمع الوطني المتطرف في فرنسا، مارين لوبان بالقول: “في كل مكان بأوروبا هناك تطلع لتولي مصيرهم بأيديهم”.

ويتابع الكاتبان بالقول: “لكنك لو اعتقدت أن هناك موجة جديدة من اليمين المتطرف الراديكالي تجتاح أوروبا، فأنت مخطئ، فهناك أمر آخر يجري”.

وفي تحليل لبيانات استطلاع أجرته مجلة “بوليتيكو”، كشف أن أحزاب اليمين المتطرف على حافة زيادة دعمها بنسبة مئوية واحدة في الفترة ما بين الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير وحتى اليوم.

ونظرت بوليتيكو للمعدل ومستوى الزيادة لكل الأحزاب في جانب اليمين المتطرف بالبرلمان الأوروبي، التي تقدم نفسها ضمن إطار الهوية والديمقراطية (المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون)، أو تلك الأحزاب غير المنضوية تحت لواء الأحزاب اليمينية المتطرفة.

وأظهرت النتائج الإجمالية أنه لو زاد الدعم لأحزاب اليمين المتطرف، فإنه قد حدث على  مدى عدة سنوات. فالديمقراطيون السويديون ظهروا على المشهد السياسي بقوة في انتخابات 2014، عندما نما الدعم للحزب من 10% إلى 20%، وهي نفس النسبة، أي خمس الأصوات التي حصل الحزب عليها في انتخابات العام الحالي. أما حزب البديل الألماني، فقد نما سريعا في 2015 و2016 ووصلت شعبيته إلى 14% وبناء على متابعة بوليتيكو. وفي إيطاليا، تفوقت رابطة الشمال على “فورزا إيطاليا” لأول مرة في بداية 2015 ووصل ذروته إلى 2019 بنسبة 37% قبل أن تبدأ شعبيته بالتراجع لتصل إلى 9%.

وغيّر الناخب الإيطالي مواقفه من حزب يميني متطرف لآخر. وانتقلت أحزاب اليمين من الهامش إلى التيار الرئيس، ولم تؤثر على المركز السياسي فقط، بل دخلت ميدان السلطة. وتقول كاثرين ثورفيلسون، الباحثة في مجال التطرف بجامعة أوسلو: “هناك عملية تطبيع لأحزاب اليمين المتطرف باعتبارها جزءا عضويا من المشهد السياسي” و”تم قبولها من الناخب وكذا الآخرين، أي الأحزاب التقليدية”.

ولم يعد التعاون بين أحزاب يمين الوسط واليمين المتطرف أمرا محرما. وكتب كاس مود، الباحث المعروف في موضوع اليمين المتطرف تغريدة قال فيها إن “صعود الاحزاب اليمينية المتطرفة وكذا تبني أطر اليمين المتطرف من الأحزاب الأخرى أمر مهم”، وربما زاد هذا من مخاطر زعزعة استقرار أوروبا أكثر من الفوز في مجموعة من النسب في استطلاعات الرأي.

وتقول المجلة إن اليمين المتطرف الإيطالي ورمزه جورجيا ميلوني هي مثال واضح. ففي الوقت الذي ينتمي الحزب في جذوره إلى الفاشيين السابقين، إلا أنها ستقود ثالث اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. وفي السويد، فإن حزب يمين- الوسط، بدأ مفاوضات الائتلاف من أجل حكومة أقلية، والتي كانت ستبنى على دعم المعارضة، خاصة من الحزب المتطرف (الديمقراطيون السويديون).

ودخلت أحزاب اليمين المتطرف أيضا في الحكومة النمساوية وفنلندا وإستونيا وإيطاليا. ومن المحتمل أن تتبع دول أخرى الموجة. واحتفل جورج سيمون، زعيم الحزب اليميني المتطرف في رومانيا (التحالف من أجل الاتحاد الروماني) بفوز ميلوني، قائلا إن حزبه سيتبع خطواتها. وتتوجه إسبانيا نحو صناديق الاقتراع في العام المقبل، وربما وجد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو شانسيز، نفسه أمام تحد كبير.

ويقود حزب الشعب اليميني المحافظ، الاستطلاعات في إسبانيا بخمس إلى سبع نقاط، وليس من المتوقع أن يحصل على الأصوات الكافية لتشكيل الحكومة. وهذا يعني أنه سيبحث عن اتفاق مع الحزب اليميني المتطرف “فوكس”، والذي يُعتبر زعيمه سانتياغو أبسكال حليفا لميلوني. وفي الوقت الذي رفض فيه حزب الشعب التحالف مع “فوكس” في الماضي، إلا أن زعيمه ألبرتو نونيز فييجو، أعطى الضوء الأخضر في الربيع الماضي للاتفاق مع الجماعة اليمينية المتطرفة في كاستيلا يي ليون، بوسط إسبانيا.

 وأشار الزعيم البلجيكي المتطرف، توم فان غريكين إلى إسبانيا كمثال قادم على سيطرة اليمين على الحكم، بسبب التعاون مع  حزب الشعب. وقال: “في كل أنحاء أوروبا، نرى أحزاب اليمين التي تريد كسر طوق الطهارة” في إشارة لرفض بقية الأحزاب الأخرى التحالف مع أحزاب اليمين المتطرف. مضيفا: “هم متعبون من التنازل مع نظرائهم الأيديولوجيين، الأحزاب في أقصى يسار المنظور”.

ولم يحدث هذا بين ليلة وضحاها، يل عمل اليمين المتطرف بقوة للتخلص من صورته المرتبطة بالنازيين الجدد. وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي له علاقة مع أحزاب اليمين المتطرف: “في بعض التقارير عن الديمقراطيين السويديين، فإنك تعتقد أنهم سيرحّلون الناس في القطارات عند وصولهم إلى السلطة.. مهلا، لقد تغيرت هذه الأحزاب”.

وتقول نينا ويزهولمر، الباحثة السياسية في جامعة “أي إي بمدريد” إن “تكييف الصورة ومحاولة السير بحذر مع بعض القضايا والحرص على خدمة الآخرين وبدون حياء”. وقالت: “هذا واضح تحديدا في اليمين الإيطالي، مع ميلوني التي التزمت ببعض الشعارات: الله، الوطن، العائلة، في الوقت الذي حاولت فيه تطهير الحزب من العناصر الأكثر راديكالية”.

وفي منطقة فلاندرز بشمال بلجيكا، فإن حزب اليمين المتطرف فلامز بيلانغ (المصلحة الفلمنكية) يرفض بشكل واضح وصف “اليمين المتطرف”، تماما مثل نظيره الإيطالي والسويدي والفرنسي. وشجب زعيم الحزب فان غريكين، المواقف الأكثر تطرفا للجماعة التي أنشأها والده وعدّل من رسالتها السياسية من أجل جعل التصويت لليمين المتطرف أمرا مقبولا.

وتعتبر العنصرية الظاهرة أمرا محرما،  وبدلا من ذلك، حل خطاب ناقد للهجرة المفتوحة. ونشر الحزب رسالة تخدم الناخبين من الوسط، والهدف من كل هذا هو الحصول على قطعة من الكعكة، واستغلال المشاعر المعادية للمؤسسة. وأخبر غريكين بولتييكو بالقول: “هناك خط صدع واضح بين الفائزين من العولمة والقوميين”، و”هذا يأتي على رأس اهتمامات الهجرة الجماعية سواء من مالمو إلى روما وبقية الدول الأوروبية”.

والوقت مناسب لاستغلال التحول هذا، ففي الوقت الذي تكافح فيه أوروبا معدلات عالية من التضخم وفواتير الطاقة المكلفة وتحذيرات من “شتاء السخط”، قال رئيس وزراء بلجيكا ألكسندر دي غرو في تصريحات لبوليتيكو: “إنه مصرف ضخم للازدهار الأوروبي”، و”في ظل الوضع الحالي، من الصعب الإيمان بالتقدم، ومن الصعب تحقيق تقدم،  ولهذا فهناك شعور متشائم”.

والحرب في أوكرانيا هي واحدة من أزمات عدة ضربت العالم، من وباء كورونا إلى الأزمة المالية، مما فتح المجال أمام ظهور النزعات المؤيدة لليمين المتطرف. ويقول كارل ديفوس، من جامعة غينت: “هذه الأزمات الوجودية تترك أثرا مزعزعا للاستقرار وتقود إلى الخوف”، و”الخوف هو أرضية تفرخ اليمين المتطرف، وعادة ما يميل الناس لترجمة الخوف إلى غضب وسلوك عنصري”.

وباتت الهجرة وسياسة الهوية بارزة في الإعلام بسبب الحرب في أوكرانيا وزيادة أسعار الطاقة، ولكنها تظل موضوعات مهمة لليمين. وفي هولندا، قادت وفاة طفل في مركز لجوء في تير إيبل إلى نقاش حول مراكز المهاجرين المكتظة. ومجموع هذه القضايا سيقود على الأرجح إلى تغذية الانتصارات اليمينية المتطرفة في القارة الأوروبية.

وترى ثورفيسن: “يقدم اليمين المتطرف رؤية قومية وحلولا للحماية من الأزمات العالمية”، و”نرى كيف خرج موضوع المهاجرين بشكل مؤقت من الأجندة أثناء الوباء، ولكنه عاد الآن”.

تل أبيب لا تبْخل على «حلفائها»: معاً بوجْه «محور الشرّ»

يحيى دبوق 

بالنسبة إلى إسرائيل، تبدو الحاجة ملحّة إلى تظهير التعاون الأمني والعسكري مع الأنظمة الخليجية (أ ف ب

لا تُنكر إسرائيل، في بياناتها المُسرَّبة إلى الإعلام أخيراً، واقع علاقاتها العسكرية والأمنية مع كيانات وأنظمة عربية، من بينها أنظمة خليجية مُطبِّعة حديثاً. إذ باتت فوائد الكشْف عن هذه العلاقات تفوق عوائد التستُّر عليها، إلى حدّ أن هذا الكشْف بذاته أضحى جزءاً لا يتجزّأ من عقيدة الكيان الأمنية، في مسْعاه لتعزيز مكانته وتموضعه الدفاعي والهجومي، في مواجهة أعدائه. بدورها، لم تَعُد دول الخليج المُطبّعة أو تلك السائرة على خُطاها، تُخفي اهتمامها بالحصول على «مظلّة حماية» إسرائيلية، لا في وجْه إيران فقط، بل أيضاً في وجْه شعوبها التي لا يمكن أن يؤمن غضبها على طول الخطّ، وأيضاً سعياً للرضى الأميركي من بوّابة تل أبيب. من هنا، يُرصَد التباين بين منطلقات إسرائيل في علاقاتها العسكرية والتسليحية، وبين منطلقات الأنظمة الخليجية، وإنْ اشترك الجانبان في الخوف من «العدوّ» الإيراني.

من ناحية إسرائيل، تُعدّ صناعة السلاح واحداً من أهمّ مقوّمات اقتصادها وسياستها الخارجية، الأمر الذي حوّل هذا القطاع عبر السنوات إلى ذُخر لا يمكن الاستغناء عنه، وإنْ كان لا يزال يعاني تخمة إنتاجٍ مقابل العرض، مع العلم أن وارداته لا تقلّ عن سبعة مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن تأمينه سوق عمل للإسرائيليين، وتعزيزه مكانة الكيان في الخارج، ولو من خلال صفقات مع حكومات وكيانات ذات سجلّ قاتم في مجال حقوق الإنسان، بحسب التقييم الغربي نفسه.

وبالنظر إلى أن ما تُنتجه مصانع السلاح الإسرائيلية، لا يُستهلَك منه داخلياً إلّا بحدود العشرين في المئة، فقد كان على المؤسّستَين السياسية والأمنية أن تتيحا لعمليات التوريد والسمسرة، عبْر أطراف ثالثة، قدْراً كبيراً من المرونة، بهدف تصريف بقيّة الإنتاج. وهكذا، فإن المحافظة على القطاع، الذي يعمل فيه أكثر من 60 ألف إسرائيلي، تُعدّ أهّم من أيّ «اعتبارات أخلاقية» أو مراعاة للقوانين الدولية، إلى حدّ أن إسرائيل قبلت، على مرّ السنوات الماضية، أكثر من 99.8 بالمئة من طلبات التصدير لمصلحة شركات وسماسرة في الخارج. بناءً عليه، تحيط إسرائيل بالتكتّم معظم مبيعات السلاح التي تُتمّها، وخصوصاً مع الأنظمة «المارقة»، وتُبقي المعطيات المتّصلة بها ضمن المحصّلات العامّة والكلّية، من دون تفاصيل أو جهات أو أسماء، إلّا في ما يتعلّق بالصفقات مع دول غربية أو ما شابهها من أنظمة. ومن هنا، تتفعّل الرقابة لمنع النشر حول الصفقات «المشبوهة»، أو حتى إعادة نشْر معلومات تَسرّب بخصوصها في الخارج، فيما تتّكل الحكومة، من أجل تسهيل عملية البيع، على وسطاء. ووفقاً لبيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، ثمّة أكثر من 1000 شركة خاصة في إسرائيل تعمل في مجال تصدير الأسلحة، وحوالي 1600 شركة لديها تراخيص تصدير أمنية.

من ناحية إسرائيل، تُعدّ صناعة السلاح واحداً من أهمّ مقوّمات اقتصادها وسياستها الخارجية

في الحالة الخليجية، تفرض عوامل استثنائية نفسها على القرارات الإسرائيلية بهذا الخصوص، والحديث هنا يدور تحديداً عن تبايُن في النوايا بين البائع والمشتري. بالنسبة إلى إسرائيل، تبدو الحاجة ملحّة إلى تظهير التعاون الأمني والعسكري مع الأنظمة الخليجية، لِما له من فائدة في درْء التهديدات، وإنْ نظرياً، قُبالة عدوّ الكيان الأول، إيران. وعلى هذه الخلفية، فإن أيّ صفقة أو تفاهم أو إعلان نوايا أو حتى مجرّد تداول في الغرف المغلقة أو سؤال جانبي، ما بين الخليجيين والإسرائيليين، يجري العمل سريعاً على تظهيره. في المقابل، لا تبدو دول الخليج توّاقة إلى كشْف نواياها تجاه الكيان، وتحديداً في ما يتعلّق بالعلاقات الأمنية والعسكرية والاستخبارية والتسليحية، وهو ما يُعزى بشكل أساسي إلى الخشية من ردّ فعل الجار الإيراني على علاقات كهذه. باختصار، ما تَطلبه تلك الدول من معونة إسرائيلية، قبل التطبيع وبعده، مرتبط بشكل رئيسي بتشبّث حُكّامها بسلطاتهم ورغبتهم في الحفاظ عليها، والسعي لقمْع أيّ تمرّد ولو مكتوم ضدّها، وهذا هو يفسّر هرولتها إلى تحصيل معلومات استخبارية أو أدوات تجسّسية من إسرائيل، لتشديد الخناق على مُواطنيها وسكّانها، فيما شراء الأنظمة العسكرية وغيرها، في شقّه الاعتباري، متّصل بطلب رضى الولايات المتحدة. ومن بين ما تمّ الكشْف عنه في الإطار المتقدّم، برنامج «بيغاسوس» السيبراني الذي أنتجته شركة «NSO» الإسرائيلية، واستخدمتْه الأنظمة الخليجية ضدّ معارضيها. والجدير ذكره، هنا، أن حادثة قتْل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، نهاية عام 2018، شكّلت بداية لتدحرج كُرة «الفضائح» المتّصلة بـ«التعاون» المُشار إليه بين إسرائيل من جهة، والإمارات والسعودية والبحرين والمغرب وآذربيجان والهند وغيرها، من جهة أخرى. وبحسب المنشورات الإسرائيلية، فإن واحداً من أهمّ المسبّبات التي دفعت تل أبيب إلى تزويد العواصم الخليجية ببرنامج التجسّس المذكور، وغيره من الأدوات التجسّسية، هو دفْع تلك الأنظمة إلى تعميق تطبيعها مع إسرائيل على نحو معلَن، وهو ما لا يزال الخليجيون يتحفّظون عليه بالطبع.

مع ذلك، تفيد المعلومات المنشورة في الإعلام العبري (غلوبس الاقتصادية 29/10/2020) بأن بيْع الأسلحة الإسرائيلية، إلى جانب التقنيات التجسّسية، لا يزال يتعاظم منذ توقيع «اتفاقيات آبراهام»، فيما تأمل تل أبيب أن تؤدّي هذه الاتفاقيات إلى زيادة ملموسة في صادراتها الأمنية إلى دول الخليج، التي تُعدّ من أهمّ «مجموعات الدولة» من حيث حجم مشتريات الأسلحة. وبحسب «غلوبس»، فإن العديد من الدول الخليجية أعربت بالفعل عن اهتمام مبدئي بشراء أنظمة دفاع إلكترونية ضدّ الصواريخ، بهدف حماية المنشآت النفطية خصوصاً، إلّا أنه بحسب مصدر إسرائيلي مطّلع، لا تزال هذه النيّات في إطار مرحلة أوّلية في مسار. ويبيّن تقرير الصحيفة أن الاهتمام الخليجي ينصبّ أيضاً، من بين أمور أخرى، على شراء نظام حماية للمدرّعات والدبّابات وناقلات الجند المدرّعة، ومنظومة «معطف الريح» التي تجْمع بين التشويش الإلكتروني والاعتراض المادي للصواريخ المضادّة للدروع، فضلاً عن أنظمة دفاعية مضادّة للصواريخ المتوسّطة والطويلة المدى، والصواريخ التي تُطلَق من الطائرات من دون طيّار.

ما الذي يحول دون إبرام صفقات كهذه إلى الآن؟ يبدو أن ثمّة حائلَين رئيسيّين – وإن كان التقدير الإسرائيلي يفيد بإمكانية تجاوزهما -: أوّلهما، أن صفقات كهذه من شأنها إثارة الجار الإيراني، وهو ما تخشاه الأنظمة الخليجية؛ وثانيهما، الخشية الإسرائيلية من تَسرّب التقنيات المَبيعة إلى أعداء إسرائيل، أي إيران وحلفائها. ومن هنا، فإن الخيار الأمثل بالنسبة إلى الطرفَين حالياً، هو الكتمان، مع ضمان إسرائيل استمرار سيطرتها على الأنظمة والتقنيات التسليحية، وإن تَحوّلت الأخيرة إلى مُلكية خليجية. ومن هذا المنطلق، وفي حال صحّت التقديرات، تكون إسرائيل قد حقّقت من وُجهة نظرها الموازنة المفقودة، والمتمثّلة في نقْل «حدودها» إلى محاذاة إيران، تماماً كما نقلت إيران حدودها، منذ سنوات، إلى محاذاة الكيان.

إسرائيل تُعظّم رهاناتها: «الناتو الشرق أوسطي» آتٍ

الجزيرة العربية

 الأخبار 

من أجل احتواء ما تعتبره تهديداً إيرانياً، تسعى إسرائيل إلى تعاون عسكري أوسع مع دول الخليج، يشمل تشكيل «ناتو شرق أوسطي»، ترى «مجموعة الأزمات الدولية»، أنه – في أفضل الأحوال – سابق لأوانه. ولهذه الغاية، طوّرت تل أبيب علاقات أمنية ثنائية من تحت الطاولة مع كلّ من البحرين، سلطنة عمان، قطر، السعودية، والإمارات، آملةً في أن يمثّل ذلك مقدّمة لـ«تحالف دفاعي» مناهض لإيران، تسانده الولايات المتحدة. ومن هذه الزاوية تحديداً، قُرئت منها زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى إسرائيل، في تموز الماضي، أي بوصفها تأييداً للفكرة السالفة، وسط حديث سَرى آنذاك عن أنها تشكّل إشارة إلى اتفاق وشيك على نظام دفاع جوي مشترك. مع هذا، يفيد التقرير المنشور على موقع المجموعة، أول من أمس، بأن دول الخليج رفضت إعطاء دفعة للحماسة الإسرائيلية، على رغم أن العلاقات بين الجانبَين لا تفتأ تزداد صلابةً، منذ تطبيع العلاقات بين كيان الاحتلال وكلّ من أبو ظبي والمنامة.

لكن لكل تعاون حدوده؛ وإذ تشترك الإمارات والبحرين في وجهة نظر عواصم خليجية أخرى، بأن مِن شأن تحالف عسكري مع إسرائيل ضدّ إيران أن يحمِل مخاطر عالية للغاية بإثارة حرب مع الأخيرة، ستكون فوائدها محدودة للغاية، فإن هذه الدول تنأى بنفسها عن ما يمكن أن يضعها في صدام مباشر مع الجمهورية الإسلامية، وهي سياسة ترجّح «الأزمات الدولية» استمرارها، سواءً نجحت المحادثات بين إيران والقوى الغربية الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي، أو فشلت.

ويمثّل التحالف العسكري مع دول الخليج الركيزة الثالثة في استراتيجية إسرائيل لمواجهة إيران، بعد الأولى التي ترتكز على تطوير خيار عسكري لتوجيه ضربة لبرنامج طهران النووي، والثانية التي تشمل الجهود المبذولة لتقويض برنامجَي إيران النووي والصاروخي، تساوقاً مع تكثيف الضغوط الاقتصادية الدولية المنسَّقة والهجمات الإسرائيلية السرّية. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الركيزة الثالثة تخدِم أغراضاً متعدّدة؛ فمن خلال إقناع دول الخليج بالانضمام إلى تحالف عسكري، تهدف إسرائيل، في المقام الأوّل، إلى إنشاء نظام دفاع جوّي جماعي، والبناء على القدرات العسكرية للحلفاء، لتقديم ثلاثة مزايا: على المستوى العسكري البحت، ستتمكّن إسرائيل، أولاً، من الوصول إلى أجهزة استشعار موجودة في دول الخليج، وهو ما سيتيح لها مزيداً من الوقت للردّ على أيّ هجوم إيراني؛ ثانياً: من شأن تشكيل التحالف أن يعزّز فكرة تضاعف خيارات إسرائيل العسكرية، وتالياً تعزيز موقفها الرادع. ووفق ما يقوله مسؤول أمني إسرائيلي، لـ«الأزمات الدولية»: «تحتاج إيران إلى رؤية إسرائيل وحلفائها الإقليميين يتقدّمون مباشرة إلى حدودها، لرؤيتنا أكثر اتّحاداً، بما في ذلك مع الغرب. سيساعدنا التعاون العسكري الإقليمي في هذا الأمر». أخيراً، سيعزّز التعاون العسكري، التحالف السياسي الذي يقف وراء عقيدة عزل إيران، ليس على المستوى العالمي فقط، ولكن داخل الشرق الأوسط نفسه أيضاً.

في الواقع، ترى إسرائيل فائدة في الإعلان عن أن مِثل هذا التحالف بدأ في التشكُّل فعلاً؛ إذ انتهز المسؤولون الإسرائيليون فرصة زيارة بايدن ليعلنوا، في تصريحات جرى تضخيمها في وسائل الإعلام المحلّية، أن دول الخليج ستباشر بناء نظام دفاع جوّي مشترك. وعلى رغم سقف التوقّعات العالي الذي حدّده مضيفوه، لم يَصدر عن الرئيس الأميركي أيّ إعلان عن التحالف خلال فترة وجوده في إسرائيل، فيما حظيت الفكرة باستقبال فاتر خليجيّاً. فعلى هامش زيارة بايدن اللاحقة إلى السعودية، قال المستشار الديبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش: «نحن منفتحون على التعاون، ولكن ليس التعاون الذي يستهدف أيّ دولة أخرى في المنطقة، وأنا أذكر إيران على وجه التحديد». وفي الإطار ذاته، رفض وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، فكرة «الناتو العربي»، قائلاً إن بلاده لم تشارك في أيّ مداولات في هذا الشأن، بل إنها «مدّت يدها لإيران». فالسعودية والإمارات اللتان اتخذتا تقليدياً مواقف أكثر صرامة تجاه إيران من جيرانهما الخليجيين، هما الدولتان اللتان عدّلتا بشكل ملحوظ نهجيهما تجاه طهران. يعكس موقف البلدَين من المقترح الإسرائيلي، إعادة توجيهٍ للسياسة التي انتُهجت خلال العقد الماضي، حيث أصبحت الرياض وأبو ظبي تنظران بشكل متزايد إلى واشنطن، الضامن التقليدي لأمنهما، باعتبارها غير موثوقة. يعود الفضل في إعادة التوجيه هذه – جزئياً -، إلى تراجع قوّة الولايات المتحدة مقارنةً بالجهات الفاعلة الصاعدة، مِن مِثل الصين. كما تعكس الاستنتاجات التي جرى التوصّل إليها خلال فترة الرئيس السابق، دونالد ترامب، ما ستفعله الولايات المتحدة وما لن تفعله لممالك الخليج. وبينما يعمل قادة دول الخليج على خفض حدّة التوتّر مع إيران، فهم لا يرَون أن الانضمام إلى تحالف عسكري مع إسرائيل سيتماشى مع مصالحهم. وفي هذا الجانب، شدّد مسؤول سعودي، لـ«الأزمات الدولية»، على أن «السعودية لا تريد حرباً أو مواجهة مع إيران. بالطبع لا. وآخر شيء نريده هو الوقوع في خضم حرب بين إسرائيل وإيران». على رغم التحفّظ الخليجي، لم تتخلّ إسرائيل عن ملاحقة ما تسمّيه «الناتو الشرق أوسطي». ويبدو أن عدداً كبيراً من المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون بأن دول الخليج – مثل الإمارات – ستُغيّر موقفها مع مرور الوقت. من هنا، فهي ستواصل الضغط من أجل تعزيز التعاون العسكري الإقليمي بصفته «حصناً منيعاً» ضدّ القوّة الإيرانية. وفي ضوء المقاومة الخليجية، يبدو أن المكان البديل الوحيد لبناء الجسور مع الخليجيين، هو القيادة المركزية الأميركية والتي تستطيع إسرائيل من خلالها المشاركة في الاجتماعات والتدريبات الإقليمية من دون تعريض حكومات دول الخليج، خاصة تلك التي لم تطبّع العلاقات معها، إلى انتقادات داخلية. مع ذلك، لا يوجد عملياً أيّ احتمال بأن يؤدي البرنامج المذكور إلى الظهور المأمول لـ«الناتو» – لأن دول الخليج، ببساطة، لا ترغب في تحالف كهذا.

القيادات المسيحية تدعم الملك عبد الله حول المخاطر التي تواجه القدس

داود كتاب

من الطبيعي أن يدافع أي زعيم عربي أصيل عن القضية الفلسطينية وعن عروبة القدس، ويستنكر التعدّيات المستمرة على الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف. ومن الطبيعي جدا أن يقوم بهذا ملك الأردن عبد الله الثاني، الذي تتحمل عائلته الهاشمية الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. ومعروف أن القيادات الدنيوية والدينية في القدس، إضافة إلى المواطنين المقدسيين الصامدين في المدينة، يدعمون بقوة الوصاية الهاشمية.

أصبح الصمود المقدسي أسطوريا رغم الصعوبات والتهديدات والمحاولات الصهيونية المباشرة وغير المباشرة لانتزاعهم من مسقط رأسهم، ومن الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وكنيسة القيامة. ولكن هل يكفي الاعتماد فقط على المقدسيين؟ ألم يأت الوقت لدفاع الجميع عن القدس وعن المقدّسات؟

لذلك، من الطبيعي أن يُعلي الملك صوت الخطر الناجم عن المحاولات الإسرائيلية الشرّيرة لتهويد المدينة المقدّسة بدلا من احترام التنوع الديني فيها، فقد عبّر الملك بوضوح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الخطر الذي يواجه القدس، مكرّراً التزام العائلة الهاشمية، انطلاقا من وصايتها على المقدّسات الإسلامية والمسيحية، ومعلنا التزام الأردن “بالحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي القائم فيها، وحماية أمن هذه الأماكن المقدسة ومستقبلها”. وقد يكون أقوى ما قاله، والذي انتقده بعض الصهاينة المسيحيين، دفاعه “عن الحقوق والتراث الأصيل والهوية التاريخية للمسيحيين في منطقتنا، وخاصة في القدس”. وقال العاهل الأردني أيضا، بكل وضوح: “اليوم، المسيحية في المدينة المقدّسة معرضة للخطر، وحقوق الكنائس في القدس مهدّدة، وهذا لا يمكن أن يستمر، فالمسيحية جزء لا يتجزأ من ماضي منطقتنا والأراضي المقدسة وحاضرها، ويجب أن تبقى جزءا أساسيا من مستقبلنا”.

كان متوقعا، ولا يزال، من الجهات المسيحية في العالم، وممن هم مهتمون بالمقدّسات المسيحية، أن تثني على كلام الملك، وتطالب الاحتلال الإسرائيلي بالكفّ عن مضايقاته المسيحيين والكنائس المسيحية. ولكن وللأسف، تهجم أحدهم، يدّعي زورا وبطلانا أنه يمثل فئة من المسيحية وهم منه براء، على الملك، وأنكر أقواله، مدّعيا أيضا زورا وبطلانا أن المسيحيين في القدس وكنائسهم محمية، وأن حريتهم أفضل من أي مكان في الشرق الأوسط. وجاء هذا من خلال مقال لكاتب صهيوني أميركي متجنس في إسرائيل، يخدم نجلاه في جيش الاحتلال، يدعي جول روزنبرغ، كتب، بكل صلافة وعدم احترام، أن الملك “أخطأ” في وصفه وضع المسيحيين في القدس.

وكما يقول المثل العربي المعروف “أهل مكّة أدرى بشعابها”، ردّ على هذا بطاركة كل الكنائس المسيحية في القدس ورؤساؤها، فرغم وجود بعض خلافات عقائدية بينهم أحيانا، وقع البيان الصادر في 27 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) رؤساء كنائس الأرثوذكس واللاتين والكاثوليك الملكيين والأسقفية العربية ورؤساء الكنائس البروتستانتية المقدسية. ورد البيان بقوة على أقوال روزنبرغ، وجاء فيه أن رؤساء الكنائس عبروا عن تقديرهم وامتنانهم لجلالة الملك لوصفه “الحقيقي والصادق لوضع مسيحيي الأرض المقدسة، وخاصة في القدس، خلال خطابه الذي حظي بتقدير كبير في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت في 20 أيلول 2022”. وحيّا البيان التزام الملك العلني “بحماية الوضع التاريخي والقانوني القائم، وبالتالي الحفاظ على سلامتنا وعلى سلامة مستقبلنا”. وثمّن “جهود جلالة الملك لدقّ أجراس التحذير من تدهور أوضاع حقوق الإنسان المسيحي الأساسية، تبعث برسالة قوية إلى العالم حول المخاطر المتعلقة بالتراث والوجود المسيحي في القدس وباقي الأراضي المقدسة”.

 معروف أن العالم الغربي، رغم غالبية سكانه من المسيحيين، يفصل الدين عن الدولة في الإدارة العامة لدوله. ولكن هذا الانفصال لا يحلل لقادة تلك الدول تجاهل خطر حقيقي، تحدّث عنه الملك بخصوص الأماكن المقدسة في القدس.

 لقد وفرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) ضمانات عالمية لكل المقدسات داخل سور القدس، حيث تبنّى مجلسها التنفيذي، في 14 إبريل/ نيسان 2021، قراراً بالإجماع حول مدينة القدس القديمة وأسوارها، اعتبر “جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع المدينة المقدسة ووضعها القانوني لاغية وباطلة”.

آن الأوان لوضع حدّ للمخالفات الإسرائيلية للمقدّسات المسيحية والإسلامية وردعها عن الاستمرار في تلك المخالفات، بما في ذلك تطبيق ما جاء في بند العقوبات السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فهل من مجيب؟

لا يمكن الدفاع عنهم.. القتلة السياسيون

حسن العاصي

أمد/ صدر عن مطبعة جامعة آرهوس Aarhus Universitet في غرب الدنمارك كتاب “لا يمكن الدفاع عنه: القتلة السياسيون” De uforsvarlige: politiske massemordere باللغة الدنماركية، ويقع الكتاب في مئتين وثمانون صفحة. ساهم في تأليف الكتاب عشرون باحثاً دنماركياً، وقام بتحريره وكتابة المقدمة المؤرخ والأستاذ الجامعي الدنماركي “ميكيل ثورب” Mikkel Thorup.

يتناول الكتاب ستة عشر من أسوأ القتلة الذين ارتكبوا جرائم القتل الجماعي السياسي في تاريخ العالم، والذين لا يمكن ولا يجب الدفاع عن أفعالهم، أمثال “بول بوت” Pol Pot السكرتير السابق للحزب الشيوعي في كمبوتشيا. و”ماو تسي تونغ” Mao Zedong الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الصيني، ومؤسس جمهورية الصين الشعبية. و”أدولف هتلر” Adolf Hitler المستشار الألماني السابق، ورئيس الحزب النازي. و”جوزيف ستالين” Joseph Stalin الأمين العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي السابق. و”بينيتو موسوليني” Benito Mussolini مؤسس الفاشية، والرئيس الإيطالي السابق. “أسامة بن لادن” Osama bin Laden مؤسس منظمة الوحدة الإسلامية المسلحة ـ القاعدة.

جاء في مقدمة الكتاب أن هؤلاء “الرجال الذين قتلوا وشوهوا وعذبوا وأبادوا الملايين من الناس. الأسماء وحدها تُشعرنا بالغثيان الحاد والصور التي تؤذي العين”

لقد وضعهم شرهم خارج المجتمع البشري. لكن يمكننا الدخول إلى رؤوسهم وإلقاء نظرة فاحصة على تفكيرهم السياسي والأخلاقي، وعلى ودوافعهم. لأنه، حتى لو كانت أفعالهم تجعلهم وحوشاً، فإن تصرفاتهم كانت بدوافع فكرية، سياسية، ودينية، وأخلاقية. وأفكارهم جزء من تفكير كثير من الناس. فقد كانوا أناساً عاديين. لا عباقرة ولا أغبياء. يمكن فهمهم على أنهم فاعلون سياسيون يستخدمون القسوة لجعل المثل والقيم السياسية حقيقة واقعة.

حتى لو لم يكن من الممكن الدفاع عنهم، فلا يزال يتعين علينا محاولة فهمهم. لأنه من خلال القيام بذلك، ربما يمكننا حماية أنفسنا بشكل أفضل من الاعتداءات، والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

إن الستة عشر من القتلة السياسيين الذين لا يمكن الدفاع عنهم، ولا شيء يجعلهم بشراً. هذا لا يجعلهم بالضرورة أشخاصاً جيدين أو أذكياء. لكن كانت لديهم علاقة بأفكار معاصريهم – وبعضهم اخترع وطور الأيديولوجيات بأنفسهم – وفهموا أنفسهم كجزء من أنظمة وتيارات فكرية مختلفة.

الكتاب لا يدعي بأي حال من الأحوال أنهم مفكرون عظماء أو مهمون. تكمن الفائدة في كيفية وضع أنفسهم كجزء من منظومة أكبر، سواء كانوا متساوين أم لا، أو يتمتعون بحجج موضوعية وحقيقية أم لا.

إنها مهمة ثقيلة وصعبة لفهم أفكارهم كجزء من تفكير أكبر، وخاصة التفكير الذي يتشارك به العديد من الأشخاص المعاصرين. من الواضح أن القتلة السياسيون غالباً ما شوهوا الأفكار التي أخذوا منها ما يمكنهم استخدامه فقط لخدمة أيديولوجيتهم وتركوا الباقي.

من الواضح أيضاً، أن المنظومات الفكرية التي كان هؤلاء جزءًا منها، لم تتأثر لا ارتفاعاً ولا انخفاضاً مع الاستخدام وإساءة الاستخدام غير المسؤول.

من المهم مناقشة كيف يمكن استخدام وإساءة استخدام الأنظمة الفكرية والأيديولوجيات المختلفة، وكيف يمكن أن يصبح الاختلاف الفكري أساساً شرعياً للوحشية.

في الدنمارك، بعد الهجوم على مقهى Krudttønden في كوبنهاغن يناير/كانون الثاني عام 2015، شهدنا سياسيين دنماركيين بارزين يقولون إن الأمر لا يتعلق بفهم أولئك الذين يهددوننا، ولكن الأمر يتعلق فقط بمقاتلتهم.

هناك قول مأثور في الدنمارك، يُستخدم غالبًا في المواقف الساخنة عندما تريد إسكات خصومك في مناظرة حيث تقول “لفهم كل شيء يعني مسامحة كل شيء”.

يمكن للمرء أن يسأل عن شروط مناهضة الإرهاب إذا اختار المرء صراحة الجهل كأساس للمعرفة، ولكن الأهم من ذلك إثبات أن الفهم والتسامح هما شيئان مختلفان للغاية.

كتاب “لا يمكن الدفاع عنه” يدور حول فهم ما يبدو غير مفهوم. لا يوجد شيء في هذا عن المغفرة. لفهم كل شيء يعني فهم كل شيء. لا شيء آخر، وأعتقد أن هذه حكمة قوية أيضاً.

من خلال استعراض الكتاب لستة عشر من أسوأ القتلة الجماعيين في تاريخ العالم من خلال ستة عشر فصلاً. فإنه يركز على الأفكار والأيديولوجيات والسياقات التي دفعتهم لأفعالهم، من خلال عدم اعتبارهم رجال خارقين ولا أناس عاديين. بل من خلال فهم المعقد في تعقيده.

الكتاب ليس له هدف تكوين نظرية ولا يخطط لاشتقاق أنماط عامة عبر استحضار ستة عشر شخصاً، لكنه بشكل عام يعرض بصورة ضمنية بعض الأفكار القيمة والرائعة.

واحدة من أكثر التجارب إثارة للإعجاب عند قراءة الكتاب هي أن جميع “الأشرار” كانوا أشخاصاً عقلانيين، ولديهم نيات طيبة لخلق مجتمعات سعيدة. كلهم يريدون الأفضل. جميعهم مارسوا نوع الشر الذي أشار له الفيلسوف النرويجي “لارس الأب سفندسن” Lars Fr. H. Svendsen في كتاباته، ودعاه الشر المثالي، وهو الشر الذي يتم تنفيذه لخدمة قضية أعظم.

فائدة أخرى يقدمها الكتاب ككل، هي الإحساس بمدى صلابة وصمود تصور الناس عن الخير. يكاد يكون الخير في اللغة مجرد مفردة محددة. وأمام “الخير يقف “الشر”.

غالباً ما تكون اللغة وتفكيرنا ثنائي التفرع، على الرغم من أن الحد الفاصل بين ما نسميه جيداً وما نسميه سيئاً، غالباً ما يكون شديد التفرع.

في الممارسة العملية، تعتبر القيم الإنسانية مزيجاً شديد التعقيد، وما هو منتشر من التفسيرات والقيم يعتمد على السياق الذي جاءت ضمنه. على سبيل المثال، نحن نعتبر “القومية” قيمة مشروعة وغير واضحة، ولكن إذا أشدت بها ودعوت إلى القومية، فيجب حينها أن تكون على استعداد على الفور لمشاركة القيم مع كل من هتلر، وماو، وستالين، وبول بوت، وأسامة بن لادن، فيدل كاسترو، موغابي، موسوليني وآخرون

لكن التعقيد الفعلي والسياق والخصوصية، هو بالتحديد الهدف من الكتاب. إذا غصنا في عالم القاتل الجماعي الفردي، يمكننا أن نرى مدى تعقيده وخصوصيته، ومدى كونه عادياً ـ جزئياً ـ في نفس الوقت. تخدعنا تصنيفاتنا اليومية ولغتنا، وتبسيطاتها تمنع فهم المركب البشري.

ميزة أخرى قيّمة للكتاب هي الإدراك الدقيق لطموحه في نقل الفهم. القتلة الجماعيون البالغ عددهم ستة عشر شخصاً هم جميعًا شخصيات كتبوا وطوروا مبررات لرؤيتهم للمجتمع، وأنت تفهمهم وقواهم الدافعة، كشيء آخر غير الجنون اللاعقلاني السيكوباتي عندما ترى عالمهم وما يفكرون به وما قالوه.

اغتراب الروح

كان سفاح الثورة الفرنسية “ماكسميليان روبسبير” Maximilien Robespierre يحلم بمجتمع يتمتع بالحرية والمساواة، وحق متساوٍ للجميع في المشاركة، وبالتالي أراد تمكين جميع المواطنين من خلال إعادة التوزيع الاقتصادي، وجعل الرعاية الصحية والتعليم حق للجميع. وكانت القوة الدافعة الشائعة جداً والمعروفة لدى هتلر هي التوق إلى الوطن، والتوق إلى الحياة العصرية

لذلك، مثّل الكمبودي “بول بوت” Pol Pot الكره الصارخ لمادية المدينة الكبيرة وتحويلها لكل شيء – حتى الحب – إلى سلع في السوق تُباع وتُشترى.

 المؤرخ الدنماركي “فرانك بيش لاسين” Frank Bech Lassen الذي كتب الفصل عن هتلر، يصفه على نحو ملائم بأنه “الوجودي السياسي”. وهكذا يمكن فهم روبسبير وهتلر وغيرهما من القتلة الجماعيين جيداً عندما تتكشف أسبابهم المنطقية وظروف حياتهم.

في بعض الأحيان ، فيما يتعلق بالقوة الدافعة – وليس من حيث العنف والاستبداد – يمكن للمرء أن يتعاطف إلى حد ما مع “الشرير”. عندما تقرأ في الفصل الخاص بأسامة بن لادن عن استخفاف الولايات المتحدة وغطرستها. القوة في الشرق الأوسط، يمكنك المشاركة بشيء من الغضب الموجه ضد الولايات المتحدة.

استخدام نموذجي

الفكرة الأساسية في كتاب “لا يمكن الدفاع عنه” هي أن الإدانة الجيدة والمثمرة، هي الإدانة التي تفهم عقلانية موضوع الإدانة. وهذا هو المكان الذي تكمن فيه ميزة الكتاب العظيمة. في الكتاب يصبح الشر غير المفهوم أكثر قابلية للفهم. لا يتم التقليل من شأن الشر، ولكن يتم ثقب ما هو خارق للبشر وغامض ومبدع في سردنا للشر.

يمكن للكتاب أن ينجح في إثبات ادعائه العام بأن الشر يمكن فهمه لأنه يكرر نفس المناورة في الفصول الستة عشر: إزالة الغموض عن الشر.

ومع ذلك ، فإن الجانب السلبي لبعض الباحثين الذين يعالجون الشخصيات، هو ضعف الفهم الشامل للفرد. معالجة الكتاب في بعض الفصول يجعل من الصعب تحقيق طموح محرره “ميكيل ثورب” الذي كتبه في مقدمة الكتاب: فهم “أفكارهم كجزء من تفكير أكبر”.

بعض الأمثلة: في الفصل الخاص بلينين Lenin، لا يوجد أي شيء تقريباً حول سبب وجهة نظره الحاسمة القائلة بأن الثورة لا يمكن أن تنتظر: دراساته المكثفة عن هيجل.

في الفصل الخاص بـروبسبير Robespierre لم يُذكر الإلهام الفكري لروسو في كلمة واحدة. في الفصل الخاص بموسوليني Mussolini، لم يتضح سبب انتقاله من الاشتراكية الثورية إلى القومية الاستبدادية ومن نقد هتلر Hitler إلى احتضان هتلر.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب هذا حقيقة أن الكتاب رائع. ما لا يمكن تبريره، هو مثال نموذجي على كيف يمكن للأبحاث أن تتحدث حديثاً ذو قيمة في أهم الموضوعات العامة، وبشكل مباشر في الأسئلة الأخلاقية والسياسية العظيمة في عصرنا، حول كيفية ارتباطنا بالإرهابيين والشر السياسي.

لا يمكن مسامحتهم

إن قدرة الكتاب على التواصل الجيد والمعلومات القائمة على الأبحاث، أمر يستحق الثناء. الكتاب سهل القراءة ويستحق قراءته – على الأقل من قبل هؤلاء السياسيين الذين يحبون الوقوف على المنصة الخطابية عقب أي هجوم إرهابي، ويعتقدون أنهم يعرفون كيف يجب أن نتعامل مع الشر لنمضي بحياتنا في خدمة قضية أهم وأسمى.

ستة عشر من أسوأ القتلة السياسيين في تاريخ العالم. لا يمكننا الدفاع عنهم. لا يمكننا مسامحتهم على الإطلاق. لكن يمكننا أن نحاول أن نفهم. افهم أفكارهم ووقتهم والعالم الذي عاشوا فيه. في الكتاب ، يركز الكتاب بشدة على ما لا يمكن الدفاع عنه. الاستماع إلى ما كتبوه وقالوه وفعلوه. لأننا إذا فهمنا أفكارهم، يمكننا حماية أنفسنا من الاعتداءات والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى