مقالات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

أغضبت شرطة الاحتلال

قناة عبرية تكشف عن خطوة جديدة قام بها أهالي شعفاط لمنع تتبع واعتقال منفذ العملية

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية ،مساء اليوم الثلاثاء، عن خطوة جديدة قام بها أهالي مخيم شعفاط في محاولة لمنع تتبع واعتقال منفذ عملية إطلاق النار في حاجز شعفاط.

وبحسب القناة 13 العبرية، فإن أهالي مخيم شعفاط أحرقوا الكاميرات بشكل كامل من محيط الحاجز الذي وقعت فيه عملية إطلاق النار منذ أكثر من أسبوع ونصف، في محاولة لمنع تتبع واعتقال منفذ العملية.

وأضافت:” شرطة الاحتلال غاضبة من أهالي مخيم شعفاط بعد رفضهم التعاون وحرقهم لتسجيلات الكاميرات التي وثقت حركة منفذ عملية حاجز شعفاط التي قُتل بها رقيب في جيش الاحتلال، مشيرة إلى أن هناك تخوف شديد الآن من تنفيذه عملية أخرى.

ووفقًا للقناة، فإن السكان وأصحاب المحال التجارية لم يكتفوا بحذف ما سجلته الكاميرات من عملية هروبه من المنطقة، بل أحرقوا الكاميرات بالكامل، ما صعب من مهمة ملاحقة المنفذ.

وأشارت القناة، إلى أن قوات الاحتلال تواصل البحث عن المنفذ، واعتقلت العديد من أفراد عائلته الليلة الماضية.

وفي السياق، ذكرت قناة كان العبرية، أن رئيس أركان جيش الاحتلال أفيف كوخافي التقى مع كبار الضباط والجنود في مكان العمليتين بشعفاط ونابلس، وطالبهم بمزيد من اليقظة بعد أن نجح المنفذان بقتل الجنود على غفلة من القوات المتواجدة بالمنطقة وسرعة انسحابهم.

يذكر أن شبان فلسطينيون من مخيم شعفاط، شمالي القدس المحتلة، قاموا بحلق شعرهم بالكامل، لتضليل قوات الاحتلال الإسرائيلية أثناء بحثها عن منفذ “عملية شعفاط”، الذي يظهر من خلال صوره الشخصية أنه دائماً حليق الرأس بدرجة صفر.

ومن خلال “فيسبوك”، نشر شبان من مخيم شعفاط رسائل تدعو شبان المخيم وعموم الشبان الفلسطينيين إلى التخاطب في ما بينهم باسم عدي، عسى أن يعيق ذلك الرقابة التي يفرضها الاحتلال على الاتصال في سعيه للوصول إلى عدي.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي فرض حصار مطبق على مخيم شعفاط شمال مدينة القدس المحتلة، بحثاً عن الشاب عدي التميمي (23 عاماً)، الذي يتهمه الاحتلال بتنفيذ عملية إطلاق النار على حاجز عسكري قرب المخيم، أدت إلى مقتل مجندة إسرائيلية وغصابة اثنين آخرين، أحدهما بجروح خطيرة.

ورغم تمكّن جيش الاحتلال من تحديد هوية منفذ العملية بعد مراجعة فيديوهات لموقع تنفيذ العملية واعتقال عدد من أقاربه، إلا أنه فشل حتى اللحظة في اعتقاله.

الرابحون والخاسرون من “إعلان الجزائر”‎‎

هاني المصري

لا نبالغ في القول إنّ “إعلان الجزائر” يمثل إعلان مبادئ، وكل نقطة فيه بحاجة إلى اتفاق جديد، ويمثّل تراجعًا ونسخة مشوهة من الاتفاقات السابقة، خصوصًا اتفاق القاهرة في أيار/ مايو 2011.

ومن ناحية الشكل، فمن الملاحظ أن المشاركين في الحوار هم الفصائل نفسها التي شاركت في الحوارات السابقة، من دون إضافات نوعية وكمية لا بد منها، خصوصًا من الحراكات والقوائم والشخصيات الاعتبارية وممثلي الشتات والمرأة والشباب.

وتؤشر عدم مشاركة الرئيس محمود عباس في حوار الجزائر على الرغم من انخراط الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مساعي لم الشمل، إلى عدم توفر النية والجديّة والإرادة، كما أن تشكيل الوفد الفتحاوي من دون أن يضمّ أيًّا من رجال الرئيس فيه مؤشر آخر، فضلًا عن أنّ عدم توصل اللقاءات التمهيدية التي سبقت اللقاء الأخير إلى نتيجة له دلالته هو الآخر.

كما أعطى عدم قيام التلفزيون الفلسطيني ببث وقائع توقيع “إعلان الجزائر” إشارةً مبكرة حول الجدية في تنفيذ ما اتفق عليه، فعدم التغطية يدل على أن الرئيس محمود عباس لا يبارك الاتفاق، على الرغم من توقيع رئيس وفد حركة فتح عليه، بعد حذف بند الحكومة منه، جراء الخلاف على كيفية الإشارة إلى الشرعية الدولية؛ إذ أصرّ وفد “فتح” على صيغة عمومية تسمح بإعطائها التفسير المناسب، الذي يتضمن شروط اللجنة الرباعية الدولية، وطلب الاكتفاء بعبارة تحدد الموافقة على قرارات الشرعية الدولية، من دون إضافات أخرى، بينما رفض وفد حركة حماس وعدد من الوفود الأخرى ذلك، وأصروا على ربط الموافقة على قرارات الشرعية الدولية بتلك التي تدعم الحقوق الفلسطينية، ووافق وفد حركة فتح واحتفل المتحاورون في الاتفاق، وجاء الرئيس الجزائري للمباركة، إلى أن جاء اتصال من الرئيس عباس برفض الصيغة المتفق عليها، وبعد حوار لساعات للاتفاق على الصيغة تم الاتفاق على حذف البند المتعلق بالحكومة.

ما حصل يثبت أن وفد فتح غير مخول، وأنّ الرئيس ليس مجرد شخص أو فريق، فهو صاحب القرار الذي يجمع كل السلطات والصلاحيات بيديه، ويصدر المراسيم بإجراء الانتخابات، وهو الذي يدعو الأمناء العامين للانعقاد، وهو الذي يمثل فلسطين في القمة العربية التي ستبحث في “إعلان الجزائر”.

مغزى حذف بند الحكومة

هناك من يقول إن حذف بند الحكومة غير مهم كثيرًا، لأن الأهم هو ما تضمنه الإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني حيثما أمكن كل على حدة خلال مدة أقصاها عام، وهذا غير صحيح، فحذف بند الحكومة له مغزى مهم وحاسم، فالحكومة هي التي من المفترض أن تنفذ معظم بنود الإعلان، فهي التي ستوحد المؤسسات، وتنهي الانقسام، وتعالج آثاره، وتحضر وتشرف على إجراء الانتخابات، وتوفّر مقومات الصمود… إلخ.

كما أن الخلاف على الشرعية الدولية وكيفية تضمينها في الاتفاق يعكس استمرار الخلاف على إستراتيجية العمل السياسي، والموقف من المفاوضات والتسوية، وما يسمى “حل الدولتين”، والموقف من الالتزامات المترتبة على اتفاق أوسلو، بدليل عدم الإشارة إليها، ولو عن طريق التأكيد على القرارات السابقة بشأنها الصادرة عن المجلسَيْن المركزي والوطني، فالأهم عند المبخّرين للاتفاق أن الإعلان تضمن إجراء الانتخابات خلال مدة أقصاها عام، لدرجة أن بعض القادة المتحمسين للاتفاق ادّعوا أنها المرة الأولى التي يتم فيها تحديد مواعيد.

وهذا الأمر غير صحيح، فالاتفاقات السابقة حددت مرات عدة مواعيد وأحيانًا أيامًا محددة لإجراء الانتخابات، بل لقد صدرت في العام الماضي المراسيم بمواعيد إجرائها، وسُجِّلت القوائم الانتخابية لانتخابات المجلس التشريعي، وألغاها الرئيس في اللحظات الأخيرة بذريعة القدس، وهي الذريعة التي يمكن أن تستخدم مرة أخرى ما دام لا توجد نصوص ملزمة تتحدث عن إجراء الانتخابات رغمًا عن الاحتلال؛ حيث تضمن الإعلان عبارة “بما في ذلك بالقدس وفق القوانين المعتمدة”، خصوصًا أن أحوال حركة فتح سيئة، كما يظهر في الخلافات والصراعات، وعدم تحديد موعد للمؤتمر الثامن، وبالتالي فإنّ حظوظها الانتخابية صارت أسوأ؛ ما يعزز بصورة أكبر احتمال عدم إجراء الانتخابات، وتأجيلها إلى أجل غير مسمى.

وهنا، ليس من الواضح ما المقصود في “إعلان الجزائر” بإجراء انتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن بعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، فلم تجر انتخابات للمجلس الوطني في السابق حتى يقال وفق القوانين المعتمدة. ففي ظل غياب بند يتضمن تشكيل لجنة تحضيرية لعقد مجلس وطني جديد كما كان يجري في السابق دليل آخر على غياب الإرادة وعدم الجدية؛ لأن المجلس الوطني القديم انتهت مدته منذ زمن، لذا يكون من مهمات اللجنة التحضيرية استكمال البحث في صيغ مشاركة أعضاء المجلس الوطني في التجمعات المختلفة، خصوصًا التي لا يمكن إجراء انتخابات فيها، مثل الأردن وفلسطين الداخل (48) على سبيل المثال لا الحصر.

كان يمكن التخفيف من التأثير السلبي لعدم الاتفاق على بند الحكومة لو تضمن إعلان الجزائر:

أولًا: التوافق على البرنامج الوطني الذي يجسد القواسم المشتركة (الأهداف وأشكال العمل والنضال والمراحل والتحالفات)، وهو مفتاح الوحدة وأساسها، ومن دونه لا يمكن أن تتحقق، ولا معنى لها، خصوصًا أن الاتفاق على البرنامج الوطني يوفر أساسًا قويًا للشراكة، سواء إذا تمكن الفلسطينيون من إجراء الانتخابات أم لا.

وهذا مؤشر مقلق؛ لأن غياب الإشارة إلى الأهداف والحقوق، بما فيها حق تقرير المصير والعودة والاستقلال الوطني، يحدث للمرة الأولى؛ حيث كانت دائمًا هناك إشارة إلى المرجعيات الوطنية، مثل: مقررات اجتماعات المجلسَيْن الوطني والمركزي، ووثيقة الوفاق الوطني، والاتفاقيات الموقعة… إلخ.

ثانيًا: الاتفاق على صيغة محددة وملزمة حول دور الأمناء العامين، وليس اعتبارها هيئة استشارية كما جاء في مسودة أولى، بل يجب أن تكون لها صلاحيات قيادية؛ حيث جاءت الصيغة حول هذا الأمر في الإعلان مبهمة من دون تحديد صلاحيات قيادية خلال الفترة الانتقالية، خلافًا لما هو وارد في اتفاق القاهرة أيار 2011، من تحديد صلاحيات قيادية لما سمي حينها “الإطار القيادي المؤقت”.

مستلزمات إجراء الانتخابات

إذا كان عدم بث التلفزيون الفلسطيني مفهومًا، فما الذي منع تلفزيون الأقصى المحسوب على “حماس” من بث وقائع حفل التوقيع، على الرغم من أن إسماعيل هنية ترأس وفد الحركة، وأشاد بالإعلان، ووصفه بأنه “بمستوى التحديات”، وأن الشعب سيقيم “الأفراح” جراء التوصل إليه. فهنية اعتبر الانتخابات بوابة إنهاء الانقسام، مع أنه يدرك أن لا انتخابات على الأبواب؛ لأن تجربة إلغائها في العام الماضي أضافت سببًا إضافيًا للأسباب التي تمنع إجراء الانتخابات قبل إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والوزارات والأجهزة الأمنية الفلسطينية.

إن الانتخابات تحت الانقسام والاحتلال، ومن دون إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات ضمن توافق على تصور متكامل أساسه الاتفاق على البرنامج السياسي لن تُجرى، وإذا جرت لن تكون حرة ونزيهة وتُحترم نتائجها، وإذا كان عقد مؤتمر “فتح” الثامن متعذرًا جراء الخلافات، فكيف ستذهب “فتح” إلى انتخابات عامة وهي في أسوأ حال، والنتائج ستكون معروفة سلفًا؟!، وإذا وافق الرئيس و”فتح”، وهذا مستبعد جدًا، على إجراء الانتخابات، فلن يسمح الاحتلال بإجرائها، وإذا سمح فسيصادر نتائجها إذا وجدها غير مناسبة، كما فعل في انتخابات 2006. لذا من المهم التوافق على تصور متكامل وطني ديمقراطي لمواجهة مختلف السيناريوهات والاحتمالات، وتوفير القدرة على فرض إجراء الانتخابات؛ لأن الموجة الانتفاضية الحالية وآفاقها المحتملة ليست الوقت المناسب لإجراء الانتخابات.

الرابحون من “إعلان الجزائر”

الرابح أولًا وأساسًا من إعلان الجزائر الاحتلال؛ لأن عدم الاتفاق على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس برنامج وطني، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة عبر تشكيل مجلس وطني جديد، وتغيير السلطة، وإجراء الانتخابات؛ يصب في صالح استمرار تنفيذ المخططات الاحتلالية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها، وخصوصًا المضي في فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وتقطيع أوصالها، استعدادًا لضم أقسام منها، واستكمال تهويدها، وخصوصًا القدس والمقدسات،

أما الرابح الثاني، وبشكل رمزي يحفظ ماء الوجه ليس أكثر، فهو الجزائر؛ لأن رعايتها للحوار، وهي تستعد لعقد القمة العربية التي تريدها بداية إحياء للتضامن العربي المفقود؛ يعطيها دورًا إقليميًا في القضية الفلسطينية التي لا تزال محورية عند الشعوب العربية، وعند الجزائر رئيسًا وحكومة وشعبًا.

وأما الرابح الثالث فهي حركة حماس؛ لأنها بدت أمام الجميع متحمسة للوحدة، بينما الطرف الآخر بدا مترددًا معرقلًا، وهذا يتيح لـ”حماس” تحسين وضعها الفلسطيني وعلاقاتها بالجزائر، ويزيد من فرص تعزيز الاعتراف العربي والدولي بها، ومن حصولها على حصة من الدعم الجزائري لفلسطين؛ حيث تعهدت الجزائر بتقديم خمسين مليون دولار لدفع مصاريف الوحدة الفورية.

الخاسرون من “إعلان الجزائر”

الخاسر الأول من الفشل الذي عبّر عن نفسه بصورة زائفة من النجاح هو الشعب الفلسطيني وقضيته؛ حيث باتت الوحدة أبعد عن التحقق مع أنها أكثر إلحاحًا في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي في الضفة، واندلاع موجة انتفاضية غير مسبوقة منذ انتفاضة الأقصى، والتطورات الدولية الدراماتيكية الحاصلة والمحتملة.

أما الخاسر الثاني فهو حركة فتح ورئيسها، التي تبدو باستمرار في الآونة الأخيرة خلافًا لحنكتها السابقة بمظهر الحريص على إفشال مختلف مبادرات الوحدة، وهذا سيزيد من تراجعها وتشرذمها.

وأما الفصائل الأخرى فهي تمارس دورها كشاهد الزور في مباركة ما يتم الاتفاق عليه بين حركتي فتح وحماس، والمراوحة بين لعب دور الوسيط الذي يضخم دوره ويحرص على البقاء تحت الأضواء، أو دور سيارة الإسعاف والإطفاء، أو تحميل طرف أو طرفي الانقسام المسؤولية عن استمرار الانقسام، وإعفاء نفسها من المسؤولية.

من المسؤول عن استمرار الانقسام؟

يتحمل الرئيس المسؤولية أولًا عن استمرار الانقسام؛ كونه صاحب القرار والمعطل لمبادرات الوحدة، كما تتحمل حركة فتح المسؤولية ثانيًا؛ لأنها تبدو مسلوبة الإرادة، وتتحمل حركة حماس المسؤولية ثالثًا؛ لأنها نفذت “الانقلاب/الحسم”، ولأنها تعطي الأولوية لاستمرار سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة؛ حيث أصبحت المقاومة ثانيًا وتستخدمها لخدمة حاجات السلطة، لذا تسود في الضفة معادلة “التنسيق والتعاون الأمني مقابل ما يسمى السلام الاقتصادي”، وفي القطاع معادلة “تهدئة مقابل تسهيلات واقتصاد وعمال”، في حين إنّ معركة سيف القدس التي وحدت القضية والأرض والشعب بدت حالة منفردة لم تتحول إلى إستراتيجية جديدة، كما يدل أن “حماس” وبقية الفصائل تغطي وتدعم ثورة الضفة الحالية ولا تقودها، مع تجميد المقاومة المسلحة الفصائلية في الضفة؛ لأن قيادتها وتنفيذ عمليات مسلحة يمكن أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية في غير أوانها، وتترتب عليها أثمان باهظة، بينما تريد “حماس” وحدة تبقي القطاع تحت سيطرتها، وتمكّنها من دخول المنظمة والاحتفاظ بمكاسبها وبسلاح المقاومة من دون إستراتيجية موحدة وقيادة واحدة.

وإن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا لا تغادر “حماس” الانتظار والتذبذب بين إدانة الرئيس و”فتح” تارة، والاتفاق معهما تارة أخرى؟ ولماذا لا تقدم تصورًا متكاملًا، وخطة عملية لإنهاء الانقسام تضمن الشراكة، وتحفظ وحدانية التمثيل للمنظمة، مع ضرورة إعادة بناء مؤسساتها، بما يضمن إنقاذ القضية والشعب والأرض؟

فإذا وافق الرئيس و”فتح” على ذلك فأهلًا وسهلًا، وإذا لم يوافقا تتم بلورة مظلة وطنية من كل الحريصين على الوحدة والمقاومة والشراكة والانتخابات، تقوم بفرض الوحدة ميدانيًا، ومن أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل، كلما وأينما أمكن ذلك، إلى أن يتم إقناع أو إجبار الرئيس و”فتح” على الانضواء فيها أو تتجاوزهما الأحداث؛ حيث يمكن أن يجري في هذا السياق إحياء المشروع الوطني الموحد وتغيير السلطة واستعادة المنظمة لكي تؤدي دورها الوطني بوصفها ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.

الفصائل والحراكات والشخصيات بين التبرير والتبشير

بعد ذلك، تتحمل الفصائل والمؤسسات والحراكات والشخصيات المستقلة المسؤولية، التي تبرر عجزها، أو تبشر بالمستقبل الواعد، أو تسير وراء الخرافات والنبوءات، ولكن لا تفعل شيئًا في أحيان كثيرة سوى الانتظار، أو لعب دور الوساطة في موضوع هي فيه شريك لا وسيطًا، أو لعن طرفي الانقسام أو طرف دون آخر، أو نعي الحركة الوطنية بكل مكوناتها من دون تقديم بديل ولا ضرب المثل.

إنّ ما يجري في الضفة يدل على أن الشعب شرع في أخذ زمام المبادرة، ويقرر مصيره بنفسه، ولكن هذه عملية طويلة وبحاجة إلى وقت ومراحل، بعد أن تخلّت المرجعيات الوطنية كلها بأشكال متفاوتة عن دورها، وخلقت فراغًا كبيرًا، إن لم يملأه الشعب سيملأه الاحتلال وأدواته وعملاؤه ومخططاته، بمساعدة من لاعبين آخرين فلسطينيين وعرب وإقليميين ودوليين، بما يؤذن بعودة الوصاية والاحتواء والبدائل.

هناك أمل إذا كانت هناك إرادة

على الرغم مما سبق، يمكن مواصلة الجهود لإنهاء الانقسام مسلحين بثورة الضفة التي تتطلب الوحدة، وبصمود غزة، وبتمسك الشعب بقضيته وحقوقه، وموظِّفين الدور الجزائري الذي تعهد بطرح الأمر على القمة، شرط ألا يكتفي بما جاء في “إعلان الجزائر” وبمباركة ما يتم الاتفاق حوله، بل يساعد على رفع سقفه، وتكامل الدورَيْن المصري والجزائري من أجل تطوير الموقف والدور العربي، وأدوار الأصدقاء وكل الحريصين على بقاء القضية حية وسيرها على طريق الانتصار.

ملامح انتفاضة

بقلم عبد الغني سلامة

لا حرب محتدمة، ولا مفاوضات جارية، ولا عملية سياسية قائمة، ولا انتفاضة شعبية.. حالة سكون غير مسبوقة، مع أفق سياسي مغلق تماما.. وهذه الحالة لم يعد ممكنا لها أن تستمر أكثر، فالقضية الفلسطينية تمر في واحدة من أسوأ مراحلها، لدرجة أنها لم تعد تشغل العالم..

داخليا، الشعب الفلسطيني على وشك الانفجار.. لكن الانقسام ما زال قائما، ويعيق أي تقدم سياسي، ويكبح إمكانية قيام انتفاضة شعبية شاملة.. ومع أن اتفاق الجزائر للمصالحة مهم، إلا أنه حسب المعطيات بعيد عن التنفيذ.. يأس في طور التحول إلى غضب.

إسرائيليا، ما زالت الحكومات الإسرائيلية تواصل سياسات التهويد والضم والاستيطان، مع تصعيد في عمليات الاغتيالات والاعتقالات وهدم البيوت.. وتتعامل مع الفلسطينيين (خاصة قطاع غزة) وكأنهم كيس ملاكمة، وتستخدم الدم الفلسطيني كدعاية انتخابية، وترفض تقديم أي بادرة إيجابية تجاه الفلسطينيين حتى لو كانت رمزية وبسيطة (مثلا الإفراج عن الأسير ناصر أبو حميد المصاب بالسرطان في مراحله الأخيرة).. منطق العربدة والغطرسة.

أميركيا ودوليا، العالم مشغول بحرب أوكرانيا، وتبعات أزمة الطاقة، وما يسميه الحرب على الإرهاب، والقضية الفلسطينية في آخر أولوياته، وكل من راهن على تغير الموقف الأميركي بعد رحيل ترامب أصيب بخيبة أمل، فها هو بايدن يواصل تطبيق بنود صفقة القرن، ولكن بلغة دبلوماسية ناعمة، وأقصى ما قدمه للفلسطينيين الدعاء لهم بالتوفيق.. ورئيسة وزراء بريطانيا تعد بنقل سفارة بلادها إلى القدس، أسوة بأميركا.. ازدواجية المعايير.

عربيا وإسلاميا، جميع الأقطار العربية مشغولة بقضاياها الداخلية، ومعالجة تداعيات “الربيع العربي”، فضلا عن دخول دول جديدة في نادي التطبيع .. أما ما يسمى محور المقاومة فقد انتهى بترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية بدعم من حزب الله.. سقوط آخر الرهانات.

بشكل عام، الوضع من سيئ إلى أسوأ، بل إن وضع القضية قبل خمس سنوات كان أفضل، فخلال هذه المدة جرت تراجعات خطيرة: صفقة القرن، موجة التطبيع، تدمير غزة. 

هذا يعني أنه لم يعد لدى الفلسطينيين ما يراهنون عليه؛ لا عرباً، ولا مجتمعاً دولياً، ولا محور مقاومة.. ظهرهم للحائط، وليس أمامهم سوى خيارين، الأول: الرضوخ للأمر الواقع، والتعايش مع حالة السكون القائمة، أي التعايش السلمي مع الاحتلال، وتلقي الضربات منه دون الحق حتى بالاحتجاج.. الثاني: خيار المواجهة المفتوحة مع الاحتلال، إما بتصعيد المقاومة الشعبية، أو الذهاب إلى انتفاضة..

وطبعا، لا حاجة لأي كلام إنشائي عن بسالة وشجاعة الفلسطينيين، وتمسكهم بحقوقهم الوطنية، وبخيار المقاومة.. هذا ما يعكسه الشارع قولاً وفعلاً.

صحيح أن المقدمات اللازمة لاندلاع انتفاضة متوفرة الآن، لكن يبدو أنَّ ولادتها ما زالت متعسرة.

الانتفاضة الشعبية الجارفة ستنشب فقط عندما يلتقي الأمل واليأس معاً؛ أي عندما تصل الجماهير إلى مرحلة اليأس من المجتمع الدولي، واليأس من الحلول المطروحة، واليأس من طريقة إدارة الصراع المتبعة (وهذا كله متحقق)، ويلتقي هذا اليأس مع الأمل بإمكانية التغيير، والأمل بأن الحراك الشعبي سيكون في الاتجاه الصحيح وبالأساليب الصحيحة، والثقة بأن هناك قيادة حكيمة ومخلصة ستقود هذه الانتفاضة بطريقة صحيحة، والأمل برؤية النور في آخر النفق المظلم.. حينها فقط سنكون على موعد مع انتفاضة عارمة ستقلب الطاولة رأسا على عقب. من المؤكد أن حالة اليأس متشكّلة على أكثر من صعيد، أما الأمل فقد كان ضعيفا قبل سنوات، لكنه بدأ يتقوى مؤخرا.

القيادة السياسية أدركت ضرورة تغيير الوضع الحالي، بعد أن يئست من أي حل ممكن أن تقدمه أميركا أو إسرائيل، وأدركت عدم إمكانية حدوث تغيير في الخارطة السياسية، والوضع الإقليمي ضمن معطيات الوضع الراهن، وأنَّ تعامل إسرائيل مع السلطة بوصفها وكالة أمنية أمر مهين جداً.. وهنا يمكن رصد تحول دراماتيكي في خطابات ولهجة الرئيس محمود عباس في الآونة الأخيرة، مثل تصديه لصفقة القرن، وإصراره على الانضمام  لعدد من المنظمات الدولية ضد رغبة أميركا، ورغم تهديداتها.. ويبدو أنه فعلا لم يعد يراهن على المجتمع الدولي، فقد كان خطابه الأخير في الأمم المتحدة موجها بصورة رئيسة إلى الشعب الفلسطيني، مؤكداً “أن صبرنا قد نفد”، وقبلها في برلين قال إن الفلسطينيين تعرضوا لخمسين هولوكست على يد الاحتلال الإسرائيلي.. وفي شباط الماضي تحدث عبر هاتف نقّال يحمله محمود العالول معزيا باستشهاد ثلاثة من كتائب شهداء الأقصى اغتالتهم إسرائيل وحينها قال حرفيا: “ردوا الصاع صاعين”، وفي مكالمات هاتفية أخرى معزيا بشهداء قال: “صبرنا سبعين سنة ونفد صبرنا”..

وقد ترجم هذا التحول عبر موقف السلطة الرسمي، أي تجميدها للتنسيق الأمني، هذا ما أكدته إسرائيل أكثر من مرة، بدليل استعصاء اقتحامات جنين ونابلس، وعدم اتخاذ إجراءات لاحتواء حالة الغليان والعمليات المسلحة خاصة في شمال الضفة، بل إن الصحافة الإسرائيلية أشارت إلى صمت وموافقة السلطة على نشاط المسلحين، بل ودعمهم.. ناهيك عن انخراط عدد من منتسبي الأجهزة الأمنية بشكل مباشر في العمليات المسلحة.. وحسب تحليل بعض المراقبين فإن هذا الدعم غير المباشر مجرد تكتيك مؤقت تمارسه السلطة احتجاجا على السياسات الإسرائيلية في محاولة للضغط عليها.. في حين رأى آخرون أن ما يجري تحول حقيقي في موقف القيادة..

سيظل الخلاف قائما حول مدى جدية وعمق هذا التحول في موقف القيادة، إلى أن تتبنى رسميا خطا سياسيا جديدا، أول تعبيراته تطبيق قرارات المجلس المركزي.. لكن التحول في مواقف القواعد التنظيمية والأطر الجماهيرية أكثر وضوحا.

ويبدو أن حالة من التململ بدأت تتصاعد في قواعد حركة فتح، وإذا ما استمرت دون أن يوازيها خطاب سياسي يرتقي إلى مستوى تضحياتها فستفقد القيادة قدرتها على احتوائها، وفي الأفق ما يشير إلى تغير في موقف الحركة الرسمي، والذي يظهر بوضوح عبر بيانات نعي الشهداء، والمطالبة بالتصعيد والرد والنزول إلى الشارع.. وإذا أردنا الدقة، فإن هذا ليس تغيراً، بل هو عودة إلى نهج وفكر فتح الأصلي.

أبرز مظاهر حالة النهوض تمثلت بسلسلة من العمليات الجريئة نفذتها مجموعات تطلق على نفسها “كتيبة جنين”، و”عرين الأسود”.. وأغلب عناصرها من كتائب شهداء الأقصى، وهي اليوم تحظى بدعم شعبي كبير، وأصبح شهداؤها رموزاً وطنية تضاعف من الحالة النضالية الشعبية، كما حدث في القدس ومخيم شعفاط.

أمام تنامي ظاهرة عرين الأسود، ضاعف الاحتلال من التحريض عليها لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، كما استغلتها وسائل إعلام مناهضة للسلطة، لأغراض أيديولوجية، وبخطاب دوغمائي هدفه تعميق الهوة بين الشعب والسلطة، وإحداث إرباكات أمنية تخدم توجهاتها الحزبية.

أستراليا تتراجع عن اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل.. وترحيب فلسطيني

نضال محمد وتد

لندن

العربي الجديد

أعلنت أستراليا، الثلاثاء، أنّها لن تعترف بعد اليوم بالقدس عاصمة لإسرائيل، متراجعةً بذلك عن قرار مثير للجدل اتّخذته الحكومة المحافظة السابقة. وفيما رحبت السلطة الفلسطينية بهذا القرار، أعلنت الخارجية الإسرائيلية أنها استدعت السفير الأسترالي، للاحتجاج على هذا القرار.

وأكدت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ، أنّ وضع المدينة المقدّسة يجب أن يتقرّر من خلال محادثات سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس من خلال قرارات أحادية الجانب.

وقالت في بيان إنّ “القدس قضية وضع نهائي يجب أن تحلّ في إطار مفاوضات سلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني”. وأضافت: “لن ندعم مقاربة تقوّض هذا الاحتمال”، مشدّدة على أنّ “سفارة أستراليا كانت دائماً، ولا تزال، في تل أبيب”.

وفي 2018 حذت الحكومة الأسترالية المحافظة السابقة بقيادة سكوت موريسون حذو الرئيس الأميركي في حينه دونالد ترامب، باعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، في قرار أثار انتقادات داخلية واسعة النطاق.

وفي بيانها قالت وونغ: “أعلم أنّ هذا القرار سبّب نزاعات وأزمات في جزء من المجتمع الأسترالي. اليوم، تسعى الحكومة لحلّ هذا الأمر”.

واتّهمت الوزيرة حكومة موريسون بأنّ قرارها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كان مدفوعاً بالرغبة في تحقيق الفوز بانتخابات فرعية حاسمة في ضاحية لسيدني تضمّ جالية يهودية كبيرة.

وقالت: “هل تعرفون ما كان هذا؟ كان مهزلة فاشلة للفوز بمقعد وينتوورث وبانتخابات فرعية”.

وأثار قرار حكومة موريسون أيضاً غضباً في إندونيسيا المجاورة (أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم من حيث عدد السكان)، ما أدّى إلى تأخير إقرار اتّفاق للتجارة الحرّة بين البلدين.

وفي بيانها أكّدت وونغ أنّ قرار التراجع عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا ينطوي على أيّ عدائية لإسرائيل. وقالت: “أستراليا ستظلّ دوماً صديقة قوية لإسرائيل. كنّا من أوائل الدول التي اعترفت رسمياً بإسرائيل”.

وأضافت: “لن يتزعزع دعمنا لإسرائيل وللجالية اليهودية في أستراليا. وبالمثل، لن يتزعزع دعمنا للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الدعم الإنساني”.

السلطة الفلسطينية ترحب بالقرار

من جانبه، رحب وزير الشؤون المدنية وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ، اليوم الثلاثاء، بقرار أستراليا التوقف عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وذلك في تراجع عن قرار اتّخذته حكومة كانبيرا اليمينية السابقة.

وقال حسين الشيخ على “توتير”: “نثمن قرار أستراليا حول القدس ودعوتها لحل الدولتين وفق الشرعية الدولية، وتأكيدها أن مستقبل السيادة على القدس مرهون بالحل الدائم القائم على الشرعية الدولية، وهو حل الدولتين”.

نثمن قرار أستراليا حول القدس ودعوتها لحل الدولتين وفق الشرعية الدولية وتأكيدها ان مستقبل السيادة على القدس مرهون بالحل الدائم القائم على الشرعية الدولية وهو حل الدولتين.

الاحتلال الإسرائيلي ينتقد بشدة

في المقابل، انتقد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي يئير لبيد، اليوم الثلاثاء بشدة القرار الأسترالي ووصف الخطوة بـ”الرد المتسرّع”، مضيفاً: “لا يمكننا إلا أن نأمل أن تتعامل الحكومة الأسترالية مع قضايا أخرى بشكل أكثر جدية ومهنية”.

وأضاف في بيان صدر عن مكتبه أن “القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل ولا شيء سيغيّر ذلك”.

وذكرت الخارجية الإسرائيلية أنها استدعت السفير الأسترالي لتقديم احتجاج رسمي.

ويأتي تعقيب لبيد في ظل احتدام المعركة الانتخابية في إسرائيل وبقاء أسبوعين على الانتخابات العامة المقررة للأول من نوفمبر/ تشرين الثاني القادم.

ولا يستبعد أن يستغل رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو القرار الأسترالي، للادعاء بأنه دليل على ضعف حكومة الاحتلال تحت قيادة لبيد، والادعاء أن مثل هذا القرار ما كان ليتخذ لو كانت في إسرائيل حكومة يمين بقيادته، وذلك على غرار ما فعله في سياق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، عندما اتهم حكومة لبيد بتقديم تنازلات للبنان والرضوخ لتهديدات حزب الله.

في ألمانيا، حملة ضد منتقدي إسرائيل باسم مناهضة معاداة السامية

بان راتسكوف*

تعرض عدد من الصحفيين والمفكرين في ألمانيا إلى حملات عنيفة بعد اتهامهم بمعاداة السامية. علاوة على ما تظهره هذه الحملات من رهاب الإسلام (أو إسلاموفوبيا) الجامح، يبدو أن كل صوت ينتقد إسرائيل –لا سيما الأصوات اليهودية- يواجه نفس المصير.

تبدو إنجازات الدولة والمجتمع المدني في هذا المجال مثيرة للإعجاب، إذ تمت مأسسة ثقافة الذكرى، وفي الوقت نفسه، منع ظهور أشكال معاصرة من معاداة السامية.

وقد أكّدت الفيلسوفة الأمريكية سوزان نيمان -المقيمة في برلين- في كتاب لها نُشر عام 2019، بأن للأميركيين الكثير ليتعلموه من ثقافة “العمل على الماضي” الألمانية1.

لكن نيمان تراجعت مؤخرا عن طرحها. فخلال شهر شباط (فبراير) 2022، فقد سبعة صحفيين عرب ومسلمين وظيفتهم في قناة “دويتشه فيله” (DW)، بعد أن اتهمتهم الجريدة اليومية Süddeutsche Zeitung بمعاداة السامية.

وفي مقال نشرته المجلة اليهودية الأميركية Jewish Currents (“التيارات اليهودية”) حول هذا الموضوع، صرّحت سوزان نيمان للصحفي أليكس كين: “خلال العامين الماضيين، ظهر انزلاق من ثقافة التكفير [عن جريمة المحرقة] نحو ممارسات”مكارثية”2. وقد تم إجبار العديد من الأشخاص على ترك وظائفهم، وحُرم كثيرون آخرون من التمويل أو الجوائز أو من فضاء لتقديم أعمالهم”.

يشعر صحفيون بأنهم محاطون بثقافة غامضة من الرقابة والترهيب.

وقد صرّحت مرام سالم لمجلّة Currents، وهي صحفية فلسطينية من الضفة الغربية المحتلة، كانت من أوائل الصحفيين الذين طردتهم قناة “دويتشه فيله”: “كثيراً ما يُعتقد أننا كصحفيّين في ألمانيا نتمتع بنوع من الحماية، لكننا في الحقيقة نعيش في خوف مستمرّ. هذا الوضع يذكّرني بالديكتاتوريات. دائمًا ما تتعرّض حرية تعبير وسائل الإعلام وحريّة الرأي إلى الهجوم في منطقتنا، وأنا أشعر اليوم بالشيء نفسه هنا”.

“تقلب في ثقافة التكفير عن الذنوب”

لم يتم إثبات ادعاءات معاداة السامية ضد مرام سالم بشكل واضح، والتي تتعلق -وفق الجريدة الألمانية- بما نشرته على صفحتها على موقع فيسبوك خلال القصف الإسرائيلي على غزة في أيار (مايو) 2021، حيث شرحت مرام بأنها قامت بـ”تشفير” أو حذف بعض منشوراتها، خوفا من الرقابة (أو مما هو أسوأ من الرقابة) في شغلها.

يبدو أن هذه الكلمات كانت كافية بالنسبة إلى الصحفي بجريدة Süddeutsche Zeitung ليتهمها بمعاداة السامية. وعلى القراء أن يتخيّلوا بأنفسهم إلى ما قد يحيل هذا الكلام.

يشهد هذا النوع من الاختزال الخادع على ذلك “التقلّب في ثقافة التكفير عن الذنوب” الذي وصفته سوزان نيمان، وهو يُظهر كذلك مغالطة من قبل الصحف الألمانية.

فبمجرّد تخيّلهم أن انتقاد الفلسطينيين لإسرائيل يخفي في الواقع كراهية شديدة، يتسنى للألمان التخفيف عن ذنبهم تجاه ماضي أجدادهم النازيين، بعد أن أصبحوا اليوم في طليعة الكفاح النبيل ضد معاداة السامية.

ليس الفلسطينيون -ولا العرب ولا المسلمون عموماً- المستهدَفين الوحيدين في هذا المناخ الذي يتّسم بالمكارثية.

بل يتم تقديمهم كنوع من النواة المشعة التي قد تؤثر على أي شخص، بمجرّد أن يكون في مدارهم.

فمثلاً، كان من المقرر أن يلقي الفيلسوف الكاميروني الشهير أشيل مبمبي الكلمة الافتتاحية لمهرجان “رور” الثقافي 2020، والذي ينعقد كل ثلاث سنوات في شمال الراين وستفاليا.

لكن في آذار (مارس) من نفس العام، طلب لورنتس دويتش، وهو سياسي محلي من الحزب الليبرالي الديمقراطي (يمين الوسط)، في رسالة مفتوحة إلى مدير المهرجان إلغاء دعوة مبيمبي، متهما الفيلسوف الذي يدرّس في جنوب إفريقيا بدعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) الفلسطينية، والتي تهدف إلى الضغط على دولة إسرائيل حتى تحترم القانون الدولي.

البرلمان الألماني ضد حركة المقاطعة

“القرب من حركة المقاطعة (BDS)” يكفي اليوم في ألمانيا لإلغاء حدث أو فرض رقابة أو طرد أشخاص من عملهم، وذلك بسبب قرار غير ملزم صوّت عليه البرلمان الألماني في 2019، والذي يصنّف حركة المقاطعة BDS كحركة معادية للسامية في جوهرها.

وفي أعقاب هذا القرار، اضطُر مدير المتحف اليهودي في برلين والمتخصص البارز في العصور القديمة اليهودية بيتر شيفر إلى الاستقالة.

وكانت “جريمته” أنه شارك من خلال حسابه على تويتر منبرًا حرّاً من إمضاء 240 أكاديميًا يهوديًا وإسرائيليًا، يعارض فيه هؤلاء قرار المؤسسة التشريعية الألمانية.

واصل لورنتس دويتش تهجّمه على أشيل مبمبي واتهامه بمعاداة السامية، وبتنسيب هول المحرقة اليهودية. يعود هذا الاتهام الأخير إلى ما يُسمى “خلاف المؤرخين” في عام 1986.

في تلك الفترة، اتهم الفلاسفة والمؤرخون الألمان الليبراليون نظراءهم المحافظين بـ”تنسيب” الجرائم النازية (وبالتالي المسؤولية الألمانية) من خلال مقارنتها بالعنف الستاليني.

وقد أظهر أخصائيون في تاريخ ذاكرة الهولوكوست -مثل مايكل روثبرغ- كيف أن نفس الاتهام يعمل بشكل معكوس اليوم، فالأخصائيون التقدميون واليساريون الذين يقارنون بين جرائم النازيين وجرائم الأنظمة المستعمِرة مُتّهَمون بتقليل المسؤولية الألمانية أو التهرّب منها.

يعتمد دويتش في اتهاماته على كتاب أشيل مبمبي الذي يحمل عنوان “سياسات العداوة” (Politiques de l’inimitié, La Découverte, 2016.)، والذي يقارب فيه الفيلسوف بين نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا، و”مشروع إسرائيل الانفصالي”، مع مراعاة الفوارق الأساسية.

ويضيف الفيلسوف بأن كلّا من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ومن المحرقة اليهودية كانا ظاهرتين لـ”استيهام الانفصال”، مع التأكيد على الخصوصية الشديدة للمحرقة اليهودية.

قضية أشيل مبمبي

اعتمد لورنتس دويتش على خصوصية الهولوكوست وعلى مفهوم ألماني (Israelkritik) يشير إلى نوع معيّن من معاداة السامية ليطالب المهرجان بإلغاء دعوة أشيل مبمبي.

وقد سانده في ذلك بحماس فيليكس كلاين، وهو المفوض الفيدرالي الألماني للحياة اليهودية ومكافحة معاداة السامية، والذي اغتنم هذه الفرصة لشن حملة عامة ضدّ “العلاقة بين الدراسات ما بعد الكولونيالية ومعاداة السامية”، وهي استراتيجية تتمثّل في استعمال الاتهامات بمعاداة السامية من أجل ضرب النقد السياسي الموجّه للغرب.

كما رفض فيليكس كلاين أخذ المنظور التحليلي لأشيل مبمبي بعين الاعتبار، مكتفيا بتقوقع ألماني ضيق: “ما هو خطأ من المنظور الألماني لا يمكن أن يصبح صحيحا بمجرّد قدومه من مكان آخر”.

في الأخير، تم إلغاء المداخلة الافتتاحية بسبب جائحة كوفيد 19، لكن “قضية مبمبي” أثارت نزاعا طويلا بين الصحفيين والأكاديميين، حول ما إذا كانت ثقافة ذاكرة ما بعد الهولوكوست في ألمانيا قد أصبحت عقائدية بشكل خطير.

ربما تكون قضية الدكتورة نعمة الحسن هي الأكثر دلالة على إشكالية استغلال اليقظة الألمانية ضد معاداة السامية.

ففي عام 2021، تم اختيار هذه الطبيبة الحائزة على عدة جوائز والتي تحوّلت إلى العمل الصحفي، لتقديم برنامج علمي موجّه للجمهور العريض بعنوانQuarks على قناة Westdeutscher Rundfunk (WDR)، وهي قناة تلفزيونية ألمانية عامة.

وُلدت نعمة الحسن في براندنبورغ وسط عائلة فلسطينية لبنانية، وقد اشتهرت بكونها صحفية دقيقة في عملها وشجاعة، لا سيما من خلال تغطيتها في تموز (يوليو) 2017 لحفل لموسيقى الروك لنازيين جدد “ضد التسلل الأجنبي”.

ولكن في 28 أيلول (سبتمبر) 2021، أعلنت القناة الألمانية أنه تقرّر عدم السماح للصحفية بتقديم هذا البرنامج. وإليكم السبب.

في 13 أيلول (سبتمبر)، نشرت المجلة الشعبية اليمينية Bild تقريراً بعنوان “فضيحة إسلاموية في قناة WDR”، مرفق بصور تعود إلى سنة 2014، وتظهر فيها نعمة الحسن -وهي لم تتجاوز العشرين من عمرها- محجّبة وتحمل كوفية فلسطينية بمناسبة مسيرة ذكرى “يوم القدس” في برلين.

وقد تم انتقاد هذه المسيرة لا سيما من طرف منظمة “الصوت اليهودي من أجل سلام عادل في الشرق الأوسط” (Jewish Voice for a Just Peace in the Middle East) المساندة للقضية الفلسطينية، بسبب التصريحات المعادية للسامية التي شابتها، فضلاً عن صلتها بأنظمة قمعية مثل سورية وإيران.

“أشعر بالعار من تلك الفترة”

أثارت الصورة المنشورة في مجلةBild بعد سبع سنوات من الحدث سلسلة من الإدانات في الصحف الألمانية السائدة. وسارعت المنظمة اليهودية غير الحكومية الموالية لإسرائيل WerteInitiative (“مبادرة القيم”) بالاحتجاج على وجود “ممثلة إسلاموية محتملة” على قناة تلفزيونية عامة، كما أعربت منظمات يهودية أخرى موالية لإسرائيل -مثل الجمعية الألمانية الإسرائيلية- عن استيائها، وطالبت بتوضيحات.

بعد ثلاثة أيام، قدمت نعمة الحسن اعتذارها في حوار مطوّل -وعدائيٍ بشكلٍ ما- مع جريدة Der Spiegel ، وشرحت أن آراءها تطورت منذ 2014.

وقد كانت عداوة الجريدة -التي بدت وكأنها تُقاضي نعمة الحسن- واضحة عندما سئلت الأخيرة عن سبب ذهابها إلى مسجد مشتبه فيه في مدينة هامبورغ، عندما كان عمرها لا يتجاوز 15 سنة.

وقد سعت الحسن إلى التأكيد على عملها كصحفية مناهضة للعنصرية، وأكّدت بأنها “تشعر بالعار من تلك الفترة”، وهي الجملة التي اختارتها الجريدة كعنوان للحوار.

لم تكن اعتذارات نعمة الحسن ولا شعورها بالعار كافيين لوضع حدّ لحملة التشهير المتصاعدة. إذ كان البعض يتساءل إن ظلت الصحفية إسلاموية متطرفة سرّاً، وإن كان عدم ارتدائها الحجاب اليوم مجرّد مغالطة.

“رابطة مكافحة التشهير”، التقدميون، والقوميون البيض

وقد ساهم نشر صور قديمة لها بالحجاب في تعزيز هذه الشكوك. وفي 22 أيلول (سبتمبر) 2021، كشفت مقالة ثانية لمجلّة Bild أن نعمة الحسن “أحبّت” منشورات على إنستغرام تابعة لحساب منظمة “صوت يهودي من أجل السلام” (Jewish Voice for Peace)، وهي منظمة يهودية مناهضة للصهيونية ومؤيدة لحركة المقاطعة (BDS)، ومقرّها الولايات المتحدة.

أخيراً، كشف تحقيق أجراه موقع ZeitOnline بأن الصور التي نشرتها مجلّة Bild هي نفسها تلك التي استخدمها قبلها بشهر صاحب قناة يميني متطرف على يوتيوب يُدعى عرفان بيتشي.

نفت Bild أن يكون بيتشي هو مصدر مقالتها. لكن ميول وسائل الإعلام الألمانية السائدة لاتهامات معاداة السامية لا يؤدي فقط إلى التطبيع مع إسلاموفوبيا اليمين المتطرف، بل تقدّمها أيضًا على أنها طريقة دفاع مناهضة للعنصرية من قِبل مجتمع ألمانيا ما بعد النازية.

أما النتيجة فهي مذهلة، إذ تم تسريح صحفية غطّت بشجاعة صعود النازية الجديدة، بسبب تهمة مفترضة بمعاداة السامية.

“يهود سيئون”

توضّح هذه الحملات ثلاث سمات للحرب ضد معاداة السامية في ألمانيا اليوم. أوّلاً، استغلالها من قبل الحركات اليمينبة.

ثانيًا، الاستبعاد العقائدي للأصوات الفلسطينية ولأي شكل من أشكال النشاط الفلسطيني، واختزالهما في كراهية اليهود. ثالثاً، شيطنة اليهود والإسرائيليين المتضامنين مع فلسطين.

أشارت منظمة “فلسطين تتكلّم” (Palestine Speaks) -وهي منظمة ألمانية فلسطينية يسارية- والكاتب الإسرائيلي المقيم في لايبزيغ مايكل سبير إلى ما تضمنه كلّ من مقال مجلّة Bild الأوّل والحملات الإعلامية اللاحقة من رهاب الإسلام.

كما ذكّر سبير بأن سياسيا يمينيا متطرفا استخدم هذه القضية لتقديم وعود خلال حملته الانتخابية يلتزم فيها بالقضاء على “البقية”.

في هكذا مواقف، لا تُستعمل معاداة السامية فقط كقناع يُخفي رهاب الإسلام المتزايد، بل إنها تعيد الاعتبار لشكل من أشكال القومية الألمانية لفترة ما بعد النازية، حيث يتظاهر المتهجّمون بأنهم مؤرّخون جادون، ومدافعون مستنيرون عن أكبر ضحايا ألمانيا التاريخية.

أخيراً، من المهم الإشارة إلى أن السبب الرئيسي الذي قدّمته قناة WDR لتبرير طرد الصحفية هو “إعجابها” بمنشورات على إنستغرام تابعة لمنظمة يهودية مساندة للقضية الفلسطينية.

فألمانيا دائماً ما تهنّى نفسها على الجهود التي تبذلها لتجاوز ماضيها، لذا بات اليهود الوحيدون الذين يسهل اندماجهم في مجتمع ألمانيا ما بعد النازية هم أولئك الذين يقبلون طريقة البلد في التكفير عن ذنوبه من خلال مباركة الصهيونية.

أما اليهود “السيئون” -بمن فيهم العديد من الإسرائيليين- والذين يحتجون ضد الدعم الألماني لعنف دولة إسرائيل ضد الفلسطينيين، فيتم اعتبارهم سامِّين في المجتمع الألماني، تحديداً بسبب رفضهم للمنطق الأخلاقي الألماني للإصلاح وردّ الاعتبار.

بجمعها بين اليقظة الإصلاحية ضد معاداة السامية، والدفاع الآلي عن السياسة الإسرائيلية مهما كانت، لا تقلّل ثقافة الذاكرة الألمانية فقط من قيمة مكافحة معاداة السامية، بل إنها تسمح بتلاقي مكافحة معاداة السامية مع صعود العنصرية ضد المسلمين، وذلك بالادعاء الخطير (لكن المغري) بأنها تحارب شكلاً من أشكال العنصرية من خلال تضخيم شكل آخر.

هناك حاجة ماسة إلى مراجعة “العمل على الماضي” في ألمانيا، وهي مراجعة من شأنها أن تنتج مقاربةً جادة ومعقّدة لعنف معاداة السامية الحالي -وهو للأسف ليس غريباً عن ألمانيا-، وفي نفس الوقت أن تمنع استغلالها من قبل أولئك الذين يسعون بكل الطرق إلى تجاوز الماضي النازي للبلاد، وأولئك الذين يسعون لإخفاء سياسة إقصاء قومية جديدة.

عن زيارة حسين الشيخ واشنطن

ماجد عزام

زار أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مسؤول الشؤون المدنية والتنسيق مع إسرائيل في السلطة الفلسطينية، حسين الشيخ، واشنطن، أخيراً. وحسب بيان صادر عنه، التقى مسؤولين أميركيين عدة، وأجرى لقاءات سياسية واقتصادية وأمنية مع موظفين كبار في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، إضافة إلى محطّة لافتة في الوكالة الأميركية للتنمية، حيث التقى المعنيين بشؤون فلسطين والمنطقة فيها.

قدّم البيان الرسمي الذي أصدره الشيخ، الأربعاء 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، صورة عامة عن الزيارة وحيثياتها، محاولاً إبراز الطابع السياسي الجوهري لها، إلا أن ذلك صحيحٌ بالمعنى العام فقط، كون الزيارة سياسية بالتأكيد، غير أن الحوارات والنقاشات تركّزت أساساً على ملفات اقتصادية وأمنية، في ظل صعوبة واستحالة تنفيذ الأجندة السياسية التي تحدّث عنها الشيخ في بيانه، فيما يبدو كحالة إنكار وانفصام عن الواقع وهروب من مصارحة الجمهور بالحقيقة ومغزى الزيارة الفعلي ومضمونها.

بداية، جاء الإعلان الأول عن الزيارة، وكما العادة، من الصحافة الإسرائيلية (هآرتس، الخميس 29 سبتمبر/ أيلول 2022)، من دون أي إشارة أو حتى تسريب فلسطيني عنها. وكان لافتاً كذلك حديث الصحيفة العبرية أنه جرى التوافق عليها والإعداد لها منذ زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، فلسطين المحتلة منتصف يوليو/ تموز الماضي، حيث التقى الشيخ برفقة رئيس السلطة، محمود عباس، في لقاء بدا بروتوكوليا بحتا في بيت لحم التي مرّ بها بايدن مرور الكرام، كون محطته، وللدقة محطتيه المركزيتين، كانتا في تل أبيب وجدّة، حيث التقى زعماء الدول الخليجية ومصر والأردن والعراق، ضمن سعي عام إلى التهدئة في المنطقة.

تركّزت نقاشات الشيخ وحواراته مع المسؤولين الأميركيين على الملفات الاقتصادية والأمنية

أشار الشيخ، في بيانه، إلى طرح أجندة سياسية مكثفة خلال الزيارة، تضمّنت إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، واستئناف العملية السياسية والمفاوضات مع إسرائيل وفق حلّ الدولتين، والضغط الأميركي المطلوب على الاحتلال لوقف سياساته الأحادية وممارساته وعملياته وتوغلاته في القدس وجنين ونابلس والضفة الغربية بشكل عام.

كان هذا بشكل عام ودعائياً وإعلامياً فقط، وكما قالت الصحافة الإسرائيلية والأميركية، وتحديداً موقع نيوز وان “السبت 8 أكتوبر/ تشرين الأول”، وهو ما يتماهى مع الوقائع والشواهد الملموسة على الأرض أيضاً، حيث تسعى الإدارة الأميركية لصيانة الواقع الراهن والحفاظ عليه، كونها لا تملك أجندة سياسية واضحة تجاه القضية الفلسطينية، ولا تنوي كذلك الانخراط الجدّي فيها. وبالتأكيد لا تبدو في وارد فعل ذلك تحديداً على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المتزامنة أيضاً مع الانتخابات الإسرائيلية العامة في الأسبوع الأول من الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني).

وعليه، تركّزت نقاشات الشيخ وحواراته مع المسؤولين الأميركيين على الملفات الاقتصادية والأمنية، وتحديداً بشأن كيفية تهدئة التوتّر الحالي، ومضاعفة السلطة جهودها لمحاصرته وتحجيمه، ومنع تحوله إلى تصعيد أو انفجار كبير، ما يقتضي، من وجهة النظر الأميركية، مواصلة التنسيق الأمني مع إسرائيل، بموازاة التفكير في كيفية دعم السلطة اقتصادياً وتقويتها أمنياً. لمنع انهيارها أو تجاوز الأحداث الميدانية لها، كما نرى في جنين ونابلس، ما قد يؤدّي إلى مزيد من التدهور وانفجار الأوضاع برمتها في الأراضي الفلسطينية.

بمجرّد استقبال الشيخ في واشنطن، الآن تحديداً، بدت الأخيرة داعمة للشيخ، أو على الأقل منفتحة تجاه فكرة خلافته الرئيس عباس

إلى ذلك، ثمّة بعد شخصي في زيارة حسين الشيخ إلى واشنطن في هذا الوقت. وواضح أننا أمام تعبير عن دعم أميركي له في سباق المنافسة على خلافة الرئيس محمود عبّاس. وفي المقابل، أرادت الإدارة الحصول على ثمن عبر التأكّد من تماهيه مع السياسات الأميركية في فلسطين والمنطقة، علماً أن الشيخ منفتح أصلاً، وهو يعتقد أن السلطة الفلسطينية بحد ذاتها إنجاز وطني.  وبالتالي، يجب الحفاظ عليها، حتى في غياب الأفق السياسي، بمعنى أن وجودها نفسه يُبقي الباب موارباً أمام اتفاقٍ كهذا، أو أمل يبدو مستحيلاً، وأقرب إلى السراب، في ضوء الواقع الراهن، كما التطورات والتحولات في إسرائيل وحتى العالم، مع تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، والتوافق الإقليمي والدولي فقط على صيانة هذا الواقع، ومنع انفجاره أو تدهوره، بما ينعكس سلباً على الاستقرار الهشّ أصلاً في فلسطين والمنطقة.

وفي العموم، وبمجرّد استقبالها له في واشنطن، الآن تحديداً، بدت الأخيرة داعمة للشيخ، أو على الأقل منفتحة تجاه فكرة خلافته الرئيس عبّاس. وإذا كانت الطريق إلى واشنطن تمرّ بتل أبيب، فهذه عبّرت وتعبر دوماً عن رضاها عنه، وفي الحد الأدنى عدم ممانعتها تولّيه القيادة الفلسطينية بعد الرئيس عباس.

واضح كذلك أنّ مضمون الزيارة يدفع بهذا الاتجاه، أي دعم حسين الشيخ وتوقيته سياسياً مع مروحة لقاءاته الواسعة في وزارة الخارجية، ورغم قيام الوزير أنتوني بلينكن بجولة خارجية في أميركا اللاتينية، فإن الشيخ التقى أهم نواب الوزير ومساعديه المعنيين بالشؤون الفلسطينية والإقليمية، والأهم ربما كان لقاؤه مستشار الأمن القومي، جاك سوليفان، في البيت الأبيض، إضافة إلى لقاء مثير جداً للاهتمام في الوكالة الأميركية للتنمية، حيث جرت مناقشة دعم واشنطن مشاريع تنموية في الأراضي الفلسطينية، ضمن رؤية عامة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها، بما ينعكس إيجاباً على هيبة السلطة وصورتها أيضاً… وبدت لافتة كذلك مرافقة مجدي الخالدي، مستشار الرئيس عبّاس للشؤون الدبلوماسية، حسين الشيخ في زيارته، والمعنى هنا واضح جداً، لجهة دعم عبّاس الشيخ وتزكيته لخلافته، واعتباره بمثابة مبعوث شخصي له.

مع مشكلات الإدارة الأميركية المتفاقمة واستنزافها داخلياً وخارجياً، فهي ليست في وارد طرح أفق سياسي، كما تطالب السلطة الفلسطينية

وفيما يخصّ النتائج؛ لا يمكن الحديث عن نتائج سياسية ملموسة سوى دعم الشيخ في ملف الخلافة، كما السعي إلى تقوية السلطة بشكل عام، والعمل على التهدئة، أقلّه حتى الانتخابات المتزامنة في أميركا وإسرائيل مع تقديم واشنطن دعماً مالياً للسلطة، ولو عبر القطاع الخاص والمؤسسات المجتمعية، إضافة إلى تسهيلاتٍ إسرائيلية اقتصادية، وحتى أمنية (لم تغلق الضفة بمناسبة عيد العرش منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الجاري)، لتحسين موقعها وصورتها أمام الجمهور الفلسطيني. وفي السياق، لم يكن مفاجئاً إعلان السفير الأميركي في إسرائيل، توماس نايدز. وبالتزامن مع الزيارة عن فتح معبر الملك حسين مع الأردن على مدار اليوم، ابتداء من أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وهو ما كان مطلباً فلسطينياً دائماً لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، باعتبار الأردن قناة تواصلهم المركزية مع العالم.

في العموم، ومع مشكلات الإدارة الأميركية المتفاقمة واستنزافها داخلياً وخارجياً، فهي ليست في وارد طرح أفق سياسي، كما تطالب السلطة الفلسطينية، وتحت ضغط الوقائع السياسية والميدانية التي تفرضها إسرائيل، ولا اعتراض جدّياً عليها. وأميركياً يتبقى فقط المساران الاقتصادي والأمني، بما يحفظ ماء وجه السلطة والوضع الراهن، وعدم انفجاره، كما إبقاء الأفق مفتوحاً أمام عملية السلام. وبعدما عشنا عقوداً مع العملية، ولو من دون السلام، كما قال مطلقها ومخترعها وزير الخارجية الأميركية السابق، هنري كيسنجر، بتنا الآن أمام كيفية إبقاء الأفق السياسي مفتوحاً أمامها حتى من دون العملية نفسها، ومن دون سلام بالطبع.

انتهاكات جيش الاحتلال مستمرة.. اعتقالات ومداهمة منازل في الضفة والقدس

أمد/ رام الله- القدس: شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر وصباح يوم الأربعاء، حملة مداهماتٍ في منازل المواطنين بالضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة.

وأفادت مصادر محلية، أنّ قوات الاحتلال شنّت حملة اعتقالات في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، واقتادتهم إلى مراكز التحقيق الخاصة بها، وعرف منهم:

1. إسلام أبو هدية- رام الله

2. نديم سامر مظلوم- الجانية غرب رام الله

3. المسن محمود عودة- نابلس

4. حسام المصري- نابلس

5. الجريح مدحت منيف الريماوي- مخيم عين السلطان بأريحا

6. معتز عايد بركات- النبي صموئيل شمال غرب القدس

7. منير الباسطي- القدس

8. مصطفى أبو غزالة- القدس

9. نادر جواريش- مخيم عايدة شمال بيت لحم

10. محمد عيد بركات- بني نعيم شرق الخليل

11. جهاد أحمد ادعيس- بني نعيم

12. أحمد خالد ربيع- أبو ديس شرق القدس

13. تامر خالد ربيع- أبو ديس

14. أحمد يوسف بدر- أبو ديس

15. صهيب بدر- أبو ديس

وفي التفاصيل.. أعلنت وزارة الأسرى بغزة، أنّ قوات الاحتلال نفذت فجراً اقتحامات لمحافظات الضفة الغربية والقدس واعتقلت نحو 20 مواطنًا.

في مدينة نابلس، قوة من جيش الاحتلال اقتحمت حي المخفية واعتقلت المسن المريض محمود عودة ، وكانت اعتقلت نجله مصطفى قبل نحو اسبوعين.

كما اقتحمت قوة أخرى من جيش الاحتلال، منطقة بليبوس واعتقلت الشاب حسام المصري بعد الاعتداء عليه بالضرب.

وأظهرت مشاهد مصورة عن تعرض القوة المقتحمة في منطقة المخفية لإطلاق نار من قبل مقاومين.

وقتحمت قوات الاحتلال، بلدة يعبد والقرى المجاورة واستولت على كاميرات مراقبة ونصبت حواجز عسكرية جنوب غرب جنين. 

وذكرت مصادر محلية، أن قوات الاحتلال اقتحمت يعبد وداهمت منازل ومصالح تجارية في منطقة النبعة وفتشتها واستولت على كاميرات تسجيل، وكثفت من تواجدها العسكري في محيط قرى طوره، والطرم، وام دار، ومغيرا، وبلدة عرابة.

كما نفذت قوات الاحتلال حملات تمشيط وتفتيش واسعة في محيط قرية الجلمة شمال شرق جنين، فيما اقتحمت قرى رمانة وعانين والطيبة غرب المدينة، ونصبت حواجز عسكرية متنقلة ما أدى الى إعاقة تحركات المواطنين.

واعتقلت قوات الاحتلال، فتى من مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، وهو: نادر ثائر إبراهيم جواريش (١٦عاما) بعد مداهمة منزل عائلته في المخيم.

في مدينة رام الله، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب إسلام أبو هدية، بعد مداهمة منزله والعبث بمحتوياته خلال اقتحامها لحي أم الشرايط.

وأخطرت سلطات الاحتلال، بوقف أعمال البناء في في منشأتين زراعيتين بمحافظة قلقيلية.

وأفادت مصادر محلية، بأن قوات الاحتلال أخطرت بوقف البناء في منشأتين زراعيتين تعودان لكل من: حمزة شهوان من قرية عزون عتمة جنوب قلقيلية، وضياء النبريصي من قرية النبي الياس شرق قلقيلية.

ومنعت قوات الاحتلال، المزارعين من بلدة دير الغصون شمال طولكرم من الوصول إلى أراضيهم خلف جدار الفصل العنصري، من أجل قطف ثمار الزيتون.

وأفاد مزارعون من البلدة، إنهم تفاجأوا منذ ساعات الصباح الباكر بإغلاق جنود الاحتلال للبوابات، ومنعهم من الدخول، وإجبارهم على العودة إلى منازلهم، بحجة “الأعياد اليهودية”.

وفي القدس المحتلة، اعتقلت شرطة الاحتلال ثمانية مواطنين، وهم: أحمد خالد ربيع، وتامر خالد ربيع، وأحمد يوسف بدر، وصهيب بدر، بعد أن داهمت منازلهم، في بلدة أبو ديس، جنوب شرق القدس المحتلة.

كما اعتقلت قوات الاحتلال معتز كايد بركات من قرية النبي صموئيل شمال غرب القدس المحتلة، ومنير الباسطي، ومصطفى أبو غزالة، من البلدة القديمة بالقدس، ومحمد جابر من الرام، وذلك عقب مداهمة منازلهم وتفتيشها.

هل حل الدولتين سرابيٌ خادع؟!

توفيق أبو شومر

كتب الباحث والصحافي الإسرائيلي البارز مقالا عن حل الدولتين يوم 8-10-2022، أكَّد في مقاله على (سرابية) حل الدولتين لعدم وجود جذر تاريخي لهذا الحل حتى في قراري الأمم المتحدة، 242 و 338 ولا في اتفاقية أوسلو!

أوصى هذا الباحث بأن يظل حل الدولتين غيرَ واقعيٍ، أي يبقى حلا سحريا وشعارا سياسيا على لسان كل رؤساء وزراء إسرائيل في المحافل الدولية، فدولة فلسطين عند هذا الباحث مُخترعٌ جديد ليس له أصلٌ في أحداث التاريخ!

قال: “في العام 1948 (غزت) الدول العربية إسرائيل، وكان لكل دولة عربية هدفٌ لا علاقة له بتأسيس دولة فلسطينية، فسورية كانت تود تأسيس سورية الكبرى وليس تأسيس دولة فلسطين، أما عمَّان فكانت تود ضم الأماكن المقدسة بعد أن فقد الهاشميون سلطتهم في السعودية، أما القاهرة الإفريقية فكانت تود أن ترتبط بقارة آسيا”!

أكّد هذا الباحثُ أقواله بأن العرب كانوا قادرين على أن يؤسسوا دولة فلسطينية في الضفة الغربية عندما كانت الضفة تحت حكم العرب، بين الأعوام 1948 – 1967، فلماذا لم يفعلوا؟!

أشار هذا الباحث كذلك إلى خطة تأسيس دولة فلسطين في قطاع غزة، وافقتْ جامعةُ الدول العربية، ما عدا الأردن يوم 22-9-1948 على تأسيس دولة فلسطينية في غزة، وهي حكومة عموم فلسطين، غير أن انضمام الحاج أمين الحسيني للنظام النازي أفسد الخطة!

حذر هذا الباحثُ كلَّ سياسيي إسرائيل من أن يصبح حل الدولتين مطلبا شعبيا حقيقيا، هناك اليوم شرق أوسط جديد، يتمثل في اتفاقية أبراهام يتجاوز حل الدولتين، وهو أيضا بديلٌ عن حل الدولتين!

أرجأتُ ذكر اسم الباحث، دوري غولد لأن آراءه وأفكاره ومقالاته تصبح قوانينَ وخططا يتبنى السياسيون تطبيقها، كان، دوري غولد المولود العام 1953 مستشارا سابقا لأرئيل شارون ثم نتنياهو، وكان أيضا مرشدا ومعلما لطاقم الرئيس الأميركي السابق، ترامب، وبخاصة، جاريد كوشنر وديفيد فريدمان، كان يحل ضيفا في البيت الأبيض ليشرح لهم كل قضايا فلسطين ودول العرب، وبخاصة عن المملكة العربية السعودية، وهو أحد أبرز عرابي اتفاقية أبراهام، وهو صاحب كتاب عن المملكة العربية السعودية، هو اليوم رئيس مركز القدس للدراسات والأبحاث، قال له، جاريد كوشنر، مستشار الرئيس ترامب السابق: “شكراً تعلمتُ الكثير منك يا دوري غولد”!

إنَّ وصية دوري غولد بأن يظل حل الدولتين، شعارا سياسيا سرابيا هو السائد اليوم في كل أوساط سياسيي إسرائيل، وقد نفَّذ، يائير لابيد وصيةَ دوري غولد في خطابه الأخير في الأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن حل الدولتين شعارٌ دبلوماسي سرابي، إلا أن اللوبي الصهيوني الأميركي اتهم لابيد بخيانة الدولة!

سأظل أذكر، نتنياهو وهو من أبرز تلاميذ دوري غولد حين قال في لقاءٍ له مع أعضاء حزبه رداً على اتهامه بأنه مبتكر شعار حل الدولتين في جامعة، بار إيلان، العام 2009 قال لهم: “لا تصدقوا ما أقوله باللغة الإنجليزية”!

كذلك فإن التيار المسيحاني الصهيوني لا يعارض فقط حل الدولتين، بل يرفض أي كيان فلسطيني مستقل، هذا ما ردده المسيحاني الصهيوني، ديفيد فريدمان، سفير ترامب السابق في القدس، حين قال: “لا لأي كيان فلسطيني مستقل، لأنه يتنافى مع عودة الماشيح”!

أما عن تيار الحارديم الديني فهو بكل تأكيد ينفي وجود كل ما هو غير يهودي، هذا التيار المدعوم من الملياردير المتوفى شلدون أدلسون، استهزأ بخطاب لابيد، وسمّى حل الدولتين (دولة لابيدستان)

أما عن (حل الدولتين) عند يساريي إسرائيل، فهم أيضاً استعملوه في خطابهم باعتباره شعاراً يؤكد إيمانهم بالعدالة والديموقراطية، وليس مبدأً قابلاً للتنفيذ والتطبيق، وهم اليوم يرفضونه بعد أن أُصيبوا بالرعب من الحارديم المتزمتين فتبرؤوا منه.

ومن نماذج هؤلاء الأديب والكاتب المشهور، أبراهام يهوشوع، الذي افتخر قبل أيام في مقال له في صحيفة، يديعوت أحرونوت، قال: “أصبح حل الدولتين مستحيلا”!

أما نحن فسيظل كثيرون من محللينا ومفكرينا يرددون (حل الدولتين) على حدود ما قبل يوم الخامس من حزيران 1967 يستخدمونه كذلك شعارا سرابيا!

سألتُ سياسيا فلسطينيا بارزا: إذا طُبِّقَ حلُّ الدولتين، فما تعريف حدود الدولة الفلسطينية؟ وما مصير القدس وطريقة حل قضية اللاجئين؟! تردد قليلا وقال وكأنه وجد الجواب الصحيح: “وفق المبادرة العربية العام 2002”!!

الجيش فقد أعصابه وبدأ يتفاخر بعدد القتلى

هآرتس – بقلم: يغيل ليفي    

 في نهاية آذار، عقب سلسلة عمليات، بدأ جيش الشرطة بعملية “كاسر الأمواج” التي اقتحم فيها المدن الفلسطينية بهدف الاعتقال والمس بمشبوهين بتنفيذ عمليات إرهابية.

حسب تقارير الأمم المتحدة، فإنه منذ بداية العملية وحتى نهاية أيلول، قتل في الضفة على يد إسرائيل 74 فلسطينياً. ومن أجل عدم التعامل مع أرقام القتل على أنها أمور مفهومة ضمناً، سيكون من الصحيح مقارنتها مع عملية “أهمية الساعة”، التي عمل فيها الجيش منذ تشرين الأول 2015 وحتى آذار 2016 على قمع “انتفاضة الأفراد”، ومهاجمة الفلسطينيين للإسرائيليين في 2015 التي لم يتم نسبها لأي تنظيم.

شبيهاً بنموذج العمل الحالي، كان الرد الأولي للجيش هجومياً: اقتحامات للمناطق التي خرج منها منفذو العمليات. ولكن قائد فرقة “يهودا والسامرة”، العميد ليئور كرميلي، أعلن بأنها “فشل ملموس إلى حين قررنا وقف هذه المهمة الهجومية بعد بضعة أيام”. أدرك الجيش بأن أسلوبه لا يناسب التعامل مع هجمات غير منظمة، واستنتج -حسب أقوال كرميلي- بأن “القتلى الفلسطينيين” في أعمال خرق النظام هم الوقود الأكثر أهمية لمواصلة الاشتعال. الامتناع عن ذلك يعد أحد الدروس الأهم من الانتفاضات السابقة.

لذلك، تم تصميم سياسة لضبط الحرائق. قائد المنطقة، روني نوما، تفاخر بأنه قد “تم تعزيز قدرة المواجهة لدى الجندي عن طريق استخدام القوة التكتيكية من أجل تحييد نشاط منفذ العملية بدون قتله… من أجل تقليص عدد الجنازات التي تتحول إلى استعراض لتماهي الجمهور. أيد رئيس الأركان، غادي آيزنكوت، هذه السياسة ودعا إلى ضبط النفس، رغم أن معظم الوزراء ضغطوا، حسب قوله، لاستخدام القبضة الحديدية، ولكن تم صدهم من قبل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون. في نهاية المطاف، تم منع اندلاع انتفاضة ثالثة. هذا لا يعني أن القيادة العسكرية كانت محبة للسلام، لكنها أدركت قيود استخدام القوة.

لم يبق شيء من هذه المقاربة المنضبطة. ففي ظل صدمة قضية اليئور أزاريا، بدأ الجيش نفسه بالتفاخر بعدد القتلى. استبدال آيزنكوت بافيف كوخافي أعطى لذلك تعبيراً رمزياً بواسطة مفهوم “القدرة على القتل”، وتحويل القتل إلى مؤشر على النجاح. ازدياد تأثير اليمين على الحكومة بعد عزل نتنياهو والانتقاد للتخلي عن الجنود شجع في نهاية 2021 على التخفيف من أوامر فتح النار، الذي سمح بإطلاق النار على راشقي الحجارة ومن يلقون الزجاجات الحارقة حتى بعد فعل ذلك.

مأسوراً بيد المستوطنين أكثر من ذي قبل، سلم جيش الشرطة بتصعيد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. تلاشت الحكمة في ضبط النفس. يمكن الحصول على مؤشر لليد الخفيفة على الزناد من تحليلات تقارير “بتسيلم”، التي ترتكز بشكل جزئي على تصريحات المتحدث بلسان الجيش وتعرض ظروف القتل.

سأكتفي بمؤشر واحد يتعلق بقتل راشقي الحجارة (باستثناء حالات قال فيها الجيش بأن القتيل استخدم وسائل أخرى)، أي حالات تمكن فيها الجنود من الرد بدون القتل. من بين الـ 142 قتيلاً في عملية “أهمية الساعة” فإن 7 قتلوا بعد رشق الحجارة، أي 5 في المئة. أما في عملية “كاسر الأمواج” فالحديث يدور عن 9 من بين 47 حالة نشرتها “بتسيلم” حتى نهاية تموز، أي 20 في المئة. في هذه الظروف زادت احتمالية توسيع المواجهات حتى القيام بعملية واسعة ومليئة بسفك الدماء، وربما حتى انهيار السلطة.

سلوك الجيش يعزز الاستنتاج بأن الفرق بين الفترات لا يكمن في القيادة فقط، بل أيضاً في جدول الأعمال، الذي يسعى لضم زاحف في الضفة، ومنطقة “ج” أولاً، مع تنحية خيار استئناف المحادثات. هذا هو التفسير الأكثر منطقية لدمج العنف المبادر إليه، الذي يجب على القيادة معرفة إلى أين سيؤدي، مع الجمود السياسي.

«خيمة عن خيمة تفرق»: هكذا أنتج مخيم شعفاط فضاء اجتماعياً مقاوماً

لورا الخوري

يشير مفهوم المقاومة، في أحد جوانبه، إلى حالة كفاحية تستهدف ليس فقط استبعاداً منهجياً وشاملاً وجذرياً لكل ما استدخله المستعمِر، أو ما يعمل على استدخاله، في وعينا، من أساطير وأوهام، وفي الآن ذاته تشكيل آلية للحفاظ على السلامة الداخلية للمعارف المحلية الأصيلة، بل وأيضاً التوظيف الثوري لهذا الوعي لإعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي ككل إلى حيز مقاوم أصبح في الحالة الفلسطينية ليس فقط شرطاً للانتصار في المستقبل، بل وحتى الوجود العربي في فلسطين كذلك. أسوق هذا التعريف لأنه يختصر لحدّ بعيد بعضاً من تجربة مخيم شعفاط الطويلة وكفاح سكانه ضد الاستعمار الصهيوني لفلسطين منذ النكبة حتى اليوم. ففي مخيم شعفاط لم يفشل المستعمر الصهيوني في مجهود ومشاريع تحويل المخيم إلى فضاء مهزوم ومشوه على طريق تصفية القضية الفلسطينية فقط، لكن السردية التي أسس لها لاجئو مخيم شعفاط منذ 1948 (ولاحقاً 1965) دفاعاً عن المخيم واللاجئ، كمفاهيم، وكحالة، وكتنظيم اجتماعي، وطريقة عيش أسست لحالة مقاومة فريدة نرى بعضاً من تبعاتها فقط اليوم في مشهديات بطولية تقارب المعجزة. التجليات البطولية المدهشة التي تابعناها في الآونة الأخيرة ليست نتاج مجهود مكثف للأطر المقاومة أخيراً (رغم وجوده) فقط، بل نتاج لتراكم كفاحي أعاد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية على امتداد أكثر من خمسة وسبعين عاماً، شكّل التربة الخصبة لنجاح المجهود المقاوم لاحقاً. لهذا السبب بالضبط سيفشل الكيان الصهيوني في اجتراح أي استراتيجية لإحباط المقاومة. فكل مستعمر سبقهم، لا يرى الصهاينة المقاومة إلا كنتاج لحالة وظرف راهن فقط، ويراهنون أن الحلول التقنية كفيلة بإنهائها. لكنهم سيكتشفون أن الزمن التاريخي يسير لصالح المقاومة، وأن إمكانية الانقلاب على المسار التاريخي الذي أسس له اللاجئون يوماً بيوم تشبه في استحالتها إمكانية عكس عقارب ساعة التاريخ.

قبل أيام، شاهد العرب والعالم أحد أبطال مخيم شعفاط يترجل بهدوء وثقة مدهشة من إحدى السيارات ويتجه بهدوء نحو عدد كبير من الجنود (ظهر منهم في الفيديو الذي تم تداوله أكثر من عشرة على الأقل، عدا عن جنود آخرين كانوا داخل غرفة الحاجز، أو في أبراج المراقبة أو داخل السيارات العسكرية التي كانت في المكان)، ثم يستلّ سلاحه ويبدأ بإطلاق الرصاص من مسافة الصفر. هذه الشجاعة الفائقة التي لا يمكن أن تصدقّها فعلاً إلا إذا رأيتها بأم عينيك، ليست وليدة لحظة، وما قام به هذا البطل الفذّ ليس فعلاً يمكن لأي إنسان التكفل به. بل هي نتاج تاريخ طويل من تراكم طبقات من المقاومة بكل أشكالها، خاضها سكان مخيم شعفاط لينتجوا حيزاً اجتماعياً مقاوماً استولد بدوره فدائياً بعد الآخر.   

هكذا، أعطانا المخيم قبل أيام، تلك المشهدية الفذة التي تقارب الخيال وهذا النوع من الفدائيين الذي لا تلده النساء فقط، بل ظروف تاريخية وبيئة حاضنة وفضاء اجتماعي احتاج اختمارها على ما هي عليه اليوم أكثر من سبعين عاماً. لهذا بالضبط لا يمكن لأحد أن يصدق ما حصل لو كان مجرد سردية أو قصة شفهية ما لم يرها بعينيه، وكلنا رأيناها بأعيننا. بقية القصة أصبحت معروفة: بطل فلسطيني جديد يطل من مخيم شعفاط يدهش العالم بشجاعته الفائقة، تماماً مثل أبطال فلسطينيين آخرين سبقوه كإياد العواودة، عمر أبو ليلى، رعد خازم، مهند الحلبي، بهاء عليان، أسعد الرفاعي، صبحي أبو شقير، إبراهيم النابلسي، عبد الحميد أبو سرور، أشرقت قطناني، وغيرهم من قائمة طويلة سيخطئ من لا يراها كقائمة بأسماء طلائع جيل التحرير الفلسطيني الحقيقي. هؤلاء الأبطال لم يظهروا فجأة كصاعقة في سماء صافية وبلا مقدمات، بل هم نتاج تاريخ طويل من الكفاح والعذاب والتحديات استولدت في أيامنا أبطالاً تقارب حقيقتهم وشجاعتهم الخيال. وبطل مخيم شعفاط الاستثنائي الآن، لن يكون استثناء أبداً في المستقبل. بل هو أحد تجليات المعجزة التي استولدتها تجربة مخيم لم يتوقف يوماً واحداً عن المقاومة، وما نراه من أبطال يقاربون في شجاعتهم الأساطير هي ثمرة تراكم نضال ومقاومة طويلة بدأت في عام 1948 ولن تتوقف إلا بفلسطين حرة عربية.

الطريق إلى شعفاط    

لم يكن مخيم شعفاط المحطة الأولى للاجئين الفلسطينيين الذين طُردوا من أراضيهم أثناء استعمار فلسطين بين العامين 1947-1948، فبعضهم أصبحوا مع وصولهم لمخيم شعفاط بين عامَي 1964-1965، لاجئين للمرة الثانية أو الثالثة، وبعضهم انضم للمخيم حتى لاحقاً على ذلك التاريخ، كما سنرى. كانت المحطة الأولى بعد التطهير العرقي الذي واكب النكبة هي مخيم المعسكر، الذي أنشئ داخل أسوار مدينة القدس عام 1948، بالقرب من حائط البراق في الجهة الغربية للمسجد الأقصى. ولهذا المكان رمزية هائلة رافقت سكان المخيم وأثرت في تشكيل شخصيتهم ولاحقاً مقاومتهم حتى اليوم. وليس ذلك فقط لكون المخيم حينها المخيم الوحيد في ما تبقى من القدس تحت السيطرة العربية بعد احتلال قسمها الغربي. وليس ذلك أيضاً بسبب رمزية القدس وقرب المخيم من المسجد الأقصى. ولكن لأن كل ذلك، وغيره، سيضع سكان المخيم في حالة مواجهة ومقاومة دفاعاً حتى عن وجودهم كلاجئين منذ اليوم الأول. فلقد تم لاحقاً إخلاء المخيم قسراً عامَي 1964-1965 من داخل أسوار القدس، ونقل سكانه الذين كانوا حينها 150 عائلة تقريباً، إلى أرض مستأجرة لمدة 99 عاماً تبلغ مساحتها 100 دونم، ازدادت لاحقاً لما يقرب من الـ 200 دونم في منطقة شعفاط/ عناتا على بُعد أربعة كيلومترات من مركز القدس من قبل الحكومة الأردنية، حيث أقيم المخيم الحالي. لم يكن ذلك التحدي الأول الذي واجهه سكان المخيم، لكنه بالتأكيد كان تحدٍّ لم يخل من طعم الاقتلاع الأول من الوطن، كما يشير أهل المخيم.

كل هذا حدث طبعاً قبل احتلال القسم الشرقي من القدس، وقبل ضمها لاحقاً من قبل الصهاينة، ما يدفع لتخيل حال القدس اليوم، لو لم يتم اقتلاع المخيم من تلك البقعة الحساسة بالذات قبل النكسة بعامين فقط – بالتأكيد كانت محاولات اقتحام الأقصى وتهويد المنطقة ستكون أصعب مع وجود المخيم على الجانب الغربي للمسجد الأقصى. ربما لهذا السبب أيضاً قام الكيان بإزالة حارة المغاربة مباشرة بعد أيام من حرب عام 1967. كان المخيم الجديد، في شعفاط، يتألف حينها من 500 شقة، كل منها مكونة من غرفتين صغيرتين. وفيما كان أغلب سكان المخيم ينحدرون حتى ذلك الوقت (1964-1965) من 56 قرية في غرب القدس مثل القطمون، لفتا، المالحة، الولجة، بيت ثول، سريس وكذلك من مدن اللد، الرملة، ويافا أيضاً، إلا أن ذلك تغيّر لاحقاً. فبعد عدوان 1967، بدأ لاجئون جدد يتوافدون إلى مخيم شعفاط إضافة إلى اللاجئين القدامى، ولاحقاً وافدون من سكان القدس بفعل السياسات الصهيونية التي تستهدف المدينة. وحتى عام 2015، كان يعيش في مخيم شعفاط أكثر من 24 ألف فلسطيني، 50٪ منهم، 12500، لاجئون مسجلون وفقاً لتقرير «الأونروا» للعام 2015. وطبعاً هذا لا يشمل باقي سكان المخيم والأحياء المتداخلة معه الذين يقرب عددهم حالياً من 150 ألف فلسطيني. وبرغم أن أهالي مخيم المعسكر أجبروا قسراً وبالقوة على إخلاء مخيمهم والانتقال إلى المكان الجديد في شعفاط في ظل الحكم الأردني، إلا أن الاقتلاع لم يخل كذلك من الدعاية المغرضة التي تم نشرها حينها لتسهيل تنفيذ القرار، والتبرؤ من تبعاته من قبل منفذيه. فبرغم أن الإخلاء قارب في شكله الاقتلاع الأول، عملت أدوات الدعاية على تشويه اللاجئين وتحميلهم كضحايا للقرار مسؤولية الانتقال مدعية أنهم مجرد مجموعة صغيرة تبحث عن حياة أفضل ومكان سكن أكبر خارج أسوار المدينة المقدسة. في تلك اللحظة بالذات بدأت مقاومة سكان مخيم المعسكر تأخذ شكلاً جديداً عن كل ما سبق.    

ففي مواجهة هذه الأسطورة الكاذبة، بدأ أهالي مخيم المعسكر بإطلاق مواقفهم الخاصة حول المكان الجديد، مخيم شعفاط، ليس أقلها إطلاق تسمية «المكب» (أي المكان الذي تجمع فيه النفايات) على المكان الجديد حينها. قد يكون هو فعلاً مكب أصلاً، ولكن إبراز هذه الميزة من ضمن توصيفات عديدة للمكان الجديد هي التي تهمّنا هنا. ففي هذه السردية تكمن ممارسة مقاومة مخطط الإخلاء من مخيم العسكر، وهي شكل جديد اجترحه أهل المخيم الذين كان صراعهم مع الكيان الصهيوني كفلسطينيين يأخذ شكلاً مختلفاً – ذكر كثيرون منهم، في مقابلة مع الكاتبة، أنه رغم ضيق المنازل في مخيم المعسكر (العائلة كلها كانت تقطن في غرفة واحدة صغيرة فيما الدعاية تركز على أن المكان الجديد أوسع)، إلا أنهم قاوموا الترحيل ورفضوا الشقق الجديدة الأوسع. إضافة إلى ذلك أيضاً، قامت سردية مقاومة الإخلاء على إبراز مخيم المعسكر على أنه النقيض الكامل لـ«المكب».

فوفق السردية التي يرويها أهل المخيم، فإن المخيم (المعسكر) كان قد أقيم في حارة تسمى حارة أو حي «الشرف». وفيما يُرجع البعض أصل هذه التسمية كنكاية بحارة «السكناج» (اليهود المتدينين) الملاصقة لمخيم المعسكر، إلا أنها لعبت دوراً في مقاومة الترحيل الثاني في عام 1965. هكذا أصبحت هذه التسمية والتوصيفات الخاصة مبرراً لتساؤل كثيرين أثناء مقاومتهم إخلاء المخيم: كيف لنا أن نترك المخيم (حي الشرف) والذهاب إلى مكان يوصف، من ضمن أشياء كثيرة، بـ«المكب»؟ وحتى عندما تم اقتلاع اللاجئين من مخيم المعسكر في حي الشرف بالقوة لم يذهبوا جميعاً إلى مخيم شعفاط. فبعضهم اختار اللجوء إلى مخيمات أخرى كمخيم عقبة جبر في أريحا وأماكن أخرى (حسب سرديّتهم أيضاً) وكأنه نوع آخر من الاحتجاج على ما حل بالمخيم ورفضاً لخيار السلطة بمخيم بديل. لم تكن القضية، طبعاً، في رفض المكان الجديد الذي اختارته السلطات الأردنية لإقامة المخيم، أي شعفاط، بقدر ما كانت رفضاً ومقاومة لما اعتبره أهل المخيم اقتلاعاً ثانياً من جهة، وتهديداً لفكرة متجذّرة عند كل لاجئ فلسطيني منذ اللحظة الأولى للاقتلاع الأول: العودة تكون فقط إلى المكان الأول في فلسطين. رغم ذلك، سيحمل اللاجئون الذين انتقلوا إلى شعفاط، ومن انضم إليهم لاحقاً، تلك الفكرة معهم، وسيتحول الاقتلاع الثاني إلى تجربة مقاومة جديدة يُراكمها أهل شعفاط إلى تجربتهم الطويلة من المقاومة التي تستمر وتتصاعد.

التشويه على طريق التهويد   

لم تكن الأساطير والدعاية التي حاولت النيل من مخيم شعفاط لاحقاً، حتى بعد الاقتلاع الثاني، خاصة به فقط. فالأساطير والدعايات استهدفت كل المخيمات بهدف النيل من صورتها وتشويهها بعد أن أضحت مكاناً للثورة ومعقلاً للثوار («خيمة عن خيمة تفرق»، كما تشير عبارة الشهيد غسان كنفاني في «أم سعد»، عن تحول خيمة اللجوء إلى خيمة الثورة). لكن، ورغم أن الحملة كانت منهجية وتستهدف تصفية القضية الفلسطينية باستهداف رمزية المخيم وارتباط وجوده ووجود اللاجئين باستدامة قضية فلسطين وبحق العودة. ورغم أن الحملة استهدفت، ولا تزال، المخيم كفكرة، وكحالة وجودية، وكتجربة إنسانية ومقاومة فريدة. وبرغم أن الحملة أيضاً استهدفت كل المفردات والأفكار الثورية في التاريخ الفلسطيني الحديث بالعمل على إعادة تعريفها لتتفق مع متطلبات الخيارات السياسية التي لا مجال فيها لفكرة المخيم الأصلية التي بشّرنا بها الشهيد كنفاني، ولا مجال فيها حتى لفكرة فلسطين ذاتها التي تم العمل على إعادة تعريفها أيضاً، إلا أنه كان لمخيم شعفاط تحديداً خصوصية في هذه الحملة. فهو المخيم الوحيد الموجود في حدود مدينة القدس (يبعد أقل من أربعة كيلومترات عن مركز المدينة) التي تتعرض بدورها لهجمة شرسة خاصة تستهدف عروبتها وفق مخططات الاستعمار الاستيطاني التهويدية للمدينة. هكذا أصبح استهداف مخيم شعفاط بسبب موقعه، بالإضافة لكونه مستهدفاً كمخيم بحد ذاته، أولوية صهيونية تتجاوز المخيمات الأخرى.

فتهويد القدس واستئصال عروبتها هو مزيج معقد من الإقصاء/ النقل/ المحو المستمرة منذ عام 1948 ولاحقاً عام 1967. والإقصاء/ النقل/ المحو ليس إلا ممارسة واحدة من بين العديد من الممارسات الاستيطانية الاستعمارية الأخرى، التي تستهدف اجتثاث الجذور الثقافية والجغرافية والتاريخية والسياسية للفلسطينيين في أرض فلسطين وجعلها أرضاً لما يسمى «الشعب اليهودي» البحت. من أهم هذه الممارسات السائدة محو الذاكرة، بما في ذلك تغيير أسماء المدن والقرى والمدن، التخلص من السكان الأصليين عن طريق الإبادة الجماعية، التطهير العرقي، الإزالة، النقل، محو الهوية، واستنزاف المواقع الأثرية، كما يذكر المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة. هذه الممارسات تستهدف أيضاً استدامة وجود المستعمِر الذي يعمل على خلق واقع جديد وفضاء ديموغرافي وسياسي واجتماعي بديل للأصلي. ومن أجل السيطرة على القدس وإفراغها من سكانها العرب الأصليين، بدأ المستعمِرون الصهاينة بتنفيذ سلسلة معقدة ومترابطة من السياسات في المدينة المقدسة. فمنذ عام 1967، كان الكيان الصهيوني يقضم القدس شبراً شبراً، وبيتاً بيتاً، وشارعاً شارعاً، وحياً حياً. وعلى مدار خمسة عقود، كان الكيان يُغَيِّر القدس ديموغرافياً بالطرد والقتل والحرق وهدم البيوت ومنع البناء وسحب «الإقامات» والحصار والضرائب والاستيطان. ومنذ النكسة كان الكيان الصهيوني يخطط وينشئ البنى التحتية المطلوبة لتمكينه من السيطرة على القدس كالأوتوسترادات وشبكات سكك الحديد العديدة في القدس وحولها. ومنذ عام 1967، كان الكيان الغاصب يشرّع قوانين الضم والتهويد والتهجير عبر سلسلة طويلة مما يعرف بـ«قوانين الأساس» ذات الطابع الدستوري في كيان لا دستور له. كان الكيان ببساطة يعمل على تغيير معالم القدس وحدود القدس وجغرافيا القدس وتاريخها وحاضرها. فسحب الهويات (الإقامة) التي بدأت مباشرة منذ احتلال القدس عام 1967، ولاحقاً ضمها، كانت تتصاعد عاماً بعد عام وبلغت ذروتها بالذات بعد توقيع اتفاقية أوسلو، للتأكيد على علاقة ما يجري بالخيارات السياسية – ففي عام 2008 مثلاً ألغيت تصاريح «الإقامة الدائمة»، كما يسمّونها، لـ 4577 فلسطينياً، وهو الرقم الأعلى منذ أوسلو وحتى ذلك الوقت – فأنت لا تحتاج فقط لتصريح للإقامة في المدينة التي يمتلئ ترابها بعظام أجدادك لقرون، بل إن الوقاحة الاستعمارية تتطلب منك تجديد هذا التصريح باستمرار ويضع كل عربي في القدس تحت الاختبار الدائم بتسليط سيف سحب الإقامة على رأسه/ا.   

وهذه الحملات الطويلة والمنهجية التي تستهدف عروبة القدس وتعمل على تهويدها كانت ولا تزال لها تبعات مباشرة وكبيرة على مخيم شعفاط بالذات. ففي مخيم شعفاط ترافقت الهجمة على القدس بالعمل على سلب هوية المخيم، الذي يندّد بمجرد وجوده بالمشروع الاستعماري الصهيوني، كما يذكر بصوت عال دائماً ومن قلب القدس بحق العودة إلى كل فلسطين. فالاستعمار الصهيوني عمل بشكل منهجي على تغيير واقع المخيم الديموغرافي والعمراني ارتباطاً بما يحدث في القدس وانتقال العديد من السكان الجدد من أهل القدس الذين يحاولون الحفاظ على الإقامة إلى المخيم، وما يترتب على ذلك من تحولات عمرانية أيضاً. ثم جاء بناء جدار الفصل العنصري الذي أحاط بالمخيم بهدف سلب صفة اللجوء داخل هذا الجدار. عند دراسة بعض ما نتج عن سياسات التهويد والإقصاء والترحيل لأهل القدس إلى الأحياء حديثة البناء في المخيم، كونها أقل تكلفة من السكن في أحياء القدس، أصبح عدد السكان يساوي، وربما يقل عن عدد الوافدين (إلى الأحياء). لكن لم يفشل الاستعمار الصهيوني بسلب أهل المخيم هويتهم التي يعتبرونها متلازمة لهم إلى يوم التحرير فقط، ولكن النتيجة كانت معاكسة تماماً. استطاع المخيم، على عكس ما كان يرغب ويخطط المستعمِر الصهيوني ليس فقط استيعاب التحولات الديموغرافية والعمرانية والحفاظ على هوية المخيم الأصيلة، بل وتحويل هذه التحولات إلى أدوات مقاومة.

مقاومة الاغتراب الثلاثي

«يا إحنا يا إنتو في البلاد. مش رح يقبل الشعب الفلسطيني إلا إنو تطلعوا من بلادنا». هذا ما قاله الطفل أنس، ابن الشهيد إبراهيم العكاري لصحافي صهيوني في أعقاب عملية والده البطولية وهدم منزلهم، وهو لا يتجاوز العشر سنوات من العمر حينها. لكن قصة هدم منزل عائلة الشهيد العكاري وإعادة بنائه تختصر قصة المخيم الذي برغم كل الجهود الصهيونية لم يتآكل كمساحة للمقاومة، بل، على العكس، استطاع استيعاب حتى من لم يكن جزءاً مباشراً من قصة النكبة من غير اللاجئين الذين وفدوا إلى المخيم نتيجة الحملة على القدس ودمجهم في صيرورة مقاومة ممتدة منذ عام 1948.     

ففي مشهد مذهل فعلاً وبعد فشل الكيان الصهيوني عدة مرات في مجرد الوصول فقط إلى بيت الشهيد وهدمه، واضطراره لاحقاً لاستقدام أكثر من 1200 جندي مدجج بالسلاح للوصول إلى المنزل وهدمه، كانت المفاجأة في ردة فعل المخيم التي ستؤسّس لمسار جديد من مقاومة هدم البيوت وتحولها إلى عبء على الصهاينة أنفسهم. ففي أقل من 24 ساعة تم جمع التكاليف وبناء بيت لعائلة الشهيد. ومن مخيم شعفاط بدأت حملة من نوع غير مسبوق، «هم يهدمون ونحن نبني»، التي انتقلت بعدها إلى نابلس وغيرها من مناطق الوطن المحتل هدفها إعادة بناء بيوت المقاومين التي يهدمها الكيان الصهيوني. أشارت الأنباء الأولية إلى تمكّن أهل المخيم من جمع مبلغ 95 ألف شيكل خلال 6 ساعات فقط، وبعد 24 ساعة وصل المبلغ إلى 320 ألف شيكل (86 ألف دولار). هذا المشهد سلط الضوء على دور وتأثير الحاضنة الاجتماعية وخصوصاً الأشخاص الذين تطوعوا من أصحاب العقارات الخاصة والوافدين إلى المخيم. فهؤلاء الوافدون الذين ليس لهم روابط مباشرة بالنكبة ولم يختبروا التهجير الأول والثاني الذي عانى منه اللاجئون كانوا يتخيلون المكان الذي يعيشون به كمكان للمقاومة، وأصبحت حكايات النكبة والإصرار على نيل حق العودة بالصمود جزءاً من الهوية الجماعية لسكان المخيم، وليس فقط هوية اللاجئين. وبالتالي فإن الوافدين الذين أنتجتهم السياسات الاستعمارية كفئة جديدة في مسعى القضاء على روح المقاومة، أعاد المخيم صياغة هويتهم على شاكلة هوية اللاجئين المهجرين كهوية أصلية وأصيلة للمخيم وأهله، وأعاد إنتاج تصوّر وتخيل الإحساس بمكانة المجموعة على أنه الإحساس بالمكان. هكذا شكّلَت الخرائط المعرفية البديلة لمخيم اللاجئين التصورات الذهنية وأثرت على سلوك كل الفلسطينيين ومواقفهم وتصرفاتهم. في المقابل، كانت تكاليف محاولات هدم منزل الشهيد العكاري وتجنيد 1200 جندي لها في الهجمة الأخيرة أكثر تكلفة بما لا يقاس من البيت الذي أعيد بناؤه (قدرتها بعض المصادر بملايين الدولارات).    

لكن القصة طبعاً لم تبدأ باستشهاد إبراهيم العكاري أيضاً، بل هي نتاج لصيرورة مقاومة يومية من أجل الحفاظ على الهوية الأصلية بالحد الأدنى، ولاحقاً التأسيس لمقاومة طويلة المدى على طريق العودة. فذكريات نساء مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مثلاً، عن الاقتلاع (النكبة) رَسَخَت في الأماكن التي منحتهن القوة للتغلب على اغترابهن الثلاثي (1948، 1966، واليوم في مواجهة تحدي نزع صفة اللجوء وسلب حق العودة وإخراج المخيم من حيز مدينة القدس). كان هناك ميل دائم لتقديم سرديات أقرب إلى الحاضر، أو إعادة صياغة السردية، ما يجعل الحاضر قوة دافعة باستمرار لأفعالهن. هكذا، تم ببطء، ولكن بثبات ودأب مدهش من قبل هؤلاء النسوة إنتاج المساحة الاجتماعية المقاومة في مخيم اللاجئين من قبل لاجئي 1948 الأصليين كمنتج استدخله الوافدون إلى وعيهم (الذين انتقل بعضهم إلى المخيم من أجل الحفاظ على الإقامة في القدس المقدسية – والتي استخدمت لترهيب المقدسيين، وهي برأيي أسطورة رابعة ناقشتها في مكان آخر).

يمكن رؤية الفضاء الاجتماعي على أنه وسيط ونتيجة للممارسة الاجتماعية، وكيف أصبح الفضاء الاجتماعي مجالاً وأساساً للعمل الوطني لجميع السكان. بشكل عام، وبالنسبة إلى سكان المخيم الوافدين والأصليين، استمرت عملية تربية مقاومة الاستعمار دون انقطاع: شاهدت الكاتبة مثلاً كيف عندما تتجمع النساء، يتبادلن ذكريات أحداث «النكبة»، وكيف استند الوافدون على ذكريات الآخرين واستدخلوها في وعيهم، وكيف تم نقل روايات الماضي كجزء من الحاضر في عملية حية من إحياء الذاكرة الجماعية وإعادة اختراعها بشكل مقاوم، لم تكن أبداً في حسابات المُستعمِر. شاهدتُ النساء يجتمعن ويتطوعن بوقتهن، وشاهدت النساء الوافدات يتبرعن بأموالهن وذهبهن، ويخلقن إحساساً قوياً بالمجتمع وينتجن نموذجاً مدهشاً للمقاومة الجماعية المجتمعية – وبالتالي، تجربة معيشية فعلية للفضاء وإحساس بضرورة المقاومة. 

فعلى الرغم من التدفق السريع والكبير للمقدسيين (الوافدين) وتداخل حدود المخيم مع شعفاط وعناتا، وتغيير الحيز المادي والبيئي والاجتماعي للمخيم، وعلى الرغم من اتفاقية أوسلو كخيار سياسي لا مكان فيه للفضاءات المقاومة، إلا أن هذا المخيم، الذي كان يسكنه اللاجئون «المقيمون» بشكل حصري، ومكان يسكنه أيضاً «الوافدون» (حوالي 50٪)، لم يتآكل كمساحة للمقاومة. على العكس، أصبح المكان يمثل التعريف المعجمي للحيز المقاوم للاستعمار. أصبح مشهداً مؤسساً لاستعادة حق العودة، أو مساحة منتصرة في مواجهة اضطهاد المستعمِر ومحاولات الإبادة السياسية والثقافية.

ما تجب الإشارة إليه كمتغير فاعل جداً في هذا التاريخ هو دور دخول نساء المدينة إلى فضاء المخيم في إنشاء قاعدة معارف نقدية تأملية شكلت ذخيرة هامة لمقاومة لاحقاً، وقاعدة قوة للنساء اللاجئات أنفسهن حيث أضاف طبقة جديدة من المقاومة بالنسبة إليهن وللمخيم أجمع. كانت ذكريات النساء اللاجئات، وطريقة سردها، استناداً إلى تجربتهن الحياتية في المكان والزمان، مصدراً للتلاحم مع الوافدين الذين دمجهم المخيم في سرديته وتاريخه بشكل مدهش وشحذت طريقاً متخيلة جديدة لمقاومة الاستعمار. هكذا أيضاً أصبح الوافدون جزءاً من فضاء اجتماعي مقاوم مختلف وشاهداً على انتصار المخيم في هذه المعركة الوجودية ثقافياً وسياسياً ووطنياً. وهذا لم يكن إلا جزءاً فقط من عملية تاريخية معقدة وطويلة لإنتاج فضاء اجتماعي مقاوم وحيز للثورة على أنقاض التطهير العرقي الذي بدأ في النكبة وأيضاً أسس لمسار مضاد لها. لم يستطع، ولن يستطيع جدار الفصل العنصري الذي أحاط بالمخيم ومعه كل السياسات والتقنيات الصهيونية التهويدية في القدس من المس بهوية اللاجئ وحقه بالعودة، وإنما تحول مخيم شعفاط إلى ساحة مقاومة.

كان الهدف من كل الممارسات الاستعمارية الممنهجة جعل لاجئي مخيم شعفاط مختلفين عن باقي الفلسطينيين، بسبب خصوصية شعفاط الديموغرافية والعمرانية والجغرافية كمخيم في قلب مدينة القدس. هذه عملية تعرف في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية عموماً بـ«التولد العرقي»، «اثنوجينسيس». طبعاً، هذه عادة عملية محفوفة جداً بالمخاطر، ويمكن بوضوح تلمس بصمات الأنظمة الاستعمارية فيها في كل مكان شهد مثل هذه الحالة. ولكنها في حالة مخيم شعفاط ونتيجة للسياسات الصهيونية المنهجية وشبه اليومية، وأيضاً السياق السياسي الفلسطيني والخيارات السياسية الكبرى (القبول بالتسوية) أخذت شكل هندسة اجتماعية واضحة أيضاً تستهدف استئصال الهوية الأصيلة والأصلية لسكان المخيم. 

هكذا اصطدمت استراتيجية الحكم الاستعماري في القهر اليومي الممنهج بسياسة التهويد والقهر للسكان الأصليين، بعملية تحدٍّ لهوية اللاجئ وصورته حتى عن نفسه وعن أهله. تكوين ما يشبه «الهوية الإثنية» في هذه الحالة هي عملية هيكلية مفروضة بالقوة وبمنهجية خلق الأمر الواقع، وتتّسق تماماً مع عملية الإبادة الجماعية التي يواجهها الفلسطينيون سياسياً وثقافياً ووطنياً وعملية تهويد فلسطين، وليس القدس فقط. فمن حملات الترهيب العنيفة اليومية لكسر روح الفلسطينيين وإعادة تشكيلها وفق متطلبات مشاريع الإبادة (ومشروع التسوية ليس إلا أحدها) كالقتل اليومي (أكثر من سبعين شهيداً منذ الانتفاضة الأولى فقط)، هدم البيوت (177 مبنى ومنشأة في عام 2021 في القدس فقط، فيما يعتبر الاحتلال أكثر من 20 ألف مبنى في القدس «غير مرخص» ومهدد بالهدم)، استهداف الأطفال بالذات بالقتل والاعتقال والتنكيل للنيل من روح الأهل (بلغ المعدل الشهري لاعتقال الأطفال الفلسطينيين 420 طفلاً شهرياً منذ 2016 وحتى اليوم)، العقوبات الجماعية المستمرة كقطع الكهرباء المتعمد عن المخيم لأيام، وعزله الكامل عن محيطه عبر الجدار، والقيود الجماعية التي تستهدف حتى أصغر تفاصيل حياة أهل المخيم، وتباعاً الإهمال المتعمد للبنى التحتية المادية والاجتماعية للمخيم (التي أشرف على خرابها بشكل منهجي ما يسمى رئيس بلدية القدس السابق والأخطر الصهيوني تيدي كوليك)، وصولاً إلى الحاجز «الدولي» المقام على مدخل المخيم (المدخل الوحيد للمخيم في ظل استمرار إغلاق المدخل الآخر) الذي يمر عليه آلاف السكان يومياً، عدا عن تفاصيل المعيشة الصعبة جعلت الحياة في المخيم قاسية جداً. لكن روح أهل المخيم لم تنكسر، وإنما أصبحت المقاومة أكبر وأشمل وأقوى.

خاتمة: «جدوى المقاومة دائمة»

حين تقدّم الفدائي القادم من شعفاط نحو رتل الجنود الصهاينة على الحاجز وبدأ بإطلاق النار، ربما انشغل البعض في تعداد القتلى الصهاينة، أو النتائج المباشرة للعملية البطولية، أو حتى في الشجاعة اللافتة جداً للفدائي الجديد. لكن ما حصل على الحاجز ساعتها كان أكثر بكثير من كل ذلك. ما حدث حقاً كان بشائر نتيجة مواجهة بين تاريخين طويلين متصارعين على مدار أكثر من سبعين عاماً. وحتى لا يكون فهمنا للمقاومة قاصراً، فإن من تواجه لحظتها على الحاجز كان كل التاريخ الاستعماري الاستيطاني الصهيوني بكل مقدراته، وكل مشاريع التهويد والاستهداف للقدس، لمخيم شعفاط وهويته وهوية سكانه، لفكرة المخيم ذاتها، والأهم مشروع كسر روح سكان المخيم وإعادة صياغة كلية لوعيهم بالذات وبالمخيم وبالعدو، مع سلسلة طويلة من المشاريع المقاومة المضادة التي بدأت مع اليوم الأول للتطهير العرقي بحق شعبنا. كانت هذه المواجهة إعلاناً واضحاً لا لبس فيه أن القصة الأولى التي روتها جدة لطفل ولد في المخيم عن التهجير الأول والثاني، عن فلسطين وشعبها وشكلت ذاكرته ووعيه وهويته يمكن أن تثمر بعد عقود عملاً فدائياً فذاً. فبعد أكثر من سبعين عاماً لم يفشل المشروع الصهيوني بفصل مخيم شعفاط عن محيطه المباشر في القدس وصناعة هوية أخرى لسكانه، بل أثمرت مقاومة أهل المخيم أبعد من ذلك في حيفا التي خرج أهلها يهتفون للمخيم. كانت هذه المواجهة إعلاناً واضحاً أن اسم «حي الشرف» الذي حمله سكان المخيم لعشرات السنين أصبح مع الوقت من لحم ودم، وأصبح وعياً مقاوماً يضرب على الحاجز القريب فنسمع صداه في حيفا البعيدة. كل مقاومة صغيرة وكبيرة لأهل المخيم والوافدين إليه من أهل القدس والضفة، ومنذ اللحظة الأولى للاقتلاع من الوطن في 1948، ولاحقاً من قلب القدس في 1965، تراكمت يوماً بعد يوم لتضرب أخيراً بقوة على الحاجز، وتهدم كل ما ظن الكيان الصهيوني أنه بناه على مدى عشرات السنين.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى