مقالات

معتصم حمادة : «رباعية ميونيخ» … بدل عن ضائع

معتصم حمادة
                                                 عضو المكتب السياسي
للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

على هامش الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، عقدت في نيويورك، في 22/9/2022 ما يطلق عليها «رباعية ميونيخ»، اجتماعاً تناولت فيه بالعمق القضية الفلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وأصدرت بياناً شديد الأهمية يستحق من كل المتابعين قراءته، والتمعن فيه، ومحاكمته، لما حمله من أفكار خطرة تطال المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتقدم حلولاً شديدة الهبوط، كأساس لحل القضية، علماً أن الرباعية المذكورة، تتشكل من وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا، عن الاتحاد الأوروبي، ومصر والأردن، عن جامعة الدول العربية؛ وأن هذه الرباعية تشكلت على هامش «مؤتمر ميونيخ» (ألمانيا) للأمن، في 15 شباط (فبراير) 2020، حيث عقدت اجتماعها الأول، وقدمت نفسها آنذاك، عامل إسناد للرباعية الدولية، وكاسحة ألغام أمامها، وكانت «الرباعية الدولية» قد تشكلت أواخر عام 2002، بغية رعاية إطلاق خارطة الطريق، وتضم في عضويتها الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة.

■       ■       ■

1) نقطة البداية في اللغة التضليلية لبيان «رباعية ميونيخ» موضع عرضنا، أنه يتحدث عن ما يسمى «الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي» ويحصر نقاشه في معالجة أوضاع المناطق المحتلة، في تشويه واضح لواقع الحال. ما هو قائم احتلال إسرائيلي منذ العام 1967 للضفة الفلسطينية وقطاع غزة، هذا هو جوهر الموضوع، أما الحديث عن «الصراع»، وكأن هناك صراعاً يدور بين دولتين على قطعة أرض، أو ممر بحري، أو نهر حدودي، وواضح أن الهروب إلى عبارة «الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي» إنما يستهدف وضع الطرفين على نفس السوية، وإعفاء إسرائيل من جريمتها باعتبارها الدولة القائمة بالاحتلال، في انتهاك للشرعية الدولية والقوانين الدولية. و«المساواة» هنا، لا تعني إلا إلزام الجانب الفلسطيني بأن يقدم تنازلات، مقابل (تنازلات الجانب الإسرائيلي) كالحديث على سبيل المثال، عن مطالبة الطرفين (بالامتناع عن الإجراءات الأحادية التي من شأنها التأثير على الحل الدائم) ما يساوي في هذه الحال، بين الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والإعدامات والاعتقالات، على يد سلطات الاحتلال، وكلها ممارسات تنتهك القوانين والشرعيات الدولية، وبين الحق المشروع لشعب فلسطين في الدفاع عن كرامته الوطنية، ومطالبة العالم بالاعتراف بدولته المستقلة كاملة السيادة على حدود 4 حزيران (يونيو) 67 وعاصمتها القدس.

2) أما عند الحديث عن مسألة الدولة الفلسطينية فإن البيان يدعو لقيام دولة فلسطينية «مستقلة، متصلة، وقابلة للحياة».

عبارة تختزن في طياتها، عشرات التناقضات التي من شأنها أن تعطل قيام الدولة المستقلة قابلة للحياة.

فالدعوة إلى دولة «متصلة» لغم كبير تزرعه «رباعية ميونيخ» لنسف الحقوق المشروعة لشعب فلسطين كما نصت عليها قرارات الشرعية الدولية، فالتعبير الواجب استعماله لتأكيد وحدة إقليم الدولة، هو «دولة متواصلة»، أي يمتدّ إقليمها من الحدود إلى الحدود، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، دون عوائق أو دون عناصر تفصل بين مناطقه، تماماً كما هي مصر، وكما هو الأردن، وكما هو فرنسا، وكما هي ألمانيا. أما الدعوة إلى «دولة متصلة» فمعناه إقليم مقطع الأوصال، تفصل بين مناطقه المستوطنات والحواجز العسكرية، والطرق الالتفافية، والجسور، والأنفاق، بحيث تصبح الدولة هنا «غير مستقلة» لأنها ستكون خاضعة لإجراءات الفصل بين مناطقها، بموجب إجراءات الاحتلال. كما لن تكون هذه الدولة بالضرورة، غير قابلة للحياة، لأن اقتصادها المعتمد على حرية الحركة بين محافظاتها، وبينها وبين الخارج، ستكون خاضعة لإجراءات الدولة الإسرائيلية، أي على غرار ما هو عليه الحال الآن.

ولا نعتقد أن أربعة من كبار الدبلوماسيين العرب والأوروبيين، وبحضور مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزف بوريل، ومبعوث الأمم المتحدة إلى المنطقة تور ونسلاند، لا يدركون الفارق بين «متصلة» وبين «متواصلة»، وهما العبارتان اللتان احتلتا مكانة متقدمة في النقاش السياسي في زمن التعويل على خطة «خارطة الطريق» في نيسان (إبريل) العام 2003.

3) وربطاً بما سبق، فإن «رباعية ميونيخ» تدعو إلى حل يقوم على «حل الدولتين» و(على أساس خطوط حزيران (يونيو) 67).

في هذه الدعوة أمران خطيران مرتبطان ببعضهما البعض:

• الأمر الأول، وكما قالت محكمة لاهاي في قرارها الاستشاري، بشأن جدار الفصل والضم العنصري، فإن القرار 181 نص على دولتين: الأولى يهودية، والثانية عربية. وتضيف المحكمة أن القرار المذكور لم يتم تطبيقه حتى الآن، إذ قامت دولة واحدة، ولم تقم الثانية، وبالتالي هو ما زال معطلاً، وتدعو محكمة لاهاي المجتمع الدولي، وخاصة الدولة الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق محكمة لاهاي، وشرعة حقوق الإنسان، إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية لاستكمال تنفيذ القرار 181 بمساعدة الشعب الفلسطيني على إقامة دولته المستقلة.

فتوى محكمة لاهاي واضحة، ولا تحتاج إلى جهابذة في القانون الدولي لتفسيرها: المطلوب الآن أن تقوم دولة فلسطين أي دولة واحدة، وليس دولتين، فلماذا تصرّ «رباعية ميونيخ» وغيرها من المراقبين وكذلك السلطة الفلسطينية وكثير من الكتاب والمعلقين، وكذلك فصائل في م. ت. ف. بالحديث على «حل الدولتين»، ولماذا يصر هؤلاء على الإنجرار وراء لعبة خبيثة اسمها «حل الدولتين»؟.

4) أما الحديث عن «حل الدولتين» على أساس خطوط حزيران (يونيو) 67، فإنه يكشف إلى حد كبير لعبة «حل الدولتين»، وإن كان لا يكشفها كلها.

التعبير القانوني الذي تعتمده الأمم المتحدة في قراراتها لتعريف حدود الدولة الفلسطينية هو التالي: دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 4 حزيران (يونيو) 67. أكرر (على حدود) وليس (على أساس) خطوط حزيران.

القول «على حدود» قول قاطع، لا يدعو لأي لبس، ولا يفتح الباب لأي مناورة.

أما القول «على أساس» فمعناه أن خطوط حزيران هنا، ليست نهائية، وهي ستكون موضع تفاوض، فهي «أساس» وليست وضعاً نهائياً. وعند التفاوض «على أساس خطوط حزيران» سنجد أنفسنا نقف عند مطالب إسرائيلية لا حدود لها، منها على سبيل المثال (وكلها بدوافع أمنية مزيفة تخفي أطماعاً استعمارية مكشوفة):

• التمسك بشاطئ البحر الميت، واعتباره شاطئاً إسرائيلياً وانتزاعه من أرض الدولة الفلسطينية.

• تتحول منطقة الأغوار إلى مادة تفاوضية، في ظل اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، وفي ظل وقائع ميدانية لصالحها، ما يفتح باب الحديث عن «تبادل أراضي» بين الطرفين، وأية أرض تساوي في قيمتها الاستراتيجية الحدودية وقيمتها الاقتصادية منطقة الأغوار.

• فضلاً عن شروط «أمنية» جاهرت بها دولة الاحتلال، تتعلق بمشاركتها على الرقابة على معابر الدولة الفلسطينية، «منعاً لتدفق الإرهابيين»، أو «لتدفق اللاجئين» بدعوى أن هذا من شأنه أن يقود إلى ولادة أزمات اجتماعية، قد تكون لها تداعياتها الأمنية على إسرائيل، وكذلك الحديث عن وجود دائم لقوات الاحتلال على «بعض القمم» في الضفة الفلسطينية، و«حق طيرانها الحربي في التحليق في سماء الدولة الفلسطينية»، إلى جانب قضايا أخرى، ما إن يفتح الباب لمناقشتها حتى تتدفق المطالب «الأمنية» من إسرائيل، معتمدة على العبارة الواردة في الحديث عن «حل الدولتين» تعيشان جنباً إلى جنب بأمان، الأمان هنا، هو أمان دولة إسرائيل، وليس أي شيء غيره.

• فضلاً عن ذلك (أيضاً) هناك قضية القدس المحتلة التي تصر إسرائيل على عدم الانسحاب منها، والتمسك بها «موحدة عاصمة أبدية لإسرائيل»، وقضية المستوطنات التي ما إن يفتح ملف التفاوض حول من يتبقى منها، ومن يتم تفكيكه، فهي تصبح المستوطنات «شرعية كأمر واقع»، ويصبح الأساس هو «الحفاظ عليها» مقابل «تنازلات» جزئية غير ذات مغزى.

5) لن يكون قطاع غزة خارج الموضوع، بل سيوضع على طاولة المفاوضات والإملاءات والتنازلات. لقد كانت مساحة القطاع 560 كم2، ثم تقلصت إلى 200 كم2 لتصبح 360 كم2، بفعل الزحف والقضم الإسرائيلي، وبفعل ما يسمى الحزام الأمني الذي فرضته دولة الاحتلال على القطاع من أقصى الشمال الغربي، إلى أقصى الجنوب الشرقي، وبحيث تحول القطاع إلى مجرد شريطه ساحلي ضيق، يتراوح عرضه بين 6 كم شمالاً وحوالي 12 كم جنوباً، تحول بفعل الحصار والاكتظاظ السكاني وضيق المساحة إلى منطقة بيئية غير صالحة للسكن الآدمي، لا تتوفر فيه الشروط الدنيا للحياة البشرية الكريمة، ومع ذلك يبقى القطاع خلف أسوار من الحصار الأمني والاقتصادي. وفي إطار حل الدولتين، سيفرض على القطاع الإجراءات المسماة أمنية التي ستفرض على الضفة الفلسطينية رقابة إسرائيلية على معابره البرية والجوية (في حال استعاد مطاره نشاطه) والبحرية (في حال تمَّ التوافق على مرفأ خاص به مشروط بإجراءات، كغيره من المعابر، بذريعة منع تسرب السلاح، ومنع تسرب القادمين من غير المسموح لهم دخول القطاع، أي من أجل منع فتح أبواب أراضي الدولة الفلسطينية لاستقبال مواطنين من الخارج، باعتبارها، كما ورد في «إعلان الاستقلال» دولة كل الفلسطينيين.

أما الإجراء الأهم المتوقع أن تحاول سلطة الاحتلال فرضه، هو رسم حدود المياه الإقليمية للقطاع، بحيث لا يؤثر على الثروة السمكية لإسرائيل، ولا يفتح الباب للحديث عن شراكة فلسطينية في حقول الغاز الممتدة على طول شواطئ فلسطين، من الناقورة شمالاً، حتى آخر نقطة جنوباً.

6) الشيء اللافت في بيان «رباعية ميونيخ» أنه حين يتحدث عن قرارات الشرعية الدولية، كأساس للحل، إنما يقرن هذه القرارات بمبادرة السلام العربية التي اعتمدتها قمة بيروت العربية عام 2002 أساساً للحل وتسوية الأوضاع مع إسرائيل.

(اللافت للنظر أيضاً أن معظم بيانات القيادة السياسية لسلطة الحكم الإداري الذاتي، وتصريحات الناطقين باسمها تفعل الأمر نفسه، إذ تقرن قرارات الشرعية الدولية بـ«مبادرة السلام العربية»).

«مبادرة السلام العربية» قامت على مبدأ الأرض مقابل السلام، أي أن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حزيران (يونيو) 67 مقابل التطبيع (بمعنى السلام مع الدول العربية جمعاء، وهو ما دعت إسرائيل إلى عكس آلية تطبيقه، بالدعوة إلى التطبيع (بمعنى السلام) !) بعدها يبحث أمر الانسحاب، وهكذا وبعد حوالي عشرين عاماً من ولادة المبادرة العربية، والتعنت الإسرائيلي نجحت دولة الاحتلال في فرض رؤيتها، فولد «اتفاق أبراهام» الذي، تحت سقفه، أقدمت أكثر من دولة عربية على التطبيع مع إسرائيل حتى قبل أن تنسحب، بل حتى وهي تعلن أنها لن تنسحب ولن تقبل بقيام دولة فلسطينية إلى جانبها، وحتى وهي تطلق على الضفة اسماً يهودياً استعمارياً هو يهودا والسامرة.

إذا كانت «مبادرة السلام العربية» قامت على أساس القرار 242 وباقي قرارات الشرعية، فلماذا تصر «رباعية ميونيخ» على الربط بين المبادرة هذه وبين قرارات الشرعية الدولية (والسؤال نفسه موجه إلى القيادة السياسية لسلطة الحكم الإداري الذاتي).

بتقديرنا، أن الجواب، والذي بات معروفاً للجميع أن «مبادرة السلام العربية» أسقطت من بنودها حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم في مناطق الـ 48. صحيح أنها أشارت إلى رفض التوطين في لبنان، وفي الأردن، لكن الصحيح أيضاً أنها أغفلت أي ذكر لحق العودة، وكما كشفه، (كما ذكرنا في أكثر من مقال)، وزير الخارجية الأردني الأسبق، وأول سفير لبلاده في إسرائيل مروان المعشر، في كتابه «نهج الاعتدال»، كما حين قال في روايته لولادة مبادرة السلام العربية، أن القمة العربية كانت تتقصد إسقاط حق العودة إلى مناطق الـ48، لتوجه رسالة طمأنينة إلى إسرائيل أن لا م. ت. ف. ولا الدول العربية ترغب في إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وقد صدرت تصريحات فلسطينية على أعلن المستويات، كلها تؤكد لإسرائيل أن العودة ستكون «لجناحي الوطن»، وهو التعبير الذي يشار به دائماً إلى الضفة والقطاع، في مفردات الخطاب الرسمي الفلسطيني.

إذن «رباعية ميونيخ» تبشرنا مسبقاً بأن «حل الدولتين» لن يتضمن حق العودة للاجئين، وتريد أن تطمئن أن «حل الدولتين»، وبسقف «الدولتين» سيكون هو الحل الدائم، الذي لن تكون بعده مطالب إضافية لأي من الطرفين، عملاً بما جاء في اتفاق أوسلو، وتفاهمات المفاوضات بين إسرائيل والقيادة السياسية لسلطة الحكم الإرادي الذاتي.

7) تدرك «رباعية ميونيخ»، وهي العارفة جيداً بدواخل الأمور وبواطنها وأسرارها (في حال وجدت أسرار)، أن مفاوضات «حل الدولتين» لم ينعقد شرطها حتى الآن. فلا الولايات المتحدة صاحبة مشروع «حل الدولتين» وراعية مفاوضات أوسلو، والعراب الغربي للعلاقات بين إسرائيل وسلطة الحكم الإداري الذاتي، جاهزة في «المدى المنظور» لاستئناف هذه المفاوضات، ولا إسرائيل التي لا تكف عن ابتذال اتفاق أوسلو وامتهان نصوصه وبنوده، ترغب في ظل الظروف الراهنة، التي نرى في الظروف الحالية فرصة مناسبة لاستكمال مشروعها الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وهي تدرك أن ما تحققه ميدانياً بقوة الأمر الواقع، أهم بكثير مما سيؤمنه لها التفاوض مع الجانب الفلسطيني.

«رباعية ميونيخ» تدرك أن المتوافق عليه بين الولايات المتحدة وإسرائيل هو «الحل الاقتصادي» في الضفة الفلسطينية، و«التهدئة مقابل الانفراجات في قطاع غزة»، وتدرك أن السلطتين في الضفة (سلطة الحكم الإداري الذاتي)، وفي القطاع (سلطة الأمر الواقع) سلمتا بهذا الحل، مع فارق أن رام الله لا تنكر استعدادها على الموافقة على «الحل الاقتصادي»، وهي تسير في ركابه، وتعمل على تنفيذ بنوده، وتعقد مع الجانب الإسرائيلي اجتماعات للتوافق على خطواته، لكنها بالمقابل، لتغطي على هذا التنازل، تشترط أن يرتبط «الحل الاقتصادي» بأفق سياسي، وهو التعبير الكودي (السري) للاستعداد لأن يكون «الحل الاقتصادي» بكل ما يولده من وقائع ميدانية، مدخلاً إلى مفاوضات الحل الدائم.

أما في قطاع غزة، فإن سلطة الأمر الواقع، تسير هي الأخرى في ركاب «الحل الاقتصادي» و«التهدئة مقابل الانفراجات»، الدامغة والبارزة للعيان، والتي تتطور قدماً، ويتلمسها كل مواطن، فإن سلطة الأمر الواقع تصر على إنكار هذا الواقع، وتؤكد تمسكها بالمقاومة، في سياسة تفرضها ضرورات «حروب الانقسام» مع رام الله.

«رباعية ميونيخ» انضمت هي الأخرى إلى مشروع «الحل الاقتصادي» وتقول في بيانها، أنه ما دامت لا تتوفر في اللحظة الراهنة، شروط انعقاد مفاوضات «حل الدولتين» فإنها تدعو لـ«الحل الاقتصادي»، ولكي تداري مناورتها التنازلية، وخطوتها الهابطة وانجرارها وراء الحلول الأميركية، تدعو هي الأخرى لأن يرتبط «الحل الاقتصادي» بما تسميه آفاقاً سياسية تفتح الباب لاحقاً (دون تحديد فترة زمنية) لاستئناف مفاوضات «حل الدولتين».

إذن «حل الدولتين» الذي قرعت له الطبول، وعزفت له الموسيقى، وتليت له الإشعار، حل مؤجل حتى إشعار آخر، وأن الحل الممكن الآن هو «الحل الاقتصادي» مقابل الأمن لإسرائيل، أي بتعبير آخر، إن رحيل الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية (بشروط «حل الدولتين») أمر مؤجل حتى إشعار آخر، وأن الحل المطروح حالياً هو سلطة الحكم الإداري الذاتي، تحت هيمنة الاحتلال، وبمرجعيته، مقابل تسهيلات اقتصادية، ومالية تعزز من مكانة السلطة في أعين مواطنيها، وإن كان الواقع الحقيقي يقول عكس ذلك، فالأعمال العدوانية لسلطة الاحتلال بحق سكان الضفة يومياً، تؤكد أن «الحل الاقتصادي» من شروطه أيضاً اقتلاع كل مظاهر المقاومة في الضفة، وتقويض الإرادة الوطنية للفلسطينيين ليرضخوا لمشروع «الحل الاقتصادي»، ولا تتجاوز تطلعاتهم الوطنية حدود المطالب الاستهلاكية على حساب الكرامة الوطنية.

8) إذا كانت «رباعية ميونيخ» قد خطت خطوة هابطة كبرى، نزلت خلالها من «حل الدولتين»، الهابط أصلاً، إلى «الحل الاقتصادي» مقابل الأمن لإسرائيل، والذي سقفه حكم إداري ذاتي مع امتيازات اقتصادية ومالية معينة، فإنها هبطت خطوة أخرى نحو الابتعاد العملي عن الحل المتوازن كما تفترضه قرارات الشرعية الدولية، حين تدعو إلى حل في إطار إقليمي، بديلاً للإطار الدولي. الإطار الدولي هو المؤتمر الدولي الذي دعت له قرارات المجلس الوطني والمركزي، برعاية الأمم المتحدة، وبموجب قراراتها ذات الصلة، وبإشراف مباشر من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. «رباعية ميونيخ» دعت بدلاً من ذلك لإطار إقليمي.

الإطار الإقليمي الوحيد القائم الآن في المنطقة هو تحالف «أبراهام» الذي أطلقته «صفقة القرن» وأيدته وشجعت على تطويره إدارة بايدن، وهذا معناه إطار يضم الولايات المتحدة ودولاً عربية (شركاء في مبادرة السلام العربية) وإسرائيل، وسلطة الحكم الإداري الذاتي، إلى جانب، بالضرورة، الاتحاد الأوروبي، الذي تمثله ألمانيا وفرنسا، ما يعني في السياق العملي، استبعاد روسيا والصين، بعد أن دخلت العلاقات الدولية مرحلة جديدة، بات فيها اللقاء بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، أمراً شديد التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً.

الإطار الدولي الذي كانت تمثله «الرباعية الدولية» في حسابات «رباعية ميونيخ»، بات شيئاً من الماضي، أي ما قبل 24 شباط (فبراير) بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

كما أن الإطار الإقليمي يضمن تحويل القضية الفلسطينية إلى مشروع تطبيعي عربي – إسرائيلي، ينسجم مع رؤية إسرائيل لـ«مبادرة السلام العربية»،  ولا يكون فيه بالمقابل للجانب الفلسطيني قراره المستقل، أو ربما، يكون الغطاء العربي هو ما يحتاجه المفاوض الفلسطيني ليقدم التنازلات المطلوبة منه، خاصة القدس (في ظل تواجد الوصاية الأردنية للمقدسات الإسلامية)، وقضية اللاجئين، التي تعتبر بعض الدول العربية نفسها شريكاً في رسم قرارها (خاصة لبنان + سوريا + الأردن)، فضلاً عن أن «تمويل» الكيان الفلسطيني، أياً كان اسمه، سيكون عبثاً ملقى على عاتق الأنظمة العربية، إما ببروتوكولات اقتصادية، أو كونفدرالية اقتصادية مع الجوار العربي.

وهكذا تكون «رباعية ميونيخ» انطلقت لتكون عامل إسناد، وكاسحة ألغام أمام «الرباعية الدولية»، لتتحول، بعد تطورات العلاقات الدولية، وثبوت أكذوبة «حل الدولتين»، ووفاة «الرباعية الدولية» إلى «بدل عن ضائع» ■

■      ■      ■

ملاحظة ختامية:

تأكيد «رباعية ميونيخ» لحل الدولتين، ولدولة فلسطينية متصلة فاعلة للحياة (وليس متواصلة)، وعلى أساس خطوط حزيران (يونيو) 67، وليس على حدود حزيران (يونيو) 67، وتأييدها لإسقاط حق العودة، ولحل (مؤقت !) يقوم على «الحل الاقتصادي بآفاق سياسية»، وتأييد «رباعية ميونيخ» لإطار إقليمي «أبراهام» بديلاً للإطار الدولي المتمثل بالمؤتمر الدولي برعاية الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة، … كل هذا يفسر إلى حد كبير لماذا ترفض فرنسا وكذلك ألمانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية، المستقلة كاملة السيادة على حدود 4 حزيران (يونيو) 67، وعاصمتها القدس، ويربطان أمر الاعتراف بما يسمى «الوقت المناسب».

وما «الوقت المناسب» سوى ما تتبناه «رباعية ميونيخ» كما ورد في بيانها في 22/9/2022 ■

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى