أهم الاخبارمقالات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

من يتحدث عن عملية “سور واقي” لا يفهم ما يقول

ردا على الاتصالات معه..غانتس: أقاتل الرئيس عباس أكثر من كل منتقديه..

أمد/ تل أبيب: قال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، يوم الثلاثاء، إنه يحارب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكثر من كل منتقديه في العالم بألف مرة، جاء ذلك في مقابلة أجرتها معه صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية.

وقال غانتس لدى سؤاله عن استضافة الرئيس الفلسطيني في منزله بمدينة روش هاعين وسط إسرائيل في 28 ديسمبر 2021: “سأتحدث إلى كل من أستطيع وأقاتل من يجب أن أفعل”.

وأضاف: “زرته في منزله وهو جاء عندي. زرته في المقاطعة بمقر الحكم الفلسطيني في رام الله، اختلقوا من ذلك القصص، هذا ليس لأني جلست معه مساء يوم السبت المقدس بل فقط لأني أتحدث معه”.

ولدى سؤاله “تستضيف في صالون منزلك الرجل الذي يدفع الأموال للقتلة؟” (في إشارة لرواتب تدفعها السلطة الفلسطينية لذوي الأسرى أو الشهداء الذين سقطوا بنيران إسرائيلية)، قال غانتس: “أقتطع له من الأموال ويقصد أموال المقاصة وهي ضرائب تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، وأحاربه أكثر ألف مرة من كل منتقديه في العالم”.

وأضاف غانتس: “شغلت جميع الدرجات القيادية في الجيش، قمت بمداهمات للمسلحين، أطلقوا عليّ النار مرات لا تحصى، أحاربه للرئيس الفلسطيني أكثر من كل من يقومون بالثرثرة. سأتحدث عندما يمكنني وأقاتل عندما يجب. أفعل كل ما يجب لترسيخ واقع أمني أفضل لدولة إسرائيل”.

وحول احتمالية حدوث تصعيد جديد في الضفة الغربية قال غانتس: “هناك العديد من الحوادث. هذه محاولات من قبل بعض المنظمات لبث الروح في الخلايا المحلية، أو أنشطة فرق محلية لا علاقة لها بالتنظيمات، وسنواصل العمل بشكل دفاعي وهجومي، ونحاول الحفاظ على التنسيق الأمني ​​مع السلطة الفلسطينية. ليس لأن عليها حماية إسرائيل ولكن لضمان ترسيخ سيطرتها، لكنها تجد صعوبة في القيام بذلك في شمال الضفة”.

وسُئل غانتس “في جنين، يجلس أربعة رجال مسلحين داخل أحد المنازل. لماذا لا يتم التعامل معهم من الجو؟ لماذا تعرض الجنود للخطر؟”.

فأجاب وزير الدفاع: “نحن نسيطر على المنطقة. هذه مناطق مزدحمة وديناميكية. هناك دائما خطر في نشر الجنود. حتى لو كان الجنود على خط التماس، فإنهم يصبحون هدفا”.

وفي تعلقيه على تصريحات سابقة لرئيس الأركان أفيف كوخافي قال فيها إنه على وشك الموافقة على تنفيذ اغتيالات مسبقة لناشطين فلسطينين، قال غانتس: هذه قصص سردية. هذا ليس صحيحا. لم يوافق رئيس الأركان وهو غير مخول بالموافقة، والإجراءات الخاصة بتنفيذ تلك الاغتيالات هي من صلاحيتي وليست صلاحيته سأقرر القيام بذلك عندما أقرر القيام بذلك. أنا أستخدم الجيش بشكل هجومي قدر الإمكان، إنه مجرد ضجيج إعلامي”.

وحول ما إن كانت إسرائيل تعتزم تنفيذ عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية على غرار “الدرع الواقي” التي نفذتها في الفترة بين 29 مارس/ آذار 2002 و10 مايو/ أيار من العام نفسه، وأسفرت عن مقتل 497 فلسطينيا و30 جنديا إسرائيليا، قال غانتس: “يقول ذلك الأشخاص الذين لا يفهمون ماذا يعني الدرع الواقي. ما هي الظروف على الأرض. فقط يطلقون الشعارات”.

ما بعد زيارة “خفي حنين” لأمريكا…دق جرس الرد الفلسطيني!

أمد/ كتب حسن عصفور/ وبعد…انتهت زيارة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ الى واشنطن، ومن خلال ما صدر عن الأطراف ذات الصلة، البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، والشيخ، تأكد بدون أي جهد تفكيري، ان أمريكا لن تمنح الطرف الفلسطيني سوى “وهم مضاف” لعرقلة الفعل المفترض أن يكون.

تصريح الشيخ، يؤكد عدم وجود أي خطوة عملية بما فيها فتح مكتب منظمة التحرير، الخطوة التي كان يعتقد انها ستكون “رشوة” أولية مع قنصلية خاصة في القدس، لم يتم التطرق لها، وغياب أي مؤشر حول وضع منظمة التحرير ومسألة “الإرهاب”، ورواتب الأسرى والشهداء، مكتفيا بكلمات خالية من التحديد السياسي، واللجوء الى غموض اللغة التأجيلية التي يتقنها “يهود أمريكا” في الإدارة.

ولكن، الأكثر سوءا، ما ورد في بياني البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، التي أشارت الى “حل دولتين” بفرض تغييرات حدودية مسبقة على ما كان قبل 1967، رشوة سياسية أمريكية للكيان العنصري، تتضمن موضوعيا ضم وتشريع لبعض الاستيطان.

ولكن الأخطر فيما أشارت له التصريحات الأمريكية، التركيز على ضرورة وقف “الغضب الشعبي والمسلح” في الضفة الغربية، وصل الى وصفها بأعمال “إرهابية”، ما يكشف أن جوهر الاهتمام الأمريكي ليس سوى حماية الأمن الإسرائيلي، وفتح جبهة “صراع داخلي فلسطيني -فلسطيني”، وبالمجان.

وكي لا نبقى في “دائرة اللوم السياسي”، والتي لا تنتهي أبدا، بل لن تنجب خيرا وطنيا، آن أوان الكف عن البقاء في “حلقة انتظار وهم أمريكا”، وتقديمها ما يمكن أن يفرح الفلسطيني بالحد الأدنى للفرح، ولم يعد بعد تلك الزيارة، وبياني البيت الأبيض والخارجية، ما يمكن قوله بأن “أفق العلاقة السياسية” مع واشنطن محكوم، بوقف أي خطوة فلسطينية لتنفيذ المشروع الوطني، وأن تفتح جبهة “صراع داخلي – داخلي”، مقدمة لفوضى شاملة، تستخدمها دولة الكيان وحكومته في فرض التهويد من جهة، وتأكيد غياب “الشريك الفلسطيني”.

أمريكا، عمليا في بيانيها تحاول خدمة “التحالف القائم” في دولة الكيان انتخابيا، بما تريده من “الرسمية الفلسطينية” دون أي مقابل سياسي سوى “الوعود” التي تقدم منذ 1948، عبر كل إدارتها، رغم كل ما قدمته قيادة الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد، بما فيه توقيع “اتفاق إعلان المبادئ”، المعروف إعلاميا باتفاق أوسلو، لم تتقدم أمريكا بخطوة عملية لفرض حل متوازن، يضع حدا للصراع وينتج سلاما مستقرا.

 وبعد، لم يعد هناك مجال للرهان على ما يمكن أن يأتي من أمريكا، وبالتالي من دولة الكيان، وكي لا يقال فات القطار، وجب الذهاب مباشرة الى تنفيذ عناصر خطاب الرئيس محمود عباس فورا، وبلا تردد او “مياعة سياسية”، مآلها فتح كل الاحتمالات التخريبية على المشروع الوطني، في ظل ما تم كشفه من قبل حكومة الفاشية في تل أبيب، عن “صفقة تاريخية” مع “البديل” المنتظر.

ومع أول لقاء لتنفيذية التحرير(الغائب كثيرا عن الحضور الوطني)، وجب الذهاب الى تنفيذ خطوات محددة منها:

* مرسوم رئاسي يتضمن تحديد موعد إجراء الانتخابات العامة لدولة فلسطين، كدائرة واحدة وفق التمثيل النسبي الكامل، مع تعديل تشكيل لجنة الانتخابات ومهامها.

*اعتبار المجلس المركزي مع تعديلات نسبية على تركيبه، البرلمان المؤقت لدولة فلسطين الى حين إحراء الانتخابات العامة، له صلاحيات الرقابة والتشريع.

*تشكيل حكومة دولة فلسطين فورا.

*العمل على احياء لجنة صياغة دستور دولة فلسطين.

*إعادة النظر بشكل شمولي في شكل العلاقة بين دولة فلسطين ودولة الكيان، بما يشمل وقف التنسيق الأمني بشكله ومضمونه القائم.

*الى جانب ذلك، ودون تأخير في تنفيذ ما سبق، يكلف المجلس المركزي الاتصال بالقوى المختلفة، لوضع آلية عمل مشتركة لخدمة تجسيد دولة فلسطين.

*العمل على ترميم اللجنة التنفيذية بعودة الجبهة الشعبية، وتعزيز دورها باعتبارها “خلية العمل الأولى” الى حين الانتهاء من الانتخابات العامة.

*قرار رئاسي بإلغاء كل الإجراءات بوقف رواتب العاملين الحكوميين بغير حق.

خطوات ليست نهائية، ولكنها تمثل حركة انطلاقية لمستقبل مختلف عما هو قائم.

على الرسمية الفلسطينية أن تدرك “أن الوهم الأمريكي” انتهى!

ملاحظة: عندما تنتقم دول تعتبر حالها “حضارية” من روسيا بإزالة تماثيل لينين، أبرز زعماء التاريخ الثوريين، فكرا وسياسة وممارسة فذلك يكشف ان “الظلامية” مخزونة في الجين الغربي…فنلندا نموذجا.

تنويه خاص: كان مثيرا ان تمنع قناة فضائية حمساوية بث برنامج خاص بأبطال “نفق العبور” من سجن جلبوع..يبدو أن الصفقة إياها تشمل كل مناحي الحياة..شكلها “الغيرة الإخوانجية” من فتح والجهاد تصبح أكثر سوادا يا بتوع “المؤامة”!

مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية يزور مخيم جنين للاجئين

القدس الشرقية

زار السيد آدم بولوكوس مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية مخيم جنين للاجئين، الوقع شمالي الضفة الغربية. جاءت هذه الزيارة عقب العملية العسكرية الواسعة التي شنتها قوات الأمن الإسرائيلية يوم الأربعاء الماضي، والتي خلفت ما لا يقل عن أربعة قتلى وزهاء 40 جريحًا، من بينهم لاجئون فلسطينيون.

كان يتواجد في المركز الصحي، الذي يخدم 35,000 من اللاجئين، المرضى وطواقم الأونروا عندما أصابته رصاصات تسببت بأضرار مادية، ما أدى لإخلائه هو وجميع مرافق الأونروا الأخرى في المخيم، ومنها المدارس.

وقال السيد بولوكوس: ” لقد رأيت الى أي مدى تسببت العملية العسكرية الإسرائيلية بالضرر، ورأيت الخوف والقلق باديان في عيون الأطفال”.

أثناء زيارته للمخيم عرّج السيد بولوكوس على المركز الصحي وإحدى مدارس الأونروا في المخيم وتحدث هناك مع عدد من الطلبة والطاقم التعليمي. بعدها توجه للقاء اللجنة الشعبية لخدمات المخيم.

وأضاف السيد بولوكوس قائلاً: “إن مستوى العنف في المخيم وفي الضفة الغربية عمومًا هو الأعلى منذ سنوات، والعديد من الفلسطينيين بما في ذلك اللاجئين يتعرضون للقتل أو الإصابة. هذا العنف يجلب الخسائر في الأرواح، والحزن للعائلات الثكلى وعدم الاستقرار. على كل أطراف الصراع حماية المدنيين بما يشمل أيضا اللاجئين الفلسطينيين. يجب أيضا إبقاء مرافق وطواقم الأمم المتحدة والبنية التحتية المدنية بعيدة عن أي أذى. أدعو بالتحديد القوات الإسرائيلية إلى الحد من الاستخدام المفرط للقوة، وتجنب التسبب بخسائر في الأرواح بين المدنيين، هنا في جنين كما في باقي أنحاء الضفة الغربية”

«العلمانيون الجدد» في العالم العربي

رأي  إياد البرغوثي

في حين يحاول السياسي الاختباء وراء بعض المصالح والظروف نجد مثقفاً كيوسف زيدان يقول، ومنذ فترة، من «لا يؤيد التطبيع فهو جاهل

هذا المقال ليس للانتصار لأي من الدين أو العلمانية، ولا للمفاضلة بينهما، كذلك هو ليس للبحث في السياق الذي ظهرت فيه العلمانية بأشكالها المتعددة، ولا في الارتدادات التي تحدثُ في كثير من الأحيان من أشكال معينة من الإيمان- أو اللاإيمان- بحيث تنعكس سلباً على العلاقات الاجتماعية بين الناس. إنه مقال يحاول تشخيص حالة يذهب فيها المثقف «العلماني»، هذه المرة، بعيداً من جوهر مهمته في الدفاع عن حرية الاختيار إلى نوع من الأدلجة تحمل ضرراً فادحاً على الشعب والأمة، حالة يبدو فيها المثقف الذي يفترض فيه الحرص على قضايا شعبه الكبرى رأس حربة في تمييع، وربما ضياع، تلك القضايا.

تجلّت العلمانية لدى روادها في المنطقة العربية تاريخياً بمواقف تجاه قضايا ربما كان التديّن، والموقف من الدين إجمالاً، أقلها حضوراً. فالعلمانية أساساً هي موقف من الدولة، أو حالة للدولة يصفها كثيرون بالمدنية، بحيث تساوي بين مواطنيها ولا تفرق بينهم خاصة لاعتبارات تتعلق بإيمانهم الديني. وهي في هذا المجال موقف مضاد للنظام الذي يلجأ أحياناً لاستخدام الدين في تثبيت شرعيته وفرض هيمنته وممارسة استبداده.

وهي، أي العلمانية، موقف من الحرية، أو حالة ارتبطت بالحرية، بخاصة الحرية الدينية وحرية المعتقد. وهي حالة ارتبطت بحركة التنوير، والموقف المنحاز للعقل والعقلانية والتحرر من الأوهام في العلوم والمواضيع التي تتطلب ذلك. كما ارتبطت بالانفتاح على الثقافات الأخرى.

هي ليست أيديولوجيا ولا ينبغي لها أن تكون، تماماً كما هو الدين. بالتالي فهي تجارب وثقافات مختلفة من دولة لأخرى في تلك الدول التي تعتبر علمانية، بخاصة في علاقتها مع ظاهرة التدين. فعلمانية فرنسا التي تعاملت مع مظاهر التدين بشكل حاد، اختلفت عن التجربة الإنكليزية التي يعتبر الملك فيها رأساً للكنيسة الإنجليكانية، كما اختلفت عن التجربة اليابانية التي يعتبر فيها الإمبراطور إلهاً بشكل أو بآخر.

العلمانيون الأوائل

منذ نشأة الحركة العلمانية في المنطقة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، لم تأخذ موقفاً محدداً من الإيمان الديني، بل كان الموقف الأبرز هو رفض نظام الحكم المتمثل في الاستبداد السياسي، وأدى إلى صدام مع حكومات ومؤسسات (بما فيها مؤسسات دينية) ليس على قاعدة قبول الدين أو رفضه إنما على قاعدة سياسية بالأساس.

عند النظر إلى أهم العلمانيين الأوائل أو حتى من أولئك الذين شكلوا جيلاً ثانياً وثالثاً من العلمانيين العرب من أمثال علي عبد الرازق، فرح أنطون، سلامة موسى، طه حسين، أحمد لطفي السيد، قاسم أمين، أنطون سعادة، محمود أمين العالم، والجابري وعبدالله العروي، وكثيرين غيرهم، نجد اختلافاً كبيراً في مواقعهم من الدين؛ منهم رجل الدين ومنهم غير المتدين، منهم المسلم ومنهم المسيحي، إلا أن ما جمعهم أنهم كانوا أساساً دعاة لنهضة الأمة، وآمنوا بوحدة الأمة وقضاياها، وتبنوا حقوق الإنسان، بما فيها حقوق المرأة وحرية الفكر، وتبني العقلانية، وشكّلوا، كل بطريقته، حركة تنويرية ترفض الدولة المغلقة، وتدعو للدولة المدنية ولعلاقة «سليمة» بين الدين والسياسة.

رواد من أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وفي مرحلة لاحقة مفكرون من أمثال الدكتور حسن حنفي، استندوا إلى خلفيتهم الدينية في محاولة لإيجاد حركة إصلاح ديني تنحاز للإنسان وترتقي به. وحتى مفكرون وناشطون من أمثال رفعت السعيد وفرج فودة الذين اشتهروا بنقدهم للمؤسسة الدينية وسلوكها السياسي والاجتماعي، وكذلك لبعض حركات الإسلام السياسي، ولم يذهبوا للحديث عن إيمان الناس وتدينهم ومقدساتهم ورموزهم الدينية، هؤلاء جميعاً تعاملوا مع مواضيع الإنسان والنهضة والتقدم والحداثة، ومع الدولة والحرية والعلم، وحتى الدين، بأخلاق وباحترام للتعددية وتفهم للتجارب المختلفة للبشر. كما أن مواقف أولئك الذين عاصروا القضية الفلسطينية منهم كانت مع الحق الفلسطيني، وكانوا ضد إسرائيل كدولة صهيونية تشكل رأس حربة للإمبريالية في المنطقة.

العلمانيون الجدد

تسمية «العلمانيون الجدد» ليست لها علاقة بجيل معين من العلمانيين في الفضاء العربي، بقدر ما هي محاكاة لتسمية «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة الأميركية أساساً، لها مدلول فكري أيديولوجي أكثر من علاقة بزمن معين، وهي تتحدث عن فئة من العلمانيين انفصلت عن النهج التقليدي لرواد العلمانية في المنطقة، ومثلت «أصولية» علمانية في مقابل أصولية دينية، حيث ساهم الطرفان معاً في ضرب العقلانية والوطنية بشكل أو بآخر.

من المهم التوضيح أن كثيراً من العلمانيين الآن ما زالوا على نهج أسلافهم الأوائل ديموقراطيين وطنيين «مسؤولون». قلة من العلمانيين الآن هي من ذهبت باتجاه العلمانية «الجديدة» التي تخلت عن الصفات السابقة للعلمانيين الأوائل وذهبت نحو «ليبرالية» وضعتها في مكان آخر مختلف.

قبل الحديث عن مآخذنا على بعض أفكار هؤلاء العلمانيين الجدد لا بد من الإقرار أن لدى كثيرين منهم إنتاج فكري يستحق الاهتمام، وأحياناً التقدير، إلا أن بعض الطروحات والأفكار والمواقف اللافتة، جعلتهم يختلفون عن العلمانيين التقليديين الذين حملوا مشروع نهضة الأمة، ليكونوا «أدوات» في مشاريع مضادة، أرادوا ذلك أم لم يريدوا.

على عكس العلمانيين «التقليديين» الأوائل الذين لم يتطرقوا إلى الدين في ذاته، ولم يعتبروا العلمانية أيديولوجيا مطلوب من المجتمع أن يتبناها ويؤمن بها، ذهب العلمانيون الجدد إلى أدلجة العلمانية، وإلى دعوة الأفراد لتبنيها بدل أن تكون دعوة لعلمنة الدولة. هذا قسّم العالم، من وجهة نظرهم، إلى مؤمنين وغير مؤمنين، متدينين وغير متدينين، وبذلك أسس لصراع أبدي بين البشر، تماماً كما فعلت التطبيقات الأصولية للأديان، بدل أن يكون التقسيم الطبيعي للبشر هو: ظالمون ومظلومون، مضطَهدون ومضطهِدون، مستغَلون ومستغِلون.

لقد تأثّر العلمانيون التقليديون بالغرب لكنهم لم يتغاضوا عن وجهه الآخر الاستعماري وسعيه الدائم للسيطرة على المنطقة العربية وبقية العالم النامي

كما فعلت بعض المؤسسات الدينية، أو أتباعها، التي «احتفلت» كلما أشهرت إسلامها «شغالة» في السعودية، يبتهج العلمانيون «الجدد» إذا تخلى متدين عن دينه. هم يتابعون بشغف ازدياد نسبة الملحدين في البلاد العربية، ويقلقون إذا ما تناقصت هذه النسبة، تماماً كما يفعل الجانب المقابل عندما يزداد المتدينون أو ينقصون. هما وجهان لعملة واحدة. هذه المسألة، ازدياد أو نقصان المؤمنين أو غير المؤمنين، ليست هي ما يشغل بال العلماني الحقيقي الذي هاجسه منسوب الحرية أكثر من منسوب التدين أو عدمه.

من أبرز مظاهر الذهاب بالأصولية الدينية إلى مداها الأقصى في الحالة الإسلامية هو ما ذهبت إليه بعض الانتلجنسيا الدينية في ما يتعلق بما سمي «أسلمة العلوم»، وهو محاولة تطبيق قواعد الفكر الديني ومعطياته على مناهج البحث العلمي، وهذا يصل بصاحبه إلى الاستنتاج أن كل ما هو مكتشف أو سوف يكتشف علمياً موجود في الدين سلفاً. في مقابل ذهاب تلك الانتلجنسيا الدينية إلى أن قوانين العلم يجب أن تكون خاضعة للدين، انشغل العلمانيون الجدد بمحاولة البرهان العقلي على «لا عقلانية» الإيمان. لقد حاول الأصوليون العلمانيون، تماماً كما حاول الأصوليون المتدينون، تجيير كل مساحة حياة الإنسان المادية والروحية لاعتباراته من دون أن يحاول أن يفصل بين آليات عمل العقل والعلم والجانب الروحي من الإنسان.

حاول العلمانيون الجدد، بل وضعوا معظم جهدهم، لإثبات «لا عقلانية» الإيمان، واعتبروا ذلك إنجازاً عظيماً، فذهبوا إلى تفاصيل التفاصيل في مسائل الأسطورة والمعجزات وناقشوا عدم معقوليتها في ضوء «المنطق» العلمي. ناقشوا الإسراء والمعراج في ضوء قوانين الجاذبية وسرعة الضوء، وناقشوا عذرية السيدة مريم بقوانين طب النساء. ربما من الضرورة بمكان أن نعود لابن رشد لمعرفة مدى ضرورة وضع العلم والإيمان كل في سياقه.

إن الدراسات التي تتعلق بالظاهرة الدينية وبالفكر الديني وفلسفة الدين وسوسيولوجيا الدين، التي يقوم بها مختصون متدينون أو غير متدينين، هي دراسات في غاية الأهمية نظراً لما للدين من تأثير هائل على أعداد واسعة من الجماهير. لكن بعض العلمانيين «الجدد» يذهبون لدراسة بعض الأمور التي من الصعب فهم جدواها إلا من باب «المماحكات» الفكرية. فماذا يعني أن تدرس إن كان الخمر قد حرم في الإسلام أم لم يحرم؟ وماذا تفيد دراسة علاقة النبي بزوجاته على سبيل المثال.

لكن مثل هذه الاهتمامات، التي يغلب عليها الطابع الطفولي في الكثير من الأحيان، ليست هي الأخطر في الفكر والممارسة لدى العلمانيين الجدد. بل بالإمكان ملاحظة بعض «الخطايا» التي يتبناها وينظر لها بعض رموز العلمانية الجديدة، ومنها:

– غياب المسؤولية الثقافية لدى كثير من هؤلاء؛ فعلى المثقف الاهتمام ليس فقط بصدق أو حقيقة ما يقول، بل أيضاً بما يترتب على ما يقول وتأثير ذلك القول. ضمن ذلك يتناول العلمانيون الجدد -يوسف زيدان مثلاً- مواضيع تشكل رموزاً للأمة وينفي صحتها أو يعمل على الإساءة لها والتقليل من هيبتها، مثل قوله إن مدينة القدس ليست مقدسة، أو أن المسجد الأقصى ليس هو الذي في القدس، أو أن صلاح الدين الأيوبي وأحمد عرابي شخصان سيئان. إن التشكيك في هذه الرموز والعبث بها في العقل والوجدان الشعبي سوف يزعزع عوامل تماسك الأمة ويخدم أعداءها.

من حق كل شخص أن يعتقد ما يريد، لكن من واجب ذلك الشخص إدراك أهمية، وربما مخاطر، قد تترتب على الترويج لذلك الاعتقاد، لذلك وجب الاهتمام ليس فقط بما يقال، بل كيف يقال ومتى يقال ولمن يقال.

إن العلماني الجديد عندما يشكك برموز وحدة الأمة، سواء كانت هذه الرموز واقعية أم أسطورية، حقيقية أم متصورة (كثير من عوامل وحدة الأمم حتى المتقدمة منها هي ليست أكثر من أساطير)، فهو يقوم بدور الكومبرادور الثقافي الذي يعبث بوحدة أمته ويخدم أعداءها سواء أدرك ذلك أو لم يدرك.

كما يعادي العلماني الجديد الإسلام السياسي (و غير السياسي) من حيث المبدأ، وهذا قد يكون متفهماً، لكن من غير المتفهم هو وضع كل حركات الإسلام السياسي في سلة واحدة فتصبح «داعش» و«النصرة» و«حماس» و«حزب الله» و«حركة النهضة»، وغيرها، على نفس الدرجة من «السوء». كذلك، فإن هذا الموقف الرافض لكل مبادئ وسلوك ورواية حركات الإسلام السياسي كافة يذهب بهذا العلماني إلى الترويج للرواية الصهيونية. لقد ذهب أحدهم لحد المطالبة بتقسيم الأقصى بين المسلمين واليهود والملحدين على اعتبار أن الرواية الإسلامية ليست «علمية».

ليس غريباً أن بعض رموز التطبيع مع إسرائيل من المثقفين هم من العلمانيين الجدد. لقد نقل هؤلاء تطبيع «الضرورة» الذي نظّر له مثقفو السلطة أيام كامب ديفيد وأوسلو إلى تطبيع الإعجاب، تطبيع الإمارات والبحرين، على اعتبار أن الصهيونية هي الحداثة وهي الغرب الذي يريدون أن يكونوه. لقد طالب أحد رموز هؤلاء (سيد قمني) بعودة الاستعمار «ليرحمنا من الإسلاميين» كما قال، ولم يأخذ في الاعتبار أن الاستعمار الذي يدعو للعودة إليه هو الذي صنع «داعش» والوهابية وكثيراً من الاستبداد الديني وغير الديني في المنطقة.

في أمور التطبيع، المثقفون العلمانيون الجدد أكثر «جرأة» و«وقاحة» من السياسيين المطبعين. ففي حين يحاول السياسي الاختباء وراء بعض المصالح والظروف نجد مثقفاً كيوسف زيدان يقول، ومنذ فترة، من «لا يؤيد التطبيع فهو جاهل».

يختلف موقف العلمانيين الجدد عن العلمانيين التقليديين في الموقف من السلطة. ففي حين يعتبر العلمانيون التقليديون معارضين لنظام الحكم، بشكل أو بآخر، بسبب الاستبداد والتخلي عن القضايا الوطنية واستخدام الدين ضد المعارضة والتمييز بين المواطنين على أسس عقائدية، نجد أن العلمانيين الجدد يتحالفون مع السلطة ومع «الاستبداد» على اعتبار أن المعارضة من الإسلاميين. أكثر شيء لفت انتباه سيد قمني في السياسات التي انتهجها الرئيس السيسي هو دعوته إلى إصلاح الخطاب الديني ولم يهتم بالسياسات الأخرى كافة للرئيس.

وبخلاف العلمانيين التقليديين، الذين يحرصون على البحث عن طرق لإنقاذ أمتهم وشعوبهم من التبعية والاستبداد والتخلف، يعتبر العلمانيون الجدد أن التخلف شيء مرتبط بالأمة لا يمكن التخلص منه. أحمد عصيد، مثلاً، يعتبر أن طريق تقدّم المغرب هو خلاصه من كل ارتباطات شرقية وتوجهه نحو الغرب، حيث قال: «على المغرب أن ينفصل عن الشرق إذا أراد أن يخرج من التخلف». كما دافع عصيد عن التطبيع مع إسرائيل بذريعة العلاقة مع اليهود المغاربة الذين «أخرجوا من أرضهم بتحريض كبير من حزب سياسي».

لقد تأثّر العلمانيون التقليديون بالغرب، بالحرية والعدالة والمساواة التي تحدّثت عنها الثورة الفرنسية، وبالتقدّم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي الذي نتج من الثورة الصناعية، لكنهم لم يتغاضوا عن وجهه الآخر الاستعماري، وسعيه الدائم للسيطرة على المنطقة العربية وبقية العالم النامي. أمّا العلمانيون الجدد، فهم مغرمون بالغرب بكل تفاصيله ومن دون تحفظ. الاستعمار، من وجهة نظرهم، هو شيء إيجابي ولولاه لما تقدّمت الشعوب التي استعمرت. قال سيد قمني في إحدى مقابلاته: «لو الأوروبيين ما راحوش أمريكا كان الهنود الحمر بولعوا بالنار».

هذا الإعجاب الشديد بالغرب تزامن مع احتقار شديد للشرق (للذات) يذكّر برد فعل بن غوريون عندما نزل من الباخرة التي أقلته إلى ميناء يافا حيث أعرب عن اشمئزازه من الوضع هناك. يبدو أن العلمانيين الجدد اتخذوا الموقف السلبي من الإسلام ليس بصفته ديناً (فهم لم يتخذوا مثل هذا الموقف تجاه اليهودية والمسيحية) بل لارتباطه بالشرق كدين وكثقافة وقيم.

وفي السياق نفسه، سخّف بعضُ العلمانيين الجدد النضال الفلسطيني، فالفلسطينيون «باعوا أراضيهم والجماعة اشتروا» كما قال سيد قمني. وقال أيضاً إن الفلسطينيين ما تصارعوا من أجل أرض وإنما من أجل جامع. كما وصف سيد قمني «الربيع العربي» بالطريقة نفسها عندما قال: «كل يدافع عن جامعه».

العلمانيون الجدد هم الصورة المقابلة للأصولية الدينية. هم شموليون مستبدون بحجة رفض التخلف، وهم غير وطنيين بذريعة «تخلف» الوطنيين. قدّموا، بعلم أو بغير علم، خدمات مجانية للرواية الصهيونية ووقفوا بكل «فخر» إلى جانب التطبيع مع إسرائيل.

ما هي أسباب فوز اليمين المتطرف بالسلطة في أوروبا؟

لندن- عربي21-

باسل درويش

حرب أوكرانيا وأزمات عدة ضربت العالم فتحت المجال أمام ظهور النزعات المؤيدة لليمين المتطرف- جيتي

نشرت مجلة “بوليتكو” تقريرا أعدته باربرا موينز وكورينلوس هيرش، قالا فيه إن جماعات اليمين المتطرف في أوروبا خرجت من دائرة الغضب لكي تصبح جزءا من التيار السياسي الرئيسي في بلادها. فبعد عقود من تجاهلها كحركات سامة، حققت هذه الأحزاب انتصارات واسعة في هذا العام، وتحولت إلى جزء من العملية السياسية في بلادها.

وقالا إن جماعات اليمين السياسي المتطرف اقتحمت الميدان السياسي، وحققت الانتصار في إيطاليا بعد فوز لها في السويد وفرنسا. وعلقت زعيمة التجمع الوطني المتطرف مارين لوبان قائلة: “في كل مكان بأوروبا هناك تطلع لتولي مصيرهم بأيديهم”. ولكنك لو اعتقدت أن هناك موجة جديدة من اليمين المتطرف الراديكالي تجتاح أوروبا، فأنت مخطئ، فهناك أمر آخر يجري.

وفي تحليل لبيانات استطلاع أجرته مجلة “بوليتكو”، كشف أن أحزاب اليمين المتطرف على حافة زيادة دعمها بنسبة مئوية واحدة في الفترة ما بين الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير واليوم.

ونظرت بوليتكو للمعدل ومستوى الزيادة لكل الأحزاب المنظمة على جانب اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي، التي تقدم نفسها ضمن إطار الهوية والديمقراطية، المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، أو تلك الأحزاب غير المنضوية تحت لواء الأحزاب اليمينية المتطرفة.

وأظهرت النتائج الإجمالية أنه لو زاد الدعم لأحزاب اليمين المتطرف، فإنه قد حدث على مدى عدة سنوات. فالديمقراطيون السويديون ظهروا على المشهد السياسي بقوة في انتخابات 2014، عندما نما الدعم للحزب من 10% إلى 20%، وهي نفس النسبة، أي خمس الأصوات التي حصل الحزب عليها في انتخابات العام الحالي.

أما حزب البديل الألماني، فقد نما سريعا في 2015 و2016، ووصلت شعبيته إلى 14%، وبناء على متابعة بوليتكو. وفي إيطاليا، تفوقت رابطة الشمال على فورزا إيطاليا لأول مرة في بداية 2015، ووصل ذروته إلى 2019، بنسبة 37%، قبل أن تبدأ شعبيته بالتراجع لتصل إلى 9%.

وغير الناخب الإيطالي مواقفه من حزب يميني متطرف لآخر. وانتقلت أحزاب اليمين من الهامش إلى التيار الرئيس، ولم تؤثر على المركز السياسي فقط، بل ودخلت ميدان السلطة. وتقول كاثرين ثورفيلسون، الباحثة في مجال التطرف بجامعة أوسلو: “هناك عملية تطبيع لأحزاب اليمين المتطرف باعتبارها جزءا عضويا من المشهد السياسي”، و”تم قبولها من الناخب، وكذا الآخرين، أي الأحزاب التقليدية”.

ولم يعد التعاون بين أحزاب يمين الوسط واليمين المتطرف أمرا محرما. وكتب كاس مود، الباحث المعروف في موضوع اليمين المتطرف، تغريدة قال فيها إن “صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، وكذا تبني أطر اليمين المتطرف من الأحزاب الأخرى، أمر مهم”، وربما زاد هذا من مخاطر زعزعة استقرار أوروبا أكثر من الفوز في مجموعة من النسب في استطلاعات الرأي.

وتقول المجلة إن اليمين المتطرف الإيطالي ورمزه الناري جورجيا ميلوني هي مثال واضح، ففي الوقت الذي ينتمي الحزب في جذوره إلى الفاشيين السابقين، إلا أنها ستقود ثالث اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. وفي السويد، فإن حزب يمين – الوسط بدأ مفاوضات الائتلاف من أجل حكومة أقلية، والتي كانت ستبني على دعم المعارضة، وبخاصة من الحزب المتطرف “الديمقراطيون السويديون”.

ودخلت أحزاب اليمين المتطرف أيضا في الحكومة النمساوية وفنلندا وإستونيا وإيطاليا. ومن المحتمل أن تتبع دول أخرى الموجة. واحتفل جورج سيمون، زعيم الحزب اليميني المتطرف في رومانيا، التحالف من أجل الاتحاد الروماني بفوز ميلوني، قائلا إن حزبه سيتبع خطواتها.

وتتوجه إسبانيا نحو صناديق الاقتراع في العام المقبل، وربما وجد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو شانسيز أمام تحد كبير ويقود حزب الشعب اليميني المحافظ، الاستطلاعات بخمس إلى سبع نقاط، وليس من المتوقع أن يحصل على الأصوات الكافية لتشكيل الحكومة. وهذا يعني أنه سيبحث عن اتفاق مع الحزب اليميني المتطرف فوكس، والذي يعتبر زعيمه سانتياغو أبسكال حليفا لميلوني.

وفي الوقت الذي رفض فيه حزب الشعب التحالف مع فوكس في الماضي، إلا أن زعيمه ألبرتو نونيز فييجو أعطى الضوء الأخضر في الربيع الماضي للاتفاق مع الجماعة اليمينية المتطرفة في كاستيلا يي ليون، بوسط إسبانيا.

وأشار الزعيم البلجيكي المتطرف، توم فان غريكين، إلى إسبانيا كمثال قادم عن سيطرة اليمين على الحكم، بسبب التعاون مع حزب الشعب. وقال: “في كل أنحاء أوروبا، نرى أحزاب اليمين التي تريد كسر طوق الطهارة”، في إشارة لرفض بقية الأحزاب الأخرى للتحالف مع أحزاب اليمين المتطرف. و”هم متعبون من التنازل مع نظرائهم الأيديولوجيين، الأحزاب في أقصى يسار المنظور”.

ولم يحدث هذا في ليلة وضحاها، وعمل اليمين المتطرف بقوة للتخلص من صورته المرتبطة بالنازيين الجدد. وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي له علاقة مع أحزاب اليمين المتطرف: “في بعض التقارير عن الديمقراطيين السويديين، فإنك تعتقد أنهم سيرحلون الناس في القطارات عند وصولهم إلى السلطة، مهلا، لقد تغيرت هذه الأحزاب”.

وتقول نينا ويزهولمر، الباحثة السياسية في جامعة أي إي بمدريد، إن “تكييف الصورة ومحاولة السير بحذر مع بعض القضايا والحرص على خدمة الآخرين ومن دون حياء”. وقالت: “هذا واضح تحديدا في اليمين الإيطالي، مع ميلوني التي التزمت ببعض الشعارات: الله، الوطن، العائلة، كاستمرارية، في الوقت الذي حاولت فيه تطهير الحزب من العناصر الأكثر راديكالية”.

وفي منطقة فلاندرز بشمال بلجيكا، فإن حزب اليمين المتطرف فلامز بيلانغ (المصلحة الفلمنكية) ترفض بشكل واضح الوصف “اليمين المتطرف”، تماما مثل نظيره الإيطالي والسويدي والفرنسي وصف “اليمين المتطرف”، وشجب زعيم الحزب فان غريكين المواقف الأكثر تطرفا للجماعة التي أنشأها والده وعدل من رسالتها السياسية من أجل جعل التصويت لليمين المتطرف أمرا مقبولا. وتعتبر العنصرية الظاهرة أمرا محرما، وبدلا من ذلك حل خطاب ناقد للهجرة المفتوحة، ونشر رسالة تخدم الناخبين من الوسط، والهدف من كل هذا هو الحصول على قطعة من الكعكة، واستغلال المشاعر المعادية للمؤسسة.

وأخبر غريكين بولتيكو: “هناك خط صدع واضح بين الفائزين من العولمة والقوميين”، و”هذا يأتي على رأس اهتمامات الهجرة الجماعية، سواء من مالمو إلى روما وبقية الدول الأوروبية”. والوقت مناسب لاستغلال التحول هذا، في الوقت الذي تكافح فيه أوروبا معدلات عالية من التضخم وفواتير الطاقة المكلفة وتحذيرات الحكومة من “شتاء السخط”.

وقال رئيس وزراء بلجيكا ألكسندر دي غرو، في تصريحات لبوليتكو: “إنه مصرف ضخم للازدهار الأوروبي”، و”في ظل الوضع الحالي من الصعب الإيمان بالتقدم، ومن الصعب تحقيق تقدم، ولهذا فهناك شعور متشائم”.

والحرب في أوكرانيا هي واحدة من أزمات عدة ضربت العالم، من وباء كورونا إلى الأزمة المالية، ما فتح المجال أمام ظهور النزعات المؤيدة لليمين المتطرف. ويقول كارل ديفوس، من جامعة غينت: “هذه الأزمات الوجودية تترك أثرا مزعزعا للاستقرار، وتقود إلى الخوف”، و”الخوف هو أرضية تفرخ اليمين المتطرف، وعادة ما يميل الناس لترجمة الخوف إلى غضب وسلوك عنصري”.

وباتت الهجرة وسياسة الهوية بارزة في الإعلام بسبب الحرب في أوكرانيا وزيادة أسعار الطاقة، لكنها تظل موضوعات مهمة لليمين. ففي النمسا، اختلف ائتلاف أحزاب فيما إن يجب حصول جالبي اللجوء على علاوات مناخ. وفي هولندا، قادت وفاة طفل في مركز لجوء في تير إيبل لنقاش حول مراكز المهاجرين المكتظة. ومجموع هذه القضايا سيقود على الأرجح إلى تغذية الانتصارات اليمينية المتطرفة في القارة.

وترى ثورفيسن أنه “يقدم اليمين المتطرف رؤية قومية وحل حماية من الأزمات العالمية”، و”نرى كيف خرج موضوع المهاجرين وبشكل مؤقت من الأجندة في أثناء الوباء، لكنه عاد الآن”.

بريطانيا إلى أين؟

سنية الحسيني

ليز تراس مثال للتخبط السياسي في بلد غربي متقدم.

تواجه بريطانيا تحديات عظمى لم تشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولعل انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار في أدنى مستوى له منذ أربعة عقود يعد من أهم المؤشرات على الصعوبات التي تواجه بريطانيا، اليوم. وتبرز إلى السطح في بريطانيا أزمة غلاء المعيشة، التي تصاحبت مع أزمة الطاقة التي تصاعدت مع الأزمة الأوكرانية، وارتفاع أسعار الكهرباء، والتي فاقمت مجتمعة من معاناة البريطانيين. يأتي ذلك بالإضافة إلى تدهور أوضاع القطاع الصحي في البلاد، والذي انكشف بوضوح في ظل انتشار فيروس كورونا، كما تصاعدت موجات من الإضرابات العمالية. وهذا يفسر حالة التضخم التي تعاني منها البلد، اليوم، والذي بلغ حالياً 13%، وترشحه لبلوغ 22%، في حال واصلت أسعار الغاز ارتفاعها، كما يتهدد البلاد الوصول لحالة من الركود نهاية هذا العام، خصوصاً في ظل انخفاض الناتج الإجمالي للبلاد أيضاً، وتراجع توقعات النمو الاقتصادي. ودفعت هذه التطورات الاقتصادية الخطيرة الحكومة البريطانية لفرض حالة من التأهب بين أفراد الشرطة، وإعداد مخطط طوارئ تحسباً لاندلاع حالة من الفوضى وعدم الاستقرار والتظاهرات. وأدى الإحباط بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة إلى إضرابات شهدتها بريطانيا مؤخراً عمت الموانئ والمطارات والعديد من المؤسسات.

لا يشكل الوضع الاقتصادي المتدهور المشكلة الوحيدة التي تعاني منها البلاد فقط، بل هناك اضطراب سياسي أيضاً. وتشهد بريطانيا خلال السنوات الأخيرة العديد من التقلبات السياسية وسقوط حكومات، جاء آخرها استقالة بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق، بعد استقالة مسؤولين من حكومته بشكل جماعي بسبب خلافات حول سياسات الانتعاش الاقتصادي وغيرها، وخلفته ليز تراس، التي يبدو أن حكومتها لن تعمر طويلاً. عانت بريطانيا بعد استقالة جونسون من منصبه في شهر تموز/يوليو الماضي، وتسييره لأعمال الحكومة أسوأ أزمة اقتصادية مرت بها البلاد منذ سنوات طويلة، في ظل تفاقم الأوضاع بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وتراس ثالث رئيسة وزراء من النساء في تاريخ بريطانيا، وخلفت جونسون في قيادة حزب المحافظين، بعد فوزها على ريشي سوناك، المرشح الآسيوي الأصل. ولا تحظى تراس بتأييد شعبي واسع، فكشف استطلاع للرأي جاء قبل ساعات من توليها منصبها الجديد، رغبة الأغلبية بالذهاب لانتخابات جديدة وعدم الانتظار حتى نهاية العام 2024، وهو التاريخ المحدد حسب الأصول لإجراء انتخابات جديدة، كما  اعتقد نصف المستطلعة آراؤهم أن تراس لن تنجح في حل مشاكل البلاد، بينما نظر إليها 18% فقط بشكل إيجابي. وليس من المتوقع أن تقلب تراس التوجه الشعبي تجاهها، خصوصاً أنها جاءت لتحكم في ظل أكثر الأوضاع الاقتصادية استعصاءً، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم أزمة الطاقة في البلاد.

ويبدو أن هناك نظرة سلبية عامة تجاه تراس، إذ اعتبرتها شبكة «CNN» الأميركية أنها غير ثابتة على موقفها. فقد تحولت من عضوية الحزب الديمقراطي الليبرالي، ومن تأييدها لإلغاء النظام الملكي وتقنين استهلاك الحشيش في البلاد إلى النقيض وعضوية حزب المحافظين، الذي يؤمن غالبية أعضائه بعكس التوجهات السابقة. وفي حين وصفت تراس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالمأساة، اعتبرت بعد ذلك أنه يمثل فرصة للتغيير، يأتي ذلك على الرغم من مشاركة تراس في تأليف كتاب بعنوان: «بريطانيا متحررة من القيود»، والذي دعا إلى إلغاء الدور التنظيمي للدولة، والذي جعلها من المدافعين عن سياسات السوق الحر، في ظل حزب المحافظين. كما وصفت صحيفة «التليغراف» البريطانية مسيرة تراس بالتناقض، إذ لم تنجح في دخول البرلمان إلا العام 2010، بدعم كبير من ديفيد كاميرون، زعيم حزب المحافظين في حينه، بعد محاولتين فاشلتين عامي 2001 و2005. واعتبر نيل فوسيت، زميلها السابق في الحزب الديمقراطي الليبرالي، أن مواقف تراس تتغير تبعاً للجمهور الذي تقف أمامه. ووقعت تراس في مأزق مهم عندما عملت وزيرة للعدل، حيث اتهمت ببطء مساندتها للجهاز القضائي، عندما تعرض للانتقاد، ونقلت بعد ذلك من وزيرة للعدل إلى منصب متقدم في وزارة الخزانة، ما اعتبر تخفيضاً لرتبتها الرسمية. وبعد وصولها للبرلمان، تنقلت تراس بسرعة بين المناصب فأصبحت وزيرة للتعليم العام 2012 ووزيرة للبيئة العام 2014 ووزيرة للعدل، كأول سيدة تشغل هذا المنصب، وجاء ذلك في عهد رئيسة الوزراء تيريزا ماي العام 2016، وكذلك وزيرة للتجارة الدولية في العام 2019 ثم وزيرة للخارجية في العام 2021، في عهد رئيس الوزراء جونسون.

وتتبنى تراس سياسة جونسون الخاصة بدعم أوكرانيا، في ظل أزمة بلادها الاقتصادية المتفاقمة، إذ تعد بريطانيا ثاني أكثر دول العالم دعماً لنظام فولوديمير زيلينسكي، بعد الولايات المتحدة، حيث تعهدت بريطانيا بتقديم 2.3 مليار جنيه إسترليني خلال العام الجاري، وقامت بتقديم السلاح وتدريب عشرات الآلاف من المجندين الأوكرانيين منذ العام 2015. واضطرت تراس قبل أيام للتخلي عن بنود من خطتها الاقتصادية أو التراجع عنها، بعد أقل من شهر على شغلها لمنصبها الجديد، والتي تقوم على أساس ربط أجور القطاع العام بتكاليف المعيشة، وربط الفوائد بالتضخم، واقتراض الحكومة المليارات من الجنيه الإسترليني لتمويل مشروع للتخفيض الضريبي لمرتفعي الدخل في البلاد، ما يهدد بارتفاع نسبة التضخم، بعد رفض كبير من أعضاء في حزبها من المحافظين. وتسببت خطة تراس الاقتصادية لحدوث فوضى في الأسواق واضطراب قيمة عملة البلاد، فشهد الجنيه الإسترليني انخفاضاً غير مسبوق لم تشهده البلاد منذ العام 1985، وتجنب التجار التعامل به.

وتعتبر تراس من المؤيدين والداعمين لإسرائيل، ووصفت نفسها بـ»الصهيونية الكبيرة»، وتطلعت لترسيخ وتقوية علاقة بلادها بإسرائيل، ووعدت في دعايتها الانتخابية بنقل سفارة بلادها من تل أبيب إلى القدس، تقليداً لما أقدم عليه دونالد ترامب الرئيس الأميركي السابق، ووعدت يائير لابيد رئيس وزراء إسرائيل بتنفيذ ذلك.

إلا أن مستقبل حكومة تراس ليس مضمونا، فقد انخفضت نسبة التأييد الشعبي لها بعد أقل من مرور شهر في منصبها إلى نسبة أدنى من تلك التي حصدها جونسون قبل تقديمه لاستقالته، في نتيجة اعتبرت الأسوأ لرئيس وزراء من المحافظين منذ العام 2010، في ظل تفاقم أوضاع البلاد الاقتصادية، وتعثرها بسبب خطتها الاقتصادية غير الحكيمة. كما وقع حوالي 200 ألف مواطن بريطاني على عريضة تدعو لإجراء انتخابات عامة بشكل سريع، وهذا العدد مرشح للزيادة في ظل استمرار توقيع هذه الوثيقة حتى 28 من شهر كانون الثاني/يناير القادم. كما يشاع وجود تحركات في البرلمان لحجب الثقة عن تراس ووزرائها، بعد خطتها الاقتصادية المثيرة للجدل، والتي انتقدها صندوق النقد الدولي. كما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم حزب العمال على حزب المحافظين، وهي نتيجة لم تشهدها البلاد منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي. تأتي تلك التطورات السياسية في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والمرشحة لمزيد من التفاقم، في ظل استمرار الحرب، فإلى أين ستذهب بريطانيا؟

“رسالة أميركية إلى العالم تزن 100 ألف طن”.. واشنطن تنشر أحدث حاملة طائرات بإمكانها الإبحار 20 عاما دون التزود بالوقود

أبحرت أحدث حاملة طائرات تابعة للبحرية الأميركية في أولى مهماتها، على الرغم من المشاكل التي اعترضت وضعها في الخدمة في وقت سابق بسبب التقنيات المتقدمة التي تعمل بها.

وحاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر. فورد” (USS Gerald R. Ford) التي كلف بناؤها أكثر من 13 مليار دولار، ستجري في مهمتها الأولى مناورات مشتركة مع دول عدة من بينها كندا وفرنسا وألمانيا، تشمل التدريب على الدفاع الجوي والحرب المضادة للغواصات والعمليات البرمائية.

وتعتبر “يو إس إس جيرالد آر. فورد” حاملة الطائرات الـ11 في الأسطول الأميركي وباكورة جيل جديد من السفن العاملة بالدفع النووي، وقادرة على الإبحار لمدة 20 عاما دون الحاجة للتزود بالوقود، وقد وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها “رسالة إلى العالم تزن مئة ألف طن”.

وأظهر بث مباشر على حساب البحرية الأميركية في فيسبوك زوارق تسحب الحاملة بعيدا عن الرصيف البحري في محطة نورفولك البحرية في فرجينيا.

قدرات “فتاكة”

وقال الأدميرال داريل كودل في بيان قبل إبحار الحاملة إن نشرها “سيظهر قدراتها الفتاكة التي لا تضاهى والمتعددة والشاملة في المحيط الأطلسي”.

ولفتت البحرية الأميركية إلى أن 9 آلاف شخص و20 سفينة و60 طائرة من 9 دول مختلفة سيشاركون في الانتشار الأول للحاملة التي يبلغ طولها أكثر من 335 مترا وتصل سرعتها إلى أكثر من 54 كيلومترا في الساعة، على الرغم من وزنها الذي يصل إلى أكثر من 100 ألف طن.

ويتولى طاقم يتألف من 4460 شخصا تشغيل الحاملة لتبحر مدفوعة بمحركين نوويين. وتعد الأولى ضمن فئة جديدة من حاملات الطائرات الأميركية، تحتوي على أسلحة نووية.

وأُطلق اسم الرئيس الأميركي الـ38 على الحاملة التي تتطلب مئات أقل من أفراد الفرق للعمل مقارنة بحاملات من طرازات قديمة، وهي مصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة مستقبلية لا تزال قيد التطوير.

وبدأ بناء الحاملة “يو إس إس جيرالد آر. فورد” رسميا في نوفمبر/تشرين الثاني 2009، وهي أول حاملة طائرات من فئة فورد.

ومن التحسينات الرئيسية التي أضيفت على هذه الحاملة زيادة معدل إقلاع الطائرات منها وهبوطها، لكن مشكلات واجهت أنظمة تشغيلها، وفقا لتقرير صدر في يونيو/حزيران 2022 وقدم إلى الكونغرس.

كما عانت مصاعد الأسلحة الخاصة بالحاملة التي تنقل الصواريخ والقنابل من مخازنها إلى سطحها لتحميلها على متن الطائرات من بعض المشاكل، وأرجئ نشرها في المرة الأولى إلى حين الانتهاء من إصلاح جميع العيوب.

هل تنضم أوكرانيا إلى الناتو؟

أصبحت كييف عضواً “بحكم الواقع” كما يقول زيلينسكي ولكن أحقاً هي بحاجة إلى عضوية الحلف الكاملة؟

أليستر جيمسن 

يمكن تفهم إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه سوف “يسرع” من مسعى انضمام بلاده إلى حلف الناتو، باعتباره رداً سريعاً ورمزياً على استعراض فلاديمير بوتين في موسكو الذي أعلن خلاله أن اربع مناطق أوكرانية أخرى قد أصبحت “تنتمي” الآن إلى روسيا.

إذ إن الاكتفاء برفض ادعاءات بوتين، القائمة على النتائج المزعومة لعملية استفتاء صورية، ما كان ليفي بالغرض.

بطبيعة الحال، يتعامل حلفاء أوكرانيا الغربيون معها إلى حد بعيد كما لو كانت قد انضمت بالفعل إلى الحلف، فهي تتلقى المستوى نفسه من الدعم العسكري، إن كان على شكل استخباري أو تدريب أو تجهيزات أو تمويل، الذي يمكنها أن تتوقع تلقيه لو كانت جزءاً من الحلف، مع فارق وحيد هو غياب التدخل العسكري المباشر، من قبيل الغارات الجوية أو “وجود الجنود في الميدان”.

قد يشعر الجورجيون بالضيق عندما يرون الدعم الذي تحصل عليه أوكرانيا بصفتها دولة غير عضو، وهو ما لم تحصل عليه أبداً من أعضاء الحلف حين اجتاحتها روسيا في عام 2008.

ويثبت النجاح اللافت للهجوم الأوكراني المضاد على القوات الروسية المحتلة أنه يمكن الاعتماد عليها في تلبية المعايير الأمنية المشتركة.

في رده على إعلان بوتين الاستعراضي في موسكو يوم الخميس الماضي، قال زيلينسكي: “لقد دخلنا إلى الناتو بحكم الواقع. ولقد أثبتنا قدرتنا على التوافق مع معايير الحلف، بحكم الواقع أيضاً. واليوم تتقدم أوكرانيا بطلب لتحويل عضوية حكم الواقع هذه إلى عضوية كاملة بحكم القانون… وبموجب إجراءات تتماشى مع أهمية حماية مجتمعنا بأكمله. بموجب إجراءات معجلة”.

من جانبه، علق أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ برد غير رسمي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة حيث أشار إلى أن “كل ديمقراطية في أوروبا لديها الحق بتقديم طلب الانضمام لعضوية الناتو”، مضيفاً أن القرار المتعلق باحتمال انضمام أوكرانيا يعود إلى الدول الأعضاء الثلاثين.

لكن موقف رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، لم يحمل هذا القدر من التأييد، إذ رفضت تقديم دعمها لطلب زيلينسكي، واقترحت في المقابل تقديم ضمانات أمنية موازية. وصرحت يوم الجمعة قائلة “نحن ملتزمون إلى أبعد حد بالديمقراطية في أوكرانيا. فلنفز بهذه الحرب. لكنني أؤيد إعطاءهم ضمانات أمنية”.

حتى لو دعمت واشنطن طلب العضوية هذا، فعملية تقديم الطلب بحد ذاتها قد تشكل مستنقعاً، كما اكتشفت السويد وفنلندا عندما قدمتا الطلب في وقت سابق من هذا العام، وواجهتا رفضاً من كل من تركيا وهنغاريا.

جيم تاونسند، الزميل المساعد في مركز الأمن الأميركي الجديد علق على الأمر لموقع “بوليتيكو”: “أشعر بتعاطف كبير مع زيلينسكي الذي يضغط في ذلك الاتجاه نظراً إلى الوضع الذي تمر به بلاده حالياً. لو كان المسار السريع موجوداً، لكانت فنلندا والسويد انضمتا بالفعل”. 

قد يجوز القول إن محاولة أوكرانيا الانضمام إلى الحلف أصعب الآن مما كانت عليه قبل الغزو الروسي في فبراير (شباط)، فالعضوية لا تعطى عادة للدول المتورطة بنزاعات إقليمية، وهي كانت في هذا الوضع أساساً منذ عام 2014 عندما قام بوتين بضم شبه جزيرة القرم. فالبند الخامس من معاهدة حلف الناتو ينص على دفاع الدول الأعضاء المشترك في حال تعرض إحداها للهجوم، الأمر الذي من شأنه أن يلزم أعضاء الناتو فعلياً بالتدخل العسكري المباشر في حرب أوكرانيا.

ويرجح أن تكون الدول التي تمتنع عن تقديم مساعدة كاملة لأوكرانيا الآن هي نفسها التي ستعارض العضوية للأسباب نفسها، كما تقول ليا شونمان، نائب مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي. وأضافت أن “دعم سياسة الباب المفتوح الذي ينتهجها الناتو من جهة، وإدخال أوكرانيا إلى الحلف من جهة أخرى هما مسألتان مختلفتان كلياً. فالناتو غير جاهز ككل أن يبت في طلب أوكرانيا”.  

وليس من الواضح في المرحلة الحالية من النزاع بأن أي تدخل عسكري مباشر للناتو سيحسن النتيجة النهائية للصراع، بدلاً من أن يعطي بوتين ببساطة مزيداً من مبررات التصعيد.

خارج إطار الناتو، تعمل الولايات المتحدة بالفعل على إصلاح القوات الأوكرانية وإعادة تجهيزها لكي تضاهي مستوى معاييرها العسكرية، فيما أعرب الرئيس جو بايدن يوم الجمعة عن “تطلعه” لتوقيع تشريع من الكونغرس سيخصص مبلغ 12 مليار دولار إضافي (10.8 مليار جنيه) لدعم أوكرانيا.

كما أعلنت ألمانيا من جهتها يوم السبت أنها سترسل أول دفعة من أنظمتها الدفاعية الجوية “إي أر س تي” إلى أوكرانيا خلال الأيام المقبلة لمساعدتها على صد هجمات الطائرات المسيرة.

وفي هذا الإطار، زودت تركيا القوات الأوكرانية بطائرات مسيرة لجمع المعلومات الاستخباراتية وشن هجمات جوية، كما شجبت بوضوح على ضم الأراضي الأوكرانية لروسيا، معتبرة هذه الخطوة “انتهاكاً خطيراً” للقانون الدولي.

وبالتوازي مع مساعدات دولية أخرى، كتلك التي تتلقاها الآن، ستكون أوكرانيا قادرة على تحقيق أهدافها خارج إطار الناتو، لدرجة لا تصبح معها العضوية في الحلف عائقاً بالنسبة إليها. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار الطلب الذي قدمه زيلينسكي يوم الخميس خطوة رمزية تبقي الضغط على موسكو أكثر منها إشارة إلى انضمام بلاده القريب إلى الناتو.

© The Independent

هل تتجه السعودية لصدام مع أمريكا بعد “خفض إنتاج النفط”؟

لندن- عربي21

دعا النائب الأمريكي رو خانا البيت الأبيض إلى “الانتقام” من السعودية إذا خفضت أسعار النفط- واس

تترقب الأسواق العالمية نتائج اجتماع مجموعة “أوبك+”، المقرر انعقاده اليوم الأربعاء في فيينا، وسط توقعات باتخاذ المجموعة، التي تضم السعودية وروسيا، قرارا بخفض كبير في إنتاج النفط.

وقد يؤدي خفض أوبك+ المحتمل للإنتاج إلى تعافي أسعار النفط، التي هبطت إلى نحو 90 دولارا من 120 قبل ثلاثة أشهر؛ بسبب مخاوف من ركود اقتصادي عالمي، ورفع أسعار الفائدة الأمريكية، وارتفاع الدولار، وفقا لرويترز.

ومن المرجح أن يثير الخفض الكبير غضب الولايات المتحدة، التي ضغطت على السعودية لضخ المزيد من النفط؛ في سبيل خفض الأسعار، وتقليص عوائد روسيا من صادرات الخام.

وقد تؤدي زيادة أسعار النفط إلى الإضرار بفرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر.

ونقلت رويترز، عن مصدر مطلع، قوله إن الولايات المتحدة تضغط على دول أوبك+ ألا تمضي قدما في تخفيضات كبيرة محتملة في إنتاج النفط، مع سعي الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة.

وقال المصدر إن واشنطن تقول لدول أوبك+ إن العوامل الأساسية الاقتصادية لا تدعم خفض الإنتاج.

وقالت مصادر لرويترز، هذا الأسبوع، إن “أوبك+” تعمل على تخفيضات تتجاوز مليون برميل يوميا. وقال مصدر من أوبك، أمس الثلاثاء، إن التخفيضات قد تصل إلى مليوني برميل يوميا.

وقالت مصادر إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت التخفيضات قد تشمل تخفيضات طوعية إضافية من قبل أعضاء مثل السعودية، أو ما إذا كانت قد تتضمن نقص الإنتاج الحالي لدى المجموعة.

ويقل إنتاج أوبك حاليا ثلاثة ملايين برميل يوميا عن هدفها، وسيخفف إدراج تلك البراميل من تأثير التخفيضات الجديدة.

وقال محللو سيتي في مذكرة: “إذا ارتفعت أسعار النفط بفعل تخفيضات كبيرة في الإنتاج، فمن المرجح أن يثير ذلك غضب إدارة (الرئيس الأمريكي جو) بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية”.

وأضافوا في إشارة إلى قانون أمريكي لمكافحة الاحتكار ضد أوبك: “قد يكون هناك مزيد من ردود الفعل السياسية من الولايات المتحدة، بما في ذلك إصدارات إضافية من المخزونات الاستراتيجية”.

وقالت السعودية وأعضاء آخرون في منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفائها (أوبك+) إنهم يسعون لمنع التقلبات بدلا من استهداف سعر معين للنفط.

والعلاقات متوترة بين المملكة وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي توجه إلى الرياض هذا العام، لكنه فشل في الحصول على أي التزامات تعاون مؤكدة في مجال الطاقة.

“الانتقام من السعودية”

ومن جانبه، دعا النائب الأمريكي، رو خانا، البيت الأبيض إلى “الانتقام” من المملكة العربية السعودية إذا خفضت أوبك وحلفاؤها إنتاج النفط في محاولة لرفع الأسعار.

وقال خانا في مقابلة هاتفية مع CNN، الاثنين: “هذا أبعد من الشحوب (الوسطية).. إنهم يستنزفون الشعب الأمريكي بصورة نشطة، ويزعزعون استقرار الاقتصاد.. هذا الأمر فظيع ببساطة.. من يظنون أنفسهم؟”.

وتابع خانا، المعروف بمواقفه الشديدة بانتقاد السجل الإنساني بالمملكة: “إنه أمر فظيع.. يجب التعامل مع السعوديين بقسوة.. إنهم قوة من الدرجة الثالثة.. نحن أقوى دولة في العالم.. لا أعرف لماذا نتملق لهم”، داعيا الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بأن يوضح للسعودية أن الولايات المتحدة ستقطع إمدادات قطع غيار الطائرات عن المملكة، وتمنع شركتي ريثيون وبوينغ من البيع لها.

وأضاف خانا أن السعوديين “ليسوا حلفاء لنا.. إنهم يؤذون الشعب الأمريكي، وعلينا أن نكون قاسين معهم. يحتاج الرئيس إلى توضيح أننا سنقطع إمداداتهم. يمكننا أن نضع قوتهم الجوية على الأرض في يوم واحد”.

وصعدت أسعار النفط أكثر من 5٪ يوم الاثنين، بعد تقارير تفيد بأن منظمة أوبك التي تقودها السعودية وحلفاؤها، المعروفون باسم أوبك+ يخططون لخفض حاد في إنتاج النفط بأكثر من مليون برميل يوميًا. وستكون هذه الخطوة أكبر تخفيضات للإنتاج منذ عام 2020، وقد يتم الإعلان عنها، الأربعاء، عندما تجتمع المجموعة في فيينا.

ورفضت السفارة السعودية في واشنطن التعليق على تصريحات النائب الأمريكي، في حين رفض متحدث باسم البيت الأبيض التعليق على ما قد تفعله أو لا تفعله أوبك+، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في مجموعة المنتجين، وفقا لـ”CNN”.

متى تنتهي الحرب الأوكرانية؟!

عبد المنعم سعيد

لا يوجد سؤال يلح على دول العالم، فضلاً على المحللين والمراقبين، قدر السؤال المذكور في عنوان المقال. الأسباب لذلك معروفة، فبعد جائحة «كورونا» كان الظن ذائعاً أن العالم سوف يدخل مرحلة انتعاش يعود فيه النمو الاقتصادي، وتعود الأسواق العالمية إلى الانتعاش مرة أخرى بكل ما يصاحب ذلك من ضجيج البهجة، وفوران السعادة. للأسف، لم يكن ذلك ما حدث، وبينما كان البلاء يلفظ أنفاسه، إذا ببلاء آخر يحل محله في شكل حرب ضروس تتورط فيها قوى عالمية مسلحة حتى الأسنان بالقنابل والصواريخ النووية. في البداية بدا الأمر الأوكراني بالنسبة لدول العالم كما لو كان مجرد مشاكسة ثقيلة الظل بين روسيا وحلف الأطلسي، وظهرت في شكل حشود عسكرية روسية بدت للضغط والحصول على تنازلات تخص وضع حلف الأطلسي لقواته في الدولة اللصيقة بالحدود الروسية. أغلبية من المراقبين – وبينهم كاتب هذه السطور – لم تصدق أن التهديدات الروسية جادة، ولا حتى عندما بدأت المصادر المخابراتية الأميركية تعلن بيقين أن روسيا عازمة على الهجوم العسكري. وكان ذلك هو ما حدث اعتباراً من 24 فبراير (شباط) الماضي عندما عبرت القوات الروسية على ثلاثة محاور إلى الأراضي الأوكرانية. ما جاء بعد ذلك كان متوقعاً وصدقت توقعاته – وفي المقدمة منها أن الدول التي تشن حرباً تعرف متى تبدأ الحرب، ولكنها من المؤكد لن تعرف متى تنتهي ربما إلا عندما تصل إلى الدرجة القصوى من الإنهاك.

الأمر هنا نابع من توافر متابعة توازنات القوى التي ترجح تفوق طرف على طرف آخر بالقدر الذي تؤدي حساباته إلى أمرين: أن النصر ممكن؛ وأنه سوف يحدث في فترة قصيرة تعود فيها الأمور إلى سيرتها الطيبة الأولى. في الحروب التي تلت الحرب العالمية الثانية من الحرب الكورية إلى حرب فيتنام إلى حرب أفغانستان الروسية والأخرى الأميركية، إلى حرب العراق، كانت تقديرات النصر خاطئة، وسبب أمد الحرب ذنوباً لا تغتفر. الحرب الأوكرانية الجارية ليست استثناء، فقد كانت القيادة الروسية عالمة متى تبدأ الحرب، بل إنها كانت محتسبة كثيراً من الخطوات الاقتصادية التي سوف يتخذها الغرب، ولكنها ما لبثت أن وقعت في الكثير من سوء التقدير حول العزيمة الأوكرانية، وفاعلية السلاح الغربي، وثبات الجندي الروسي وسوء أحوال الإمداد والتموين نتيجة بُعد المسافة وفساد التقدير.

دخلت الحرب إلى مراحل متعددة خلال فترة قصيرة نسبياً في عمر الحروب كان مسرحها أولاً العاصمة الأوكرانية كييف، ثم بعد الانتكاسة الروسية هناك بات المسرح شرق أوكرانيا وجنوبها، والآن دخلت الحرب مرحلة جديدة بالهجوم الأوكراني المضاد الذي حرر مواقع ودخل مدناً ودفع روسيا دفعاً إلى إعلان التعبئة العامة بتجنيد 300 ألف مقاتل جديد، مضافاً لها إجراء استفتاءات للتصويت بالانضمام إلى روسيا. وجاءت النتيجة على الطريقة السوفياتية التي تتعدى فيها النتيجة 98 في المائة، ومن وقتها سوف لا يصبح الهجوم الروسي على دولة أخرى، وإنما تحريراً لأجزاء من روسيا والتي ساعتها يصير استخدام السلاح النووي حلالاً. وسط هذه الحالة من التصعيد العسكري، فإنه لا توجد هناك إجابة صريحة للسؤال حول نهاية الحرب، خاصة أن هناك نوعين من التصعيد: الأول روسي كما سلف وهو التعبئة العامة التي تنقل «العملية العسكرية الخاصة»، كما سماها بوتين، إلى حالة الحرب الشاملة بين دولتين. والآخر أوكراني صعّد من الأهداف الأوكرانية من الحرب، ليس فقط بتحقيق الجلاء عن الأراضي الأوكرانية التي احتُلت خلال النزاع الأخير بما فيها إقليم الدونباس الذي كان محتلاً تقريباً قبل نشوب العمليات في فبراير الماضي، وإنما أكثر من ذلك الانسحاب الروسي من منطقة القرم، وفوق ذلك فرض عقوبات قاسية على موسكو بسبب قيامها بالعدوان. في نهاية خطابه الافتراضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي «إنني أستبعد أي تسوية يمكن أن تحدث حسب قواعد مختلفة».

هذه الحالة هي من حالات الحرب المستحكمة، فلا يمكن لروسيا أن تنهي الحرب بينما جنود التعبئة لم يصلوا إلى ميادين القتال بعد، وفي وهج ما يبدو انتصاراً للهجوم الأوكراني المضاد. وفي المقابل، فإن أوكرانيا لا يمكنها إنهاء الحرب بينما يحقق جنودها إنجازات على مسرح العمليات، وفوق ذلك يقف ممثلو الدول في الجمعية العامة يصفقون واقفين لخطاب زيلينسكي. الرياح تبدو مواتية في الأشرعة الأوكرانية؛ إذ بات العالم يضيق ذرعاً بالحرب التي شنّتها روسيا، ويبدو فيها الرئيس بوتين مستدعياً شخصيات غير محبوبة عبر التاريخ. في مثل هذه الحالة من الاستحكام الاستراتيجي، فإن جولة أخرى من الحرب تبدو ضرورية للطرفين، للطرف الروسي لأنه يريد إثبات أن توازن القوى لا يزال حاسماً لصالح روسيا، ومن ثم فإن العبارات التي قال بها وزير الخارجية الصيني من أن «السيادة والتكامل الإقليمي لكل الدول لا بد أن تحترم»؛ وتلك التي قال بها وزير الخارجية الهندي واصفاً الاعتداءات التي قامت بها القوات الروسية على أنها «مفزعة وجرت في وضح النهار، يجب ألا تمر من دون عقاب». في الأوقات العادية فربما كانت روسيا سوف تكون على استعداد للتراجع أمام ضغوط أصدقائها، ولكنها في وقت الاستحكام لا بد لها إثبات أنهم على خطأ.

الحروب الحديثة لا تبدو أنها تقتصر على الجبهات الخارجية التي جاء منها التهديد الذي أدى إلى الحرب، وإنما مع مضي الوقت، فإن الوقوف إلى جانب القيادة السياسية في لحظة محنة قومية سرعان ما يتراجع مع ارتفاع ثمن العمليات العسكرية بما دمر ومن سقط. حرب فيتنام، وكذلك الحرب الأفغانية – السوفياتية، وتلك الأفغانية – الأميركية، سرعان ما أصبحت حروباً من نوع آخر داخل الجماعات السياسية داخل المجتمع وفي صلب جهاز الدولة. وكثيراً ما وضعت الحرب الأولى في صلب أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي؛ وفي الوقت الراهن، فإن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة تعاني من آثار الانقسام داخلها إزاء ثمن هذه الحروب من الأرواح والعتاد والاقتصاد. المساهمات الأوروبية في الحرب الأوكرانية فتحت الأبواب لليمين الأوروبي لكي يأتي إلى السلطة بنوازع «فاشية». الانتخابات الأخيرة في السويد وإيطاليا تضيف إلى حكام في المجر وبلغاريا مؤيدين جدداً لوجهة النظر التي ترى أن الحرب الأوكرانية باتت مكلفة للغاية ليس فقط لحاضر هذه الدول، وإنما أيضاً لمستقبلها. الاستنزاف الكبير للجماعة الأوروبية لرعاية اللاجئين الأوكرانيين، فضلاً على ضمان العون المستمر الاقتصادي والعسكري جعل من الاستمرار الأوكراني في الحرب عبئاً ثقيلاً وصلت نتائجه عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة المشتعلة بالانتخابات المرتقبة للتجديد النصفي للكونغرس مصاحبة بتراجع ملحوظ في تأييد الجمهوريين لعون أوكرانيا.

ولكن الواضح من هذا الاستحكام المؤدي للصراع، أن الحروب تشل تماماً آليات حل المنازعات ودعم الاستقرار في العالم؛ وما أن تبدأ العمليات العسكرية وتأخذ الدول المتحاربة مواقف متصلبة، فإن سعير الحرب يستمر في انتظار نتائج جولة جديدة.

بعض الدروس والتوقعات لانتخابات الكونغرس النصفية الأميركية

قبل 40 يوماً من انطلاقها تصدرت فجأة قضايا العناوين وبعض المرشحين فدوا شعبيتهم على نحو مفاجئ

إيريك غارسيا 

نقض الحكم في قضية  “رو ضد وايد” خلق اندفاعاً للاقتراع لدى الناخبين الديمقراطيين  (غيتي)

الانتخابات النصفية الأميركية أصبحت رسمياً على مسافة 40 يوماً، ومنذ الآن فمعظم العاملين في مجال التوقعات يخمنون أن الجمهوريين سينجحون على ما يبدو في انتزاع الغالبية في مجلس النواب الأميركي، فيما يبدو أن بعض المرشحين الجمهوريين إلى المنافسة في مجلس الشيوخ هم على قدر من السوء حمل بعضهم إلى الاعتقاد أن الديمقراطيين ربما سينجحون في المحافظة على سيطرتهم على المجلس [مجلس الشيوخ].

وعلى رغم واقع أن التضخم والاقتصاد لا يزالان على رأس القضايا التي تشغل معظم الناخبين، إلا أن قرار المحكمة العليا الأميركية بنقض حكم قضية “رو ضد وايد” [المتعلق بمنح المرأة حق الإجهاض]، قد أدى إلى ضخ الحماسة من جديد في أوساط الناخبين الديمقراطيين بشكل لم يسبق أن شهدناه من قبل، فعادة عندما يصل رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض مع غالبية زرقاء [ديمقراطية] في مجلسي النواب والشيوخ، فإننا لا نلاحظ اندفاعاً لدى الناخبين الديمقراطيين [للمشاركة في الانتخابات].

أدناه إليكم أربع مشاهدات تسلط “اندبندنت” عليها الضوء حول انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

نوعية المرشحين المشاركين يعتد بأثرها

 العاملون في مجال العلوم السياسية والمعلقون والمرشحون السابقون أنفسهم لطالما تساءلوا عما إذا كان لنوعية [هوية وكفاءة] المرشحين الذين يخوضون السباق أن تحدث فرقاً [تؤثر في النتائج]، وبعضهم يجادل أن الناخبين يدلون بأصواتهم ببساطة لأنهم يرغبون في التغيير.

لكن العام 2022 يبرهن أن المرشح المناسب يمكنه أن يجعل الفوز ممكناً في السباق، فيما المرشحون الضعفاء يمكن أن يضروا، وآخر الأمثلة على ذلك يأتي من ولاية أوهايو، حيث أعاد الحزب الجمهوري رسم الحدود الجغرافية للدائرة الانتخابية التاسعة وهو يحقق تقدماً بست نقاط مع أمل في التغلب على المرشح الديمقراطي لمقعد المجلس النيابي مارسي كابتور Marcy Kaptur. فما هي المشكلة؟

كانت وكالة “أسوشيتد برس” قد نشرت عدداً من المقالات التي تنتقد المرشح الجمهوري جي آر ماجوسكي JR Majewski لمبالغته أو حتى كذبه بخصوص تاريخ خدمته العسكرية، وأدى ذلك إلى إلغاء لجنة الجمهوريين الوطنية في الكونغرس National Republican Congressional Committee الإعلانات التي اشترتها، وهذا مؤشر على أنهم لم يعودوا يعتقدون بإمكان فوز مرشح الحزب هناك، والعكس أيضاً صحيح في ما يتعلق بولاية تكساس، حيث أظهرت استطلاعات رأي عدة أن المرشح بيتو أورورك Beto O’Rourke الذي يقترب [في أرقام استطلاعات الرأي] من الحاكم الجمهوري غريغ أبوت Greg Abbott.

فوز أورورك في تكساس سيكون بمثابة هدية للديمقراطيين، لكن آراءه بخصوص حرية حيازة الأسلحة قد تجعل منه مرشحاً جدلياً بالنسبة إلى الناخبين.

دعم ترمب عامل مساعد ولكنه لا يشكل ضمانة

وحتى بعد ما يقارب السنتين على مغادرته البيت الأبيض، لا يزال الرئيس السابق يلقي بظلاله المؤثرة في الحزب الجمهوري، فكل من صوت لعزل الرئيس ترمب ما عدا اثنين من الجمهوريين في المجلس النيابي، إما خسروا الانتخابات التمهيدية التي خاضوها أو أعلنوا عدم سعيهم إلى خوض الترشح لإعادة انتخابهم كي لا يتعرضوا إلى هزيمة مؤذية، وبحسب حسابات دايف واسرمان Dave Wasserman الذي يعمل في “تقرير كوك السياسي” [نشرة إلكترونية تعنى بالانتخابات الأميركية]، فالنتيجة التي حققها مرشحو الرئيس السابق كانت 21 إلى خمسة خلال الانتخابات التمهيدية.

وفي الانتخابات التمهيدية التي فشل فيها مرشحو ترمب، كان ذلك في معظم الأحيان لأنه دعم مرشحين ضعفاء أو عارض مرشحين يتمتعون بمزايا شخصية خاصة، والمثال الأول كان واضحاً للعلن عندما دعم الرئيس السابق عضو مجلس النواب ماديسون كوثورن Madison Cawthorn، حتى عندما كان حلفاؤه في المجلس مثل زعيم الأقلية كيفين ماكارثيKevin McCarthy  يستخدم كامل قوة آلته السياسية للقضاء على عضو الكونغرس الجديد.

في المقابل بدا أن السناتور السابق ديفيد بيردو David Perdue يعتمد حصراً على دعم ترمب لترشيحه خلال الانتخابات التمهيدية التي واجه فيها حاكم ولاية جورجيا براين كيمب Brian Kemp، فيما كان كيمب يحظى بكامل الامتيازات التي يمنحها منصبه له، لكن الفوز خلال الانتخابات التمهيدية هو نصف المعركة فقط، فلقد أمّن دعم ترمب للمرشحين محمد أوز Mehmet Oz ، في ولاية بنسيلفانيا، والمرشح جي دي فانس JD Vance في أوهايو نجاحاً ساحقاً، لكن كثيراً من الناخبين الجمهوريين يواصلون رفض منح ثقتهم لأي منهما، وحتى في انتخابات ولاية ألاسكا الخاصة دعم ترمب الحاكمة السابقة سارة بالين Sarah Palin، وهي مرشحة تملك في سجلها كثيراً من القضايا الخلافية، والتي احتج كثير من الناخبين على قرارها اعتزال منصب الحاكم قبل سنوات عدة.

قضية “رو ضد وايد” غيرت وجه الانتخابات

عند هذه النقطة من الواضح أن قرار المحكمة العليا في “قضية دوبس ضد منظمة جاكسون للصحة النسائية” Dobbs v. Jackson Women’s Health Organization، والذي نقض الحكم في قضية “رو ضد وايد” Roe v Wade قد أعاد ترتيب الحسابات الانتخابية بشكل جذري، وذلك يعني أن كل مرشح جمهوري قد أصبح ملزماً بالإفصاح رسمياً عن مواقفه من قضايا الإجهاض، وبعض الجمهوريين حاولوا تغيير السردية حتى إنهم حاولوا وسم الديمقراطيين بالتطرف لموقفهم من القضية، وآخر تلك المحاولات تتعلق بزاك نان Zach Nunn الذي ينافس النائبة سيندي أكسني Cindy Axne، في ولاية أيوا في الدائرة الانتخابية الثالثة (دائرة شهدت فوز أوباما وترمب) وحاول اتباع هذا التكتيك في حملة إعلانية جديدة، ولكن ليس واضحاً إن كانت هذه الطريقة نافعة للجمهوريين.

الواضح هو أن الديمقراطيين نجحوا في تقديم أداء أفضل مما كان متوقعاً، ليس فقط في استفتاء كنساس ولكن حتى في الانتخابات الخاصة مثل تلك التي جرت في دائرة نيويورك الـ 19 حيث نجحوا في الاحتفاظ بالمقعد، وفي ولاية ألاسكا ذات الدائرة الانتخابية الواحدة الموسعة حيث نجحت النائبة ماري بيلتولا في قلب المقعد الذي سيطر عليه الجمهوريون طوال 50 عاماً لمصلحة الديمقراطيين.

الديمقراطيون يتجنبون (إلى حد كبير) الدراما في حملاتهم

وفيما انتظم الجمهوريون في معارك تكسير عظم خلال الانتخابات التمهيدية، اختار الديمقراطيون إلى حد كبير عدم الدخول في انتخابات تمهيدية من شأنها أن تؤذي فرصهم في الفوز خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ولقد تقدم جوش شابيرو Josh Shapiro للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في بنسيلفانيا لمنصب الحاكم من دون أي منازع، فيما استفاد دوغ ماستريانو Doug Mastriano من انقسام الساحة على الجانب الجمهوري فارضاً على الحزب مرشحاً مثيراً للجدل. 

وفي تلك الأثناء في كارولينا الشمالية انسحب النائب الديمقراطي للولاية جيف جاكسون Jeff Jackson من السباق للفوز بالترشيح لانتخابات مجلس الشيوخ، مفسحاً المجال لشيري بيزلي Cheri Beasley، ونجح الديمقراطيون في ولاية ويسكونسن في الالتفاف حول [المرشح] مانديلا بارنزMandela Barnes وحتى تلك الانتخابات التمهيدية التي تضمنت أكثر من مرشح للفوز بمقاعد تنافسية، لم تشهد كثيراً من الخصام مثل حال نائب الحاكم جون فيترمان الذي سحق منافسيه في الانتخابات التمهيدية لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية بنسلفانيا.

ومع ذلك فإن كثيراً من المرشحين التقدميين انتهى بهم الأمر وقد منيوا بخسائر قاسية، كما كان الوضع حين استغل دانيال غولدمان Daniel Goldman، وهو مرشح أكثر اعتدالاً، انقسام ساحة الانتخابات التمهيدية في دائرة نيويورك الـ 10، وإضافة إلى ذلك أدى دعم رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي ترشيح النائب هنري كويلار Henry Cuellar إلى إنقاذه في الغالب من منافس يحظى بثقة مجموعة كبيرة من الداعمين.

© The Independent

ذي هيل: حرب باردة ثانية لن تحتوي روسيا والصين فقط بل والغرب أيضاً

إبراهيم درويش

لندن– “القدس العربي”: ناقش أستاذ الممارسة في جامعة الاستخبارات الوطنية الأمريكية جوش كيربل مفهوم “الحرب الباردة” الجديدة، حيث قال، في مقال نشره موقع “ذي هيل”: “لا شيء يثير معلقي الأمن القومي أكثر من الحرب أو التهديد بها، وعليه، فالغزو الروسي لأوكرانيا، وتهديدات الصين المتعلقة بتايوان، وخاصة بعد زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي البلد، أثارت دفقاً من التعليقات حول ما نراه، وماذا يعني للمستقبل”، وكانت الثيمة العامة لأبرز التعليقات، و”الحكمة” المستخلصة، أن ما نراه الآن، وما نشاهده، هو حرب باردة جديدة. فنحن نتعامل مع روسيا تحديداً بعد غزو أوكرانيا بالطريقة التي تعاملنا فيها مع الاتحاد السوفييتي، وعلى أنها تهديد عسكري يجب احتواؤه. وعزّزت نزعة الصين الحربية هذه المقارنات التي نعرفها حول قوتها العسكرية وميولها.

وعلى الرغم من الأصداء التاريخية هذه، فإن شراء الحرب الجديدة/ الثانية الباردة ليس مجرد خطأ، بل هو أمر خطير. ولو علمتنا التحركات العسكرية وهزاتها المنظمة شيئاً فهو أن التحديات التي تمثلها روسيا والصين شيءٌ أكبر من مجرد القوة العسكرية.

تضم التحديات مجموعة كاملة من القضايا المعقدة، مثل التغيرات المناخية والعولمة والهجرة وأمراض الاقتصاد المعدية، والمجال المعلوماتي الملوث وانتشار التكنولوجيا وانقطاع سلاسل التوريد، والتي تتسيد المجال الإستراتيجي.

 كل هذه القضايا مترابطة ومتداخلة، والصين وروسيا داخلة فيها بشكل عضوي. وما يعزز هذا التعقيد هو مناخ معلوماتي يختلف عن مناخ المعلومات وشبكاته في أثناء الحرب الباردة السابقة. فقبل ثلاثين عاما، كان تدفق المعلومات من الأعلى للأسفل، حيث ظلت القدرة على نشر المعلومات محدودة، وتتولاها الحكومات وشركات الإعلام الكبرى. أما اليوم، فتكنولوجيا المعلومات تسمح لأي شخص تقريباً، وفي أي مكان، بالبث وتوسيع التأثير، وعلى قاعدة ومنظور وسرعة غير متخيلة.

والنتيجة هي أن مفهومنا التقليدي عن الهياكل/الفئات، العالمي والإقليمي والوطني والمحلي والسياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحرب والسلام، وغير ذلك، أصبح متداخلاً في الحرب الثانية. وهذا يقودنا إلى توصيف الحرب الباردة الجديدة الثانية وخطورتها؛ فالخطر من أن إحالاتنا المستمرة للحرب الباردة، وإن كانت بطريقة معدلة بـ”جديدة” و”ثانية”، ستؤكد المصطلح على أنها هدفنا الإستراتيجي الأساسي و “الإطار”.

 وفي علم النفس فإن الإطار اللفظي هو توصيف لغوي، عادة ما يكون مجازاً، يشكّل الطريقة التي ننظر فيها ونرد على موضوع بعينه. في أثناء الحرب الباردة، أصبحت الكلمتان- الإطار- مرتبطتين بسياسة محددة، أي الاحتواء الجسدي والعسكري. وبالتأكيد، فإن الاحتواء، بذلك المعنى الضيق المغاير، يتناسب مع الزمن المرتبط بإستراتيجية هيكلية.

ولو تحول ذلك البناء اللغوي وأصبح إطارنا الأساسي فسنخاطر بالنظر إلى مشهد إستراتيجي أكثر تعقيداً وغير مقيد ومترابط، ونهج يفتقد السعة والرؤية الخلاقة التي يحتاجها. وبطريقة مغايرة، رغم علاقة الاحتواء العسكري وأهميته، إلا أنه يجب ألا تصبح الطرق المركزة والمقيدة الأمر المفترض. ولو بات هذا هو الوضع، فإنه قد يشمل صورة أكبر، ومناظير وأساليب ضرورية للتعامل مع مناخ أوسع وفوضوي.

وبالمختصر، فإن الخطر الذي يمثله إطار الحرب الباردة، وللمفارقة، لن يكون أقل من احتواء نفسك. وربما رفض البعض هذا التوصيف جملة وتفصيلاً، وسيقولون إن هناك استحالة للتعرف على الخطاب والمجاز والتأثير على أفكارنا وأفعالنا بطريقة قوية. ورغم هذه الاعتراضات، تقترح أبحاث علم النفس أمراً مغايراً. وأكثر من هذا، فالنقاش الإستراتيجي الجاري في دوائر الأمن القومي يشير إلى أن هذا هو ما يحدث. ويحتاج المرء للاستماع بقوة لكي يكتشف الإشارة المستمرة للحرب الباردة (الجديدة) وترددات الحرب القديمة وأساليبها التي تبدو واضحة جداً.

ويحذر المؤرخون من مخاطر مقارنة عهدين والوقوع في ملامح التشابه، ولكن الجانب الآخر هو أننا نتجاهل مظاهر الاختلاف بينهما. ففي الحالات التي تبدو فيها مظاهر التشابه طاغية، تكون غير مهمة.

وعندما نواجَه بمناخ إستراتيجي يشترك بمظهر من التشابه فإن علينا التفكير بالاختلاف والتشابه في نفس الوقت. ولو كنا نبحث عن حرب نقتبس منها الحكمة، فإن علينا العودة لحرب كورتيز ضد إمبراطورية الأزتيك عام 1519، ففي أثناء تلك العملية، قام هيرنان كورتيز بتخريب أسطوله ليُفهِم قواته ألا طريق للعودة. وهذا هو بالتأكيد ما علينا فهمه في ما يتعلق بفكرة عودة الحرب الباردة؛ لا مفر، وعلينا أن نحرق كل سفننا.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى