أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفيالفلسطيني والعربي والدوليرقم (153)


نشد على أيادي المسلحين..
الغرفة المشتركة: نتابع أحداث الضفة والقدس ..وانتهاكات الأقصى نذير شؤم
أمد/ غزة
أعلنت الغرفة المشتركة لفصائل غزة ظهر يوم الجمعة، أنها تتابع عن كثب ما يجري في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة.
ودعت الغرفة المشتركة في مؤتمر صحفي بغزة، أهلنا في أراضي 48 لتصعيد حالة الغصب في وجه المحتل وتفعيل كافة الأدوات.. هذا أوان الرد فكل شعبنا مجند اليوم للدفاع عن أرضه ومقدساته لتدفع المحتل الثمن باهظًا.
وشددت، ستظل المقاومة في غزة عند حسن ظن شعبها بها، حصناً وسنداً، وسيفاً ودرعاً للقدس والأقصى، وعلى عهد الشهداء والأسرى
إليكم نص بيان الغرفة المشتركة كاملاً..
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ
بيان مشترك صادر عن:
الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية
يا أبناء شعبنا العظيم في القدس العاصمة وفي الضفة الغربية الباسلة وفي فلسطين المحتلة عام 48م وفي قطاعنا الصامد..أيها الأحرار في كل العالم..
إننا نتابع عن كثب ما يقترفه العدو الصهيوني المجرم من جرائم بحق شعبنا ومقدساتنا من تدنيسٍ للأقصى واعتداءٍ على مرابطيه واستخفافٍ بكل الأعراف والقوانين والقيم، واستفزازٍ لمشاعر شعبنا وكلِّ الأحرار في العالم، وعدوانٍ سافرٍ على مدن وقرى ومخيمات ضفتنا الباسلة وأحياء عاصمتنا الأبدية، وما يتعرض له مخيم شعفاط الأبيّ من عدوان همجي سافر في محاولة للتغطية على فشل وعجز جيش العدو أمام أبطال شعفاط وأبطال شعبنا في كل مكان..
كما أننا نرقب بكل فخر واعتزاز وشموخ المقاومة المتصاعدة العنيدة البطلة في الضفة المحتلة والقدس المحتلة، ونتابع بطولات أهلنا وأبناء شعبنا وفصائله ومقاوميه الأبطال ومقاتليه الشجعان في القدس ونابلس وجنين ورام الله وبيت لحم وقلقيلية والخليل، وفي كل مدننا وقرانا ومخيماتنا ..
نتابع عمليات البطولة والفداء من إطلاق للنار على الجنود والمستوطنين وتنغيص حياتهم في مستوطنات الضفة والقدس وملاحقة جنودهم في كل شبر من أرضنا، نتابع طعناتكم وضرباتكم وثورتكم الشعبية والمسلحة على حد سواء ..
وننظر إلى حجم الذل والقهر الذي يشعر به العدو جراء بطولاتكم وعنادكم وإصراركم على تلقينه دروساً لن ينساها بعون الله ..
وإننا في الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية إزاء ما يجري في القدس المحتلة وأحيائها وفي مدن الضفة المحتلة نؤكد على ما يلي:
أولاً: نشد على أيدي إخواننا ورفاقنا ومقاتلينا الأبطال من كافة الفصائل الفلسطينية ومن عموم أبناء شعبنا البطل، ونخص بالذكر مجموعات عرين الأسود الباسلة، وكتيبة جنين وكتيبة نابلس، وكتيبة طولكرم، وجميع التشكيلات المقاوِمة التي تنشأ تباعاً في كل مناطق ضفتنا المباركة، تعبيرًا عن روح شعبنا الأصيلة في مقارعة المحتل وقراره النهائي بالرد على عدوان الاحتلال على القدس والأقصى مهما كانت النتائج ومهما عظمت التضحيات.
ثانياً: إن المساس بالأقصى وازدياد جرائم العدو بحق أهلنا في القدس، وتدنيس مقدسات شعبنا بالطقوس الدينية التوراتية تحت حجج واهية وعناوين وقحة؛ هو نذير شؤم على هذا الاحتلال، وإيذانٌ بقُرب زواله واندحاره، وإشارة غضب عارم لشعبنا سيحرق كل من تجرأ على قدسنا وأقصانا وشعبنا وأهلنا.
ثالثاً: ندعو جماهير شعبنا في القدس والضفة وفي فلسطين المحتلة عام 48 إلى تصعيد الغضب والاستمرار في الرد على العدوان الصهيوني الهمجي على المقدسات، فلتتكلم البنادق الشريفة ولتشحذ السيوف والخناجر والسكاكين، ولتفعّل كل الوسائل الشعبية والعسكرية لكبح العدوان والانتصار للقدس والأقصى، فهذا أوان الرد ودك حصون العدو في كل مكان، فكل أبناء شعبنا مجنّدون اليوم للدفاع عن المقدسات وتلقين الاحتلال الدروس القاسية في عنفوان شعبنا وغضبه وقدراته الكامنة واستعداده للثأر وتدفيع المحتل الثمن غالياً.
رابعاً: إن المقاومة الفلسطينية في غزة، عبر غرفتها المشتركة ستظل عند حسن ظن شعبها بها، حصناً حصيناً، وسنداً قوياً فاعلاً ومؤثراً، وسيفاً ودرعاً للقدس والأقصى والمقدسات، وعلى عهد الشهداء والأسرى، فنحن جيشٌ للقدس وفلسطين، بوصلتنا واضحة وبنادقنا مشرعة وأيدينا على الزناد، نعدّ العدة ليوم الملحمة التي تفخر بها الأمم وتتغنى بها الأجيال بعون الله تعالى.
وختاماً.. التحية لأرواح شهداء شعبنا الذين يرتقون كل يوم في كل ربوع الوطن يرسمون بدمائهم خارطة الطريق نحو التحرير والعودة، والتحية للجرحى الميامين، والتحية للأسرى الأبطال الأحرار الرابضين خلف القضبان يتحدّون سطوة السجان وهم على موعد مع النصر والفرج بإذن الله، والتحية لكل شعبنا في القدس والضفة وغزة وفلسطين المحتلة عام 48 وفي المنافي والشتات.
والله أكبر والنصر للمقاومة،،

الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية

خبراء إسرائيليون: بعد عملية شعفاط .. كيف يمكن للجيش أن ينتصر في حرب ثانية ؟
عربي 21
ما زالت عملية شعفاط تترك تأثيراتها وتبعاتها الأمنية على دولة الاحتلال، وجاءت ردود الفعل الصحفية والإعلامية والحزبية على ما يعتبرونه فشلا ذريعا للجيش والحكومة.
ودفعت العملية خبراء عسكريين وأمنيين لصب جام غضبهم على ذات المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية، بزعم أن استمرار تدهور الشعور بالأمن لدى الإسرائيليين عقب سلسلة العمليات الفلسطينية، لن يبقي لدى الاحتلال المزيد من الأجيال الشابة الجاهزة والمستعدة لخوض الحرب القادمة.
وتزامنت عملية شعفاط، وما واكبها من هجمات فلسطينية أخرى، مع الذكرى السنوية الـ49 لحرب أكتوبر 1973 التي مني بها الاحتلال بإخفاقات كارثية، زادت من الشعور بخيبة الأمل من الواقع الأمني المتدهور، وبسببه انخفضت الخدمة العسكرية بصورة قياسية، في حين أن من يذهبون للخدمة القتالية في الجيش، معظمهم ممن يسكنون في الأطراف، وذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي السيئ، فيما تتزايد ظاهرة التهرب من التجنيد العسكري.
الجنرال إسحاق بريك القائد السابق للكليات العسكرية، ذكر أن “التبعات الأمنية لعملية شعفاط، وحالة العجز التي أبداها الجنود على الحاجز العسكري أمام منفذ العملية، تعطي مزيدا من الإثباتات على نقص الانضباط لديهم، وفشلهم في تأكيد الأوامر، وشيوع ثقافة الكذب بينهم، والإخفاق في تعلم الدروس، وعدم القدرة على التعامل مع الأسلحة، والمستوى الضعيف للتنفيذ، والافتقار للقدرة على أداء مهامهم بشكل صحيح، فضلا عن انخفاض دوافع الكثيرين منهم للالتحاق بالجيش، وتراجع الروح القتالية”.
وأضاف في مقال نشره موقع القناة 12، أن “السؤال الأهم الذي أبقت عليه عملية شعفاط مفتوحا، بتزامنها مع حرب أكتوبر: كيف يمكن للجيش الإسرائيلي أن ينتصر في حرب ثانية، خاصة وهو في حالته الكئيبة الحالية؟ هل سيحمي الدولة ومواطنيها من التهديد المتزايد باستمرار الذي يتحول إلى تهديد وجودي، لأنه بدلاً من أن يكون عمود النيران أمام المخيم، أصبح جيشًا أعرج وغير كفؤ، وثقافة التنظيم تنهار، وغير جاهز للحرب، لأن معاييره رديئة؟”.
مائير أوحانا الكاتب في موقع ميدا، أشار إلى أن “عملية شعفاط نتيجة طبيعية متوقعة لسياسة الاحتواء التي تسعى الحكومة لتنفيذها أمام الفلسطينيين، لكننا اكتشفنا أنها سياسة تقتلنا، وبدلاً من إيجاد حلول للهجمات المتزايدة، فيبدو أن الحكومة تختار تحمل الوضع الذي يُقتل فيه مواطنوها وجنودها، رغم عشرات التحذيرات حول هجمات وشيكة، وحدوث القفزة الحادة في عددها، وكأننا أمام سياسة منحرفة تفضّل، بدلاً من تقديم الحلول، تحمّل الوضع، وشراء “الهدوء الصناعي”، حتى الهجوم القاتل التالي”.
وأضاف في مقال أن “عملية شعفاط في قلب القدس نفسها أتت استمرارا لتصاعد العمليات منذ أسابيع، وعمليات إطلاق النار والحجارة على طرق الضفة الغربية لا تتوقف، ومدن الشمال حيث جنين ونابلس أصبحت منذ فترة طويلة أعشاشا خطيرة للمنظمات الفلسطينية المسلحة، حتى باتت إسرائيل تشعّ بضعف خطير، لأنها تواصل سياسة الاحتواء: احتواء الهجمات والتهديدات، بدلاً من شن هجوم مضاد حازم، لكنها أكثر انشغالاً بالحملة الانتخابية والهجمات ضد المعارضة”.
صحيح أن العنف الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية لن يحقق الهدوء للاحتلال والمستوطنين، لكن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، ولذلك تتصاعد الاتهامات للحكومة عقب عملية شعفاط باتباع سياسة الاحتواء الفاشلة التي ستؤدي لزيادة الهجمات المسلحة، والمزيد من المشاهد التي أذهلت الإسرائيليين مثل تلك التي حدثت أمام حاجز شعفاط، ما يعني أن الأمن بات مفقودا لدى الإسرائيليين.
على المستوى السياسي، تتزايد الانتقادات الإسرائيلية الموجهة للحكومة بأنها لا تأمر المؤسسة الأمنية بوضوح بتصعيد عنفها ضد الفلسطينيين بدعوى وقف موجة العمليات، واستعادة الردع دون تحفظات، بدون تنازلات إضافية، مع العلم أن الاحتلال لا يتوقف عن اعتقالاته العشوائية، واغتيالاته وتصفياته التي لا تفرق بين مقاوم وطفل، بل يشنّ عملية شاملة وواسعة تحرق الأخضر واليابس في محاولة مستميتة فاشلة لكبح جماح المقاومة.

من رسائل المقاومة في شمال الضفة
أنطوان شلحت
لم يُثر إعلان رئيس الحكومة الانتقالية في إسرائيل، يائير لبيد، تأييده “حلّ الدولتين”، في سياق خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل نحو ثلاثة أسابيع، أي صخبٍ سياسيّ في دولة الاحتلال. ما يعود إلى أن تداول معظم ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي هذه العبارة، منذ انطلاق ما تعرف بـ”عملية التسوية” مع الفلسطينيين ذات الصلة بمفاوضات أوسلو، يجري على قاعدة مفهوم إجماعيّ بشأنها، لا بأس من تكراره بين الفينة والأخرى، وينطوي على ما يأتي: أولاً، أن يكون قيام الدولة الفلسطينية نتيجةً لمفاوضات مباشرة بين قيادة فلسطينية موحّدة وإسرائيل، وأن تُحلّ القضايا والموضوعات المركزية، ومن ضمن ذلك مسائل الحدود والقدس واللاجئين، من طريق المفاوضات فقط، لا من طريق قرارات صادرة عن هيئات الأمم المتحدة أو أي جهات أخرى. ثانياً، أن تكون الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية العتيدة أيضاً نتيجة مفاوضات مباشرة بين الجانبين، وأن لا تكون هذه الحدود قائمةً على أساس خطوط الهدنة من عام 1949. ثالثاً، ضرورة وجود قيادة فلسطينية موحّدة تمثّل عموم الشعب الفلسطيني، تكون قادرة على تقديم تعهدات، أبرزها الحفاظ على أمن إسرائيل، وتنفيذها (وضع غير متوافر حالياً بسبب الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة وغزة). رابعاً، يجب أن تعترف الدولة الفلسطينية بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، وأن تعترف إسرائيل في الوقت ذاته بالدولة الفلسطينية دولة قومية للشعب الفلسطيني (بغية دفن موضوع الحقوق القوميّة للفلسطينيين في أراضي الـ48). خامساً، ينبغي أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ومُقيّدة في قدراتها العسكرية والأمنية، وكذلك في كل ما يتعلق برموز السيادة الأُخرى.
وبخصوص “الدولة الفلسطينية”، ينبغي إعادة التذكير بأن رؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية، إسحاق رابين، الذي وقّع اتفاق أوسلو، في ما يخصّ مسائل التسوية الدائمة، تضمّنت، وفق ما ذكر في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر/ تشرين الأول 1995، إقامة “كيان فلسطيني يشكل وطناً لمعظم السكّان الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية”، مشيراً إلى أن هذا الكيان سيكون “أقلّ من دولة”. وليس مبالغة القول إن هذا المفهوم الإسرائيلي لـ”حلّ الدولتين” يحظى بإسناد أميركي منذ أعوام طويلة.
لعلّ ما استلزم إعلان تأييد “حل الدولتين” الآن، تصاعد المقاومة في شمال الضفة الغربية، بعد أن كانت الحاجة إلى الالتفات إلى القضية الفلسطينية في مستواها الأدنى من جرّاء “هدوء الأوضاع الأمنية” في الضفة من جهة، ومن جهة أخرى على وقع ما يوصف بأنه معايشة إسرائيل سيلاً من الاتفاقيات السياسية مع دول عربية مختلفة يثبت صواب منهج “إدارة الصراع” أو “تقليصه”، والذي اعتمدته الحكومات في إسرائيل منذ عام 2000، بموازاة سحب البساط من تحت المقاربة حول حيوية الاتفاق مع الفلسطينيين، وكونه الشرط والمحطة الأولى في مسار المصالحة مع العالم العربي.
طبعاً، لم تُعدم الأصوات الإسرائيلية، وإنْ كانت قليلة، التي ظلّت تؤكد أن ذلك الهدوء مُجرّد وَهْم، وأنه على الرغم من محاولات تحسين واقع الفلسطينيين في الضفة، ومن حالة العبث السياسي السائدة، فإن شعباً تحت الاحتلال العسكري لا بد وأن ينتفض، بالضرورة، طال الزمان أو قصُر. ويبدو أن هذه من أهم رسائل المقاومة في شمال الضفة، رسالة تقول إن التغيرات الإقليمية التي حصلت أخيراً، بما في ذلك الاتفاقيات السياسية التي وقعتها إسرائيل مع دول عربية، قد تستدعي إعادة نظر جيو- سياسية في عدة قضايا، بيد أن ثمّة متغيراً واحداً ثابتاً لا يجوز القفز عنه، أن ملايين الفلسطينيين في المنطقة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط، يعيشون تحت احتلال إسرائيلي ونظام تمييز عنصري، وهو واقعٌ يستحيل أن تنهيه ولا أن تغيّره حتى كل الزيارات والرحلات الجوية المباشرة ما بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وغيرها وبين إسرائيل.

بروح شعفاط … بقايا الوطن ومستحدث “الغضب العام”
كتب حسن عصفور
منذ زمن، غابت حركة الفعل المقاوم الشامل في الضفة والقدس، دون أن يغيب مناطقيا بشكل أو بآخر، وما بعد 7 أغسطس 2022، أطلت برأسها عندما نفذ “الفدائي” الفلسطيني عملية على حاجز احتلالي بمدخل مخيم شعفاط، تنفيذ من طراز خاص يليق بتاريخ الثورة والشعب، جرأة ودقة ربما كانت جزءا حيويا من قيمة العملية المقدسية.
ملامح القيمة الكفاحية لـ “العملية المقدسية”، تعيد روح الفعل المقاوم العام، مسلحا، شعبيا واضرابا عاما وبعض عصيان مدني دعما للمخيم، الذي كان مسرحا لواحدة من أهم عمليات الرد الثوري الفلسطيني في السنوات الأخيرة، مكانا وتنفيذا وإرباكا للعدو القومي.
عملية شعفاط، فتحت باب التفاعل الشعبي العام سريعا، لم تٌترك وحيدة كما سبق أن حدث في فعل مثيل، او تقف عند حدود الانفعال الآني، لكنها فرضت “حراكا مختلفا” في مختلف مناطق الضفة والقدس، وعبر مظاهر متنوعة، اختفت طويلا، بل انها لم تحضر خلال حرب مايو 2021، ومعركة غزة الأخيرة أغسطس 2022، رغم التفاعل الواسع معهما، دون ان يحرك ساكنا شعبيا يلمس العدو.
عملية شعفاط، فرضت “وحدة شعبية ميدانية”، ليس كلاما وبيانا كما هي الحالة المعتادة، بل انتقلت سريعا لفعل الفعل، خاصة بعدما أطلقت “الفرقة الفدائية” وليد الثورة الأحدث “عرين الأسود” منهج عمل متحرك، ومتعدد التنفيذ، فكان الذهاب الى إعلان “الاضراب العام” شاركت به مختلف مؤسسات الضفة، بما فيها تلك المصابة بـ “حرد علاقة” مع الحكومة الفلسطينية طلابا ومعلمين ومحامين، تكريسا بأن الفعل الثوري هو “سيد القرار”، وذهاب نحو “عصيان مدني”، انطلق من مقر العملية الخاصة.
عملية شعفاط، ربما لعبت دورا خاصا، بتحرير لسان حركة فتح وقيادتها، لتكون حاضرة بلغة غابت طويلا عن الحركة التي أطلقت رصاصة الثورة المعاصرة يناير 1965، وقادت تأسيس أول كيان سياسي فوق أرض فلسطين، وكانت العامود الفقري لأطول مواجهة شعبية عسكرية مع العدو التاريخي دولة وكيانا 2000 -2004، بقيادة زعيم الشعب ورئيسها الخالد ياسر عرفات.
عملية شعفاط، وسريعا فرضت نمطيا وحدويا دون “لقاءات الفسحة السياسية”، وبلا “بيانات مزركشة”، فكان الانتفاض عاما واعتصاما موحدا واضرابا شاملا، في نسيج جديد لمظهر من مظاهر “المقاومة الشعبية الخشنة”.
عملية شعفاط، وضعت كل من كان يبحث وضع قدما في “ملعب بديل” تحت “المطاردة الساخنة”، ما قبل “تدفيع الثمن الوطني”، الذي يستحق درسا للتاريخ، بعدما ظن الخائبون ان “الزمن بات زمنهم” بقوة دفع غير فلسطينية وغير وطنية.
عملية شعفاط، رسمت مجددا مسار التوافق العملي بين جناحي” بقايا الوطن” خارج “الاتهامية التبادلية” فيمن خرج عن النص أكثر من الآخر، دون حساب لما سيكون في اليوم التالي.
عملية شعفاط، رسالة لا تشوبها غموض، أنه بالإمكان أن يكون الفعل الوطني الفلسطيني أفضل كثيرا مما كان، وأن العدو القومي سيعيد حساباته بعدما “ظن إثما” بلا أُبالية أهل القضية، بعدما تمكن منها عبر “الجرثومة السرطانية المسمومة الانقسامية”، موزعا “هدايا رخيصة للبعض قبلها”، و “مهددا البعض فارتعش بها”.
عملية شعفاط، لم تذهب مع ريح الرصاصات التي خرجت، لكنها أطلقت الرصاصة الأهم بنفح روح “الغضب الفلسطيني العام”، كمقدمة لصياغة مشهد الضرورة الوطنية، حماية لمشروع يتم “تورنته” و”تهويده” دون ردع وعقاب.
عملية شعفاط، رسالة تأخرت ولكنها حضرت، بان لا خيار غير خيار الردع الوطني للعدو القومي لكسر مشروعه المعادي، ورسالة للأداة بـ “قبر مشروع بديلها غير الوطني”.
من شعفاط أنطلق خيط “الانتفاض الشعبي العام” في الضفة والقدس والقطاع.

ملاحظة: اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان ودولة الكيان، اتفاقا أمريكيا خالصا..قبله الطرفان “خاوة”..كل منهما يدعي “الربح” ولكن الحقيقة الفائز الأول الأمريكاني ومن بعده الفارسي…وصحتين للمغفلين ..بعد هيك بلا منها “مكذبة وحدة الساحات”!

تنويه خاص: منطقيا، مش لازم الجامعة العربية تسكت على التهديدات المتلاحقة من الرئيس الأمريكاني النعسان ضد العربية السعودية وكانها الدنيا سايبة..بدها شوية لحلحلة مش هيك…أبو أحميد!

الاستخبارات الإسرائيلية تكشف علاقتها بأجهزة الأمن العربية

غزة- “القدس العربي”
كشفت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عن توسيع علاقات التعاون الأمنية بين تل أبيب، والعديد من العواصم العربية في الفترة الأخيرة، خاصة بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” التطبيعية.
وفي تقرير لقناة “i24news” الإسرائيلية استندت فيه إلى مسؤول رفيع في جهاز الاستخبارات التابع للجيش الإسرائيلي، ومصادر خاصة، أكد أنه في السنوات الأخيرة، وسع الجيش الإسرائيلي علاقاته، مع نظرائه في الدول الأجنبية، تزامنا مع توسع العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل، حول العالم.
وكشف التقرير أن وحدة إدارة التعاون الدولي، التابعة للاستخبارات العسكرية، مكلفة بنسج العلاقات “وراء الكواليس”، حيث يُعتبر رؤساء الفروع فيها، خريجين من وحدات استخباراتية سابقا.
وأشار التقرير أن رؤساء تلك الوحدة، يرتدون اليوم بدلا من الملابس العسكرية، “الملابس الرسمية”، وينفذون “مهمات دبلوماسية سرية للجيش”، بهدف بناء شراكات، تقوم بالأساس، على تبادل الاستخبارات.
وركز التقرير بالأخص على الفرع الذي يرمز له بالحرف “ت” والذي قال إنه يعد من أهم فروع الوحدة، كاشفا بأنه الفرع المؤتمن على صنع “شراكات إقليمية”، مع الدول العربية، بما في ذلك دول “اتفاقيات أبراهام”، واخرى لا يمكن الكشف عن أسمائها.
وكانت كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب وقعت على “اتفاقيات أبراهام” التطبيعية مع إسرائيل، في العام 2020 والتي تخللها فتح سفارات في تل أبيب، وفتح دولة الاحتلال سفارات لها في عواصم تلك الدول، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية وعسكرية، علاوة عن بيع أسلحة.
ووفق المعلومات فإن هذا الفرع الجديد في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تأسس قبل حوالي عام، أي بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام”، بهدف توسيع التعاون الاستخباراتي والعملياتي في الشرق الأوسط، خصوصا ضد إيران.
ونقل التقرير الإسرائيلي عن قائد الفرع، قوله إن تلك الاتفاقيات “سهّلت عمل وكالات الاستخبارات الإسرائيلية، والاستخبارات العسكرية للجيش، وحتى الموساد”.
ويشير هذا المسؤول إلى التغييرات التي طرأت بعد اتفاقيات التطبيع، على المستوى المعنوي، وقال “إسرائيل قبل اتفاقيات أبراهام، تصرفت وفق مبدأ العزلة، أما اليوم، فأصبحت تفكر كيف تبني التحالفات الواسعة”.
وكشف عن قيام إسرائيل بتنفيذ “نشاطات مشتركة” في مناطق شرق أوسطية، وفي دول وصفها بـ “المعادية”، وقال ان طبيعة النشاطات كانت جمع المعلومات والتأثير وغيرها.
وقد وصف علاقات فرع “ت” مع جميع شركاءه في الدول العربية لا سيما الخليجية منها بـ “الممتازة” لافتا إلى أن تلك الدول تعمل على التعلم من تجربة المخابرات الإسرائيلية.
وأشار في ذات الوقت إلى أن المخابرات تمتلك قدرات متقدمة وفريدة من نوعها، ومعلومات استخباراتية حساسة للغاية في الشرق الأوسط، ما يمكنه المساهمة، في أمن دول وشعوب تلك البلدان.
وقد أشاد مدير فرع وحدة إدارة التعاون الدولي، التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بـ “مهنية وجدية وميزة” استخبارات بعض الدول العربية، دون ان يسميها.
وأوضح أن انتقال الجيش الإسرائيلي، إلى “سنتكوم” أي القيادة المركزية الأمريكية، ومقر قيادتها البحرين، “يُعتبر تجليا، لتغيير أحدثته اتفاقيات أبراهام”.
ونقل التقرير الذي أوردته قناة “i24news” عن مصدر إسرائيلي قوله إن التعاون الاستخباراتي، معناه “منحَ الشريك معلومات استخباراتية، أو تقييمات استخباراتية، أو معلومات تهمه، مقابل أن يمنحك الشريك فرصة للقيام بشيء ما، أو أن ينفذ نشاطا لصالحك، دون أن يكون له أي مصلحة بذلك، علما أنه يمكن أن يكون طرفا ثالثا بينكما”.
وأكد أن هناك تفاوتا بين الشركاء من حيث “حميمية العلاقة”، لافتا إلى أن المستوى الأول من الشركاء، يحظون بالتقييمات والمعلومات الاستخباراتية، بدءا من تقارير الموظفين، والمواد الخام.
يشار إلى أن وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس زار في وقت سابق من هذا العام كل من البحرين والمغرب، والتقى كبار قادة الجيش هناك، ووقع معهم على اتفاقيات أمنية غير مسبوقة، شملت تعزيز التعاون الاستخباراتي، وإقامة أساس للتدريبات، وبيع معدات عسكرية.

مستشار وزارة الخارجية الأمريكية ديريك شوليت لـ «القدس العربي»: على الفلسطينيين الالتحاق بعربة أبراهام… وعواقب كبرى إذا استخدم بوتين النووي

ديريك شوليت
حسام الدين محمد
لندن – «القدس العربي»
التقيت ديريك شوليت، مستشار وزارة الخارجية الأمريكي، ضمن جلسة مسجّلةOn Record مع مجموعة من الصحافيين الذين انصبّت تعليقاتهم، قبيل الجلسة، على كون شوليت ممثلاً مخضرماً للمؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية، وعلى اتساع اطلاعه وخبرته السياسية، وقد أظهر فعلاً خلال ردوده على أسئلتنا مقدرة على تذكر تواريخ ووقائع زمنية وجغرافية محددة على اتساع المواضيع العالمية. كان أمراً معبّراً أيضاً عن شخصية الدبلوماسي المتمرس أنه جاء للاجتماع من دون أن يستريح من السفرة الطويلة من واشنطن.
تركّزت الأسئلة حول الموضوع الأوكراني ـ الروسي بسبب تفجره وارتباطه بالقضايا الأخرى، ولكن الوقت سمح بأسئلة أيضاً حول فلسطين وإيران وقطر وأوبك… وباراك أوباما.
تفاجأ شوليت، حين قلت له وأنا أبتسم، إنني حين حاولت العثور على مقر السفارة الأمريكية في لندن، حيث عُقدت الجلسة، أن محرّك البحث غوغل يقول إن مالك السفارة هو شركة الديار القطرية.
انتقلت الملكيّة طبعاً من شركة الديار إلى الحكومة الأمريكية قبل 4 سنوات، لكن ذلك الحدث كان أحد المواضيع التي أثارت انتقاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، باعتباره رجل أعمال في مجالات التطوير العقاري، بل إنه قال إنه ألغى زيارته الأولى إلى لندن بسبب هذه الانتقالة من وسط لندن، حيث كانت السفارة تشكّل عبئاً أمنياً وتتسبب في استعصاءات السير (وحتى مشاكل قانونية مع بلدية لندن التي كانت تطالب الأمريكيين بتسديد غرامات مرورية بالملايين)، إلى منطقة ناين آلمس، على ضفّة نهر التيمز الجنوبية.
التطبيع أهم من الفلسطينيين؟
تنقل شوليت في عدة مناصب أمنية وعسكرية، منها رئاسة سياسات الدفاع والأمن في صندوق جيرمان مارشال الأمريكي، والعمل مساعداً لوزارة السياسات الخارجية للأمن والدفاع، وأشرف على إدارة سياسات أمريكا حول أوروبا، وحلف الأطلسي، والشرق الأوسط، وأفريقيا والعالم الغربي في عهد وزيري الخارجية الأسبقين ليون بانيتا وتشاك هاغل.
لديه عدة كتب، منها «الطريق الوسطى: كيف صاغ ثلاثة رؤساء الدور الأمريكي في العالم»، و»اللعبة الطويلة الأمد: كيف تحدى أوباما واشنطن وأعاد صياغة دور أمريكا في العالم»، و»الطريق إلى اتفاقات دايتون»، و»أمريكا بين الحروب: من 9/11 إلى 11/9» وغيرها.
يستشهد شوليت في كتابه «اللعبة طويلة الأمد»، المخصص لبحث سياسات الرئيس الأسبق باراك أوباما، بتصريح مثير لروبرت غيتس، يقول إنه بالنسبة «لدفاع إسرائيل فلم تقدم أي إدارة أمريكية بطرق متينة أكثر من إدارة أوباما، وبأن التحالف بين أمريكا وإسرائيل يرتكز على الحفاظ على التفوق النوعي ضد أي قوة في المنطقة.
«بالإضافة إلى حفاظكم على التفوق النوعي لإسرائيل»، قلت لتشيلوت، «فإن عدداً جديداً من الدول العربية أنجزت اتفاقات تطبيع، أو نسجت علاقات حميمة (مثل السودان)، مع إسرائيل».
تابعت قائلاً: «لقد ساهمتم عبر دعم هذه العملية بترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة إحدى أكثر الدول قوة عسكرية في الشرق الأوسط»، مضيفاً: «هل هناك فكرة حول تسوية تاريخية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، تسمح للفلسطينيين بإقامة دولة ذات سيادة؟».
يرى شوليت أن التطبيع بين إسرائيل وجيرانها من الدول العربية هو من أكثر الأشياء إيجابية التي حصلت في السنوات الأخيرة. وأكد أنه كان شاهداً على الجذور الأولى لهذا التطبيع قبل عشر سنوات حين كان يعمل في وزارة الدفاع الأمريكية. حسب شوليت، فإن الإسرائيليين والإماراتيين كانوا حينها «يتحدثون مع بعضهم سراً». يرى شوليت أيضاً أن إدارة ترامب تستحق الشكر على هذا، وأن إدارة بايدن تقوم حالياً بالعمل على ما قامت إدارة ترامب بتأسيسه.
قال إن قطر ساعدت واشنطن في أفغانستان وإيران ودورها العالمي مهم… والإماراتيون والإسرائيليون كانوا يتحادثون سراً قبل 10 سنوات
ويقول إن ما أنجزته إدارة بايدن في هذا الصدد كان الاجتماع «التاريخي» الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بنظرائه من إسرائيل ومصر والإمارات والبحرين والمغرب ومصر في صحراء النقب في شهر آذار/مارس الماضي. «إذا اعتبرنا اتفاقات إبراهيم هي البداية، فإن ما نعمل عليه الآن هو تحويل العملية إلى شراكة كبيرة (استخدم مصطلح blue chip company وهي الشركات الكبرى في السوق العالمية، مثل غوغل وأبل وأمازون)، بحيث يتكرر الاجتماع سنوياً.
«ماذا عن الفلسطينيين؟»، سألت مستنكراً.
«بالنسبة للفلسطينيين، نحن لا نعتبر ما يحصل بديلاً عن العمل على الملف الفلسطيني، لكننا نأمل أن يقوم الفلسطينيون بأخذ الفرصة والمشاركة في إطار أكبر».
تابع قائلاً: «المسألة الثانية التي تعرفها هي أن الرئيس بايدن تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول دعم حل الدولتين، كما أنه ذكر المسألة في خطابه الأخير في الأمم المتحدة».
تبدو الدبلوماسية الأمريكية، إذا اعتبرنا جواب شوليت نموذجاً عليها، مهتمّة بالخطوط العريضة لتوسيع تطبيع إسرائيل مع الدول العربية، كبديل عن إيجاد حلول تاريخية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. «الشركة الكبرى» التي تشكلها إسرائيل مع الدول العربية تتوسع، وما على الفلسطينيين سوى القفز إلى عربتها!
من الخط الأحمر الكيميائي إلى النووي!
كان مهماً، خلال اللقاء، مناقشة سياسات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما التي أزجى تشيلوت المديح لها، فسألته:
«في كتابك «الطريق الوسطى» قارنت أوباما بأيزنهاور وجورج بوش (الأب)، ممتدحاً تقليداً في القيادة الأمريكية يدافع عن الوسطية والمسار الفعال في السياسة الخارجية».
هزّ شوليت رأسه، فأضفت: «كما أنك بدأت كتابك «اللعبة طويلة الأمد» بفصل عن «الخط الأحمر الكيميائي» في سوريا، وقلت فيه إن سوريا كانت قصة للفرص الضائعة، والخطوات الخاطئة، والعجز عن اتخاذ القرار».
«هل تظن» قلت متابعاً «أن عدم وقف النظام السوري حين استخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وعقد صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبشار الأسد، عملياً، كان إعلاناً عملياً عن بدء تضعضع الربيع العربي، وساهم لاحقاً في الاستعصاءات في المنطقة، من ليبيا وتونس إلى لبنان وسوريا واليمن، وهو ما توّج باجتياح روسيا لأوكرانيا؟».
أنهيت سؤالي بالقول: «ألا يجب عليك شخصياً، وعلى المؤسسة السياسية الأمريكية، أن تقوم بمراجعة لتداعيات ذلك القرار الخطيرة؟».
رد شوليت قائلاً: «يمكن أن أعطيك تحليلاً طويلاً حول الخط الأحمر وحول المنطقة التقليدية حول الحصول على شيء 1300 طن من الأسلحة الكيميائية من دون الحاجة لعمل عسكري أبداً، مع إمكانية وصول تلك الأسلحة إلى تنظيم «الدولة»، كان أمراً مذهلاً بكل المقاييس!».
الفوز بأطنان الكيميائي وخسارة العالم العربي
كان جواب تشيلوت مفزعاً حقاً؛ فالحكمة التقليدية التي يستخدمها عن كسب شيء كبير من دون خوض حرب يتجاهل كل النتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك القرار، ورغم أنه يستدرك بالقول إن تنظيم «الدولة» لم يكن موجوداً حينها، لكنه لا يرى عملياً كيف أن كل السياسة الأمريكية، بدءاً من جورج دبليو بوش الذي فتح اجتياحه للعراق، وسياسات استئصال البعث وتدمير الجيش العراقي الطريق للحرب الطائفية ونشوء تنظيم «القاعدة»، وتمكين أحزاب فاسدة قضت على التغيير السلمي للنظام، وأن امتناع أوباما عن الفعل في سوريا خوفاً من المثال العراقي، أكمل، من الجهة الأخرى، تدمير المنطقة، وأطلق نيران تنظيم «الدولة الإسلامية» من العراق نحو سوريا. لقد ربح أوباما 1300 طن من الأسلحة الكيميائية لكنه دمّر سوريا، وشارك في نهاية الربيع العربي وأعطى بوتين انطباعاً أن الغرب لن يحارب إذا استخدم سلاح تدمير شامل، وهو درس قاده لاحتلال شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، ثم أوكرانيا نفسها، مع التهديد المتكرر باستخدام السلاح النووي.
قلت له: «إذن، لا مراجعة شخصية أو عامة لموقف أوباما حينذاك»؟
«لا. لا تغيير».
«رغم أنكم تواجهون إمكانية عبور خط أحمر نووياً هذه المرة؟»
«لم نر شيئاً غير اعتيادي في مجال نقل أماكن الأسلحة النووية لكننا نراقب الأمر بتركيز شديد. نتحدث مع حلفائنا الأقرب كفرنسا وألمانيا، لكن كل الاتصالات لم تؤد إلى تراجع بوتين للأسف».
«لم نستعمل جملة خط أحمر في سياق تهديدات بوتين، فروسيا موقعة على التزامات بعدم استخدام السلاح النووي. سياستنا ما تزال: دعم الجهد العسكري الأوكراني، وقد قدمنا حتى الآن 17 مليار دولار مساعدات، وهذا يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية العسكرية لأوكرانيا 2021، وفوق ذلك قدمنا 9 مليارات مساعدات إنسانية وتنمية. نحن واحدة من 15 دولة تقدم مساعدات في هذا الاتجاه».
«ثانياً: صرح الرئيس بايدن عدة مرات أننا سنحافظ على أقاليمنا، وسيتضمن ذلك نشر قواتنا، ولدينا الآن قوات أمريكية على الأراضي الأوروبية أكثر مما كان العام الماضي، سنرد على أي اعتداء عليها، كما أننا نعمل مع حلفائنا لنضمن مشاركتهم في كل هذه الجهود».
أشار شوليت إلى أنها ليست المرة الأولى التي يذكر فيها بوتين السلاح النووي خلال الأشهر الماضية، والرد الأمريكي في كانون الثاني/يناير الماضي من هذا العام كان التأكيد على أن حرباً نووية لا يمكن أن تربح ولا يجب أن تخاض، وأكد أن الإدارة الأمريكية أخبرت الروس مباشرة أنهم «إذا استخدموا السلاح النووي فسوف يواجهون عواقب شديدة».
أوبك وإيران وقطر
انتقلت بسؤال لشوليت حول قرار أوبك + روسيا بخفض إنتاج النفط يومياً بمعدل مليوني برميل يومياً. سألته إن كان هذا يعتبر تصويتاً من قبل حلفاء عرب لأمريكا ضد الإدارة الديمقراطية الحالية في انتخابات الكونغرس المقبلة، وعن الأوراق التي تملكها أمريكا لتعديل هذا الأمر أو احتوائه؟
الرد كان دبلوماسياً مجدداً، إذ قال إنه لا يمكن أن يتكهن دوافع للقرار، لكنه يرى أنه قرار غير حكيم وخصوصاً أن روسيا ستستفيد منه، فإن القرار لا يؤثر على السياسة الأمريكية داخلياً بل يؤثر على أوضاع العالم كله، من بريطانيا هنا وأوروبا، وأن واشنطن ستتخذ قرارات استراتيجية لتضمن إمدادات النفط في الأسواق العالمية.
بالنسبة لموضوع النووي الإيراني، فإن طهران، حسب تشيلوت، صارت لديها مسودة الاتفاق، وأنها هي التي لا تقبل توقيعها، وأنها تقوم بوضع مطالب لا علاقة لها بالاتفاق النووي، وهي مطالب رفضها حلفاؤنا في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ويبدو أن الإيرانيين صاروا مشغولين الآن بتهدئة الأوضاع المتفجرة في شوارعهم.
بعد المزاح الصاخب الذي أثاره موضوع غوغل والشركة القطرية المالكة السابقة لبناء السفارة الأمريكية وغضبة ترامب، أخذت السؤال إلى شوليت حول تقييمه للعلاقات القطرية – الأمريكية، وخصوصاً ما تقدمه الدوحة من شغل دبلوماسي شاق في مواضيع معقدة مثل أفغانستان وإيران وفلسطين وليبيا وسوريا، وكذلك مساهمتها في حلحلة أزمة الغاز العالمية.
«علاقتنا مع قطر هي جزء مهم من سياستنا الخارجية»، قال شوليت، ثم تابع مازحاً: «لا أستطيع مع ذلك التعليق حول الشؤون العقارية بين البلدين». تابع: «لم نكن نستطيع أن نؤمن انسحاب جنودنا من أفغانستان، وكذلك في مجال مساعدة الراغبين في الرحيل من هناك لولا المساعدة القطرية، كما ساهمت الدوحة مؤخراً في عملية إطلاق الرهينة الأمريكي باقر نمازي. نقدر دائماً الدبلوماسية القطرية في العالم.

جرد حساب إسرائيلي لمكاسب تل أبيب وبيروت من تفاهمات الحدود البحرية

الناصرة- “القدس العربي”:
يعتبر معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن اتفاق/ تفاهم الحدود وحقول الغاز غير النهائي مع لبنان إنجازاً اقتصادياً أمنياً واستراتيجياً مهماً لإسرائيل. وهذا الاتفاق، الذي يفترض أن تصادق عليه حكومة الاحتلال اليوم الأربعاء، بات ناجزاً أو في مراحله النهائية.
واستناداً إلى التسريبات يبدو أنه ينص على ما يأتي: تبني الخط 23 كخط حدودي (لا حداً نهائياً)، لكن ليس بكامله، إذ ستبقى مساحة الـ 5 كم الأولى الموازية للساحل على ما هي عليه، استناداً إلى الخط العائم الإسرائيلي. ومع بدء استخراج الغاز من حقل كاريش، والموجود كله في المياه الاقتصادية الإسرائيلية، ستبدأ أيضاً الحفريات في حقل الغاز المُحتمل في الجانب اللبناني المُسمّى حقل قانا/ صيدون بوساطة مجموعة دولية تتشكل من شركتي توتال الفرنسية (40٪) وإيني الإيطالية (40٪) أمّا الشركة الروسية فقد انسحبت، وبات الجزء المخصص لها في يد الحكومة اللبنانية. كما سيتم تعويض إسرائيل عن جزء من حقل قانا (الثلث تقريباً) الموجود ما بعد الخط 23 إلى الجانب الإسرائيلي (كما يبدو بموافقة الشركات المعنية)، في حال بدأ استخراج الغاز من هذا الحقل.
ويقول معهد دراسات الأمن القومي إن الأخبار عن الاتفاق أثارت العديد من ردات الفعل في إسرائيل، وبالتحديد من طرف المعارضة السياسية التي انتقدت مضمون الاتفاق، بحجة أنه ينص على تقديم تنازلات كثيرة، والتي تساءلت عمّا إذا كانت حكومة تصريف الأعمال مخولة بالمصادقة عليه أصلاً، وخصوصاً قبل وقت قصير من الانتخابات (في الأول من تشرين الثاني).
الاتفاق سيسمح للبنان بإشاعة بعض أجواء الأمل لدى اللبنانيين الذين هم على بعد خطوة من إعلان الإفلاس الكلي لمنظومة الكهرباء. كذلك يرجح أن يؤدي إلى استقطاب جهات غربية (وربما خليجية أيضاً) لمساعدة لبنان.

الجانب اللبناني
منوها أنه في المقابل، يبذل الجانب اللبناني جهداً لإثبات أن السلطة في لبنان لم تتنازل عن موقفها الأصلي، حتى أنها طلبت تعديلات على الصيغة المعروضة عليها (على الرغم من الإشارة إلى أن الملاحظات ليست جوهرية).
ويتابع: “كذلك خفّف نصر الله من حدة التهديدات في خطابه الأخير الذي ألقاه في الأول من تشرين الأول، فتوقف عن تكرار تهديداته، وادعى أن الحديث يدور حول اتفاق مهم للشعب اللبناني على الصعيد الاقتصادي، وأن توقيعه هو مسؤولية السلطة اللبنانية. وفي حال تم توقيع الاتفاق، سينسب نصر الله الانتصار إليه بسبب تهديده بضرب منصة كاريش، وسيدّعي أن الاتفاق لا يتضمن أي مكون تطبيعي مع إسرائيل، ولا يُشير إلى أي تغيير في العلاقات بين الدولتين”.
ربح متبادل
ويعتبر “المعهد” أنه رغم ذلك، فإن التدقيق في بنود الاتفاق التي تم نشرها يشير إلى أنه يتضمن إيجابيات لإسرائيل ولبنان معاً، ويخلق بينهما وضع الفوز المتبادل ويتساءل عملياً، ماذا سيحقق كل طرف بحسب هذا الاتفاق، وعن ماذا سيتنازل؟
عن ذلك يقول “المعهد الإسرائيلي”: “بالنسبة إلى لبنان، الذي يعاني جرّاء أزمة اقتصادية هي الأصعب في تاريخه، فإن الأرباح التي سيكسبها هي في الأساس أرباح اقتصادية، إذ ينص الاتفاق على أن الحفريات في حقل صيدون/ قانا ستبدأ مباشرة، بعد أن كانت الشركات تتفادى الاقتراب من هذه المنطقة”.
وبرأيه بالطبع لن تكون هناك أرباح فورية من استخراج الغاز، والحديث يدور فقط عن بدء الحفريات، وفي حال تحققت التوقعات بشأن وجود الغاز في المنطقة فإن الاستخراج سيبدأ بعد عدة أعوام. لكن مع ذلك يرى “المعهد” أن الاتفاق سيسمح للسلطة في لبنان بإشاعة بعض أجواء الأمل لدى المواطنين اللبنانيين الذين هم على بعد خطوة من إعلان الإفلاس الكلي لمنظومة الكهرباء في الدولة. كذلك يرجح أن يؤدي الاتفاق مع إسرائيل في هذا المجال إلى استقطاب جهات غربية (وربما خليجية أيضاً) لمساعدة لبنان.
ويتابع: “تتّمثل التنازلات اللبنانية الأساسية في قبول لبنان بالموقف الإسرائيلي الذي يشير إلى أنه لا حقوق للبنان في حقل كاريش، والموافقة عملياً على ترسيم حدود مع إسرائيل، حتى لو كانت حدوداً بحرية فقط، وبشكل جزئي، وهي خطوة امتنع عنها لبنان حتى الآن”. يشار هنا إلى أن لبنان، وعلى عكس إسرائيل، لم يتبنَّ “الخط الأزرق” الذي تم رسمه على طول الحدود البرية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000.
تنازل إسرائيل
بالنسبة إلى إسرائيل، يوضح “المعهد الإسرائيلي”: إن التنازل الأساسي هو قبولها بالخط 23، الذي تمسك به لبنان، كأساس لترسيم الحدود، وبذلك تكون تنازلت عملياً عن أغلبية المنطقة المتنازع عليها، والممتدة على نحو 860 كلم (في السابق كانت إسرائيل جاهزة للتنازل فقط عن 55٪ من مساحة المنطقة).
ويضيف: “لكن، عملياً، فإن هذا التنازل لا يؤثر كثيراً لأن هذه المنطقة تقع في معظمها في المياه الاقتصادية، لا في المياه السيادية التي تمتد إلى 12 ميلاً من الساحل. وفي المقابل، تمت الاستجابة لمطلبين إسرائيليين مهمين، هما: أولاً، الامتناع عن القيام بتغيير ترسيم الحدود البرية، وترك المنطقة الموازية للساحل بعمق 5 كلم (الخط العائم الإسرائيلي)، ما له أهمية أمنية كبيرة بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي (وليس الخط 23). ثانياً، الموافقة على حصول إسرائيل على تعويضات في أعقاب استخراج الغاز من حقل قانا الذي يمتد إلى أبعد من الخط 23 في الجهة الإسرائيلية، في حال وُجد الغاز وتم استخراجه.
مكاسب أخرى
ويقول “المعهد” إنه من المهم الإشارة إلى أن الشركات الدولية امتنعت عن العمل في هذه المنطقة بسبب عدم وجود اتفاق بين إسرائيل ولبنان، وحتى لو كان التعويض قليلاً بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الوضع الحالي أفضل من الوضع السابق حين لم يكن ممكناً لإسرائيل ولبنان الاستفادة من الغاز في هذا الحقل. زاعماً أنه إلى جانب العائد الاقتصادي المتوقع لإسرائيل، فإن الترتيبات بشأن الحدود البحرية مع لبنان تعود عليها بعائدات مهمة أُخرى تتركز في الأساس في ما يأتي:
على الصعيد الأمني: بالإضافة إلى الاتفاق على عدم إجراء تغييرات بشأن المسؤولية الإسرائيلية عن مساحة الـ 5 كلم الموازية للساحل، فإن توقيع الاتفاق وبدء أعمال الحفر في الجانب اللبناني من شأنهما ضمان الهدوء في المنطقة البحرية، وتقليص الحاجة إلى حماية منصة كاريش. وعلى الرغم من أن الاتفاق لن يمنع احتمال أن يجد “حزب الله” مبرراً جديداً لاستئناف تهديداته في حال أراد ذلك، فإن من شأنه أن يكبح جماح الحزب بسبب وجود مصلحة اقتصادية للبنان بالانضمام إلى الدول المصدرة للغاز في المتوسط، وبسبب مشاركة عدد من الدول الغربية في عملية استخراج الغاز (فرنسا وإيطاليا في الجانب اللبناني، وبريطانيا واليونان في الجانب الإسرائيلي)، وفي السعي من أجل التوصل إلى الاتفاق (الولايات المتحدة). كما يقول إنه في المقابل، وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن الوضع الأمني المتوتر سيبقى على ما هو عليه، مع احتمال اندلاع معارك مع حزب الله في المنطقة البحرية.
الاتفاق من شأنه أن يكبح جماح الحزب بسبب وجود مصلحة اقتصادية للبنان بالانضمام إلى الدول المصدرة للغاز في المتوسط.
على الصعيد الإستراتيجي: من شأن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل أن يُحدث تغييراً إيجابياً جوهرياً في العلاقة بين الدولتين اللتين هما في حالة عداء، كما من شأنه أن يفتح الباب أمام تطورات في العلاقة المستقبلية بين الدولتين، على الرغم من نفي هذا الأمر من جانب السلطة اللبنانية الرسمية، كما من جانب الناطقين باسم “حزب الله”، وعلى رأسهم نصر الله. ويرجّح “المعهد” أن يحاول نصر الله التقليل من أهمية الاتفاق، الذي يجعل ادعاءاته بشأن عدوانية إسرائيل وضرورة حفظ سلاحه كـ “حارس للبنان” تفقد معناها. كذلك تستطيع إسرائيل أن تشير إلى مساهمتها في مساعدة لبنان على النهوض باقتصاده المنهار، لأن في استقراره مصلحة لها.
كيف ستصادق إسرائيل على الاتفاق
أمّا بالنسبة إلى الأبعاد القانونية التي لها علاقة بمسار المصادقة على الاتفاق، والتي يستند إليها معارضو الاتفاق داخل النظام السياسي الإسرائيلي فهي على الشكل الآتي:
الإطار القانوني: قانون ترتيبات الحكم والقضاء كما تم تعديله في العام 2010، وقانون أساس الاستفتاء العام للعام 2014 يقران بأن التنازل من خلال اتفاق عن منطقة سيادية تابعة للدولة يجب أن تصادق عليه أغلبية أعضاء الكنيست في استفتاء عام، إلاّ في حال المصادقة عليه بأغلبية 80 عضو كنيست. كذلك تم سابقاً الاستناد إلى قاعدة يتم وفقها عرض الاتفاقات الدولية على الكنيست قبل المصادقة عليها في الحكومة، باستثناء حالات الطوارئ والأوضاع السرية، كما يمكن أن يتم عرض الاتفاقيات السياسية المهمة للمصادقة في الهيئة العامة للكنيست.
وحسب “المعهد الإسرائيلي” لا يبدو واضحاً إذا ما كان من الممكن اعتبار الاتفاق الحالي “اتفاقاً سياسياً مهماً”، كذلك فإن هذه الممارسات ليست موجودة في نص قانوني، ومن غير الواضح إن كان هناك شرط قانوني يمكن الاحتكام إليه، وما هو حجمه الدقيق. ويضيف: “هذا بالإضافة إلى صلاحيات حكومة تصريف الأعمال المحدودة في المجال السياسي، ذلك بأن الامتحان الأساسي المسيّر لعملها هو ضبط الوضع، إلاّ في حال بروز حاجة جماهيرية ملحة”.
يرجّح “المعهد” أن يحاول نصر الله التقليل من أهمية الاتفاق، الذي يجعل ادعاءاته بشأن عدوانية إسرائيل وضرورة حفظ سلاحه كـ “حارس للبنان” تفقد معناها.
موضوع السيادة البحرية: بحسب القانون الدولي، فإن الأميال الـ 12 الأولى بعد الساحل هي مياه إقليمية تابعة لسيادة الدولة، والمنطقة ما بعد المياه الإقليمية هي مياه اقتصادية. ففي المنطقة الاقتصادية يحق للدول استغلال الموارد الاقتصادية في المنطقة، لكن الحديث لا يدور عن المياه السيادية للدولة. وبالتالي، فإن الاتفاق على تقسيم هذه المنطقة، وبالتحديد الاتفاق على تقسيم الموارد الموجودة في المياه الاقتصادية التابعة لأكثر من دولة، لا يعدُّ تنازلاً عن المنطقة السيادية للدولة، ومن هنا لا حاجة إلى استفتاء عام من أجل تحديد هذه المنطقة. ومثال ذلك عندما تم الاتفاق مع قبرص على المياه الاقتصادية، وأعلنت الحكومة تحديد المنطقة الشمالية للمياه الاقتصادية في العام 2011، لم يجرِ استفتاء عام بهذا الشأن، كما لم يتم طلب موافقة 80 عضو كنيست.
المياه الإقليمية: هناك خلاف على الحدود بين إسرائيل ولبنان تم التعبير عنه في الأوراق الرسمية التي قدمتها كل من الدولتين إلى الأمم المتحدة في العام 2011. وفي حال كان الاتفاق على خطوط حدودية نهائية فيه تنازل عن الخط الذي حددته إسرائيل في هذه الأوراق، يمكن عندها الادعاء أن إسرائيل تنازلت عن منطقة سيادية تابعة للدولة. في المقابل قد يستند الادعاء العكسي على أنه لم يتم الاتفاق أبداً على خط حدودي، وأن الورقة التي قدمتها إسرائيل إلى الأمم المتحدة جاءت رداً على مطالب لبنان، لكنها لا تعكس الحدود النهائية، ويمكن دعم هذا الادعاء بأن إسرائيل لم تمنح عملياً حقوق استخراج غاز في هذه المنطقة.
صوغ الاتفاق: إذا سمح أسلوب صوغ الاتفاق بترك الاتفاق النهائي بشأن الحدود للمستقبل، يمكن عندها الادعاء بأن لا حاجة إلى استفتاء عام أو إلى موافقة أغلبية أعضاء الكنيست. وكلما كانت الصياغة أكثر ليونة، بسبب الاستعجال الأمني والسياسي، ولا سيما إذا افترضنا أنه لن تكون هناك فرصة أُخرى للوصول إلى اتفاق كهذا، سيكون من السهل على الحكومة الدفع قدماً في المصادقة على الاتفاق حتى في فترة الانتخابات، ومن دون إجراء مداولات في الكنيست.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أنه في الخلاصة، من شأن الاتفاق مع لبنان، في حال تم توقيعه، أن يخدم عدة مصالح إسرائيلية بعيدة المدى على الصعيد الاقتصادي والأمني والإستراتيجي، كما يمكن أن تسمح بنود الاتفاق بتخطي العقبات القانونية التي طرحتها المعارضة. وهنا يوصي بـ: “لذا من الضروري أن تصر الحكومة الإسرائيلية على المصادقة عليه، والدفع قدماً في سبيل توقيعه، قبل البدء باستخراج الغاز من حقل كاريش، والذي من المتوقع أن يبدأ في الأسابيع المقبلة”.

عن مدينةٍ ووزيرٍ وحجابٍ عريض

حازم صاغية
لاحظ مراقبون كثر، وبحقّ، أنّ الفرض القسريّ للحجاب يشبه النزع القسريّ للحجاب. ذاك أنّ قسريّة السلوكين تهجس بفرض الواحديّة على شعب قابل أن يكون تعدّديّاً، وأن يختار أفرادُه كيف يعيشون حياتهم تبعاً لخياراتهم وأذواقهم وأفكارهم.
والحال أنّ واحداً من أسباب الفرض القسريّ للحجاب هو النزع القسريّ له، على ما عرفته تركيّا الأتاتوركيّة وإيران الشاهنشاهيّة وسوريّا الأسديّة في سنوات رفعت الأسد الطاووسيّة.
مع هذا هناك أشكال عدّة من التحجيب القسريّ الذي تفرضه الأنظمة، وأحياناً المجتمعات، ولا يقتصر على منديل من قماش. ففي 6 أكتوبر (تشرين الأوّل) الجاري، نشرت «نيويورك تايمز» مقالة لروجير كوهين، أحد أبرز كتّابها، عن مدينة وهران في الجزائر، افتتحها بهاتين الفقرتين:
هذه المدينة الساحليّة الجميلة إنّما المهمَلَة، «تدير ظهرها إلى الخليج»، كما كتب ألبير كامو في روايته «الطاعون». ففي عيشه في وهران وجد أنّ «من المستحيل أن ترى البحر، وعليك دائماً أن تذهب وتبحث عنه». وهذا ليس استعارة سيّئة عن الجزائر نفسها، وهي البلد الذي أدار ظهره إلى العالم ولفّ نفسه بظلمة بلغت كثافتها درجة مُخدّرة. فهي طويلاً ما أقفلت حدودها مع المغرب، وفقط مؤخّراً أعادت فتح معابرها مع تونس، بعد أكثر من سنتين من الإغلاق، كما أنّها تُبقي تجارتها مع جيرانها في أدنى الحدود، وتمضي في تحجيب سلطاتها السياسيّة.
وليس هناك نزع قسريّ للحجاب يفسّر هذا التحجيب الجزائريّ، اللهمّ إلاّ الذاكرة الاستعماريّة، علماً بأنّ الجزائر نالت استقلالها قبل ستين سنة ولم تَعرف بعد الاستقلال أيّاً من الحكّام القليلي التديّن. والراهن أنّ النسيان أفضل من ذاكرة استعماريّة كهذه لا تتذكّر إلاّ بانتقائيّة وأحاديّة شديدتين، ولا تكون خصوبة تذكّرها للماضي سوى تعبير عن إدقاع الإنجاز في الزمن الحاضر. وهذا ناهيك بأنّ رسم الماضي بوصفه مجرّد ملحمة حربيّة أبديّة خير تعزيز لنظام يبغي حجب بلده عن العالم ما استطاع ذلك.
وكان مفاجئاً، فيما الإيرانيّون والإيرانيّات ينتفضون ضدّ التحجيب القسريّ ونظامه، أن يعلن وزير الثقافة اللبنانيّة السيّد محمّد المرتضى مشروعاً جديداً لتحجيبنا: فقد «تبلّغت» وزارته أنّ جهات أجنبيّة «صديقة» رتّبت نشاطاً ثقافيّاً يبدأ بعد أسابيع قليلة ويتضمّن زيارة مجموعة من الأدباء إلى لبنان، لإقامة ندوات متنقّلة في أكثر من مكان فيه، وأنّ «بين هؤلاء عدداً من معتنقي المشاريع الصهيونيّة فكراً وممارسة وداعميها سواء في أعمالهم الأدبيّة أو في حياتهم العاديّة».
وإذ ذكّر بيان الوزير بأنّ «لبنان متشبّث بالانفتاح الثقافيّ والتلاقح الفكريّ بين حضارات الأمم، ونرحّب من ثمّ بأيّ تعاون ثقافيّ بين الدول والشعوب، كما نثمّن أيّ انفتاح على الفكر العالميّ وتجلّياته المعرفيّة»، فقد حذّر من «استغلال الحراك الثقافيّ في سبيل الترويج للصهيونيّة وخططها الاحتلاليّة العدوانيّة الظاهرة والخفيّة، التي بدأت بالأرض ولن تنتهي بالعقول»، مشدّداً على أنّ «التطبيع الثقافي أشدّ ضرراً على الوطن وكيانه ومستقبله من أيّ تطبيع سياسيّ أو أمنيّ أو عسكريّ. وما دامت القوانين اللبنانيّة التي تعبّر عن مشيئة الشعب بكامل أطيافه وكذلك قيم أبناء هذا الوطن وأخلاقيّاتهم وتضحياتهم، تحظر كلّ أنواع التطبيع مع إسرائيل، بما فيها التطبيع الثقافيّ مباشرةً أو مواربةً، فإنّ وزارة الثقافة في لبنان لن يكون في مقدورها، قانوناً وانتماءً إلى الحقّ، أن تفتح الباب لثقافة صهيونيّة ولو مُقنّعة، أو أن تشرع لبنان ليكون منبراً دعائيّاً لأدب صهيونيّ المحتوى ولأدباء صهيونيّي الأهداف والمقاصد والهوى».
ولسوف يكون إضاعة للوقت وامتهاناً للعقل مناقشة هذه اللغة التي كانت النازيّة الألمانيّة أهمّ مؤسّسيها (والنازيّة، بالمناسبة، بدأت أعمالها بالحرب الثقافيّة وبإحراق الكتب، لأنّها أيضاً رأت أنّ «التطبيع الثقافي أشدّ ضرراً على الوطن وكيانه ومستقبله من أيّ تطبيع سياسيّ أو أمنيّ أو عسكريّ»). لكنْ يبقى أنّ رغبة الوزير المعلنة ليست سوى تحجيبنا حيال العالم الخارجيّ وسيولة الأفكار والمعارف، وتركنا فريسة لشعارات دعائيّة ضحلة ومثيرة للقرف ينتفض الإيرانيّون اليوم ضدّها. ولا بدّ أخيراً من ملاحظة تضيء على الأغراض السياسيّة الملتوية لسياسات فرض الحجاب الموصوف بمناهضة التطبيع. ذاك أنّ «حركة أمل» التي يمثّلها الوزير المرتضى في الحكومة هي إيّاها التي خاضت ضدّ الفلسطينيّين أشرس حروب الحرب اللبنانيّة والتي عُرفت بـ«حرب المخيّمات». حصل هذا قبل أن تصاب الحركة، هي الأخرى، بحبّ فلسطين على نحو لا يتأدّى عنه إلاّ الإمعان في إفقار لبنان وعزله عن العالم، وفي قهر سكّانه بمن فيهم فلسطينيّوه.
إنّ سياسة التحجيب هذه باتت بلا أحجبة من أيّ نوع كان.

استطلاع رأي يكشف تراجع ثقة الأردنيين بالحكومة

عمان: محمد خير الرواشدة
يبدو استطلاع الرأي الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الأردنية (جهة مستقلة محايدة)، ونشرت نتائجه اليوم (الاثنين)، قياساً للمزاج العام ومستوى الثقة في حكومة بشر الخصاونة التي تحاصرها الأحاديث بشائعات التغيير أو التعديل أو إعادة التشكيل.
الاستطلاع الذي جاء مفصلاً بنسب تراجع الثقة بالحكومة بعد عامين على تشكيلها في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، فتح شهية المراقبين لمطالعة سيناريو تغيير مرتقب للحكومة، كانت صالونات النخب السياسية تحدثت حوله، وبالغت في طرح أسماء بديلة للرئيس الحالي، رغم أن الاستطلاعات ليست طرفاً حاسماً في معادلات التغيير في المملكة، خصوصاً أنها لا تكفي كأداة قياس يغمز البعض من قناة حيادها واحتمالات التحكم بها عن بعد.
وتتحضر الخريطة السياسية في البلاد لتغييرات مرتقبة تتعلق بالحكومة وأعضاء مجلس الأعيان ورئاسة مجلس النواب، ومناصب قيادية أخرى وفق أحاديث مصادر مطلعة، وجاء الاستطلاع ليعزز انطباعات المراقبين لجهة ترجيح التغييرات المتوقعة خلال الشهر الحالي أو مطلع الشهر المقبل على أبعد تقدير.
وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت في وقت سابق نقلاً عن مقربين من مراكز القرار، أن سيناريوهات تغيير الحكومة، أو منح الرئيس الحالي فرصة إعادة التشكيل الحكومي، أو إجراء تعديل موسع على الفريق الوزاري؛ جميعها مطروح أمام صانع القرار، وأن الأيام المقبلة ستكون حاسمة على صعيد حسم الخيار المناسب لطبيعة المرحلة الراهنة وتحدياتها.
ورغم استنزاف خيار التغيير الحكومي أو إعادة التشكيل لوقت مجلس النواب في مطلع دورته العادية المقبلة المقرر عقدها في الثالث عشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومزاحمة مناقشة بيان الحكومة ومنحها الثقة، لجدول أعمال المجلس الذي يتصدره انتخابات رئاسة المجلس والمكتب الدائم وانتخابات اللجان النيابية، ويتبع ذلك مناقشة وإقرار مشروع قانون الموازنة العامة للبلاد بحسب المواقيت الدستورية، فإن متابعين لا يجدون بأن الأسباب تلك كافية لمصادرة خياري التغيير الحكومي أو إعادة التشكيل الوزاري.
بالنسبة للخصاونة، نقل مقربون عنه رغبته في منحه فرصة إعادة التشكيل الحكومي بعد انتهاء صلاحية كتاب تكليفه الملكي من مواجهة ملف وباء فيروس كورونا الذي سيطر على القرار الاقتصادي خلال العامين الماضيين، ودخول استحقاقات جديدة تمثلت بإلزامية تنفيذ برنامج التحديث السياسي والرؤية الاقتصادية وخطة التطوير الإداري، التي أقرت جميعها في عهد الخصاونة والتزم بمسؤولية تطبيقها، وواجه موجة انتقادات صاخبة.
وكشف استطلاع للرأي نفذه مركز الدراسات الاستراتيجية حول حكومة الخصاونة، أن ثقة الأردنيين بالحكومة انخفضت إلى 33 في المائة بعد مرور عامين على تشكيلها، مقارنة بـ52 في المائة كانوا يثقون بها في استطلاع التشكيل في أكتوبر 2020، مسجلة انخفاضاً مقداره 19 نقطة، وأن 32 في المائة من الأردنيين يثقون برئيس الوزراء مقابل 68 في المائة لا يثقون.
كما كشف الاستطلاع تراجع تفاؤل الأردنيين بالحكومة من 55 في المائة عند التشكيل إلى 29 في المائة فقط بعد عامين على التشكيل، وأن 71 في المائة من الأردنيين غير متفائلين بالحكومة، وأن الحكومة لم تنجح في تنفيذ 19 بنداً من أصل 22 تم تكليف الحكومة العمل عليها في كتاب التكليف.
وفيما خلص الاستطلاع إلى أن 80 في المائة من الأردنيين يعتقدون أن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه السلبي، وأن 18 في المائة يعتقدون أنها تسير في الاتجاه الإيجابي، فإن غالبية الأردنيين 85 في المائة يرون أن السياسات والإجراءات الاقتصادية الحكومية، فشلت في التخفيف من الأعباء الاقتصادية أو الحد من ارتفاع الأسعار أو تقليل نسب الفقر والبطالة.

نيويوركر: أول ثورة مضادة تقودها نساء إيرانيات والنظام يواجه تهديدا وجوديا
إبراهيم درويش
لندن – “القدس العربي”:
علقت الكاتبة في مجلة “نيويوركر” روبن رايت على الاحتجاجات في إيران بأنها أول ثورة مضادة في إيران تقودها المرأة.
ورأت أن النساء متحديات ويمتن في الانتفاضة التي تعتبر استثنائية من الناحية التاريخية نظرا لمركزية المرأة فيها. وأضافت أن البنات والنساء الإيرانيات جريئات يقلبن الطاولة على المرشد الأعلى في تحد لأهم ثورة في التاريخ الحديث. وسخرن يوما بعد يوم، في الشوارع المفتوحة والمدارس المسورة وفي فيض من التغريدات ولقطات الفيديو الجريئة، من الحكم الديني الذي قدم نفسه على أنه حكومة الله.
وزعم نائب قائد الحرس الثوري الإيراني في الأسبوع الماضي أن متوسط العمر للمتظاهرات هو 15 عاما فقط. ولهذا فقد حصلت الفتيات على تعاطف العالم وبمسيرات عقدت في لندن وباريس ولوس أنجلس وسيدني وسيؤول وطوكيو وتونس.
وترى الكاتبة أن الاحتجاجات في إيران هي المرة الأولى التي تكون فيها المرأة الشعلة والمحرك لثورة مضادة. وقال دانيال إدلستين، الباحث في العلوم السياسية بجامعة ستانفورد والخبير بالثورات “الدور الذي لعبته المرأة في إيران يبدو غير مسبوق”.
وربما قورنت ثورة المرأة الإيرانية بثورة النساء الباريسيات أو عاملات السوق اللاتي هاجمن فرساي لمنع الملك من التحرك ضد الجمعية الوطنية وسحق الثورة الوليدة. وفي تلك الحالة كانت “النساء يحاولن منع الثورة المضادة وليس المساهمة بها”.
وفي أثناء الثورة الروسية، حدث شغب الخبز في بيتروغراد ولعبت فيه المرأة دورا مهما وقاد لانهيار إمبراطورية القيصر، كما قالت آن أودنيل، الباحثة في التاريخ الروسي بجامعة نيويورك.
إلا أن الاحتجاجات الإيرانية استثنائية كما تقول “لأننا لسنا أمام اضطرابات تشارك بها المرأة ولكنها عن المرأة وحرية المرأة وهو ما يجعلها مهمة”. وقد اتحدت النساء من قوميات وإثنيات متنوعة بطريقة إبداعية رغم مخاوف الموت والاعتقال. وكانت الشرارة التي أطلقت الانتفاضة الحالية هي الموت المفاجئ لمهسا أميني، الفتاة الكردية البالغة من العمر 20 عاما حيث أرسلت إلى مركز إعادة تعليم لعدم ارتدائها الحجاب بطريقة مناسبة، ولأن شعر رأسها برز من تحت الحجاب. وانتهت في حالة غيبوبة وتحت التنفس الاصطناعي وماتت بعد ثلاثة أيام في 16 أيلول/سبتمبر. وتحولت الهتافات والاحتجاجات على موتها إلى مطالب بتغيير النظام، حيث هتف المتظاهرون “الموت للديكتاتور” و”عارنا هو قائدنا العقيم” و”لا نريد جمهورية إسلامية” وكان الشعار والهتاف هو “هاشتاغ نساء حياة حرية”.
تتحدى التظاهرات أمرين أساسيين من ثورة عام 1979، الحجاب الذي يعكس الرمز الأيديولوجي والأخلاقي ورفض الاعتراف بالولايات المتحدة
وفي يوم الأربعاء انتشر شريط فيديو على منصات التواصل الاجتماعي التقطته فتيات مدرسة في طهران وهن يضحكن من جرأتهن عندما دسن على صورة تجمع المرشد الأعلى آية الله الخميني وخليفته آية الله علي خامنئي. وقمن بتمزيق الصورة ورمين بقطعها في الهواء. وبظهورهن على الكاميرا قمن بتشكيل حلقة وخلعن الحجاب بنشوة غامرة وهتفن “لا تجعلي من الخوف يدخل إليك ونقف متحدات”.
وفي سلسلة من التغريدات ظهرت الفتيات في صور وظهورهن للكاميرا لإخفاء هوياتهن ورفعن إصبع الوسط على صورة المرشدين. وفي فيديو من كرج، تجمعت تلميذات المدرسة أمام مسؤول وقمن بخلع حجابهن وهتفن بصوت واحد “اذهب إلى الجحيم” ولاحقنه بزجاجات الماء الفارغة حيث هرب من بوابة المدرسة.
وفي أصفهان التاريخية قامت ثلاث نساء بنشر لافتة بحجم بطانية فوق جسر وتحمل صورة امرأة بشعرها الأسود مع تحذير “واحدة منا ستكون التالية” ثم خلعن الحجاب وهربن. وفي بلدة سنانداج في شمال- شرق وشيراز في الجنوب تظاهرت النساء في الشارع الرئيسي وهتفن بشعارات مضادة للحكومة وخلعن الحجاب وطلبن من سائقي السيارات الانضمام إليهن، حيث سمعت صفاراتها دعما لهن. وقتلت نساء وفتيات أخريات أو اعتقلن في التظاهرات المستمرة منذ 3 أسابيع. فقد اتصلت طالبة الفنون نيكا شكرامي، بصديقة لها في 20 أيلول/سبتمبر قائلة إن الأمن يلاحقها، وبعد عشرة أيام استدعيت عائلتها لتسلم جثتها من مركز اعتقال في طهران. وظهرت على رأس شكرامي الكدمات، حسب عمتها التي أخبرت بي بي سي بذلك. وزعمت الحكومة أنها ماتت بعد سقوطها من سطح بيت، ودفنت سرا في عيد ميلادها الـ 17 عاما لتجنب الاحتجاجات على وفاتها.
ومع أن الجنازات ظلت مناسبات للتعبئة والحشد في إيران، ويتم الحداد على الوفاة لمدة أربعين يوما، عادة ما تتحول الجنازات لتظاهرات ومواجهات مع الأمن ووفيات أخرى. وكانت الجنازات بمثابة الإيقاع الذي ولدت منه ثورة عام 1979 وأطاحت بالشاه. وبعد وفاة أميني بخمسة أيام سجلت هديز النجفي، الفتاة البالغة من العمر 20 عاما والناشطة على تيك توك فيديو أثناء التظاهرات وقالت فيه “آمل أن أتمكن وبعد أيام من النظر للوراء وأشعر بالسعادة لتغير كل شيء للأحسن”، وقتلت بعد ساعات برصاصة في الرأس. ونشرت سارينا إسماعيل زاده، المدونة على الفيديو منشورا “دائما ما أفكر لماذا ولدت في إيران”، وضربت حتى الموت في تظاهرات بكرج، وزعمت الحكومة أنها سقطت من سطح بيت. وزادت الوفيات الجديدة من الغضب والجنازات.
وفي محاولة للسيطرة على التظاهرات، استهدفت السلطات المؤيدات للثورة مثل فايزة هاشمي بتهمة التحريض على العنف. وقامت النساء بقص شعورهن الطويلة كفعل تحد، كما في فارس القديمة، وهي التقاليد المعروفة بالشهنامة ومؤلفها الفردوسي. وغردت الكاتبة المولودة في إيران شارا أطشي “هذه هي اللحظة التي كنا ننتظرها، السياسة التي يغذيها الشعر”. ووضعت الممثلة ماريون كوتيلارد وجولييت بينوش صورا وهن يقصصن شعرهن دعما للمرأة الإيرانية. وفي إنستغرام، حثت الممثلة أنجلينا جولي المرأة على المواصلة “احتراما للنساء الإيرانيات الشجاعات المتحديات والجريئات”، وكتبت “لكل الناجيات والمقاومات ولعقود، واللاتي يخرجن للشوارع كل يوم ولمهسا أميني وكل الشابات الإيرانيات مثلها”.
وكتب بيت الأزياء بلانسيجيا “نقف مع المرأة الإيرانية في ذكرى مهسا” وعلى خلفية صورة بالأبيض والأسود “نساء حياة حرية“ بالإنكليزية والفارسية. وتقول إن الثوريين الإيرانيين بذروا بذور تفككهم بأيديهم، فبعد الثورة زادت معدلات التعليم لأن العائلات الإيرانية المحافظة آمنت بأن التعليم هو الحامي لبناتهم من الانحلال الأخلاقي والتعرض للحداثة. وزادت معدلات التعليم للمرأة من 30% في 1976 إلى 80% بعد أربعة عقود. وتمثل الفتيات ولأكثر من عقد غالبية المتخرجات من الجامعات، ومع ذلك لا يمثلن سوى نسبة 20% من قوة العمل.
وتقول هالة اسنفدياري، الأكاديمية الأمريكية- الإيرانية ومديرة مركز ويلسون الشرق الأوسط “نحن نشاهد الجيل الجديد من النساء المتعلمات والمرتبطات بالعالم”. وأصبحت المرأة ناشطة سياسيا ودخلت البرلمان وتولت منصب نائب الرئيس، ومنحت نوبل لشيرين عبادي في عام 2003 للدفاع عن حقوق الناشطات في المحكمة. واختيرت سميرة مخلباف، كأصغر مخرجة (عمرها 17 عاما) في مهرجان كان. وتحدثت الكاتبة مع حفيدة الخميني، زهرة إشراقي والمتزوجة من شقيق الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي ومنعت من الترشح للبرلمان لآرائها الإصلاحية. واشتكت من أن الحكومة تعاني من وهم قدرتها على خلق إصلاحات والقضاء على التحديات في نفس الوقت. وقالت اسفندياري “انتظرت المرأة الإيرانية أربعة عقود هذه اللحظة لكي تأخذ الأمر بأيديها”.
وفي عام 2017 أعلنت النساء عن حركة الحجاب الأبيض حيث كن يخلعن الحجاب ويلصقنه بعصا يلوحن به في الشوارع. وتم اعتقال عدد من الناشطات وسجنّ لمدد تصل إلى 15 عاما بمن فيهن المحامية عنهن نسرين ستودة. وتتحدى التظاهرات أمرين أساسيين من ثورة عام 1979، الحجاب الذي يعكس الرمز الأيديولوجي والأخلاقي ورفض الاعتراف بالولايات المتحدة، وهما معلمان هامان في السياسة الإيرانية الخارجية. ومن هنا فالتخلي عن واحد من ملامح الهوية يعني فشل الثورة.
وتأتي التظاهرات في لحظة هامة من مسار الثورة وتحضيرها لمرحلة انتقالية. ففي الصيف بلغ المرشد الأعلى الثمانين من العمر وخضع لعملية في البروستات عام 2014، وأخبر دبلوماسي أوروبي الكاتبة أن المرشد يواجه المرض من جديد. وفشل النظام حتى الآن في رده، فقد اتصل الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي بعائلة أميني وقدم التعزية لها واعترف في الأسبوع الماضي بالقصور والضعف في الرد، لكنه دعا للوحدة لإفشال خطط العدو. ونشرت قوات الأمن عناصرها في حرم الجامعات وعبأت فرق مكافحة الشغب النسوية المتلفعات بالشادور. ولم تنجح الجهود، فقد تعرض رئيسي للسخرية وهو يلقي خطابا في جامعة الزهراء للنساء في طهران. وهتفت الطالبات “لا نريد مؤسسة فاسدة” و”لا نريد قاتلا كضيف، اذهب إلى الجحيم” في إشارة لدور رئيسي بمحاكمات عام 1988.
واخترق قراصنة يوم السبت التلفزيون الرسمي أثناء خطاب لخامنئي، بدعوات لقتله وصور للنساء القتيلات في الاحتجاجات. وبهتافات “نساء، حياة، حرية”. وفي الماضي تلاشت الاحتجاجات بشكل سريع، فالحركة الخضراء عام 2009 احتجاجا على التزوير في الانتخابات انهارت بعد سبعة أشهر. وتمت إدانة المئات في محاكمات على النمط الستاليني. وربما لا يزال في جعبة النظام أساليب وحشية وقوات لمهاجمة المتظاهرين. وعادة ما تنهار الأيديولوجيات اليوتوبية عندما تواجه بعوامل متداخلة- التهميش السياسي والآلام الاقتصادية والغضب الاجتماعي والكوارث الطبيعية.
وفي عام 2021 لم تأبه الغالبية في إيران للتصويت وإيصال رئيسي إلى السلطة. وأثرت العقوبات الأمريكية على العملة الإيرانية وحدت من تصدير النفط الإيراني في محاولة لشل النظام. وكانت إيران من البؤر الأولى لوباء كورونا حيث مات أكثر من 6.000 شخص. والآن عثرت الفتيات وبدعم من الشباب على صوتهن وهن يستخدمنه. وربما فشلن، إلا أن الثوريين الأصليين يواجهون تهديدا وجوديا، وبالنسبة لإيران “هاشتاغ نساء حياة حرية هو نقطة محورية”.

الاستخبارات الغربية تحذر من تطوير الصين تكنولوجيا تعطل الأقمار الاصطناعية
بريطانيا تطالب الحلفاء بالحفاظ على التقدم لمواجهة محاولات بكين كسب حرب الفضاء
أحمد مصطفى
حذر مدير عام قيادة الاتصالات الحكومية (وكالة استخبارات بريطانية) السير جيريمي فليمينغ من خطر التقدم التكنولوجي في الصين مطالباً الشركات البريطانية والحلفاء الغربيين ببذل كل جهد للحفاظ على التقدم التكنولوجي لمواجهة تطوير بكين أنظمة يمكن أن تهدد شبكات الأقمار الاصطناعية، بخاصة في أوقات الحرب.
وفي كلمته الافتتاحية للمؤتمر السنوي للمعهد الملكي للقوات المتحدة أشار السير جيريمي إلى أن قيادة الاتصالات التي تنضوي تحتها كل أجهزة الاستخبارات البريطانية تراقب عن كثب تطور القدرات التكنولوجية في الصين وأضاف أن بريطانيا الآن “أمام مفترق طرق، فإما أن تواجه تلك التطورات التكنولوجية الصينية وتتفوق عليها أو تواجه تبعات ذلك في ما بعد”.
في معرض شرحه لكون الصين أصبحت “تمثل خطراً علينا جميعا” قال فليمينغ إن بكين تطور قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية تفوق “نظام التموضع” (جي بي إس) وإن تلك القدرات تمكن الصين من تعطيل وصول الدول الغربية إلى الأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها في العمليات العسكرية.
ومن الأخطار التكنولوجية الأخرى التي أشار إليها فليمينغ، أكبر شخصية في عالم الاستخبارات البريطانية، والتي تهدد المصالح الغربية هي تطوير الصين لعملة رقمية مركزية ربما تمكنها من تفادي تأثير أي عقوبات اقتصادية ومالية يفرضها عليها الغرب مستقبلاً وحذر من أن بكين تتعلم الدرس من العقوبات الغربية التي فرضت على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.
نظام بايدو
واتهم السير جيريمي فليمينغ الصين بأنها تستخدم قدراتها التكنولوجية “لمراقبة مواطنيها وإخضاع الدول الأخرى لدائرة نفوذها” ووصف شركة التكنولوجيا الصينية “بايدو” وغيرها بأنها “مشكلة” للمصالح الغربية، مضيفاً أن “النسخة الصينية من نظام ’جي بي أس‘ هي خدمة تسمى بايدو وهي متوافرة الآن في أكثر من 120 دولة حول العالم. ونحن نرى أن تلك مشكلة، لأنها من ناحية توفر خدمات في منتهى الدقة مثل جي بي أس وربما أكثر وتتسم بالسهولة واليسر، ومن ناحية أخرى فإن السلطات الصينية بإمكانها الاطلاع على قدرات الخدمة وبياناتها”.
وفي مقابلة مع برنامج “توداي” على الإذاعة الرابعة في “بي بي سي” قبل إلقاء كلمته قال مدير قيادة الاتصالات الحكومية إن “موقفنا من نظام بايدو وغيره من القدرات التكنولوجية (للصين) أن بياناتها ومعلوماتها تستخدم في السيطرة والمراقبة وليس في دعم الرفاهية والرخاء. وأضاف في مقابلته الإذاعية في شأن استغلال الصين قدراتها التكنولوجية التي تطورها تجاه الآخرين أنها تعتبر الآخرين دولاً منافسة أو تابعة يتعين إما تهديدها أو رشوتها أو ابتزازها وطالب شركات التكنولوجيا البريطانية بالتعاون في ما بينها لتحييد التفوق التكنولوجي الصيني، وفي الوقت ذاته حماية بياناتها ومعلوماتها.
.ونفت بكين اتهامات السير جيريمي فليمينغ معتبرة أن “تبني نظرية الخطر الصيني وإثارة المواجهات والصدامات يضر بالآخرين كما يضر من يتبنى ذلك التوجه” وأصدرت وزارة الخارجية الصينية بياناً قالت فيه إن “التطورات المالية والتكنولوجية الصينية تستهدف تحسين ظروف حياة المواطنين الصينيين وليست موجهة ضد أحد ولا تشكل تهديداً لأحد”.
تصعيد تكنولوجي
ليس من المعتاد أن يتحدث المسؤول الأول عن كل أجهزة الاستخبارات البريطانية إلى وسائل الإعلام أو علناً إلا نادراً، لكن سير جيريمي سبق وحذر في فبراير (شباط) عام 2019 من أن السماح لشركات التكنولوجيا الصينية بأن تكون لها علاقة بشركات الاتصالات البريطانية يشكل “فرصة وتهديدات” في الوقت ذاته، وبعدها بنحو عام أصدرت لندن قراراً يلزم الشركات البريطانية استبعاد كل الأجهزة من إنتاج شركة “هواوي” الصينية من شبكة الجيل الخامس للهواتف المحمولة في المملكة بحلول عام 2027.
وتأتي تصريحات فليمينغ بعد الأنباء التي أشارت إلى تعطيل موسكو شبكة الاتصالات بالأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية قبل القصف الصاروخي الروسي الذي استهدف مدناً أوكرانية عدة من بينها العاصمة كييف بعد يوم واحد من تفجير شاحنة نفط أعطبت الجسر الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم.
وأخيراً وقعت موسكو وبكين اتفاقات تكنولوجية من بينها تعاقد يتم بموجبه نشر محطات نظام “بايدو” في روسيا ونشر محطات النظام الروسي “غلوناس” في الصين، و”غلوناس” هو نظام تحديد مواقع وتموضع روسي يشبه “جي بي أس”.
وتخشى المملكة المتحدة والدول الغربية من أن التعاون الصيني – الروسي في مجال الصناعات التكنولوجية والفضائية يشكل تهديداً للأنظمة الغربية، وبحسب صحيفة “ذا تايمز” الإنجليزية يرى بعضهم في بريطانيا وأميركا والغرب أن الحروب في ما بعد سيكسبها أو يخسرها من يسيطر على الفضاء، بينما تتكرر الاتهامات لموسكو وبكين باتباع سياسات تكنولوجيا فضائية معادية للغرب.

الفشل الروسي المتكرر في ميدان الحرب الأوكرانية
استراتيجية موسكو الجديدة بـ”كييف” سيئة بقدر سابقتها
عن “فورين أفيرز”
دارا ماسيكوت
عندما شنت روسيا الحرب على أوكرانيا في فبراير (شباط)، وضع الكرملين من غير قصد قواته العسكرية في موقف ضعيف، وأمرها بتنفيذ مهمات أكثر مما تستطيع تحمله. وأرسل جميع جنوده في وقت واحد وبسرعة إلى أوكرانيا للقتال على جبهات متعددة. لقد فعل ذلك من دون اتخاذ تدابير الحماية اللازمة، مثل تطهير طرق من المتفجرات. لقد كانت قواته تتقدم بوتيرة غير مستدامة. ونتيجة لذلك، كانت القوات الروسية عرضة للكمائن والهجمات المضادة والمشكلات اللوجستية الحادة التي كلفت الجيش أعداداً هائلة من الجنود والمعدات.
كان سبب هذا الخطأ الأولي هو أوهام الكرملين قبل الحرب. كانت موسكو شديدة الثقة في استخباراتها، وفي قدرة عملائها على التأثير في الأحداث والسياسة داخل أوكرانيا، وفي قواتها المسلحة. لقد استخفت بقدرات أوكرانيا ورغبتها في القتال. وفشلت في تقدير مدى الدعم الغربي الواسع لكييف.
ولكن على رغم أن روسيا كان لديها ستة أشهر لتتعلم من هذه الأخطاء، إلا أنها تبدو تتجه مرة أخرى لإلزام قواتها المستنزفة بمهمة لا طاقة لها عليها، ضم مقاطعات دونيتسك وخيرسون ولوهانسك وزابوريجيا في أوكرانيا والاحتفاظ بها. سيتطلب الاحتفاظ بهذه المناطق كميات كبيرة من القوة البشرية والمعدات المدرعة، لا سيما أن الخطوط الأمامية لهذه المناطق لا تخضع لسيطرة ثابتة لجهة محددة، وتواجه فيها القوات الروسية هجمات تسلل من المقاتلين الأوكرانيين (بارتيزان). وفقدت موسكو أكثر معداتها تقدماً، ولا تملك بدائل مكافئة لها. وعانت القوات المسلحة الروسية أيضاً من عشرات الآلاف من الضحايا، بما في ذلك الأفراد المدربون جيداً، ولن تؤدي استراتيجيتها الحالية للتجديد، من تجنيد جنود جدد من مزيج متنوع من المجتمعات والجماعات المسلحة، إلى إنشاء قوة قتالية فعالة. باختصار، لا يزال هناك عدم توافق بين أهداف الكرملين تجاه أوكرانيا والقوى التي يتعيّن عليها تحقيقها.
قد يستمر الكرملين في خططه على أية حال، مستنتجاً أنه بضم هذه المناطق الأربع، يمكنه فرض نهاية سريعة لهذه المرحلة من الحرب، وإحباط الدعم الغربي لأوكرانيا، وكسب الوقت لإصلاح وتجديد الجيش. إذا لم تتمكن موسكو من حشد الموارد الكافية لدعم هذا الهدف، فإن الجيش الروسي المنهك سيكافح من أجل السيطرة على خط المواجهة المتنازع عليه والممتد لحوالى 1000 كيلومتراً. حتى لو حشد الكرملين كل الموارد المتاحة، وأعلن تعبئة عامة، فإن تأمين المعدات المدرعة والأفراد المدربين من شأنه أن يستغرق وقتاً. إذاً، من المرجح أن تواجه القوات الروسية قيوداً كبيرة جداً على الموارد في العام أو العامين المقبلين. قد يوفر هذا فرصة للقوات الأوكرانية لضرب الجهود الروسية للسيطرة على جميع الأقاليم الأربعة.
استنفاذ القدرات
بدأ الهجوم الروسي على أوكرانيا بخسائر كبيرة. مع تقدم القوات الروسية نحو كييف وخاركيف، كانوا عرضة لنيران مكثفة وتكتيكات قائمة على الكمائن من جيش أوكراني منضبط ومجهز بشكل جيد. بعد توقف الهجوم الروسي وتكبد خسائر فادحة، تخلت موسكو عن خطتها للاستيلاء على هذه المدن. وبدلاً من ذلك، ركزت هجماتها على منطقة دونباس، المكونة من ولايتي دونيتسك ولوهانسك الشرقية في أوكرانيا، وجنوب أوكرانيا، وكلاهما مكانان حقق فيهما الجيش الروسي نجاحاً أكبر. اليوم، احتلت القوات الروسية كامل منطقة لوهانسك، والغالبية العظمى من منطقة خيرسون، وأكثر من نصف مساحة منطقتي دونيتسك وزابوريجيا.
كان الاستيلاء على كييف أساسياً في تحقيق أحد أهداف موسكو الرئيسة في بداية الحرب، التغيير السريع للنظام. عندما فشل ذلك، قلصت روسيا من حجم تطلعاتها، والآن، أصبح هدف الكرملين الجديد المتوسط المدى أكثر دقة. من خلال سلسلة من الإعلانات السياسية وبيانات القيادة والعمليات العسكرية المستهدفة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، يبدو أن روسيا تسعى إلى ضم بشكل غير قانوني، المقاطعات التي احتلت أجزاء منها أو كاملها، وربما في وقت مبكر من هذا الخريف.
لقد وضعت روسيا الأسس الإدارية لمثل هذه الخطوة. ونصبت مواطنين أو مسؤولين روس لإدارة الأراضي الأوكرانية المحتلة، وعينت مدربين لتدريس مناهج مشوهة مؤيدة لروسيا في المدارس، وغيرت مزودي خدمة الإنترنت الأوكرانيين والرمز الهاتفي إلى الروسية، وصادرت جوازات السفر الأوكرانية لإجبار المواطنين الأوكرانيين على اكتساب الوثائق الروسية. أعلنت الإدارات المحلية الموالية لروسيا في المناطق المحتلة عن تشكيل ما يسمى باللجان الانتخابية التي يمكن أن تجري استفتاءات زائفة بشأن الانضمام إلى روسيا. كما أنشأت موسكو مكاتب خدمات أمنية موقتة في خيرسون وزابوريجيا، اسمياً للمساعدة في إدارة هذه المناطق الجنوبية، ولكن ربما لتفكيك الشبكات الحزبية التي يمكن أن تتدخل في عملية الضم.
بالنسبة إلى الكرملين، سيكون الضم وسيلة لتحقيق غاية أكبر. إذا أعلنت موسكو أن هذه الأراضي هي جزء من روسيا، فيمكنها حينئذ إعلان وقف إطلاق النار واعتبار استمرار الهجمات المضادة الأوكرانية على أنها هجمات على ما تعبره أرضاً روسية. قد يعلن مسؤولو الكرملين أيضاً أن الضمانات النووية لبلدهم تنطبق على كل ما يعتبرونه روسيا الاتحادية، كما فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014. وتفترض هذه الخطة أن التهديدات هذه من شأنها أن تردع الولايات المتحدة وأوروبا عن دعم أوكرانيا، مما يدفعهم إلى تقليص أو حتى قطع تدفق الأسلحة إلى كييف بسبب مخاوف من التصعيد. مع مرور الوقت، يأمل الكرملين أن يتلاشى الاهتمام الغربي بأوكرانيا ودعمها لأوكرانيا، مما يسمح لروسيا بتحديد شروط تسوية النزاع.
من غير المرجح أن توافق أوكرانيا على أي قضم لأراضيها أو وقف لإطلاق النار. أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن “تجميد النزاع مع روسيا يعني وقفة تمنح روسيا فترة راحة”. من شبه المؤكد أن كييف ستستمر في طلب المساعدة الغربية. بالتالي، فإن الأهداف الأوكرانية والروسية حتى نهاية عام 2022 في مسار تصادمي، يعمل أحد الجانبين على منع تجميد الصراع على طول خط الجبهة فيما يعمل الآخر لتحقيق النتيجة المعاكسة بالضبط.
التخبط
يدخل الجيشان الأوكراني والروسي في فترة حرجة في الأسابيع والأشهر المقبلة، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة. في بعض المناطق، القوات الروسية متفوقة في التسلح، فيما القوات الأوكرانية في حاجة ماسة إلى الذخيرة وأسلحة معينة، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى جهود روسيا لتعطيل صناعة الدفاع الأوكرانية. لكن على المدى القريب، قد يكون موقف أوكرانيا أكثر صلابة. البلاد لديها عدد كاف من العديد العسكري، والدعم الغربي، وإرادة قوية للقتال. في غضون ذلك، عانت روسيا من خسائر في القوات والعتاد من الصعب تعويضها. وفقاً للتقديرات الغربية، خسرت روسيا ما بين 45000 و75000 من الجرحى والقتلى من الجنود المبتدئين إلى الجنرالات. لقد فقدت أكثر من 5000 قطعة من المعدات. لقد تعلم الجيش الروسي وتكيف على المستويات العملياتية والتكتيكية من هزائمه المبكرة، وتحول إلى تكتيكات جديدة تعتمد على قوتها النارية المتفوقة. لكن مثل هذه التعديلات في ساحة المعركة ليست كافية للتغلب على الخسائر المبكرة والشديدة.
مكامن الضعف هذه ستصعب على روسيا الاحتفاظ بشكل ناجح بالمناطق التي قد تحاول ضمها. كحد أدنى، إذا قام الكرملين بضمها هذا الخريف، فسوف يفعل ذلك في وقت غير مناسب للغاية. لتحقيق النجاح، سيتعين على موسكو تجديد الأفراد والمعدات على نطاق واسع، وهي مهمات ستثبت أنها صعبة للغاية.
لنأخذ على سبيل المثال النقص الروسي في الجنود. حتى الآن، تتبع روسيا نظاماً لتجديد الأفراد يلبي حاجات اللحظة الآنية، معتمدة في ذلك على تسعة مصادر على الأقل: قوات الخدمة الفعلية المتمركزة خارج أوكرانيا، جنود الاحتياط، مجموعات المرتزقة، مقاتلو قديروف (الموالون للزعيم الشيشاني رمضان قديروف)، كتائب السجون العسكرية، المقاتلين الأجانب، والحرس الوطني، والمتطوعين المباشرين، والجماعات النازية الجديدة اليمينية المتطرفة مثل روسيش. هذا النظام بعيد كل البعد من المثالية. قد يكون الجيش الروسي وجماعات المرتزقة يروجون لأجور قتالية لائقة – أكثر من 3000 دولار في الشهر – لكنهم يعرضون عقوداً قصيرة الأجل، ويخفضون معايير القبول للتجنيد، ويقدمون تدريباً أساسياً لبضعة أسابيع فقط.
يمكن لروسيا حشد مزيد من الجنود من خلال الاستعانة بحرس الحدود أو الحرس الوطني. لكن من المحتمل أيضاً أن تصل قدرة البلاد على تجنيد الأفراد إلى ذروتها في الأشهر المقبلة ما لم تعلن تعبئة عامة وتجنيد رجال من جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، حتى في أفضل السيناريوهات، قد تستغرق التعبئة ما لا يقل عن عدة أشهر إلى سنة لتصبح فعالة. نظام التعبئة الروسية الذي يقوم على معدات محفوظة في مخازن طويلة الأمد وجنود احتياط من ذوي الخبرة العسكرية، موجود في حال سبات إلى حد كبير لأكثر من عقد من الزمان. توسيع النظام على الصعيد الوطني، بما في ذلك من خلال استدعاء الذكور في سن التجنيد من دون خبرة، من شأنه إجهاد المنظومة العسكرية بشكل كبير، آلاف من الضباط وضباط الصف اللازمين لقيادة وحدات الجديدة حالياً يقاتلون أو قتلوا بالفعل في أوكرانيا.
والحق فإن المشكلات المتعلقة بالمعدات الروسية يصعب حلها بالقدر نفسه. وفقاً لمسؤولين أميركيين، وجه الجيش الروسي حوالى 80 في المئة من وحداته العسكرية النشطة، والجوية والبحرية ومعداتهم إلى الجبهة في أوكرانيا، إضافة إلى ذلك سحبت بالفعل معدات إضافية من التخزين طويل الأجل. على رغم أن روسيا لديها آلاف المركبات المدرعة والصواريخ المخزنة في المخازن، إلا أنها ذات قدرات أقل وأكثر موثوقية، فالمعدات في التخزين طويل الأجل، على سبيل المثال، هي في الغالب قديمة وفي درجات مختلفة من الصلاحية للخدمة، وغالباً ما يتم الاحتفاظ بها لسنوات في الحقول المفتوحة. لا تزال الصناعة الدفاعية الروسية تتمتع بقدرة تصنيعية، ولكن مع معاناة خطوط إنتاج وعدم فعاليتها في ظل العقوبات الغربية الشديدة، ستكافح روسيا لإنتاج معدات جديدة بكميات كبيرة في غضون مهلة قصيرة. اتخذ الكرملين خطوات أولية لدعم هذا القطاع حتى يتمكن من تجديد العتاد المفقود بشكل أفضل وتوسيع إمداداته من الصواريخ، لكن الأمر سيستغرق عدة أشهر إلى عدة سنوات قبل أن تتبلور نتيجة لهذه الإجراءات.
المعركة المقبلة
لكن متاعب موسكو لا تضمن نجاح أوكرانيا. فقدت كييف أيضاً عديداً من القوات والأسلحة. على المدى القريب، من المحتمل أن تكابد أوكرانيا، مثل روسيا، لتنفيذ هجمات جديدة واسعة النطاق أو هجمات مضادة. يمكن أن تركز كلتا الدولتين على جهود لأهداف صغيرة لدرء الإرهاق. ستحتاج أوكرانيا إلى القتال الجاد لحرمان روسيا من سيطرة ذات مغزى على المناطق التي تخطط لضمها أو للاعتراض على الضم إذا حدث ذلك. ستحتاج كييف أيضاً إلى دعم غربي مستمر لتحقيق التفوق النوعي في ساحة المعركة. ستحتاج إلى استخدام زخم هجماتها المضادة لمنع موسكو من دمج الأقاليم المحتلة في روسيا.
وأعلنت كييف أن هجومها المضاد في خيرسون يمثل أولوية، وهي تضرب القواعد الروسية الواقعة على مسافات بعيدة، ربما بما في ذلك قاعدة جوية بحرية في شبه جزيرة القرم. كانت القوات الروسية في خيرسون هي الأكثر عرضة للخطر في بداية الصيف، لكن في الأسابيع الأخيرة، أعادت روسيا نشر هناك وحداتها من دونباس. يمكن لأوكرانيا أن تعقد قدرة روسيا على تحصين هذه المنطقة الحيوية وضمها باستخدام طريقة نجحت في المراحل الأولى من الحرب، إلحاق خسائر في ساحة المعركة بشكل صارخ لدرجة أن القيادة العسكرية الروسية أصبحت مقتنعة بأن قواتها لا تستطيع الاحتفاظ بالمقاطعة وأن مواقعها كذلك، أو قريباً ستصبح، غير مؤمنة. للقيام بذلك، يجب على الجيش الأوكراني إبقاء خط المواجهة المتنازع عليه ساخناً، ومهاجمة أنظمة القيادة والسيطرة الروسية، والدفع إلى تقليل القوات الروسية بشكل مطرد إلى الحد الذي يجعل قتالهم في منطقة معينة غير فعال.
يدرس المخططون العسكريون الروس عن كثب ما إذا كانت قواتهم فعالة قتالياً، بما في ذلك دراسة معدلات الاستنزاف (المعروفة أيضا باسم “الخسارة الحرجة” في العلوم العسكرية الروسية). بالنسبة إلى القوات البرية الروسية، توقع المخططون العسكريون قبل الحرب أن تصبح الوحدة غير فعالة عندما تفقد 50 إلى 60 في المئة من قوتها الأصلية. ويقدرون أن شبكة القيادة والتحكم الإقليمية تفقد فعاليتها بشكل دائم عند تدمير 40 في المئة من معداتها. ويعتبرون أن سرباً من سلاح الجو لا يعود قادراً على العمل عندما يخسر 70 بالمئة من طائراته. إذا تمكنت أوكرانيا من إبقاء خط المواجهة المتنازع عليه ساخناً، تماماً كما فعلت خارج كييف وخاركيف، بهجمات على نقاط القيادة والسيطرة، ومعدلات عالية من خسائر المعدات، وخسائر روسية كبيرة، فقد يقنع ذلك موسكو مرة أخرى بالانسحاب.
ولكن لكي تحظى هذه الاستراتيجية الأوكرانية بأفضل فرصة للنجاح، يجب أن تكون قيد التقدم قبل أن تحاول روسيا ضم الأراضي التي تحتلها، بهذه الطريقة، يمكن للهجمات الأوكرانية أن تحرم روسيا من موطئ قدم في منطقة مثل خيرسون. وحتى إذا ضمت روسيا الأراضي الأوكرانية وحاولت فرض وقف للعمليات العسكرية، فلن يتعين على كييف وداعميها الغربيين الامتثال. بعد كل شيء، فإن الطموحات الروسية الكبرى تجاه أوكرانيا لا تزال قائمة. تريد موسكو ضم أجزاء كبيرة من أوكرانيا، وتريد نزع السلاح في البلاد لكي تقف الحكومة في كييف عاجزة عن مقاومتها، وتريد زعيماً موالياً لروسيا في كييف. الحقيقة المحزنة هي أن ضم أربع مناطق من غير المرجح أن يكون نهاية مهمة روسيا في أوكرانيا، ولكن مجرد مرحلة واحدة في مشروع بوتين الأطول. يجب أن تكون كل من أوكرانيا وداعميها مستعدين لحرب طويلة الأمد.
انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى