أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

«المصالحة» في مواجهة «عرين الأسود»!

رأي  حسين قاسم

ذهب ممثّلو المنظمات الفلسطينية إلى الجزائر لتوقيع ما سمّوه «ورقة مصالحة». لماذا الآن؟ وما الجديد؟ وهل فيها شيء من الصلاح؟ هل من أملٍ في صفحة جديدة من العلاقات الفلسطينية-الفلسطينية؟ هل وحدة المنظمات الفلسطينية ممكنة؟

كنت قد نشرت سابقاً مقالة بعنوان «الوحدة الفلسطينية المستحيلة» («الأخبار» 28/11/2020) قلت فيها إنّ وحدة الفصائل الفلسطينية «مستحيلة لأنّ المهيْمن على تمثيل الشعب فلسطيني، كان قد حسم أمره، منذ ما قبل أوسلو، للسير في الركب الأميركي، فدخل من بوابة اتّفاقية “السلام” مع المحتل إلى سجنٍ بمُسَمّى سلطة. حكم على نفسه، حكماً مؤبّداً، بالبقاء مقيّداً، لا يستطيع التحرُّر من قيده إذا ما اكتشف خطأه. أما الآخرون، فقد أثبتت التجربة، الممتدة لعشرات السنين، أنهم عاجزون عن الحفاظ على كياناتهم من دون الاتّكاء على التيار المهيْمن، وأنهم مضطرون، ولو بعد تمنُّعٍ، لمجاراته والقبول بما كانوا قد رفضوه سابقاً.

الهزيمة اللاحقة بنا اليوم، ليست وليدة الساعة، هي قديمة ومتنامية منذ عشرات السنين، وأبطالها هم الناطقون باسمنا. نعرفُ أنّ القائد الشهم يقدِمُ على الاستقالة إذا خسر معركة، أمّا قادتنا فيرفعون شارة النصر بعد كلّ هزيمة، وما أكثرها. إنّها لوحة كئيبة للمشهد الفلسطيني، لكنّ حياة الشعوب لا تستقيم مع الكآبة، فلا بدّ من مخرج، والمخرج بيد القوى الحيّة وليست المنتهية الصلاحية. والشعب الفلسطيني حيوي، ويملك من الطاقات والخبرات ما يكفي لتصحيح المسار، شرط أن تُستثمَر بطريقة صحيحة من قبل أداة صالحة».

لا أجدُ تغييراً جوهريّاً قد حصل عمّا كان قبل سنتين. لكن يبدو أن مأزق القوى الفلسطينية، إضافة لجهد الجزائر التي تحظى بتقدير واحترام جميع هذه القوى، قد ساهما في دفعها، وإن كان على استحياء، أن تقبل بالورقة الجزائرية. وإذا كان مسعى الجزائر مفهوماً، في ظلّ رئاستها للدورة التالية للجامعة العربية، إضافة لموقفها المُقدَّر من قضية الشعب الفلسطيني، فإن ذهاب المنظمات إلى هذا الاتفاق يطرحُ أسئلة أكثر من إجابات تتطلّبها المرحلة الحالية. والسؤال الأهم، لماذا أقبلت المنظمات على توقيع هذه الوثيقة وهي على علمٍ مُسبق أنّها لن تنجح في تحقيقها؟

مَنْ يتمعّن في خطاب أبو مازن في الأمم المتحدة يراهُ مليئاً بالخيبة واليأس، فهو قد أصبح بلا أدنى رصيد أمام شعبه، وكذلك أمام الكيان الصهيوني وراعيه الأميركي، على الرغم من كلّ التنازلات التي قدّمها لهما. وإذا كان في السابق قادراً، بطريقة أو بأخرى، على إدارة شؤون السلطة على أمل الوعود الأميركية والغربية الكاذبة، فإنه اليوم أصبح خالي الوفاض. يُضاف إلى هذا، أنّ الخلافات الداخلية المتنامية في حركة «فتح»، والتي باتت تشكّل نقطة ضعف مهمة في العمود الفقري للسلطة، شكّلت دافعاً، لقيادة السلطة و«فتح»، للجوء إلى اللعب على وتر «الوحدة الوطنية» الذي يدغدغ شعور وعواطف الشعب الفلسطيني بكل فئاته. إضافة إلى هذا، فإن أي حوار ينتهي باتفاق، حتى لو كان شكلِيّاً، هو عبارة عن تجديد «لشرعيتها» المتهالكة، وإرباكٍ وإضعافٍ لمعارضيها.

لقد كانت فكرة إمكانية إقامة سلطة وطنية في بطن حوت الاحتلال فكرة جنونية بالأصل، وهي اليوم، بعد تجربة أوسلو وسلطتها، أَجَن

أمّا القوى المعارضة لأوسلو، والتي ترفع لواء المقاومة، فإن أكبر خطأ اقترفته هو مقاربتها العقيمة للوحدة الفلسطينية. إذ كانت، وما زالت، ترى في منظمة التحرير والسلطة ممرّان إجباريّان لهذه الوحدة؛ فرفعت شعار إعادة بناء المنظمة وإصلاحها، ورأت في انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة حلّاً لأزمة السلطة الفلسطينية. إنّ تغيير أي شيء من داخله مشروطٌ بتمتّع هذا الشيء بالاستقلال الذاتي، وبالتالي أن يكون التغيير خاضعاً للعوامل الذاتية الداخلية. لذلك، لا يمكن إصلاح السلطة أو تغيير وظيفتها من داخلها، لأن وظيفة هذه السلطة ووجودها يخضعان لإرادة خارجية عدوة، وفي أحسن الأحوال غير صديقة. فالسلطة كيانٌ مرهونٌ للتمويل الغربي والرضى الإسرائيلي، والمناطق المفترض أن تقوم عليها لا تملك المقوّمات الاقتصادية الذاتية المساعدة للتمرّد على مشيئة الاحتلال والغرب. وما يزيد هذا الكيان ضعفاً عزلته عن محيطه العربي وافتقاره لظهير مساند على حدودها. لقد كانت فكرة إمكانية إقامة سلطة وطنية في بطن حوت الاحتلال فكرة جنونية بالأصل، وهي اليوم، بعد تجربة أوسلو وسلطتها، أَجَن. هذه السلطة قالبٌ مصنوعٌ في الغرب وكلُّ ما يدخل فيه لا بد أن يتشكَّل بحسب مواصفاته.

أمّا بالنسبة إلى منظمة التحرير، وبسبب الاعتراف الدولي بها ممثّلاً شرعيّاً ووحيداً للشعب الفلسطيني، فقد اعتبرت قوى المعارضة أن المنظمة تشكل الإطار الأنسب للتعبير عن الوحدة الوطنية، ولذلك بذلت جهوداً مضنية لإصلاح وضعها لتكون معبّراً فعليّاً عن الوحدة الوطنية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وكان آخر هذه الجهود لقاء الجزائر. إنّ التمسّك بالمنظمة، بحجة الحفاظ على الاعتراف الدولي، خطأ كبير. فهذا الاعتراف مشروطٌ بالتزامات سياسية مناسبة للدول المؤثّرة في المجتمع الدولي، وبالذات الولايات المتحدة والغرب. لنفترض أن المنظمات الفلسطينية نجحت في الاتفاق على إعادة الاعتبار للميثاق الوطني للمنظمة، وإلغاء كل قراراتها غير المنسجمة معه. عندئذٍ، هل تعتقد القوى الفلسطينية أن الاعتراف سيظلُّ قائماً وكأن شيئاً لم يحدث؟ بكل تأكيد لا، وسيُسحب الاعتراف فوراً. يكفي أن أُذكِّر بانتخابات المجلس التشريعي وفوز «حماس» بالغالبية؛ فعلى الرغم من أن «حماس» لم تقم، في المجلس التشريعي والحكومة، بأي فعلٍ يناقض أوسلو، لم يقبل الغرب بالواقع الجديد وبدأ يحاصر سلطة «حماس» تدريجيّاً، إلى أن انتهينا إلى ما انتهينا إليه.

إذاً، وبعد أن تبخّرت كل وعود الدولة المستقلة، وبعد أن باءت كل محاولات الوحدة وإصلاح منظمة التحرير بالفشل، وبعد أن بدَتْ استجابة المنظمات المقاوِمة دون مستوى توقّعات الجمهور المقاوم، ولأن الشعب الفلسطيني قد ملَّ من مسلسل الحوارات غير المجدية وما عاد يثق بالمتحاورين، ولأن الواقع لا يقبل السكون، كان لا بد من مبادرات خارج أطر القوى الفلسطينية المعروفة، فشهدنا فدائيين فرديّين من نوعٍ جديد، وتطوّرت الظاهرة فنشأ ما بات يُعرف بـ«عرين الأسود». وأخيراً، يبدو أن الخروج من أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بات يتطلّب تفكيراً بحلولٍ من خارج الصندوق، صندوق السلطة، صندوق المنظمة، و«عرين الأسود» مثالاً.

الهدف تصفيتهم.. “يديعوت” تكشف: استخدام برنامج “بيغاسوس” ساهم بالوصول لقادة “عرين الأسود”

صحيفة “القدس

ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، صباح الأربعاء، أن العملية التي نفذت في نابلس فجر أمس، كان الهدف منها تصفية قادة مجموعة “عرين الأسود”، وليس اعتقالهم، وأنه استخدمت أدوات تجسس مهمة للوصول إليهم منها برنامج “بيغاسوس”.

وادعت الصحيفة، أن العملية كانت ناجحة للغاية بعد المعلومات الاستخباراتية التي وفرها جهاز الأمن العام “الشاباك”، ووحدة 8200، ليس فقط في جمع المعلومات الاستخباراتية، ولكن أيضًا في العمليات الالكترونية، ومع العمل الميداني لقوات اليمام والشاباك والوحدات الخاصة وقناصة وحدة هيئة الأركان العامة. والذين نفذوا جميعهم عملية مهمة ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية لمجموعة “عرين الأسود” وخرجوا من نابلس بدون إصابات. بحسب زعمها.

وزعمت الصحيفة، أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حققت اختراق استخباراتي للبنية التحتية لـ “عرين الأسود”، باستخدام عدة طرق منها باستخدام أدوات الكترونية متقدمة مثل برنامج “بيغاسوس” والذي ساعد على جلب معلومات استخباراتية دقيقة، وإحباط هجمات، يضاف ذلك إلى العملية التي اغتيل فيها الناشط الآخر تامر الكيلاني والذي كانت عملية اغتياله مثيرة للإعجاب، وفق وصف الصحيفة.

ووفقًا للصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي امتنع عن تنفيذ هذه العملية منذ البداية ضد “عرين الأسود”، على إثر قرار من المستوى الأمني وبدعم من السياسي للسماح لأجهزة الأمن الفلسطينية للعمل ضد نشطاء المجموعة، لكنه تقرر في النهاية العمل بشكل مباشر بدون الاعتماد على السلطة.

وتقدر الصحيفة أن عملية أمس واغتيال الكيلاني، لن تكون الأخيرة في المستقبل القريب، والهدف هو تفكيك “عرين الأسود” والتخطيط لزيادة الضغط عليها بعمليات هجومية إضافية.

وانتقدت الصحيفة، استخدام قوات خاصة من هيئة الأركان العامة وغيرها من الوحدات المركزية بدلًا من وحدات الجيش الإسرائيلي التي تخدم في الضفة الغربية، إلى جانب متابعة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، ورئيس الشاباك رونين بار العملية ضد منظمة صغيرة، معتبرةً أن ذلك لا يبشر بالخير عندما تتحول عملية روتينية إلى معقدة للغاية، وأن هذا لا يخدم الردع الإسرائيلي، ويمجد “عرين الأسود”، وأن مثل هذه الصور كان يجب أن تظهر عندما يغتال محمد الضيف.

ولفتت الصحيفة إلى أن عملية ملاحقة نشطاء “عرين الأسود” ستستمر، ويريد الجيش الإسرائيلي تصفية الحسابات مع الناشط الذي قتل جنديًا قرب شافي شمرون منذ أسابيع.

وفي السياق، هناك قلق كبير في الجهاز الأمني الإسرائيلي من تصريحات كبار المسؤولين بالسلطة الفلسطينية الذين أشادوا بجماعة “عرين الأسود” – كما تذكر الصحيفة – التي أشارت لتصريحات وزيرة الصحة مي الكيلة التي أثنت على المجموعة، وهي أول مرة يثني وزيرًا في الحكومة الفلسطينية على مجموعة مسلحة.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا يضاف لتصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية الذي زار مخيم جنين والتقى مع فتحي خازم، وألقى بكلمات تمجد الشهداء، مشيرةً إلى أن زيارته فاجأت كبار المسؤولين الإسرائيليين الذين يشيدون بالفعل بالتعاون الأمني مع أجهزة أمن السلطة.

لماذا يقطف الجنود الإسرائيليون الزيتون الفلسطيني؟‏

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏‏‏أورين زيف؛‏‏ ‏‏وميرون رابوبورت‏

شوهد جنود إسرائيليون وهم يقطفون ثمار أشجار الزيتون الفلسطينية بعد حصولهم على إذن من مجموعة مستوطنين. وعندما ذهب الفلسطينيون لحصاد محصولهم في اليوم التالي، منعتهم قوات الشرطة.‏

* * *

أصبح بستان زيتون في حي سلوان في القدس الشرقية أحدث موقع للصراع المستمر بين السكان الفلسطينيين، الذين يزرعون هذه الأشجار ويتعهدونها منذ أجيال، والسلطات والمنظمات الإسرائيلية التي تطمع في الاستيلاء على هذه الأراضي والممتلكات في المنطقة منذ سنوات، كجزء من أجندتها ل‏‏تهويد القدس الشرقية.‏

في 6 تشرين الأول (أكتوبر)، شوهدت مجندات من الجيش الإسرائيلي في الزي الرسمي وهن يلتقطن ثمار الزيتون من الأشجار في وادي ربابة في سلوان، وهو قطاع من “وادي هينوم” الذي هو جزء من حديقة وطنية حول أسوار البلدة القديمة في القدس. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة تقع ضمن اختصاص “سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية”، فقد تم تصنيفها على أنها “منطقة زراعية”، وتولت إدارتها على مدى العامين الماضيين “‏‏إلعاد”‏‏، وهي منظمة استيطانية شاركت بشكل مركزي في ‏‏التعديات الإسرائيلية على بلدة سلوان‏‏.‏

وكان موقع “لوكال كول” قد كشف في تموز (يوليو) عن توقيع عقد بين “إلعاد” و”سلطة الطبيعة والحدائق”، الذي ينص على أن تكون “إلعاد” مسؤولة عن إدارة “المنطقة الزراعية” المعينة حديثًا لمدة عشر سنوات. ووجد التحقيق أن إبرام العقد بعد أن التقى رئيس “سلطة الطبيعة والحدائق” في ذلك الوقت، شاؤول غولدشتاين، بمتبرع أميركي وعد بتقديم تبرع كبير لمنظمة “إلعاد” بشرط أن تكون هي المسؤولة عن المزرعة لفترة طويلة.‏

وكان مدير المنطقة الزراعية من “إلعاد” قد وعد المزارعين الفلسطينيين في سلوان -الذين لطالما تعهدوا هذه الأشجار واعتنوا بها لعقود- بأنهم سيكونون قادرين على مواصلة العناية بالأشجار وحصاد الزيتون في المنطقة، وأنه لن يسمح للزوار الخارجيين بذلك. ولكن، عندما وصل مزارعون فلسطينيون لقطف الثمار في 7 تشرين الأول (أكتوبر) -وهو اليوم التالي لزيارة كان قد قام بها الجنود إلى هناك- منعتهم قوات الشرطة من الوصول، واحتجزت ناشطَين إسرائيليين يرافقان المزارعين، واعتقلت شابًا فلسطينيًا.‏

بدأت “إلعاد” العمل في سلوان قبل 20 عامًا بعد الاستحواذ على الموقع المعروف اليوم باسم “‏‏مدينة داود‏‏”، وهي حديقة توراتية في قلب الحي، على الرغم من معارضة السكان الفلسطينيين والمنظمات اليسارية.‏

وفي الوقت نفسه الذي تم فيه إنشاء “المنطقة الزراعية” تقريبًا في العام 2021، وافقت المحكمة العليا الإسرائيلية على بناء “تلفريك” سيمر فوق وادي ربابة، مع التخطيط لأن تكون محطته النهائية هي سطح مبنى تقوم “إلعاد” ببنائه حاليًا في سلوان، بالقرب من سور البلدة القديمة. وتم ‏‏وضع‏‏ حجر الأساس في أواخر الشهر الماضي لإنشاء جسر الكابلات المعلق، الذي سيتمد من جبل صهيون، على الضفة الشمالية للوادي، إلى مبنى على الضفة الجنوبية كانت إسرائيل قد اشترته على مشارف حي أبو طور الفلسطيني، الذي حولته إلى حديقة.‏

‏”يجب أن يحرس الجيش الحدود -والآن يقطف الزيتون”؟‏

‏تشمل منطقة وادي ربابة التي نُقل الإشراف عليها إلى “إلعاد” أراضي ومباني إما مملوكة حاليًا لفلسطينيين من سكان القدس، أو تم إعلانها “أملاك غائبين” -وهي ممتلكات صودرت من الفلسطينيين الذين اعتبرتهم إسرائيل “غائبين” بعد فرارهم أو طردهم.‏

‏أصدرت بلدية القدس “أوامر بستنة” لبعض المناطق المملوكة للقطاع الخاص، في حين أن “إلعاد” مكلفة بتنفيذ أعمال البستنة نيابة عن “سلطة الطبيعة والحدائق”. وتم تسجيل الأرض التي كان الجنود يحصدون الزيتون فيها هذا الشهر على أنها “أملاك غائبين” في العام 2021، لكن الفلسطينيين يقولون إنهم ما يزالون يعتنون بهذه الأشجار منذ عقود.‏

كان الهدف من إنشاء “المنطقة الزراعية” هو “استعادة الزراعة التوراتية بنهج حديث”، كما قال مدير مزرعة “إلعاد” لموقع “لوكال كول” خلال زيارة إلى المنطقة قبل حوالي شهرين. وقال المدير إنه على الرغم من أن المنطقة الزراعية مسيجة، إلا أنه ما يزال يُسمح لأصحاب الأراضي الفلسطينيين بالدخول للعناية بالأشجار وحصادها عندما يأتي الموسم. وقال أيضًا لأن المنظمة لا تجلب الزوار إلى قطع الأراضي المزروعة بالزيتون ولا تسمح لهم بالحصاد هناك، وأنها تقوم فقط بأعمال التطوير في هذه القِطع.‏

وبعد بضعة أسابيع لاحقًا، عندما سأل النشطاء المدير عن التغييرات التي حدثت والتي سمحت للجنود بالدخول إلى منطقة الأشجار وحصادها في وقت سابق من هذا الشهر، أجاب بأنه تلقى توجيهات جديدة من “سلطة الطبيعة والحدائق” تسمح لهم بقطف الزيتون هناك. ووفقًا له، فإنه لم يكن لديه هذا الإذن قبل شهر ونصف.‏

وأوضح إبراهيم سمرين، أحد سكان سلوان الذي يقول إنه يمتلك قطعة أرض في المنطقة سُلمت إلى “إلعاد”، أن الوضع ازداد سوءا منذ تولي هذه المنظمة الإدارة قبل نحو عامين. “لدينا وثيقة تسجيل الأراضي التي تثبت أن هذه الأرض أرضنا. ثم فجأة جاؤوا وأخذوها. المفروض أن الجيش يهدف إلى حراسة حدود البلاد، والتعامل مع الأمن، والآن يقطف الزيتون؟ لا يسمح لنا بقطاف الزيتون، ويُسمح لهم بذلك؟‏”.

وقال سمرين إن “إلعاد” أكدت لأصحاب الأراضي الفلسطينيين أن المنظمة “تقوم فقط بتنظيف المنطقة، وإننا نحنُ (المزارعين) نستطيع حصاد الأشجار. لكنهم في الواقع يفعلون شيئا آخر. لقد دمروا الأشياء التي بنيناها من أجل إنشاء مصاطب هم أنفسهم”.‏

وشدد سمرين على أن المشكلة لا تتعلق فقط بالزيتون، بل بالمحاولة الأوسع التي تقوم بها الدولة الإسرائيلية والجماعات الاستيطانية للاستيلاء على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في المدينة. ويقول: “في سلوان، لا يوجد مكان لبناء المنازل. هذه هي المنطقة الوحيدة المتبقية لنا”.‏

‏”يريدون ضربنا حيث يؤلمنا ذلك أكثر ما يكون”‏

كتب راز هاندلر، وهو ناشط إسرائيلي كان حاضرًا في 6 تشرين الأول (أكتوبر) عندما دخل الجنود بستان الزيتون، ‏‏منشورًا على “فيسبوك”‏‏ نقل فيه عن أحد السكان الفلسطينيين الذين شاهدوا الجنود وهم يقطفون محصول الزيتون من بعيد: “هل تعرف لماذا لا يحصدون (الإسرائيليون) هناك (في أجزاء أخرى من الوادي)، لكنهم يريدون أن يحصدوا هنا بهذه الطريقة السيئة للغاية؟ لأنهم يريدون ضربنا حيث يؤلمنا ذلك أكثر ما يكون. إنهم يعرفون أننا اعتنينا بهذه الأشجار لسنوات وسنوات. وهم يعرفون ما يرمز إليه الزيتون بالنسبة لنا، وهم يريدون أن يضربونا مباشرة في القلب. وهذا مؤلم”.‏

‏”على مدى مئات السنين، كان السكان الفلسطينيون في وادي ربابة/ بن هينوم يزرعون أشجار الزيتون ويعتنون بها”، يقول أوري إيرليخ، المنسق الإعلامي لمنظمة “إيميك شافيه”، وهي منظمة غير حكومية تكافح ضد استغلال المواقع الأثرية والتراثية كأدوات سياسية لتجريد الفلسطينيين من الأملاك. ويضيف: “إن محاولة الشرطة منع الفلسطينيين من القطاف هي جزء من محاولة لإلغاء التاريخ الفلسطيني للوادي -وهو ما يشكل في حد ذاته جزءًا من إجراءات تهويد القدس الشرقية بقيادة الدولة و’سلطة الطبيعة والحدائق‘ و’إلعاد‘. وسوف يكون الفشل مصير هذه الجهود. سوف تستمر أشجار الزيتون والزراعة التقليدية للفلسطينيين في الوجود”.‏

وفي الرد على استفسارات من “لوكال كول”، قالت “سلطة الطبيعة والحدائق”: “نحن في موسم الحصاد. وفي الحالة المعنيّة، كان الجنود يعملون في المنطقة التي سُجلت أرضها كأراض مملوكة للدولة. وقد تم تنفيذ النشاط كما هو مخطط له. كقاعدة عامة، يتم تكليف سلطة الطبيعة والحدائق، من بين أمور أخرى، بحماية أراضي الدولة. وفي الأراضي الخاصة والأراضي غير الخاضعة للتنظيم، لا تقوم السلطة بأي حصاد. أما على أراضي الدولة، فتنظم السلطة الحصاد مع مجموعات شبابية وجنود ومتطوعين، على أراض من الواضح أنها مملوكة للدولة. وفي جميع الحالات التي توجد فيها مطالبات بملكية الأراضي، فإننا نمنع أصحاب المطالبات من القيام بأي عمل على هذه الأراضي، بما في ذلك الحصاد”.‏

وتابعت السلطة: “من المهم أن نتذكر أنه في أي وقت يمكن لأولئك الذين يدّعون ملكية الأرض خلافا لموقف الدولة الذهاب إلى المحكمة ومحاولة إثبات ادعاءاتهم. وعلى الرغم من ادعاءات الملكية، قبلت المحاكم مرارا وتكرارا موقفنا ورفضت ادعاءات مقدمي الالتماسات. وبناء على ذلك، سمحت الشرطة يوم الجمعة الماضي للسكان بقطف المحصول على الأراضي غير المسجلة على أنها مملوكة للدولة، ومن ناحية أخرى، طردت السكان الذين ادعوا أنهم يمتلكون الأرض من أراضي الدولة”.‏

ولم يتم الرد بعد على الاستفسارات المرسلة إلى “إلعاد” قبل الأعياد اليهودية.

حذرُ الإنكليز مع تحوّلات الصهيونية من أوروبا إلى أميركا

رأي  أحمد بعلبكي

شكّلت الحرب العالمية الأولى منطلقاً للدول المنتصرة (بريطانيا وروسيا وفرنسا) لتقاسم الدول الخاسرة، ومنها خاصة الدولة العثمانية في الشرق الأوسط، وتوافقت على تخصيص اليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين يضمن ولاءه لهم، ولا سيما أنها دول قادرة على التحكم بالفساد الشائع في البلاد العربية خاصة. ووافقت الدول المنتصرة على توزع حصصها من الدول التي كانت تحت حكم العثمانيين، فكانت حصة الفرنسيين في سوريا ولبنان، وحصة الإنكليز في بلدان أخرى متجاورة في الشرق الأوسط، ومنها سالونيك التي كانت تحت حكم «جمعية الاتحاد والترقي» التركية وتشتهر بكثافة الحضور اليهودي والماسوني اللاتينيين.

وكان فيتزمورس، في السفارة البريطانية، قد اعتبر أن تأييد اليهود لا يكون ممكناً إلّا بشرط حصولهم على «وعدٍ بإنشاء وطن قومي يهودي لهم في فلسطين». وترافقت هذه الشروط مع الشائعات الواردة والمضلّلة للإنكليز حول أن الحكومة العثمانية ستؤيد الصهيونية، فجعلت مجلس الوزراء البريطاني يعتقد بأنه كان عليه أن يُصدر تأييده للصهيونية. وكان ماكس سايكس، الحاكم البريطاني، قد كشف ما سمعه وما كُتب عن «جبن العرب وأشرارهم» فسارع إلى نفي ما نُقل عنه وتحوّل إلى «نصير لهم ولشعوب الشرق الأوسط». كان يخاف من اليهود وقد أصبح قلقاً تجاه مؤامراتهم المعروفة في دول العالم، ولا سيما بعدما سمع في بتروغراد من مُضيفيه بأن الصهاينة يشكلون حركة معادية كبيرة داخل روسيا. وقد اقتنع بقدرة اليهود على تخريب نظام الحلفاء، وقد أُشيع بأن «الباب العالي في قبضة اليهود»، علماً أن أغلب العائدين منهم إلى فلسطين كانوا يميلون إلى أفكارهم الاشتراكية والتعاون في المستوطنات التي توزعوا فيها. وكان اهتمامهم الأوّل يُركّز على تحسين اللغة العبرية القديمة، والعمل في الأراضي المهملة وإقامة المستوطنات التي سبق أن دمرها أحياناً المسؤول العثماني المُعادي لهم، قبل تدخل طلعت وأنور، المسؤولين العاملين لترسيخ الحكم الجديد في تركيا مع السفير الأميركي. وقد تعاون هذان المسؤولان أيضاً مع السفير الألماني لمواجهة الأعمال التخريبية المُعادية في بلدهما. وقد اتصلا وبادرا للطلب من الجالية اليهودية، وكان على رأسها اثنان من كبار الحركة العمّالية وهما: دايفيد بن غوريون وإسحاق بن زافي اللذان لم يتأخرا في التوجه إلى الولايات المتحدة لدعم وتأسيس جيش يهودي.

في المقابل، كان كثيرون من قادة البلشفيك من اليهود، في وقت كان فيه البريطانيون يعتبرون أن حزب «تركيا الفتاة» أصبح تحت تأثير الماسونيين اليهود، وأن اليهودي يكره روسيا التي هاجر منها «أكثر من كرهه الجحيم… وله عين كعين الحية ذات الأجراس». ولم يعد البريطانيون ينظرون للبلشفيك بعد اشتداد علاقات المنظمات اليهودية مع الأميركان بأنهم عقائديون، بل تحولت النظرة إليهم كعملاء سريين للألمان، وظلّوا يعتقدون بأن البلشفيك ليسوا طرفاً مستقلاً، بل إنهم يرتبطون مع اليهود من برلين. ويخلص دافيد فرومكين إلى خلاصة طريفة ذات أبعاد متعددة ورغبات مختلفة، إلا أن الأمر الذي لا يقبل الشك هو أن خروج روسيا من الحرب عام 1917، وتحوّلها إلى الاشتراكية، كان ضربة قوية لبريطانيا ومن معها من حلفاء لاعتبار خاص بأن هذا التحوّل يمثّل نصراً هائلاً ليس لألمانيا فحسب، بل لتركيا العثمانية أيضاً (كما لو أن الله لا يُغيّر في وعوده؟).

وفي سياق آخر، جاهر لويد جورج في إنكلترا بضرورة استيلاء بريطانيا على فلسطين تشجيعاً لإقامة الوطن القومي لليهود واعتراضاً على تقسيم فلسطين وفق اتفاقية سايكس بيكو، لأن في ذلك تشويهاً لها «يحطمها إلى أجزاء أمام الرب» لأن الأمّة الإنكليزية ستكون من الأوائل المستعدة «لنقل أبناء وبنات إسرائيل في سفنهم إلى الأرض التي وعدوا بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب لتكون ميراثاً أبدياً… وإن مجيء المسيح المُخلِّص سيكون بعد عودة اليهود إلى وطنهم الأصلي…».

وبرز في عام 1914 وصول هربرت صامويل، زعيم حزب الأحرار البريطاني اليهودي المنشأ، ليكون عضواً في مجلس الوزراء ويؤكد فوائد تشجيع الاستيطان اليهودي ويحرِّم السماح بسقوط الأماكن المقدسة المسيحية في يد فرنسا الملحدة العلمانية. هذا في مقابل حداثة عهد الحركة الصهيونية المتمسكة بديانتها وعاداتها؛ في وقت كان فيه هرتزل من مؤسسي إسرائيل قبل ذلك لا يعرف الكثير عن اليهود، وفي وقت كان فيه بلفور قد جعل المسألة اليهودية تتطلب حلاً قومياً، وفي وقت كانت فيه القيادة الصهيونية تختلف مع الجالية اليهودية البريطانية «العريقة». لويد جورج، حاكم إنكلترا، أشار بحماسة إلى أنه «قد يتمكن اليهود من مساعدتنا أكثر من العرب في فلسطين». وقد التقى بيكو الفرنسي مع سوكولوف البريطاني وأشار إليه أن «حكومته لا تتخلّى عن مطلبها في فلسطين» قائلاً إن «95% من الشعب الفرنسي يريد من فرنسا أن تُضمّ فلسطين إليها». هذا في وقت سبق وكان فيه بن غوريون اشتراكياً، قبل أن يتعرّف إلى الصهيونية المُتأمركة، وادّعى بأن لليهود والعرب، على قدم المساواة، حق العيش والعمل في فلسطين، وقد سبق وادّعى أن للعمّال والفلاحين العرب واليهود مصالح مشتركة في مواجهة ملاكي الأراضي، وكان يرى أن «فلسطين بلد يمكن أن يتمتع فيه العرب واليهود بحكم ذاتي».

مسارات جديدة في العلاقات التركية-الإسرائيلية

مصطفى شلش

تمثل استعادة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب تغييرًا جديدًا في مسار العلاقات التركية – الإسرائيلية، التي كانت تحكمها دائمًا أنقرة بسياساتها الداخلية. كما يعكس هذا التطبيع اضطرابًا في مشهد سياسي إقليمي يتسم بتراجع الحركات الإسلامية التي صعدت بعد انتفاضات العام 2011، لكنه على ما يبدو لا يثير استياء السلطة الفلسطينية.

* *

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد في 17 آب (أغسطس) أن إسرائيل وتركيا سوف تعيدان استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما، بما في ذلك إعادة تعيين السفراء لأول مرة منذ العام 2018، وذلك بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي “أن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع تركيا هو عامل مهم للاستقرار الإقليمي، كما ستدعم اقتصاد إسرائيل وتعزز موقفها أمام العالم”.

ولتبرير هذا القرار، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، خلال مقابلة مع الإذاعة التركية “هابر غلوبال” في 23 آب (أغسطس)، أن السلطة الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، ترحب بتطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل لأن ذلك يساعد أنقرة على دعم القضية الفلسطينية بشكل أفضل. وجاءت تصريحات جاويش أوغلو في الوقت الذي وصل فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العاصمة التركية، أنقرة، للقاء نظيره التركي رجب طيب أردوغان. وفي الحقيقة، اعتبر وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، أن التطبيع بين تركيا وإسرائيل خطوة مفيدة للقضية الفلسطينية.

وأضاف المالكي لقناة “سي. إن. إن” التركية في 22 آذار (مارس) 2022: “لم نتفاجأ من الخطوة التركية، ونرحب بها لأنها ستساعد الفلسطينيين”.

وكانت ردود الفعل هذه بعيدة كل البعد عما كان قد صدر عن السلطة الفلسطينية في آب (أغسطس) 2020، بعد تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعربت السلطة الفلسطينية في ذلك الحين، عبر المتحدث باسمها نبيل أبوردينة، عن رفضها هذا القرار، مؤكدة أن تلك الخطوة “تنسف” مبادرات السلام العربية، ومطالِبة بالعدول عنها.

حليف تاريخي لإسرائيل

في الواقع، منذ أن أصبح أردوغان رئيسًا للوزراء في تركيا في العام 2002، حدث تحول تدريجي في السياسة الخارجية التركية تجاه فلسطين؛ حيث ساعدته هذه القضية على تلميع صورته في العالمين العربي والإسلامي -حتى أن الكاتب السياسي الفلسطيني، عدنان أبو عامر، تحدث في مقال له بعنوان “أردوغان يكسب قلوب وعقول الفلسطينيين” في آذار (مارس) 2013 عن صور أردوغان التي غزت شوارع قطاع غزة، والمتاجر التي تحمل اسمه، حتى أنه تم تسمية المواليد الجدد باسمه في شهادات الميلاد في المستشفيات الفلسطينية، بل إن الرئيس التركي أصبح يغني الفلسطينيين عن دعم أشقائهم العرب.

لا شك في أن الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمه رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، للفلسطينيين، عزز علاقات تركيا مع كل من السلطة الفلسطينية وحماس. فقد أبرمت تركيا مع السلطة الفلسطينية منذ 2004 اتفاقية تبادل تجاري حر، مكنت تركيا من تصدير بضائعها إلى السوق الفلسطينية (بلغت قيمة البضائع التركية 290 مليون دولار في العام 2013)، وتبلغ قيمة المساعدة التركية السنوية لفلسطين ما بين 10 و20 مليون دولار، ناهيك عن قيادة وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) للمبادرات الاجتماعية في الأراضي الفلسطينية. وتبني “تيكا” منازل للعائلات التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية، وتهدف إلى إنشاء مدرسة في كل بلدة فلسطينية. وأكملت المنظمة بالفعل أكثر من 70 مشروعًا في العقد الماضي في القدس الشرقية. وفي العام 2014، استقبلت إسطنبول مؤتمرًا دوليًا لإعادة بناء قطاع غزة بعد الهجوم الإسرائيلي عليها والذي كان قد خلف أكثر من 2.200 ضحية، وأسهمت خلاله تركيا بمبلغ 200 مليون دولار. كما سعت أنقرة إلى تثمين الإرث العثماني في فلسطين من خلال مبادرات مثل “على خطا عبد الحميد”(1) التي ذهب خلالها وفد من بلدية إسطنبول إلى القدس لتنظيف المعالم العثمانية.

لكن العلاقة لم تكن دائمًا على هذا النحو. ففي العام 1948، بقيت تركيا على الحياد خلال الحرب العربية-الإسرائيلية التي انتهت بالنكبة. وكانت الجمهورية التركية أول دولة إسلامية تعترف بدولة إسرائيل الناشئة في 28 آذار (مارس) 1949، لترسل أنقرة في كانون الثاني (يناير) 1950 الدبلوماسي سيف الله إسين إلى تل أبيب كأول قائم بأعمال تركي في إسرائيل. وخلال الخمسينيات من القرن الماضي، انضمت تركيا إلى الكتلة الغربية للدول التي احتجت على قرار القاهرة القاضي بمنع مرور السفن الإسرائيلية عبر قناة السويس، وافتتح الموساد (وكالة المخابرات الإسرائيلية) مركزًا له على الأراضي التركية في ذلك الحين.

خلال حقبة الحرب الباردة، أدت عضوية تركيا في الناتو (1952) إلى اتباع سياسة مباشرة ضد فلسطين، خصوصًا وأن القضية الفلسطينية ارتبطت مع برامج الأحزاب اليسارية التركية، وكذلك مع الحركات الانفصالية الكردية. بل إن رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، دعا أثناء زيارته للولايات المتحدة في العام 1954، الدول العربية، إلى الاعتراف بإسرائيل.

وعلاوة على ذلك، وبسبب العلاقات العميقة مع الجيش الأميركي، اتبعت المؤسسة العسكرية التركية نهجًا أكثر براغماتية وطورت تدريجيًا علاقات قوية مع كبار الضباط في إسرائيل للتعامل مع خطر ظهور حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي نشط في معسكرات تدريب في سهل البقاع في لبنان، مستفيدًا من علاقات اليساريين الأكراد مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال الثمانينيات.

وصلت العلاقات التركية الفلسطينية إلى الحضيض في بداية التسعينيات عندما وقع الجيش التركي عقود دفاع عديدة وغير مسبوقة مع تل أبيب. ومن المثير للاهتمام أن بعض هذه الاتفاقيات قام بالتوقيع عليها “حزب الرفاه الإسلامي” في التسعينيات، الذي كان أردوغان تابعًا له وترشح على قوائمه ليصبح رئيسًا لبلدية إسطنبول.

ومع ذلك، عادت العلاقات التركية مع فلسطين قبل صعود “حزب العدالة والتنمية” بزعامة أردوغان، فيما يعود إلى رغبة أنقرة في البحث عن حصة اقتصادية من نواتج “اتفاقيات أوسلو”. وقد انعقد المؤتمر الاقتصادي الأول للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العام 1994 في العاصمة المغربية، “الدار البيضاء”، وكان هناك تصور لدى رئيسة الوزراء التركية آنذاك، تانسو تشيلر، بضرورة الاستفادة اقتصاديًا من الفلسطينيين وداعميهم في الخليج العربي (خصوصًا السعوديين والكويتيين)، كما تتم الاستفادة من الإسرائيليين. وقد اتخذ رئيس الوزراء، بولنت أجاويد، خطوات نحو الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل محادثات كامب ديفيد في العام 2000. واقترحت أنقرة أن يتقاسم الإسرائيليون والفلسطينيون السيادة على الحرم الشريف. وأكدت الحكومة التركية دعمها حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، وفي الوقت نفسه، أقنعت زعيم منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، ياسر عرفات، بتأجيل خططه لإعلان الاستقلال في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في أيلول (سبتمبر) 2000.

وسيلة لدعم السياسة الداخلية

تزامنت السنوات الأولى من صعود رجب طيب أردوغان إلى السلطة مع اتساع الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية بقيادة “فتح”، فضلاً عن المنعرج اليميني الذي اتخذته الساحة السياسة الإسرائيلية. وأدت هذه التغييرات الهيكلية إلى سعي تركيا إلى القيام بدور نشط كحامية للمصالح الفلسطينية.

وهكذا، أطلق وزير الخارجية التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، حملة دبلوماسية لإقناع واشنطن بأنه يجب أن يُنظر إلى فوز حماس في انتخابات العام 2006 على أنه فرصة وليس تهديدًا مقلقًا -حيث كانت أنقرة ترغب بالتأثير على قادة حماس للانخراط في النظام الدولي، ووضع حد لعلاقاتهم مع إيران وسورية. وهدف حزب العدالة والتنمية آنذاك إلى الحفاظ على العلاقات الدافئة بين جميع أطراف النزاع، واستضافت تركيا قمة مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

بالنسبة لحكومة حزب العدالة والتنمية، كانت نقطة التوتر في العلاقات التركية-الإسرائيلية متعلقة بالسياسات “الوطنية القومية على الصعيد الداخلي” بين أنقرة وتل أبيب، وليس بسبب السياسات المؤيدة للإسلاميين أو تحرير فلسطين، كما يعتقد البعض. وقد استغلت أنقرة الغارة الإسرائيلية على سفينة في أسطول المساعدات المدنية التركية المتجه إلى غزة “مافي مرمرة”، التي قُتل على متنها تسعة ناشطين أتراك في أيار (مايو) 2010 للترويج لسياساتها الجديدة التي تقوم على وحدة المسلمين ودعم القضية الفلسطينية، لتعزيز دعم أردوغان السياسي في الداخل وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي.

ثم يأتي العام 2013، وتندلع احتجاجات “غيزي بارك” في إسطنبول، حيث واجه أردوغان استياءً داخليًا متزايدًا، ومزاعم بالفساد مثل تلك التي أحاطت ببلال أردوغان بتهم سوء استغلال نفوذ والده، إضافة إلى ضغوط دولية بسبب الإجراءات الاستبدادية لحزب العدالة والتنمية. وقُتل خلال قمع تلك التظاهرات ما لا يقل عن خمسة أشخاص وأصيب أكثر من 8 آلاف شخص بجروح. ومنذ ذلك الحين، تتخذ الشرطة إجراءات صارمة وتمنع المظاهرات المناهضة للحكومة في ساحة تقسيم. ومن هنا، أصبحت القضية الفلسطينية مفيدة أكثر، إذ تم استغلالها لترويج رواية أردوغان القائلة إن المتظاهرين متأثرون بالصهيونية، وإنهم دبروا حملة ممنهجة ضده بسبب دوره القيادي في العالم الإسلامي. وبالفعل، حسب استطلاع رأي أجراه معهد “كوندا” Konda للأبحاث والاستشارات في العام 2013، رأى 40 في المائة من المستطلَعين أن الاحتجاجات ضد النظام التركي هي “نضال ديمقراطي من أجل حقوق المواطنين ومن أجل الحرية”، بينما رأى أكثر من 50 في المائة أنها “مؤامرة ضد تركيا”.

مصالح مشتركة

بين “فتح” وإسرائيل

على الرغم من برودة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب في أعقاب حادثة السفينة “مافي مرمرة”، استمرت العلاقات التجارية والاستخباراتية بينهما، لتبلغ قيمة التبادلات الاقتصادية بين البلدين نحو 5 مليارات دولار في العام 2014. ولم تتوقف العلاقات الاستخباراتية التي قادها رئيس المخابرات التركي هاكان فيدان لتنسيق المواقف بين أنقرة وتل أبيب حول القضايا الأمنية المختلفة، وخصوصًا في سورية. لكن الخلافات الدبلوماسية لم تهدأ. ففي العام 2018، استدعت أنقرة مبعوثها إلى إسرائيل وطردت السفير الإسرائيلي، بسبب رد الفعل العنيف على الاحتجاجات الفلسطينية في غزة ضد قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. وقد أعلن رجب طيب أردوغان -الذي كان قد أصبح رئيس الجمهورية التركية بحلول ذلك الوقت- أنه “في حال قطعت الولايات المتحدة مساعداتها عن فلسطين، فنحن موجودون لمثل هذه الظروف”.

عزز إعلان ترامب الخاص بنقل السفارة الأميركية إلى القدس من دور تركيا كوصي على القضية الفلسطينية، لتعمق أنقرة في الآونة الأخيرة علاقاتها مع حركة “فتح”، على الرغم من عدم ارتياح الأخيرة لعلاقات أنقرة مع منافستها حماس. لكن أنقرة تعترف بالسلطة الفلسطينية كحكومة شرعية في الضفة الغربية وتبقى جهود الإغاثة التي تبذلها لا غنى عنها بالنسبة لقادة “فتح”. وقد رحب هؤلاء بإدانة تركيا لمحادثات حزيران (يونيو) 2017 بين حماس وزعيم “فتح” المطرود محمد دحلان. كما استحسن محمود عباس وفريقه -الذين قاموا بزيارات متكررة إلى تركيا منذ تولي عباس السلطة في العام 2005- سياسة تركيا النشطة فيما يتعلق بمستقبل القدس، خصوصًا منذ أن قررت رئاسة الشؤون الدينيّة التركية في 25 شباط (فبراير) 2015 إدراج زيارة المسجد الأقصى ضمن برنامج المعتمرين الأتراك؛ حيث يسمح القرار بزيارة المسجد الأقصى لمدة ثلاثة أيام قبل زيارة المدينة المنورة ومكة المكرمة لأداء العمرة. وتُظهر إحصاءات السلطة الفلسطينية ارتفاعاً في عدد الزوار الأتراك إلى الضفة الغربية التي يكون هدفها زيارة القدس، وكشف الناطق باسم الشرطة الفلسطينية، لؤي ارزيقات لموقع “المونيتور”، أن عدد الزوار الأتراك للضفة الغربية في العام 2016 بلغ 15.846 تركياً، بينما بلغ منذ بداية العام 2017 حتى نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه 23.312 تركياً. ومن جانبه، قال خطيب ومدير المسجد الأقصى عمر الكسواني: “الزوار الأتراك إلى الأقصى هم العدد الأكبر من بين كل المسلمين الذين يزورونه، فالمسجد لا يخلو من المصلين الأتراك في أي يوم جمعة”.

ومع ذلك، عبر قادة “فتح” عن رفضهم استضافة تركيا لقيادات فلسطينية من دون التشاور معهم، هذا إضافة إلى توفير المأوى للعشرات من كوادر حماس، ما يجعل أنقرة تتمتع بنفوذ حقيقي على الحركة. وأفادت صحيفة “الشرق الأوسط” الصادرة في لندن في مقال بعنوان “دعم حماس عائق أمام تحسين إسرائيل علاقتها بتركيا” بتاريخ 28 كانون الأول (ديسمبر) 2020، ونقلا عن مصادر سياسية إسرائيلية، بأنه خلال الفترة التي سبقت التقارب بين أنقرة وتل أبيب، لم تقدم الحكومة الاسرائيلية ردًا إيجابيًا على مبادرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحسين العلاقات بين البلدين، واشترطت لتحقيق ذلك أن تقوم تركيا بتخفيف دعمها لحركة حماس وأن توقف تشجيع نشاطها العسكري.

وبالفعل، طلبت تركيا من العشرات من نشطاء حماس مغادرة الأراضي التركية ومنعت آخرين من الدخول. وأفادت صحيفة “حرييت” التركية في 15 شباط (فبراير) 2022 بأن أنقرة تدير منذ عام ونصف العام قناة محادثات سرية مع دول عدة في المنطقة، من بينها إسرائيل، “بهدف إيجاد موطن جديد لحركة حماس”. وأشار التقرير إلى أن أنقرة أبلغت “حماس” بأن “أصحاب المناصب العسكرية في الحركة لن يمكثوا في تركيا”، وأنها “لن توفر مساعدات عسكرية للحركة”.

ومن المتوقع أن تحد تركيا من دعمها لحماس، سواء بشكل طوعي أو بطلب من إسرائيل، ضمن توجه جديد في إعادة ترتيب أولويات الرئيس التركي نتيجة تدهور الاقتصاد التركي وانهيار العملة، بهدف إيجاد حلول لأزمة بلاده الاقتصادية عبر السعي إلى شراكة أوسع مع تل أبيب، خاصة في مجال الطاقة.

منعطف ما بعد

انتفاضات العام 2011

كانت التبريرات المطروحة التي تتهم الدول العربية بأن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل يعمل لخدمة المصالح الإسرائيلية في حين أن تركيا تفعل ذلك لمصلحتها الخاصة، مثيرة للسخرية ومن المعيب قولها. وقد تم توجيه الاتهام إلى البلدان العربية المُطبعة بأنها تمول اقتصاد الاحتلال، في حين تم تجاهل حقيقة أن حجم التجارة البينية بين تركيا وإسرائيل في العام 2021 بلغ 8.1 مليار دولار. وبعد إعلان التطبيع سيتم رفع قيمة حجم التجارة بين البلدين إلى 10 مليارات دولار خلال الفترة المقبلة.

كما تهدف أنقرة إلى التعاون مع تل أبيب في ملف غاز المتوسط عبر مد خط أنابيب بحري ينقل الغاز الإسرائيلي من حقل ليفيثيان إلى البر التركي، بحيث تشتري تركيا حصة منه للاستخدام المحلي وتصدّر حصة أخرى إلى أوروبا مستفيدة من خطوط أنابيب الغاز العابرة للأناضول الموجودة أصلًا. وتتفاوض شركة “زورلو” القابضة التركية مع الحكومة الإسرائيلية لبناء خط أنابيب بتكلفة تصل إلى 2.5 مليار دولار.

أما التبرير الثاني القائل إن التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية يتجاوز السياسة إلى الثقافة والهوية، حيث يتدفق السياح بين الجانبين، فيتجاهل حقيقة أن الحركة السياحية الإسرائيلية إلى تركيا بلغت أرقامًا قياسية بعدد 560 ألف سائح سنويًا. وقد سافر 358 ألف إسرائيلي على متن طائرات شركة الطيران التركية، وهناك حاليًا 10 رحلات جوية يومية بين تل أبيب وإسطنبول لشركة الطيران التركية. كما أعلنت صحيفة “يسرائيل هيوم” في 21 تموز (يوليو) أن سلطة المطارات الإسرائيلية ستطلق الرحلات الدولية للفلسطينيين من مطار رامون بالقرب من إيلات إلى تركيا بالتعاون مع شركة طيران بيغاسوس التركية؛ حيث سيتمكن الفلسطينيون من السفر من الأراضي المحتلة إلى الخارج من دون الحاجة إلى المرور بالأردن.

كما يندرج التطبيع بين تركيا وإسرائيل في سياق توجه ما بعد انتفاضات العام 2011؛ حيث لم تعد القضية الفلسطينية نقطة اهتمام رئيسية في معظم الدول العربية بعدما أدت الاضطرابات إلى انكفاء معظم العواصم على مشاكلها الداخلية. ويبدو أن سياسة الاندفاع التُركي لتأييد الحركات الإسلاموية المنبثقة من ثورات العام 2011 في البلدان العربية قد انتهت مع الإطاحة بسلطة الإخوان المسلمين في مصر وفي تونس، وتدهور الوضع الأمني والاجتماعي في سورية. وقد أنتجت التدخلات التركية في المنطقة ضغطاً داخلياً من أحزاب المُعارضة التركية ضد سياسة أردوغان المنخرطة بقوة في أزمات الشرق، لتكسب من العداوات أكثر من المنافع.

اليوم، باتت أنقرة تسعى إلى موازنة علاقتها مع البلدان العربية (السعودية – الإمارات – مصر) وإسرائيل، ومؤخرًا مع سورية، وإيجاد حلول سريعة للأزمات العالقة، خصوصًا فيما يتعلق بتأييد الأولى لجماعات الإسلام السياسي والتي صُنفت في أغلب بلدان الشرق الأوسط بوصفها إرهابية (على رأسها حركة الأخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية).

ولا شك أن الورقة الفلسطينية لا تشكل نقطة تلاقٍ مع هذه البلدان، ما حول الملف الفلسطيني إلى ملف أمني أكثر من كونه سياسيًا، يتم تداوله بين أروقة أجهزة المخابرات في المنطقة.

الضفة كـ«قوة ثورية»: إسرائيل لا تحتمل سكوتاً

علي حيدر

لم تكن العملية التي نفَّذتها قوات خاصة من جيش العدو وأجهزته الأمنية، في مدينة نابلس ضدّ مجموعة «عرين الأُسود»، فجر أمس، إلّا تجسيداً لمخاوف قيادة الكيان من تكريس ظاهرة المقاومة في الضفة الغربية، وقلقها من اتّساع نطاقها وتصاعد مخاطرها على أمن المستوطنين في مستوطنات الضفة وفي العمق الإسرائيلي. ويُعدّ انهماك قيادة الاحتلال على المستويَين الأمني والسياسي بهذه الظاهرة، ناتجاً من إدراكها خطورة أن تبدو «مردوعة» إزاء المجموعات العسكرية الناشئة. ولكنها، من جهة أخرى، تدرك أنها غير قادرة على اجتثاث روح المقاومة المترسّخة لدى الفلسطينيين، والتي تتجلّى في كلّ مرحلة وساحة بعناوين وأسماء مختلفة، وتتجسّد في «تكتيكات» تتناسب مع إجراءات العدو المستجدّة. وتُضاف إلى ما تَقدّم موازنة القيادة السياسية لانعكاسات الظاهرة المُشار إليها على التنافس السياسي والانتخابي، في ظلّ مزايدات اليمين الذي يمثّله زعيم المعارضة، بنيامين نتنياهو.

لا تستطيع إسرائيل التسليم بوجود مجموعات مقاوِمة في الضفة الغربية، خصوصاً عندما تكون هذه المجموعات نشِطة ومبادِرة، وتتحوّل إلى مصدر تهديد داهم للاحتلال ومستوطنيه، وإلى عنوان جاذب للشباب الفلسطيني أيضاً. لذلك، وعلى رغم إدراك الأجهزة السياسية والأمنية أن مواجهتها قد تؤدّي إلى تأجيج الشارع الفلسطيني، إلّا أنها تجد نفسها مضّطرة إلى الانتقاء بين الخيارات على قاعدة الأقلّ خطورة. ولعلّ الصورة المتشكَّلة في وعْي مؤسّسات التقدير والقرار في كيان العدو إزاء ظاهرة «عرين الأسود»، عبَّر عنها رئيس الاستخبارات السابق، اللواء تامير هايمن، الذي لفت إلى أنها «تمثّل ظاهرة واسعة لشباب جيل الألفية، من 16 إلى 24 سنة، الذين مَقتوا المؤسّسات وطريقة الحُكم القائمة»، مضيفاً أن «من موارد الخطورة الكامنة فيهم (عرين الأسود) أنهم يمثّلون نوعاً من الوطنية التي يلتفّ حولها الفلسطينيون عبر شبكات التواصل الاجتماعي». واستناداً إلى هذه النظرة، فإن قراءة في السياق الأوسع، تدفع إلى التقدير، بحسب هايمن أيضاً، بوجود «خلايا أخرى نائمة أو مرتبطة بهم في كلّ أرجاء الضفة وفي المدن العربية في إسرائيل». ويتّضح من ذلك أن ظاهرة «العرين» وما سبقها وسيليها، تُجسّد فشل السياسة الإسرائيلية القائمة منذ سنوات على كيّ وعي الشباب الفلسطيني الصاعد بهدف بثّ روح اليأس في نفوسه، وإبعاده عن خيار المقاومة.

هدف قيادة العدو هو أن تحفر هذه العمليات في وعي المقاومين أنهم ليسوا في مأمن

وتحتلّ الضفة، موطن «المقاومين الجدد»، موقعاً خاصاً في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، بسبب مساحتها وموقعها الجغرافي الذي يتاخم كيان الاحتلال في فلسطين المحتلة عام 48، في الشمال والوسط والجنوب، وهو ما جعلها تشغل رأس أولويات القيادتَين السياسية والأمنية، وتفرض عليهما التعامل بحزم وحسم مع أيّ ظاهرة مقاومة هناك منعاً لتصاعدها واتّساعها، مع أن التجربة تؤكد فشل هذه السياسة التي بدا أنها تساهم أيضاً في تسريع إعادة إنتاج تلك الظواهر بصيغ وأشكال جديدة. وفي هذا السياق، وجدت سلطات العدو، منذ تبلور مجموعة «عرين الأسود» كقوّة «ثورية» بحسب تعبير «معهد أبحاث الأمن القومي»، نفسها أمام تحدّي اتّخاذ قرار ناجع إزاء المجموعة. إذ ثبت، من خلال التجربة، أن سياسة الاحتواء معها غير مجدية، بل قد تساهم في تمدّدها ومنحها هامشاً أوسع في المبادرة. وفي الوقت نفسه، فإن الظروف القائمة لا تسمح بتنفيذ عملية مشابهة لعملية «السور الواقي» (الاجتياح الإسرائيلي لشمال الضفة في نيسان 2002). وفي ضوء القيود المتقدّمة، اختارت قيادة الاحتلال تكتيك العمليات الخاصة الموضعية، فبادرت إلى إعادة تفعيل سياسة الاغتيالات المركّزة، التي استهدفت عبرها بدايةً أحد قياديي «عرين الأسود» تامر الكيلاني، وتَكرّر الأمر بأسلوب مختلف عبر عملية خاصة نفّذتها قوات العدو فجر أمس في مدينة نابلس، وأدّت إلى استشهاد 5 فلسطينيين، بينهم القيادي البارز في المجموعة المقاوِمة وديع الحوح، وجرح آخرين. لكن هذا التكتيك يحتاج إلى وقت أطول لتحقيق أهدافه، على فرْض إمكانية تَحقّقها، وقد تتخلّله ردود فعل أشدّ وقعاً، وليس من الواضح طبيعة وحجم التداعيات التي يمكن أن تترتّب عليه.

مع ذلك، ينبغي عدم إغفال حقيقة أن قادة العدو كثيراً ما يحاولون تعزيز مكانتهم الشعبية عبر سياسات أكثر تطرّفاً في مواجهة الشعب الفلسطيني. وإذا ما كانت الأجواء تسمح بعمليات عسكرية، فإن ذلك يشكّل بالنسبة لهم فرصة لـ«الاقتراع بدماء الفلسطينيين». وفي هذا الإطار، يأتي حديث رئيس حكومة العدو، يائير لابيد، عن أن «إسرائيل لن ترتدع عن العمل من أجل أمنها». ومع أن هذا الموقف تقليدي في سياقه ومناسبته، إلا أنه يهدف أيضاً إلى محاولة توظيف العمليات ضدّ «عرين الأسود»، على المستوى الانتخابي. وهو مشهد يحتاج إليه لابيد، ووزير أمنه بني غانتس، في مواجهة اليمين الإسرائيلي، عبر الإيحاء بأنهما ليسا أقلّ تطرفاً وإجراماً بحق الشعب الفلسطيني، على أمل أن يساهم ذلك في استقطاب جزء من جمهور يمين الوسط على الأقلّ، وأيضاً تبديد الصورة التي يحاول أن يروّجها نتنياهو عنهما، حول «عدم كفاءتهما في مواجهة المخاطر الأمنية».

لكن الهدف الأهم لقيادة العدو، يتمثّل في أن تحفر هذه العمليات في وعي الشباب المقاوِم، أنه ليس في مأمن من استهداف أجهزة الأمن الإسرائيلية. كما تُراهن على إسهامها في تحويل أولوية المقاومين نحو الحفاظ على حياتهم كأفراد، ووجودهم كمجموعات، بدلاً من الانهماك في التخطيط للمبادرة إلى عمليات قاسية. لكن نموذج الشهيد عدي التميمي أنذر بسقوط هذا الرهان، حيث الخوف الإسرائيلي يكمن الآن في أن يتحوّل الخيار الذي انتهجه التميمي إلى نموذج يُقتدى به. وبذلك، يتحوَّل كلّ مقاوم مطارَد إلى مطارِد.

في الخلاصة، وأياً كان ما ستؤول إليه هذه المواجهة بين «عرين الأسود» وقوات الاحتلال، إلا أن القدر المتيقّن هو أنها ستكون محطّة جديدة تجسّد تصميم الشعب الفلسطيني على مواصلة مقاومته على رغم كلّ الظروف القاهرة داخلياً وإقليمياً. كما أنها تُظهر ارتقاءً في الأسلوب، حيث يثبت الشعب الفلسطيني مجدّداً أنه قادر على ابتداع المزيد من الأساليب حيال إجراءات العدو، وإحداث قفزة إضافية في سياق مسار يتكامل مع المسار التصاعدي لمحور المقاومة عموماً.

قوائم “الإرهاب اليهودي” وطلب الحماية الدولية لشعب فلسطين.. متى؟!

كتب حسن عصفور

عندما أعلن الرئيس محمود عباس أمام الجمعية للأمم المتحدة يوم 13 سبتمبر 2022، بأن فلسطين ستقدم طلبا رسميا من أجل توفير قوات حماية دولية مترافقة مع وضع خطة زمنية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، كان الاعتقاد أن ذلك ليس سوى عملية إدارية لن تستغرق وقتا طويلا.

ولكن، ومنذ ذلك الخطاب السياسي الهام، بدأت حركة التآكل التدريجي لقيمته وأثره، وربما تناساه الكثير من أهل فلسطين في ضوء التطورات الميدانية، التي شهدت تصاعدا غير مسبوق في جرائم الحرب المرتكبة من قبل “قوات الإرهاب اليهودي”، جيشا احتلاليا ومستوطنين، في الضفة والقدس.

خلال شهري سبتمبر، أكتوبر قتلت قوات “الإرهاب اليهودي” 45 فلسطينيا، بينهم عدد من الأطفال والفتية، وتتصاعد حركة الإجرام بشكل يومي، الى جانب مصادرة أرض وتوسع استيطاني، وحصار متلاحق لمدن وبلدات، في سباق انتخابي على حساب الفلسطيني.

جيد، ان تتحول بيانات “الرسمية الفلسطينية” والإعلام الرسمي في استخدام لغة مختلفة عما كان سائدا، وجيد أن تعلن قيادة فتح بأنها بدأت تطبيق ما جاء في خطاب الرئيس عباس (دون توضيح لأي خطوة عملية تم تنفيذها)، حتى لو كان من باب الاستخدام اللغوي، وجيد ان تقوم بعض شخصياتها بزيارة مدن ومشاركة أهل الشهداء عزائهم الوطني، ولكن ذلك بكل أهميته “المعنوية” لن يرسل الرسالة الرئيسية لدولة “الإرهاب اليهودي” وقواتها الغازية لأرض فلسطين.

لم يعد مفهومها أو مقبولا، أن تتجاهل “الرسمية الفلسطينية” تقديم مشروع قرار الى الأمم المتحدة حول “قوائم الإرهاب” للمنظمات والعناصر اليهودية الاستيطانية وغيرها، والتي كان يجب أن تصدر قبل الانتخابات في دولة الكيان، خاصة وان هناك قوى منظمة ستشارك بها، بل وربما تكون جزءا من التشكيل الحكومي القادم.

الأمر لم يكن يتطلب تأخيرا زمنيا، بل أن الأمر كان أكثر من ملح وخاصة بعدما خرج أحد أبرز شخصياتهم المدعو بن غفير شاهرا مسدسه مهددا أهل الشيخ جراح وسلواد، في مشهد قدم وثيقة تأكيد صوتا وصورة، ومعها تقارير لمختلف الوكالات غير الفلسطينية، ومنها من داخل الكيان، عن “الإرهاب الاستيطاني” المتنامي، بحيث أصبح ذلك مادة إخبارية متداولة في وسائل إعلام منحازة بالفطرة الى دولة الكيان.

ان يسقط 45 شهيدا خلال فترة ما بعد خطاب الرئيس عباس الأخير، دون الحديث عن غيرها من جرائم بهدم منازل وحصار وجرحى، فتلك وحدها كانت كافية تحريك فوري لوضع طلب تشكيل “قوات حماية دولية” لفلسطين قيد التنفيذ، دون التفكير الدائم بماذا سيكون رد الفعل الأمريكي، والذي لم تفعل إدارة بايدن خلال تلك الفترة، سوى حماية الجريمة والمجرمين، وإن أرادت ان تبدو مسؤولة، فهي تعلن أنها تبحث عن “مسببات” الذي حدث، ولا يمكنها ابدا أن تدين المحتل، بل انها تستسهل إدانة الفلسطيني وتطالبه أن يكف عن “مقاومة الاحتلال” ليمارس ما يريد.

الإسراع في تقديم “قوائم الإرهاب اليهودي” وطلب تشكيل “قوات حماية دولية” مع خريطة طريق لفرض انسحاب القوات الغازية لأرض فلسطين، سيمثل سلاحا من أسلحة الردع التي يجب استخدامها في مواجهة ما تقوم به أجهزة الكيان وارتكابها جرائم حرب متواصلة.

ومعها، يجب العمل على تنشيط مسألة المحكمة الجنائية الدولية وتزويدها بمعلومات حول ما ارتبكت دولة العدو من جرائم حرب جديدة، ولتستفيد من طلب “منظمة العفو الدولية” المقدم للجنائية الدولية حول حرب غزة الأخيرة.

والمفارقة التي تستوجب الانتباه، ان “الرسمية الفلسطينية” لم تشر الى تلك المسألتين، والمفترض انها بدأت بتشكيل لجان عمل قانونية – سياسية لذلك منذ أسابيع، وذلك مؤشر يثير الريبة السياسية عن تراجع غير معلن عما أشار له الرئيس عباس.

بوضوح شديد، لا يوجد أبدا ما يبرر ذلك التأخير، بل عكسه تماما، فكل ما يحدث يتطلب المسارعة فورا بتنفيذ مسألتي “قوائم الإرهاب” وطلب “قوات الحماية الدولية”، وغير ذلك يخدم المخطط العدواني لدولة الفصل العنصري.

ملاحظة: كان ملفتا جدا، ان يقوم طرف فلسطيني باستخدام كل المنصات الإعلامية، بعد ملحمة نابلس، للتشكيك بدور الأجهزة الأمنية الفلسطينية ونثر سموم فتنته الدائمة خدمة لجوهر الصفقة التي فضحها رئيس حكومة العدو القومي لابيد …الصمت عليها، وليس المشاركة فيها فقط، خطر وجب مقاومته بكل الممكن الوطني…بكفى تدليس وضلال!

تنويه خاص: شركة “أديداس” الألمانية رضخت فورا لحملة “منظمات صهيونية” لفك ارتباطها مع المغني كاني ويست رغم ما ينتظرها من خسائر ضخمة.. بينما شركة “زارا” تدير قفاها لمطالب تغيير مندوبها الفاشي في الكيان… مع انه دولتين من بلاد العرب قادرة تهز كيان الشركة لوهمهمت فقط مش حكت..صحيح لو تفتح باب كل الشياطين فبلاها!

أين إسرائيل من النظرية الروسية الجديدة؟!

  توفيق أبو شومر

ما يجري اليوم في الساحة الأوكرانية ليس حربا بين دولتين، بل هو بداية تغيير جذري على خريطة العالم السياسية والاقتصادية والفكرية، إنه صياغة جديدة تجري في مصانع إنتاج السبائك الدولية، غايتُه الرئيسة التحررُ من الهيمنة الأمريكية على العالم.

من يتابع الأحداث يدرك بأن روسيا بوتن تضطلع بهذه المُهمَّة، هذه حقيقة يعرفها كثيرون، غير أن تفصيلاتها ماتزال غامضة.

 تابعتُ آخر تصريح لوزير خارجية روسيا، سيرغي لافاروف، وهو عضو بارز في طاقم مصنع إنتاج سبيكة حكومة عالم جديدة، حين قال يوم 19-10-2022م: “ستُقلل روسيا عدد دبلوماسييها في الغرب، بسبب انتشار ظاهرة (روسيافوبيا)، فالأوروبيون لا يقبلون بالروس، فرضوا علينا الحظر، نحن لا نُجبرهم على حُبنا، هم لا يرغبون في وجودنا بينهم”

بدأت روسيا الجديدة خطواتها العملية في هذا الاتجاه قبل سنواتٍ عديدة وذلك بتشجيع دول التجمع الآسيوي، CICA في الأمم المتحدة المكون من 27 دولة على تأسيس كُتلة مؤثِّرة في العالم، بدأت روسيا تسير وفق عقيدتها الجديدة؛ التحرُّر من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية الغربية على الكنيسة الأورثوذكسية الشرقية، فالروس هم حاملو مفاتيح الأرثوذكسية الشرقية، هم القوة الجديدة، هم حماةُ (روما الثالثة) في مقريها موسكو، وكييف، وهذا يتوافق مع (النظرية الرابعة) للمفكر الروسي، ألكسندر دوغين، النظرية الرابعة الجديدة التي ستقام على حطام النظريات التقليدية الثلاثة؛ الليبرالية، والشيوعية، والنازية، سقطت النظرية النازية في الحرب العالمية الثانية، وانتهت الشيوعية بانهيار الاتحاد السوفيتي 1991م، ولم يبقَ سوى النظرية الليبرالية (الرأسمالية) بزعامة أمريكا، وهي اليوم ستزول على يد النظرية الروسية الرابعة، وهي نظرية (الأوراسيا) أي أوروبا وآسيا، نظرية التحرر الذاتي من طغيان الحضارة الليبرالية التكنلوجية، ما يعني عودة روسيا لموقعها الحضاري المدافع عن القيم الخلقية وعن حقوق الإنسان، وليس الخاضع لقيم التكنلوجيا الغربية!

اكتشف الإسرائيليون البراغماتيون منذ زمنٍ بعيد خطة روسيا الجديدة اكتشفوا أيضا أن مستقبل العالم مرهونٌ بالصين حليف روسيا الصامت، لذا فقد استعانوا بالشركات الصينية وعقدوا الصفقات معها، هذا التعاون الصيني الإسرائيلي دفع الأمريكيين إلى الاحتجاج عليه. أدركوا أيضا أنَّ هذا التغيير سيقلب موازيين إسرائيل كلها، لذلك فهم اليوم كامنون، يمارسون طقسهم الزائف (الحياد)، كثيرون منهم يعتقدون بأن مشروع بوتن الجديد سينجح، لذا فهم يطبقون البرغماتية السياسية ببراعة! هم اليوم يجهزون لمواجهة قوة إيران في الحلف الروسي الجديد، لأن إيران لا تدعم روسيا في أوكرانيا فقط، بل هي شريكٌ في مشروعها!

أما عن الموقف الإسرائيلي الرسمي فهو كما ورد على لسان رئيس وزرائهم، يائير لابيد في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة جورسلم بوست، يعقوب كاتس، سوف تُنشر المقابلة كاملة بعد نشر هذا المقال، يوم 28-10-2022م قال: “نحن نُجرى التقييم ثم نفعل ما تقتضيه الظروف، نحن شجبنا ضم روسيا للأقاليم الأوكرانية الأربعة، وزودناها بالدعم المدني وأنشأنا مستشفيات فيها، أما عن الدعم العسكري فإننا ننطلق من سياستنا الأمنية، وهي أن هناك اتفاقا مع روسيا على أن تواصل إسرائيل قصف المواقع الإيرانية في سوريا”!

أما الإعلامُ الإسرائيليُ فقد عمد إلى تشويه زعيمي نظرية الأوروآسيا، الرئيس بوتن، ولافاروف اتهمهما باللاسامية لهدف زيادة عدد المهاجرين اليهود لإسرائيل، نشروا أقوال لافروفوف في مؤتمر صحفي، أكتوبر 2022م حينما قال: “روسيا تحارب النازيين في أوكرانيا” سأله صحفي: “كيف تقول ذلك ورئيس أوكرانيا يهودي؟!” رد عليه لافاروف: “لا تنسَ أن الدماء اليهودية كانت تجري في شرايين هتلر”!

لم يكتفوا باتهام لافاروف بأنه لا سامي، بل إنهم قالوا، على لسان الصحفي، ألكسي بايار، يوم 20-10-2022م: “إن النظام الروسي كلَّه يُنكر (اللاسامية) في روسيا ويطويها تحت البساط، ولا يعترف بقتل ستة ملايين يهودي، ويدعي أن القتلى كانوا روسيين ومن أجناس أخرى، إن معاناة الروس من النازيين تشبه معاناة اليهود”!

إن الدول التي أعلنت انضمامها الصامت إلى هذا الحلف كثيرة، وعلى رأسها باكستان والهند وتركيا وماليزيا، بالإضافة إلى كثير من الدول الأخرى مثل فنزويلا وكثير من الدول الإفريقية!

أما دولنا العربية التي أدركت حجم الخداع الأمريكي لها خلال عقود طويلة، أعادت هي الأخرى التفكير في مصالحها، فحين أقدمت المملكة العربية السعودية على تخفيض إنتاج النفط كانت ترسل رسالة في هذا الاتجاه، كما أن زيارات وفود الأحزاب الفلسطينيين إلى موسكو تصب في هذا المجرى وأبرز الخطوات هي إعادة علاقة حركة حماس بالرئيس السوري حافظ الأسد، كل ما سبق يصب في مجرى نهر هذا التوجه الجديد بقيادة روسيا!

غير أنَّ مصير هذا المشروع محكومٌ بانضمام (التنين) الصيني إليه، كما أن انضمام الصين عسكريا سيبدأ باستعادة جزيرة تايوان بالقوة، وهذا سوف يُحدد مصير العالم كله!

والعلاقات من سيء إلى أسوأ..

بن سلمان سخر من بايدن سراً وتساءل عن صحته العقلية

أمد/ واشنطن: استمرت صفقة غير مكتوبة بين السعودية والولايات المتحدة طيلة حكم سبعة ملوك و15 رئيساً، ونجحت في تخطي عقبات كبيرة بينها حربا الخليج وهجمات 11 سبتمبر الإرهابية. ولكن العلاقة الآن بين الطرفين تتداعى في ظل حكم زعيمين لا يثقان ببعضهما، أو لا يحبان بعضهما.

هذا ما جاء في تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية يوم الإثنين.

وتضيف الصحيفة أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (37 عاماً)، وهو الحاكم الفعلي للمملكة، سخر من الرئيس الأمريكي جو بايدن (79 عاماً) سراً ومن هفواته المتكررة، وتساءل عن صحته العقلية.

تنقل الصحيفة تلك الأقوال عن مصادر لم تكشف عنها في الحكومة السعودية، وتضيف نقلاً عنهم أن بن سلمان قال لمستشاريه إنه “لم يكن معجباً ببايدن منذ كان نائباً للرئيس وأنه فضّل بفارق كبير الرئيس السابق دونالد ترامب عليه”.  

وكان بايدن هاجم السعودية وولي العهد بشكل خاص خلال حملته الانتخابية في 2020، التي تلت مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018. آنذاك وعد الرئيس الديمقراطي بجعل السعودية دولة منبوذة.

لقد رفض بايدن مخاطبة بن سلمان عندما صار رئيساً وذلك لأكثر من سنة، وعندما زار المملكة في تموز/يوليو الفائت، قال مسؤولون سعوديون، حضروا اجتماعاته، “إنهم شعروا أنه لم يكن يريد أن يكون هناك وأنه غير مهتم بالمحادثات السياسية” بحسب وول ستريت جورنال.

وتذهب الصحيفة إلى حد استخدام مفردة “العداء” لوصف العلاقة بين بايدن وبن سلمان وتقول إن هذا العداء زاد من توتر علاقات الرياض وواشنطن، مرجحة أن تسوء الأمور أكثر في المستقبل.

قرار أوبك+

لقد عزز قرار أوبك+ بخفض الإنتاج -ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام وسط أزمة تضخم تشهدها الولايات المتحدة (والعالم) قبيل الانتخابات النصفية- تصميم بايدن وبن سلمان على إعادة النظر في العلاقات الاستراتيجية التي استمرت لأكثر من ثمانين عاماً.

من جهة قال البيت الأبيض إن بايدن يريد النظر فيما إذا كانت العلاقات مع السعودية تخدم المصالح القومية الأمريكية فيما قال مسؤولون سعوديون إن الوقت ربما حان بالنسبة لهم لإعادة تقييم العلاقات مع واشنطن. 

وتقول وول ستريت جورنال إن الغزو الروسي لأوكرانيا والرد الغربي عليه عزز التوتر بين الطرفين، خصوصاً وأن خفض إنتاج النفط يرفع الأسعار، وذلك يساهم مباشرة بدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مادياً، لا بل يقوّض العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

بالنسبة لإدارة بايدن، إن الحرب في أوكرانيا لحظة تاريخية حاسمة تفرض على الدول اختيار موقعها، ولذا فإن البيت الأبيض مقتنع بأن القرار بخفض إنتاج النفط يضع الرياض في صفّ موسكو.

مصالح الرياض ونفي سعودي

يرى السعوديون في الأزمة الأوكرانية فرصة لتغليب مصالحهم في عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة. وتقول الرياض إن بإمكانها دعم أوكرانيا -وهذا ما فعلته عندما قدمت لها مساعدات إنسانية بقيمة 400 مليون دولار- والعمل مع روسيا ضمن أوبك+ في الوقت نفسه.

وتقول الرياض إن قرارها خفض الإنتاج اقتصادي بحت، بينما تشير الصحيفة إلى أن ولي العهد يرى في أسعار النفط المرتفعة فرصة أخيرة له لاستخدام موارد السعودية بهدف تطوير الاقتصاد السعودية وبناء مستقبل المملكة لعالم ما بعد النفط.

وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، لم يخف هذا الأمر عندما قال “أجندتنا الاقتصادية أمر بالغ الأهمية بالنسبة لبقائنا واستمراريتنا. الأمر لا يتعلق فقط بالطاقة والدفاع. ربما كانت الأمور كذلك منذ 50 عاماً ولكن بالتأكيد ليست هذه هي الحال اليوم”.

ونفى بن فرحان أن يكون ولي العهد بن سلمان سخر من بايدن أو أنه عبر عن عدم إعجابه بالرئيس الأمريكي وفضّل ترامب.

وقال بن فرحان “هذه المزاعم التي أطلقتها مصادر مجهولة خاطئة كلياً. لطالما حمل قادة المملكة أقصى درجات الاحترام لرؤساء الولايات المتحدة، بناءً على إيمان المملكة بأهمية وجود علاقة قائمة على الاحترام المتبادل”.

للمرة الأولى..

سابقة تاريخية.. رئيس بنك لئومي الإسرائيلي يشارك في مؤتمر دولي بالسعودية

أمد/ تل أبيب: من المقرر أن يتوجّه مدير بنك لئومي، سامر الحاج يحيى إلى المملكة العربية السعودية مساء الثلاثاء، للمشاركة في مؤتمر دولي حول الاستثمار المسؤول، سيعقد في العاصمة الرياض.

وسيشارك في حلقة نقاش حول “التغيّرات في عالم البنوك والاستثمارات لصالح الاقتصاد العالمي بعد الوباء”. حسب (أي 24) الإسرائيلية.

وبحسب موقع “كالكاليست” فأن الحاج يحيى سيشارك إلى جانب الرئيس التنفيذي لبنك Exim – البنك السعودي لتنمية الصادرات المملوك للحكومة، في مؤتمر دولي لمنظمة FII حول الاستثمار المسؤول (ESG) في العاصمة الرياض، والذي سيحضره 6000 شخص من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك 500 متحدث.

كما سيشارك في المؤتمر كبار المسؤولين التنفيذيين من شياومي وجولدمان زاكس وبلاكستون وجي. بي. مورغان.

يذكر أن FII هي منظمة دولية غير ربحية تتعامل في مجال الاستثمار المسؤول.

حاج يحيى (53 سنة) هو أول مواطن عربي في إسرائيل يترأس جهازًا مصرفيًا إسرائيليًا، وقد تم تعيينه في هذا المنصب منذ ثلاث سنوات بدلاً من ديفيد برودت.

عمل حاج يحيى، بالإضافة كمستشار لقسم الاقتصاد في الجامعة العبرية وحاضر في مساقات الاقتصاد وإدارة الأعمال في الجامعات الرائدة من بينها هارفارد، و MIT والجامعة العبرية.

ونشر دراسات رائدة في مجال الخيارات والاستثمارات والعملات الأجنبية التي ساهمت في بلورة سياسة سعر الصرف لبنك إسرائيل وأكسبته جوائز مرموقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحاج يحيى ناشط اجتماعيًا، فهو يساعد ويتبرع طوعًا في العديد من المنظمات الاجتماعية.

التطرف الديني ظاهرة في السياسة الدولية

محمد جبر الريفي

اضافة الى الازمات السيايية الاقليمية والدولية التي تشهدها السياسة الدولية المتاصرة يظهر التطرف الديني في بعض الدول كظاهرة سياسية عامة لا تقتصر على بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة كتنظيم داعش وغيره ممن تفرع عن تنظيم القاعدة الأم الذي كان وراء ظهوره الغرب الراسمالي نفسه ايام حقبة الصراع في أفغانستان بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والاشتراكي بقيادة موسكو عاصمة الاتحاد السوفييتي السابق ..

يشهد العالم الآن تطرفا دينيا بارزا خارج منظومة بعض قوى الإسلام السياسي الذي التصقت به وحده على المستوى الإعلامي تهمة الإرهاب الدولي فالقرارات الأمريكية التي وقعها الرئيس الأمريكي السابق ترامب بمنع رعايا سبع دول إسلامية بالهجرة إلى الولايات المتحدة هي بالمنظور السياسي تعتبر قرارات دينية متطرفة تخالف حقوق الإنسان المدنية و تعبر في نفس الوقت عن تعاظم تيار الأصولية المسيحية في المجتمع الأمريكي الذي يعتنق أفكاره الكثير من أعضاء الحزب الجمهوري

وكذلك شخصيات كنسية هامة متعصبة وما يدلل أكثر على هذا التطرف الديني في هذه القرارات من استثناء مسيحي مواطني هذه الدول والأمر يبدو أنه متعلق بشكل خاص بالمواطنين العرب السوريين المسيحيين وقد يشكل هذا التوجه السياسي الأمريكي الرسمي اذا ما استمر في عهد الرئيس الحالي بايدن بداية مرحلة عداء صليبية جديدة للإسلام تقودها أعظم دولة مسيحية في العالم و قد تجد من التيارات السياسية اليمينية الأوروبية و الغربية المتطرفة من يناصرها و يشاركها في هذا التوجه الديني الخارج عن نطاق التسامح والتعايش بين الأديان والقوميات والحضارات

خاصة أن هناك على مر التاريخ حملات كراهية من قبل المسيحية الغربية للإسلام تعبر عن ذاتها بين فترة زمنية وأخرى في آراء المستشرقين الغربيين في موقفهم النقدي السلبي للحضارة العربية الإسلامية

وكذلك في الرسوم الساخرة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وبذلك يطغى من خلال هذا التوجه الصراع الديني في العالم على غيره من الصراعات السياسية وهو الهدف الذي يسعى إليه النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الامبريالية الأمريكية للخروج من ازماته البنيوية في مواجهة استمرار الصراع بينه وبين شعوب العالم الثالث على أساس العامل القومي والإجتماعي ففي ظل الصراع الديني تتراجع النزعة القومية للشعوب ويخفت ايضا معها صوت المطالب الاجتماعيية المعيشية عند الجماهير الشعبية وبذلك تستمر الهيمنة للحضارة الغربية البرجوازية الاستهلاكية التي تسود العالم اليوم …

في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما ليس هناك تطرفا أبشع من التطرف الديني اليهودي في فلسطين المحتلة حيث عملية الاستيطان الجارية بوتيرة متسارعة دون مراعاة للقانون الدولي هي مقترنة في الأساس بالرؤية اليهودية المستقاة من التعاليم التوراتية والتلمودية وبأعتبار أن السكان العرب الفلسطينين أصحاب البلاد الأصليين في الدين اليهودي هم أغيار يباح لليهود ملكية أراضيهم وكافة ممتلكاتهم وهذا ما يحصل اليوم في الضفة الغربية المحتلة وخاصة في مدينة القدس المحتلة

حيث الكثير من أصحاب البيوت في البلدة القديمة طردت منها واستولى عليها الغزاة اليهود من الخامات والمتدنيين العنصريين الصهاينة الذين رفعوا أعلام دولة الكيان الصهيوني عليها ..

هذا ناهيك عن الإجراءات الصهيونية التهويدية التي طالت الآن المسجد الأقصى في محاولة للسيطرة عليه تمهيدا لتقسيمه زمنيا ومكانيا كما حدث للحرم الإبراهيمي في الخليل وكذلك ما يتم من الاقتحام اليومي لباحاته من رجال الدين اليهودي والمستوطنين اما السياسة الإسرائيلية هي في الأساس في توجهاتها الداخلية والخارجية هي سياسة دينية عنصرية متطرفة بعيدة عن طابع الديموقراطية وهو الزعم الذي روجته المنابر الإعلامية الصهيونية في الغرب بأن دولة (أسرائيل ) هي دولة علمانية في محيط عربي استبدادي متخلف….

في شرق آسيا تمارس جمهورية مينمار أو بورما سابقا أبشع جرائم التطرف الديني البوذي ضد الاقلية المسلمة فيتم التنكيل بهم قتلا وحرقا واغتصابا دون مراعاة لأبسط الحقوق الإنسانية المعترف بها دوليا ..وكذلك في الهند تتم الإساءة إلى الرسول صلعم من قبل الهندوس حيث شهدت بعض الولايات الهندية في الفترة القريبة الماضية اشتباكات وحالة قمع للاقلية المسلمة وفي منطقة البلقان بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي في التسعينات من القرن الماضي

عملت جمهورية صربيا بزعامة القومي المتعصب ميلوسيفتش انذاك على تأجيج النزعات العرقية والاثنية وعلى اثر ذلك ظهر التطرف الديني الصربي وارتكبت حملات إبادة واضطهاد واقتلاع وتهجير ضد مسلمي إقليم كوسوفو وعلى مرأى من الكنيسة الأرثوذكسية في بلغراد وكانت أشد فظاعة مما قام به النازيون الألمان إبان الحرب العالمية الثانية خاصة ضد الشعوب الاوروبية ..

أليست كل هذه الوقائع السياسية التي تمارس في الغرب وفي الشرق تؤكد على أن التطرف الديني هو ظاهرة عالمية في السياسية الدولية وليس مقتصرا فقط على بعض التنظيمات الإسلامية وهي ما تروجه وكالات الإعلام الغربية والصهيونية من خطر تطرف الأصولية الإسلامية على الأمن والاستقرار الدوليين لكن جعل هذا التطرف الديني فقط مصدره محصورا في العالم العربي والإسلامي هو في الحقيقة مخطط غربي صهيوني يراد به إلصاق تهمة التخلف والإرهاب في العقلية العربية والإسلامية لتبرير استمرار السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة …

شتاء روسي في كييف

آنا أكاجي* – (‏وورلد كرانش‏)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏من المهم ملاحظة أن فلاديمير بوتين ولد في لينينغراد، بعد عقد واحد فقط من الحصار النازي الوحشي للمدينة. وفيما يلي تأملات في استراتيجية الحرب الناشئة للكرملين للكاتبة الأوكرانية آنا أكاجي.‏

* *

‏يشترك الروس والأوكرانيون في تعبير يقال عندما يصبح الطقس قاسيا: “فوق كل مصائبنا، هناك أيضًا أربعة فصول”.

ولا شك في أن الشتاء هو الأقسى، وكان الفصل الذي اختاره الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لبدء غزوه في شباط (فبراير) الماضي -على الرغم من أن خططه لغزو أوكرانيا بحلول فصل الربيع جاءت وذهبت منذ فترة طويلة.

تميز هذا الخريف بالتقدم الكبير الذي أحرزه الجيش الأوكراني في ساحة المعركة -ولكن أيضًا بقرار بوتين ‏استهداف المدنيين في مدن في مختلف أنحاء البلاد‏‏، إما بضربات مباشرة توجه إلى المباني السكنية، أو بما قد يكون في نهاية المطاف أكثر وحشية في الأمد البعيد: تدمير البنية الأساسية للطاقة في أوكرانيا.‏

نعم، يعرف فلاديمير بوتين أن فصل الشتاء يعود الآن.‏ وقد تعرض ‏‏نحو 30 في المائة من نظام الطاقة في أوكرانيا للتلف‏‏ أو التدمير.

وبدأت الانقطاعات في الكهرباء. وفي بعض المدن، لم تكن هناك إمدادات ماء ولا كهرباء لأكثر من أسبوع.‏

تجمد لأربعة أشهر

تأتي استراتيجية بوتين مصحوبة بضربة مزدوجة، حيث دفعت الضربات الروسية لمحطات الطاقة والمحطات الفرعية على مدى الأسبوعين الماضيين الحكومة الأوكرانينة أيضًا إلى الإعلان عن تعليق صادرات الطاقة.‏

وكما ‏‏أشار‏‏ وزير الطاقة الأوكراني، هيرمان غالوشتشينكو، فقد “ساعد تصدير الكهرباء من أوكرانيا أوروبا على الحد من استهلاك مصادر الطاقة الروسية”. ‏

والآن، بدأت أوروبا بالفعل في الشك فيما إذا كان ‏‏تأثير الحرب على أسعار الطاقة‏‏ سوف يستحق الدعم الذي تقدمه لأوكرانيا، وخاصة عندما يحل البرد في القارة. ويبدو أن بوتين يحاول جعل كييف تتجمد حرفيًا، من الخارج والداخل على حد سواء. ‏

الآن هو الوقت المناسب للتذكير بكيف يبدو الشتاء الأوكراني: ثمة أربعة أشهر كاملة من الصقيع، والثلج والرياح الباردة. ومع هجمات بوتين على البنية الأساسية، فإن الخطر لا يكمن في تكلفة الطاقة فحسب، بل في احتمال انقطاعها تمامًا.

وتشكل الأماكن التي يتم فيها إغلاق مصادر التدفئة لفترة طويلة ظروف حياة وموت أكيدة، خاصة بالنسبة للمرضى وكبار السن. ‏

هل ستكون لدى أوكرانيا تدفئة؟ ‏

يستعد الأوكرانيون بالفعل لمواجهة الأسوأ. وقد حذر مكسيم تيمشينكو، الذي يدير أكبر استثمار خاص في قطاع الطاقة الأوكراني، ‏‏بالقول‏‏: “لا أعتقد أنها ستكون لدينا نهاية عالم. ومع ذلك، لم أكن أعتقد أن روسيا ستشن حربًا علينا أيضًا”.

وأضاف: “كل شيء ممكن، لكن لديّ ثقة بأننا سنتغلب على هذه التحديات”.

ومن جانبه، يخشى خبير الطاقة فيكتور كورتييف من ‏‏أن‏‏ يكون الشتاء في أوكرانيا أسوأ مما يعتقده معظم الناس الآن: بسبب القصف، ولكن أيضًا بسبب عدم توفر الاستعداد التقني للعديد من محطات الطاقة الكبيرة، وعدم وجود

احتياطيات كافية من الفحم. ‏

ويوضح كورتييف: “لقد تم بناء نظام الطاقة بحيث أنه لن يحدث شيء خطير وحرج في حالة وقوع ضرر في محطة أو محطتين فرعيتين.

أما إذا تجاوز حجم الاستهلاك قدرة التوليد، فسوف يفصل النظام المستهلكين عن شبكة الطاقة تلقائيًا”.‏

ذكريات لينينغراد ‏

في هذه المرحلة، من الصعب أن نتفاجأ بمدى استهانة بوتين بالآخرين وقسوته الصريحة.

ومع ذلك، يجب على المرء أن يتذكر أنه وُلد هو نفسه في المدينة التي تسمى الآن “سانت بطرسبرغ”.

وخلال الحرب العالمية الثانية، حين كان اسمها “لينينغراد”، كانت المدينة هدفًا لواحد من أكثر الحصارات وحشية في التاريخ: كان هناك ما يقرب من 900 يوم من الحصار خلال الهجوم النازي، وسقط ما يقدر بنحو 1.5 مليون شخص -97 في المائة منهم من الجوع والبرد.

”كييف في ثلاثة أيام”، هل تذكرون؟‏

عندما كان الروس هم الذين يدافعون عن أنفسهم ضد الغزاة، كانت الفصول صديقة وعدوة على حد سواء: كان الثلج والصقيع سببين للمعاناة الروسية العظيمة في زمن الحرب، لكنهما ساعدا في النهاية على هزيمة نابليون‏‏ في العام 1812 وهتلر في العام 1942.

وهذا هو المكان الذي جاءت منه عبارة “الشتاء الروسي”، وهي عبارة لا تستحضر بطاقات أعياد الميلاد ولا المواقد، وإنما تُذكر بهزيمة الجيوش الأجنبية والمحنة القاسية للمدنيين.

عندما ‏‏هاجمت روسيا أوكرانيا‏‏، انقلب العالم رأسًا على عقب. أرسل بوتين جيشًا لم يكن مستعدًا للحرب إلى أوكرانيا، بل إنه كان حتى أقل استعدادًا لفصل الشتاء (“كييف في ثلاثة أيام”، هل تذكرون؟).

والآن، يحاول بوتين إعادة تسوية ميدان اللعب من خلال تجريد أوكرانيا من موارد طاقتها. ‏

ما تزال الذاكرة الجينية للحرب والجوع والبرد قوية للغاية في كل من روسيا وأوكرانيا. ومما لا شك فيه أنها موجودة في تكوين نسيج فلاديمير بوتين نفسه، وأنها تساعد على تفسير السبب الذي يدفعه إلى قضاء خريفه في زرع بذور الرعب بين المدنيين الأوكرانيين، وحرمانهم من الدفء، وسرقة حبوبهم، وتحويل مدنهم إلى رماد.‏

لقد نجت جدتي الكبرى، التي سُميت على اسمها، من مجاعتين ومن الحرب العالمية الثانية.

وتوفيت في سن محترمة، محاطة بأبنائها وأحفادها وأولاد أحفادها، في راحة وسلام نسبيين. ومع ذلك، حتى يومها الأخير، قبل أن تذهب إلى النوم وضعت قطعة خبز تحت وسادتها. ثمة فصول لا ينساها المرء أبدًا.‏

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى