أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

إعلان الجزائر الفلسطيني

حمادة فراعنة

لم يكن إعلان الجزائر من أجل لَمّ الشمل الفلسطيني يوم 13/ 10/ 2022، هو أول بيان، أو أول ظاهرة، أو أول إتفاق بل سبقه العديد من البيانات والمواقف والاتفاقات والخطوات المماثلة أو الأهم، أو الأقل أهمية، ولكنها جميعاً لم تنهِ حالة الاستئثار لدى حركتي فتح وحماس، ولا أقول الانقسام فقط بينهما، فالإنقسام باتت مظاهره فاقعة، ولكنه تحول إلى ظاهرة الاستئثار من قبل الطرفين: فتح وحماس.

حركة فتح تستأثر بما لديها من سلطة في الضفة الفلسطينية وإن كانت تحت الاحتلال، وتستأثر بما لديها لدى مؤسسات منظمة التحرير.

حركة حماس تستأثر بما لديها من سلطة منفردة على قطاع غزة منذ قرار حسمها العسكري في حزيران 2007، فشلت كل محاولات الوحدة والتفاهم والشراكة بينهما، سواء تمت بمبادرات داخلية فلسطينية، من قبل الجبهة الديمقراطية أو غيرها، أو عربية متعددة من مصر وقطر وغيرهما، أو دولية على يد روسيا، فقد أخفقت كل هذه المحاولات والمبادرات والجهود لغياب المصلحة التنظيمية الحزبية لكليهما، وكل منهما يستأثر بما لديه، وخطوط ونفوذ المستعمرة وأدواتها تعمل بنشاط وقوة على تعزيز الاستئثار لدى الطرفين وتغذية الانقسام بينهما.

السؤال هل تغيرت المعطيات كي يندفع طرفا الاستئثار والانقسام ويتراجع كل منهما عن تفرده، لعلهما يلتقيان في منتصف الطريق، ويحققا المصلحة الوطنية الواضحة الصارخة الضرورية المطلوبة، للوصول إلى:

1 – برنامج سياسي مشترك، 2 – مؤسسة تمثيلية موحدة، 3 – أدوات كفاحية متفق عليها.

إعلان الجزائر تضمن عدة خطوات مهمة:

1 – الحفاظ على اجتماع الأمناء العامين للفصائل، ومواصلة دورهم الجماعي في إدارة العمل لتحقيق الوحدة.

2 – إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية للسلطة الفلسطينية.

3 – إجراء انتخابات للمجلس الوطني وفق الأسس المتفق عليها، ووفق الظروف المتاحة.

هل وصلت فتح وحماس إلى الطريق المسدود، وباتتا مرغمتين، على التوصل إلى اتفاق شراكة؟؟.

حركة حماس المسيطرة منفردة على قطاع غزة، لم تحصل على أي شرعية تعمل لها وتتمناها، ولم تتمكن أن تكون بديلا عن منظمة التحرير، رغم كل محاولاتها، منذ ولادتها إلى اليوم، إضافة إلى تفوقها في الانتخابات التشريعية وحصولها على الأغلبية البرلمانية، وأنها امتداد لأكبر وأهم حركة سياسية عابرة للحدود في العالم العربي: جماعة الإخوان المسلمين.

حركة فتح تمتلك الشرعية، عبر قيادتها لمؤسسات منظمة التحرير، ورئاستها للسلطة الفلسطينية، وإقرار العالم بأسره لشرعيتها، رغم أن الرئيس انتهت ولايته، والمجلس التشريعي انتهت ولايته، ولكن ما حصلت عليه، وما تملكه، لم يحقق لها ولبرنامجها ومؤسساتها الخطوات التدريجية التراكمية المطلوبة للاقتراب من خطوات زوال الاحتلال ونيل الاستقلال، بل العكس من ذلك: 1- في شهر آذار 2002 أعادت المستعمرة السيطرة واحتلال المدن التي سبق وانحسر عنها الاحتلال، 2- لم تتحقق أي من مطالب وقضايا الحل النهائي، 3- استمرار التوسع الاستيطاني لجعل القدس عاصمة موحدة للمستعمرة، وجعل الضفة الفلسطينية يهودا والسامرة أي جزء من خارطة المستعمرة، 4- كلا الطرفين يرتبط مع الاحتلال عبر: التنسيق الأمني بين رام الله وتل أبيب، والتهدئة الأمنية بين غزة وتل أبيب، فهل هذه المعطيات فرضت على طرفي الاستئثار للتراجع وصولاً إلى الشراكة والوحدة وإنهاء الانقسام؟؟.

إسرائيل غاضبة.. لماذا قلبت أستراليا موقفها من القدس؟

دبي- العربية . نت

تخبط الموقف الأسترالي خلال اليومين الماضيين، بشأن “اعتبار القدس الغربية عاصمة لإسرائيل”.

فقد سحبت السلطات الأسترالية بتكتم قبل أيام اعترافها بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، عبر حذفها بياناً في هذا الشأن من موقع وزارة الشؤون الخارجية والتجارية على الإنترنت، عقب تحقيق أجرته صحيفة الغارديان البريطانية.

إلا أن تلك الخطوة أثارت غيظ إسرائيل، فوجه رئيس وزرائها يائير لبيد اليوم انتقاداً لاذعاً للحكومة الأسترالية التي تراجعت عن موقف كانت اتخذته الحكومة السابقة، اليمينية برئاسة سكوت موريسون

ووصف لبيد هذا التصرف بـ”الرد المتسرّع”، قائلا “لا يمكننا إلا أن نأمل بأن تتعامل الحكومة الأسترالية مع قضايا أخرى بشكل أكثر جدية ومهنية”.

أتى التعليق الإسرائيلي، بعد ساعات قليلة من إعلان كانبيرا رسمياً أن قرار الحكومة السابقة لم يكن صائبا، داعية إلى حل قضية وضع القدس من خلال محادثات سلام بين تل أبيب والفلسطينيين.

وقالت وزيرة الشؤون الخارجية بيني وونغ إن بلادها “ستظل دائما صديقة مخلصة لإسرائيل”، لكنها أضافت أنها ملتزمة بحل الدولتين.

كما أشارت في بيان إلى أن الحكومة “تجدد التزامها بالجهود الدولية في السعي المسؤول إلى إحراز تقدم نحو حل دولتين عادل ودائم”

ما السبب؟

أما عن السبب الكامن وراء تلك الخطوة، فأوضحت وونغ خلال مؤتمر صحفي بوقت لاحق اليوم أن قرار موريسون الذي اتخذ عام 2018 أبعد البلاد عن التناغم مع غالبية المجتمع الدولي، وأثار قلق إندونيسيا المجاورة ذات الأغلبية المسلمة.”، بحسب ما نقلت رويترز. وقالت “يؤسفني أن قرار موريسون ممارسة لعبة السياسة أدى إلى تغيير موقف أستراليا، وأثار قلق الكثير من الناس في المجتمع الأسترالي الذين يهتمون بشدة بهذه القضية”.

يذكر أن رئيس الوزراء السابق كان تراجع في ديسمبر 2018 عن سياسة كانت متبعة إزاء الشرق الأوسط على مدى عقود ، معلنا أن أستراليا تعتبر القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، لكنه أشار في حينه إلى أن بلاده لن تنقل سفارتها إلى هناك على الفور.

جاء كلام موريسون في حينه عن نقل السفارة من تل أبيب قبل أيام فقط من انتخابات فرعية في دائرة انتخابية في سيدني بها تمثيل يهودي قوي، إلا أن حزبه الليبرالي خسره رغم ذلك.

فقد خسر تحالف موريسون بقيادة الليبراليين الانتخابات العامة في مايو الماضي (2022) ، ما أدى لعودة حكومة من حزب العمال للمرة الأولى منذ تسع سنوات.

تقدير موقف: هل يخدم الواقع الفعلي على الأرض مقررات المصالحة بالجزائر

معتز خليل – باحث سياسي مقيم في لندن

ووقعت الفصائل الفلسطينية على “إعلان مصالحة” بوساطة جزائرية ، وجاءت الخطوة في ظل جهود اشترك فيها كبار مسؤولي حماس ، على رأسهم اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة ، وعزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح لتزيد من الأمل والطموح لإقرار هذه المصالحة.

الحاضرون وقعوا إلى جانب ممثلين عن الفصائل الفلسطينية الأخرى بيانا “للمصالحة الفلسطينية”.

ومع تزامن التوقيع على هذه الاتفاقية حكم النظام القضائي لحركة حماس بالسجن المؤبد على عدد من ضباط فتح من غزة الذين كانوا على اتصال بمسؤولي السلطة الفلسطينية في رام الله ، في المقابل تواصل قوات الأمن الفلسطينية اعتقال وضرب عناصر حماس في الضفة الغربية أينما وجدوا.

ما الذي يجري:

يمثل الواقع الاستراتيجي على أرض الواقع السياسي الفلسطيني كثيرا من التحديات ، بداية من قيادات حركة حماس أو قيادة حركة فتح.

وبات من الواضح ان الكثير من القيادات السياسية في كلا من حركة حماس او فتح لا تخطو الكثير من الخطوات اللازمة من أجل تحقيق المصالحة الفلسطينية الشاملة.

ويستدل على ذلك من :

1- الكثير من قيادات حركة فتح لا تزال رهن الاعتقال في سجون حركة حماس ، بالإضافة إلى أن الكثير من قيادات حركة حماس تتعرض للاعتقال والمطاردة على يد عناصر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، وهناك كثير من التوجس او الرفض لمناقشة هذه القضايا علانية على الساحة السياسية.

2- لا تزال كثير من آليات المصالحة الفلسطينية معطلة ، بداية من التكامل والتنسيق السياسي بين مختلف الأطراف ، وعدم استضافة المدراء أو الوزراء الفلسطينيين في مواقع العمل او دواوين الوزارات المختلفة بغزة ، وفي المقابل لا يتم السماح للمدراء في هذه الوزارات من أبناء حركة حماس بزيارة مقار الوزارات أو الهيئات السياسية الموجودة في الضفة الغربية.

3- بات من الواضح إن هناك أطرافا سياسية إقليمية لا تراهن كثيرا على نجاح هذا الاتفاق ، واللافت مثلا أن هناك صحفا سياسية ترتهن او تمول من بعض الدول الخليجية والتي كشفت عن تفاصيل ما أسمته بالفتور السياسي الفلسطيني الفصائلي المرافق لعملية التوقيع . وعلى سبيل المثال قالت صحيفة “القدس العربي” أن هناك خلافات كبيرة تفجرت خلال اجتماعات الجزائر، أكبر مما أعلن عنها قبل التوقيع على الاتفاق ، ونقلت الصحيفة عن مصدر وصفته بالمشارك في تلك الاجتماعات إن التباينات في المواقف، ورفض حركة حماس القبول بتشكيل حكومة وحدة أو توافق وطني، يقبل بالقرارات الدولية وبرنامج المنظمة، مثل أزمة كبيرة ، بل وكاد أن يطيح بالجهود السياسية لإقرار التسوية ، ونتيجة لهذا الأمر تدخل فريق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشكل مباشر، وكذلك الفريق المكلف من الخارجية والأمن، من أجل تجاوز نقطة الخلاف الرئيسة، والتي تشكل العمود الفقري لأي اتفاق مصالحة، وهي حكومة الوحدة وبرنامجها.

صعوبات سياسية:

الاتفاق الموقع من قبل الفصائل الفلسطينية في الجزائر ، تضمن تسع نقاط، كان أبرزها :

1- إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس في مدة أقصاها عام من التوقيع.

2- تكريس مبدأ الشراكة السياسية بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية، وعلى اتخاذ الخطوات العملية لتحقيق المصالحة الوطنية عبر إنهاء الانقسام.

3- تعزيز وتطوير دور منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بجميع مكوناتها ولا بديل عنها.

نص البند التاسع في “إعلان الجزائر” للمصالحة نص على تولى فريق عمل جزائري – عربي الإشراف والمتابعة لتنفيذ بنود هذا الاتفاق بالتعاون مع الجانب الفلسطيني، على أن تدير الجزائر عمل الفريق ، ويمثل هذا البند تحديا سياسيا كبيرا خاصة مع صوبة تنفيذه ، وهو ما أشار إليه صراحة حزب الشعب الذي عبر وبشكل واضح عن ضعف فرص تطبيق الاتفاق ، وقال وليد العوض عضو المكتب السياسي للحزب إن أي اتفاق لا يتضمن تشكيل حكومة موحدة تعمل على وحدة المؤسسات وتحضر لإجراء الانتخابات وتعالج الأزمات، ودون الهبوط بالموقف السياسي، سيكون مجرد ذر للرماد في العيون ، وهو ما يمثل اعترافا بصعوبة تطبيق هذه البنود”.

كل هذا يأتي مع الكشف عن شطب البند رقم 7 الخاص بتشكيل حكومة جديدة، تشرف على توحيد المؤسسات الفلسطينية، وكذلك تشرف على عملية الانتخابات، والتي تعد ركنا أساسيا لنجاح أي اتفاق مصالحة قادم.

والحاصل فإن غالبية القوى السياسية استبعدت إمكانية تنظيم الانتخابات قريبا هذا العام أو حتى العام القادم ، لأسباب كثيرة لعل أبرزها وجود تباين سياسي يتعلق بمصالح الدول الإقليمية الراعية للمصالحة والمهتمة بإقرار هذه المصالحة بالنهاية.

وبجانب هذا من غير المتوقع ان تسفر مباحثات المصالحة الحالية عن جهود “واقعية” يمكن ان تساهم في تمهيد الأجواء السياسية للقيام بالمصالحة على أكمل وجه، خاصة مع تباين الكثير من وجهات النظر بين الطرفين فتح وحماس بالنسبة للكثير من القضايا.

يتزامن كل هذا مع تصعيد حاصل بالشارع الفلسطيني ، وهو التصعيد الذي توج بالضربات التي توجهها بعض من الفصائل الفلسطينية للاحتلال ، الأمر الذي يزيد من دقة هذه القضية.

توقع استراتيجي:

بات واضحا إن هناك تباينا سياسيا واستراتيجيا بين الفصائل ، وهو التباين الذي يزداد عمقا مع الشعبية الكبيرة التي تكتسبها الفصائل المسلحة في الشارع الفلسطيني ، وهو ما يزيد من طموحات الشارع ويقلل من إمكانية ان تسفر الخطوات السياسية التي يمكن أن تتخذها الفصائل عن أي جديد في طريق المصالحة الداخلية الفلسطينية.

فريق وزاري فلسطيني لمتابعة استخراج الغاز من غزة

بانتظار اتفاق مرتقب مع مصر وإسرائيل بعد 22 عاماً من التعطيل

رام الله: «الشرق الأوسط»

قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، إن الحكومة ستشكل فريقاً يضم عدداً من الوزراء؛ لمتابعة موضوع الغاز الفلسطيني في قطاع غزة، موضحاً، في كلمة استهلّ فيها جلسة الحكومة، أمس (الاثنين)، في رام الله، أن رئيس صندوق الاستثمار محمد مصطفى، وفريقه يقومون بالتفاوض مع مصر لإنجاز اتفاقية حول الغاز.

ويؤكد حديث أشتية وجود اتفاق لاستخراج الغاز من حقل اكتُشف في بحر قطاع غزة عام 2000 وعطّلت إسرائيل العمل به حتى الآن.

وأكدت مصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر نجحت في إقناع إسرائيل بالبدء في استخراج الغاز من الحقل الفلسطيني بعد تطويره، وكانت هناك ضغوط خارجية مرتبطة بحاجة أوروبية للغاز في ظل الأزمة الحالية في العالم بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية.

وقالت المصادر إن المفاوضات التي تجري حالياً متعلقة بالآليات والحصص والإيرادات، «وأن هناك تقدماً كبيراً».

ويأمل الفلسطينيون أن تنتهي المفاوضات حتى نهاية العام باتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف؛ فلسطين ومصر وإسرائيل.

وقال أشتية: «نريد اتفاقاً يخدم حقوقنا ومقدراتنا الوطنية، ويعود بالنفع على شعبنا».

ونجحت مصر في إقناع إسرائيل بالبدء في استخراج الغاز الطبيعي قبالة سواحل قطاع غزة، بعد أشهر من المحادثات الثنائية السرية وبعد سنوات من الاعتراضات الإسرائيلية على استخراج الغاز الطبيعي من هناك.

وكانت شركة «بريتيش غاز» البريطانية وشركاؤها (اتحاد المقاولين CCC)، قد اكتشفوا الحقل في عام 2000 على بُعد 36 كيلومتراً غرب مدينة غزة.

وفي وقت لاحق من العام نفسه، نجحت الشركة بحفر بئرين هناك هما «مارين غزة 1»، و«مارين غزة 2»، وحددت الكمية الموجودة من الغاز بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة؛ أي ما يكفي قطاع غزة والضفة الغربية لمدة 15 عاماً، حسب معدلات الاستهلاك الحالية.

وتجري المباحثات حالياً، حسب تقرير سابق لوكالة الصحافة الفرنسية، بين صندوق الاستثمار الفلسطيني ومجموعة اتحاد المقاولين من جهة، والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» لتطوير حقل غاز غزة.

ويمتلك كل من صندوق الاستثمار ومجموعة اتحاد المقاولين حصة تبلغ 27.5% من حقل غاز غزة. أما النسبة المتبقية فتملكها الشركة المشغّلة. وقال مسؤول فلسطيني، للوكالة: «تجري مباحثات جادة من أجل التوصل إلى اتفاق إطار». وأضاف: «نتوقع أن نتوصل إليه قبل نهاية العام الحالي»، مؤكداً أن الشركة المصرية «ستباشر فور توقيع هذا الاتفاق بأعمال تطوير حقل غاز».

وتابع المسؤول نفسه: «نأمل في بدء بيع الغاز مع بداية 2025». وأشار إلى أن «مفاوضات تجري بين مصر وإسرائيل كي يصبح الاتفاق معنا قابلاً للتنفيذ».

وأكد مصدر مصري للوكالة الفرنسية، أن بلاده «تُجري اتصالات مع كل الأطراف؛ بما فيها إسرائيل، لتطوير حقل غاز غزة والاستفادة منه». وأوضح أن ذلك «سيدعم الاقتصاد الفلسطيني»، دون أن يضيف مزيداً من التفاصيل.

غير أن ثمة تحسباً فلسطينياً مصرياً – إسرائيلياً من موقف «حماس» (التي تسيطر على غزة)، والذي يمكن أن يشكّل عقبة مهمة للاتفاق.

ويوجد خلاف بين السلطة و«حماس» حول استخراج الغاز، وترى «حماس» أن السلطة غير مؤتمنة على هذه العملية وتريد أن يكون لها دور فيها، وهو أمر رفضته السلطة بشدة، معوِّلة على قدرة مصر على إقناع «حماس» بالأمر، على أن تعود بعض عوائد الغاز لدعم وتحسين الأوضاع المعيشية في قطاع غزة.

صفعة أسترالية للكيان العنصري.. تستحق التقدير السياسي!

كتب حسن عصفور

 في خطوة مفاجئة، أعلنت وزيرة خارجية أستراليا أن ” سفارة بلدها كانت موجودة دائماً في تل أبيب، وستظل هناك”..تصريح تراجع رسمي عن قرار سابق بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان العنصري، بعد الخطوة الترامبية التي حرفت مسار الموقف الأمريكي منذ عام 1948.

القرار الأسترالي، لم يكتف بوقف قرار سابق، بل ذهب لتحديد شرط أي خطوة مستقبلية بضرورة حل سياسي وقيام دولة فلسطينية، ما يؤكد أن الأمر في سياق رؤية شمولية وليس رد فعل آني.

وبالطبع جاء رد الحكومة الفاشية الحاكمة سريعا، ليس ببعد بروتوكولي كما يمكن أن يحدث، ولكن بلغة ساخرة فوقية بملمح عنصري، جسدها بالقول رئيسها لابيد “في ضوء الطريقة التي تم بها اتخاذ القرار في أستراليا، كرد متسرع على الأخبار غير الصحيحة في وسائل الإعلام، لا يسعنا إلا أن نأمل أن تكون الحكومة الأسترالية أكثر جدية في غيرها”.

ودون التوقف عند تصريحات العنصري لابيد، يحمل القرار الأسترالي قيما سياسية متعددة الوجوه، بداية هي صفعة مباشرة لحكومة تل أبيب فيما يتعلق باستخدام مسألة النقل كجزء من “المكتسبات الانتخابية” للتحالف القائم، والذي ينازع بحثا عن “منجز ما” عله يبقيه في سدة الحكم.

القرار الأسترالي، توقيتا يحمل بعدا خاصا، في ظل تنامي ” الإرهاب اليهودي” ضد الشعب الفلسطيني، وارتكاب جرائم حرب يومية، ما يمنح مواجهة العدوانية الاحتلالية قوة بأن الفعل يأتي بما هو ضروري.

القرار الأسترالي، رسالة سياسية الى المشهد العالمي تركيزا للقضية الفلسطينية، وأن الانتكاسة التي أحدثها قرار واشنطن في عهد ترامب والتزمت بتنفيذه إدارة بايدن لا يجب أن يستمر دون حل حقيقي للقضية الفلسطينية وصولا الى قيام دولة فلسطين.

القرار الأسترالي، يجب أن يحرك الديبلوماسية الفلسطينية، لإعادة الحركة الشمولية حول العمل لكسر قرار بعض الأطراف، التي ذهبت الى الاعتراف بالقدس عاصمة الكيان المعادي، وخاصة أن قرار كانبيرا متربط بالتوصل الى حل سياسي، وشرطا قيام دولة فلسطين.

ولعل بداية الحركة الفلسطينية تبدأ من القاهرة حيث مقر الجامعة العربية، الاشادة بالموقف الأسترالي سياسيا، والعمل على دراسة تعزيز العلاقات معها، تقديرا للقرار، والذي يمكن استخدامه “نموذجا” مع الدول الأخرى، رغم قلة العدد، لكن كل تراجع جديد يمثل مكسب سياسي جديد للقضية الوطنية.

بالتأكيد، يجب أن يدفع القرار الأسترالي “الرسمية الفلسطينية” التفكير بكيفية تطوير أدوات العمل لمحاصرة دولة الكيان، وخاصة أن عدوانيتها تتصاعد، وتكشف زيف ما حاولت خداع الأمم المتحدة عبر خطاب رئيس حكومتها في سبتمبر 2022.

القرار الأسترالي يحمل قوة دفع للمواجهة اليومية في أرض فلسطين لحرب “الإبادة السياسية”، التي تشنها دولة الاحتلال والعنصرية ضد الفلسطينيين وجودا وارضا، وحصارا لمشروعهم التهويدي.

القرار الأسترالي، يمثل قنبلة سياسية في وجه الحكومة الفاشية، التي تتغنى بمكاسب وانجازات على حساب القضية الفلسطينية، وتوقيتها قيمة بذاته.

بالإمكان حصد المزيد من المكاسب السياسية، لو قررت “الرسمية الفلسطينية” استخدام ما لديها من “أوراق ناعمة” بالتوازي مع نمو حركة الغضب الشعبي العام في الضفة والقدس، لو ذهبت الى تطبيق بعض مما أعلنه الرئيس محمود عباس في خطابه 13 سبتمبر 2022، وخاصة بندي “الحماية الدولية وخريطة طريق فرض الانسحاب”، و”إعلان دولة فلسطين” كضرورة لا بد منها.

قرار أستراليا حول القدس تأكيد، بأنه بالإمكان أفضل مما كان، لو كان هناك قرار رسمي فلسطيني بأن يكون أفضل مما هو قائم…فهل يتم الاستفادة من الحدث أم يذهب الى السراب السياسي..تلك هي المسألة؟!

ملاحظة: قرار “الشقيقة” المغربية فتح مصانع لطائرات إسرائيلية مشاركة في زيادة نفوذ دولة العدو وتوسعها أكثر فأكثر..يا ناس “طبعوا” بس أقله بلاش تصيروا كأنكم منهم…شوي احترام أنكم عرب مش …!

تنويه خاص: كتير حلو “الفزعة العربية” مع الشقيقة السعودية ضد حرب الأمريكان عليها..فزعة مش لازم تضل كلام في كلام لكن لازم كم صفعة بجد ضد “اليانكي” يمكن يتعلم أنه العرب مش همل وبيقدروا!

عرين الحرية

 الياس خوري

بالأمس رأيت يوسف إدريس بعيني ذاكرتي. كنت أشاهد مقطع فيديو لشباب من مخيم شعفاط وهم يحلقون رؤوسهم على الصفر متشبهين بالفدائي المطارد عدي التميمي، بهدف منع قوات الاحتلال من التعرف إليه واعتقاله، وتساءلت عن السر الذي جعل من الكل واحداً، ومن الفرد جموعاً.

أما ما علاقة الكاتب المصري الكبير بهذه المسألة، فهي حكاية تستحق أن تروى.

التقيت يوسف إدريس للمرة الأولى في عشاء جمعنا في بيروت إلى مائدة محمود درويش في أواسط السبعينيات، وكان الرجل مبهراً. فعدا عن إعجابي بسحر قصصه، رأيت في شخصيته تجسيداً لصورة الكاتب؛ لطف ودماثة وعينان ملونتان في وجه مصري أسمر.

جلست أرضاً وأنا أنظر إليه، وفجأة التفت إليّ وسألني لماذا أنظر إليه طوال الوقت، ترددت قليلاً قبل أن أقول «لأنك تشبه الأدباء». انفجر الرجل ضاحكاً ونظر إليّ وقال «سرك باتع يا ولد».

أردت أن أخبره أنني كنت عضواً في مجموعة من الشابات والشبان التي عملت في إطار محو الأمية في منطقة النبعة، وسط البيئة العمالية، وأننا أعدنا كتابة قصته «سره الباتع»، لتلائم أنصاف المتعلمين، كجزء من محاولتنا التثقيفية التي كانت مرتبطة برؤيتنا للتكامل بين نضال العمال والفلاحين، ومعركة التحرر الوطني التي كانت المقاومة الفلسطينية رأس حربتها. يومها وكان ذلك عام 1972، نشرنا كتيباً مسحوباً على الستانسيل بعنوان «السلطان حامد» ووزعناه على العمال.

لكنني خجلت، فأن تكون في حضرة كاتب عظيم قرأته وأعدت قراءاته مرات لا تحصى، يجعلك عاجزاً عن الكلام.

تذكرت يوسف إدريس وقصته القصيرة «سره الباتع»، المنشورة في مجموعته «حادثة شرف» (1958)، وأنا أرى شباب مخيم شعفاط يتقمصون عبر تصفير شعر رؤوسهم الفدائي المطارد، كي يحتضنوا فكرة المقاومة في أجسادهم مثلما احتضنوها في عقولهم وقلوبهم.

دارت حكاية السلطان حامد في قرية شطانوف، وهي إحدى قرى الدلتا. وفحواها أن فلاحاً مصرياً مبتور البنصر ويضع وشماً على عينيه قتل أحد جنود الحملة الفرنسية، انتقاماً لفلاح قتله جنود الاحتلال. وبدأت حملة التفتيش عن القاتل «الإرهابي»، فقام كل شباب القرية والقرى المجاورة بقطع أصابعهم ودق الوشم على وجوههم. وبعد نجاح جيش الاحتلال في قتل حامد، بنى له الفلاحون مقاماً كبيراً، فجن الحاكم العسكري الفرنسي، ولم يكتف بهدم المقام مرتين، بل قام جنوده بتقطيع جسد حامد ورميه في قرى متعددة، فقام الفلاحون ببناء مقامات في العديد من القرى تحمل اسم السلطان حامد الذي تحول إلى رمز للمقاومة.

القصة بنسختيها الإدريسية الساحرة والشعبية تتضمن تفاصيل مذهلة وممتعة، فالأدب هو الوعاء الذي يعيد صوغ التجربة الإنسانية، ويكشف معانيها.

في شعفاط رأينا عبر الرؤوس الحليقة أدباً أجمل من الأدب. الناس يقاومون وهم يعلمون أنهم يصنعون المعاني، ويصوغون الحقيقة التي هي نتاج تمسكهم بالحق.

لا أدري ماذا سيكون مصير بطل عملية شعفاط، لكن ما أعرفه أن هناك فكرة جديدة زرعت في قلوبنا، وأن هذه الفكرة عصية على الموت.

تأملوا معي هذا العرين الذي صارته نابلس، بعد استشهاد إبراهيم النابلسي في أحد أزقة المدينة القديمة. انظروا إلى جنين التي سقط على ركام بيوت مخيمها القائد الشهيد «أبو جندل»، وتأملوا معي كيف يتحول عرين الأسود إلى عرين كل فلسطين.

ما أعرفه هو أن يوسف إدريس لم يكذب حين كتب قصته، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم، هو أن المئات يكتبون. حبرهم دمهم، وأوراقهم أرضهم، وعيونهم سماء تحتضن حلم الحرية.

قرية شطانوف في مصر ليست خيالية، فهي إحدى قرى مركز أشمون التابع لمحافظة المنوفية وكان اسمها كفر شندي. هدم الفرنسيون قلعتها المملوكية القديمة وأقاموا على أنقاضها قلعة جديدة، وبدلوا اسم القرية ونسبوها إلى القلعة الجديدة chateau neuf. أما مخيم شعفاط في فلسطين فقد أخذ اسمه من البلدة التي أقيم عليها وتنسب إلى الملك الروماني شافاط. وهو مخيم يختنق بالجدار والمستعمرات الصهيونية التي تحيط به، ويعيش محنة أهالي القدس.

في الحالتين نحن أمام حقيقة يصنعهما المسمى وليس الاسم، ففي شطانوف حكاية تشبه الأساطير، وفي شعفاط ونابلس وجنين والقدس أسطورة حية تشبه الحكايات.

ما يفعله الفلسطينيات والفلسطينيون اليوم هو أنهم يكسرون حجاباً غطت به سلطة فلسطينية عاجزة قضيتهم.

لا يزال من المبكر إطلاق اسم على ما يجري اليوم، هل هو هبة شعبية مسلحة، أم بدايات انتفاضة شاملة، لكن ما هو واضح وجلي هو أن هناك صفحة قديمة تطوى، اسمها صعود المستسلمين على هزيمة الانتفاضة الثانية.

الدرس الذي نتعلمه هو الدرس البديهي، فالوحدة الوطنية يصنعها الميدان، أما مفاوضات إنهاء الانقسام بين قوى متسلطة وعقيمة فهو أمر لا يقود إلى مكان.

إنه انقلاب في الوعي يصنعه جيل جديد من المقاومين يقول لأنه يفعل، فيأتي كلامه «حفراً وتنزيلاً»، ولا يجد أصداءه الأساسية إلا في كلام الأسرى ونتاجهم الثقافي وإضراباتهم عن الطعام. نحن أمام خريطة فلسطينية تتشكل وتبنى رموزها، فبعد رمز الكوفية الذي صنعته ثورة 1936، يأتي رمز الرؤوس الحليقة، معلناً أن البحث عن الأفق لم يتوقف، وأن المعركة الكبرى تدور في فلسطين.

من شطانوف إلى شعفاط يتشكل عرين المقاومة، مخبئاً سره الكبير الذي له اسم واحد، هو الحرية.

مؤرخان فلسطيني ويهودي يزوران القرى المدمّرة لتوثيق التفاعل بين الإنسان والمكان

الناصرة- “القدس العربي”: يواصل المؤرخان الفلسطيني الدكتور جوني منصور والمؤرخ اليهودي بروفيسور إيلان بابيه جولاتهما الميدانية بين البلدات الفلسطينية داخل أراضي 48، تمهيداً لتأليف كتاب جديد مشترك لهما. وهذا الأسبوع زارا قرية الرينة قضاء الناصرة، ومنها انتقلا مباشرة إلى قرية صفورية المهجّرة والمجاورة للقاء عدد من أهلها الطيبين. وكان في استقبالهما المربي صبحي أبو صلاح، والناشطة منى حلومة، والأستاذ كامل برغوثي، وثلاثتهم من مواليد خمسينيات القرن الماضي، أي بعد الحدث الكارثي “النكبة”، لكن ذاكرتهم عن حياة القرية تنبض بالحيوية.

وفي منشور لهما قال منصور وبابيه: “هذه الذاكرة ليست صدفة، فحديث العائلات الفلسطينية المهجرة لم ينقطع بعد النكبة، وكقول السيدة منى حلومة إن أحفادها يعرفون تفاصيل ومعلومات كثيرة جداً عن قريتهم صفورية، ذات التاريخ والآثار الشاهدة على حضور الإنسان وبصماته في المكان. وقالا إن الاستاذ صبحي أبو صلاح أطلعهما على عين القسطل التاريخية في بلدة صفورية وشرح لهما نضال من بقي من أهالي القرية الذين تم تهجيرهم وترحيلهم عنها في العام 1948، فصاروا مهجرين (لاجئين داخل وطنهم) معظمهم في الناصرة والرينة وكفر مندا وسواها. منوهاً لدور الباقين في وطنهم في حفظ الرواية، إضافة للمساهمات أيضاً بما لديهم من قوة في الحفاظ على عين الماء والقسطل، وغيرهما من معالم القرية التي كانت واحدة من أكبر القرى الفلسطينية وأكثرها رخاء، بفضل خصوبة أراضيها ووفرة ينابيعها.

 ويعتبر بابيه ومنصور أن ذلك ينطوي على رمزية تؤكد تمسك الأهالي الفلسطينيين بحقهم في أرضهم ووطنهم، وفوق كل ذلك تمسكهم بحق العودة. ويتابعان: “خلال اللقاء استمعنا إلى سير حياة عائلات صفورية الباقية في الوطن، ليس بعيداً عنها، استمعنا إلى الصعوبات التي اعترضت حياتهم. استمعنا إلى أساليب القمع والملاحقات والاعتقالات التي تعرض لها أهالي هذه القرية المشتتين في بلدات مجاورة خلال فترة الحكم العسكري الذي فرضته حكومات إسرائيل المتعاقبة بين 1948 و1966. وكشف أمامنا كل واحد منهم قصة والديه وأقاربه خلال النكبة وبعدها. المأساة لا يمكن وصفها بكلمات محدودة أو حتى منتقاة. مأساة لم يشهد مثلها التاريخ من قبل بهذا الحجم وبهذه الأساليب القمعية التي تحاول الرواية الصهيوإسرائيلية إسكاتها بكل الطرق”.

ومع ذلك، يؤكدان أن الجيل الفلسطيني الرابع للنكبة حافظ للعهد وعارف للحكاية والسردية، وستبقى حية وحاضرة بينهم. ويضيفان: “تجوّلنا في مساحات من أراضي القرية للتعّرف مباشرة على طبيعة الحياة هناك. وللمعلومية، كما نقول، فإن عدد سكان صفورية عشية النكبة بلغ قرابة سبعة آلاف، وهي تعتبر أكبر قرية في قضاء الناصرة. ولعب أهاليها دوراً مركزياً في الحياة السياسية والنضالية ضد الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، كما كان لهم دور بارز في اقتصاد المنطقة. دخلنا إلى ما تسميه الجهات الرسمية “محمية صفورية”، وهي طبعاً أرض صفورية الفلسطينية”.

ويشيران لانتشار أشجار الزيتون المعمرة وكروم رمانها الفاخر الذي يعتبر أجود أنواع الرمان في فلسطين، حتى لو غارت بلدة كفركنا، المعروفة هي الأخرى برمانها البغالي وتغنى بـ “الكروم الغرابى” فيها منشد الثورة الراحل أبو عرب في قصيدته المغناة “يا طير الطاير”. ويشيران لامتداد مناطق ريفية في غاية الجمال والروعة. ويتابعان: “هنا استمعنا إلى حكايات تتعلق بمعيشة الأهالي وتعاونهم مع أهالي القرى الأخرى وبناء علاقات اجتماعية على مختلف أشكالها. وهذا ما يؤكد أن الكبار يموتون والصغار لا ينسون. زرنا أيضاً في هذه المحمية بئر “بسّيم”(كما يسميها الصفوريون)، وتعود إلى العصر البيزنطي. ولفت نظرنا استفادة إنسان هذه القرية عبر العصور من طرق تجميع المياه بهدف إرواء الأراضي الزراعية الخصبة جدا فيها. طبعا، نحن نعرف موقع بيوت القرية قرب دير القديسة حنة، وقد زرناها في سنوات سابقة. أردنا هنا، أن نستكشف مواقع جديدة لم نعرفها سابقا، وأن نستمع ونحن على أرض صفورية إلى قصص وحكايات الأهالي”.

 ويوضح منصور وبابيه أنهما التقطا بعض الصور التذكارية مؤكدين تمسكهما بأهمية توثيق الإنسان والمكان والعلاقة بينهما، والتي لن تنتهي مهما حصل من مآس، وخير دليل على ذلك هذا المكان التاريخي “صفورية”.

وخلص منشورهما للقول: “شكرنا وتقديرنا لمضيفينا ومرافقينا من أهالي صفورية. ونأمل من المتصفحين لصفحتينا أن يقوموا بزيارة القرية المهجرة وآثارها التاريخية، بمرافقة الأهالي ليستمعوا إلى الرواية الصحيحة بلسان أصحاب الأرض، أصحاب الوطن”.

انتخابات خامسة في إسرائيل.. تحالفات حزبية يحكمها تأييد نتنياهو أو معارضته

محمد وتد

القدس المحتلة – مع احتدام التنافس الانتخابي بين معسكرين، أحدهما مؤيد لنتنياهو والآخر مناوئ له برئاسة يائير لبيد، يتعمّق الشرخ بين الإسرائيليين وتتفاقم أزمة الحكم التي يُنتظر من صندوق الاقتراع حسمها مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وفي المشهد الانتخابي الحالي، ظهرت تحالفات واصطفافات جديدة بين الأحزاب اليهودية، ومنها من تنحّى جانبا واعتزل الحياة السياسية مؤقتا، خشية عدم تجاوز نسبة الحسم.

ومع هذه المتغيرات بالمشهد الحزبي الإسرائيلي في انتخابات الكنيست الـ25، تُظهر استطلاعات الرأي لمحطات التلفزة ومراكز الأبحاث احتدام التنافس بين المعسكرين المتصارعين، لكن من دون حسم يمكّن نتنياهو أو لبيد من تشكيل الحكومة المقبلة، وإمكانية التوجه إلى انتخابات سادسة.

ولتجنب هذا السيناريو، يسعى نتنياهو جاهدا إلى تعزيز وتحسين معسكره والحفاظ على شعبيته وقوة حزب الليكود الانتخابية، إذ تمنحه الاستطلاعات بين 59-60 مقعدا، وهو ما يعني أنه بحاجة إلى مقعد أو اثنين لتشكيل حكومة ضيقة تعتمد على 61 نائبا من أصل 120 (عدد أعضاء الكنيست).

معسكر نتنياهو.. حيث يتمترس اليمين المتطرف

حزب الليكود: بزعامة بنيامين نتنياهو، الذي يُلقّب في وسطه بـ”ملك إسرائيل”، والذي يهيمن على هذا الحزب منذ عام 1996 من دون منافس. وقد نصب ذاته على رئاسته من دون السماح بإجراء انتخابات تمهيدية لاختيار رئاسة الحزب.

وتاريخيا، يُعتبر الليكود حجر الأساس في معسكر اليمين الإسرائيلي، إذ أسس في سبتمبر/أيلول 1973 عشية انتخابات الكنيست الثامنة، بتحالف 4 حركات يهودية يجمعها شعار “أرض إسرائيل الكبرى”.

ويُعد الليكود حزبا صهيونيا على يمين الخريطة السياسية، وهو أكبر الأحزاب اليهودية في المشهد السياسي، بعد تقويض وتفكك منافسه التقليدي حزب العمل.

الأحزاب الحريدية: منح رؤساء الأحزاب الحريدية (المتدينون) شبكة الأمان لنتنياهو، وهي ما أبقت عليه لاعبا أساسيا في الانتخابات للمرة الخامسة خلال 4 سنوات، ووضعته دائما في سباق تشكيل الحكومة الإسرائيلية.

وترى كتلتا تيار الحريديم -“شاس” و”يهدوت هتوراة”- أن نتنياهو حليفها الإستراتيجي، إذ رفضتا الانضمام لحكومة برئاسة بينيت ولبيد السابقة.

حركة “شاس”: قوة حريدية شرقية (يهود من أصول شرقية) أقيمت الحركة عام 1982 بمبادرة من قيادي الحريديم الشرقيين “السفارديم”، وسُميت “قائمة السفارديم حامي التوراة”، وتمثلت لأول مرة في البرلمان الإسرائيلي عام 1984، عقب انتخابات الكنيست الـ11، وما زال لها حضور إلى يومنا هذا، ويرأسها الحاخام أرييه درعي.

“أغودات يسرائيل” (جماعة إسرائيل الحريدية): حركة يهودية للمتدينين الحريديم المتزمتين من أصول غربية “الأشكناز”، وهي بالأساس حركة يهودية عالمية، تأسست في سيليزيا العليا (مقاطعة تمتد بين بولندا والتشيك حاليا) في أوائل القرن العشرين، ولها فرع في إسرائيل.

وترى هذه الحركة -التي تتألف من تحالف حزبَي “يهدوت هتوراة” و”ديجل هتوراة” الممثلَين في الكنيست، برئاسة الحاخام موشي غافنيه- أن التوراة والتراث اليهودي هما الأساس في وجود وديمومة الشعب اليهودي و”أرض إسرائيل”.

تحالف “الصهيونية الدينية الجديدة”: يقوم هذا بين رئيس حزب “عظمة يهودية” بزعامة المتطرف المعروف إيتمار بن غفير، ورئيس حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، إذ ترشح الاستطلاعات هذا التحالف ليكون ثالث قوة في البرلمان المقبل.

ويعتمد هذا التحالف اليميني المتطرف في قوته الانتخابية على المستوطنين، ويشدد على المشروع الصهيوني ويهودية الدولة، وعلى ضرورة إقامة “أرض إسرائيل” في فلسطين التاريخية، ويدعو لطرد الفلسطينيين وكل من يعارض وجود إسرائيل بوصفها “دولة” يهودية.

“هناك مستقبل”: يسعى الحزب، الذي يتزعمه رئيس الحكومة الانتقالية يائير لبيد، إلى البقاء على كرسي رئاسة الوزراء من خلال تدعيم ائتلافه لضمان عدم عودة نتنياهو إلى الحكم.

وتمكّن الحزب -الذي يخوض الانتخابات البرلمانية منذ عام 2012- من تقليص الفارق مع منافسه الليكود، الذي يصر على إبقاء نتنياهو في رئاسته، وهو ما يعوق إمكانية تشكيل حكومة وحدة تضمهما معا.

في هذا السياق، يسعى لبيد للحفاظ على أحزاب اليسار -ممثلة في حزبي “العمل” و”ميرتس”- وتعزيز قوّتها، وأيضا إلى مغازلة الأحزاب العربية “القائمة العربية الموحدة” و”تحالف الجبهة والعربية للتغيير”، لضمّهما إلى حكومته أو لتوفير شبكة أمان لهما.

“المعسكر الوطني”: تحالف شُكّل عشية انتخابات الكنيست الـ25 ويضم حزب “أزرق أبيض”، بزعامة وزير الأمن بيني غانتس، ورئيس “أمل جديد” وزير القضاء غدعون ساعر (المنشق عن الليكود)، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت.

ويسعى هذا التحالف إلى عدم تسريب أصوات الناخبين إلى لبيد، إذ يدفع غانتس نحو تعزيزه ليكون ثالث قوة بالكنيست المقبل. ويصرّح بأنه يستطيع تشكيل حكومة تجمع بين مختلف الأحزاب من دون إقصاء أحد، ويؤكد استعداده الانضمام لحكومة مع الليكود في حال تنحى نتنياهو جانبا.

“إسرائيل بيتنا”: حزب صهيوني يميني قومي أسسه الوزير أفيغدور ليبرمان عام 1999، وما زال الحزب يعتمد على المهاجرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ويتموضع وبقوة في الخريطة السياسية الحزبية، وكان شريكا في أغلبية الائتلافات الحكومية.

يشجع ليبرمان ويدفع من أجل إقامة حكومة وحدة، وأكد دعمه الشراكة في أي ائتلاف حكومي مع الليكود، شريطة تنحي نتنياهو عن رئاسة الحزب.

حزب “العمل”: تأسس عام 1930 خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، ويُعتبر من مؤسسي “دولة إسرائيل” على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948. ونشأت تحت مظلته قبيل النكبة منظمتا “الهاغاناه” و”البالماخ” اللتان كانتا نواة الجيش الإسرائيلي فيما بعد.

حكَم حزب العمل إسرائيل من دون منافس أو منازع حتى عام 1977، حين أحدث الليكود أول انقلاب سياسي على حزب العمل الذي تراجعت قوته وحضوره على الساحة السياسية.

ورغم تفكك هذا الحزب، فإن رئيسته ميراف ميخائيلي تمكنت من إعادته إلى المشهد السياسي في انتخابات الكنيست الـ24، وذلك بعد أن تنبأت استطلاعات الرأي باختفائه وعدم تجاوزه نسبة الحسم.

حزب “ميرتس”: عاد حزب “ميرتس” الممثَّل في الكنيست منذ عام 1992 (يمثل اليسار الصهيوني) مجددا إلى الواجهة السياسية، بعد انتخاب زهافا غلئون رئيسة للحزب.

ويدفع الحزب نحو تشكيل حكومة تغيير ومنع عودة نتنياهو إلى سدة الحكم. وعاد الحزب ليركز في حملته الانتخابية على حل الدولتين وإنهاء “الصراع” الإسرائيلي الفلسطيني، وبهذا يسعى إلى تمييز نفسه عن مختلف أحزاب معسكر لبيد (معسكر التغيير) التي تنتمي إلى تيار المركز وتيار اليمين التقليدي.

الرئيس الإسرائيلي يجتمع مع بايدن في واشنطن الأسبوع القادم

أمد/ تل أبيب: يجتمع الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ، بنظيره الأميركي، جو بايدن، الأسبوع المقبل، في البيت الأبيض، تلبية لدعوة من الأخير، بحسب ما أفادت وسائل الإعلام العبرية، مساء يوم الإثنين.

ويعقد اللقاء في يوم الأربعاء 26 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وذلك قبل ستة أيام من الانتخابات العامة الإسرائيلية للكنيست الـ25 المقرر إجراؤها في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

ولفتت هيئة البث العبرية (“كان 11”) إلى أن اللقاء قد يتزامن مع الموعد المرتقب لتوقيع الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخرا بوساطة أميركية، بين إسرائيل ولبنان حول ترسيم الحدود البحرية بين الجانين.

والأحد، قال نائب رئيس مجلس النواب اللبناني، إلياس بو صعب، المكلف رئاسيا بملف ترسيم الحدود مع إسرائيل، إن “إنجاز اتفاقية ترسيم الحدود البحرية قد يحصل في 26 أو 27 من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي”.

وتعتبر هذه الزيارة التي تستمر لمدة يومين، أول زيارة رسمية يجريها هرتسوغ إلى الولايات المتحدة منذ توليه منصبه كرئيس لإسرائيل.

وأشار موقع “يديعوت أحرونوت” (واينت) إلى أن البيت الأبيض انتظر إصدار إعلان رسمي عن السلطات في لبنان وإسرائيل، تؤكدان الموافقة على اتفاق ترسيم الحدود الذي قدمه الوسيط الأميركي، قبل الموافقة النهائية على زيارة هرتسوغ.

وبحسب “واينت” فإن واشنطن تولي أهمية كبيرة لإجراء هذه الزيارة في هذا التوقيت “لبث رسائل دعم لإسرائيل”، والتأكيد على أن “العلاقات الثنائية متينة للغاية ولا تعتمد على نتائج انتخابات الكنيست، وعلى الحكومة التي سيتم تشكيلها بعد ذلك”.

وأوضح المصدر أن هرتسوغ سيعقد خلال الزيارة اجتماعات سياسية مع كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية والكونغرس.

وسيلتقي هرتسوغ مع رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس الأميركي وممثلين عن الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، في محاولة للتأكيد على أن “العلاقات الأميركية الإسرائيلية لا تعتمد هوية الحزب الذي يتولى السلطة في واشنطن”. كما سيلتقي برؤساء الجالية اليهودية.

وجاء في بيان صدر عن مكتب هرتسوغ، أن الهدف من الزيارة هو “تعزيز الشراكة الراسخة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، مشيرا إلى أنها “تعكس العلاقات العميقة بين البلدين، والتي تتعالى عن أي خلاف”.

وأفاد البيان بأن “هرتسوغ وبايدن سيناقشان سلسلة من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، بالإضافة إلى تعزيز المبادرات المشتركة المتعلقة بأزمة المناخ”.

ترمب: أنا أفضل رئيس أميركي لإسرائيل واليهود

تل أبيب: «الشرق الأوسط»

أثار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، موجة من النقاشات الحادة في إسرائيل، وفي صفوف اليهود الأميركيين، بعد مطالبته بالتمثل باليهود الإسرائيليين في تأييده، والانفضاض عن الرئيس جو بايدن باتجاه تأييده في الانتخابات الرئاسية القادمة، بوصفه «أفضل رئيس أميركي بالنسبة لإسرائيل واليهود».

وكتب ترمب في منشور وجهه لليهود الأميركيين، على شبكته الاجتماعية الخاصة «Truth Social» قائلاً: «أعيدوا حساباتكم. عليكم أن تقدروا ما هو موجود لكم في إسرائيل قبل أن يكون متأخراً جداً. لم يكن لديكم رئيس أميركي عمل لإسرائيل أكثر مني. لكن بين اليهود الأميركيين لم يكن رئيس قد حظي بتأييدكم بقدر ما حظي به بايدن. الإنجيليون المسيحيون الرائعون عندنا يقدرونني أكثر من اليهود الأميركيين. واليهود الإسرائيليون مختلفون. إنهم يقدرونني أكثر من أي مكان في العالم. لو قمت بالترشح لرئاسة الحكومة الإسرائيلية لكانوا انتخبوني للمنصب بسهولة».

وقد هاجمت عدة منظمات يهودية ترمب على هذه الكلمات، فقال جونتان غرنبليت، مدير عام «اللجنة ضد التحقير»: «لسنا بحاجة إلى رئيس سابق ينافق المتطرفين وأعداء السامية، ويحاضر علينا حول العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. إن هذه العلاقات تقوم على المصالح الأمنية المشتركة وعلى القيم المشتركة، وليس على حسابات تجارية، هات وخذ بالمقابل». وتابع غرنبليت بأن «ترمب يتعامل معنا بطريقة الاستعلاء، ويحاول أن يشرح لليهودي كيف عليه أن يتصرف»، مشدداً على أن «هذا أسلوب مهين بشكل مقرف».

من جهتها، قالت اللجنة اليهودية الأميركية، إن «مساندة الدولة اليهودية لا تمنح لأحد الحق في أن يعطي الدروس لليهود الأميركيين. ونحن نرى أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية قوية وثابتة».

كما قال «المجلس اليهودي الديمقراطي في أميركا»، المقرب من الحزب الديمقراطي، إن الأفكار التي يروجها ترمب لا تمت بصلة لإسرائيل. ولفتت هالي سوفر، المديرة العامة للمجلس، إلى أن «يهود الولايات المتحدة أجروا حساباتهم الصحيحة عندما منحوا 77 في المائة من أصواتهم لبايدن. وهم يرون أن ترمب وحركة (ماغا) (Make America Great Again) التي يقودها، تهديد متطرف للأمن القومي وللقيم الديمقراطية».

في إسرائيل، امتنع السياسيون عن التعليق الصريح، ولكن وسائل إعلام عبرية ذكرت أن تصريح ترمب «محرج لإسرائيل». وحسب صحيفة «هآرتس» فإن مسؤولين إسرائيليين يخشون من تبعات هذه التصريحات السلبية «لأنها تشجع القوى المعادية لإسرائيل ولليهود على تبرير عدائها، والترويج لمقاطعة إسرائيل وتنفيذ اعتداءات لا سامية على اليهود».

المعروف أن ترمب غاضب من يهود الولايات المتحدة، وقد أسمعهم خلال السنوات الماضية انتقادات شديدة بلغت حد اتهامهم بـ«نكران الجميل»، واعتبرهم «متلونين ومزدوجي المعايير»، متهماً إياهم بأنهم «ليسوا مخلصين حتى لإسرائيل». وتزداد انتقاداته لهم مع نشر نتائج استطلاع رأي أجرته منظمة الناخب اليهودي في الولايات المتحدة التي بينت أن 70 في المائة منهم ما زالوا يؤيدون بايدن، و19 في المائة فقط يؤيدون ترمب.

في المقابل، يشيد الرئيس السابق باليهود الإسرائيليين الذين أعرب 71 في المائة منهم عن ثقتهم به، بينما قال 60 في المائة فقط من الإسرائيليين اليهود إنهم يثقون بسياسة بايدن.

الأردن: «طهاة» التحديث لا يتذوقون «الطبخة»… 6 فقط من «الملكية» انضموا للأحزاب… أين الرفاعي و«الزخم»؟

بسام البدارين

عمان- «القدس العربي»: وحده دون غيره من السياسيين الفاعلين والمشتبكين، قرر السياسي والطبيب والبرلماني الأردني ممدوح العبادي الوقوف عند مفارقة الرقم بعد التدقيق الفضولي، لكن بلغة تنطوي على رسالة سياسية بالتأكيد عندما يتعلق الأمر بمخرجات ومنتجات وتداعيات واستحقاقات مشروع تحديث المنظومة السياسية في البلاد، الذي تراجع الحديث عنه بشكل واضح مع غياب محاضرات ولقاءات ومشاورات وتحركات رئيس اللجنة الملكية لصياغة مشروع تحديث المنظومة رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي عن المسرح وعن الأضواء ولو مؤقتاً في الآونة الأخيرة.

تجربة لا تزال غامضة

تغيب الزخم في الإعلام وسط السياسيين وتأثر سلباً بتوقف حراك الرفاعي في موضوع تحديث المنظومة السياسية، لكن الأمر قد لا يكون له بغياب رجل ديناميكي وفاعل أشرف على صياغة هذه الوثيقة المستقبلية المهمة بقدر ما له علاقة بإنجاز التشريعات المطلوبة ووضع الكرة اليوم بين يدي المواطنين والنخب السياسية، خصوصاً أن القصر الملكي دعا علناً مرتين على الأقل إلى ترك الصالونات السياسية والانشغال ببناء التجارب الحزبية الجديدة.

ثمة من يقول على المستوى السيادي الآن بأن المطلوب وقف حالة التجاذب والنميمة السياسية التي يمارسها سياسيون سواء من شريحة من أطلق عليهم يوماً اسم الديناصورات أو من يكثرون من الانتقاد وتسريب المعلومات والمعطيات أو» السوداوية» بين الحين والآخر دون تمييز على مستوى الدقة والاحتراف والمعطيات.

ثمة انطباع بأن القرار المركزي يريد من النخب المهتمة بالشأن العام بعد الآن الانضمام إلى الأحزاب السياسية الجديدة تمهيداً لتجربة لا تزال غامضة، لكنها -برأي الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة- مفتوحة على الاحتمالات وتعاكسها الكثير من معطيات خطاب المصداقية في التصرف والإجراءات، بدلالة التعديلات التي تؤسس قيوداً على العمل الحزبي في بروتوكول خاص استنسخ داخل الجامعات ومؤسسات التعليم، وأيضاً بدلالة -حسب العضايلة ورفاقه في الحركة الإسلامية- الإصرار على انتهاكات الحريات وتوقيف واعتقال نشطاء المعلمين بين الحين والآخر، الأمر الذي لم يعجب الرفاعي، بل انتقده مرات عدة بجلسات عامة أمام «القدس العربي».

في كل حال، غياب الرفاعي مؤقتاً عن المشهد قد يكون ناتجاً عن ظروف خاصة، لكن زخم الحديث عن مشروع تحديث المنظومة السياسية تأثر بهذا الغياب على نحو أو آخر، وهو ما ترصده العديد من الفعاليات.

في المقابل، وعودةً إلى ما يقوله السياسي المخضرم ممدوح العبادي، يمكن التقاط ما هو جوهري في مسألة مسكوت عنها بطبيعة الحال، وهي تلك المفارقة الرقمية التي ذكرها العبادي على هامش لقاء إذاعي حيوي سياسياً مع الإعلامي المخضرم الدكتور هاني البدري.

وهنا أشار العبادي إلى أن 6 فقط من بين 82 عضواً في اللجنة الملكية التي صاغت وثيقة تحديث التنمية السياسية ثم تحركت في اتجاه تعديل تشريعات عملية التحزب، انضموا فعلاً إلى الأحزاب الجديدة في مرحلة ما بعد الوثيقة، وهو عدد قليل جداً، مع أن عدد أعضاء اللجنة الملكية برمتها 92 عضواً منهم أصلاً عشرة أعضاء فقط مسجلين بالأحزاب السياسية القديمة.

وتلك -حسب توضيحات العبادي نفسه لـ«القدس العربي»- ليست مجرد مفارقة رقمية، لكنها قد تبعث برسالة ليست مقصودة، عنوانها أن من أشرفوا على طهي طبخة تدعيم العمل الحزبي في الأردن أنفسهم لا يزالون في حالة عزوف أو شكوك، ولم تقرر أغلبيتهم الساحقة الالتحاق بحافلات التنظيمات الحزبية الجديدة التي ظهرت على الساحة.

هموم الأحزاب

والعدد، وهو 6 فقط من 82 عضواً، لم يدقق به أحد قبل العبادي عملياً، لكن الانطباع يزيد بأن المشاركين في حفل تحديث التنمية السياسية والذين قاموا بتحريك المناخ والأجواء صخباً في الحديث عن المستقبل للأحزاب السياسية قرروا العزوف في أغلبهم عن الالتحاق بمسار التنمية السياسية بعدما أشرفوا هم أنفسهم على إعداده، وهو موضوع يحتاج إلى كثير من التأمل والتعمق ومرتبط على الأرجح بمصداقية العملية التي تحتاج، كما قال الرفاعي يوماً على هامش نقاش مع» القدس العربي»، إلى مزيد من الوقت ومزيد من إنضاج التجارب.

في كل حال، يلاحظ الجميع بأن الغالبية الأعم هم من المنشغلين بهموم الأحزاب الجديدة الذين يعقدون الاجتماعات والمشاورات ويندفعون في اتجاه تسجيل أحزابهم في الإدارة المختصة بالهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات من أصحاب الألقاب السابقة، إما على مستوى مجالس النواب المتعاقبة أو حتى على مستوى من حملوا حقائب وزارية ووظائف عليا في الماضي.

ويلاحظ هنا عموماً بأن المتقاعدين العسكريين حصراً، الذين أظهروا في السنوات العشر الماضية ميلاً شديداً للاشتباك الإعلامي والسياسي عددهم في تشكيلات الأحزاب الجديدة نادر جداً، مع أنهم قد يشكلون قاعدة لأهم الأحزاب السياسية الجديدة بعد صفتهم المدنية بطبيعة الحال، فيما التراكم العددي للوزراء السابقين وأعضاء في مجلس الأعيان والنواب متاح للجميع في حزب الميثاق الجديد، الذي ينظر إليه على أنه حزب التيار الوسطى أو الحزب المقرب للسلطة الأضخم في التجربة الحالية بسبب هذا العدد الكبير من البرلمانيين وأصحاب الألقاب السابقة فيه.

وهي مسألة يفترض أن تختبر قريباً في انتخابات رئاسة مجلس النواب، حيث إن حزباً لديه أكثر من 60 مقعداً في البرلمان ينظر الجميع لدوره في تحديد ما إذا كان مهتماً برئاسة مجلس النواب أو المشاركة في منافسة الانتخابات على ذلك الموقع البرلماني المهم، أم سيعزف هو الآخر خلافاً لأن ذلك سيختبر أيضاً نوايا مراكز القرار برمتها. على جبهات أخرى ثمة محاولة لتوحيد اليسار الوسطي، وقد ألمح لها عضو اللجنة الملكية الناشط عدنان السواعير وهو يؤكد علناً بأن على الأردنيين إدراك أن لديهم رؤية الآن لا بد من الالتحاق بها والتعاون معها بدلاً من الإكثار من التشكيك.

ما مستقبل تيار الصدر بالعراق بعد مغادرته البرلمان والحكومة؟

عربي 21

وليد الخزرجي

بعد قرار استقالة الكتلة الصدرية من البرلمان العراقي في حزيران/ يوليو الماضي، رفض مقتدى الصدر بشكل قاطع المشاركة بحكومة يشكلها مرشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة عن المستقبل السياسي للتيار الصدري.

بناء على قرارات الصدر الأخيرة، فإن التيار الصدري بات خارج السلطتين التشريعية والتنفيذية لأول مرة منذ انخراطه في العملية السياسية ومشاركته في أول انتخابات تشريعية عام 2005، بعدما حلّ أولا في الانتخابات الأخيرة عام 2021 بحصوله على 73 مقعدا.

“محفوف بالمخاطر”

من جهته، قال المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في العراق، الدكتور غالب الدعمي إن “الرؤية التي تذهب باتجاه أن الإطار التنسيقي سيسعى إلى تحجيم دور التيار الصدري بوسيلة أو أخرى، أنا اتفق معها، وهذا صراع طبيعي بين الأحزاب السياسية سواء في العراق أو خارجه”.

وأضاف الدعمي خلال حديث مع “عربي21” قائلا: “لكن هل هذا التحجيم الذي يعتزم الإطار التنسيقي اتخاذه بحق التيار الصدري، سيخضع لضوابط أخلاقية أو غير أخلاقية هذا ما ننتظره في المرحلة المقبلة”.

وأشار الخبير العراقي إلى أن “التيار الصدري ينتظره مستقبل آخر، فإذا نجحت الحكومة التي يشكلها الإطار التنسيقي، فإن مستقبل التيار السياسي سيكون محفوفا بالمخاطر، وإذا فشلت فسيكون له دور كبير بالمستقبل”.

ولفت الدعمي إلى أن “المشهد السياسي في العراق ما زال غامضا حتى اللحظة ولا يمكن التكهن به، وربما يكون خاضعا للمفاجآت المحلية وكذلك الوضع الدولي، فضلا عن طريقة تعامل الحكومة مع الملفات الداخلية والخارجية وملفات المواطنين العراقيين”.

وهاجم التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، السبت، مساعي تحالف الإطار التنسيقي في تشكيل حكومة وصفها بأنها “ائتلافية مليشياوية مجربة”، مجددا رفضه المشاركة فيها، ومتحدثا عن مساع لإرضاء التيار من خلال منحه مناصب في تلك الحكومة.

وتحدّث المقرب من الصدر أو ما يعرف بوزير الصدر صالح محمد العراقي في بيان عبر حسابه على “تويتر” عن وجود “مساع لا تخفى لإرضاء التيار وإسكات صوت الوطن”، في إشارة إلى تصريحات إعلامية وخبراء يتحدثون عن إمكانية اقتراح مناصب وزارية على التيار الصدري.

وقال صالح: “في خضم تشكيل حكومة ائتلافية تبعية مليشياوية مجربة لم ولن تلبّي طموح الشعب بعد أن أُفشلت مساعي تشكيل حكومة أغلبية وطنية.. نشدد على رفضنا القاطع والواضح والصريح لاشتراك أي من التابعين لنا. في هذه التشكيلة الحكومية التي يترأسها المرشح الحالي أو غيره من الوجوه القديمة أو التابعة للفاسدين وسلطتهم”.

وأضاف: “كل من يشترك في وزاراتها معهم ظلما وعدوانا وعصيانا لأي سبب كان فهو لا يمثلنا على الإطلاق بل نبرأ منه إلى يوم الدين ويعتبر مطرودا فورا عنّا (آل الصدر)”.

“قص الأجنحة”

وفي السياق ذاته، رأى الباحث في الشأن السياسي العراقي، نجم المشهداني أن “مستقبل التيار الصدري في ظل تواجده خارج السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا شك أنه لا يأتي له بخير، لأن الصدر قدم 73 مقعدا على طبق من ذهب لخصومه، وهذا لم يحصل في ديمقراطيات العالم”.

وأضاف المشهداني لـ”عربي21″ أن “التيار الصدري باعتقادي مقبل على انشقاقات لقيادات الصف الأول، وبدأت أماراتها بطلب أحد المرشحين عن التيار الصدري بمقعد برلماني ليشغله بديلا عن أحد النواب المستقيلين، إضافة إلى تبرؤ الصدر من أي شخص يتسلم منصبا بحكومة السوداني”.

وأوضح الباحث أن “الإطار التنسيقي عازم على قص أجنحة التيار الصدري قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة، ولا سيما قانون الانتخابات الذي حصل التيار من خلاله على أعلى عدد من المقاعد، والتي لن يحقق مثلها مستقبلا، إضافة إلى نيته استبدال مفوضية الانتخابات”.

وتابع: “صحيح أن جمهور التيار الصدري ثابت بحكم التقليد الديني الذي يدينون بالولاء له، وبالتالي فهم يعيدون انتخاب أي قائمة يشارك فيها التيار في الانتخابات البرلمانية، لكن الإطار التنسيقي سيعمل على بعثرة مراكز القوى للصدريين من خلال قانون انتخابات جديد”.

 وتوقع الباحث أن “يدفع التيار الصدري ثمنا كبيرا خلال المرحلة المقبلة في حال بقي مكتوف الأيدي حيال ما يجري في المشهد السياسي، لأن حكومة الإطار التنسيقي ستجرد الصدريين من مناصبهم التي وصلوا إليها في السلطة التنفيذية منذ حكومة حيدر العبادي”.

وأردف: “الإطار التنسيقي كان يتهم التيار الصدري بأنه يؤسس دولة عميقة داخل مفاصل الدولة العراقية، بدءا من أمين عام مجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي ومرورا بوكلاء الوزارات وانتهاءً بالمدراء العامين”.

بعد عام من الانتخابات التشريعية المبكرة، انتخب البرلمان العراقي، الخميس، مرشح التسوية السياسي الكردي عبد اللطيف رشيد (78 عاما) رئيسا للجمهورية، الذي بدوره كلّف مرشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني (52 عاما)، بتشكيل حكومة جديدة للبلاد.

وأمام رئيس الوزراء العراقي المكلّف 30 يوما منذ يوم تكليفه لطرح التشكيلة الحكومية الجديدة. وأعرب السوداني في كلمة له، الخميس الماضي، عن استعداده “التام للتعاون مع جميعِ القوى السياسية والمكونات المجتمعية، سواء منها المُمثَّلة في مجلس النواب أو الماثلة في الفضاء الوطني”.

واشنطن بوست: إيران تعد شحنات من مسيرات فاتح وذو الفقار وأنظمة “أرض- أرض” لروسيا

إبراهيم درويش

لندن – “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده جوبي واريك وإيلين ناكشيما وشين هاريس نقلوا فيه عن مصادر استخباراتية قولها إن إيران تقوم بالتخطيط لنقل السلاح إلى روسيا بشكل يساعدها على تعويض النقص في مخزونها وإعادة بناء خط الذخيرة الموجهة بدقة.

وأضافوا أن إيران تعزز من التزاماتها لتزويد السلاح إلى روسيا ومساعدتها في الحرب بأوكرانيا. وبحسب مصادر أمنية أمريكية ومن دولة حليفة، فلم توافق طهران سرا على تزويد موسكو بأسلحة هجومية فقط بل وما يصفه المسؤولون صواريخ أرض- أرض إيرانية الصنع لكي تستخدم ضد المدن الأوكرانية ومواقع القوات هناك.

ويأتي الدعم الإيراني في وسط ما تقول إدارة جو بايدن إنها خسائر كبيرة لدى الجيش الروسي من المعدات منذ بداية الهجوم على أوكرانيا في شباط/فبراير وتراجع الإمدادات من الذخيرة الموجهة بدقة كتلك التي استخدمت في غارات الأسبوع الماضي ضد المدن الأوكرانية. ونشرت مؤسسات إعلامية مستقلة صورا لبقايا مسيرات (درون) إيرانية الصنع استخدمت في ضرب أهداف أوكرانية، بشكل يستدعي الشك في إنكار إيران المتواصل أنها تزود حليفتها روسيا بأسلحة كهذه. وأكد مسؤولون في البنتاغون وبتصريحات علنية استخدام المسيرات الإيرانية في الغارات الجوية الروسية وكذا نجاح القوات الأوكرانية بإسقاط بعض هذه المسيرات.

وفي إشارة عن تزايد الدور الإيراني كمزود لموسكو، أرسلت طهران مسؤولين في 18 أيلول/سبتمبر لاستكمال شروط شحنات عسكرية إضافية، بما فيها نوعان من صواريخ أرض- أرض إيرانية الصنع، وذلك حسب مسؤولين أمريكيين ودولة حليفة تقوم برصد النشاطات الإيرانية. وفي تقييم أمني تم التشارك فيه بين المخابرات الأمريكية والأوكرانية بالأيام القليلة الماضية أكد استعداد صناعة السلاح الإيرانية لأول شحنة من صواريخ الفاتح- 110 وذو الفقار، الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى، وتستطيع ضرب أهداف على بعد 300 و700 كيلومتر على التوالي، وذلك حسب قول مسؤولين على اطّلاع بالأمر. ولو وصلت الشحنة فستكون أول صفقة عسكرية إيرانية لروسيا منذ بداية الحرب.

 وفي آب/أغسطس، حدد نفس المسؤولين الذين رفضوا الكشف عن هويتهم نوعين من الطائرات الإيرانية المسيرة، المهاجر-6 وشهيد- 136 والتي بدأت طهران بتزويدها لروسيا بغرض الاستخدام في أوكرانيا. وتمت استعادة بقايا النوعين وحللت والتقطت القوات الأوكرانية لها صورا في الأسابيع الماضية. ويبدو أن روسيا أعادت طلاء المسيرات وأعطتها أسماء روسية. وقال المسؤولون الذين اطلعوا على شحنة الصواريخ إن إيران تحضر لشحنات جديدة من المسيرات لروسيا بما فيها “أعداد” من مهاجر 6 وأعداد كبيرة من شهيد-136. ويطلق على النوع الأخير أحيانا “كاميكاز” لأنها مصممة للانفجار في الأهداف وقادرة على إسقاط متفجرات من على مستوى 1.500 ميل.

وقال المسؤولون إن المستشارين الفنيين الإيرانيين زاروا المناطق التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا لتقديم الإرشادات حول طريقة استخدام المسيرات. ورفضت الوكالات الأمنية التعليق على التقارير بشأن الشحنات الروسية، ولم يرد المسؤولون الروس أو الإيرانيون. وفي 3 تشرين الأول/أكتوبر أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني التصريحات الحكومية التي تنكر دعمها العسكري للروس “تعتبر الجمهورية الإسلامية التقارير المتعلقة بتزويدها مسيرات لروسيا بغرض استخدامها في أوكرانيا غير صحيحة ولا تؤكدها”. وأعاد التأكيد على حيادية إيران في النزاع وأكد على ضرورة حل الطرفين المشاكل عبر الطرق السياسية وبعيدا عن العنف. وأخبرت حكومة كييف بالمعلومات الأمنية الجديدة.

وقال مسؤول أمني أوكراني للصحيفة إن تقييمات الاستخبارات بشأن المسيرات التي نشرها الروس في جنوب أوكرانيا تفيد بأنها جاءت من إيران. وخفضت أوكرانيا مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إيران بسبب التقارير عن المسيرات التي ظهرت في ساحة الحرب. واستند الرئيس فولدومير زيلينسكي على الغارات الأخيرة لمطالبة الناتو بتزويد بلاده بأنظمة دفاع صاروخية متقدمة. ورفضت روسيا، مثل إيران التقارير الغربية حول تلقيها شحنات من المسيرات الإيرانية، ووصفها المتحدث باسم الرئيس، ديمتري بيسكوف بالزائفة. ولكن المسيرات الإيرانية تركت بصماتها على الميدان حيث دمرت عددا من الدبابات الأوكرانية وأضرت ببنى تحتية مدنية في الهجمات المتكررة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

ويقول المسؤولون إن وصول أنظمة الصواريخ أرض- أرض قد يعطي الروس سلاحا جديدا ضد كييف التي تستعيد مناطق في الجنوب والشرق بسبب الدعم العسكري الغربي. ويقول فارزين نديمي، الخبير في الأسلحة الإيرانية بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى “التقدم من المسيرات إلى أرض- أرض قد يعطي الروس خيارات أخرى وقدرة على الضرب”. وتملك إيران ترسانة صواريخ متنوعة من الأسلحة لا تضاهى في الشرق الأوسط، قصيرة ومتوسطة.

وفي الوقت الذي كافح فيها مصممو الصواريخ الإيرانية لبناء مصداقية، إلا أن الأجيال الجديدة من فاتح 110 وذو الفقار تعتبر قوية ودقيقة حسب الخبراء. وزودت بعض النماذج بأنظمة توجيه كهربائية- بصرية تسمح لمشغلي الصواريخ بتوجيهها وهي تقترب من الهدف. وزودت إيران الصواريخ سابقا لحلفائها في الشرق الأوسط، وبخاصة جماعة الحوثي في اليمن التي استخدمتها لضرب مصافي البترول والبنى التحتية في دول الخليج.

وتملك روسيا أنواعا عدة من المسيرات التي تستخدم للرقابة ودعم المدفعية. ولكن موسكو لم تستثمر في بناء أسطول من المسيرات القتالية، كتلك التي تستخدمها القوات الأمريكية بشكل منتظم في أفغانستان والشرق الأوسط. وكان لدى روسيا ترسانة من الذخيرة الموجهة بدقة إلا أن الصواريخ والمقذوفات الصاروخية نفدت كما يقول المسؤولون الأمريكيون منذ بداية الحرب. وفي إيجاز للمسؤولين الاستخباراتيين الأمريكيين يوم الجمعة أشاروا لاعتماد روسيا المتزايد على إيران وكوريا الشمالية، كدليل على أثر العقوبات وحظر تصدير التكنولوجيا.

وفي عرض للصحافيين قال مسؤولون من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إن روسيا خسرت أكثر من 6.000 قطعة سلاح منذ بداية الحرب وتستخدم الذخيرة بطريقة لا يمكن تحملها. ونظرا لعدم قدرتها الحصول على المواد الإلكترونية بسبب العقوبات، فقد “بدأت روسيا بالبحث عن معدات وإمدادات من دول مثل إيران وكوريا الشمالية” بما في ذلك المدفعية والمسيرات والذخيرة والمقذوفات الصاروخية.

اليمين المنتصر وعقلنة الفاشيّة

عامر محسن

«لن أزعم أنّه لو كان عليّ الاختيار بين النازيّة والشيوعيّة، لاخترت الشيوعيّة»

وينستون تشرشل

«…ولكنّ الإيطاليّين اليوم قد فهموا أننا حزبٌ يمكن الاعتماد عليه تماماً. هذه الطبقة الحاكمة هي جدّيّة»

من مقابلة لجيورجيا ميلوني، زعيمة حزب «اخوة إيطاليا» اليميني

«لماذا يرفس القدر، باستمرار، بأسوأ النّاس إلى الأعلى؟»

مجهول القائل

منذ سنوات، حين بدأت انتصارات اليمين «المتطرّف» بالتوالي في أميركا وأوروبا، قرأت نصّاً يتناول هذا التحوّل في المزاجات من زاوية طريفة. الفكرة أنّه في الماضي، في السبعينيات مثلاً ووصولاً إلى التسعينيات، كان المناظر اليساري في الغرب هو من يمتلك امتياز «المتمرّد الجذّاب»: يخترق الممنوع في خطابه، يستثير الصدمة من الجمهور ولا يحترم شكليات التيار السائد وقيمه، ويستفزّ المؤسسة ويتمّ طرده على الدّوام من القاعات والمحافل. المحافظ اليميني، بالمقابل، كان يلعب دور المتزمّت البليد: يُصاب بالذّعر ما أن تستفزّ حساسياته، تُخدش أذنه حين يسمع كلمةً أو تعبيراً يخالف قاموسه، وهمّه – كناظر المدرسة – أن يؤنّب الناس محتكراً تعريف «العيب» و«الخطأ». الحال هذه الأيّام يبدو وكأنه قد انقلب: في الجامعات والاعلام والفضاء الإلكتروني، أصبح اليميني (والنوع الجديد المتطرّف تحديداً) هو من يحمل راية «التمرّد» وتحدّي الخطاب السائد وكسر ممنوعاته، إلى درجة أنّ الشخصيات العامّة التي يتمّ طردها من المنصّات الإلكترونية الكبرى في السنوات الماضية، أو تتعرّض للرقابة والمنع، أصبحت غالباً من صفوف اليمين. في الوقت ذاته، أصبح الليبرالي و«اليساري المديني» في الغرب هو من يبدو في موقع المدافع عن الشكليات والأخلاق «الصحيحة»؛ هوسه مراقبة خطاب النّاس ومفرداتهم وتعليمهم اللغة الصائبة، ويتبرّع بتوزيع العلامات على الخلق في الالتزام البيئي ولبس القناع بالشكل السليم.

مع انهيار المنظومة الاشتراكيّة والاتحاد السوفياتي، أصبح في وسع اليمين المتطرّف أن يستخدم المفردات والحجج الاشتراكية التي قام أصلاً للتصدّي لها. في مقطعٍ متلفزٍ اشتهر لجيورجيا ميلوني، تتحدّث الزعيمة الإيطالية بلغةٍ تبدو وكأنّها نقدٌ يساريّ للمنظومة الرأسمالية. «يريدون محو هويتكم وتقاليدكم وعلاقاتكم العضوية الأصلية الأساسية، كالوطن والدين والعائلة، حتى تتمكّن الرأسمالية منكم وتحوّلكم إلى أقنان منتجين مستهلكين لا أكثر. الانسان الفرداني الخلاسي المعولم، الذي لا يملك عقيدةً ولا هوية ولا جماعة، هو الكائن الذي يريد جورج سوروس أن نكون على شاكلته. الصفحة البيضاء التي تسمح للرأسمالية بالتوسّع والمراكمة من غير حدودٍ أو محرّمات». هذه، بتعابير ملخّصة، هي الحجّة البسيطة التي تستعيدها ميلوني باستمرار وبأشكالٍ مختلفة في خطاباتها الحماسيّة دفاعاً عن الهويّة الإيطالية وضدّ من يحاول «استبدالها». هذا الكلام لا يختلف ظاهرياً عن تحليلات نقاد الرأسمالية، مثل ماركس وبولاني، الذين شرحوا كيف أن انتشار الحداثة الرأسمالية يكنس الكثير من المؤسسات والهويات التي كانت تحيط بالفرد وتضيف إلى وجوده معنىً، أو تضامناً مع أتراب، أو سكينة وروحانية، وتصنع غشاءً بينه وبين السّوق المنفلت.

ولكنّ «الحيلة» التي تستخدمها ميلوني، والعديد من روّاد اليمين الجديد، هي أنهم يقدّمون – في طورٍ أوّل – هذا النقد العنيف للرأسمالية ولآثارها علينا فردياً وجماعياً ثمّ يضعون، في مقابلها، مفهومهم الخاصّ عن الهوية و«إيطاليا» و«العائلة» و«الدّين». أي أنّهم يقدّمون هذه الرموز كأنّها ثابتة ومحدّدة ومقررة سلفاً، ويكرّسونها بحسب مفهومهم اليميني عنها، متجاهلين أنّها – في ذاتها – موضوع نقاشٍ واختلافٍ وتحوّلات مستمرّة. ولكنّ المفعول الأساس للانتخابات الإيطالية (والسويدية) الأخيرة، هي أنها ثبّتت «تطبيعاً» مع احتمال أن ينتصر حزبٌ يميني متطرّف، جذوره تعود إلى بقايا الفاشيين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في الانتخابات الشعبية، ويحكم، وقد يخرج منه رئيس وزراء يقود بلداً أوروبياً كبيراً.

سؤال الرأسمالية

الفكرة الأساس هنا هي أنّه يجب أن نبتعد عن الاستخدام التقليدي لتعابير مثل «الفاشية»، وعقد المقارنات الكسولة مع تجربة اليمين الأوروبي قبل الحرب العالمية الثانية. بمعنى آخر، لا يجب أن ننظر إلى هذه الحركات بعين أعدائها؛ هم من مصلحتهم أن يربطوا بين انتصارات اليمين اليوم وبين صعود هتلر وموسوليني في الماضي، ولكنّ الحقيقة هي أنّ «جدّيّة» هذا اليمين، وخطورته، تنبعان تحديداً من كونه لا يشبه هتلر أو موسوليني. ميلوني تحمل فكراً يمينياً عرقياً متطرّفاً، ولكنها لا تقود مشروعاً معادياً للمنظومة القائمة (anti-systemic)، يهدّد بالخروج من الاتحاد الأوروبي أو الانفصال عن «الناتو» أو استبدال الديموقراطية بحكم الحزب الواحد. ميلوني تقول في مقابلاتها أنها تقدّس حريّة السوق، والحريات الخاصّة، والنظام الانتخابي التمثيلي. هي لا تريد الخروج من الاتحاد الأوروبي ولا تشكك في شرعيته، بل تريد تعديل سياساته «من الداخل» وعبر مؤسساته التمثيلية ذاتها، وهي – وهذا لا يقلّ أهمية – تجزم بأنها لا ترى إيطاليا إلا ضمن «الناتو» في حلفٍ دفاعي، وهي تتبنى موقفه بلا هوادة في حرب أوكرانيا. هذا ما أعطاها المقبولية الشعبية لتنال أصوات وسطيين، ويمينيين مع الـ«ليغا»، بل ويساريين يئسوا من أحزابهم؛ ولتعقد تحالفاً واسعاً «محترماً» مع باقي الأحزاب المحافظة في البلد. بمعنى آخر، هؤلاء «المتطرّفون» لم يجيئوا لكي يهدوا النظام، بل ليرثوا زعامته، وهم في ظرفنا التاريخي الحالي قد يمتلكون فرصةً معقولة لتحقيق هدفهم.

المسألة هي أنّ النظام الرأسمالي، مثلما هو لا يهتمّ لأسلوب حياتك الفردي أو ميولك الجنسية، فهو أيضاً يتقبّل أي حزبٍ حاكم وأي سردية ايديولوجية لا تتعارض مع النمط القائم للانتاج والتراكم. يمكن أن يجلس في سدّة الحكم عنصريٌّ قوميّ منغلق مثل ترامب أو ليبرالي «ووك» مثل ترودو، يبحث باستمرارٍ عن فرصةٍ لكي يرقص أمام الكاميرات باللباس الهندي. الفيصل هنا هو في نظرة السوق والشركات الكبرى إلى هذه النخب المحتملة: لا مانع من أن يحكم اليسار الليبرالي طالما أن هوياته المتقاطعة لا تتسلّل إلى المجال الاقتصادي، وإن اقتنعت المصالح المالية غداً بأن اليمين المتطرّف يخدم مصالح السوق، فسوف نعتاد أيضاً على الفكرة ونتطبّع معها.

هذه كلّها، في عرفه، «ثنائيات زائفة»، والمشروع السياسي الوحيد الذي ننتظره هو مشروع «اشتراكي» حقيقي، يولد مكتملاً – بشكلٍ ما – في أحضان النظام الرأسمالي

شعبية اليمين المتطرّف لم تأت من فراغ. قد لا تمتلك ميلوني إجابات جيّدة على الاشكاليات التي تثيرها، ولكنّ معركتها سهلة نسبياً حين تواجه خصوماً خطابهم الوحيد هو في اقناع الناخب بأن يبقي الحال كما هو عليه، وأن يثق بالخبراء في روما وبروكسل ويبقي ماريو دراغي رئيس وزراءٍ إلى الأبد. فلنأخذ أهمّ الشعارات الشعبوية عند أمثال ميلوني، فكرة «الاستبدال العظيم»؛ أي أن الرأسمالية المعولمة – بغية مضاعفة أرباحها – سوف تستورد الملايين من المهاجرين السمر إلى أوروبا، وتستبدل تدريجياً الأهل الأصليين لهذه البلاد بشعوبٍ مهاجرة وثقافات غريبة وذريّة خلاسيّة. المشكلة هي أنّ هذا الكلام هو، بمعنى ما، صحيح. لا يمكن أن نتخيّل اضافة ملايين الناس إلى مجتمعٍ من غير أن يتركوا أثراً في الديموغرافيا والثقافة والتركيبة السكانيّة. كلّ شيءٍ له ثمن، والانخفاض السريع في الديموغرافيا الأوروبية ابتداء من السبعينيات (بعد طفرة ولاداتٍ حصلت اثر الحرب العالمية الثانية) حتّم إمّا استيراد أعدادٍ متزايدة من العمال الأجانب، أو التخلي عن آمال النموّ والرّفاه. بالمعنى الاقتصادي البحت، يفهم المخططون في أوروبا أن المشكلة اليوم هي ليست في كثافة الهجرة إلى القارّة، بل أنّ الهجرة بوتيرتها الحالية غير كافية لسدّ الفجوة السكانية القائمة. تقول مجلّة «إيكونوميست» إنّه مقابل كلّ مئة عامل ألماني سيتقاعدون في السنوات الخمس القادمة (أي من هم بين أعمار 60-64 سنة) يوجد فقط 82 ألمانياً في الفئة العمرية المقابلة، التي توشك على دخول سوق العمل (أي من هم بين أعمار 20-24 سنة). والمعضلة الأكبر هي أنّه لو نظرنا إلى الفئة التي تليهم مباشرة، سنجد فقط 58 ألمانياً بين سنّ الـ15 والـ19 يستبدلون كلّ مئة عاملٍ هم حالياً بين الـ55 والـ59 من العمر. لا ضرورة لشرح أنّه من المستحيل أن تحقّق نموّاً وبنيتك السكانية تتقلّص بهذا الشكل (والحال في إيطاليا، من هذه الناحية، قد تكون أسوأ من ألمانيا، وبعض دول أوروبا الشرقية أسوأ من الاثنتين. ومشكلة الانخفاض الحاد للمواليد والشعب الذي يشيخ بسرعة لم تعد محصورة في أوروبا، بل هو تحدٍّ تواجهه – في مراحل مختلفة – العديد من الدّول اليوم، من الصين واليابان وأجزاء واسعة من آسيا وصولاً إلى أميركا اللاتينية ولبنان وإيران).

في مواجهة هذا الواقع، لا تملك ميلوني حلولاً فعليّة باستثناء التخويف من المسار القائم والمطالبة بخططٍ لرفع نسب الانجاب – يشكك الخبراء في أنها قد تشكل فارقاً في الاتجاه العام للأمور. ولكنّ الخطاب «التقدّمي» الذي يواجه شيطنة المهاجرين كثيراً ما يقلّد منطق الرأسمالي بدلاً من أن يفكّكه ويتصدّى له. يبرز هؤلاء للمواطن الأوروبي، في تبرير «التسامح» مع المهاجرين، تنويعةٌ على المقولة التالية: «أنت تشتكي من وضع الاقتصاد والركود وتردّي مستوى حياتك، ولكنّ النموّ يحتاج إلى عمّال، ونحن ببساطة لا ننجب أطفالاً كفاية؛ فأنت إذاً لا يمكن أن تحسّن وضعك الاقتصادي إن لم تكن تحبّ أن يصبح جيرانك الجدد من المغرب وكينيا». أي أنّك تعتبر أنّ العقلانية الاقتصادية (الرأسمالية) هي التي تقرّر عنك شكل مجتمعك ومستوى تسامحك، وتستعمل المنطق التاتشري في فرض ذلك («ليس لديك خيار») – والنّاس عادة لا تحبّ أن توضع أمام «ابتزازٍ» من هذا النّوع. بمعنى آخر، هذا الخطاب «التقدّمي» لا ينطلق من فكرة انسانية، مثلاً، عن أنّ اللون والثقافة لا يشكلان فارقاً بين من يعيش ضمن جماعة متآخية؛ أو نقدٍ للمفهوم «الصافي» عن الهوية، باعتبار أنّ دول المتوسّط ليست حضارات متباعدة، بل هي تتخالط تاريخيّاً، وتتمازج ألسنة أهلها وألوانهم على الدّوام. وهم حتّى لا يقولون لهم ما معناه: «حسنٌ، الرأسمالية قد وضعتنا في هذا الموقف التاريخي، فلندرس كيف سنتعامل معه سويّة». المهاجر هنا، في أحسن الأحوال، هو شرٌّ لا بدّ منه.

سؤال الإمبريالية

من هنا، فإنّ الكثير من التحذيرات التي تسمعها من النخب الأوروبية الحاكمة ضدّ اليمين المتطرّف وخطره على الليبرالية هو ليس حقّاً صراعٌ على الايديولوجيا والقيم وحقوق المهاجرين، بل طواقم حاكمة تتنافس على استبدال بعضها، وكلّ يحمل قيمه وجمالياته وتحالفاته الاجتماعية. نحن هنا لا نتكلّم عن المهاجر الذي يقلق على ظروفه في المستقبل، أو على اليساري العتيق الذي يراقب بلاده وهي تنزلق إلى أسوأ ما في ماضيها. نحن نتحدّث عن الإداريين والقادة في الاتحاد الأوروبي، الذين يخافون من أن يقعوا ضحيّةً لدورة خلدونية يصبحون فيها بمقام «النظام القديم»، المنحلّ والفاسد والمأزوم، وتأتي طبقة جديدة لتستبدلهم. هنا، وليس في الهجرة، المعنى الحقيقي لـ«الاستبدال العظيم» الذي يجري في أوروبا والغرب. الطريف هنا هو أن جيورجيا ميلوني لا تنظر إلى نفسها وحزبها باعتبارها معادية لليبراليّة، بل هي تركز هجومها الايديولوجي على «اليسار»؛ إذ تعتبر أنّ العناصر «المنحلّة» التي تسلّلت إلى النظام جاءت من ايديولوجيا اليسار، بل تتهمّ اليساريين بأنهم هم رأس حربة النخبة «المعولمة» (هي هنا بالطبع لا تتكلّم عن اليسار الماركسي القديم، بل عن ما يسميه اليمينيون الأميركيون «اليسار الثقافي» – النسخة السائدة اليوم عن «اليسار»).

حين نتكلّم عن النقد الاقتصادي، أي النقد الذي يتوجّه إلى القاعدة المادّيّة للمجتمع، فإنّ الإمبرياليّة هي مكوّنٌ أساسيّ لهذه البنية المادّيّة. لا يمكن أن تواجه فعلاً مسألة «الرأسمالية» من غير أن تواجه مسألة «الإمبريالية» وهي، في السياق الأوروبي، تعني أموراً مثل «الناتو» والاتحاد الأوروبي والمنظومة النيوليبرالية المعولمة. مأزق «اليسار الغربي»، تاريخياً (وقد كتب في الموضوع الكثير)، تتلخّص في أنّ اليساري – في المبدأ – يمثّل الطبقة العاملة ومصالحها، ولكنّ تفكيك الإمبريالية والهيمنة سيكون ضدّ مصالح الطبقة العاملة في بلاده ويحرمها من امتيازاتها. هذا سؤالٌ كنت أطرحه حين أجد نفسي في أوساط اليساريين في الغرب، وهم أناسٌ أمميّون، يتعاطفون مع شعوب الجنوب، ويكرهون الحكومة الأميركية وسياساتها، إلخ. المسألة هي أنه لا يمكن أن يحصل إعادة ترتيبٍ للثروة في العالم من غير أن يخسر الغربيون عامّةً في مستوى رفاههم. النّخب ستخسر أكثر، ولكنّ الجميع – بمن فيهم الطبقة العاملة – لا يمكن أن يحافظ على مستوى دخله واستهلاكه النسبي في عالمٍ أكثر عدالة. حين تحين ساعة الحقيقة، ماذا سيكون موقف هذا اليساري من الطبقة العاملة في بلاده؟ هل «يخونهم»، المجتمع الذي جاء منه والناس الكادحين الذي يعيش بينهم، لصالح القضية الأممية والطبقة العاملة في فييتنام وأوغندا؟ أم هل سيحاول اقناع أهله بأنّه من العدل أن تعيش القلّة (أي هم) في حالة ركودٍ وانحدار مقابل أن يرتفع حال الغالبية ويتساوى معهم؟ ومن سيستمع إلى مثل هذا الكلام؟

في التجربة، انقسم أكثر اليسار الغربي إلى موقفين هنا: الفريق الأوّل فهم، مسبقاً، أنّه لن يقف بشكلٍ جذريّ ضدّ الامتيازات التي يحصّلها بلده من الإمبريالية، فيندمج في المؤسسة (ويعدنا بأنّه سيترافع لأجلنا، حين يستطيع، «من الداخل»؛ بمعنى أنه يتعاطف معنا ويقف ضدّنا، وهو يريد صدقاً تلطيف السياسة الخارجية لبلده، ولكن في البداية عليه أن يهزم ميلوني). الموقف الثاني هو ذاك المزايد والطهوري، يبدو ظاهرياً على النقيض من الفريق «الواقعي» ولكنه ينتهي إلى خلاصات مشابهة. هنا، يتمسّك المعارض الغربي بمفهومٍ مثاليّ عن المشروع «اليساري»؛ بمعنى أنّ الخيار السياسي الصحيح لا ينتمي إلى الصراعات التي نراها حولنا، «في الواقع الحقيقي»، بين أميركا وأعدائها، بين إسرائيل وإيران، بين روسيا و«الناتو»، إلخ. هذه كلّها، في عرفه، «ثنائيات زائفة»، والمشروع السياسي الوحيد الذي ننتظره هو مشروع «اشتراكي» حقيقي، يولد مكتملاً – بشكلٍ ما – في أحضان النظام الرأسمالي، وبفرض نفسه دفعةً واحدة في لحظةٍ سحريّة، وكلّ شيء دون ذلك هو «رأسماليات»، كلّها متساوية في السوء (بمعنى آخر، نحن لا نؤيّد الإمبرياليّة، ولكننا ضدّ أعدائها أيضاً، وحتى يأتي المشروع اليساري «الحقيقي»، سوف نعلّق الأحكام وننتظر الظّهور).

في عهد الليبرالية المتأخّرة، يعود أبناء الفاشيين ليحصلوا على فرصتهم من جديد. قد يبدو مشهداً خيالياً في المفارقة: أن يتّحد الغرب في محاربة روسيا، باسم الليبرالية فيما، في بولندا وهنغاريا وإيطاليا وغيرها، يحكم اليمين المتطرّف وتعود الرموز الفاشية أو يعاد انتاجها. استغرب أحد الأصدقاء في نقاشٍ مؤخّراً أن لا تكون للأميركيين والأوروبيين حساسية من انتشار الرموز النازية والأفكار العرقيّة بين حلفائهم في أوكرانيا. هم، في النهاية، خاضوا حرباً عالمية ضدّ النازيّين، وقُتل أجدادهم على شواطىء أوروبا ثمناً لدحرهم، فكيف يتسامحون مع أي إحالة لهذا العدوّ التاريخي؟ هل يتعاملون مع فاشيين جدد من أجل محاربة روسيا؟ الحقيقة، في رأيي، أن هذا خيارٌ بسيط وليس صعباً. من ناحية، يخبرنا التاريخ أن الحكومات الغربية قد تعاملت مع الصعود الفاشي، في دورته الأولى، بمزيجٍ من التسامح والرّضى، طالما أنّه يتصدى للاشتراكية ولستالين. من ناحيةٍ أخرى، هؤلاء في نهاية المطاف قد قاتلوا النازيين فعلاً وبعضهم عانى من الغزو والاحتلال الألماني، ولكن هذا كلّه قد دام لأقل من خمس سنوات. هي تجربة عرفها جيلٌ واحد من الأميركيين، انسحبت بعدها إلى نطاق الأفلام التاريخية والحربيّة وأبحاث المؤرّخين. أمّا الشيوعية (وروسيا)، فهي كانت بمثابة العدوّ الوجودي للغربيين لأكثر من قرن؛ أجيالٌ كاملة ولدت ونشأت مع فكرة «التهديد الروسي»، فهو عداء أشدّ حدّة، بالطبع، من أي حقدٍ متوارث تجاه اليمين المتطرّف. هذه الحكومات، في نهاية الأمر، كانت تفضّل دوماً الفاشيين على الرّوس.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى