أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

اليمين الإسرائيلي يُكرّس الاحتلال يومياً

بقلم: غلعاد غروسمان

ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان

مع حلول الخريف في كل عام، ومع الأعياد العبرية التي تصادف فيه، تحظى المناطق المخضرّة في الجليل باهتمام إعلامي وزائرين كثر، غير أن هذه المناطق أصبحت في الفترة الأخيرة محور نقاش قومي من الدرجة الأولى. فـ”الجليل في خطر”، كما حذّر أعضاء كنيست من اليمين ورؤساء سلطات محلية في الشمال، وذلك على خلفية أن مزارعين من اليهود عرضوا مساحات من الأراضي التي يملكونها للبيع، فاشتراها مواطنون من العرب بصورة قانونية، وهو ما اعتُبر بمثابة سطو وانهيار.

إن هذا الجدل العنصري، الذي يعتبر المواطنين العرب أعداء، هو جزء من “حملة الحوكمة” التي يقودها اليمين، والتي تسري أيضاً، وبصورة غير مفاجئة، على النقب ـ المنطقة الأُخرى التي تضم الكثير من البلدات غير اليهودية. لكن، لا تخطئوا: إن المعنى الحقيقي لـ”الحوكمة”، الكلمة السحرية التي يعشق كثيرون في اليمين التغني بها، هو ليس سلطة القانون وسيادته والمساواة أمام القانون، وإنما طريقة سهلة للقول: “لا تزعجونا ونحن نمارس التمييز ضد المواطنين العرب”.

ليس ثمة ما يجسد هذا أكثر وأفضل من صورة الفتاة التي تزيّن ملصقات الحوكمة، وزيرة الداخلية الإسرائيلية أييلت شاكيد. هذا ما كان، على سبيل المثال، عندما تبنّت استنتاجات وتوصيات لجنة كمينتس، ودفعت نحو تشريع أمر قانوني يفرض غرامات مالية باهظة على تجاوزات في مجال البناء. فالهدف المُعلَن من تشريع هذا الأمر هو معاقبة المواطنين العرب والمساس بهم، إلاّ إن النتيجة الفعلية كانت أنهم شرعوا في فرض هذه الغرامات على مُخالفي البناء اليهود أيضاً. ومثلما اعترفت شاكيد، من دون خجل، “أردنا فعل خير، لكننا فعلنا شراً في النتيجة العملية. كان الهدف فرض القوانين وتطبيقها على البناء غير القانوني في الوسط غير اليهودي”.

إن الإثبات الأفضل على خواء مصطلح “الحوكمة” موجود فيما وراء الخط الأخضر. فإن كانت تجاوزات البناء صادمة إلى هذا الحد بالنسبة إلى الوزيرة شاكيد، وإن كانت عمليات شراء الأراضي بصورة قانونية تشكل موضوعاً للبحث والنقاش في الكنيست، ولتقارير صحافية في وسائل الإعلام، فإذاً كيف يحظى البناء غير القانوني في البؤر الاستيطانية بالدعم الصريح، أو بالصمت الصاخب؟ “ليست ثمة أي مشكلة في إقامة بلدات بصورة غير قانونية”، قالت شاكيد في مقابلة أُجريَت معها مؤخراً. طالما أن الحديث هو عن اليهود فقط، لأن البناء الفلسطيني في مناطق “ج” هو “استيلاء”. وإذا كان “الاستيلاء غير القانوني على مناطق واسعة، سرقات الكهرباء، والمياه، والمعدات القتالية من قواعد الجيش الإسرائيلي” هو غياب الحوكمة، كما يقول “منتدى كوهيلت”، فإذاً كيف يلتزم اليمين الصمت حيال العنف الذي يمارسه المستوطنون من دون أي توقف؟ هذا الأسبوع، مثلاً، أغلق عشرات المستوطنين جميع المخارج من مدينة نابلس. “طالما أن السكان لا يتمتعون بالأمن، فالأعداء لن ينعموا بحياة عادية”، قالوا. وماذا فعلت سلطات تطبيق القوانين، أي الجيش في هذه الحالة، حيال أخذ مواطنين القانون بأيديهم وإغلاقهم جميع المخارج من مدينة مركزية؟ وقفوا على الحياد. لسبب ما، لم يعبّر دعاة الحوكمة عن أي قلق من على أي منصة متاحة.

وكيف يمكننا تفسير الصدمة من التصرف العنيف الذي بدر من أوساط في المجتمع العربي في إسرائيل، والذي دفع بعضو الكنيست يوآف غالانت إلى التصريح بأن “ثمة خشية كبيرة من تصعيد في الأمن الداخلي إلى درجة فقدان قوات الأمن السيطرة على ما يجري”، في مقابل اللامبالاة حيال أخذ أوساط من بين المستوطنين القانون بأيديهم بصورة شبه يومية، اعتداءاتهم المتكررة على المزارعين، وإيقافهم الفلسطينيين في الشوارع، أو اقتحامهم القرى الفلسطينية وقذف السكان والمنازل بالحجارة؟

يكرّس اليمين الاحتلال بصورة يومية، بينما لا يعني هذا الوسط واليسار الإسرائيليين بأي شيء، ولا يثير أي اهتمام لديهما، وهو يرفض بسط الحوكمة، المقدسة في عُرفه، على المواطنين [المستوطنين] الإسرائيليين في المناطق [المحتلة] لأنه يحتفظ بذلك لـ”النقب والجليل فقط”. إن غياب أي معالجة لمنتهكي القانون اليهود، ليس لأنه لا يثير أي مطالبة بالحوكمة فحسب، بل أيضاً يحظى هؤلاء بدعم سياسي واسع.

ليس الحرص على تعزيز سلطة القانون وسيادته هو ما يهمّ دعاة الحوكمة، ولا إيجاد الحلول غير العنيفة لمشاكل المواطنين وأسباب ضائقتهم، ولا حتى مجرد التظاهر باعتماد المساواة أمام القانون في التعامل مع جميع مواطني الدولة. إن ما يهمهم هو التفوّق اليهودي فقط، وكل ما عدا ذلك هو ألاعيب كلامية لا غير.

هآرتس 16/10/2022

روسيا وجبهتها المحتملة في معركة الانتخابات الإسرائيلية.. ما رأي “الشاباك”؟

بقلم: عاموس هرئيل

قبل نحو أسبوعين على موعد الانتخابات، تشير جميع الاستطلاعات إلى معركة متوازية. الكتلة التي يترأسها بنيامين نتنياهو تحصل على 59 – 61 مقعداً؛ أي تتراوح بين تفوق بسيط وتعادل مع كتلة التغيير. ستكون النتائج حاسمة تقريباً. إذا نجح الليكود في الوصول إلى هدفه السامي، 61 مقعداً، ستكون جميع الوسائل مباحة لتحقيق الهدف القادم، وهو محاولة وقف الإجراءات القضائية ضد نتنياهو من أجل ضمان بقائه.

 كما يوضح المحللون السياسيون، إن أي حركة قد تكون مهمة في ظروف التعادل المقدرة. نسبة تصويت منخفضة للعرب، أحد أحزاب اليسار – وسط سيصبح تحت نسبة الحسم، هذه السيناريوهات قد تحسم مصير الانتخابات. نظرياً، ربما يكون بضع آلاف من الأصوات التي ستصوت هنا أو هناك. السباقات المتعادلة أرض خصبة لمحاولة التأثير والتلاعب. إذا كان جمهور الهدف المطلوب لضمان الحسم صغيراً نسبياً ومتميزاً بما فيه الكفاية، فهناك محفز داخلي للأحزاب من أجل حثه على الذهاب إلى صناديق الاقتراع وحتى تحويل هذه الأصوات إلى الاتجاه الذي تريده.

جولات انتخابية متعادلة في دول غربية جذبت إليها في السنوات الأخيرة محاولات تدخل من الخارج، من دول شمولية مثل روسيا والصين وإيران. لم يكن هذا التدخل مهماً دائماً مثلما ظهر في البداية. الهستيريا التي أصابت المعسكر الديمقراطي في الولايات المتحدة حول انتخاب دونالد ترامب رئيساً في 2016 نتج عنها كثير من نظريات المؤامرة التي لم تنجح التحقيقات الفيدرالية (على رأسها تقرير مولر) في تأكيدها. ولكن هذا يعني أنه لم يتم بذل مثل هذه الجهود. لم تكن مصلحة الدول العظمى محصورة في الدفع بمرشح معين، بل تشجيع الاستقطاب والعداء الداخلي في مجتمعات غربية ديمقراطية.

رئيس “الشاباك” السابق، نداف ارغمان، حذر في كانون الثاني 2019، عشية الجولة الانتخابية الأولى من بين الخمس جولات (حتى الآن) من “تدخل دولة أجنبية” في الانتخابات. لم يذكر ارغمان اسم الدولة، ولكن من الإشارات التي نشرها كان واضحاً أن الأمر يتعلق بروسيا. ثلاثة مصادر مطلعة على القضية قالت للصحيفة بأن نتنياهو الذي كان في حينه رئيس الحكومة، غضب جداً من ارغمان إلى درجة أنه فحص إقالته. مؤخراً، نشر بن كسبيت في “معاريف” بأن من استبدل ارغمان، رونين بار، نقل تحذيراً إلى نظرائه في روسيا من التدخل في الانتخابات القريبة القادمة. ونشر عميت سيغل في “أخبار 12” بأن “الشاباك” قد استكمل الاستعداد لصد محاولات تأثير أجنبية. وحسب قوله، إن الرقابة على الشبكات الاجتماعية تدل على واقع متوتر، ويخشى “الشاباك” من أن يكون اليوم التالي للانتخابات مختلفاً عما شاهدناه في السابق. من بين أسباب ذلك، أنه يكون من الأسهل التشكيك في صدق النتائج في سباق متعادل.

 أجريت في معهد بحوث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، الشهر الماضي، محاكاة حول محاولات تدخل وتشويش على الانتخابات بمشاركة خبراء في القانون والسايبر والأمن والإعلام. شاهد هذه المحاكاة مسؤولون كبار في الدولة يشاركون في حماية نزاهة الانتخابات. وجرت محاكاة موازية في منتدى مغلق، مع “الشاباك” أيضاً. كان ملخّص مدير عام المعهد، الجنرال احتياط تمير هايمن، حزيناً جداً. عرضت الوثيقة مؤخراً على رئيس لجنة الانتخابات المركزية والمستشار القانوني للحكومة ورئيس هيئة الأمن القومي ورئيس “الشاباك” وغيرهم، ووصلت أيضاً إلى “هآرتس”. كتب هايمن بأن التدخل الأجنبي في الانتخابات يعتبر تحدياً استراتيجياً. تصعب ملاحظة تدخل أجنبي بصورة منفردة، وهو من شأنه أن يندمج في عمليات داخلية ذات صعوبة أو عدم رغبة في الإشراف عليها في نظام ديمقراطي. يمكن أن الديمقراطية تتعامل مع تدخل منعزل، لكن عندما يتعلق الأمر بعدد كبير من الأحداث سينتج أمامنا تحد منهجي للعملية الانتخابية برمتها.

حسب قوله: “الاختيار بين التجاهل الذي هو إحدى المعضلات، وهكذا الحفاظ على حرية التعبير، وبين اتخاذ إجراء فعال، من شأنه بحد ذاته أن يؤثر على العملية الديمقراطية. مواجهة تدخل أجنبي في الفضاء الرقمي ربما تكشف قدرات ومصادر استخبارية. لا توجد أي جهة سياسية مخولة بالموازنة بين المصالح المختلفة إزاء حادث معين”. كتب هايمن أيضاً بأن ما ينقص لجنة الانتخابات المركزية هو صلاحيات قانونية من أجل التعامل مع التحديات الجديدة، ويحتاج هذا الأمر إلى تغيير تشريعي. يوصي المعهد بإلزام الأجهزة الأمنية بالعمل بشكل مباشر أمام اللجنة وتحديد ميزانية مخصصة لغرض تقديم رد استخباري شامل على المشكلة.

إن المطلوب، حسب رأي المعهد، هو توسيع صلاحيات اللجنة وإصدار أمر منع في حالة المس بالخصوصية الذي يؤثر جوهرياً على طهارة الانتخابات (إذا تم ذكر شخص في قضية هاتف بني غانتس المحمول فهذا ليس بالصدفة). يوصي المعهد اللجنة بالعمل على تعزيز وعي الجمهور حول محاولة التدخل الأجنبي بخصوص عملية الانتخابات. من بين السيناريوهات التي تمت مناقشتها سيناريو محاولة قمع التصويت في الوسط العربي واستخدام تطبيقات لفحص نماذج تصويت الناخبين وتشجيع على المظاهرات من قبل “مصانع بوتات” إيرانية في الشبكات الاجتماعية وحملة فيروسات لنشر ادعاءات حول تزوير الانتخابات. جميع هذه السيناريوهات واقعية وقد يتم تحقق بعض منها فعلياً.

أبرز خبراء في إسرائيل وجود جهود قاسم مشترك في تأثير روسي على الأغلب، في إسرائيل ودول غربية. والفكرة زرع الفوضى وخلق شعور لدى المواطن بأن كل شيء مزيف، المؤسسة ضدك، الجميع يكذب، ولا إمكانية لتصديق شيء. مؤخراً، ظهر في إسرائيل تدخل روسيا في سياق آخر.

تستخدم موسكو كيانات واجهة على أمل أن يقوم هؤلاء بإقناع المهاجرين في إسرائيل بصدق الحرب في أوكرانيا. هكذا، تمت إقامة جمعية باسم “الجبهة المناهضة للنازية”، التي تقوم بتسويق رسائل الكرملين في البلاد في محاولة لتشويه صورة الحكومة في كييف كخليفة أيديولوجية للنازية. وثمة نقطة أخرى تثير الاهتمام تتعلق بحملة لشبكة مجهولة، تدار ضد حزب “إسرائيل بيتنا”. الهدف واضح، إقناع المصوتين المخضرمين لافيغدور ليبرمان بالتخلي عنه والتصويت لكتلة نتنياهو.

مع ذلك، ما زال الفيل في غرفة الدولة، خصوصاً في جهاز الأمن. وليس من السهل تناوله. ما الذي سيحدث إذا كان التلاعب من الداخل، من أحد المعسكرات المتخاصمة. “الشاباك” هو المسؤول عن منع التدخل الأجنبي، لكن من الصعب تخيله يعمل ضد حملة سايبر داخلية، تقوم جهات مجهولة بتفعيلها لصالح أحد المرشحين. كانت هناك إشارات على خطوات ظلامية كهذه، وفي الجولات الانتخابية السابقة. يبدو أن النظام يفضل النظر إلى روسيا بدلاً من التركيز على ما يحدث أمام أنظاره.

—————————————-

هآرتس 16/10/2022

وفقاً لـ “ثلاثيته المقدسة”.. هل ينجح نتنياهو في عزل الفلسطينيين بسيف “الإبراهيميات”؟

بقلم: أسرة التحرير

يقترح رئيس الوزراء الأسبق، بنيامين نتنياهو، ثلاثيه المقدس لضمان مستقبل دولة إسرائيل والسلام والمصالحة مع العالم العربي: قوة اقتصادية، وعسكرية، وسياسية. بالفعل، لا يمكن التقليل من أهمية التقدم الذي طرأ على كل واحدة من هذه الجبهات في السنوات الأخيرة. غير أن التهديد الأكثر جدية على مستقبل إسرائيل كمجسدة للحلم الصهيوني يحظى بالتجاهل من جانب نتنياهو في أفضل الأحوال وإلى التزييف في أسوئها. في هذه الأيام بالذات، نتعلم بأن القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية لا تكفي لهزيمة شعب يكافح ضد احتلال أجنبي، وسطو للأراضي، وضم مندفع وسحق لحقوق الإنسان.

كما أن “الثلاثي الحديدي” لنتنياهو لا يتصدى للواقع الديمغرافي والسياسي بين البحر والنهر، الذي يجعل إسرائيل، عملياً، دولة أبرتهايد. مدعي التاج من جديد برئاسة الوزراء يعرض الجانب الفلسطيني كعائق أمام السلام وكمنتهك مواظب للاتفاقات. في تحليلاته، “نسي” نتنياهو أن يشير إلى أن الحكومة التي كان من مسؤوليها صادقت في العام 2003 على “خريطة الطرق” التي تضمنت التزاماً بتفكيك كل البؤر الاستيطانية التي أقيمت منذ آذار 2001 والتجميد التام لمشروع الاستيطان (بما في ذلك النمو الطبيعي).

في عهد حكم نتنياهو، أضيف في الضفة نحو 50 بؤرة استيطانية جديدة وارتفع عدد المستوطنين بـ 50 في المئة (من 300 ألف إلى أكثر من 450 الفاً). يدعي نتنياهو بأن الفلسطينيين يعارضون السلام مع إسرائيل ويرغبون في تصفيتها، بل وإنهم “استخدموا الفيتو” على أي تقدم إضافي للسلام مع دولة عربية. هذا كذب. يتجاهل نتنياهو الدعم الدائم من م.ت.ف والسلطة الفلسطينية لمبادرة السلام العربية، التي تقوم على أساس تطبيع العلاقات مع الدول العربية مقابل انسحاب إسرائيلي من “المناطق” [الضفة الغربية]. تنتظر المبادرة رداً إسرائيلياً منذ أكثر من عقدين.

“اتفاقات إبراهيم” التي يتباهى بها نتنياهو، وعن حق، كانت أحد عناصر “صفقة القرن” للرئيس دونالد ترامب، والتي قامت على أساس حل الدولتين. يقترح نتنياهو انتظار هذا السلام إلى أن تقوم الدول العربية “بعزل الفلسطينيين” ودفعهم للاعتراف بدولة قومية يهودية، والتي هي بالنسبة له شرط ضروري لإنهاء النزاع معهم. هذا شرط يستهدف إفشالاً مسبقاً للمفاوضات، وبالفعل، مثلما تبين لنتنياهو الآن، فإن هذا الشرط – الذي لم يعرض على أي دولة عربية – هو قضاء لا يمكن لأي قيادة فلسطينية أن تحتمله. السبيل للسلاح لا يتجاوز رام الله، كما يدعي نتنياهو. من يسعى لتجاوز رام الله وإخفاء ما تبقى من أفق سياسي عن الفلسطينيين، إنما يقود إسرائيل إلى حائط حديدي بلا مخرج.

إسرائيل اليوم 16/10/2022

صحيفة عبرية: الضغط ينجح… لكن الوضع قابل للانفجار

يوآف ليمور

نهاية الأسبوع المنصرمة كانت هادئة نسبياً في يهودا والسامرة وفي شرقي القدس. والتفسير لذلك مزدوج. الضغط الهجومي الذي تمارسه اسرائيل، أساسا في نابلس، والتعزيز الدفاعي، مع التشديد على منطقة القدس.

“عرين الأسود”

القسم الأول، الهجومي، يتركز على تنظيم “عرين الأسود” الذي أصبح في غضون وقت قصير التهديد المركزي في المناطق. ومع أن الجيش الإسرائيلي يواصل الحملات في مخيم اللاجئين جنين كي يعتقل المطلوبين ويحبط العمليات، لكن القلق الأساس هو نابلس – مدينة مركزية، من شأن ضعضعة الأمن فيها أن يؤثر على الضفة كلها، لدرجة طرح علامات استفهام حول قدرة السلطة الفلسطينية على السيطرة.

نال هذا التنظيم الشهرة والشعبية برعاية “التيك توك”. منشورات العمليات التي نفذها منحته التمويل من حماس، والمجد للشارع الفلسطيني. دعوته اليوم للغضب في القدس ترجم إلى عنف واسع في أواخر الأسبوع الماضي وأدى إلى طلب اسرائيل من السلطة الفلسطينية تشديد الأعمال ضده. قبل ذلك نصبت إسرائيل حواجز في مداخل ومخارج نابلس. وقد تم هذا لتقليص خروج عناصر التنظيم للعمليات (ونجح)، لكنه فرض ضمناً قيوداً قاسية على حرية حركة السكان المدنيين. في جهاز الأمن أملوا في أن يمارس الجمهور الفلسطيني ضغطاً على السلطة وعلى العصابة ويؤدي إلى لجمها.

هذا الجهد بالفعل حقق ثماراً جزئية. نحو عشرة من أعضاء “عرين الأسود” منذ الآن سلموا أسلحتهم للسلطة الفلسطينية في ظل الوعد بتجنيدهم إلى صفوفها. إسرائيل أوضحت للسلطة بأنها لن تمنح حصانة لرجال أمن فلسطينيين، إذا تبين أنهم كانوا مشاركين في عمليات، لكن في هذه المرحلة لم تعمل ضدهم. أساس الجهد الاستخباري – العملياتي يتركز الآن على نحو 25 – 30 عضواً من التنظيم المتبقين، الذين أوضحت إسرائيل للفلسطينيين، منذ الآن بأنها ستعمل على اعتقالهم.

في هذه الأثناء، حققت إسرائيل نجاحاً في جبهة غير مباشرة. الضغط الذي مارسته على شبكة “التيك توك” أدى إلى تعلق حساب “عرين الأسود”. يدور الحديث عن ضربة شديدة لهذا التنظيم: كل قوته العملياتية، الإعلامية والاقتصادية تستمد من الشبكة. إذا بقيت “صامتة” فإنها ستثقل بالمصاعب على تجنيد النشطاء والحصول على الأموال، وتسهل على السلطة الفلسطينية لجمه. وقد أعلنت السلطة منذ الآن أنها مصممة على عمل ذلك، ضمن أمور أخرى في المعاملة المتشددة التي تمارسها تجاه قائد التنظيم، مصعب اشتيه، المحبوس في أريحا.

العودة إلى الحياة الطبيعية

القسم الثاني، الدفاعي، يتركز في القدس. سرايا حرس الحدود في الاحتياط التي انضمت إلى الأعمال ساعدت في تهدئة الخواطر في شرقي المدينة، وإن بقي أساس الجهد الذي سيكون اليوم وغداً في الحرم، على خلفية الحجيج المتوقع لآلاف الإسرائيليين. صلاة يوم الجمعة في الحرم وإن كانت انتهت بلا احداث شاذة، لكن مصدراً أمنياً رفيع المستوى أوضح بأن “على مستوى التفجر الحالي للميدان، فإن كل حدث صغير من شأنه أن يؤدي إلى اشتعال واسع في القدس وفي الضفة”.

في أثناء العيد سيفرض على المناطق إغلاق، وسيزال في الغد ليلاً. وقدر المسؤول بأن العودة إلى الحياة الطبيعية، ابتداء من يوم الثلاثاء ستؤدي إلى انخفاض ما في مستوى تفجر الميدان، لكن على حد قوله، فإن التأهب العالي سيستمر إلى ما بعد الانتخابات. وذلك في أعقاب الحجم العالي لإخطارات العمليات، ورغبة “منظمات الإرهاب” في نيل العطف من خلالها. في هذا السياق، حذر المسؤول أيضاً من أعمال ثأر تقوم بها عناصر في اليمين المتطرف من شأنها أن تؤدي إلى التصعيد. وإلى ذلك، رد جهاز الأمن الدعوات للتخفيف من تعليمات فتح النار لجنود الجيش في المناطق. ووصف ضابط كبير هذه المطالب بأنها “شعبوية تنبع من دوافع سياسية”، وقال إنه لا توجد أي قيود على الجنود عندما يكون لذلك مبرر أمني – عملياتي. إصبع رشيقة على الزناد أوضح، من شأنها أن تؤدي إلى مستوى عالٍ من المصابين – بما في ذلك الأبرياء وتصعيد الوضع في الميدان. وزير الدفاع بيني غانتس هو الآخر رد هذه الدعوات وقال: “أنظمة فتح النار يقررها فقط وحصرياً رئيس الأركان والقادة العسكريون بدون أي تدخل سياسي”.

—————————————-

هآرتس 16/10/2022

الفلسطينيون هم أيضاً مقاتلون طالما استمر الاحتلال

عكيفا الدار ودانييل برتال

منذ بداية السنة وحتى نهاية شهر أيلول قتل في الضفة الغربية بنار قوات الأمن والمواطنين الإسرائيليين 98 فلسطينياً، من بينهم 5 نساء و21 قاصراً، وما زال الحبل على الجرار. أمامنا تقريبًا ربع عام كامل من أجل “كي وعي” الفلسطينيين وإبراز أنه يجب عليهم التعايش مع الاحتلال أو الموت في النضال ضده.

هذا هو الرقم الأكبر من القتلى الفلسطينيين في الضفة منذ العام 2015 (في حينه قتل 99 فلسطينياً خلال كل العام). من أجل إمتاع العين بتناسب مع السكان فان هذا الرقم يوازي 40 قتيلاً في الشهر. هذا إضافة إلى مئات المعاقين وآلاف المعتقلين. لدينا كلب “اليمام” الذي قتل وهو يؤدي واجبه يحصل على تغطية أوسع من طفل فلسطيني عمره 12 سنة، الذي قتل وقالوا “تمت تصفيته”، على يد قواتنا.

لنترك للحظة الموضوع الأخلاقي. كم هو عدد الإسرائيليين – اليهود الذين كانوا سيبقون في معسكر السلام لو أنه في كل يوم كانت نشرات الأخبار تنشر صوراً من جنازات النساء والأطفال الذين قتلوا بنار المقاتلين الفلسطينيين. يصعب العثور على بيت فلسطيني لا يحمل أبناؤه على أجسادهم أو في نفوسهم ندب الاحتلال. فقط كراهية إسرائيل وشهية الانتقام هما أقوى لديهم من الخوف ومن اليأس.

“بضعة قروش تكفيهم!”

الإسرائيليون لا يعزون عنف الفلسطينيين للاحتلال والطرد. فحسب المفهوم السائد في إسرائيل فإن الفلسطينيين هم ماكثون غير شرعيين وبائسون وكل ما يعنيهم هو جلب بضعة قروش لبيوتهم. اعطوهم بضعة تصاريح أكثر واغلقوا عليهم في الأعياد الإسرائيلية وقوموا بتخويفهم بالتفتيشات الفجائية وكل شيء سيكون على ما يرام. ومثلما قال إسحق شامير “هم سيتعودون”.

في “معاريف” في 4/10 اقتبس المحرر العسكري ران ادلست بحثاً قديماً شاركت فيه ثلاث جامعات عن شخصية الضابط في الجيوش العربية، البحث الذي عرض في 1972 على المستويات السياسية وجاء فيه، ضمن أمور أخرى، بأن تفكير الضابط العربي هو بدائي وشخصيته سطحية وغير ناضجة عاطفياً وعديمة الاستقلالية. بعد سنة اجتاز هذا الضابط البدائي وحطم خط بارليف. ومرة أخرى الجنرالات لدينا والمحللون العسكريون تفاخروا بـ “جنودنا” الشجعان الذين نجحوا في “تصفية شخص حقير آخر متعطش للدماء”، وضحية لتحريض المتعصبين دينياً ورافضين للسلام. مرة أخرى هم يدفنون رؤوسهم في الرمال مثلما اعتادوا في رمال سيناء، عيونهم لم تتمكن من رؤية دائرة الدماء التي يولّد فيها الاحتلال المقاومة، الأمر الذي يدفع القوة المحتلة الى تعزيز سيطرتها على الواقعين تحت الاحتلال، الأمر الذي يفاقم المقاومة ويعمق الاحتلال والدائرة تتكرر.

واقع وحشي

الواقع أصبح وحشياً أكثر ودموياً أكثر. تعزيز الاحتلال يجبره على تطوير أساليب للسيطرة والرقابة على المجتمع الواقع تحت الاحتلال؛ تجنيد آلاف العملاء والمخبرين بطرق حقيرة مثل خلق الشعور بالاضطهاد، والإعدام بدون محاكمة (التصفيات)، الاعتقالات، التعذيب، العقاب الجماعي، هدم البيوت، الحواجز، الإغلاقات، نظام التصاريح وما شابه. المعارضون المخلصون لاتفاق أوسلو استخدموه بدون خجل من أجل تقسيم الضفة الغربية الى “بنتوستانات”.

تجاهل الغرب والعالم العربي لنظام الفصل العنصري في المناطق يرسخ الوهم بأن الوقت يعمل في صالحنا. هكذا كان في الأيام بين كارثة احتلالات 1967 وكارثة فشل 1973. في الوضع الذي فيه الحدود آخذة في الانطماس حرفياً، فإن عمليات وظواهر سامة تنزلق بصورة لا يمكن منعها من المناطق المحتلة إلى داخل حدود الخط الاخضر. مكان مصطلحات مثل “احتلال” و”تسوية جغرافية” و”تسوية سياسية” تحتله نماذج وروايات لتبرير الاحتلال.

خلال سنوات الجمود السياسي فإن مفاهيم الوضع الراهن (“لا يوجد شريك”) تعمق سيطرتها؛ وتخلق لغة جديدة وذوي مصالح جدداً يسيطرون على موارد الاحتلال. تتطور دبلوماسية جديدة لتبرير محاربة مقاومة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، ومن أجل الحفاظ على الاحتلال تتبلور ثقافة سياسية جديدة فيها الشرخ بين من يؤيدون الاحتلال ومن يعارضونه يتدهور إلى جرائم كراهية وإلى تآكل مكانة حراس العتبة.

الزعماء الذين يتمسكون بسياسة إدارة الاحتلال يتجاهلون، سواء عن قصد أو بسبب الجهل، حقيقة أنه في القرن الواحد والعشرين لا يوجد أي شعب مستعد لأن يوافق على العيش تحت الاحتلال العسكري. معارضة الاحتلال في العصر الحديث تعتبر مشروعة، وبناء على ذلك تقريباً جميع الاحتلالات انتهت.

إلى متى يمكن لإسرائيل الاختباء وراء الادعاء الهش بأن الضفة الغربية لا تعتبر أراضاً محتلة، بل “أراضٍ مختلف عليها”؟ الى أي مدى يمكننا أن ندفع السكان الأصليين الى خارج الـ 60 في المئة من هذه الأراضي وأن نطالبهم باحترام حكم الناخب الإسرائيلي؟ من المهم معرفة إلى أي مكان في قائمة أحزاب اليمين – وسط كان سيصل اليوم مرشح كان يتجرأ على لفظ كلمة “احتلال”، كما فعل رئيس الحكومة أرييل شارون في 2003؟

15 ألف جندي مصري قتلوا قبل 49 سنة في طريقهم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في شبه جزيرة سيناء. أكثر من 2500 إسرائيلي قتلوا بسبب تعالي قلوب قادتنا. الفلسطينيون أيضاً لديهم مقاتلون. طالما استمر الاحتلال هم لن يلقوا سلاحهم. وكلما زدنا في قتل أبنائهم هم سيواصلون قتل ابناءنا.

هآرتس 16/10/2022

“سيوقظ اليسار في إسرائيل من السبات ويهدد إسرائيل”.. إيتمار بن غبير هو الأمل

جدعون ليفي

إيتمار بن غبير هو أيضاً أمل. هذا الأمل أصبح يلوح في الأفق حتى قبل أن يتبين أنه نجاح انتخابي له. الفزاعة الجديدة لليسار – وسط تحقق بالفعل نتائج اليسار الحقيقي كان يمكنه فقط أن يحلم بها. المستوطن العنيف من جفعات هآفوت (بن غبير) ربما هو بالتحديد سيؤدي إلى الاضطرابات التي ستهز أخيراً سفينة الفصل العنصري وتشوش رحلتها الآمنة.

دلائل أولية على الأمل اتضحت في السابق في الولايات المتحدة. السيناتور روبرت مننديز “المؤيد المخلص لإسرائيل”، أي المؤيد الأعمى للاحتلال، حذر نتنياهو من تشكيل حكومة مع اليمين المتطرف. أيضاً تنظيمات رائدة في أوساط يهود أمريكا تقلق من أن حكومة مع بن غبير ستضر بمكانة إسرائيل. مقال هيئة تحرير “هآرتس” نشر ذلك بالأمس كدليل مساعد على الخطر الذي يشكله بن غبير. الحقيقة معاكسة: بالضبط بسبب ذلك فإن بن غبير هو أمل.

إسرائيل لن تستيقظ ذات صباح وتقول: من غير اللطيف أن يكون لدينا أبرتايد، تعالوا نضع له حداً. فقط الضغط الدولي سيوقظها.

بن غبير سيعرض للخطر مكانة إسرائيل، ما الذي نريده أكثر من ذلك؟ حيث أن هذا هو هدف نضال منظمات حقوق الإنسان في البلاد وفي العالم، التي تريد إنهاء الابرتايد، الذي لن يسقط من تلقاء نفسه. إسرائيل لن تستيقظ ذات صباح وتقول: من غير اللطيف أن يكون لدينا أبرتايد، تعالوا نضع له حداً. فقط الضغط الدولي سيوقظها. هذا المجتمع رفض حتى الآن الاستيقاظ من اجل العمل، باستثناء إطلاق تصريحات فارغة. بالتحديد إيتمار بن غبير، المبتسم والصاخب لليمين المتطرف، هو أسرع من يقوم باستلال المسدس في الكنيست كي يكون من سيدفع العالم للعمل، وربما أيضاً سيوقظ اليسار في إسرائيل من السبات الشتوي اللانهائي.

سيناتور صديق سبق وهدد المنظمات اليهودية وحذرها من بن غبير ولم يتم انتخابه بعد وزيراً: عندما سيدخل إلى مكتبه فان العالم سيستيقظ على واقع جديد، أسوأ من الواقع الموجود في هنغاريا وفي إيطاليا. يمين بن غبير عنيف ومتطرف أكثر من أي يمين في أوروبا الآن.

بالضبط مثلما إسرائيل السابقة قامت بتبريد علاقاتها مع دول في أوروبا صعد فيها اليمين المتطرف فربما الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ستتخذ خطوة مشابهة. وللمرة الأولى في تاريخها ربما ستشعر إسرائيل بأنه يوجد ثمن للابرتايد. وللمرة الأولى في تاريخهم ربما سيُعاقب الإسرائيليون بسبب الاحتلال وجرائمه. ربما للمرة الأولى سيضطرون إلى أن يدفعوا ثمنه وعلى شكل إدانة، وأيضا بالأموال والسلاح، وكل ذلك بفضل بن غبير.

بن غبير سيمزق القناع. اليسار هو الأب المؤسس لمشروع الاستيطان، والآبار الفلسطينية خطط لتسميمها بن غوريون وأفرايم كتسير، وليس الولد الشقي والعنيد بن غبير؛ أيضاً وحشية الاحتلال لم يؤسسها بن غبير ولا حتى نتنياهو، بل أعضاء حزب العمل ومن بينهم من حصلوا على جائزة نوبل للسلام. البروفيسور يورام يوفال نشر في “هآرتس” في 6/10 سيناريو رعب يحذر فيه من بن غبير: 400 حافلة ستطرد في السنة القادمة 200 ألف شخص من عرب إسرائيل من بيوتهم، في ظل حرب في الشمال، إذا، لا سمح الله، إذا تم تشكيل حكومة نتنياهو – بن غبير.

سيناريو واقعي

سيناريو يوفال يبدو واقعياً رغم الذعر، لكن ليس بالضرورة بن غبير هو الذي سيقف من خلفه. اليسار لديه تجربة أكبر بكثير في الترانسفير والتطهير العرقي، في العام 1948 وفي العام 1967، في مسافر يطا وفي غور الأردن، وهذه التجربة ستكون لها أفضلية كبيرة في تنفيذ الترانسفير المقبل. يجب علينا الخوف من ماضي اليسار أكثر من الخوف من تهديدات بن غبير.

العالم قام باحتضان “اليسار – وسط” الإسرائيلي بفضل التضليل. بن غبير سيضع حداً لذلك. حكومة مع بن غبير يمكن وبحق أن تشدد أكثر الخناق على رقبة الشعب الفلسطيني. ولكن أكثر من شيطنة التخطيط لتسميم الآبار لا يمكن أن يكون. القادة العسكريون للهجمات البربرية على قطاع غزة قام العالم باحتضانهم، أما بن غبير فمن شأنه أن يرفضه. صباح الخير، أيها العالم. أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي. إذا حدث ذلك فأنا سأرفع القبعة أمام بن غبير وسأشكره من أعماق قلبي على إسهامه في النهوض بالعدل.

—————————————-

ما الذي يفصل بين التصعيد والهدوء؟

بقلــم: آفي يسسخروف

لم يتوقف التدهور الامني في مناطق يهودا والسامرة أو الضفة الغربية في نهاية الاسبوع. مظاهرات، محاولات عمليات، احتكاكات بين المستوطنين والفلسطينيين على خلفية قطف الزيتون، وماذا لا. ولا يزال، في ظل كل هذه الجلبة، تسجل ايضا عدة تطورات ايجابية – ربما، فقط ربما، يمكنها أن تؤدي الى استقرار الوضع في سياق الطريق.

1. السلطة الفلسطينية عادت للعمل. قد لا يكون هذا بالوتيرة أو الحجوم التي كانت اسرائيل أن تراها. لكن في الجانب الاسرائيلي ايضا يعربون منذ الان عن رضى جزئي من نشاط اجهزة الامن الفلسطينية. فالأجهزة تعتقل مشبوهين بأعمال ارهاب، بما في ذلك في منطقة نابلس بل وحتى في جنين (لكن ليس في مخيم اللاجئين في المدينة). وتتجرأ السلطة حتى على العمل في نابلس ضد المجموعة المسماة “عرين الاسود”.

صحيح ان الحديث لا يدور بعد عن اعتقال كبار مسؤولي هذا التنظيم بل فقط في دائرة الدعم له، لكن مثل هذا العمل ايضا يوجد فيه قول للجمهور في نابلس. أحد العناصر المفاجئة نسبيا في نشاط اجهزة السلطة هو العودة الى “اتفاق المطلوبين”، اي ان الاجهزة تقترح على المطلوبين مسار “عفو” في إطاره يسلمون الاسلحة التي في حيازتهم، يكونوا تحت رقابة السلطة (في شروط حبس في البداية) ويتلقون عفوا من الجانب الاسرائيلي في سياق الطريق، إذا ما امتنعوا بالطبع عن اعمال الارهاب.

2. بعد عمليتي إطلاق نار فتاكتين في حاجز شعفاط وقرب شافي شمرون واللتين انتهتا بقتل جنديين من الجيش الاسرائيلي، نوعا لازار وعيدو باروخ، وفرار المخربين المنفذين، اصطدمت محاولة عملية مساء يوم الجمعة قرب بيت ايل بكمين أعده مقاتلو لواء المظليين وانتهى بنتائج اخرى. أحد المخربين، قيس شجاعية، ابن 23، ينتمي لحماس، قتل، بينما اعتقل شريكه في العملية. التوجيهات والتعليمات للقوات هي السعي الى الاشتباك في حالة محاولة عملية والامتناع عن وضع ينجح فيه المخربون المنفذون في الفرار وينالون مكانة الابطال. واحد من اولئك “الابطال”، عدي التميمي الذي نفذ العملية في حاجز شعفاط، أصبح نموذج قدوة. في الشبكات الاجتماعية نشر مقطع فيديو يوثق بضعة شبان من مخيم اللاجئين يحلقون رؤوسهم بشكل يشبه حلاقة المخرب، ربما كي يجعلوا من الصعب على قوات الامن الاسرائيلية الامساك به.

3. الجمهور الفلسطيني الغفير لا يزال يمتنع عن الانضمام الى العنف. رغم عدد العمليات المتزايد، الارتفاع في عدد المسلحين في المناطق المختلفة، لا تزال لا توجد هنا انتفاضة. وحتى في مخيم اللاجئين شعفاط حيث وقعت المواجهات الاوسع في الاسابيع الاخيرة، سجل هدوء ما في الخواطر. “عرين الاسود” قد يحظى بدعم واسع في الشبكات مثل “التك توك” (التي اغلقت حسابه في نهاية الاسبوع) وحتى مسلحين جدد ينضمون الى التنظيم، لكن في نهاية الامر الاغلبية الفلسطينية الساحقة تحاول العودة الى روتينها اليومي. لا يوجد الالاف في الشوارع ولا عشرات الالاف ايضا، احيانا بضع مئات.

ومع ذلك، لا يمكن ان نتجاهل ايضا المؤشرات السلبية التي من شأنها أن تؤدي الى تدهور سريع في الوضع في الضفة حيال اسرائيل. اولا، العمليات تتحرك منذ الان جنوبا. محاولة العملية في بيت ايل هي استثناء في هذه اللحظة لكن لا يمكن الحديث عن قطيعة مطلقة لمناطق نابلس وجنين عن باقي مناطق الضفة. “مفترق تفوح” لم يعد حدودا لا ترى أو معبرا لا يمكن للمسلحين ان يجتازوه، ومحاولات العمليات كانت وستكون جنوب نابلس ايضا.

ثانيا، وهذه ربما النقطة الاكثر اشكالية من ناحية امكانية الاشتعال – العنف المتزايد من جانب اليهود ضد الفلسطينيين. يدور الحديث عن حملات ثأر على انواعها، اساسا في المنطقة التي بين حوارة جنوب نابلس والقرى شمال رام الله، لكن ليس فقط. الارتفاع في حالات العنف سجل ايضا على خلفية قطف الزيتون والتعرض المتزايد للمزارعين الفلسطينيين للعنف من جانب اليهود. هكذا، سجلت أمس حادثة في عين جونيا في منطقة تلمون غربي رام الله، في قصرة احرقت مزارع دجاج وكنتيجة لذلك نفقت نحو 300 دجاجة، رشقت سيارات فلسطينية بالحجارة ومنطقة حوارة اصبحت ساحة تنكيل شبه يومية من جانب المستوطنين ضد المارة الفلسطينيين. حادثة سحب ايتمار بن غبير المسدس في الشيخ جراح وان كانت انتهت بلا اصابات، لكن توثيقه الذي ينشر منذئذ من شأنه ايضا ان يشعل الخواطر.

والى أين يؤدي كل هذا؟ من الصعب أن نقول. في نهاية الامر نجاح واحد لقوات الامن الاسرائيلية في احباط عملية او فشل، يمكنهما أن يقررا الاتجاه العام للأحداث في الفترة القريبة القادمة في الضفة. هكذا ايضا عنف اليهود ضد الفلسطينيين. كل خطوة كهذه كفيلة بان تحدث الفرق بين تصعيد واسع وبين الهدوء، وهذا ايضا نسبي ايضا.

——————————————

هم يسيرون… الجنود يموتون

بقلم: أسرة التحرير

رئيس المجلس الاقليمي في السامرة يوسي داغان هو مثال بارز، لكنه تمثيلي لفكر المستوطنين الاشوه، وللخطر الذي يشكلونه على قوات الامن، وعلى عموم الجمهور في اسرائيل. يوم الثلاثاء، في اعقاب موت العريف اول عیدو باروخ، اشتكى داغان في مقابلة مع “كان 11”: “أنا استجدي كل يوم لاغلاق الحواجز، لجمع السلاح وللعمل ضد السلطة”. تناول داغان حقيقة ان باروخ قتل حين كان يحرس موقع حراسة قرب المدخل الخلفي لشافي شمرون. من ناحيته، من الأفضل حبس الفلسطينيين على أن يتحرك المستوطنون بحرية. وقاحة داغان تكمن في حقيقة أن الموقع الذي أصيب فيه باروخ لا يشغله الجنود الا على التوالي. والسبب في أنه اشغل بالجنود في ذاك اليوم كان مسيرة مستوطنين كثيرة المشاركين جرت في المنطقة. بمعنى أن العريف اول باروخ قتل كي يسمح للمستوطنين باجراء مسيرات استعراضية في الاراضي المحتلة. هذه ليست المرة الاولى التي يعمل فيها الجيش الاسرائيلي كقوة حراسة خاصة لاحداث ومسيرات المستوطنين. قبل نحو أسبوعين أصيب بجراح طفيفة جندي آخر بنار فلسطيني قرب حوارة جنوب نابلس، في الوقت الذي كان يحرس فيه مظاهرة للمستوطنين نظمها داغان ورفاقه احتجاجا على الوضع الامني على الطرق. ذروة السخافة سجلت قبل نحو نصف سنة، في مسيرة المستوطنين نحو

حومش. فقد بلغت مراسلة “هآرتس” هاجر شیزاف في حينه عن “عشرات الباصات التي تجمعت بجوار مستوطنة شاني شمرون وبدت وكأنها توشك على ان تقود مسافريها الى رحلة عائلية. بدلا من ذلك اجتاز الأهالي والاطفال الذين ملأوا المركبات الحاجز العسكري في الطريق 60 في الطريق الى بؤرة حومش”. في حالة المسيرة نحو حومش كان من يدفعون الثمن هم الفلسطينيون. فلاجل السماح للمسيرة اغلق الجيش مدخل قرية بزاريا على مدى ساعات طويلة، حين كانت “أربع قرى فلسطينية اخرى هي ايضا على طول طريق 60 قد سدت الطرق اليها باكوام من التراب، وحظرت حركة الفلسطينيين على الطريق”.

ها هو التشويه متجسدا: لاجل حماية المستوطنين الذين يسكنون في ارض محتلة ومعنيين بالاحتفال علنا بمظالمهم، تبعث دولة اسرائيل بالجنود للدفاع عن خارقي القانون، وبالتوازي لقمع الفلسطينيين. والنتيجة: الفلسطينيون يمسون بالجنود، ومن يشكو في النهاية هو داغان.

لا حاجة للجيش أن يحرس مسيرات المستوطنين، لا في الايام العادية، وبالتأكيد ليس في أزمنة متوترة حين تكون العمليات تتم على اساس يومي تقريبا. بدلا من التعاون مع هذه السخافة يجدر بوزير الدفاع بيني غانتس أن يأمر رئيس الأركان أفيف كوخافي بان يتوقف عن هذه الطقوس الخطيرة حتى بثمن المواجهة مع قيادة المستوطنين.

—————————————-

لا تزال إسرائيل أسيرة لـ «رؤية تعيسة» في صراعها مع الفلسطينيين

بقلم: أرئيلا هينغل هوفمان

“طالما بقيتم تحتلون الجزائر ستخوضون حرباً بلا توقف. سيخيل لكم أحيانا ان الحرب انتهت، لكن كراهية هؤلاء الناس لكم لن تقل. فتحت رماد اللهب شبه المنطفئ ستبقى جمرات مشتعلة، وفي اول فرصة ستشتعل نار كبرى”. هذا ما كتبه البارون لكييه في العام 1831، بعد سنة من احتلال فرنسا للجزائر، وإعلانها جزءاً من الجمهوريةـ حيث شجعت مئات آلاف الفرنسيين على الاستيطان هناك. وكان المؤرخ اليستر هورن اختار هذا الاقتباس مدخلا لكتابه “حرب ضروس ضد السلام: حرب الجزائر 1954 – 1962″، في العام 1977، وهو ذو صلة بالعام 2022 أيضا، في ضوء ما يحصل في “المناطق”.

يتحطم القلب عند رؤية صور القتلى في المواجهات الاخيرة، في ضوء المعرفة المريرة بان حياة العائلات الثكلى لن تعود ابدا الى ما كانت عليه. وليس في ما يقال هنا ما يبرر “الارهاب” الرهيب، او تدفيع الثمن الدموي الذي يجبيه هذا “الارهابإن “الحرب الضروس للسلام” احدى الوثائق الاهم التي يجب أن توضع على طاولة اصحاب القرار.

عدد الفرنسيين، الذين استوطنوا الجزائر في 130 سنة من احتلالها، اقترب من المليون. استثمرت فرنسا مالا طائلا في المقدرات وفي القوى البشرية كي تقضي على حركة التحرير الجزائرية، بما في ذلك اقامة “خط موريس” على حدود تونس على طول نحو 300 كيلو متر كي تمنع تهريب العتاد القتالي والاشخاص – جدار كهربائي بارتفاع 2.5 متر بقوة 5000 واط، ملغوم من طرفيه. في العام 1956، عندما احتدم الصراع أقر الرئيس الفرنسي، غي موليه، “ان يستخدم الحيش كل وسيلة لازمة”، لاجل قمع الثورة، وقوة بشرية وصلت الى نصف مليون جندي. “نحن نقتل واحدا منهم عندما نتمكن من إمساكه”، يقتبس هورن عن مقابلة مع أحد المستوطنين الفرنسيين. “لكن في الغداة يأتي واحد آخر ويبدأ من جديد”.

في العام 1959 عرض الرئيس شارل ديغول تقرير مصير للجزائر. واستغرق هذا ثلاث سنوات الى أن حصل. في اثنائها شقت الدبابات طريقها الى ميدان كونكورد في باريس كي تحمي المدينة من انقلاب متوقع قاده المستوطنون في الجزائر. الاستنتاج من سنوات الصراع كان أن الامتيازات التي عرضها الفرنسيون لم تغير الوضع ولا الازدهار الاقتصادي ايضا. ما اراده الجزائريون هو أن يروا آخر الجنود الفرنسيين يغادر.

 الجزائر هي ليست الضفة الغربية، والمسافة بين العاصمة الجزائر وباريس لا تشبه المسافة التي بين رام الله والقدس، او بين قلقيليا وكفار سابا. ولم يكن بين الجزائريين من اعتقد أن تحرير بلاده ليس المرحلة الاولى في الطريق الى احتلال باريس. ولم يتجول آباء الفرنسيين في صحارى الجزائر. ولم يكن لهم مغارة الماكفيللا، عاليه، مخماش وعناتوت. ولم يكن لهم نبي في تقوع. لكن موجات الصراع في “المناطق” تثبت بأن شيئا لم يتغير في الــ 55 سنة الاخيرة. لا في فترات الازدهار ولا في أيام الدرك الاسفل. لا عندما قيد عدد العاملين المسموح لهم الدخول الى اسرائيل ولا عندما تضاعفت هذه الأعداد مرتين أو ثلاث مرات. لا عندما قفز عدد الحواجز ولا عندما هبط. لا عندما دخلت القوات الى القصبة ولا عندما خرجت منها. موجات الصراع غيرت فقط، في الهوامش، مزاياها. انتفاضة الجماهير وانتفاضة الافراد، العمليات العدائية المنظمة والعمليات العدائية غير المنظمة. يبدو أنه لا يوجد هناك جواب، واسرائيل، مثلما يفهم من اقوال رئيس الوزراء، يائير لابيد، في خطابه في الامم المتحدة يتعين عليها أن تعمل على حوار سياسي يقوم على اساس اعتراف بالحاجة لاقامة دولة فلسطينية. دولتان للشعبين. هذا سيستغرق وقتا، وايجاد الشريك المناسب ايضا، وبلورة خطة ايضا، ورسم خريطة تأخذ بالحسبان ما حصل في المنطقة في يوبيل السنوات الاخيرة، لكن الفكرة في أنه فقط اذا ما أمسكنا “مخربا” آخر، وهدمنا منزلين آخرين، واعتقلنا مئة شخص آخرين سيأتي الهدوء، هي فكرة تعيسة. دوما ستبقى جمرات مشتعلة مثلما كتب البارون لكييه قبل 190 سنة كي تشعل نارا كبرى.

—————————————-

وثائق وشهادات: كيف تم تسميم آبار للعرب في 1948

بقلم: عوفر أديرت

في 1 نيسان 1948 كتب بن غوريون في مذكراته عن تطور العلم وأهمية استخدامه في المعركة. بعد شهر ونصف كتب عن “مواد بيولوجية” اشتريت بمبلغ 2000 دولار. فقط الآن، بعد 74 سنة، تبين أنه توجد علاقة بين هذين الأمرين. القصة التي تقف وراء ذلك تم كشفها في بحث أرشيفي شامل نشر مؤخراً.

وحسب البحث فإن المقاطع من المذكرات هي آثار لتدخل بن غوريون في عملية سرية لتسميم آبار المياه في قرى عربية في حرب الاستقلال. القضية تم كشفها بشكل جزئي قبل عشرات السنين عندما نشرت في صحف وفي كتب شائعات وشهادات شفوية عن محاولة الجيش الإسرائيلي تسميم آبار في عكا وفي غزة بواسطة حقن جراثيم في مياه الشرب في العام 1948، التي تؤدي إلى الإصابة بمرض التيفوئيد والديزنطاريا. ولكن الآن فقط، في البحث الذي أجراه بني موريس وبنيامين كيدار، الحاصل على جائزة إسرائيل، تم كشف توثيق رسمي يوفر شهادات عن العملية.

وثائق

الباحثون شرحوا بأن العملية استهدفت تسميم آبار في قرى عربية مهجورة لمنع العرب من العودة إليها.

وحسب الوثائق فإن العملية بدأت في شهر نيسان من 1948 أثناء الحرب، قبل شهر ونصف على قيام الدولة. ومع ازدياد الخوف من غزو الجيوش العربية للبلاد. الباحثون شرحوا بأن العملية استهدفت تسميم آبار في قرى عربية مهجورة لمنع العرب من العودة إليها، لكن أيضاً في بلدات يهودية، التي كانت الدولة – القادمة تنوي إخلاءها خوفاً على سلامة السكان من أجل منع العرب من التمركز فيها إذا قاموا باحتلالها. بحث موريس وكيدار نشر تحت عنوان “حرب إسرائيل البيولوجية في 1948” في مجلة “ميديل إيست ستاديز”. و”أرسل لأخيك” كان الاسم السري للعملية.

 معظم المادة في القضية هي سرية، لكن عندما بحث موريس في أرشيف الجيش عن ذكر للعملية، حسب اسمها، تفاجأ باكتشاف وثائق كثيرة. موريس كتب في المقال بأن الرقابة كما يبدو لم تكن تعرف معنى الاسم السري. “ابتكاراتنا كثيرة”، قال موريس. “لقد قمنا بحل لغز تطور العملية ومراحلها، اكتشفنا من الذي أعطى التفويض ونظم وقاد العملية، وكيف تم تنفيذها على الأرض في المناطق المختلفة”. حسب أقوال كيدار “الصورة التي لدينا مكتملة أكثر، وهي تعتمد، ضمن امور اخرى، على توثيق للجيش الإسرائيلي”.

 دايان سيقوم بإحضار المادة

 وتكشف قراءة الوثائق أن العملية كانت واسعة جداً، وشاركت فيها إضافة إلى بن غوريون شخصيات كبيرة أخرى في قيادة الجيش والدولة. مثلاً، في إحدى الوثائق كتب “هذه العملية سيتم تنفيذها على يد نحشون (الجنود الذين شاركوا في عملية نحشون) في يوم الأحد أو يوم الاثنين. أنا سأنزل في منتصف الأسبوع مع كل المادة”. الكاتب هو موشيه نفتون، الاسم السري لموشيه دايان، والمرسل إليه هو يغئال يدين، رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي الذي عمل فعليًا كرئيس للأركان في جزء من الحرب. وفي برقية أخرى كتب دايان تحت الاسم السري “ماغي”: “لقد بدأت عملية أرسل لأخيك في الواقع. يدين نفسه كتب في برقية بأن “هناك حاجة ملحة لتحديد ضابط خاص لشؤون عملية “أرسل لأخيك”. الموضوع هام جداً ويجب الحفاظ عليه بسرية كبيرة من قبلكم”. وفي برقية أخرى أوضح: “أبقِ في الآبار مادة من نوع أرسل لأخيك”. وفي برقية أخرى كان هناك سؤال “هل توجد مصادقة على استخدام المادة (القصد مادة بيولوجية) في المناطق التي سيتم إخلاؤها؟”.

بدء العملية

وبدأت العملية في المحور بين القدس وتل أبيب واتسعت بعد ذلك أيضاً إلى عكا في الشمال وإلى غزة في الجنوب. وحسب الشهادات شملت بعد ذلك، في مرحلة التخطيط أو فعلياً، بلدات أخرى مثل اريحا وبئر السبع وعيلبون في الجليل والقرى العربية بدو وبيت سوريك وبيت محسير قرب القدس وأيضاً الموشاف اليهودي هار طوف، بعد أن تم إخلاء السكان منها. أيضاً العملية شملت أهدافاً خارج إسرائيل مثل القاهرة وبيروت، لكن هذه بقيت على الورق فقط. منظمو العملية أرادوا بواسطتها أيضاً أن يشوشوا على تقدم الجيوش العربية.

وهنا شهادة مهمة عن العملية وجدها موريس في أرشيف كيبوتس نعان، حيث تم الحفاظ على شهادة قدمها في 1988 عضو في الكيبوتس، رجل الآثار شماريا غوتمان، قائد المستعربين في البلماخ وضابط كبير في مخابرات الجيش الإسرائيلي. غوتمان قال بأنه عبر عن رفضه الأخلاقي للعملية وحذر من أن تسميم الآبار يمكن أن يضر ايضاً باليهود. “نحن أيضاً يمكن أن نحتل في الغد هذه المنطقة وأن نشرب هذه المياه، وجيشنا أيضاً سيصاب بالتيفوئيد أو الديزنطاريا”، شهد غوتمان بأنه قال ذلك في الوقت الحقيقي للجنرال يوحنان ريتنار الذي عينه بن غوريون لقيادة العملية.

وشهد غوتمان أيضاً بأنه طلب تسلم أمر خطي، لكن هذا الطلب رفض. ورد عليه ريتنار وقال “لا يمكن إعطاء شيء كهذا طوال حياتي. افهم بنفسك”. وأضاف غوتمان في الشهادة: “سألته، ما هي المادة؟ هل هي سائل أم مسحوق أم شيء آخر”. وأجمل قوله: “لقد كانت عملية استثنائية من ناحية أخلاقية”.

في شهادته أشار غوتمان إلى أن ريتنار أبلغه بإرسال شخصين إلى الحدود مع مصر لتنفيذ العملية في الآبار. وكانا دافيد مزراحي وعزرا حورين (عفغين)، وقد انطلقا في 22 أيار 1948 لتنفيذ هذه المهمة في غزة ولكنه تم إلقاء القبض عليهما وحوكما في محكمة عسكرية في مصر بتهمة نية تسميم الآبار من أجل المس بالجيش المصري الذي كان في طريقه إلى البلاد، وتم إعدامهما.

شهادة أخرى لتنفيذ العملية في الخارج وجدها الباحثان في مقابلة أجريت مع السفير السابق آشر بن نتان من قبل المؤرخ نير مان في 2008. في صيف 1948 كان بن نتان يعيش في باريس بحكم وظيفته الاستخبارية العملية. هناك، حسب قوله، التقى برجل المخابرات بنيامين غبلي، وأعطاه “كبسولة لتسميم آبار المياه في القاهرة”، لكن الخطة تم إلغاؤها. “الكبسولة بقيت معي، وأخيراً قمت برميها في مياه المجاري”، قال بن نتان. الدليل على ذلك وجده موريس وكيدار في أرشيف الجيش الاسرائيلي في وثيقة بتاريخ أيلول 1948، فيها كتب يدين: “رجاء، اتصل في أقرب وقت… بخصوص تنفيذ أرسل لأخيك في الخارج”.

بن غوريون على رأس الخطة

 من الوثائق التي لدى الباحثين يتبين أنه على رأس الهرم يقف بن غوريون، وتحته كان يقف يدين الذي أشرف على العملية من الناحية العسكرية، وريتنار كان القائد الفعلي لها. رجل الميدان الكبير في هذه المجموعة كان في البداية دايان، الذي أصبح بعد ذلك وزيراً للدفاع ورئيسا للأركان. ديان حسب الوثائق عمل كساعٍ، حيث نقل الجراثيم من سلاح العلوم إلى نقاط مختلفة في أرجاء البلاد. أيضاً دافيد شئلتئيل، قائد لواء عصيوني في القدس، كان مشاركاً في العملية. بعد ذلك انضم رجل المخابرات عزرا هيلمر (عومر). وبقيت هوية شخص آخر شارك في العملية مجهولة، في البرقيات كان اسمه مزراحي.

الذين نفذوا العمل الأسود لتسميم الآبار في بداية الطريق كانوا جنوداً عاديين، من الكتيبة الرابعة في لواء هرئيل. ولكن بعد ذلك انتقل هذا الدور الى أعضاء القسم العربي في البلماخ، “المستعربون”، وتخصصوا في أعمال تخريب واغتيالات “في مناطق العدو”.

في الجانب العلمي، شارك في إعداد السم، أعضاء حماد بـ(سلاح العلوم البيولوجية)، وهو قسم في سلاح العلوم انشغل بالحرب البيولوجية. وقد ترأسه اليكس كينان الذي بعد ذلك أصبح مؤسس المعهد البيولوجي في نستسيونا. وقد أشرف على هذه المهمة العلمية الأخوان كتسلسكي (كتسير): البيوفيزيائي افرايم كتسير، القائد الأول لسلاح العلوم، الذي بعد ذلك فاز بجائزة إسرائيل، وكان الرئيس الرابع للدولة. وشقيقه البكر العالم أهارون كتسير، رجل معهد وايزمن، الذي قتل في 1972 في العملية التي وقعت في مطار اللد. “في العملية شارك أيضًا عدد من المساعدين الذين أصبحوا بعد ذلك بروفيسورات في سلك الأكاديميا”، قال موريس.

على الرغم من أن الكشف عن الوثائق التي تدلل على العملية وعلى المشاركين فيها ، فإن أمر تنفيذ العملية لم يتم كشفه حتى الآن، وأيضاً المعلومات عن شراء أو إنتاج السلاح البيولوجي.

العملية ذكرتنا بخطة مجموعة “المنتقمين” برئاسة آبا كوبنر، التي أرادت بعد الحرب العالمية الثانية تسميم مصادر المياه والغذاء في ألمانيا من أجل التسبب بالقتل الجماعي. ايضًا في هذه العملية شارك الأخوان كتسير اللذان وفرا السم لكوبنر. ولكن في نهاية المطاف قام هو نفسه برميه في البحر قبل اعتقاله من قبل البريطانيين.

موريس وكيدار يعتقدان أن القصد من عملية الجيش الاسرائيلي لم يكن التسبب بالقتل الجماعي للعرب، بل التشويش على نشاطاتهم في الحرب. في نهاية المطاف العملية لم تغيّر وجه الحرب. وحسب تقارير مختلفة من مصادر عربية فإن بضع عشرات من العرب أصيبوا بالأمراض، لا سيما في عكا. العملية أثارت انتقاداً لاذعاً داخل المنظومة، سواء في الجيش أو في قيادة اليشوف، ضمن أمور أخرى، بسبب أنها مخالفة لميثاق جنيف من العام 1925 الذي يمنع استخدام “الحرب الجرثومية”.

وعلى الرغم من أن الكشف عن الوثائق التي تدلل على العملية وعلى المشاركين فيها فإن أمر تنفيذ العملية لم يتم كشفه حتى الآن، وأيضاً المعلومات عن شراء أو إنتاج السلاح البيولوجي. بعض الوثائق في أرشيف حرب الاستقلال ما زالت سرية، والتقدير هو أنه لن يتم قريباً كشف تفاصيل رسمية أخرى عنها.

النار في الضفة تصل القدس… هل نحن في المحطة الأخيرة؟

بقلم: عاموس هرئيل

الدلائل المؤشرة والتي تنذر بالسوء تواصل التراكم. نحن في ذروة سلسلة الأحداث الأكثر صعوبة التي نتذكرها في الضفة الغربية منذ شبه انتفاضة عمليات الطعن والدهس التي بدأت في خريف 2015 وخبت في ربيع 2016. العنف الذي اندلع في شهر آذار الماضي والذي كان يبدو أنه تم وقفه في أشهر الصيف عاد مرة أخرى إلى الاشتعال. ورغم تصميم الجيش الإسرائيلي على أن هذه الظاهرة تقتصر على شمال الضفة ومحيط جنين ونابلس إلا أنه يظهر الآن حدوث انزلاق إلى مناطق أخرى.

مؤخرًا يبدو أن شرقي القدس أيضًا يشتعل. هناك خطر من أن الأحداث ستنزلق مرة أخرى إلى حدود الخط الأخضر إلى درجة حدوث مواجهات محتملة في المدن المختلطة. البشرى السارة الوحيدة هي أن قطاع غزة ما زال يراقب الأحداث عن كثب. التوتر في القدس ازداد منذ موت الجندية نوعا لازار، الجندية من كتيبة المعابر التي قتلت في عملية إطلاق النار على حاجز شعفاط مساء السبت الماضي. مطلق النار الفلسطيني، عدي التميمي، هرب من المكان بعد أن أطلق الرصاص من مسافة قريبة على الجندية وعلى حارس مدني أصيب إصابة بالغة. منذ ذلك الحين تحدث عملية مطاردة واسعة له التي في إطارها تم فصل مخيم اللاجئين الكبير في شمال القدس عن العالم الخارجي.

قنبلة موقوتة

من المرجح أن “الشاباك” سيعثر على التميمي، لكن في هذه الأثناء القنبلة الموقوتة ما زالت موجودة في الأحياء الفلسطينية في شرق وشمال المدينة. دليل أول على ذلك سجل بالأمس، رصاص أطلق على قوة لحرس الحدود على حاجز قلندية؛ تصادف وجود عائلة يهودية في سيارتها وجمهور غاضب في بيت حنينا وتم إنقاذها بصعوبة، حيث تهشم زجاج السيارة؛ رجال شرطة وسيارات شرطة رشقت بالحجارة وألقيت عليها الزجاجات الحارقة وعشرات المشبوهين بالتورط في أعمال الشغب تم اعتقالهم.

المواجهات الليلية جاءت في نهاية يوم من الإضراب العام الذي أعلن عنه في شرقي المدينة. أفيف سترسكي، العضو في جمعية “عير عاميم” الذي يتابع منذ سنوات الأحداث في القدس يعتقد أن الإضراب يعكس محاولة للانتقال من المظاهرات العنيفة وأعمال إطلاق النار إلى احتجاج شعبي أوسع، مع توسع ساحة الأحداث من الضفة إلى القدس. حسب رأيه، هذا التوجه يضع تحدياً مزدوجاً أمام القوات الإسرائيلية. أولاً، القمع بالقوة لاحتجاج واسع خلافاً لمواجهة مع عدد محدود من المشاغبين، يمكن أن يؤدي إلى اشتداد المواجهات. ثانياً، في القدس لا توجد امكانية فعلية لعزل المواجهات، لذلك فإن هذه المواجهات ستنزلق أيضاً إلى الأحياء اليهودية.

وزير الأمن الداخلي، عومر بارليف، أمر الشرطة بتخفيف التدقيق على من يخرجون من مخيم شعفاط نحو رام الله، التي أدت هناك الى اختناقات شديدة مؤخراً. في نفس الوقت تقرر تعزيز قوات الشرطة في القدس وتجنيد أربعة فصائل احتياط من حرس الحدود الذين سيتم وضعهم في حالة تأهب إذا حدثت أعمال عنف داخل الخط الأخضر. في نهاية الأسبوع يتم التخطيط للقيام بإجراء مظاهرات احتجاج أولى في الوسط العربي في اسرائيل. في تشاور أمني جرى عند رئيس الحكومة يئير لبيد قيل إن حماس والجهاد تحاولان تسخين الأجواء في الحرم بواسطة نشر أخبار كاذبة عن خطوات تقوم بها إسرائيل في الحرم.

خطأ كبير… وتنظيم جديد خطير

استخدام قوة أمام احتجاج فلسطيني أثناء الصلاة سيكون خطأ كبيراً يمكن أن يتدهور الوضع أكثر.

لكن هناك خطوة قامت بها إسرائيل حقاً، قال تريتسكي، وهي فرض قيود على دخول المصلين المسلمين إلى الحرم، الأمر الذي يثير الهيجان في شرقي القدس، خاصة بالمقارنة مع الوجود اليهودي المتزايد في الحرم في عيد العرش. جميع هذه التوترات يمكن أن تظهر الجمعة في وقت الصلاة في المسجد الأقصى. “استخدام قوة أمام احتجاج فلسطيني أثناء الصلاة سيكون خطأ كبيراً يمكن أن يتدهور الوضع أكثر”، حذر. صلاة أخرى لليهود عند قبر يوسف في نابلس مرت ليلة أمس بهدوء نسبي. الجيش قام بتقييد عدد الداخلين بعد تردد، لكنه تجنب في النهاية إلغاء الدخول إلى المدينة رغم تزايد التوتر. نحو الحافلة أطلق النار، ولكن لم يكن هناك أي مصابين، وظهر وجود جهود تبذلها الأجهزة الفلسطينية لمنع احتكاك أكبر.

نابلس تعكس حالة مثيرة للاهتمام. ففي الوقت الذي ظهر فيه أن السلطة تنازلت كلياً عن محاولة السيطرة على جنين فإنها إلى الجنوب من هناك تدير معركة ضد أمام تنظيم محلي جديد هو “عرين الأسود”. النشطاء الشباب الذين جاءوا من القرى القريبة من المدينة وتمركزوا في قصبة نابلس القديمة يراكمون لأنفسهم نجاحات ومؤيدين. في يوم الثلاثاء الماضي أعلنوا المسؤولية عن إطلاق النار الذي قتل بسببه جندي من جفعاتي، الرقيب الاول عيدو باروخ، أثناء القيام بتأمين مسيرة للمستوطنين قرب شفيه شومرون.

على الأقل 4 أعضاء من التنظيم قتلوا وأصيب عشرة في مواجهات مع الجيش في الأشهر الأخيرة. بعض النشطاء تم اعتقالهم من قبل إسرائيل والسلطة. “هذا لا يعتبر تنظيم وبحق، بل هو أكثر حركة شبابية بحوزتها سلاح”، قال ضابط رفيع في الجيش. “لا توجد أي هرمية أو توجيه من الخارج، بل بضع عشرات من الشباب في أعمار 18 فما فوق وعينهم على “تيك توك”، حيث يفحصون طوال الوقت مدى تأييد الجمهور الذي يحصلون عليه”. التعاطف كبير جداً معهم لأن هذه المجموعة تبني بشكل ثابت صورتها في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام الفلسطينية. بعد موت الجندي يمكن التقدير بأن إسرائيل ستركز جهودها الاستخبارية وعملياتها أكثر في نابلس، إضافة الى الاعتقالات التي تحدث تقريباً كل ليلة في جنين.

انتفاضة ثالثة؟

النقاش في مسألة هل الحديث يدور عن انتفاضة ثالثة هو رمزي أكثر مما هو عملي. في الواقع أحداث إطلاق النار تحدث كل يوم، ثلاثة جنود ومواطنة إسرائيلية قتلوا في الشهر الماضي (الإسرائيلية قتلت في حولون على يد عامل فلسطيني) وإضافة إلى ذلك قتل عشرات الفلسطينيين. هذا جدول أعمال مختلف، مكتظ وخطير، ومن المرجح أنه في نهاية المطاف سيكون له تأثير على خطوات المستوى السياسي، بالتأكيد إزاء الانتخابات القريبة.

رئيس الليكود بنيامين نتنياهو يحاول أن يملي الرواية على جهاز الأمن حتى الآن بدون نجاح. فهو يجد نفسه وبشكل نادر، يطارد خطوات لبيد. ولكن الآن ربما أنه سنحت له الفرصة. إذا تمكن نتنياهو من أن يركز مرة أخرى النقاش على مسألة الأمن الشخصي للمواطنين فإن الائتلاف يمكن أن يجد نفسه في مأزق. هذا يمكن أن يحدث بالأساس إذا عاد الإرهاب إلى داخل حدود الخط الأخضر.

——————————————

اليوم الذي ستجبر فيه الولايات المتحدة إسرائيل على الانسحاب من أراضي الضفة ليس بعيدًا

بقلم: شاؤول مشال

لن يكون اليوم الذي تشرع فيه الولايات المتحدة في إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل بعيدًا، وهذا سينتهي بتسوية قسرية تعني انسحابًا إسرائيليًا من أراضي الضفة الغربية. لم يعد تأييد إسرائيل في الأوساط السياسية الأمريكية كما كان عليه من قبل، فالتعاطف معها بين الشباب آخذ في التراجع، والتعاطف مع الفلسطينيين آخذ في الازدياد. إن الانجراف في الموقف الأمريكي يتجلى بوضوح في مواقف الإدارة من أنشطة إسرائيل العسكرية والسياسية بين السكان الفلسطينيين في المناطق.

وعلى الأرجح، فإن الجهد الأمريكي والغربي للتوصل إلى اتفاق مع إيران يعيدها إلى أسرة الأمم مع إلغاء العقوبات المفروضة عليها التي ستنتهي – عاجلًا أم آجلًا – بمثل هذا الاتفاق. ويبدو ان الاتفاقية، من وجهة نظر أمريكية، يجب أن تُحدث تغييرًا استراتيجيًا في موقف الولايات المتحدة بالمنطقة، وأن تُحدث تحولًا في علاقاتها مع إيران والدول العربية الموالية للغرب. يُمكن التعبير عن التحول في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بالاستعداد الأمريكي للشراكة مع إيران في اتفاق تكون فيه الولايات المتحدة قادرة على إجبار إسرائيل على الانسحاب من أراضي الضفة الغربية. إن تهديد إسرائيل من أجل فرض تسوية ليس غريبًا على الولايات المتحدة. حدث هذا في عام 1957 بعد احتلال إسرائيل لسيناء، عندما طُلب منها الانسحاب خلال فترة وجيزة، وكذلك بعد حرب عام 1973، عندما هدد هنري كيسنجر بإعادة تقييم العلاقات الأمريكية معها.

إن الفحص الدقيق للعلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين يكاد لا يترك أيّ إمكانية للتوصل إلى تسوية ثنائية يقبلها الطرفين على أنها تسوية دائمة؛ فكلاهما يرفض التخلي عن معتقداته الإقليمية الأساسية، ويرى كل طرف أرض إسرائيل/ فلسطين كوطن تاريخي له. بمرور الوقت، أصبحت المعسكرات المتطرفة أقوى، وبالتالي أصبحت فرصة التسوية مستحيلة. في إسرائيل، في السنوات الأخيرة، اكتسب المعسكر اليميني – الذي يميل إلى ضم الأراضي ويعارض أيّ حل ينطوي على انسحاب إسرائيلي – قوة، بينما في الجانب الفلسطيني، فإن صانعي النغمة هم الشباب الذين يعارضون أيّ تسوية إقليمية و يختلفون مع موقف السلطة الفلسطينية وموقف حماس؛ يُنظر إلى المنظمتين على أنهما على استعداد للتوصل إلى تسويات سياسية مع إسرائيل. لذلك، لا تبدو التسوية الثنائية احتمالًا واقعيًا على الإطلاق. وبقدر ما يُنظر إلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على أنه قضية حاسمة من قِبل كل من الأمريكيين والإيرانيين والعالم العربي، فإن التسوية القسرية التي تعني انسحاب إسرائيل من المناطق تصبح جذابة في نظرهم.

من غير المُحتمل أن يؤدي مثل هذا الحل القسري إلى الحل السائد في الأوساط اليسارية في إسرائيل والغرب، القائم على دولتين جنبًا إلى جنب. وهذا يعيدنا إلى حل ثنائي غير مقبول للأوساط المتطرفة في إسرائيل وبين الفلسطينيين. كتسوية بديلة يمكن تصور حلول متعددة الأطراف على غرار إسرائيل والأردن وفلسطين، وعلى المدى الطويل إقامة تحالف بين إسرائيل وإيران بالتعاون مع السعودية ودول الخليج.

الرأي السائد في إسرائيل والدول الغربية هو أن إيران والسعودية ودول الخليج في صراع كامل؛ لعبة محصلتها صفر، ممّا يعني أن انتصار طرف هو هزيمة كاملة للطرف الآخر. العلاقات بينهما ليست ثابتة؛ بل على أساس المصالح المتغيرة على غرار عدو اليوم حليف الغد.

النزاعات التي طال أمدها، والتي يُنظر إليها على أنها لا حل لها وتستند إلى نهج ثنائي، تنتهي بعملية تؤدي إلى حلول متعددة الأطراف.

—————————————–

أيهما هو القاتل الحقير؟… نقاش أخلاقي

بقلم: جدعون ليفي

هل عدي التميمي، الجندي الفلسطيني المتهم بقتل الجندية نوعا لازار على حاجز شعفاط هو وبحق “قاتل حقير”، حسب تعبير رئيس الحكومة يئير لبيد؟ هل لازار، جندية معابر (ما هذا)، قتلت مثلما تنشر معظم وسائل الإعلام؟ عندما تنقص الذخيرة في آلة غسل الأدمغة فهي تخترع لنفسها مفاهيم لا أساس لها من أجل تعزيز حججها الضعيفة. “قاتل”، يطلقون على معارض عنيف للاحتلال، يقوم بقتل جندية حواجز (“قاتل حقير” وكأنه يوجد قاتل غير حقير). “جندية معابر”، وكأن أعمال الشرطة على حاجز ابرتهايد غير شرعي في داخل القدس هو قتال؛ “قتل”، وكأن الاحتلال يجب أن يمر بدون مقاومة، وأي استثناء عنيف من هذا النظام يتحول على الفور إلى عملية قتل، بل وحقيرة.

“ذات يوم كان هناك جنود يُقتلون. الآن هم يُقتلون بشكل متعمد”. الحجة ضعيفة، لقد رفعوا الصوت.

التميمي هو جندي في تنظيم سري يناضل ضد الاحتلال بطريقة عنيفة ووحشية. إضافة الى ذلك، للأسف هو من أطلق النار على عدد من الجنود في الحاجز وقتل جندية كانت تحاصر مخيم اللاجئين الذي ازدادت فيه الفظائع. هو قتل لازار لأنها جندية حواجز، حواجز تسقط أبناء شعبه وتنغص حياتهم. عندما انفجرت شاحنة مليئة بالمواد المتفجرة فوق الجسر الذي يربط روسيا وشبه جزيرة القرم المحتلة، وقتل 3 أبرياء في هذا الانفجار، فإن العالم وفي إسرائيل أيضاً صفقوا لمن قاموا بالتفجير. باستثناء الدعاية الروسية لم يطلق أي أحد على منفذي التفجير صفة “قتلة حقيرين”. المقاومة العنيفة للاحتلال الإسرائيلي هي شيء آخر. خلافاً لكل مقاومة أخرى تعتبر نبيلة وبطولية فهي غير شرعية. لماذا؟ لأن المحتل هو نحن.

الحزن على موت لازار، الفتاة – الجندية ابنة الـ 18، هو إنساني ومفهوم، حتى لو امتد في وسائل الإعلام لأيام طويلة. قبل يوم من قتلها قتل فتى أصغر منها، 14 سنة، هو عادل داود. عادل كان يجلس على أنبوب مياه مع أصدقائه قرب الجدار في قلقيلية. جندي إسرائيلي أطلق النار على رأسه وقتله من بعيد. في الجيش قالوا بأن الفتى قام بإلقاء زجاجة حارقة. وهناك شك في حدوث ذلك. ولكن على أي حال هو لم يعرض للخطر حياة الجنود الذين اختبأوا في كمين بين أشجار الزيتون على بعد عشرات الأمتار منه. هل الجندي الذي قتل الفتى، حتى لو ظهر أمامه كطفل، ليس “قاتلاً حقيراً”؟ لماذا لا؟ لأنه جندي إسرائيلي؟ لأنه يهودي؟ بماذا هو يقل حقارة عن التميمي، ابن عائلة اللاجئين الذي ولد وترعرع داخل الابرتايد وحاول مقاومته بالسلاح؟

هذه الأسئلة محزنة ومقلقة. وهي محزنة أكثر إزاء الطريقة التي قامت فيها إسرائيل بالحداد على لازار وتجاهلت بشكل مطلق قتل داود، رغم الفترة القصيرة بين الحادثين. الحديث لا يدور عن نقاش دلالي، بل عن نقاش أخلاقي. لماذا جندية الحواجز هي هدف غير شرعي في حين أن الفتى ابن الـ 14، حتى لو كان يحمل زجاجة حارقة، يستحق الموت. وباختصار، لماذا الجندي الذي قام بقنص الفتى وفجّر دماغه هو بطل في حين أن التميمي “قاتل حقير”؟

الجواب يكمن فقط في الانتماء القومي. لا يوجد أي شيء أكثر أخلاقية في قتل فتى على الجدار من قتل جندية على الحاجز. كلاهما وحشي، كلاهما يتسبب بكوارث فظيعة، ضدهما يجب النضال من أجل منعهما. ولكن عندما يضخم جهاز الدعاية وصف جريمة عمل ما ويتجاهل كلياً عمل آخر وحتى يعتبر من نفذه بطلاً، فعندها جهاز المناعة يكون مريضاً ومنظومة الأخلاق تكون مشوهة.

يجب البكاء على القتيلين، على داود ابن الـ 14 وعلى لازار ابنة الـ 18، كلاهما ضحية لواقع إجرامي وغير أخلاقي بصورة واضحة. من المفهوم ومن الطبيعي أن يحزنوا في إسرائيل أكثر على لازار، فهي منا. ولكن بين الحزن الطبيعي والعمى الأخلاقي يجب أن يمر خط واضح: إذا كان المقاتل الفلسطيني الذي أطلق النار على مجموعة من الجنود وقتل الجندية هو قاتل حقير، فإن الجندي الذي صوب بندقيته وأطلق النار على رأس الفتى هو قاتل حقير بدرجة لا تقل عن ذلك.

لعبة إردوغان بين بوتين وبايدن

محمد السماك

يقف حلف شمال الأطلسي (الولايات المتحدة والدول الأوروبية) والاتحاد الروسي قاب قوسين أو أدنى من المجابهة العسكرية المباشرة انطلاقاً من أوكرانيا. وبدأ الطرفان التدريبات على استخدام السلاح النووي، وذلك للمرّة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وحدها تركيا، وهي عضو في الحلف الأطلسي وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات تعاون وثيقة مع الكرملين، تقوم بدورين متناقضين: تصدير القمح والحبوب الأوكرانية إلى الأسواق العالمية، والاستعداد لتصدير الغاز الروسي إلى دول أوروبا الغربية، خاصة بعدما توقّف الضخّ برّاً (عبر أوكرانيا)، وبحراً (عبر البلطيق) إلى ألمانيا.

كان سحب الصواريخ النووية الأميركية من تركيا في الستّينيّات من القرن الماضي أساساً في التسوية الأميركية السوفييتية (بين الرئيسين السابقين جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف)، وهي التسوية التي أدّت إلى موافقة الكرملين على سحب صواريخه من كوبا، والتي أنقذت العالم من الحرب النووية.

وحدها تركيا، وهي عضو في الحلف الأطلسي وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات تعاون وثيقة مع الكرملين، تقوم بدورين متناقضين

تركيا تحافظ على ثقة الأطلسي وروسيا

اليوم لم تعُد توجد أسلحة نووية أميركية في تركيا. فيها صواريخ سوفييتية الصنع من نوع “س.س. 50” لتعزيز قدرات الجيش التركي، أحد أكبر جيوش دول الحلف الأطلسي عدداً. وهذا يعني أنّ السلاح الروسي في تركيا لم يؤثّر على عضويّتها في الحلف. وهو يعني أيضاً أنّ التسهيلات التركية لتصدير الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق العالمية لم تفقدها ثقة الكرملين حتى إنّ الرئيس فلاديمير بوتين لم يتردّد في الموافقة على أن يجعل من تركيا (العضو في الحلف الأطلسي) مركزاً لتصدير الغاز الروسي الى أوروبا.

مع ذلك يتردّد السؤال التالي: هل بدأ العدّ العكسي لانسحاب تركيا من الحلف؟

يطرح هذا السؤال أمرين:

ـ الأمر الأوّل عسكري، وهو شراء تركيا منظومة صواريخ من نوع “س.س. 50” من روسيا. فكيف تبيع روسيا أسلحة حديثة ومتطوّرة لدولة عضو في حلف عسكري معادٍ لها ويحاول تطويقها وقام في الأساس لمواجهتها؟ ثمّ ما معنى امتناع تركيا عن المشاركة في المناورات العسكرية التي تجريها قيادة أركان الحلف؟ وما معنى انسحابها وهي الدولة التي تضع في تصرّف الحلف أكبر عدد من الجنود في مناورات عسكرية مشتركة؟

ـ أمّا الأمر الثاني فهو سياسيّ. فالعلاقات التركية – الأميركية تمرّ في أسوأ مراحلها منذ عهد دونالد ترامب (الجمهوري)، إلى عهد جو بايدن (الديمقراطي)، حتى إنّ الإعلام التركي الموالي للرئيس رجب طيب إردوغان خرج مراراً من التلميح إلى التصريح في توجيه الاتّهامات إلى الولايات المتحدة بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة التي استهدفت الرئيس إردوغان وحكومته. أمّا العلاقات بين الرئيس إردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين فتمرّ في شهر عسل طويل ومستمرّ بعدما تجاوزت موسكو وأنقرة تداعيات إسقاط الطائرة الحربية الروسية بصاروخ تركي في سماء سوريا. ثمّ جاء مؤتمر سوتشي حول سوريا ليفتح صفحة جديدة من الودّ والتعاون بين روسيا وتركيا.

يوظّف الرئيس إردوغان الموقع الجغرافي لتركيا ليلعب الدور الذي يلعبه بالفعل، حتى أصبح وسيطاً بين بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

تحولات تركية والسبب رفض انضمامها للاتحاد الاوروبي

من هنا السؤال: ماذا وراء هذه التحوّلات التركية ذات الأبعاد الاستراتيجية عسكرياً وسياسياً؟ للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من الإشارة إلى الموقف السلبي للاتحاد الأوروبي من طلب انضمام تركيا إلى الاتحاد الذي قُدّم للمرّة الأولى في عام 1987. فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على هذا الطلب، لا يزال الاتحاد يماطل ويختلق الأسباب والأعذار لتأجيل بتّه. شعرت تركيا بالإهانة، وعبّرت عن هذا الشعور بتصريحات علنيّة حاولت بعض الدول الأوروبية احتواءها. ولكن طفح الكيل التركي عندما فتح الاتحاد أبوابه أمام دول صغيرة وتشكّل عبئاً عليه مثل سلوفاكيا ولاتفيا وأستونيا، وتشكل عبئاً عسكرياً على حلف شمال الأطلسي. أدّى هذا الموقف الأوروبي بما يتّسم به من تمييز ضدّ تركيا إلى إضعاف القوى المدنية “المتأوربة” في تركيا تحت عباءة الرئيس المؤسّس لتركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. وبإضعافها انتفخت عضلات القوى الإسلامية في مناطق الأناضول المتشدّدة تحت عباءة الكرامة الوطنية التي تتعرّض للامتهان الأوروبي.

في عام 2003 عندما انتخب الأتراك الرئيس إردوغان للمرّة الأولى، كان انتخابه في ذلك الوقت تعبيراً عن هذه المشاعر، وعن الرغبة في الانتصار للكرامة التركية ولهويّتها الإسلامية التي تتعرّض للإساءة.

مع ذلك، ليس قرار التخلّي عن أوروبا (الاتحاد والحلف) قراراً سهلاً. وفي الأساس لا يوجد قرار من هذا النوع. ذلك أنّ المضاعفات السلبية له تُلحق أذى كبيراً بتركيا سياسياً وأمنياً واقتصادياً على حدّ سواء. ولذلك كان لا بد من الاستعانة بقوة مضادّة للمحافظة على التوازن العسكري والاقتصادي، فكان التفاهم مع روسيا. ويقوم هذا التفاهم على أساس أنّ روسيا نفسها تعاني ما تعانيه تركيا أيضاً، وهو تعامل الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي معها بغطرسة وفوقيّة. فخلافاً للوعود التي أغدقها الأوروبيون والأميركيون معاً على الرئيس الروسي السابق ميخائيل غورباتشوف بعدم توسيع الحلف الأطسي شرقاً، بالغ الحلف في التوسّع حتى وصل إلى حدود روسيا ذاتها بعدما ضمّ إليه مجموعة دول حلف وارسو القديم الذي كان الندّ للحلف الأطلسي، ووصل حتى أوكرانيا التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق.

فوقية الاطلسي والاوروبي تجمع تركيا وروسيا

وعندما جرى انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين للمرّة الأولى في عام 2000، هدّد الحلفُ بمواصلة التوسّع شرقاً. لذلك لم يجد بوتين بدّاً من الردّ، من غير تهديد أو حتى إنذار، بإعادة احتلال شبه جزيرة القرم التي تعتبرها أوكرانيا جزءاً منها، علماً أنّ القرم كانت جزءاً من روسيا من عام 1783 حتى عام 1954. وقد أيّد الرئيس غورباتشوف قبل وفاته أخيراً مبادرة بوتين على الرغم من أنّ الأوّل يُعتبر صديقاً لأوروبا وللولايات المتحدة معاً.

لقد ذهب الرئيس بوتين في ردّ فعله على الغطرسة الفوقيّة التي يعامله بها الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي إلى التدخّل العسكري المباشر في سوريا حيث أقام لروسيا قواعد عسكرية جوّية وبحريّة ستبقى هناك لمدّة طويلة، ثمّ كانت العملية العسكرية لضمّ أجزاء من شرق أوكرانيا إلى الاتّحاد الروسي، الأمر الذي دفع العالم إلى شفير حرب نووية إذا انفجرت لن تُبقي ولن تذر.

يوظّف الرئيس إردوغان الموقع الجغرافي لتركيا ليلعب الدور الذي يلعبه بالفعل، حتى أصبح وسيطاً بين بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. أمّا نتائج الوساطة فأمر آخر. إنّها تتوقّف على المتغيّرات في لعبة الأمم الجديدة.

أميركا والحرب، إلى أين؟

منير شفيق 

جاء الردّ الروسي في قصف كييف، يوم الاثنين 10 تشرين الأول، حكيماً. وذلك حين لم يلجأ إلى النووي مقابل ما وجّهت له من ضربات عسكرية مؤلمة، ولا سيما التفجير الذي تعرّض له جسر كيرتش الرابط بين القرم والبرّ الروسي. وهو ردّ يعدّ من الناحية العسكرية «خفيفاً»، قياساً، مثلاً، بالقصف التمهيدي الذي تعرّض له العراق من الولايات المتحدة الأميركية، سواء كان عام 1991، أو كان عام 2003، أو إذا قورن بقصف بيروت عام 1982 من الكيان الصهيوني، مدعوماً ومباركاً من أميركا.

طبعاً ثارت ضجة عالمية على القصف الروسي لكييف بثمانين صاروخاً. وعدّه الرئيس الأميركي جو بايدن قصفاً وحشياً فظيعاً. وهو في حقيقته ما زال ضمن الاستراتيجية الروسية المتحفّظة إزاء المدنيين، والبنى التحتية. وسوف يصدق المعلق العسكري لو اتهم تلك الاستراتيجية بأنها مقيّدة، طوال ثمانية أشهر، بمراعاة المدنيين، وتقاتل نصف قتال، ونصف حرب. ولعل هذا ما عناه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أحد تصريحاته، حين قال «إن الجدّ لم يبدأ بعد» ويقصد الحرب في أوكرانيا.

لا شك في أن أميركا و«الأطلسي» يعرفان ذلك، وقبلهما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ولكن هذه المعرفة لم تمنع من شدّ النكير على روسيا، والإلقاء بكل الثقل العسكري الممكن في دعم الجيش الأوكراني، وتشجيعه على المضيّ بالحرب إلى منتهاها. أي تحقيق هدف إنزال هزيمة عسكرية مذلّة ببوتين، وبالجيش الروسي. ثم الانتقال لفتح جبهة الصين.

عندما تجعل أميركا والغرب هدف الحرب في أوكرانيا إنزال الهزيمة ببوتين وروسيا، فإنهما ذاهبان إلى التصعيد فالتصعيد، وصولاً إلى النووي. وذلك إذا لم يستطع بوتين أن يردعهما بالأسلحة التقليدية. وهو لم ينزل بكل ثقله بعد، والدليل هو الانتقال إلى ما يشبه الجدّ، بتوجيه 80 صاروخاً في يوم واحد إلى كييف، ثم ما تلاه من قصف أخذ يشتدّ، ليشمل عدة مدن أخرى.

توعّد بايدن، في ردّه على الضربات الروسية، بأن يصعّد بتسليح الجيش الأوكراني بأرقى الأسلحة المضادة للطائرات والصواريخ، وبمزيد من أسلحة الهجوم التكتيكي. وقد فعلت ألمانيا وبريطانيا مثله. وهذا يعني باختصار أن أميركا «راكبة رأسها» وتريد أن تذهب إلى الحسم.

وأرفق بايدن هذا التصعيد بالضغط على الصين من خلال الشركة التايوانية «تي.إس.إم»، المنتج الأكبر للرقائق الإلكترونية، التي ستوقف تصديرها إلى الصين. وذلك تجاوباً مع الشروط الأميركية ضدّ الشركات التي لا تستجيب لوقف الإتجار مع الصين. وهذا يعني، باختصار، أن أميركا «راكبة رأسها»، أيضاً، ضدّ الصين، وذاهبة إلى الحسم معها، غير منتظرة حتى نهاية الحرب مع روسيا.

العالم كلّه أمام تهديد حقيقي لا يخرج منه منتصر ومهزوم

وهنا يجب أن يُلحظ أن أميركا أخذت تُصعّد ضدّ إيران، أيضاً، سواء من ناحية زيادة العقوبات، أو السعي لحشد عالمي، للتدخل في الشأن الداخلي الإيراني، عبر استغلال قضية مهسا أميني.

إن الظاهرة اللافتة في هذا التأجيج المؤدي إلى الحرب العالمية، إذا لم يوقف، تتمثل في السلوك الشعبي والنخبوي الغربي، اللذين لا يُعليان صوت الاحتجاج، ضد السياسات الأميركية، التي تتهدّد العالم بحربٍ لا تبقي ولا تذر. لأن من غير الممكن لأميركا أن تحقق أهدافها ضدّ الصين وروسيا من خلال العقوبات، وحروب تقليدية فقط. والدليل استمرار أميركا وأوروبا في صبّ الزيت على النار في أوكرانيا، كما المضيّ في استفزاز الصين، ودفعها لاحتلال تايوان. وهذا ما فعلته مع روسيا في أوكرانيا. وذلك حين راحت تسلّح أوكرانيا وتدرّب جيشها إلى مستويات تهدّد الأمن القومي الروسي، ما فرض على بوتين التدخل لوضع حدّ له بعمليات عسكرية. وقد يئس من أن يُستجاب لكل محاولاته تحييد أوكرانيا بوقف هذا التهديد الذي لا يستطيع السكوت عنه. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أنها حرب أميركية، فما إن اندلعت حتى راحت تؤجّجها.

وهذا بالضبط ما تفعله مع الصين في تايوان، من خلال الزيارات التي قام بها أعضاء من الكونغرس، وإجراء عدد من المناورات العسكرية، فضلاً عن مشكلة منع وصول الرقائق إليها، ما يدفع الصين دفعاً إلى الحرب. هذان المساران، إذا استمرت أميركا على مواصلتهما، كما تفعل الآن، فإن الحرب التي تبدأ دون سقف النووي، قد تخترق هذا السقف. ولا أحد في العالم يمكنه ألّا يأخذ هذا الاحتمال في الحسبان.

وهنا ثمّة سؤال كبير، كيف لا يُصار إلى التحرك الشعبي والنخبوي، في الغرب أولاً، لاستنكار هذه السياسات الأميركية – الأوروبية (بريطانيا وألمانيا أساساً). صحيح أن الشعوب الغربية في السابق، ولمّا تزل، تدعم دولها في الحروب التي تخوضها. وصحيح أن الأصوات المحتجة، ضد سياسات الحرب، كانت في الغالب، مهمّشة. ولكن كانت ذات تأثير ما. وأحياناً كانت تربك سياسات الحرب، وخصوصاً في مرحلة الحرب الباردة، وفي الخمسينيات من القرن العشرين، في أخصّ الخصوص. وصحيح أن الشكل الذي اتخذته الحرب الأوكرانية بدا كأن السبب والمعتدي هو روسيا، وكأن الشعب الأوكراني هو المظلوم. ولكن ثمانية أشهر من الحرب، أثبتت، بدلائل لا تدحض، أن أميركا و«الناتو» يريدان الحرب حتى الحسم، وكذلك بالنسبة إلى الصين، التي راحت أميركا تدفعها دفعاً لغزو تايوان.

من هنا، يقف العالم كله أمام تهديد حقيقي لا يخرج منه منتصر ومهزوم. ولا خيار إلّا بالتنبّه إليه جيداً، وعدم حمل أيّ أوهام حوله. فأميركا في محاولتها الانتصار على روسيا تسرع بالوصول إلى المواجهة النووية، وكذلك في محاولتها الانتصار على الصين، ستدفع بالصراع إلى الحرب النووية. ومع ذلك، أميركا مصرّة على الانتصار في الجبهتين. وهذا الإصرار سيقود، إن لم يتوقف، إلى الكارثة العالمية، حيث لات ساعة مندم، أو تراجُع، الأمر الذي يوجب التحرك ورفع الصوت في الداخل الأميركي والأوروبي، أولاً، كما في كل العالم.

انتخابات التجديد النصفي الأميركية… الاتجاهات والتداعيات المحتملة

قضايا

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

تجري انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، وتشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إضافة إلى 35 من مقاعد مجلس الشيوخ البالغ عددها 100 مقعد، وحكّام 36 ولاية من أصل 50 ولاية. ويتنافس الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، على الحصول على الأغلبية في الكونغرس، بمجلسيه؛ النواب والشيوخ. ويتنافسان، أيضًا، على الظفر بمزيد من الولايات. ويسيطر الديمقراطيون حاليًّا على مجلس النواب بأغلبية بسيطة لا تتجاوز تسعة مقاعد، في حين يقتسمون مع الجمهوريين مجلس الشيوخ مناصفة (50+50)، مع صوت نائبة الرئيس، كاميلا هاريس، مرجحًا. أما على مستوى الولايات، فتوجد 28 ولاية يحكمها حاكم جمهوري، و22 ولاية يحكمها حاكم ديمقراطي. وفي بعض الولايات، يقتسم الحزبان السيطرة على منصب حاكم الولاية والأغلبية في المجلس التشريعي الخاص بالولاية. وترجّح استطلاعات الرأي تفوّقًا للحزب الجمهوري في انتخابات مجلس النواب والولايات، في حين تنقسم الآراء بشأن السيطرة على مجلس الشيوخ.

انتخابات مفصلية

ترجح جلُّ استطلاعات الرأي تقدّم الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة، التي يعتبرها كثيرون مفصلية في ظل الانقسام العميق السائد في المجتمع الأميركي، ويُتوقع أن تكون نسبة الإقبال فيها مرتفعة. ويُظهر تحليل أجرته صحيفة ذي واشنطن بوست أن الحركة المنبثقة من مزاعم الرئيس السابق دونالد ترامب، المتمثلة في أن انتخابات 2020 قد جرى تزويرها وسرقتها منه لمصلحة جو بايدن، أصبحت أكثر قوة وتجذرًا داخل الحزب الجمهوري، مقارنةً بما كانت عليه من قبل. ويتبنى 291 مرشحًا جمهوريًّا على المستوى الوطني تلك المزاعم، ومنهم 171 مرشّحًا يتنافسون على مقاعد جمهورية تُعد محسومة بالنسبة إليهما؛ على المستوى الفدرالي أو على مستوى الولايات، في حين يخوض 48 آخرون من المرشحين انتخابات متقاربة جدًّا. ويشير تحليل آخر لـ “Cook Political Report” إلى أن 230 مرشحًا جمهوريًّا لعضوية مجلس النواب الأميركي هم من الرافضين لنتيجة الانتخابات الرئاسية 2020، وأنّ 147 منهم مرشحون لمقاعد محسومة لمصلحتهم، و29 آخرين يخوضون سباقات تنافسية. ويوجد في مجلس النواب الحالي 139 عضوًا جمهوريًّا ممن عارضوا تصديق نتائج انتخابات 2020 التي فاز فيها بايدن، وأغلبهم يشغل مقاعد محسومة، وقد ينضم إليهم نحو 33 عضوًا آخر بعد انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر.

بناءً على ذلك، يُتوقع أن تشهد الانتخابات المقبلة مزاعم تزوير ورفض اعتراف بالنتائج على غرار ما جرى قبل عامين، إلا أن الأخطر هو تداعيات ذلك على انتخابات 2024، التي ستشمل منصب الرئاسة، ففي ضوء ترجيح استطلاعات الرأي تحقيق الجمهوريين نصرًا كبيرًا، بعد أسابيع قليلة، في الانتخابات النصفية، على الأقل في مجلس النواب، وفي بعض المناصب الحساسة في بعض الولايات المتأرجحة التي تشرف على الانتخابات، مثل أريزونا وبنسلفانيا وويسكونسن، فإن المشكّكين في شرعية الانتخابات سيكون لهم نفوذ كبير في تصديق نتائجها واختيار الرئيس المقبل، في حال التنازع عليها. إنْ حدث ذلك، ستكون الولايات المتحدة الأميركية أمام أزمة دستورية عميقة، وتقويض الثقة بالنظام الديمقراطي.

هناك من يتخوّف من أن يسعى مجلس النواب، في حال سيطرة الجمهوريين عليه، إلى محاولة عزل الرئيس بايدن، بضغط من ترامب

لا تتوقف هواجس الديمقراطيين بشأن فوزٍ جمهوري محتمل في الانتخابات المقبلة، أو التشكيك في النتائج إنْ خسر المرشّحون الجمهوريون هذه الانتخابات، بل هناك من يتخوّف من أن يسعى مجلس النواب، في حال سيطرة الجمهوريين عليه، إلى محاولة عزل الرئيس بايدن، بضغط من ترامب الذي جرى التصويت على عزله مرّتين عام 2020 في ظل الأغلبية الديمقراطية، والذي يسعى إلى “الانتقام”. ورغم أنّ الجمهوريين لن ينجحوا في خلع بايدن، حتى لو فازوا بأغلبية مجلس الشيوخ، لأن هذا الأمر يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء، فإنّه يؤسّس لفوضى كبيرة في الولايات المتحدة تؤدّي إلى اضطراب قدرة الإدارة على الحكم، داخليًّا وخارجيًّا، وستفاقم أيضًا حدة الانقسام في الطريق إلى انتخابات 2024. وقد وجد استطلاع للرأي أن 49% من الناخبين فقط يرون ضرورة أن يقبل المرشّح الذي يدعمونه بالهزيمة. وفي المقابل، يرى ذلك ثلث الجمهوريين فقط.

أهم قضايا الانتخابات

تؤكد استطلاعات الرأي أنّ قضيتَي الاقتصاد والتضخم تقعان في مقدمة أولويات الناخبين، رغم وجود تفاوتٍ بين الديمقراطيين والجمهوريين لناحية ترتيب سلّم الأولويات. ويكتسب الاقتصاد والتضخم أهمية مضاعفة في الدوائر الانتخابية التي يشتد فيها التنافس بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي؛ ففي حين يرى 59% من الناخبين على المستوى الوطني أن الاقتصاد سيحدّد الذين سيصوّتون له في الانتخابات المقبلة، ترتفع هذه النسبة إلى 67% في الدوائر الانتخابية التنافسية. وينطبق الأمر نفسه على التضخم؛ إذ ترتفع النسبة من 56% وطنيًّا إلى 64% على مستوى الدوائر الانتخابية التنافسية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن انتخابات مجلس النواب، تحديدًا، تجري على مستوى الدوائر الانتخابية، وليس على مستوى الولاية، كما هو الشأن بالنسبة إلى انتخابات مجلس الشيوخ.

يتقدّم الجمهوريون على الديمقراطيين بـ 17 نقطة في ما يتعلق بثقة الناخبين المسجلين في التعامل مع الاقتصاد، وبـ 18 نقطة في التعامل مع التضخم، وبـ 22 نقطة في التعامل مع الجريمة

ويرى ثلاثة من كل أربعة أميركيين أنّ الاقتصاد إمّا أنه “ليس جيّدًا” أو أنه “سيِّئ”. مقابل ذلك، يقول أميركي واحد من كل أربعة أميركيين إنه “جيّد” أو “ممتاز”. بناءً على ذلك، ونظرًا إلى أنّ الديمقراطيين يسيطرون على البيت الأبيض وعلى الكونغرس، تُظهر استطلاعات الرأي أنّ الجمهوريين يتقدمون على الديمقراطيين بـ 17 نقطة في ما يتعلق بثقة الناخبين المسجلين في التعامل مع الاقتصاد، وبـ 18 نقطة في التعامل مع التضخم، وبـ 22 نقطة في التعامل مع الجريمة. ومن ناحية أخرى، يتقدّم الديمقراطيون على الجمهوريين بـ 17 نقطة في التعامل مع الإجهاض، وبـ 21 نقطة في التعامل مع تغير المناخ. وبالنسبة إلى من يمثّل الاقتصاد أولويتهم الأولى في أثناء التصويت، قال 64% منهم إنهم سيصوتون للجمهوريين. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التضخم؛ إذ قال 58% ممن يرون أن التضخم هو أهم قضية لديهم إنهم سيصوتون للجمهوريين. أما من ذكروا أن الإجهاض هو قضيتهم الأولى في الانتخابات، فإن 66% منهم سيصوّتون للديمقراطيين، في حين نجد تفاوتًا بشأن أولويات قواعد الحزبَين الديمقراطي والجمهوري. وبالنسبة إلى الديمقراطيين، يأتي حق التصويت ونزاهة الانتخابات أولًا (70%)، ثم الإجهاض (63%)، ثم سياسة اقتناء الأسلحة (63%)، ثم تغير المناخ (60%). في حين، يعتبر 75% من الجمهوريين أن الاقتصاد هو القضية الأعلى في سلّم أولوياتهم، ثم التضخم (73%)، فالهجرة (65%)، فحق التصويت ونزاهة الانتخابات (64%).

اتجاهات الناخبين

غالبًا ما يُنظر إلى الانتخابات النصفية على أنها استفتاء على الحزب الحاكم؛ وهو في هذه الحالة الحزب الديمقراطي. تاريخيًّا، يخسر الحزب الحاكم الانتخابات النصفية إلّا في حالات استثنائية قليلة. ورغم أن أغلب استطلاعات الرأي تؤكّد أنّ الديمقراطيين في طريقهم إلى خسارة قاسية للانتخابات النصفية؛ من جرّاء تراجع الاقتصاد، ونسب التضخم العالية، وارتفاع أسعار الطاقة وغيرها من السلع الأساسية والكمالية، فإنّ ثمَّة عوامل جديدة برزت في الأشهر القليلة الماضية عدّلت، نوعًا ما، من تنبُّؤات المحللين المتشائمة بالنسبة إلى الديمقراطيين.

أغلب استطلاعات الرأي تؤكّد أنّ الديمقراطيين في طريقهم إلى خسارة قاسية للانتخابات النصفية

هذا لا يعني أنّ تغييرًا جذريًّا طرأ على النتائج المتوقعة لانتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر المقبلة، فلا يزال جلّها يصبّ في مصلحة الجمهوريين، وتحديدًا في مجلس النواب. لكن الاستطلاعات، منذ صيف 2022 لم تَعد تُظهر فوزًا ساحقًا لهم في مجلس النواب؛ فقد تراجعت أعداد المقاعد التي كانوا سيحصلون عليها، مع أن المرجح أنهم سيتمكنون من تشكيل أغلبية نيابية؛ ومن ثمّ تولي رئاسة المجلس. وفي ما يخص مجلس الشيوخ، تبدو الصورة أكثر ضبابية، بل إنّ عددًا متزايدًا من استطلاعات الرأي تُظهر أنّ الديمقراطيين قد يحافظون على التوازن القائم حاليًّا (50-50) مع صوت نائبة الرئيس، مرجِّحًا لمصلحتهم، في حين تتنبَّأ استطلاعات أخرى بأنّ الديمقراطيين قد ينجحون في الفوز بمقعد أو مقعدين إضافيين في المجلس.

وتتلخّص العوامل الجديدة التي قد تساهم في التقليل من وطأة خسارة للديمقراطيين في جملة تطورات أهمها:

1. قرار المحكمة العليا، بأغلبيتها المحافظة، إلغاء حقّ الإجهاض المعمول به منذ عام 1973، وتخويل كلِّ ولاية، على حدة، سلطة تشريعه، فقد استفز القرار الديمقراطيين والنساء الصغيرات السن، وخلق دافعًا لديهم للتصويت في الانتخابات المقبلة.

2. تقدّم التحقيقات النيابية حول دور الرئيس السابق ترامب في أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس، خلال كانون الثاني/ يناير 2021، في محاولة لوقف تصديق نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بايدن. أضف إلى ذلك مشكلاته القانونية المتصاعدة في نيويورك بشأن قضايا تتعلق بأعماله التجارية والتهرّب الضريبي، فضلًا عن اقتحام عناصر فدرالية مقر إقامته في مارالاغو في ولاية فلوريدا بحثًا عن مستندات سرّية نقلها من البيت الأبيض بعد مغادرته، ورفضه تسليمها. وبحسب استطلاع للرأي، تؤيد أغلبية ضئيلة من الأميركيين (52%) محاكمة الرئيس السابق بتهم ارتكاب جرائم بسبب كيفية تعامله مع وثائق سرية، أو جمع الأموال بالخداع، أو بسبب دوره في الهجوم على مبنى الكونغرس.

3. نجاح عدد كبير من المرشحين الذين دعمهم ترامب في الانتخابات الجمهورية التمهيدية، والذين يُنظر إليهم على أنهم أقل كفاءةً من المرشّحين الذين دعمتهم مؤسّسة الحزب، أو أنهم يتبنون مواقف متطرفة، أمرٌ قد لا يقبل به الناخبون في الانتخابات العامة. وقد ساهم ذلك في تعزيز حظوظ بعض المرشحين الديمقراطيين، خصوصًا لمجلس الشيوخ، كما هو الشأن في ولايات أريزونا وبنسلفانيا وأوهايو وويسكونسن وجورجيا ونيفادا ونيوهامشر. وتشير بعض استطلاعات الرأي في الولايات المتأرجحة السابقة إلى أن نسبة تأييدها بالنسبة إلى المرشحين الديمقراطيين لمجلس الشيوخ تفوق نسبة تأييد الرئيس بايدن.

4. تسجيل إدارة بايدن والديمقراطيين بعض النجاحات التشريعية الكبيرة، مثل مشروع تطوير البنى التحتية الأميركية، ومشروع خفض التضخّم، والسماح لنظام الرعاية الصحي الحكومي التفاوض مع شركات الأدوية لخفض أسعارها، إضافةً إلى تصنيع أشباه الموصلات، وتسريع الانتقال إلى اقتصاد الطاقة النظيفة، فضلًا عن إعفاءات من القروض الدراسية بالنسبة إلى بعض الطلاب، وانخفاض نسبي في أسعار الوقود.

5. نظرة بعض الناخبين المستقلين بقلق إلى عودة الجمهوريين إلى الحكم في ظل تأثير ترامب في الحزب، وهو ما يرون فيه تهديدًا لحقوقهم، وتهديدًا لقيم الديمقراطية نفسها.

6. ارتفاع التأييد الشعبي العام لبايدن، وكذلك داخل الحزب الديمقراطي. فعلى المستوى الشعبي، ارتفع التأييد لبايدن من 38% في حزيران/ يونيو 2022 إلى 44% الآن. وارتفعت نسبة من ينظرون بإيجابية إلى أدائه بين الديمقراطيين من 75%، في تموز/ يوليو 2022، إلى 87% خلال مطلع تشرين الأول/ أكتوبر. أما المستقلون، فقد ارتفعت نسبة تأييدهم له، في الإطار الزمني نفسه، من 28 في المئة إلى 39%. ومع أن هذه النسب تبقى منخفضة، فإنها أفضل كثيرًا مما كانت عليه قبل عدة أشهر. وكل ما سبق، رفع الحماسة لدى الناخبين الديمقراطيين المسجلين؛ إذ يقول ثلاثة من كل أربعة منهم إنهم سيصوّتون، على نحو شبه مؤكَّد، مقارنةً بحوالي ثمانية من كل 10 جمهوريين.

انتخابات مفصليةً؛ نظرا إلى مكانة الولايات المتحدة وموقعها في النظام الليبرالي الدولي

وتشير بعض استطلاعات الرأي، على الرغم من ذلك، إلى تقدّم الديمقراطيين على الجمهوريين على المستوى الوطني في حال إجراء الانتخابات في الوقت الحاليّ (50% – 47%). غير أنّ التحدّي الحقيقي سيكون في المقاعد الخمسين أو الستين التي ستحدّد مصير مجلس النواب. وفي أثناء استطلاع آراء الناخبين المحتملين في الدوائر الانتخابية، يقول 48% منهم إنهم سيصوّتون للمرشح الجمهوري، مقابل 43% يقولون إنهم سيصوتون للمرشح الديمقراطي. وهذا يعني عمليًّا خسارة الديمقراطيين مجلس النواب. ولا تتوقف مشكلات الديمقراطيين عند هذا الحد؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن المجموعات الأساسية الداعمة لهم، مثل الشباب والسود واللاتينيين، وإلى حدّ ما النساء، أقل حماسة للتصويت لمصلحتهم مقارنةً بالانتخابات السابقة. ففي انتخابات 2018 مثلًا، كانت نسبة النساء اللائي قلن إنهن يدعمن الديمقراطيين 59%، ولكنّ عددهن انخفض في هذه الانتخابات إلى 53%. أمّا الملونون، فقال 69% منهم، في ذلك الوقت، إنهم يدعمون الديمقراطيون، لكن النسبة الآن صارت 59%. وأمّا بشأن الذين تقلُّ أعمارهم عن 45 عامًا، فكان التفوق في هذه الانتخابات لمصلحة الديمقراطيون بخمس عشرة نقطة، مقابل ثماني نقاط بالنسبة إلى الجمهوريين. وفي ما يخص المستقلين، فإن 47% منهم يؤيدون الجمهوريين، في مقابل تأييد 42% للديمقراطيين.

خاتمة

تتجاوز أهمية انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقبلة قدرتها على تعزيز أجندة إدارة بايدن، أو تعطيلها، في العامين المقبلين، إلى تأثيرها في استقرار النظام السياسي الأميركي برمته. وتُعد الانتخابات مفصليةً؛ ليس فقط بالنسبة إلى الجمهوريين والديمقراطيين داخل الولايات المتحدة، بل إنها تتعدّى هؤلاء جميعًا إلى العالم كلّه، وذلك بالنظر إلى مكانة الولايات المتحدة وموقعها في النظام الليبرالي الدولي.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى