مقالات

دور بريطانيا في صناعة اسرائيل قراءة في كتاب من الانتداب إلى النكبة

                                                        أسامة خليفة

                           باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

كتاب «من الانتداب إلى النكبة» هو الإصدار الأول من سلسلة «دليل المعرفة» التي تصدر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»، ما بين التقديم و الملحق، تتسلسل عناوين الكتاب حسب ما ورد في الفهرس: جذور القضية الفلسطينية – الثورة الكبرى في فلسطين – التشكيلات السياسية للحركة الوطنية – من الحزب الشيوعي إلى عصبة التحرر.

في هذه العناوين ورد في الكتاب، أن اضطرابات فلسطين وانتفاضاتها وثوراتها إنما هي ناشئة مباشرة عن السياسة البريطانية-الصهيونية التي ترمي إلى إخفاء القومية العربية في وطنها الطبيعي لكي تحل محلها قومية يهودية لا وجود لها، بينما حاولت الامبريالية البريطانية والصهيونية تضخيم الأحداث والثورات الفلسطينية لتخدع الرأي العام أن الصدام بين العرب واليهود عنصري ديني، وإظهار اليهود كحمل وديع، وما العرب إلا ذئاب متوحشة، ويمكن القول في هذه الناحية أن الصراع بدأ قومياً، ثم ظهر وكأنه صراع ديني بفضل التحريض الاستعماري البريطاني والصهيوني والفتن التي دبروها، وانخدع بنتيجتها من انخدع من وجوه إسلامية بارزة، ساهمت هي أيضاً بدورها في تضليل فئات شعبية كان يسودها الأمية والجهل، إلا أن ومنذ بداية الثلاثينات من القرن الماضي بدأ يبرز وعي قومي لطبيعة الصراع، ومثالها الأبرز الشيخ عز الدين القسام ذو شخصية وثقافة إسلامية، لكنه وأنصاره أدركوا أن المعركة هي مع الامبريالية البريطانية والصهيونية لا مع اليهود، لكن ربما يكون هذا الوعي قد فات أوانه في أواسط الثلاثينات حيث تحولت غالبية اليهود الرافضين للفكر الصهيوني إلى مؤيدين لمشروع إقامة وطن قومي لهم في فلسطين .

بدأت المواجهة الأولى مع نظام الانتداب في رفض الحركة القومية الموحدة في سوريا الطبيعية الاحتلال، ووعد بلفور، ومطامع الصهيونية، والتجزئة، ولا يمكن فصل الحركة العربية في فلسطين عن الحركة القومية العربية في العالم العربي التي طالبت باستقلال سوريا المتحدة من طوروس إلى رفح.

من 27/1 ولغاية 9/2/1919 عقد القوميون العرب من فلسطين في القدس المؤتمر الفلسطيني الأول، وفي 15/5/1920 عقد القوميون العرب من فلسطين مؤتمرهم الثاني في القدس، أكدوا خلالهما تمسكهم بوحدة سوريا الطبيعية ورفضوا المشروع الصهيوني، وبرز التنظيم القومي الفلسطيني في المؤتمر الفلسطيني الثالث الذي انعقد في حيفا في14/12/1920 بعد معركة ميسلون وانهيار الحكومة العربية في دمشق، وكان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الناشئ، ويكيف النضال القومي حسب الأوضاع الجديدة، وانتخب المؤتمر لجنة تنفيذية برئاسة موسى كاظم الحسيني كانت بمثابة قيادة الحركة القومية في ذلك الحين، ووضع المؤتمر الفلسطيني الخامس ميثاقاً بقي دستور الحركة الوطنية الفلسطينية عبر مسيرتها، وينص:« نحن، ممثلي فلسطين، أعضاء المؤتمر العربي الخامس، نقسم أمام الله والأمة والتاريخ بأن نواصل المساعي المشروعة لتحقيق الاستقلال والاتحاد العربي، ورفض الوطن اليهودي والهجرة الصهيونية».

بلغ عدد المؤتمرات 7 في عشرينيات القرن العشرين، أظهرت تطور الحركة القومية العربية الفلسطينية التي بدأت تواجه مشكلة الصهيونية، وتجابهها لا بالشعار مثل رفض وعد بلفور، بل بالمقاطعة ومقاومة الهجرة، تجاوبت مع هذه القيادة جماهير فلاحية وشعبية، لكن لم ترتبط بها برابطة تنظيمية، فبقيت القيادة فضفاضة تنظيمياً وأيديولوجياً بينما الحركة الصهيونية لها تنظيماتها المتطورة وأجهزتها الاستيطانية القوية تستند إلى أيديولوجيا عدوانية متعصبة، تؤيدها الامبريالية البريطانية، الأمر الذي أحدث فارقا، وزاد في هذا التفاوتً أن القيادة الصهيونية بورجوازية عصرية، بينما القيادة الفلسطينية تألفت من ملاك الأرض الكبار أو أبناء العائلات الاقطاعية، نشب بينهم صراع أدى إلى تقاطب اجتماعي حول عائلة الحسيني وأنصارها، وعائلة النشاشيبي وأنصارها، فالمجلس الإسلامي الأعلى اتصل مع الفلاحين، ورئاسة بلدية القدس التف حولها أعضاء بلديات أخرى متصلة بأهالي المدن ووثيقة الاتصال بالتجار وأصحاب المهن الحرة، واستخدم الدين لإضعاف الخصوم، وأدخل الدين عنصراً في الحركة القومية العربية، فظهرت القومية العربية وكأنها ضد اليهود لا الأمبريالية البريطانية، وأصبح يستساغ أن يكون لمن يعقد صداقة مع الإنكليز ويروج لمطالبهم أن يكون له شأن في الحركة القومية العربية إذا كان مناوئاً لليهود والحركة الصهيونية، وحتى العام 1929 واصلت الحركة القومية العربية نشاطها السياسي على شكل مؤتمرات ووفود تحج إلى لندن وتحاول إقناع المسؤولين فيها -الذين تظاهروا بتأييد العرب ضد الصهيونية- بعدالة القضية الفلسطينية.

جذور القضية الفلسطينية، مرحلة تاريخية غير محددة البداية -مختلف فيها- تنتهي بتاريخ إعلان وعد بلفور، وما تبعه مباشرة من تنفيذ عملي بالاحتلال البريطاني لفلسطين نهاية العام 1917.

يشير الكتاب إلى صعوبة تحديد تاريخ أول حدث بدأت معه نشوء العقدة الفلسطينية، التي لم تنشأ في عزلة من الأحداث العالمية، بل كانت جزءاً لا يتجزأ منها، وأن ثلاث قوى تفاعلت فيما بينها وتصارعت وخلفت القضية الفلسطينية، ويصعب الجواب على التساؤل: ايهما أسبق في إحداث الدفع الأول لنشوئها؟. الامبريالية البريطانية؟. أم الحركة الصهيونية؟. أما القوة الثالثة ينظر كثيرون إليها أنها كانت منفعلة وليست فاعلة في إثارة حدث البدء لهذه العقدة، فالحركة القومية العربية الفلسطينية، يراها ايديولوجيون صهيونيون أنها نهضت كرد فعل على «حركة البعث القومي اليهودي»، والحقيقة التاريخية تؤكد أن الحركة القومية العربية في المرحلة العثمانية تجاوزت الإقليمية، وكانت فلسطين في مطلع القرن العشرين عندما ظهرت الحركة الصهيونية، جزءاً من سوريا الطبيعية ولم تكن وحدة جغرافية مستقلة أو كياناً سياسياً منفرداً، وأن القطرية نشأت مع تنفيذ سايكس بيكو.

لا نستغرب ابداً فقرة في الكتاب بعنوان الكولونيالية البريطانية تصبح صهيونية قبل نشوء الحركة الصهيونية، والاسبقية كانت بمدى نصف قرن، حين اندفع كتّاب إنكلترا وساستها إلى الدعوة لبسط النفوذ البريطاني على فلسطين واستخدام «أبناء اسرائيل أو العبرانيين» في استيطانها على نسق المستوطنين الأوروبيين في أمريكا وصدرت الكتب العديدة تدعو لتحقيق ذلك، واعتبر من أيد الفكرة الصهيونية، أن استيلاء اليهود على فلسطين بحماية بريطانية ضرورة قصوى لحماية طريق الهند، لاسيما عنما تنبهت بريطانيا إلى أهمية المنطقة الجيواستراتيجية بعد حملة إبراهيم بن محمد علي باشا على سوريا ومحاولته إقامة دولة عربية كبيرة وقوية تسيطر على الطريق إلى شرق أسيا، مما دعا حتى من عارض إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين للتسليم به كضرورة عسكرية خوفاً من أن تقع فلسطين في إيدي مؤذية للامبراطورية البريطانية.

يتفق كثيرون أن في أوروبا نشأت الأيديولوجيا الصهيونية، وقامت حركتها السياسية، لا في الشرق، حيث ساد الطوائف اليهودية المتبقية في العراق ومصر وشمال أفريقيا الفكر الغيبي الأسطوري، فقد انتقل أعداد من هؤلاء إلى أوروبا وتحول أكثريتهم من طوائف آسيوية شرقية إلى طوائف أوروبية تعيش في غيتوات، يتعرضون للاضطهاد في مجتمعات تتسم بالتعصب الديني، ومع هذا الاضطهاد -الذي لم يشمل اليهود فقط- لم تنشأ أيديولوجيا صهيونية وبقيت فكرة الخلاص وقدوم المخلص في إطارها الديني.

بعد الثورة البرجوازية في فرنسا، عمل نابليون على عقد اجتماع مجلس السنهدرين، أراد منه أن يؤدي إلى ولاء اليهود في كل مكان لفرنسا، كان التئام المجلس حدثاً هاماً في حياة الطوائف اليهودية في أوروبا في القرن 19 لأنه وضع أسس أيديوليوجية لحل المسألة اليهودية، وكان أهم الأسئلة التي أجاب عنها : أيعتبر اليهود الذين ولدوا في فرنسا، فرنسا وطناً لهم؟. 

ويجمع المؤرخون على أن انتصار الثورة البرجوازية في أوروبا عامة حطم جدران الغيتوات، وفتح الطريق واسعة أمام اندماج الطوائف اليهودية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً بالشعوب التي كانت تعيش بين ظهرانيها، إنما في روسيا القيصرية بقيت القيود عليهم زمناً طويلا، ًوعاش اليهود حياة صعبة، وتعرضوا لمجازر في مناطق عديدة، ونشأت في روسيا البذور الأولى للحركة الصهيونية، ونشأت هناك في النصف الثاني من القرن 19 منظمة «أحباء صهيون» تدعو إلى الهجرة إلى فلسطين، لكن تبلورت الفكرة الصهيونية المعاصرة في كتاب تيودور هرتسل «الدولة اليهودية»، الذي اقترنت الحركة الصهيونية به لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بال في سويسرا عام 1897.

من النكبة إلى الانتداب مرحلة تاريخية مهمة في النضال الوطني الفلسطيني امتد ثلاثين عاماً من دخول قوات الاحتلال البريطاني 1918 فلسطين، وحتى تاريخ خروجها من أراضيها في 14أيار/ مايو 1948، خاض خلالها الشعب الفلسطيني معركة التحرر الوطني بأفق الاستقلال الناجز، والسيادة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني الاحتلالي، وفي امتداده الاستعمار الصهيوني الاستعماري الإحلالي، مرحلة ترتب عليها ما يسمى «القضية الفلسطينية» وجوهرها «مسألة التبديد القومي لشعب فلسطين واقتلاعه من وطنه وتقسيم واحتلال بلاده وحرمانه من حقه الطبيعي في تقرير مصيره على أرضه». 

لقد تم تزييف النضال الفلسطيني في تلك الفترة حول حقيقة الحركة القومية العربية في فلسطين وتصويرها تصويراً عنصرياً بتضخيم الصدامات بين العرب واليهود، بالادعاء أن العرب أعدوا مجزرة لليهود في العيد الإسلامي موسم النبي موسى، وصدام القدس الذي وقع في 4 نيسان/ابريل 1920 كان لأسباب عديدة لا تمت للعنصرية بصلة، فالجماهير العربية كانت تتوق إلى الاستقلال وترغب في تقرير المصير في سوريا الطبيعية وتتخوف من الوطن القومي اليهودي.

وكان الصدام الثاني اضطرابات يافا في أول أيار/ مايو 1921 في يوم عيد العمال العالمي، وانتهت لجنة التحقيق إلى أن مظاهرة “البولشفيك ” حزب العمال الاشتراكي” البعيد عن الفكر الصهيوني هو الشرارة التي أشعلت الصدامات باصطدامها مع عمال الهستدروت الصهاينة، وكانت الاحتجاجات على كثرة المهاجرين الذين يزاحمون المحليين، فالمنظمة النقابية اليهودية والصهيونية تدعو لاحتلال العمل وطرد العمال العرب من الأشغال التي يملكها يهود، وتحولت الهستدروت من أداة العمال اليهود في النضال الطبقي إلى أداة لتنفيذ سياسة العمل العبري أو احتلال العمل من العمال العرب الأرخص أجراً، ومن هنا أصبحت أداة ممارسة المخطط الصهيوني الأساسية، بتوفير فرص عمل أكثر لاستيعاب مهاجرين يهود جدد أكثر، بل ويعترف بن غوريون كيف استطاع إقناع المسؤولين بطرد حارس شركسي واستبداله بحارس يهودي، مع الإشارة إلى أن قوة الدفاع «الهاجاناه» نمت من حركة الحراس 1920 وكانت في البداية تحت إشراف الهستدروت.

سياسة مبدأ العمل اليهودي في الاقتصاد اليهودي هذه، أسهمت في ازدياد عدد الفلاحين المعدمين بسبب امتلاك المنظمات الصهيونية الأراضي الزراعية وإجلاء المزارعين العرب منها، ترافق ذلك مع سياسة الإدارة البريطانية في تفضيل العمال اليهود على العرب، مما أثار شعور النقمة على الإدارة البريطانية والصهيونية، حيث برز التعاون بين مؤسسات احتكارية أجنبية والبرجوارية اليهودية وأعطيت امتيازات لشركات يهودية، مثل توليد الطاقة الكهربائية ومشروع بوتاس البحر الميت.

كانت هذه التطورات عاملاً في حوادث عام 1929 حيث قامت الامبريالية البريطانية بلعب دور خبيث بتأجيج الاحتراب بين اليهود والعرب استرشاداً بمبدأ فرق تسد، واعتبرت المصادر البريطانية والصهيونية حوادث 1929 رداً على قيام «الوكالة اليهودية» كأبرز حدث في الحركة الصهيونية في هذا العام، الذي شهد تزايد مساحة الملكيات اليهودية من الأراضي الفلسطينية، وإنشاء الكيبوتسات المخصصة فقط لعمل الشاب اليهودي ، وتزايد أعداد اليهود ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه في نهاية الحرب العالمية الأولى.

أما الرواية العربية فتؤكد أن حائط البراق ملك المسلمين، ويوم 14 آب/أغسطس تظاهر في القدس يهود في ذكرى «خراب الهيكل » رد عليهم العرب بتظاهرة وصلت إلى ساحة البراق وأزالت المظاهر اليهودية، وفي اليوم التالي تظاهر في القدس شباب يهود يهتفون « الحائط حائطنا»، المظاهرات الثلاث شحنت الجو بالتوتر لكنها مرت بسلام، إلى أن وقعت مشاجرة عابرة بين شاب عربي وآخر يهودي، أدت إلى مقتل الأخير في حادثة طعن، فبدأت الصدامات في مختلف أنحاء البلاد، وأطلق العرب اسم ثورة البراق على أحداث العام 1929، واعتبروها انتفاضة قومية ضد الصهيونية والانتداب البريطاني.

في رسالة وصفها الفلسطينيون بالسوداء وألغت مفعول الكتاب الأبيض حول تطوير الحكم الدستوري وتقليص الحكم الامبريالي المباشر، وجهتها الحكومة البريطانية إلى حاييم ايزمن بتاريخ 13 شباط/فبراير 1931 وادعت أنها تفسير للكتاب الأبيض لا غير، عملت هذه الرسالة عملها في القوى السياسية الفلسطينية، إذ برز تياران بعد 1931، تيار يغلب الطابع الإسلامي ويضفي على الصراع لوناً دينياً بحيث ينزع الصراع القومي للتحول إلى صراع ذي طابع ديني، النظرة الأحادية هذه رأت أن الصراع صراعاً حصرياً بين اليهود والعرب، مثّل هذا التيار المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1931 وجمع ممثلين من أكثر من 20 قطراً لا ينتسبون إلى حركة عامة، أو يمثلون حركات مغرقة في الرجعية مثل أولئك الذين زعموا أنهم يمثلون روسيا الاتحادية، ركزت قرارات المؤتمر الاسلامي العام على تنمية التعاون بين المسلمين، وحماية المصالح الإسلامية وصيانة المقدسات، وإنشاء جامعة تعمل على توحيد الثقافة الاسلامية، وحاول إخضاع اليقظة القومية العربية لفكرة الجامعة الإسلامية الرجعية، وتجاهل نداء الجماهير العربية في فلسطين من أجل الاستقلال، فذهبت قراراته العملية أدراج الرياح، مثل: إقامة الجامعة الإسلامية في القدس، إقامة شركة لإنقاذ الأراضي العربية في فلسطين، وتأسيس شركة زراعية كبرى يشترك فيها العالم الإسلامي، انسحبت العناصر الواعية وبدافع اليقظة العربية من ضيق أفق المؤتمر الإسلامي العام، لتعقد مؤتمراً لها قررت فيه سيادة العامل القومي العربي.

والتيار الآخر يتخلص من النظرة الدينية، ويتجاوزها إلى مفاهيم قومية وعربية، ويمثله مؤتمر الشباب العربي، يتألف من أبناء الشعب الفلسطيني، ويرى المعركة الجوهرية بين الحركة القومية والإمبريالية البريطانية التي توظف الصهيونية لمقاصدها.

كان هناك عوامل موضوعية أخرى للتحول في الحركة القومية العربية، حركت قوى وطنية، وساعدتها على الرؤية الصحيحة، وأضعفت الطابع الديني للصراع، ووجهت النضال في المرحلة الجديدة ضد الإنكليز باعتبارهم المسؤولين عن السياسة التي ترمي محوهم وإبادتهم ، وهذه العوامل الموضوعية هي:

1-  نمو البرجوازية العربية الفلسطينية البطيء جداً واكتشافها أن الطريق مسدود أمامها بسبب الامبريالية والصهيونية.

2-  في استمرار عملية إجلاء الفلاحين العرب عن الأراضي التي باعها الإقطاعيون للهيئات الصهيونية.

3-  نمو الطبقة العاملة العربية تنظيمياً، حيث عقد مؤتمر العمال العرب الأول عام 1930، الذي أكد على طابع حركة التحرر القومي العربي المعادي للامبريالية.

4-  المبادرة إلى تأليف حزب الاستقلال أول حزب فلسطيني في شهر آب/ أغسطس 1932 من العناصر التي انتمت إلى الحركة القومية العربية العامة (جمعية الفتاة العربية)، ودعا إلى مكافحة الاستعمار وما جره من نكبات والابتعاد عن السياسات المحلية والشخصية والعائلية، ورغم فشله التنظيمي إلا أنه استنفر النشاط الثوري، وانفجر هذا النشاط بهبة عام 1933 المعادية للامبريالية البريطانية.

امتدت التظاهرات التي اندلعت في العام 1933 على مدى ستة أسابيع وشملت القدس ويافا ثم حيفا ونابلس وسائر المدن الفلسطينية، وكانت تعبيراً مجسداً عن نضالية الجماهير ووعيها، امتازت بالثورية وتحدي قوى القمع الاستعمارية، اصطدمت بقوات الأمن الانتدابية وأسفرت عن وقوع العديد من الشهداء، واشتركت النساء فيها بشكل واسع، مما يدلل على عمق التحسس الشعبي بقضية الحرية التي حركت مختلف فئات الجماهير.

لقد  تأسست أحزاب فلسطينية كانعكاس لفعاليات هبة 1933، فبعد هذه الهبة تأسس حزب الدفاع الوطني برئاسة راغب النشاشيبي، وانتهج سياسة المهادنة مع الامبريالية البريطانية وهو يمثل البرجوازية المدينية الناشئة وكبار الموظفين، وفي 24 نيسان 1935 تأسس الحزب العربي الفلسطيني وقادته من عائلة الحسيني ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني ويمثل الإقطاعيين وكبار تجار المدن، عمل على نشر نفوذه بين الفلاحين تحت شعارات تمزج بين الدين والقومية، أما حزب الكتلة الوطنية، وحزب الإصلاح، فأعلانا غايتهما في استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية، حزب الشباب الفلسطيني ويرأسه يعقوب الغصين، هذه القيادات لم تكن متمرسة بالنضال الاستقلالي، ولم تكن مسلحة بالعقل التنظيمي، وهذا التعدد الحزبي كان شكلياً ولم يعبر عن الخارطة الطبقية تعبيراً صادقاً فالأكثرية الساحقة من الجماهير لم تكن ممثلة فيه.

وحده الحزب الشيوعي الفلسطيني ضم في صفوفه عرباً ويهود، ودعا إلى النضال ضد الامبريالية البريطانية والصهيونية، ويرى أنهما في جبهة واحدة، ودعا الجماهير اليهودية إلى تأييد هذا الكفاح باعتباره يعبر عن مصالحها الحقيقية.

والأهم من كل هذه الأحزاب، ظهور تنظيم سري يؤمن بالثورة المسلحة ويعد لها، يعتمد على الفئات الشعبية ويعمل بين العمال والفلاحين، تشكّل في عزلة عن القيادة القومية التقليدية وكفر بأساليبها، ورأى أن العدو الجوهري هو الانتداب البريطاني، ولم يخلط بين الصهيونية واليهود، كشف عن هذا التنظيم السري المعركة الحامية التي جرت في جبال جنين واستشهد خلالها الشيخ عز الدين القسام الذي مثل بسوريته وأزهريته ونضاليته العامل الديني والوطني والعربي، وقد شكل استشهاده حدثاً بارزاً لا يمكن تجاهله، اندلعت خلال وعقب تشييعه موجة مظاهرات دلت على توثب الجماهير الشعبية، واستعدادها الثوري، وكان محركها مجموعة منظمة ممن يسمون القساميين الذين لعبوا دوراً هاماً في إشعال ثورة 1936، فقد كانت حركة القساميين نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماَ في تقرير شكل متقدم من أشكال النضال، ووضعت زعامات الحركة الوطنية التقليدية المشتتة أمام امتحان لا يمكن الفرار منه، وأمام تحدٍ ما لم يركبوا الموجة الشامخة التي فجرها القسام، مما أرغم القيادة الفلسطينية على تبني الكفاح المسلح، بعد أن تعمقت حالة الاستعمار، وتحولت إلى حالة استعمار إسكاني صهيوني وصلت إلى ذروتها في أواسط الثلاثينات، وتصاعد خلالها العنف اليهودي والعنف الاستعماري.

حسب رأي اللجنة الملكية البريطانية، لجنة بيل، أن انفجار ثورة العام 1936يعود لسببين رئيسيين: رغبة العرب بنيل الاستقلال القومي، كرههم لإنشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه، وذكرت اللجنة أسباباً ثانوية أخرى، أما قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية فيمكن استنتاج أسباب الثورة من الشعارات الثلاثة الأساسية التي كانت تتوج بها مجموع مطالبها: 1- الوقف الفوري للهجرة اليهودية. 2- حظر نقل ملكية الأراضي العربية إلى اليهود. 3- إقامة حكومة ديمقراطية يكون النصيب الأكبر فيها للعرب وفقاً لغالبيتهم العددية.

لقد وضعت ثورة 1936 الامبريالية البريطانية في موقف حرج، وكانت الثورة الشعبية المسلحة أقرب إلى الانتصار في أواخر العام 1937 وبداية العام 1939، ضعفت في هذه الفترة سيطرة القوات البريطانية على فلسطين، ووصلت هيبة الاستعمار إلى الحضيض، رأت بريطانيا أن الانتداب لم يعد يصلح لمواصلة تحكمها في فلسطين، ولهذا قدرت أن التقسيم قد يكون الشكل الأنسب لكسب ولاء الطرفين اليهودي والعربي، وضمان وجودها بادعاء حماية مصالح الجانبين، وتجددت الثورة احتجاجاً على التقسيم وعلى مجمل السياسات البريطانية مما أسهم في تجميد مشروع التقسيم ولو مؤقتاً، واستمرت الثورة في مرحلتها الثانية رغم تشديد إجراءات القمع التي انتهجتها الحكومة البريطانية.

 في الريف أخذ الصراع شكله القومي المباشر، لأن الأموال اليهودية المتدفقة بغزارة أدت إلى ارتفاع ملكية الجماعات اليهودية من الأراضي الزراعية التي أدت إلى إفقار الفلاحين والبدو على نطاق واسع، وتم طرد عائلات من أرضهم، وكانت كل قطعة أرض يشتريها اليهود تصبح غريبة عن العرب، وكأنها اقتطعت من جسم فلسطين ونقلت إلى بلاد أخرى، إن الأساس الاقتصادي لهذا الصدام فادح الخطورة ولا يمكن فهمه إلا بإدراك وجهه القومي فقد انسحق الفلاحون الفلسطينيون تحت وطأة كابوس مثلث: الغزو الصهيوني للأرض، والملكية الإقطاعية، وفداحة الضرائب التي تفرضها حكومة الانتداب ضمن سياسة تهدف إلى وضع الفلاح في حالات اقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، فكان التحدي الذي يأخذ مكان الصدارة هو التحدي القومي، تحد زاد من حدته نمط الحياة الزراعية باعتبارها نمط حياة اجتماعية بتقاليد رسختها الثقافة الشعبية التي أصبحت طقساً من طقوس الحياة وتقليداً من تقاليدها، والتي عبرت عن نفسها بالأمثال الشعبية، هذه الأمثال التي لها سطوة القانون، وتطور نوع من الزجل السياسي يعكس هموم ومطامح الفلاحين، وله سطوة تشبه سطوة الإعلام المعاصر.

أما مثقفو المدن فكانوا ينتمون إلى عائلات كبار الملاك شبه الإقطاعية أو البرجوازية التجارية والصغيرة منها، كان هؤلاء دعاة ثورة ذات قيم وأهداف برجوازية ليبرالية نظرية لا يتوفر لها أساس مادي حقيقي يتبلور في حركة ذات نفوذ وذات برنامج، محرومة من قاعدة صلبة لهذه البرجوازية، وقام المثقفون المنحدرون من عائلات ريفية ومدينية بدور بارز في التحريض الثوري، عموماً لعب المثقفون من خلال الشعر والصحافة دوراً مهماً في التحذير من وعد بلفور والتنبيه لأخطار الاستيطان والهجرة اليهودية إلى فلسطين و مخاطر امتلاك الصهيونيين أراض فلسطينية.

شارك البدو مشاركة بارزة في ثورة 1936 وفي ثورة 1929، وكانوا يشكلون ما نسبته 35% من السكان تقريباً، يجعلهم الجوع على حافة الانتفاضة المسلحة، والبدو يمدون بلا انقطاع جيش الفلاحين المحرومين من الأرض وأنصاف البروليتاريا بأيد وأفواه جديدة.

لقد امتزج النضال الطبقي بالمصلحة القومية وبالمشاعر الدينية، وأمام الحلف المتين بين مجتمع الغزو الذي بنته الصهيونية في فلسطين وبين الامبريالية البريطانية لم يكن من الممكن تغييب أولوية السمة القومية لذلك النضال، وأمام الحمى الدينية التي أرتكز عليها الغزو الصهيوني لفلسطين، والتي التصقت بكل مظاهره، كان من المستحيل ألا يتمترس الريف الفلسطيني المتخلف وراء المشاعر الدينية كمظهر من مظاهر معاداة الغزو الامبريالي الصهيوني، وبهذا استطاعت القيادة الاقطاعية – الدينية أن تتربع على رأس الحركة الجماهيرية.

وتشكلت اللجنة العربية العليا في 25 نيسان/ ابريل 1936 وأعلنت الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراً من 15أيار/مايو 1936 حتى تغير الحكومة البريطانية سياستها وتبادر بوقف هجرة اليهودية, فاتخذت الثورة في الريف طابع العصيان المدني والعصيان المسلح، استعانت بريطانيا بالمستوطنين فسلمت قوتهم المحلية جزءاً كبيراً من واجبات القمع، وأصدرت مرسوم بالأحكام العرفية وشددت خطها القمعي، ووجهت ضربتها إلى الكادر التنظيمي وقد طال الاعتقال من كان منهم الأكثر ثورية، وطال القمع الجماهير الفقيرة المشتركة بالثورة بعنف لا مثيل له، واستخدموا نفوذهم الواسع لدى الأنظمة العربية لتلعب دورها في وقف الثورة، فوجه فوزي القاوقجي بلاغاً يطلب فيه وقف العنف تماماً وترك ميدان القتال بضمانة الحكام العرب.

 وكانت الحكومة البريطانية خلال أحداث الثورة قد شردت القيادة التقليدية الفلسطينية، جزء غادر البلاد هرباً من الاعتقال والقمع، وذهب المفتي إلى برلين، واعتقلت السلطات آخرين وأبعدتهم إلى روديسيا، وتهاود نفر آخر مع الامبريالية البريطانية وعادوا إلى البلاد.

وصرفت الامبريالية البريطانية زعماء البرجوازية العربية المدينية من دور الوكيل الأول لأنه وجد وكيلاً أكثر كفاءة وأشد رسوخاً وأرقى تنظيماً هو الحركة الصهيونية، أما القيادات شبه الاقطاعية التي ناضلت من أجل موفع أفضل في النظام الاستعماري، ولم تستطع أن ترضِ صفوف الطبقات التي تتعطش لطرد القهر القومي المزدوج، والقهر الطبقي المزدوج عن صدرها، رغم أنها استعارت شعارات الجماهير التي لم تكن تستطيع ولا ترغب في دفعها إلى مداها، وسلكت أشكال من النضال ليس من طبيعتها.  

يرجع الحزب الشيوعي الفلسطيني أسباب فشل الثورة إلى خمسة أسباب رئيسية: غياب القيادة الثورية، فردية قادة الثورة وانتهازيتهم، عدم وجود قيادة مركزية لقوات الثورة، ضعف الحزب الشيوعي الفلسطيني، عدم ملائمة الوضع العالمي.

ويضيف د. عبد الوهاب كيالي أسباباً أخرى هامة: (التعب من القتال والضغط العسكري المتواصل، والأمل أن تتحقق بعض جوانب الكتاب الأبيض، معاناة العجز في الأسلحة والذخائر).

ويبدو أن الخلل الرئيسي في الثغرة الناشئة عن الحركة السريعة في المجتمع في انقلاب شديد من مجتمع زراعي عربي إلى مجتمع صناعي يهودي، قد غيب البرجوازية الوطنية المتوسطة والصغيرة عن لعب دورها التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية، وأتاح للزعامات الاقطاعية الدينية فرصة تزعم هذه الحركة دون منازع.

لقد كانت النواة التي نشأت حولها الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة تمثلت في تأسيس الجمعيات الإسلامية – المسيحية في الفترة بين 1918-1920 وقد نشأت للتعبير عن رأي العرب في مواجهة الخطر الصهيوني المتمثل عياناً بالوجود الصهيوني، وبتأسيس هذه الجمعيات التي تضم المسيحيين والمسلمين شاء العرب أن يظهروا متحدين في رفض المشروع الصهيوني، وكان اسم الجمعيات في الظروف التي نشأت فيها يدل على تضامن العرب على اختلاف طوائفهم في بلد كفلسطين تتميز بمكانة دينية خاصة عند أتباع الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية.

ومن الثابت أن الجمعية الإسلامية- المسيحية الأولى أُسست في يافا قبل أيار/ مايو 1918، ثم توالى تأسيس الجمعيات الأخرى حتى بلغ عدد ما تأسس منها 15، وذلك في كل من بيت لحم والخليل وغزة وبئر السبع وطولكرم ونابلس وجنين وبيسان وحيفا وعكا والناصرة وطبريا وصفد، فضلاً عن يافا والقدس حيث تميزت جمعيتهما بالنشاط والمثابرة.

هدفت هذه الجمعيات من الناحية الرسمية المعلنة «المحافظة على حقوق أبناء الوطن المادية والأدبية وترقية شؤون الوطن الزراعية والاقتصادية والتجارية وإحياء العلم وتهذيب الناشئة الوطنية»، ووراء هذه العبارات العامة، اختفت الغاية الحقيقة السياسية التي نشأت الجمعيات من أجلها، وهي غاية تكشفت عبر نشاطها في انها أخذت على عاتقها رفع صوت العرب والاحتجاج والمطالبة بحقوقهم المشروعة في وطنهم والدفاع عنها.

وعلى الرغم من أن هذه الجمعيات حملت اسماً من طبيعة دينية فقد كان نشاطها كله سياسياً ولم يُعرف لها نشاط واحد ديني. وفد استمر تأثير وفعالية الجمعيات الإسلامية- المسيحية طيلة فترة العشرينات من القرن العشرين.

والسؤال: لماذا اقتصرت الجمعيات على هاتين الديانتين، ولم تشمل إحداها الديانة السماوية الثالثة؟. بما يدل على التسامح الذي ساد في فلسطين بين الديانات في فترات سابقة للفكر الصهيوني؟.

لقد اتصل العرب باليهود مقترحين معهم التوصل إلى نوع من الاتفاق على أساس قطع العلاقات مع بريطانيا الاستعمارية، ولكن اليهود رفضوا على الفور، لأنهم يعتبرون علاقتهم ببريطانيا علاقة جوهرية.

وقد اتضحت هذه العلاقة الاستراتيجية في استعانت بريطانيا بالمستوطنين، وجندت الكثير منهم في البوليس لقمع انتفاضة شعب فلسطين، فقام هؤلاء وبقيادة ضباط بريطانيين بمهاجمة قرى عربية، وأخذت بريطانيا الاستعمارية تميل باضطراد نحو الإسراع في تنظيم قوة دفاع يهودية متطوعة مشحونة حتى أقصى الحالات ضد السكان العرب، وبلغ قوامها 6500 مسلح لقمع ثورة 1936، كما سهلت بريطانيا الاستعمارية تشكيل قوة يهودية كان تعدادها في الهاغاناه 12ألف رجل، 3آلاف من اتباع جابوتنسكي، يقول ييجال آلون في كتابه بناء الجيش الإسرائيليـ كانت السنوات 1937-1939ذروة الاستيطان الطليعي والتسرب العسكري إلى مناطق مكشوفة .. والفوز بموطئ قدم في مناطق حيوية استراتيجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى