مقالات

الفلسطينيون هم أيضاً مقاتلون طالما استمر الاحتلال

عكيفا الدار ودانييل برتال

منذ بداية السنة وحتى نهاية شهر أيلول قتل في الضفة الغربية بنار قوات الأمن والمواطنين الإسرائيليين 98 فلسطينياً، من بينهم 5 نساء و21 قاصراً، وما زال الحبل على الجرار. أمامنا تقريبًا ربع عام كامل من أجل “كي وعي” الفلسطينيين وإبراز أنه يجب عليهم التعايش مع الاحتلال أو الموت في النضال ضده.

هذا هو الرقم الأكبر من القتلى الفلسطينيين في الضفة منذ العام 2015 (في حينه قتل 99 فلسطينياً خلال كل العام). من أجل إمتاع العين بتناسب مع السكان فان هذا الرقم يوازي 40 قتيلاً في الشهر. هذا إضافة إلى مئات المعاقين وآلاف المعتقلين. لدينا كلب “اليمام” الذي قتل وهو يؤدي واجبه يحصل على تغطية أوسع من طفل فلسطيني عمره 12 سنة، الذي قتل وقالوا “تمت تصفيته”، على يد قواتنا.

لنترك للحظة الموضوع الأخلاقي. كم هو عدد الإسرائيليين – اليهود الذين كانوا سيبقون في معسكر السلام لو أنه في كل يوم كانت نشرات الأخبار تنشر صوراً من جنازات النساء والأطفال الذين قتلوا بنار المقاتلين الفلسطينيين. يصعب العثور على بيت فلسطيني لا يحمل أبناؤه على أجسادهم أو في نفوسهم ندب الاحتلال. فقط كراهية إسرائيل وشهية الانتقام هما أقوى لديهم من الخوف ومن اليأس.

“بضعة قروش تكفيهم!”

الإسرائيليون لا يعزون عنف الفلسطينيين للاحتلال والطرد. فحسب المفهوم السائد في إسرائيل فإن الفلسطينيين هم ماكثون غير شرعيين وبائسون وكل ما يعنيهم هو جلب بضعة قروش لبيوتهم. اعطوهم بضعة تصاريح أكثر واغلقوا عليهم في الأعياد الإسرائيلية وقوموا بتخويفهم بالتفتيشات الفجائية وكل شيء سيكون على ما يرام. ومثلما قال إسحق شامير “هم سيتعودون”.

في “معاريف” في 4/10 اقتبس المحرر العسكري ران ادلست بحثاً قديماً شاركت فيه ثلاث جامعات عن شخصية الضابط في الجيوش العربية، البحث الذي عرض في 1972 على المستويات السياسية وجاء فيه، ضمن أمور أخرى، بأن تفكير الضابط العربي هو بدائي وشخصيته سطحية وغير ناضجة عاطفياً وعديمة الاستقلالية. بعد سنة اجتاز هذا الضابط البدائي وحطم خط بارليف. ومرة أخرى الجنرالات لدينا والمحللون العسكريون تفاخروا بـ “جنودنا” الشجعان الذين نجحوا في “تصفية شخص حقير آخر متعطش للدماء”، وضحية لتحريض المتعصبين دينياً ورافضين للسلام. مرة أخرى هم يدفنون رؤوسهم في الرمال مثلما اعتادوا في رمال سيناء، عيونهم لم تتمكن من رؤية دائرة الدماء التي يولّد فيها الاحتلال المقاومة، الأمر الذي يدفع القوة المحتلة الى تعزيز سيطرتها على الواقعين تحت الاحتلال، الأمر الذي يفاقم المقاومة ويعمق الاحتلال والدائرة تتكرر.

واقع وحشي

الواقع أصبح وحشياً أكثر ودموياً أكثر. تعزيز الاحتلال يجبره على تطوير أساليب للسيطرة والرقابة على المجتمع الواقع تحت الاحتلال؛ تجنيد آلاف العملاء والمخبرين بطرق حقيرة مثل خلق الشعور بالاضطهاد، والإعدام بدون محاكمة (التصفيات)، الاعتقالات، التعذيب، العقاب الجماعي، هدم البيوت، الحواجز، الإغلاقات، نظام التصاريح وما شابه. المعارضون المخلصون لاتفاق أوسلو استخدموه بدون خجل من أجل تقسيم الضفة الغربية الى “بنتوستانات”.

تجاهل الغرب والعالم العربي لنظام الفصل العنصري في المناطق يرسخ الوهم بأن الوقت يعمل في صالحنا. هكذا كان في الأيام بين كارثة احتلالات 1967 وكارثة فشل 1973. في الوضع الذي فيه الحدود آخذة في الانطماس حرفياً، فإن عمليات وظواهر سامة تنزلق بصورة لا يمكن منعها من المناطق المحتلة إلى داخل حدود الخط الاخضر. مكان مصطلحات مثل “احتلال” و”تسوية جغرافية” و”تسوية سياسية” تحتله نماذج وروايات لتبرير الاحتلال.

خلال سنوات الجمود السياسي فإن مفاهيم الوضع الراهن (“لا يوجد شريك”) تعمق سيطرتها؛ وتخلق لغة جديدة وذوي مصالح جدداً يسيطرون على موارد الاحتلال. تتطور دبلوماسية جديدة لتبرير محاربة مقاومة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، ومن أجل الحفاظ على الاحتلال تتبلور ثقافة سياسية جديدة فيها الشرخ بين من يؤيدون الاحتلال ومن يعارضونه يتدهور إلى جرائم كراهية وإلى تآكل مكانة حراس العتبة.

الزعماء الذين يتمسكون بسياسة إدارة الاحتلال يتجاهلون، سواء عن قصد أو بسبب الجهل، حقيقة أنه في القرن الواحد والعشرين لا يوجد أي شعب مستعد لأن يوافق على العيش تحت الاحتلال العسكري. معارضة الاحتلال في العصر الحديث تعتبر مشروعة، وبناء على ذلك تقريباً جميع الاحتلالات انتهت.

إلى متى يمكن لإسرائيل الاختباء وراء الادعاء الهش بأن الضفة الغربية لا تعتبر أراضاً محتلة، بل “أراضٍ مختلف عليها”؟ الى أي مدى يمكننا أن ندفع السكان الأصليين الى خارج الـ 60 في المئة من هذه الأراضي وأن نطالبهم باحترام حكم الناخب الإسرائيلي؟ من المهم معرفة إلى أي مكان في قائمة أحزاب اليمين – وسط كان سيصل اليوم مرشح كان يتجرأ على لفظ كلمة “احتلال”، كما فعل رئيس الحكومة أرييل شارون في 2003؟

15 ألف جندي مصري قتلوا قبل 49 سنة في طريقهم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في شبه جزيرة سيناء. أكثر من 2500 إسرائيلي قتلوا بسبب تعالي قلوب قادتنا. الفلسطينيون أيضاً لديهم مقاتلون. طالما استمر الاحتلال هم لن يلقوا سلاحهم. وكلما زدنا في قتل أبنائهم هم سيواصلون قتل ابناءنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى