أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

اهمية اجتماع قوى اليسار

عمر حلمي الغول 

مما لا شك فيه، ان محاولة مجموعة من الأحزاب الشيوعية واليسارية إعادة تجميع قواها، وتشكيل اطار ناظم للتنسيق فيما بيها، كما حصل في الاجتماع، الذي جمع عشرة احزاب وقوى شيوعية ويسارية في بيروت العاصمة اللبنانية بضيافة الحزب الشيوعي اللبناني يوم السبت الموافق 17 أيلول / سبتمبر الماضي، واستمر لليوم التالي يعتبر خطوة إيجابية، وتسهم في تحفيز عملية استنهاض تلك القوى، التي للأسف الشديد غابت في معظمها عن الوعي بعد بريسترويكا غورباتشوف، الذي باع الاتحاد السوفييتي بمبلغ بخس للولايات المتحدة بالشراكة مع اقرانه يلتسين وشيفاردنادزة مطلع تسعينيات القرن الماضي، نجم عن ذلك انهيار فكري وتنظيمي، وتفكك المنظومة الناظمة لعمل وشراكة الأحزاب اليسارية والشوعية في العالم عموما. وهذا الاجتماع ليس الأول، لان المجموعة انطلقت تنظيم صفوفها في العاشر من تشرين اول / أكتوبر 2010. ومع ذلك الاجتماع الان يحتل أهمية خاصة لاسباب ذاتية وموضوعية.

ولا اضيف جديدا، عندما اؤوكد ان مكانة الأحزاب العربية الشيوعية واليسارية تراجعت اسوة بكل حركة اليسار العالمي إلى ادنى درجات القوى الفاعلة على المستويات الوطنية والقومية والاممية. لان بوصلتها الفكرية تلاشت، وحصانتها الحزبية التنظيمية ضعفت، وتفكك بعضها، ولم يعد يجمع بينها رابط معين، سوى العلاقات الثنائية المحدودة، وكل قوة وحزب باتت تلملم شظاياها المتناثرة، والعمل على تطويق حالة الاغتراب، والبحث عن مواقعها داخل حدود البيت الوطني او القومي او الاممي.

وهذا انعكس مباشرة على مكانة حركة التحرر الوطني العربي، نتاج الهزيمة الزلزالية، والتحولات الدراماتيكية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية، وانعكست عالميا بصعود الولايات المتحدة الأميركية والرأسمالية العالمية لقمة عرش النظام العالمي، وتسيدت العولمة الأميركية المتوحشة مع صعود النيوليبرالية وخصائصها المالية والاقتصادية والقانونية والقيمية الجائرة عالميا. وانقلب العالم 360 درجة مع انتشار مقولات “نهاية التاريخ” و”خلود الرأسمالية” و”صراع الحضارات”، والتي رافقها تفتت الهويات القومية إلى هويات قزمية اثنية ودينية وطائفية ومذهبية وجهوية .. الخ من الظواهر عميقة الصلة في الأقاليم والقارات المختلفة عموما، والعالم العربي بشكل خاص، الذي عاش، ومازال يعيش أسوأ مراحل الانحطاط والانحدار مع صعود جماعات التكفير والتخوين، والحروب الاهلية والبينية العربية العربية برعاية الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم، وارتداد الأنظمة، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية

وعطفا على ما تقدم، فإن اجتماع مجموعة من الأحزاب الشيوعية واليسارية، ومنها: الحزب الشيوعي اللبناني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الأردني والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب التقدم والاشتراكية المغربي والحزب الشيوعي المصري والتنظيم الشعبي الناصري وغيرها، يعكس إحساس تلك القوى بالحاجة الى عودة التكامل، والتكافل فيما بينها لاعادة تنظيم الصفوف، وترتيب الأولويات الوطنية والقومية والاممية مع القوى المناظرة لها في اوروبا وأميركا اللاتينية وافريقيا واسيا والولايات المتحدة وكندا، والعمل المشترك بالنهوض على المستويات المختلفة

ومما لا شك فيه، ان اللحظة التي انعقد فيها اجتماع هذه القوى لها عميق الصلة بما يجري من تحول في المنظومة العالمية. لا سيما وان العالم يعيش مخاضا استراتيجيا يؤشر لتغيير خارطة العلاقات الدولية، ويسقط كل ما يتعارض مع العالم متعدد الأقطاب، ويؤكد مقولات جديدة، اكدتها التطورات خلال العقود الثلاثة الماضية، ان التاريخ لا نهاية له، ولا يقبل القسمة على طبقة بعينها، او امبراطورية بذاتها، بغض النظر عن القرون التي تبوأت فيها مركز الصدارة؛ وان الصراع ليس بين الحضارات، بل ان كل الحضارات البشرية يمكنها التعاون والتكامل والتآخي وبناء منظومة عالمية تقوم على تظافر الجهود لبناء عولمة مؤنسنة، وتعتمد على التسامح والتعايش. وبالتالي الصراع كان وسيبقى بين قوى الشر والإرهاب الرأسمالية العالمية وبين قوى التحرر والمحبة للسلام والتعاضد الإنساني.

اضف الى ذلك، ان النقاط التي ركز عليها البيان الختامي للقوى العشر، ومنها: النضال من اجل إقامة أنظمة حكم وطنية ديمقراطية علمانية ومواجهة العدوانية الاميريالية والصهيونية ومشاريعهما؛ النضال من اجل اقتصاد وطني منتج ومستقل، ورفض التبعية والريع والسياسات النيوليبرالية؛ تحقيق التكامل والوحدة بين الدول العربية على المستويين السياسي والاقتصادي على أسس التكامل والديمقراطية؛ إقامة جبهة يسارية على مستوى البلدان العربية تحترم خصوصية كل حزب فيها، بهدف إعادة بناء حركة التحرر العربية؛ التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، ودعم اهداف وثوابت الشعب الفلسطيني؛ وغيرها من القرارات ذات الصلة بإعادة تنظيم صفوف قوى حركة التحرر العربية.

طبعا غاب عن تلك الأحزاب أولا التأكيد على هويتها الفكرية، وان كانت تعتقد انها من خلال استخدامها التعريف بصفتها كاحزاب شيوعية ويسارية، حدد خلفيتها. لكن الواقع الذي عاشته تلك الأحزاب بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وتفكك روابطها الداخلية والتنسيقية، ودخولها حالة من التيه الفكري، غيب هويتها الحقيقية، وبقيت اسم دون مسمى. ثانيا من يريد ان يعيد الاعتبار لحركة التحرر الوطني العربية، عليه ان يدعو كل القوى الوطنية والقومية للتكامل فيما بينها على النطاقين الوطني والقومي. لان قوى اليسار الضعيفة والمثخنة بالجراح لا تقوى على النهوض بحركة التحرر العربية دون تلك القوى؛ ثالثا تجاهلت كليا الحديث عن اخطار الإسلام السياسي وتحديدا الاخوان المسلمين ومن في مقامهم من الإسلام السياسي الشيعي، ليس هذا فحسب، لا بل انها اغمضت العين عن انغماسها في بطانته، والتساوق معه، واعلت بعض القوى من شأنه على حساب القوى الوطنية والقومية؛ رابعا لم تشر من قريب او بعيد لقوى الثورة العالمية، وضرورة التنسيق معها، والارتقاء بالعلاقات العربية الأممية.

مع ذلك يعتبر الاجتماع خطوة بالاتجاه الصحيح، ولكنه بحاجة ماسة لتطوير أولا القوى ذاتها، وثانيا تطوير جبهاتها الوطنية في بلدانها، او تعزيز القائم منها، كمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ثالثا الابتعاد عن الصيغ الانتقائية والهويات الضيقة للقوى، رابعا التشخيص العلمي لواقع كل دولة وشعب ودور الأحزاب الوطنية والقومية، وكيفية مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

إسرائيل والسلطة علاقة ملتبسة

أكرم عطا الله

تحسم إسرائيل واقع علاقتها بالسلطة الفلسطينية نحو مزيد من الإضعاف، وذلك بعد سلسلة اجتياحات وإعدامات كانت سمة المشهد للأسابيع الماضية وطرحت قدرا من التساؤلات المأزومة لواقع الصدام بين الطرفين، حيث وقفت إسرائيل حائرة بين استمرار تلك الاجتياحات ونتائجها بإضعاف السلطة وبين عدم القيام بها وكلفة استمرار الصدامات.

في أوج الدم، كان هناك نقاش حاد في الطبقة السياسية والأمنية في إسرائيل، البعض كان ينصح بدعم السلطة وتعزيزها لضبط الأمن، وهو ما يحتمل خسارة مؤكدة للسلطة إذا ما استمرت تلك الاجتياحات بتعزيز توجه هو على النقيض التام من سياستها السلمية ينتجها فائض الدم والجنازات غير المتقطعة، وإذا ما تم تعزيز السلطة وفقا للوجهة الإسرائيلية للقيام بدور أمني فهذا يعني أن تقوم بدور على النقيض من متطلبات اللحظة الراهنة خصوصا في ظل غياب أي مسار سياسي مع إسرائيل.

لكن إسرائيل تحسم أمرها بعدم الاستجابة للأصوات الداعية لدعم السلطة، فالأمر في دولة تقرره الاستراتيجيا ودوائر الأمن ويبدو أن الأمر يرتبط بالمشروع الأكبر وهو أنه لم يعد من الضروري وجود للسلطة والتي أصبحت عبئا على التوجهات السياسية الإسرائيلية بعد إسدال الستار على مرحلة المفاوضات على حل الدولتين. وذلك بات واحدا من أبرز عوامل الإجماع في إسرائيل الذي لم يعد يشهد خلافا على الملف الفلسطيني وانتقلت خلافاته في الحملات الانتخابية الخمس بما فيها الأخيرة التي نعيش أجواء دعايتها إلى قضايا مختلفة تماما حيث لبنان والداخل الإسرائيلي وشخص زعيم «الليكود».

جردت إسرائيل السلطة من كل عوامل بقائها ومن أي دور وظيفي تشكلت من أجله، وعلى امتداد السنوات الماضية كانت تخفض من سقف مهماتها ودورها لتحصره، مؤخرا، في الجانب الأمني وإذا لم تقم بهذا الدور ستستمر في إضعافها وصولا لإنهائها بما يخدم المشروع الأكبر لإنهاء الوجود السياسي للفلسطينيين في الضفة وحصره في غزة. والحقيقة أن هذا ليس خروجا على مسار أوسلو بل عودة لروح أوسلو بوجهته الإسرائيلية بمركزة السلطة في القطاع.

الحديث الإسرائيلي المتكرر عن السلطة والإعلانات السافرة إسرائيليا عن ضرورة «القيام بواجبها الأمني» يصور السلطة كأنها تعمل لدى الأمن الإسرائيلي، وفي هذا خروج عن العلاقات بين الجانبين بما فيها الأمني. فالتنسيق الأمني كان جزءا من عملية سياسية متكاملة جاء بهدف منع المعارضين من الطرفين من التشويش على المفاوضات أو القيام بعمليات تخلق بيئة تحرض الرأي العام على المفاوضات، بمعنى أنه كان جزءا من عملية سياسية وكوسيلة وليست هدفا. وهنا بالتدرج الزمني، كأن إسرائيل تمكنت من تحويله لهدف أو تريد ذلك وهذا مدعاة للتفكير فلسطينيا.

هنا يتكرس مأزق آخر للفلسطينيين. فبقاء السلطة بدورها وشكلها ومهماتها الحالية دون غطاء سياسي يبرر وجودها هو مشكلة، وبالمقابل فإن إضعافها وإنهاءها هو مشكلة أكبر تدفع مباشرة نحو الرغبة الإسرائيلية بحصر مشروع الفلسطينيين في غزة. ويزيد الأمر استعصاء عندما تضع إسرائيل معادلة شديدة الإيذاء وهو أن وجود السلطة وعملها مرتبط بمهمة أمنية محددة وهو ما لم يفعله أو يقُله أشد قادة إسرائيل كراهية للسلطة وزعيمها مثل شارون الذي كان يطالب بأسبوع من الهدوء ليستأنف المفاوضات.

لا أحد ينكر التغيرات التي أدت لهذا الوضع ومركزها، وبدايتها هذا القدر من العبث الفلسطيني في إدارة مشروعه ليقاتل نفسه بالسلاح حد التشظي وفشله المبكر في إدارة اختلافه تحت قبة برلمان كما كل العالم الحضاري والإمعان في هذا الانقسام وتجذره وفشله في تصويب ذلك الخطأ القاتل رغم كل المحاولات، بالإضافة للبعد العربي الذي استند إلى خلافات الفلسطينيين لينفض يده من هذه القضية ومثلهم الأوروبيون وأولوياتهم الاقتصادية أما الولايات المتحدة التي احتكرت هذا الملف فقد كان كل هذا الانهيار يجري تحت رعايتها وإشرافها الدقيق.

هذا وضع تعاني فيه السياسة الفلسطينية حدا لم تمر به في أسوأ لحظاتها ومعضلة شديدة تحتاج للخروج منها. لأن المراوحة تعني مزيدا من الانحدار نحو تبخر القضية والبكاء على أطلالها. وبات من الواضح أن المسار الحالي يعمل على تآكلها الطبيعي وهو ما يمكن رؤيته بقياس المسار في السنوات الماضية.

فقد هدد الفلسطيني كثيرا بالتنصل من اتفاقيات ووقف تنسيق وسحب اعتراف وبلغ به الحد أن ينذر العالم لمدة عام كان قد انقضى ما يعني أن الواقع بات يجرد الفلسطيني من كل أوراقه ويعمق مأزقه.

لا حل مبشرا فلسطينيا في هذه المعادلة التي يقف طرفاها أحدهم منظم يفكر ليل نهار ويجري انتخاباته قبل موعدها قبل أن يصل لأصغر استعصاء، وعلى الجانب الآخر طرف مهلهل يتصارع داخليا ولا يجري انتخابات وكل جزء فيه يعمل ضد الآخر لإضعافه بنظر الرأي العام كأن الانتخابات ستجري غدا، لا حل إن استمر الحال الفلسطيني يسير نحو نهايته التي يكتبها انعدام الكفاءة في إدارة شؤونه.

تشهد الحالة الفلسطينية غياب القراءات الجادة والتفكير الاستراتيجي، وتبدو كأنها تدير نفسها بمنطق العمل اليومي المحكوم بمناخ اللحظة غير المترابط في خطة وطنية شاملة حول ماذا سيكون عليه الوضع الفلسطيني بعد عام؟.

بالتأكيد، لا توجد إجابة لدى الفلسطينيين، صحيح أن الإسرائيلي لا يكف عن الطرق فوق رؤوسهم للدرجة التي أفقدتهم توازنهم لكن هذا لا يمنع رؤية مأزق يتعمق يحتاج إلى إعمال الفكر الفلسطيني الذي بات غائبا في السنوات الأخيرة لصالح ردات فعل أصبح الجزء الأكبر منها يرتد للداخل الفلسطيني ضد نفسه …إسرائيل تدير سياسة في الضفة وغزة والفلسطينيون يشتمون ويهاجمون ويشهرون ببعضهم …هذا ملخص الحالة!

حصان طروادة الذي يدمر إسرائيل

هآرتس

روغل الفر

المؤرخة باربارة توخمان، التي وضعت مفهوم “مسيرة الحماقة” في كتابها المعروف الذي صدر في العام 1984 عندما كانت إسرائيل في ذروة مسيرة حماقة أخرى كهذه، وهذه المرة في لبنان، قالت إن الحماقة تبدأ دائما بأبسط غريزة إنسانية وهي التدمير الذاتي. “الشهوة للقوة”، “التي يتم اشباعها فقط من خلال استخدامها ضد الآخرين” (هل هذا يبدو معروف؟). مع ذلك، يصعب تشخيصه بسبب ميل الانسان الى قمع الصدمة.

رحلة باربارة التاريخية على طول مسارات مسيرات الحماقة بدأتها بحادثة حصان طروادة، الذي لا نعرف ما اذا كان اسطوري أو تاريخي. لأن الطرواديين انفسهم هم الذين فتحوا أبواب مدينتهم وأدخلوا إليها الحصان، الذي في داخله اختبأ الجنود اليونانيون الذين تسببوا بدمارها. هذه الأسطورة هي أسطورة ناجعة لفحص حالة إسرائيل من جانبيها. اليمين يعتبر اتفاق أوسلو حصان طروادة الذي اختبأ فيه العنف، واستنتج من ذلك بأنه يجب افشال بكل ثمن اقامة دولة فلسطينية. هذه هي رواية حصان طروادة للمستوطنين: السلام مع الفلسطينيين هو خدعة الفلسطينيين، التي هدفها قتل اليهود وتدمير إسرائيل كدولة يهودية. الرواية المنافسة تعتبر سباسطيا والون موريه حصان طروادة الذي ادخله المجتمع الاسرائيلي بارادته من ابوابه ومن داخل بطنه يواصل الظهور المزيد والمزيد من المستوطنين الذين يقومون باحراق أسس اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

من غير المهم من هو حصان طروادة الحقيقي في هذه القصة. التاريخ سيحكم. في الصيغتين القصة تنتهي بنفس الصورة: منع اقامة دولة فلسطينية وخراب إسرائيل. في الحالتين الأمر انتهى بانتصار مشروع الاستيطان. جميع التيارات الإسرائيلية وجميع مسيرات الحماقة تتدفق وتصب في بحر ثنائية القومية، البحر الذي يغرق إسرائيل اليهودية والديمقراطية. التدفق هو عملية مستمرة أحادية الاتجاه، وهكذا أيضا الغرق، البحر سيغطي كل شيء.

من المهم معرفة هل ستأتي في وقت ما لحظة فيها من يؤيدون حل الدولتين سيعترفون بحقيقة أن هذا الحل غير قابل للتطبيق، ويدركون أن إسرائيل هي دولة ثنائية القومية. في نهاية المطاف لن يصدر أي إعلان رسمي، ولن يصدر في أي يوم إعلان رسمي. حكومة إسرائيل لن تعلن “بدهشة وبأسف شديد وحزن عميق”، مثلما صاغ ايتان هابر الإعلان عن قتل اسحق رابين وموت حل الدولتين وموت إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية وانبعاثها من الرماد كدولة ابرتهايد ثنائية القومية. يمكن الافتراض بأن إسرائيل الرسمية ستواصل تسمية نفسها “يهودية وديمقراطية”، وستواصل الكذب على نفسها بالضبط كما تفعل ذلك الآن، والى الأبد. انظروا إلى “الجمهورية الديمقراطية الالمانية”، وهي المانيا الشرقية. اسماء أو تعريف الدول هي احيانا الكذب الذاتي الأكثر وضوحا. ويمكن الافتراض ايضا أن “الصديقة الجيدة” للولايات المتحدة ستواصل ذلك. هكذا ايضا الاتحاد الأوروبي الذي سيواصل تخصيص ميزانيات سخية لليهود في اسرائيل الذين سيواصلون التحقيق والدفع قدما بحل الدولتين، أي الارتزاق منه، رغم أن خططهم الجميلة لن تخرج في أي يوم الى حيز التنفيذ.

إسرائيل هي دولة قوية لديها علاقات أمنية وعسكرية واستخبارية واقتصادية متشعبة مع الغرب. وسيمر وقت طويل جدا الى أن يطلب منها، اذا حدث ذلك، الاعتراف بأنها دولة ثنائية القومية، وأن تعطي سكانها الفلسطينيين حقوق متساوية. وحتى عندما سيطلب فهذا سيكون بالاساس ضريبة كلامية. أي أن النعامة ستواصل تعليق الآمال على حلم الدولتين الذي يدفع جانبا حقيقتين وهما أن حل الدولتين مات والدولة ثنائية القومية هي دولة ابرتهايد غير اخلاقية بشكل واضح، التي يبدو أنها ستستطيع البقاء لفترة طويلة.

مدينة أم الفحم.. من كاريكاتير ناجي العلي وعروس تصوّت إلى يأس من الأحزاب العربية

بقلم: عيناب حلبي

يديعوت أحرونوت

في كل ما يتعلق بالسياسة، تبقى أم الفحم أكثر من مجرد مدينة عربية؛ فهي تشكل رمزاً للكفاح في سبيل الوجود العربي في الدولة، هي معقل تاريخي لأحزاب ومنظمات وطنية فلسطينية داخل إسرائيل. وهكذا أصبحت ذات أهمية عليا في الخطاب العربي – اليهودي.

الفنان الفلسطيني ناجي العلي، الذي عرف بنقده السياسي لإسرائيل، رسم ذات مرة كاريكاتير “لا لفلان ولا لعلان، أم الفحم هي اسم فلسطين”، والمعنى أن كل الحركات والأحزاب العربية خرجت من أم الفحم. في الستينيات والسبعينيات، كانت المدينة كلها مغطاة بأعلام حمراء للحركة الشيوعية. وبعد ذلك، مع قيام الحركة الإسلامية، رفعت أعلامها الخضراء، وحتى حزب التجمع دشن في أم الفحم في 1996. يروى أن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات رأى هو الآخر في أم الفحم مدينة ذات أهمية مركزية بل وزارها عدة مرات. في منطقة “أم الفحم وبناتها”، كما يصف المحليون المدينة والقرى الصغيرة حولها، تسكن أربع عائلات كبرى: اغبارية، محاميد، محاجنة، وجبارين – والمنطقة تشكل تجمعاً سكانياً كبيراً لأكثر من مئة ألف نسمة.

يروي رجال المدينة بأنها توجد دوما في بؤرة التحريض ضد الجمهور العربي، من اقتراحات رحبعام زئيفي بالترحيل، وحتى الحملة التي قادها افيغدور ليبرمان في 2005 حين دعا إلى “فك الارتباط عن أم الفحم” كبديل عن خطة فك الارتباط لرئيس الوزراء في حينه أرئيل شارون. وعليه، فقد نشأ في أوساط السكان المحليين إحساس عظيم بالوحدة وحاجة دائمة لتمثيل المدينة في الكنيست. ولكن لخيبة أمل السكان، لا يوجد ممثل كهذا في هذه اللحظة. إضافة إلى ذلك، جلبت القائمة المشتركة كل الأحزاب العربية للعمل معاً، ونالت الوحدة عطفاً في أوساط الجمهور العربي. لكن تتنافس ثلاث قوائم منفصلة هذه المرة، ويصعب على النشطاء العاملين في المدينة التصدي للوضع.

في أم الفحم جماعة بما فيها أعضاء الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية، تقاطع انتخابات الكنيست بشكل دائم لأسباب أيديولوجية، لكن الخطاب السياسي والاجتماعي في المدينة غني في كل زاوية ويمكن أن نرى مقاهي مليئة بالسكان الذين يتحدثون انطلاقاً من الاهتمام والاكتراث والفهم في المواضيع السياسية قبيل الانتخابات. التقينا رجال “البرلمان” الأكثر إثارة للاهتمام في المدينة التي في وادي عارة – ذاك الخاص بالنائب السابق د. يوسف جبارين، الذي كان عضواً في الكنيست عن الجبهة الديمقراطية. جبارين، من أصحاب فكرة القائمة المشتركة، ينال الاحترام والعطف في المدينة لدرجة أن عروساً بفستان أبيض جاءت كي تصوت للقائمة المشتركة لأجله فقط في الانتخابات الأخيرة.

“أردت أن يستمر مشروع القائمة الواحدة الكبرى، لكن “الموحدة” سارت بعيداً”، وأضاف: “ربما يتغير هذا مستقبلاً، كانت تجربة عظيمة؛ كنا 13 نائباً، وكان بوسعي أن أشعر بتأثرنا”. وواصل: “لو استمررنا بذات الصيغة لوصلنا إلى 18 مقعداً”.

جبارين آخر، أدهم، هو ناشط اجتماعي عاد إلى العمل السياسي في التجمع بعد أن تفككت القائمة المشتركة. “غضبت على أن التجمع أصبح برلمانياً أكثر مما هو سياسي، مع أجندة غير واضحة من الوطنية الفلسطينية”، روى يقول. بعد أن عاد التجمع إلى استقلاله، تنفس جبارين الصعداء وعاد للعمل في الميدان. “هدفنا الآن جلب أكثر من 6 آلاف صوت للتجمع من أم الفحم. أعرف أن هنا قرابة 4.500 وأجندة التجمع شعبية جداً في المدينة”، وأضاف: “في هذه اللحظة تأييد وعطف كبيران للتجمع، وأعتقد أن هذا سيرفع نسبة التصويت في أوساطنا”.

الناشطان الاجتماعيان يوسف محاميد ومحمد اغبارية، عضوان في “البرلمان”، ويهمهما وضع الجريمة وضائقة السكن، وشرحا بأن السكان ملوا التصويت بسبب خيبة أمل من معالجة هذه الظاهرة. وقال محاميد إن “الجريمة والقتل مسألتان مركزيتان ينبغي معالجتهما في الكنيست. السكان محبطون ويائسون، لغياب جواب على ذلك، ولعدم وجود أمن شخصي”.

أما وسيم حصري، وهو شاب ناشط في الجبهة الديمقراطية، فقال: “صوت في الانتخابات الأخيرة 30 في المئة من الشبان في المدينة، وهذه نسبة متدنية جداً. هذه المرة أتوقع ارتفاعاً، لكن ليس كبيراً”.

مع نهاية الحديث، التقينا وداد زيد، ناشطة اجتماعية لمنطقة وادي عارة، تتفق وتقول: “إن المجتمع العربي هو في مكان اليأس من السياسيين ومن مكافحة الجريمة وغلاء المعيشة. لذا، علينا أن نخرج لنصوت ونؤثر”.

تفنيد الزعم بأن “حلّ الدولتين” سيقود إسرائيل إلى “حرب أهلية”

عن “هآرتس”

بقلم: ديمتري شومسكي

اعتبر روغل ألفر (“هآرتس”، 25/9)، خطاب يائير لابيد في الأمم المتحدة، الذي عبر فيه رئيس الحكومة عن الدعم الصريح لحلم تقسيم البلاد إلى دولتين، فرصة لمواصلة تطوير نقده لنموذج الدولتين ومن يؤيدونه. عرض ألفر سيناريو رعب يتمحور حول الإخلاء العنيف لجمهور المستوطنين، الذي سيكون تطبيق حل الدولتين مقروناً به، حسب قوله. هؤلاء المستوطنون، يقول ألفر، يعيشون لأسباب أيديولوجية بعيداً عن الجدار الأمني، وهم “أكبر عدداً بعشرة أضعاف من مستوطني “غوش قطيف” وأكبر بعشرة أضعاف من التطرف الفكري منهم”. هذه العملية، كما يتوقع ألفر، ستثير باحتمالية عالية جداً العنف بين اليهود أنفسهم إلى درجة حدوث حرب أهلية، لذلك، حسب رأيه، يدور الحديث عن تحد كبير جداً يواجه المجتمع الإسرائيلي، حتى لو كان معظم الجمهور يميل إلى الوسط السياسي.

المشكلة الرئيسة في تحليل ألفر تكمن في الميل إلى النظر للإخلاء المستقبلي المقدر في الضفة من خلال منظار الانفصال عن قطاع غزة. ولكن الانفصال يمثل النموذج السلبي، الذي في الأساس يجب أن نتعلم منه كيف أنه من المحظور بأي شكل من الأشكال تنظيم وتنفيذ إخلاء سكان مدنيين. مناقشة دروس الانفصال تعرضها دراسة مستنيرة بعنوان “إخلاء مدني غير عنيف: إعادة النظر في إنهاء مشروع الاستيطان”، التي تم جمعها ونشرها في تشرين الأول 2021 من قبل معهد “مولاد” (مركز تجديد الديمقراطية). أشار البحث بوضوح، خلافاً لما يظهر من كلامه، إلى أن اليسار السياسي يتعامل بجدية مع الصعوبات التي أثارها ألفر.

استناداً إلى تقرير لجنة التحقيق الرسمية لفحص معالجة المخلين من “غوش قطيف” وشمال “السامرة”، التي قدمت استنتاجاتها في العام 2010، واستناداً إلى مصادر نقدية أخرى تناولت الانفصال، فإن البحث أشار إلى ثلاث مشكلات أساسية، توجد لها صلة بتخطيط إخلاء مستقبلي في “يهودا” و”السامرة”. المشكلة الأولى هي أن الجدول الزمني الذي خطط لتنفيذ الانفصال كان قصيراً إلى درجة أنه غير معقول (سنة وثمانية أشهر بعد إعلان أرئيل شارون نية الانسحاب من القطاع وحتى الانسحاب نفسه)، رغم أن عملية إخلاء معقدة لمدنيين أكبر يجب أن تتم بالتدريج وبإعداد مسبق.

الثانية هي أن الانفصال كان أحادي الجانب، ولم يتم في إطار اتفاق سياسي، ولم يتم تنسيقه مع الجهات التي تم نقل الأراضي إليها، ولم يتم ضمان أي مظلة دبلوماسية له. كانت النتيجة أن الشعور بالأمن لدى المخلين تم المسّ به. وليس هذا فقط، بل ساد الشعور أيضاً في أوساط الكثير من الجمهور الواسع بأن الأمر يتعلق بتنازل جغرافي دون مقابل، الأمر الذي زاد من شدة معارضة الإخلاء في أوساط المستوطنين، وعمّق الشكوك أيضاً في أوساط الكثير من الإسرائيليين فيما يتعلق بجدوى هذه العملية. تتصل هذه النقطة بشكل مباشر بالادعاء المبرر لألفر بشأن الحاجة إلى إقناع معظم الإسرائيليين بضرورة الإخلاء. هنا، إذاً، يكمن الرد المحتمل الوحيد على هذه الصعوبة: الإخلاء يجب أن يكون جزءاً من اتفاق سياسي شامل، يعلن بوضوح عن نهاية النزاع.

المشكلة الثالثة وبارتباط واضح مع المشكلتين السابقتين، بسبب الطابع الضاغط والمحدد زمنياً لعملية الإخلاء، وعلى خلفية عدم الهدوء الأمني المتواصل الذي نبع من الطابع أحادي الجانب للعملية، تم وصف عملية الانفصال، وتم تأطيرها في وسائل الإعلام بمفاهيم متشددة، حيث يحلق تهديد الحرب الأهلية فوق الخطاب العام. لذلك، تم نقش هذا الحدث في الذاكرة العامة كحدث صادم ودراماتيكي، مثلما يتردد صداه في أقوال ألفر، الذي يتمسك بسيناريو رعب الحرب الأهلية، والذي يعزز ثقته في استحالة حل الدولتين. كل ذلك رغم حقيقة أن أي سيناريو من سيناريوهات الرعب لن يتحقق في فترة الانفصال، ورغم أن احتمال تحققه في إطار اتفاق الإخلاء منخفض جداً.

يجب تأكيد حقيقة، يدركها ألفر أيضاً، أنه في إطار الاتفاق المستقبلي (الذي اقترب منه الطرفان جداً في أنابوليس في العام 2007)، نحو 80 في المئة من المستوطنين في الكتل الاستيطانية يمكنهم البقاء في أماكنهم. هكذا فإن الـ 20 في المئة، والـ 150 ألف شخص الذين يوجدون شرق مسار جدار الفصل المصادق عليه في عمق الأراضي الفلسطينية، ما زالوا يعتبرون عدداً كبيراً جداً.

يعترف البحث الذي أجراه معهد “مولاد” بحقيقة أن إخلاء بهذا الحجم يتوقع أن يثير معارضة كبيرة في أوساط هؤلاء المستوطنين. ورغم ذلك، جاء في البحث أن الاستناد إلى دروس الانفصال عن القطاع، وإلى جانب تقليل تدريجي مراقب ومتفق عليه مسبقاً للدعم الاقتصادي والقانوني لهذه المستوطنات، سيكون بالإمكان التوصل، في إطار العملية السياسية الجديدة، إلى إنهاء هذا المشروع بشكل غير عنيف.

من أجل أن يحدث كل ذلك يجب على الطرفين العودة إلى طاولة المفاوضات على أساس مسار أنابوليس واقتراح أيهود أولمرت. في الطرف الإسرائيلي (وفي الطرف الفلسطيني أيضاً) مطلوب من أجل ذلك دعم واضح من قبل معظم الجمهور. يجب الأمل في أن حقيقة أن لابيد، الزعيم المحبوب ومن حزب وسط واضح، والذي لا يعتبر من اليسار، تبنى علناً حلم الدولتين، ستشجع من يؤيدونه على السير وراءه في هذا المسار، وأيضاً ستشير إلى الخطوة الحقيقية الأولى نحو توسيع دائرة الذين يؤيدون استئناف العملية السلمية في أوساط الكثير من الإسرائيليين، من الوسط المعتدل.

الحزب السوري القومي الاجتماعي: المسيرة وأسئلة التقويم

صفية أنطون سعادة

الحزب «وسيلة» لا «غاية»

بالنسبة إلى أنطون سعادة، الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسّسه ليس سوى وسيلة لتحقيق مبادئه، لذلك لا يمكن للحزب أن يتحوّل إلى غاية بحد ذاته كما يفعل بعض الأحزاب السياسية في بلادنا إلا إذا تخلّى عن مبادئ سعادة.

المادة الأولى من الدستور، الذي وضعه سعادة ونُشر عام 1937، تنص على الآتي:

«غاية الحزب السوري القومي بعث نهضة سورية قومية تعيد إلى الأمة السورية [سوراقيا أو منطقة الهلال الخصيب] حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً، وتثبيت سيادتها، وتأمين مصالحها، ورفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية» (الأعمال الكاملة، ج.2: 78. بيروت، مؤسسة سعادة للثقافة، 2001).

إن تقييم مسار الحزب، خلال ما يقارب القرن من الزمن، إذاً، لا يصح إلا بالنظر إلى مدى مقارنة أفعاله وأقواله بالمبادئ التي على أساسها بنى سعادة حزبه. فهل سار الحزب على طريق تحقيق هذه الأهداف؟ وما هي الخطط التي وضعها للوصول إلى تطبيقها ضمن المجتمع؟

لا وجود لخطة حزبية قصيرة أو طويلة الأمد لتنظيم حركة تؤدي إلى استقطاب مواطني «سوراقيا» من أجل استقلال هذه الكيانات الفعلي لا الظاهري، وإلغاء مفاعيل سايكس-بيكو القريبة العهد آنذاك (1916)، حيث إن جيل سعادة برمّته وُلد وبحوزته هوية سورية، ولا ينتمي إلى الكيانات المصطنعة التي اخترعها الغرب. لذلك حين باشر سعادة بنشر عقيدته، اجتمع حولها قوميون من جميع المشارب والطوائف لاعتبارهم أن سوريتهم هي الأصل. لكنه حين غادر لبنان قسراً أواخر 1938، بسبب الاضطهاد الفرنسي له، ولم يعد حتى عام 1947، انحاز مَن حلّ محلّه للمعسكر الغربي خلال الحرب العالمية الثانية.

باكراً جداً، استغلت القيادة الحزبية غياب سعادة لـ«لبننة» الحزب، أي إهمال المبادئ الأساسية القائمة على توحيد سوريا الطبيعية، والتركيز على المطالبة بتطبيق المبادئ الإصلاحية كفصل الدين عن الدولة في لبنان. ولمّا عاد سعادة إلى بيروت، طرد القياديين «الملبننين» من الحزب. لكن لوثة «اللبننة» كانت قد غُرست خلال غيابه الطويل، والذين انتموا إلى الحزب في تلك الفترة، انخرطت غالبيتهم على أساس العمل ضمن الحيز اللبناني فقط، وهذا ما أظهرته الأحداث في ما بعد.

بسبب هذه النظرة الضيقة وتعطش القيادة للسلطة، وهي في غالبيتها لبنانية، أعادت تلك الجماعة تموضعها مع القوى الغربية بعد اغتيال سعادة. ووقفت إلى جانب «حلف بغداد» عام 1955، وهو الحلف الذي دعمته الولايات المتحدة الأميركية بناءً على «مبدأ أيزنهاور»، للوقوف في وجه المد الشيوعي (والمعني حقيقة: الاتحاد السوفياتي). انضم إلى الحلف كل من بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان والعراق، حيث كان لنوري السعيد دور مركزيّ في إنشائه. لكنه لم يصمد طويلاً، وانسحب العراق منه عام 1958 بعد ثورة تموز بقيادة عبد الكريم قاسم، وإسقاط النظام الملكي الهاشمي الموالي لبريطانيا في العراق. تزامن ذلك مع الحرب الأهلية في لبنان، ونزول المارينز على شواطئه خوفاً من التمدد السوفياتي. وكما هو معروف، وقف الحزب القومي إلى جانب الكتائب في مواجهة المد العربي، ما يعني انحياز القيادة الحزبية السافر ضد مبادئ سعادة ومواقفه المعلنة. فهو رفض كل شكل من أشكال الحروب الأهلية التي لا تؤدي بحسب كلماته إلا إلى «الخراب القومي»، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أوقف حياته كلها على محاربة المستعمر الجاثم على أرضنا، فكيف يقبل بخيانة من هذا النوع، وهو المُطالَب بإنشاء جبهة عربية في المادة الأولى من دستوره، عدا عن أن أيّ صراع عربي-عربي لا تستفيد منه سوى إسرائيل؟

اعتقدتْ القيادة الحزبية أنها حين ترفض الحرية الفكرية، وترفض تطوير فكر سعادة، وترفض نقده، إنما هي تحافظ عليه. والحقيقة هي أنها تقتله

أغلب الظن، أن هذا التيار «الملبنَن» هو الذي أدّى إلى خسارة الحزب موقعه في سوريا بعد اغتيال سعادة. فعملية تسليمه غدراً إلى السلطات اللبنانية من قبل رئيس الجمهورية آنذاك، حسني الزعيم، أثارت ردة فعل نجم عنها وصول أديب الشيشكلي على رأس هرم السلطة، وهو السوري القومي الاجتماعي. أي أن نتيجة خيانة حسني الزعيم، وتسليم سعادة وموته، فتحت الباب أمام الحزب، وانتشار أفكار سعادة ومبادئه بكل حرية وأمان. وبدلاً من أن يرحّب رئيس الحزب آنذاك، جورج عبد المسيح، بهذا التطور البالغ الأهمية لمسار الحزب وللقضية القومية، ثار على أديب الشيشكلي وطرده. لا أستطيع أن أفهم التصرف هذا إلا على أساس عدم السماح بهيمنة تيار سوري على الحزب السوري القومي الاجتماعي (انظر منير خوري، سفينة حياتي، بيروت: دار نلسن، 2003، صفحة: 110، 144 ،174).

ظلّ هذا التيار المتلبنن، والموالي للغرب، مهيمناً على الحزب حتى بداية عام 1962، حين ظنّ أن بمقدوره قلب موازين القوى في لبنان، وتبوّؤ السلطة، فقام بانقلاب فاشل أدى بقيادته إلى دخول السجن. وحين خرجت منه عام 1969، كانت منظمة التحرير الفلسطينية، والجموع الشعبية اللبنانية الموالية لها، هي المسيطرة، فمشت مع الركب، لكن سرعان ما انشق الحزب القومي مع بداية الحرب الأهلية عام 1975، ودخول القوات السورية إلى لبنان، فانحاز القوميون الموجودون في بيروت الغربية والجنوب إلى منظمة التحرير الفلسطينية، فيما اصطفّ خلف سوريا، قوميّو المناطق «المسيحية»، المسيطر عليها كتائبياً، وأصبح الحزب منقسماً إلى ثلاثة أطراف: «حزب جورج عبد المسيح»، «حزب الطوارئ»، و«حزب إنعام رعد».

الزعامة الحزبية

إن هوس القيادات الحزبية بمبدأ الزعامة، قضى على مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وأسسه. لم يتخذ سعادة صفة الزعامة كما يفعل الزعماء التقليديون، فهو استعمل الكلمة للإشارة إلى أنه مؤسس الحزب، وواضع دستوره ومبادئه غير المستوحاة من أحد، بل هي نتاج مجهود خاص علمي دأب عليه للوصول إلى خلاصات معينة وضعها كمبادئ. لذلك تنتهي مفاعيل الزعامة بالنسبة إليه مع وفاته. وللدلالة على ذلك، وضع سعادة تنظيماً ديموقراطياً للحزب، لا ديكتاتورياً، وأقام ثلاث سلطات: تشريعية (المجلس الأعلى)، وتنفيذية (مجلس العمد)، وقضائية. وهي سلطات مستقلة الواحدة عن الأخرى. لكن طموحات بعض القيادات الحزبية لم تكن في وارد الانتظام ضمن حزب ديموقراطي، بل الاستيلاء على السلطة من خلال اختراع مبدأ «خلافة الزعيم»، أي الاستحواذ على سلطات مطلقة مدى الحياة، فلا يعود أمام القوميين من خيار سوى الانسحاب من الحزب أو الانصياع، وهذا ما حصل. تمثلت هذه السياسة في إعطاء الأوامر للقوميين تحت شعار «نفذ ثم اعترض». ولم يعد الحزب كما وضعه سعادة، مكاناً للتحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبعث وعي قومي، انتماءً وهويةً، ومركز استقطاب للعقول الناشئة، ومنارة للمجتمع، ومثالاً للاقتداء، ومحاوراً للأحزاب والتيارات الأخرى. تحوّل الحزب إلى أداة بيد قيادات تنافس الأحزاب الأخرى على السلطة، وتوقف دور الحزب في التحديث والتبشير وإنشاء المدارس لبناء نشء جديد. أصبح همّه الوحيد الوصول الى السلطة، وإذا تعذر ذلك، القيام بانقلابات انتهت بتدمير الحزب في سوريا ولبنان. لقد أُهملت دراسة وتطوير مبادئ سعادة، وبناء الخطط على أساسها. وبدلاً من العمل الدؤوب من أجل توعية الشعب الذي هو مصدر السلطات بالنسبة إلى سعادة، فضّلت القيادة أن تقامر بمصير الحزب عبر انقلابات فاشلة لا تدعمها غالبية شعبية. وكانت النتيجة التقوقع، والتخلي عن العمل من أجل إرساء نظم جديدة في مجتمع كيانات «سوراقيا».

أدّى فرض مبدأ «خليفة الزعيم»، إلى إلغاء الحرية الفكرية، وأداء «رئيس الحزب» دور الخليفة المحافظ والغيور على الإرث الفكري وعدم المسّ به، ما أدى إلى اعتبار المبادئ نصاً «قرآنياً» تُحرم مناقشته أو دراسته دراسة نقدية. تحولت مقولة سعادة أن «العقل هو الشرع الأعلى» إلى غياب العقل، والتعلق بالنص مهما تغيرت الأحوال. لذلك نجد أن الكُتّاب القوميين يركّزون على شرح وتفسير ما قاله سعادة، من دون إعادة تركيبه بناءً على المعطيات الجديدة، أو التحولات السياسية/ الاجتماعية/ الاقتصادية، إلا في ما ندر، وغالباً ما يعدّ هذا الشخص «منحرفاً» عن فكر سعادة – كما تمّ نعتي. ومن الغريب ألّا يفهم القومي المثقف أن وضع الفكر في الثلاجة وتجميده، يؤدي إلى شلله وموته، لأن الأحداث تسبقه وتطغى عليه. وإذا عدنا إلى كتابات سعادة نفسه نجد أنه يواكب الحدث، ويكتب بشكل يلائم المستجدات، ولا يلوك حديثاً لا علاقة له بالحاضر الدائم الحركة والتغيّر.

تغييب العقل يلائم منطق التفرد بالحكم والزعامة مدى الحياة والتسلط، فيتولى «خليفة الزعيم» منفرداً اتخاذ القرارات، وإملاءها على جميع المنتسبين. ومن يحاول أن يناقش أو يتساءل أو يفكر، يُتّهم بأنه ضد سعادة، لأن «الخليفة» هو الوحيد الذي لديه حق احتكار هذا الفكر! والنتيجة، عجز الحزب عن البناء، وعن مراكمة المعرفة والانطلاق في مسارات جديدة. الطريق الوحيد من جراء سياسات من هذا النوع هو الانهيار والتلاشي والتشرذم، فحالما تضعف مكانة «خليفة الزعيم»، ينهار البنيان، وهذا ما يحصل اليوم.

بما أن القيادات الحزبية التي توالت على الحكم لم تهتم بنقاش فكر سعادة وتطويره، اتجه الحزب إلى حصر أهميته بالشكل، أو بالأشكال المختلفة من استعراضات عسكرية ونخبوية تحتفي بوزراء الدولة ونوابها، إلى التشديد على إلقاء التحية الحزبية كيفما اتفق، ضمن المراكز الحزبية وخارجها، واعتبار عدم الردّ عليها بمثلها هو الجريمة بعينها، وانتقاد وضعية التحية من زاوية قائمة للذراع، أو غيرها من التفاصيل التافهة. ولقد حذّر سعادة من منحى كهذا، معتبراً أن الشكل دون مضمون لا يعني شيئاً!

حصر الاهتمام بالأشكال يتماشى مع اعتبار رؤساء الحزب أنهم «خلفاء الزعيم»، ما يفسح المجال لهم بالتفرد في قراراتهم، وتحويل الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى ديكور للتمويه الخارجي، وهو في الحقيقة لا دور له إلا الموافقة على قرارات الرئاسة/ الزعامة.

لم يقم الحزب السوري القومي الاجتماعي حتى بمراجعة الأشكال التي وضعها سعادة، والتي تتماشى مع عصره في ثلاثينيات القرن الماضي، لكنها قطعاً لا تصلح ليومنا هذا، وتقف حائلاً أمام انخراط الشباب في هذه الحركة. مثال ذلك القسَم الذي يؤدّيه من يريد دخول الحزب. هذا القسَم كُتب خلال وجود الاستعمار الفرنسي على أرض سوريا ولبنان، ومنع السلطات الفرنسية التجمعات السياسية، أو إنشاء أحزاب قومية، فيُفرض على العضو الالتزام بالسرية التامة، وعدم التكلم أو الإفشاء عن أي شيء يختص بالحزب. فلماذا الإبقاء على قسَم من هذا النوع لا علاقة له بوضعنا الحالي المختلف تماماً؟ وهل كان سعادة يبقيه وهو الذي تجرّأ وغيّر حتى جغرافية بلاده من بلاد الشام إلى «سوراقيا» بعدما أدخل العراق عام 1947؟ هذا القسَم لا يوحي بأي شيء للمقبل على تبنّي مبادئ سعادة.

علاوة على ذلك، خلقت خلافة «الزعامة» إشكالية لدى هؤلاء «الزعماء» ألا وهي وجود ذرية تُسمى عائلة سعادة، وهي منافس معنوي لهم في الأوساط القومية. اتُّخذ القرار، ليس فقط بإهمال العائلة، بل إهمال تراث سعادة أيضاً، فلم يقم الحزب ببناء مراكز أبحاث تُعنى بجمع تراثه، ودراسته، أسوة بمفكّري أحزاب عقائدية أخرى انتشرت في كيانات «سوراقيا»، ولم يُعمد إلى وضع فيلم أو برنامج وثائقي حول فكره أو حياته، والذين تنبّهوا إلى هذا الموضوع لم تكن لهم علاقة بالحزب السوري القومي الاجتماعي، ومنهم قناة «الميادين»، وقناة «أن.بي.أن.»، وقناة «أو.تي.في.»، وحتى قناة «ال.ب.سي.» عمدت إلى إجراء مقابلة حول حياة أنطون سعادة عام 1999، دامت ثلاث ساعات. لا يستطيع الحزب أن يتذرّع بقصر الحال، لأنه مرّ بفترات ازدهار مادي يمكّنه من إنتاج فيلم ضخم حول سعادة. كان ذلك متاحاً أيام الحرب الأهلية وتدفق المال الليبي، وأيام الوجود السوري في لبنان من عام 1990 حتى 2005، لكنه لم يأبه للموضوع، لأنه لا يناسب طموحات زعاماته.

الانقسامات الحزبية

إن إدخال مبدأ الزعامة والاستئثار بالسلطة ضمن الحزب السوري القومي الاجتماعي دمّر هذه المؤسسة لأنها مبنية على المبدأ الديموقراطي والتشارك حين اتخاذ القرارات. وأدّى ذلك إلى انسحاب المثقفين الذين لم يعد لهم أيّ دور في تنظيم أصبح يتماثل مع ثكنة عسكرية يتلقى جنودها الأوامر. ومع الوقت نشبت الصراعات على مركز الزعامة نفسه، لا لتصحيح المسار، بل نتيجة رغبة عدد من الطامحين في الوصول إلى قمة الهرم. لم يأبه هؤلاء القادة إلى أن هذا الصراع يضعف الحزب، كما أنه يسمح بتدخلات خارجية تطمع بإلحاق الحزب بها وبتوجهاتها بعد استفراد رأسها الذي خسر قاعدته الحزبية.

طبعاً، ثمة عوامل خارجية ساهمت في إضعاف هذا الحزب، كالحرب الأهلية (1975-1990)، وانتصار الأحزاب الطائفية. لكن مواقف الحزب السياسية خلال مسيرته بعد استشهاد سعادة، مثّلت العامل الأبرز في تشرذمه، إذ إنه لم يحافظ على مبدأ الوحدة الوطنية/ القومية ضمن صفوفه، فمال نحو «اللبننة» في كثير من الأحيان، وانضم إلى جبهة موالية للغرب في مواجهة تيار عربي من عام 1958 إلى عام 1962، ما أدى إلى انسحاب غالبية القوميين المنتمين إلى «المذهب السني». ثم أجهز هوس قادته بالانقلابات على من بقي، فتفرّقوا وابتعد أولادهم عن الانخراط في الحزب، فنجد بعض أولاد القوميين «المسيحيين» في التيار الوطني الحر، وبعض أولاد «الشيعة» في المقاومة، أو حركة أمل.

لا أرى حلاً إلا بإنشاء تيار «سوراقي» هدفه ما طالب به سعادة عند وصوله إلى بيروت عام 1947، قادماً من مغتربه القسري بعد غياب سنوات طويلة

يؤكد عدد من المثقفين القوميين أنه، رغم الانقسامات الحزبية، لا خلاف بين الأحزاب المنشقّة على المبادئ التي وضعها سعادة. لكن ذلك ليس صحيحاً، لا في الحزب ولا خارجه. فلا الإيمان بالقرآن وحّد المسلمين، ولا الإيمان بتعاليم المسيح وحّد المسيحيين، ولا الإيمان بماركس جمع الماركسيين، أو غيرهم من الأحزاب والملل، ذلك أن الخلاف والاختلاف يقعان في كيفية فهم هذه المبادئ أو الأديان. المبادئ موجودة، لكن الأعين التي تقرأها موجودة أيضاً، وهذه الأعين ملوّنة بحسب تربيتها وبيئتها. فالسعودي يرى دينه بمنظار الوهابي، والشيوعي يرى مبادئه انطلاقاً من موقعه الجغرافي، كذلك الأمر بالنسبة إلى السوري القومي الاجتماعي. عوّل سعادة على تنظيمه الحزبي لبناء مجموعة متجانسة الأفكار، لكن ذلك لم يحصل، لاهتمام القيادة بالسلطة وإهمالها لأعضاء حزبها الآتين من مشارب ومناطق وعقليات مختلفة. حتى هذه القيادة لم تكن منسجمة مع بعضها البعض، لا فكرياً ولا عملياً، وبالتالي لم تخطّط لأيّ توجهات مستقبلية، وتمحورت إنجازاتها على تسيير الأمور اليومية.

وبالتالي، اعتقدتْ القيادة الحزبية أنها حين ترفض الحرية الفكرية، وترفض تطوير فكر سعادة، وترفض نقده، إنما هي تحافظ عليه. والحقيقة هي أنها تقتله. فكل فكر لا يتطور يتحجّر ويموت، وكل حزب لا يتقدم يعود القهقرى ويختفي. على مدى عقود طويلة، ومنذ اغتيال سعادة، قامت عملية تدجين لأعضاء الحزب، وتم تلقينهم بعدم مناقشة الأفكار، تماماً كالإرساليات الدينية التي كانت تطالب بحفظ النص ومنع التساؤل حوله. أصبح القوميون كزعمائهم، يضطهدون من يجرؤ على مناقشة أي بند من بنود مبادئ سعادة، ولم يلاحظوا أو يأبهوا إلى أن سعادة نفسه طوّر مفاهيمه وغيّرها حسب تقدم العلم والمعرفة، وكذلك تماشياً مع تغيّر الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

نجد على الصعيد الفردي إنجازات لا علاقة للإدارة الحزبية بها، منها الفكري ومنها المقاوم. وصدرت كتب من قوميين موالين لفكر سعادة، لكنهم يرفضون التركيبة الحزبية، وهم خارجها. ربما نستطيع تسميتهم بـ«حزب سعادة»، أي الموالين والمواليات لمبادئه، لا لمسيرة الحزب.

لقد نشرت عبر العقود نظرتي وفهمي لفكر سعادة مع تطويره، وإهمال المقولات التي نقضها العلم بعد اغتياله. أهمية فكره تكمن في أنه لا يزال يقدم التفسير الأصح لوضعنا في المشرق العربي، كما يقترح الحلول الناجعة للخروج من مآزقنا. هي حلول تدور حول توحيد المواقف، وإلغاء مفاعيل سايكس-بيكو، واستعادة فلسطين عبر إنشاء قوة منظمة، ومن بعدها الشروع في بناء دولة متقدمة تؤمن الأفضل لأبنائها وبناتها. ما يجمع القوميين اليوم هو شعورهم بأن «سوراقيا» المشتملة على العراق وبلاد الشام هي وطنهم؛ يدافعون عن كياناته مهما كانت مناطقهم الأصلية. كما أنهم منزّهون في غالبيتهم من اللوثة الطائفية، ويدعمون الفصل بين الدين والدولة.

فشِل الحزب في تطبيق مبادئ سعادة أو نشرها، وهو اليوم أقل بكثير عددياً عمّا كان عليه في بلاد الشام منذ ثمانين عاماً. ولا أرى أي فرصة، لأي طرف من أطرافه، أن يكون الوسيلة الصالحة لنشر مبادئ سعادة وتطبيقها في أرجاء الوطن. لذلك لا أرى حلاً إلا بإنشاء تيار «سوراقي» هدفه ما طالب به سعادة عند وصوله إلى بيروت عام 1947، قادماً من مغتربه القسري بعد غياب سنوات طويلة. طرح صحافي السؤال التالي على أنطون سعادة: «في أيّ شكل تتصوّرون من الوجهة التأسيسية الأمة السورية المقبلة؟» فكان جوابه الذي يختصر مبادئه الأساسية: «جمهورية برلمانية ديموقراطية، مع ميل إلى اليسار، وعلمانية قبل كل شيء» (أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، الجزء السابع: 211).

من المفهوم أن تكون المبادئ الأساسية هي الركيزة التي من دونها لا وجود للحزب، لكن هذه المبادئ لا تتجاوز بضع صفحات، بينما المجال مفتوح لتطوير كل ما عدا ذلك. إضافة إلى وضع استراتيجيات جديدة تتماشى مع الزمان والمكان للوصول إلى تحقيق هذه المبادئ! لقد فشلت التجربة الحزبية، لكن أفكار سعادة لا تزال تقدّم تفسيراً منطقياً للأحداث التي تلمّ بنا، كما أنها تعطي الحلول الواقعية التي بدونها لا خلاص لمنطقتنا من الهيمنة الغربية. لقد انتشر فكر سعادة خارج المؤسسات الحزبية المختلفة، وأصبح ملك الشعب الذي له الكلمة الأخيرة في تبنّي هذه المبادئ التي برهنت عن راهنيتها الشديدة إذا ما قارنّاها مع توجهات الأحزاب الأخرى. فالمسيرة التاريخية خلال قرن أكدت أن من يناضل من أجل استرجاع فلسطين هو كيانات «سوراقيا» العربية:

«إنني أؤمن أن الأمّة السورية هي الأمّة المؤهّلة للنهوض بالعالم العربي، ولكنها لا تستطيع القيام بهذا العمل إلا إذا كانت ذات عصبية قوية في ذاتها… لقد وقفت نفسي على توحيد أمّتي» (أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، بيروت: مؤسسة سعادة للثقافة، 2001، الجزء الثاني، صفحة 13).

تعويل أوروبي على الجزائر لتعويض الغاز الروسي

الجزائر: «الشرق الأوسط»

أكدت المفوضة الأوروبية للطاقة، كادري سيمسون، أمس في الجزائر أن اجتماعها بالمسؤولين المحليين عن قطاع المحروقات «يهدف إلى تعويض ما خسرته أوروبا من الغاز»، جراء قطع الإمدادات الروسية. فيما تحاول الجزائر تدارك «خيبتها» من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال تجارة السلع والخدمات، عبر استثمار قدراتها الطاقوية إلى أقصى درجة، بهدف تحقيق منافع سياسية واقتصادية من شركائها شمال المتوسط.

وجاءت تصريحات سيمسون خلال اجتماع «منتدى الأعمال بين الجزائر وأوروبا حول الطاقة»، الذي انطلق أمس في العاصمة الجزائرية ويستمر يومين، حيث أكدت أن أوروبا فقدت 155 مليار متر مكعب من الغاز، بسبب «المقاطعة الطاقوية الروسية»، مشيرة إلى «أننا من الطبيعي أن نبحث عن شركاء جدد في الطاقة… فأوروبا غيرت استراتيجيتها بخصوص تأمين الغاز». كما أشادت سيمسون بـ«الثقة المتبادلة التي تميز العلاقات الأوروبية – الجزائرية»، مبرزة «استعداد دول الاتحاد لمساعدة الجزائريين في تطوير قطاع الطاقة لديهم».

‎‎من جهته، قال الوزير الأول الجزائري، أيمن بن عبد الرحمن، خلال انطلاق فعاليات أشغال «المنتدى»، إن بلاده «تعد أكبر منتج للغاز الطبيعي في أفريقيا، وثالث أكبر الموردين لهذه المادة الطاقوية إلى أوروبا، وهذا ما يفسر العلاقة الوثيقة، والحوار الدائم، بين الجزائر والاتحاد الأوروبي. ويبقى الهدف تعزيز الأمن الطاقوي وتطوير الطاقات المتجددة».

وأضاف بن عبد الرحمن أن «إمكانات الجزائر من حيث احتياطات النفط والغاز كبيرة، لكنها لا تزال غير مستكشفة نسبياً، لا سيما في جنوب وغرب البلاد والمنطقة البحرية… ولهذا جعلنا تكثيف جهود الاستكشاف في صميم استراتيجيتنا في مجال الطاقة، وفرص الاستثمار مفتوحة لشركائنا؛ خصوصاً الأوروبيين»، مبرزاً أن من أهداف أعمال الاستكشاف تلبية الطلب المحلي على الغاز، «فضلاً عن تعزيز مكانتنا لاعباً نشطاً وموثوقاً في الأسواق الإقليمية والدولية».

في سياق ذلك، أبرز الوزير الأول أن قطاع الطاقة «حدد برنامج عمل استعجالياً لتعزيز الأمن الطاقوي على المدى الطويل، وذلك بضمان الطاقة لتغطية الطلب الوطني، لا سيما من الغاز»، مؤكداً أن الجزائر «حريصة على ضمان أمن الطاقة للطرفين»، في إشارة إلى الطلب المتزايد من بلدان أوروبية على الغاز الجزائري لتعويض إمدادات الغاز الروسي. وقد وقعت الجزائر مؤخراً اتفاقاً مع إيطاليا لإمدادها بحصص إضافية من الغاز، وفق الأسعار الجديدة.

وتابع بن عبد الرحمن موضحاً أن الطاقة «تحتل صدارة الاهتمامات على الساحة الدولية، بصفتها أحد المحركات الرئيسية للتنمية الاقتصادية للبلدان»، مشدداً على أنه «من مسؤولياتنا وواجبنا أن نجد أفضل السبل، وأنسب الحلول، لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، بصفة مستدامة واقتصادية وآمنة، مع المحافظة على البيئة في كل الدول (…) ونحن نعتقد اعتقاداً راسخاً أن الغاز الطبيعي يعد العنصر الرئيسي للانتقال الطاقوي».

ويشمل برنامج «منتدى الأعمال حول الطاقة» عرض خبرات رفيعة المستوى حول الغاز الطبيعي والطاقات الجديدة، والكفاءة الطاقوية والهيدروجين، بالإضافة إلى عقد اجتماعات، وتنظيم معرض للمؤسسات المشاركة من أجل بحث فرص الاستثمار بين الجزائر والاتحاد الأوروبي. ويهدف اللقاء، حسب وزارة الطاقة الجزائرية، إلى «تشجيع الاستثمارات والشراكات الصناعية بين الشركات الجزائرية والأوروبية في قطاع الطاقة، والدخول في شراكات متبادلة المنفعة في خضم الوضع الطاقوي الحالي».

وعقد وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب، مع المفوضة الأوروبية للطاقة، أول من أمس، «الاجتماع السنوي الرابع للحوار السياسي رفيع المستوى حول الطاقة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي»، الذي يندرج في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم بشأن الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين في مجال الطاقة، الموقّعة في الجزائر عام 2013، والتي تهدف إلى تطوير وتعزيز العلاقات الطاقوية، مع احترام توازن المصالح بين الجانبين؛ وفق ما جاء في بيان لوزارة الطاقة.

خط غاز نيجيري عبر ليبيا بدعم تركي يضرب خطط الجزائر

وفد تركي رفيع المستوى يوقّع في طرابلس اتفاقيات تشمل التنقيب عن الطاقة في المتوسط.

حكومة الدبيبة في خدمة الأتراك

طرابلس– دخلت تركيا على خط الغاز في أفريقيا، وهي تستفيد من العناد الجزائري تجاه المغرب وتسعى لجعل خط الأنبوب النيجيري يمر عبر ليبيا بدل الجزائر أو المغرب، ما يمكّنها من أن تكون وسيطا ينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا مثلما تسعى لأن تكون حلقة وسطى في غاز المتوسط وكذلك غاز آسيا الوسطى.

وقال مراقبون ليبيون إن تركيا، التي أرسلت إلى ليبيا وفدا وزاريا رفيع المستوى من أجل تحصيل المزيد من المكاسب والاتفاقيات ذات البعد الإستراتيجي، تعرف أن الليبيين ليسوا في وضع أمني أو سياسي أو اقتصادي يمكّنهم من الدخول لجلب خط الغاز النيجيري وجعْله يمر عبر بلادهم إلى أوروبا.

ولأجل ذلك تحوّل الوفد الوزاري التركي إلى طرابلس لتشجيع حكومة عبدالحميد الدبيبة على طلب جعل أنبوب الغاز النيجيري يمر عبر ليبيا، الأمر الذي يعني استلامه نيابةً عن تركيا وتسخيره لصالح شركاتها.

ووصل الاثنين إلى طرابلس وفد تركي يضم وزراء الخارجية مولود جاويش أوغلو، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، والدفاع خلوصي أكار، والتجارة محمد موش، وكذلك رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة فخرالدين ألطون، ومتحدث الرئاسة إبراهيم قالن.

ويرى المراقبون أن سعي تركيا لتأمين مرور أنبوب الغاز النيجيري عبر ليبيا لن ترتاح له الجزائر وسيحبط خططها لجلب هذا الأنبوب وجعله يمر عبر أراضيها في سياق مناكفتها للمغرب، خاصة أن الخط سيكون الأقصر والأسهل نحو المتوسط، وهو ما قد يغري الأوروبيين بالتشجيع على إنشائه، ما يظهر خطورة الخطوة التركية على الحليف الأول لها في شمال أفريقيا، أي الجزائر التي فاتها الانتباه إلى ما تريده أنقرة في المنطقة.

ويعزو هؤلاء المراقبون موقف الجزائر الداعم لحكومة الدبيبة، ومن قبلها سيطرة الإسلاميين على غرب طرابلس، إلى مجاراتها للموقف التركي خاصة بعد زيارة الرئيس عبدالمجيد تبون وحصوله من تركيا على وعد بالاستثمار في الجزائر، مشيرين إلى أن سعي تركيا لإقامة خط الغاز النيجيري يظهر أن أنقرة لا تقرأ حسابا لأصدقائها وحلفائها وأنها تعمل على توظيف الجميع لتحقيق أجندتها.

وفي خطوة مفاجئة قررت حكومة الدبيبة الدخول في معترك المنافسة لنقل غاز نيجيريا إلى أوروبا عبر أراضيها، وهو ما يدعم فرضية وجود تركيا وراء المقترح، خاصة أن الحكومة المسيطرة على طرابلس تكافح لإثبات ذاتها أمنيا وسياسيا، وهو ما يجعل تفكيرها في القيام بمشاريع خارجية كبرى أمرا مستغربا ولا يتماشى مع وضعها.

ويمكن أن تستفيد تركيا من الدعم الأمني والعسكري الذي تقدمه إلى الدبيبة لتجبره على تمرير هذا المشروع وتعقد معه اتفاقية طويلة المدى تعطي الأفضلية لشركاتها في إدارته، تماما مثلما فعلت مع الحكومة التي كان يقودها فايز السراج حيث انتزعت منه في 2019 اتفاقية بشأن الحدود البحرية تتيح لها الدخول على خط غاز المتوسط.

ووقعت حكومة الدبيبة الاثنين سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية الأولية مع تركيا تشمل التنقيب المحتمل عن الطاقة في المناطق البحرية بالمتوسط.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت ستظهر أي اتفاقيات في الواقع تشمل التنقيب في “المنطقة الاقتصادية الخالصة” التي اتفقت عليها تركيا وحكومة السراج، مما أثار غضب دول شرق البحر المتوسط الأخرى.

ومن منظور تلك المنطقة الاقتصادية الخالصة فإن البلدين يتشاركان في حدود بحرية، لكن هذا رفضته اليونان وقبرص وانتقدته مصر وإسرائيل.

وردا على سؤال عن إمكانية أن تعترض الدول الأخرى على مذكرة التفاهم الجديدة، قال جاويش أوغلو “لا يهمنا ما تفكّر فيه (هذه الدول)”. وأضاف أن “الدول الأخرى ليس لها الحق في التدخل”.

وتظهر فكرة خط الغاز النيجيري العابر لليبيا حجم التخطيط التركي لدخول أفريقيا بقوة، وذلك عبر بدائل متعددة منها ما هو أمني وعسكري ومنها ما هو اقتصادي وإنساني.

ويقول وزير النفط في حكومة الدبيبة محمد عون إن المسافة بين آبار الغاز في نيجيريا والأسواق الأوروبية تقل بألف كيلومتر على الأقل، مقارنة بمشروعيْ أنبوبي الغاز الماريْن عبر الأراضي الجزائرية أو المغربية.

ويبلغ طول الخط المار عبر الجزائر 4 آلاف و181 كيلومترا، بينما يبلغ طول الخط المار عبر المغرب 5 آلاف و660 كيلومترا.

وقِصر المسافة بألف كيلومتر على الأقل يقلل كُلفة المشروع ومدة الإنجاز وسعر الغاز النهائي، ويجعل الخط الذي يمر عبر ليبيا أكثر جدوى.

وكان أول إعلان عن بداية التفكير في إنشاء مشروع لأنبوب نقل غاز نيجيريا عبر ليبيا في 16 يونيو الماضي. حينها كشف المتحدث باسم حكومة الدبيبة محمد حمودة، في مؤتمر صُحفي، أن الحكومة “منحت الإذن لوزارة النفط والغاز، لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لجدوى إنشاء مشروع أنبوب غاز من نيجيريا عبر النيجر أو تشاد إلى أوروبا عبر ليبيا”.

وفي 25 سبتمبر أعلن وزير النفط، في مؤتمر صحفي بطرابلس، عن أن وزارته قدمت دراسة لحكومة الوحدة المنتهية ولايتها بشأن خط الغاز النيجيري المقترح إلى أوروبا.

وحُسمت الدراسة الأولية لصالح عبور الأنبوب من النيجر بدل تشاد، وأوضح الوزير الليبي في تصريح صحفي أنه ستُجرى دراسة معمقة في غضون ستة أشهر.

وبدأت بين مسؤولين في حكومة الدبيبة ونيجيريين مباحثات استكشافية حول جدوى هذا المشروع، على هامش اجتماع “منظمة منتجي البترول الأفارقة” في سبتمبر، والتي تضم 16 دولة، من إجمالي 55 عضوا في الاتحاد الأفريقي.

ومن الناحية النظرية يمكن ربط خط أنابيب “أجاوكوتا – كادونا كانو” في نيجيريا، بعد إنجازه، بخط “غرين ستريم” انطلاقا من حقل الوفاء (500 كيلومتر جنوب غرب طرابلس) على الحدود مع الجزائر.

لكن مشروع الخط العابر عبر ليبيا يواجه معضلة رئيسية، تتمثل في تمركز مجموعة فاغنر الروسية بالجنوب على الطريق التي يفترض أن يمر عبرها الأنبوب، ما يمنح موسكو ورقة لرفض إنجازه، خاصة أنه يدخل ضمن البدائل التي تبحث عنها أوروبا لتعويض إمدادات الغاز الروسي.

وليس من المستبعد أن تحاول روسيا بسط نفوذها على الأنبوب الليبي – النيجيري، سواء بالمشاركة في إنجازه أو من خلال عرقلته وتعطيله أو على الأقل وضعه تحت أعينها، واستخدامه كورقة ضغط ضد أوروبا.

واشنطن والرياض أمام مرحلة حاسمة.. ماذا يعني “إعادة تقييم” العلاقة مع المملكة؟

الحرة – واشنطن

واشنطن أصدرت تقريرا يربط بين مقتل خاشقجي وولي العهد السعودي

قرار أوبك بلس يزيد الضغوط على العلاقات المتوترة بين الرياض وواشنطن

في الآونة الأخيرة، أبدت الإدارة الأميركية رغبة في اتخاذ إجراءات لتحسين العلاقات مع السعودية، بعد تدهورها منذ وصول الرئيس، جو بايدن، إلى البيت الأبيض، والذي كان حريصا على عدم التغاضي عن ملف حقوق الإنسان في الممكلة، وخاصة جريمة مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي.

زيارة بايدن للمملكة ساهمت في تعزيز العلاقات بين الجانبين، لكن التعاون بين الرياض وموسكو لخفض إنتاج النفط وزيادة أسعاره، أغضب واشنطن بشكل واضح، ودفع الإدارة والكونغرس للتفكير في إجراء “إعادة تقييم” للعلاقة.

وقال مسؤول في البيت الأبيض، الثلاثاء، أن بايدن سيعيد تقييم العلاقات مع السعودية بعد قرار تحالف “أوبك بلس” بخصوص خفض إنتاج النفط.

وأضاف منسق الاتصالات الاستراتيجية لمجلس الأمن القومي، جون كيربي، في حديث للصحفيين إنه “بالتأكيد في ضوء التطورات الأخيرة، وقرار أوبك بلس بشأن إنتاج النفط، يعتقد الرئيس أنه يجب علينا مراجعة العلاقات الثنائية مع السعودية، لمعرفة ما إذا كانت هذه العلاقة هي المكان الذي يجب أن تكون فيه، وأنها تخدم مصالح أمننا القومي”.

التطورت الأخيرة قد تلقي بظلالها على مستقبل العلاقة بين البلدين، وتحسم طريقة تعامل بايدن مع المملكة في مرحلة حرجة يمر بها العالم بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.

الأمر لم يحسم بعد

ويقول خبراء ومحللون سياسيون أميركيون تحدثوا لموقع “الحرة” إن خطوة “إعادة التقييم” العلاقات مع السعودية قد تعني مجموعة مختلفة من الأشياء، تتراوح من “دراسة الخيارات المتوفرة” إلى إجراءات أخرى، كما تعتقد زميلة معهد واشنطن للدراسات، آنا بروشفسكايا.  إلا أن آخرين يقولون إن يد الإدارة الأميركية قد تكون مقيدة بـ”أفضلية واضحة” للسعودية فرضتها الأوضاع الدولية الحالية.

وتقول بروفشسكايا لموقع “الحرة” إن “الرئيس بايدن قد يكون منفتحا للحديث مع أعضاء في الكونغرس بشأن طبيعة العلاقات بين البلدين، لكن الموضوع ليس محسوما حتى الآن، وإنما هو نظر في الخيارات الممكنة”.

ولا تعتقد بروفشسكايا أن هذا يعني “تحولا” في العلاقات بين البلدين، على الأقل حتى الآن، مضيفة “بالتأكيد هناك أصوات مرتفعة في الكونغرس تطالب بإجراءات مشددة مثل إنهاء عدد من صفقات الأسلحة على سبيل المثال”.

لكن الأمر “ما يزال مبكرا في هذه اللحظة، لأن السعودية لا تزال شريكا استراتيجيا مهما للولايات المتحدة، وعلينا أن ننتظر ونرى”.

وجاءت تصريحات كيربي بعد يوم من هجوم السناتور الديمقراطي المتنفذ، بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، على السعودية، معتبرا ان الرياض “تدعم بشكل فعال روسيا في غزوها الوحشي لأوكرانيا”.

ودعا مينينديز، في بيان، إلى تجميد فوري “لجميع جوانب تعاوننا مع السعودية”، متعهدا باستخدام سلطته لـ “منع مبيعات الأسلحة المستقبلية” للمملكة.

وقال مينينديز “ببساطة لا يوجد مجال للعب على جانبي هذا الصراع – إما أن تدعم بقية العالم الحر في محاولة لمنع مجرم حرب من محو بلد بأكمله بعنف من الخريطة، أو تدعم (مجرم الحرب)”.

وأضاف “لقد اختارت المملكة العربية السعودية الأخير في قرار رهيب مدفوع بالمصلحة الذاتية الاقتصادية”.

أعضاء في الكونغرس يقترحون لوقف مبيعات الأسلحة للسعودية

هدد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السناتور النافذ، بوب منينديز، الاثنين، بعرقلة كل مبيعات الأسلحة المقبلة إلى السعودية، بسبب “دعمها” حرب روسيا في أوكرانيا، بقرارها في إطار تحالف “أوبك بلس” خفض إنتاج النفط.

وقال السناتور، ريتشارد دوربين، من ولاية إلينوي، صباح الثلاثاء، إن “السعودية تريد بوضوح أن تفوز روسيا في الحرب في أوكرانيا”.

وأضاف لشبكة CNN “دعونا نكون صريحين للغاية حول هذا الموضوع، إن بوتين والمملكة العربية السعودية ضد الولايات المتحدة”، مؤكدا أن “السعودية ليست حليفا جديرا بالثقة”.

وأتت الصفقة السعودية الروسية قبل أيام فقط من قصف روسي عنيف لمناطق مدنية أوكرانية، ردا على تفجير جسر حيوي في القرم، كما تزامنت مع مساع دولية لوضع سقف سعري للنفط الروسي لحرمان موسكو من واردات مالية إضافية تمول بها الحرب، وتراجع كبير على الجبهة للجيش الروسي.

“خيارات محدودة”

ومع ذلك، فإن خيارات الولايات المتحدة “قد تكون محدودة”، وفقا لزميل معهد هدسون للدراسات الاستراتيجية، رتشارد وايتز.

وقال وايتز لموقع “الحرة” إن الرئيس بايدن “صرح بأشياء مشابهة في السابق، وقد صرحت الولايات المتحدة بها منذ أزمة النفط في السبعينات، وبعد استهداف مركز التجارة العالمي، ومقتل خاشقجي لكن بدون إجراءات قوية”.

وأضاف “أنا لا أتوقع إجراءات كبيرة” ضد السعودية.

و”يبدو أن الرياض تعتقد هذا أيضا”، وفقا لوايتز الذي قال إن الرياض في “موقف تفاوضي قوي جدا، نحن بحاجة إلى إنتاجهم من الطاقة، ونحتاجهم لتقوية اتفاقات إبراهيم، ونحتاج دعمهم للتعامل مع إيران ولبنان والعراق وأماكن أخرى”.

وتابع بأن “للسعوديين شركاء آخرين هم الصين وروسيا، الذين أصبحوا أكثر انخراطا في الشرق الأوسط مما كانوا سابقا، موفرين للإدارة السعودية خيارات أخرى غير الولايات المتحدة”.

وأضاف “أعتقد أن القيادة السعودية الحالية لم تحب الطريقة التي عوملت بها في أول عام من إدارة بايدن مقارنة بالطريقة التي كان ترامب يعاملهم بها”.

وحذر بعض قدامى المحاربين في السياسة الخارجية بايدن من اتخاذ إجراءات جذرية، وقال مارتن إنديك، الدبلوماسي السابق في الشرق الأوسط والذي يعمل الآن في مجلس العلاقات الخارجية لنيويورك تايمز إنه “يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى إبرام اتفاق استراتيجي جديد مع السعودية بدلا من الطلاق معها”.

“قيادة سعودية أكثر مسؤولية”

وأضاف “نحن بحاجة إلى قيادة سعودية أكثر مسؤولية عندما يتعلق الأمر بإنتاج النفط والسلوك الإقليمي. إنهم بحاجة إلى فهم أمني أميركي أكثر موثوقية للتعامل مع التهديدات التي يواجهونها. يجب أن نتراجع عن حافة الهاوية”.

وقال، آرون ديفيد ميلر، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أمضى أيضا سنوات عديدة في الحكومة التي تتعامل مع شؤون الشرق الأوسط، إن بايدن بحاجة إلى تقييم العيوب المحتملة للانفصال عن السعودية، الحليف الحيوي للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب ومواجهة إيران في المنطقة.

وتعرض بايدن لانتقادات لاذعة لزيارته السعودية في يوليو على الرغم من وعد حملته الانتخابية بجعل المملكة “منبوذة” دوليا لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

وقال كبار إدارة بايدن وقتها بأن الأمر يستحق التضحية السياسية لاستعادة العلاقات مع السعودية لمجموعة متنوعة من الأسباب، مثل الحاجة إلى تعزيز أسواق الطاقة بالنظر إلى الجهود المبذولة لعزل روسيا، واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم.

وفي حين لم تصدر أي إعلانات محددة خلال زيارة بايدن إلى جدة في يوليو، قال مسؤولون أميركيون في ذلك الوقت إن لديهم تفاهما مع السعودية بأنها ستزيد إنتاج النفط في الخريف، وتخفض أسعار النفط قبل موعد انتخابات الكونغرس الحاسمة.

ماذا سيحدث إذا سقطت القوى الثلاث العظمى في العالم؟

الولايات المتحدة والصين وروسيا معرضة للخطر وتداعيات انهيار أي منها كارثية

طارق الشامي   

الحرب في أوكرانيا محطة رئيسية بالنسبة إلى روسيا والولايات المتحدة والصين (أ ف ب)

لم تدم قوة عظمى إلى الأبد، لكن عندما تتعرض الإمبراطوريات للسقوط يكون لانهيارها وقع مدو، مثلما حدث مع الإمبراطورية النمسوية المجرية (هابسبورغ) والإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، والآن تواجه القوى الثلاث العظمى في العالم (الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا) مستقبلاً غير مؤكد، لا يمكن معه استبعاد الانهيار والتفكك. وإذا ما حدث هذا سيزداد الارتباك والاضطراب داخل حدود كل منها وحول العالم. وستكون الولايات المتحدة الضعيفة أو المحاصرة أو المجزأة عاجزة عن دعم حلفائها في أوروبا وآسيا. وفي حال تذبذب نظام الكرملين بسبب عوامل ناشئة عن حرب أوكرانيا قد تصبح روسيا نسخة من يوغوسلافيا السابقة، غير قادرة على السيطرة على أراضيها التاريخية في القوقاز وسيبيريا وشرق آسيا. ويمكن للاضطرابات الاقتصادية أو السياسية في الصين أن تطلق العنان لاضطرابات إقليمية داخل البلاد وخارجها.

فهل تتوافر استراتيجيات للحد من تداعيات السقوط المحتمل؟

لئلا ننسى

في عام 1897 احتفلت الملكة فيكتوريا باليوبيل الماسي الذي يمثل أعلى درجات القوة الإمبراطورية البريطانية في ذكرى مرور 60 عاماً على وصولها إلى العرش. وفي هذه المناسبة ألف شاعر الإمبراطورية روديارد كيبلينغ قصيدة أشبه بالصلاة، أثارت ضجة واسعة لكونها تناولت ملاحظة غير مألوفة، فقد تحدث عن الفخر الذي يتبعه السقوط من خلال مناشدة الله بعدم التخلي عن بريطانيا، في إشارة تحذيرية للذين يحتفلون بالتفوق الإمبراطوري البريطاني بأنه قد يزول في أي لحظة. وأضاف جملة أصبحت مشهورة في الأدبيات العالمية هي “لئلا ننسى”. والآن بعد 125 عاماً أصبح العالم مهووساً بانهيار الإمبراطوريات الجديدة التي حلت محل بريطانيا، وهي الولايات المتحدة، وبدرجة أقل الصين وروسيا.

يبدو أن الشعور بالخطر منتشر الآن في كل مكان، من المحادثات الدبلوماسية الصامتة في جميع أنحاء أوروبا والغرب إلى الكتب والتحليلات السياسية وحتى في أفلام هوليوود. وعلى رغم ما تبدو عليه أميركا الآن من قوة بدعمها أوكرانيا في مواجهة روسيا، وتحذيرها الصين من غزو تايوان، وصعود الدولار كعملة سائدة، فإن ذلك كله لا يعني أن الخلل الوظيفي الداخلي في الولايات المتحدة والاضطرابات الاجتماعية العنيفة لم يكونا قادرين على إشغال أميركا عن تنظيم العالم.

إشارات تحذير

كان الأميركيون مفتونين منذ فترة طويلة بسقوط الإمبراطورية الرومانية، وكثيراً ما يخشون مما إذا كان مصير مشابه ينتظرهم، خصوصاً مع إشارات التحذير المتلألئة التي يطلقها المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة حول احتمال انهيار الديمقراطية الأميركية، مما قد يتسبب في عدم استقرار سياسي داخلي شديد، بما في ذلك اندلاع العنف المدني على نطاق واسع، واحتمال انحدار البلاد إلى حرب أهلية.

وبحسب الباحث توماس هومر ديكسون، في معهد كاسكيد، فإن ما دفع الولايات المتحدة إلى حافة فقدان ديمقراطيتها هو تأثير مضاعف بين عيوبها الأساسية والتحولات الأخيرة في الخصائص المادية للمجتمع التي تشمل ركود دخول الطبقة الوسطى، وانعدام الأمن الاقتصادي في المناطق الداخلية، وتركز النمو في المناطق الحضرية، وتحول اقتصاد البلاد بسبب التغير التكنولوجي والعولمة من قوة الصناعة كمصدر رئيس للثروة إلى قوة الأفكار وتكنولوجيا المعلومات والتمويل.

فجوات متعددة

وهناك عاملان جوهريان آخران، أولهما ديموغرافي، فقد أثار منظرو اليمين مخاوف من أن الثقافة الأميركية التقليدية تتراجع وقد تمحى مع الوقت، وأن البيض يستبدلون في المجتمع بسبب معدلات الهجرة المرتفعة والشيخوخة والزواج المختلط وتراجع الذهاب إلى الكنيسة، ما قلل من النسبة المئوية للمسيحيين البيض في أميركا. والعامل الثاني هو أنانية النخبة، فالأثرياء والأقوياء في أميركا غير مستعدين غالباً لدفع الضرائب، والاستثمار في الخدمات العامة التي من شأنها أن تقلل من الفجوات الاقتصادية والتعليمية والعرقية في البلاد.

وساعدت هذه الفجوات الاقتصادية والعرقية والاجتماعية على إحداث استقطاب أيديولوجي بين اليمين واليسار السياسيين. وأدى الاستقطاب المتفاقم إلى تعطيل الحكومة التي تعمل في ظل يمين ويسار سياسيين معزولين ويزداد احتقار كل منهما للآخر، فيما يعتقدان أن الأخطار وجودية، وأن الآخر يسعى لتدمير البلد الذي يحبه، فيما يتلاشى تأثير المعتدلين سياسياً بسرعة، بينما أصبح السكان المدنيون مدججين بأكثر من 400 مليون سلاح ناري من مختلف الأنواع.

وأسهمت العولمة في تقسيم الأميركيين إلى نصفين متحاربين، أولئك الذين انجرفوا في قيم حضارة عالمية جديدة، وأولئك الذين يرفضونها من أجل حياة أكثر تقليدية تعززها القومية الدينية. وبعد أن كانت الولايات المتحدة المعزولة بالمحيطات ديمقراطية متماسكة اجتماعياً تعمل بشكل جيد في عصر الطباعة والآلة الكاتبة أصبحت أقل نجاحاً في العصر الرقمي الذي غذى ابتكاراته الغضب الشعبوي.

من ضامن للأمن إلى مصدر للاضطراب

هكذا أصبحت أميركا القوة العظمى الأولى عالمياً أكثر ضعفاً في الداخل، وتحولت من الضامن الأكبر لأمن النظام العالمي إلى أكبر مصدر محتمل لاضطرابه. وطالما كانت هذه هي الحال فإن الدبلوماسيين والمسؤولين والسياسيين وعامة الناس داخل الولايات المتحدة وخارجها سيكونون مهووسين بانهيارها، سواء أكان ذلك بسبب الخوف الحقيقي من الانهيار أو لأنهم لن يتمكنوا من فعل أي شيء حيال ذلك، وفقاً للباحث والكاتب في صحيفة “أتلانتيك” الأميركية توم ماك تاغ.

وتشير الحرب بين روسيا وأوكرانيا وقيادة الولايات المتحدة الغرب إلى أن النظام الدولي أصبح أكثر اعتماداً على القوة العسكرية والاقتصادية والمالية الأميركية الآن عما كان عليه قبل بضع سنوات. مع ذلك هناك شعور قوى بأن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة الانهيار النهائي. فهي منقسمة للغاية وغير متماسكة وعنيفة بإطلاق النار الجماعي في الأماكن العامة، ومختلة وظيفياً بما قد لا يسمح لها بالحفاظ على ما يطلق عليه مرحلة (باكس أميركا) أو السلام الأميركي أسوة بمرحلة (باكس رومانا) أو السلام الذي فرضته الدولة الرومانية القديمة ودام 200 عام. ويبدو أن موسكو وبكين تعتقدان أن التفكك الأميركي الكبير قد بدأ، بينما يشعر المسؤولون في أوروبا بالقلق من الانهيار الأميركي المفاجئ.

ليست أوروبا وحدها التي تشعر بالقلق بل دول شرق آسيا أيضاً، إذ تظل الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على موازنة النفوذ الإقليمي للصين، مما يعني أنه ستكون لانهيار أميركا عواقب تاريخية على مستوى العالم، فمن بولندا وأوكرانيا ودول البلطيق في أوروبا إلى اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والفيليبين في آسيا يعتمد أمن النظام العالمي على القوة الأميركية.

أثر الانهيار الأميركي

لا يبدو أن أحداً يتمنى من الناحية الواقعية الانهيار الكامل للولايات المتحدة حتى في أكثر السيناريوهات تشاؤماً، إذ يظل اهتزاز السلطة في أميركا أو انخراطها في أزمات داخلية طويلة مثيراً للقلق، ليس بسبب تدهور النظام السياسي والمالي وانتشار الاضطرابات المتوقع في أنحاء الولايات المتحدة فحسب، بل بسبب الآثار الارتدادية على العالم أجمع أيضاً. فمن الناحية الاقتصادية يرتكز كثير من الأنظمة المالية في العالم على الدولار الأميركي الذي قد يصبح عديم القيمة في حال حدوث انهيار مالي هائل. وتمتلك الحكومات في جميع أنحاء العالم كميات ضخمة من الديون الأميركية التي قد تتخلف الولايات المتحدة عن سدادها، مما يجعل ممتلكاتها عديمة القيمة. وقد تفقد الصين تريليوني دولار على الفور وتصبح جميع الأدوات المالية بلا قيمة، ويتبخر معها 200 تريليون دولار، وستتوقف القروض والبنوك، مما يعني انهياراً يشمل جميع دول العالم. وتكفي نظرة واحدة على أزمة الرهن العقاري عام 2008 لرسم سيناريوهات أكثر سوءاً للاقتصاد العالمي يبدو معها الكساد العظيم الذي شهده العالم في ثلاثينيات القرن العشرين أو الحرب العالمية الثانية كنزهة قصيرة.

على الصعيد العسكري، من المرجح أن يؤدي انشغال القوات الأميركية بشؤونها الداخلية أو عجزها أو انسحابها من المشهد العالمي إلى انهيار النظام العالمي المبني على القواعد، الذي أنشأته الولايات المتحدة وحلفاؤها عقب الحرب العالمية الثانية. وهو ما قد يشجع على نوع من الانفلات الأمني بين الدول التي تشهد علاقاتها نزاعات على الأراضي أو الحدود أو المياه أو الثروات المعدنية، وكذلك بين حكومات الدول من ناحية والجماعات والميليشيات التي لا تخضع لنفوذ دول من ناحية أخرى. والأهم من ذلك أن البحرية الأميركية قد تعجز عن أداء دورها الذي مارسته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تأمين خطوط الملاحة الدولية. وهذا يعني أن التجارة الدولية قد تصبح في خطر مع تزايد القرصنة الدولية وانخراط عديد من الدول المارقة أو وكلائها في عمليات ابتزاز ونهب. وهذا يعني تهديد سلاسل التوريد وانهيار التجارة والصناعة ونظام توزيع الغذاء في مختلف دول العالم وانتشار الفقر والمجاعات.

الانحدار

وإذا كان القرن العشرون قد تشكل عقب انهيار عدد من الإمبراطوريات في العقود الأولى من القرن الماضي وما أعقب ذلك من حروب واضطرابات جيوسياسية في العقود اللاحقة، فإن انحدار الإمبراطوريات أو القوى العظمى الحالية يمكن أن يؤدي إلى مشكلات أكبر، كما يقول خبير الجغرافيا السياسية في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن روبرت كابلان.

على رغم أن القوى العظمى اليوم ليست إمبراطوريات فإن روسيا والصين تحملان آثار تراثهما الإمبراطوري، والولايات المتحدة على رغم أنها لم تحدد رسمياً على أنها إمبراطورية فإن توسعها في اتجاه الغرب في أميركا الشمالية وخلال حروبها الإقليمية الخارجية أعطى الولايات المتحدة نكهة إمبراطورية في القرن التاسع عشر. وفي حقبة ما بعد الحرب تمتعت بمستوى من الهيمنة العالمية لم تكن معروفة سابقاً إلا للإمبراطوريات.

ولهذا فإن ضعف الولايات المتحدة والصين وروسيا أو اكتشاف أنها أكثر هشاشة مما تبدو عليه يستلزم القدرة على التفكير بشكل مأسوي، من أجل تجنب المأساة وتطوير تصورات كافية في بكين وموسكو وواشنطن لتجنب أخطار الانهيار المحتمل، خصوصاً أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة خاضت حروباً مدمرة للذات مثل حرب روسيا في أوكرانيا وحربي الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أما الصين فإن هوسها بغزو تايوان يمكن أن يؤدي إلى تدمير نفسها.

في حال إضعاف أي من القوى العظمى أو جميعها سيزداد الارتباك والاضطراب داخل حدودها وحول العالم، كما يشير كابلان في مقال نشره موقع “فورين بوليسي”. ومع مواجهة هذه القوى العظمى الثلاث مستقبلاً لا يمكن استبعاد الانهيار أو حدوث درجة من التفكك على رغم اختلاف المشكلات والتحديات من بلد إلى آخر.

خطر تفكك الاتحاد الروسي

تواجه روسيا الخطر الأكثر إلحاحاً، فحتى لو انتصرت بطريقة ما في حرب أوكرانيا ستتعين عليها مواجهة الكارثة الاقتصادية المتمثلة في الانفصال عن اقتصادات الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى ما لم يكن هناك سلام حقيقي. وهو أمر يبدو الآن غير مرجح، لذا قد تكون روسيا الرجل المريض في أوراسيا، كما كانت الإمبراطورية العثمانية. ومن المحتمل أن تؤدي حرب أوكرانيا إلى إجهاد الاقتصاد الروسي الضعيف، وإلى تقويض قوة النظام، وفضح القوات المسلحة الروسية كنمر من ورق، وإضعاف مكانة الرئيس فلاديمير بوتين بين النخب، ولا يستبعد المحللون داخل روسيا وخارجها إمكانية انهيار الاتحاد الروسي في نقطة ما وتحوله إلى سلسلة من الدول المستقلة.

ويشير ألكسندر موتيل وماكس بيزيور في تحليل لهما نشره موقع “إي يو أوبزيرفر” إلى مناطق وأقاليم عدة ستكون مرشحة للانفصال عن روسيا، وعلى رأسها في الجنوب سكان إنغوشيا والشيشان وداغستان الذين يبلغ عددهم الإجمالي 5.2 مليون نسمة، حيث تظهر الأنظمة السياسية الثلاثة هويات وطنية قوية، وتعتنق الإسلام، ولجأت إلى العنف ضد روسيا في الماضي.

وفي الشرق تظهر بعض المناطق مثل مقاطعة سخالين وبريمورسكي وخاباروفسك وكامتشاتكا وجمهورية سخا (ياقوتيا)، وهي مناطق مهمة استراتيجياً كونها تحتوي على مخزونات من الغاز والنفط ومنافذ لتصدير الفحم وتصدر 20 في المئة من إنتاج روسيا من الذهب. وفي قلب روسيا تعد تتارستان وباشكورتوستان من المناطق القليلة التي لديها ترتيب دستوري فريد يمنحها قدراً كبيراً من الحكم الذاتي، ويبلغ عدد سكانهما معاً نحو ثمانية ملايين نسمة.

وإذا أدت الحرب إلى انتصار أوكرانيا أو إذا وصلت إلى طريق مسدود، فإن عدم استقرار نظام بوتين سينمو بشكل كبير، ومن المرجح أن تنفجر بعض مناطق الاتحاد الروسي، خصوصاً إذا ما ظل الكرملين منشغلاً بالصراع على السلطة.

مشكلات عدم الاستقرار في الصين

أما بالنسبة إلى الصين فقد تباطأ نموها الاقتصادي السنوي وقد يصل قريباً إلى أرقام معدلات منخفضة، بعد أن هرب رأس المال من البلاد وباع المستثمرون الأجانب مليارات عدة من الدولارات من السندات الصينية ومليارات الدولارات الأخرى في الأسهم الصينية. وفي الوقت نفسه تقدم سكان الصين في السن وتقلصت قوتها العاملة، الأمر الذي لا يبشر بالخير بالنسبة إلى الاستقرار الداخلي في المستقبل، فمن خلال تقويض مستوى معيشة المواطن الصيني العادي يمكن أن تهدد السلام الاجتماعي، وقد تمتد الاضطرابات إلى الخارج.

أميركا: الجمهوريون في حرب مع الرأسمالية بسبب موقفهم من تغير المناخ

وعلى سبيل المثال يمكن للاضطرابات الاقتصادية أو السياسية في الصين أن تطلق العنان لاضطرابات إقليمية داخل البلاد، وتشجع الهند وكوريا الشمالية اللتين تقيدان سياساتهما الخارجية بسلوك بكين.

ويحذر رئيس مؤسسة السياسة الأميركية الصينية تشي وانغ هو من تحول الصين مرة أخرى إلى فوضى اقتصادية أو عنف مثلما حدث عقب الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أن التداعيات ستكون أسوأ بالنظر إلى أن الصين حالياً تضم أكثر من سدس سكان العالم، وبسبب العولمة أصبح اقتصاد الصين متشابكاً مع اقتصاد العالم أكثر من أي وقت مضى. ولهذا فإن انهيار الصين أو حتى انحدارها سيمتد أثره عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعالم بأسره.

ويعتبر الباحث في معهد كاتو كلارك باكارد أن إلحاق الضرر بنحو 1.3 مليار صيني لا علاقة لهم بالحزب الشيوعي ينذر بالخطر، لأن من شأن أي انزلاق قوي للصين أن يؤذي أيضاً الأميركيين من ذوي الدخل المنخفض والأقل ثراءً في جميع أنحاء العالم بسبب تداعيات تعثر ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

سيناريوهات البقاء

وبسبب هذه التحولات التي يشهدها العالم الآن من المحتمل أن تتشكل قوة عالمية جديدة، وفقاً لنتيجة المنافسات العسكرية والتطورات العالمية والداخلية. وفي أحد السيناريوهات تتراجع روسيا بشكل حاد بسبب حربها في أوكرانيا، وتجد الصين أنه من الصعب تحقيق قوة اقتصادية وتكنولوجية مستدامة في ظل الحزب الشيوعي الصيني الذي يرتد إلى اللينينية الأرثوذكسية، بينما تتغلب الولايات المتحدة على الاضطرابات الداخلية، وفي النهاية تعاود الظهور كقوة أحادية القطب كما حدث بعد الحرب الباردة.

وفي السيناريو الثاني يظهر عالم ثنائي القطب من الولايات المتحدة والصين، التي تحافظ على حراكها الاقتصادي حتى عندما تصبح أكثر استبداداً.

أما السيناريو الثالث فهو التراجع التدرجي لجميع القوى الثلاث، مما يؤدي إلى درجة أكبر من الفوضى في النظام الدولي.

وعلى رغم أن لا قوة عظمى تدوم إلى الأبد فإن المثال الأكثر إثارة للإعجاب على الصمود هو الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت من 330 بعد الميلاد حتى غزو القسطنطينية خلال الحملة الصليبية الرابعة عام 1204، ثم استمرارها ضعيفة حتى هزمها العثمانيون عام 1453. وسبب استمرارها على مدى أكثر من ألف عام ربما يعود إلى عوامل عدة، أبرزها أنها كانت أقل ميلاً لتدمير أعدائها وإدراكها أن عدو اليوم يمكن أن يكون حليف الغد. وهو أمر لم يكن سهلاً أن تتبعه الولايات المتحدة التي تحاول فرض أجندتها على الآخرين، حتى عندما يؤدي ذلك إلى الإضرار بالمصالح الجيوسياسية لها.

لكن بعد دروس العراق وليبيا وأفغانستان جاء رد إدارة بايدن المحسوب نسبياً في أوكرانيا، بعدم اشتراك قوات أميركية في الحرب وتقديم النصح غير الرسمي للأوكرانيين بعدم توسيع حربهم إلى الأراضي الروسية، وهو ما يمثل نقطة تحول قد تساعد في تجنب الحروب الكارثية.

مع ذلك يروج البعض في واشنطن إلى أن مصير الولايات المتحدة هو التورط في أزمات خارجية وبعضها بالقوة العسكرية، على اعتبار أن تلك هي طبيعة العالم المتزايد في الكثافة السكانية والمتشابك مع بعضه بعضاً، وعلى أساس أن القوى العظمى ظلت على قيد الحياة دائماً بهذه الطريقة.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى