أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

هآرتس: نابلس تحولت إلى مدينة أشباح و”عرينها” يزداد شعبية

هآرتس- بقلم جاكي خوري

المدخل الغربي لمدينة نابلس لم يظهر على هذا النحو منذ أيام الانتفاضة الثانية. ثمة وجود كثيف للجنود وحواجز بجانب أكوام التراب في الشوارع، إلى جانب ذلك تقارير عن تبادل إطلاق النار وقتل شباب فلسطينيين وجنازات حاشدة في نابلس في الأسبوعين الأخيرين، تمنع الكثيرين من الوصول إليها، سواء كانوا فلسطينيين من القرى القريبة أو مواطنين عرباً. التجارة داخل المدينة، التي تعد العاصمة الاقتصادية الفلسطينية، وصلت تقريباً إلى الشلل الكامل.

نابلس معروفة بالتجارة والصناعات الخفيفة. منطقة المطاعم الموجودة على مدخل المدينة الغربي من اتجاه قرية دير شرف فارغة خلال معظم ساعات اليوم. أصحاب المحلات يجلسون وينتظرون الزبائن، بعضهم أبلغوا العاملين بعدم المجيء للعمل إلى حين تحسن الوضع. “هناك انخفاض يبلغ 80 – 90 في المئة في عدد الزبائن، معظم عملنا يقوم على أخوتنا من داخل الخط الأخضر. منذ أسبوعين تقريباً، لم نلتق أحداً”، قال أبو يونس، وهو صاحب مطعم معروف في المنطقة. “إذا استمر الوضع هكذا فسنفقد أعمالنا”.

على بعد بضعة أمتار من المطعم، وقف أبو محمد السيلاوي، وهو صاحب سوبرماركت حيفا، كومة تراب أقامها الجيش تغلق مدخل المحل. قالوا لي إنني في مكان استراتيجي، مكان رئيسي على مدخل المدينة الذي يربط عدة شوارع. فجأة، وجدت نفسي في محل فارغ منذ أسبوعين”، قال السيلاوي. “لدي بضائع تبلغ قيمتها عشرات آلاف الشواقل التي ستتلف”. وقال السيلاوي إنه لم يتوقع استمرار الإغلاق لهذه الفترة الطويلة. “اعتقدنا أنه موضوع يوم أو يومين، فجأة أغلقوا أسبوعين ولا يظهر أي أفق”.

في المدينة ومحيطها يرفضون أي ادعاء يقول بأن الأمر يتعلق بخطوات للاحتياجات الأمنية. “هذا عقاب جماعي هدفه إخضاع سكان نابلس”، قال محافظ نابلس، إبراهيم رمضان، في محادثة مع دبلوماسيين تجولوا في المدينة. في البعثة كان هناك ممثلون أوروبيون وممثلون عرب من المغرب والأردن، الذين زاروا نابلس للتعرف عن قرب على تداعيات الحصار. رغم الزيارة، بقي في المدينة من يتشككون بإمكانية أن تؤدي هذه الزيارة إلى الضغط على إسرائيل والذي بدوره يؤدي إلى تغيير سياستها.

ياسين دويكات، من الغرفة التجارية في نابلس، حذر من أن سياسة العقاب الجماعي لن تؤدي إلى التهدئة والاستقرار. “صحيح أن هناك ضغطاً اقتصادياً كبيراً على التجار، ولكن إذا اعتقدوا أنه بعد ما شاهدناه في هذا الأسبوع (عملية الجيش الإسرائيلي لتفجير مختبر المواد المتفجرة وقتل ناشط من عرين الأسود)، بأن هذا سيقود إلى توجه معاكس، فهم مخطئون”، قال. بعد ذلك تساءل: “نحن التجار، لا نتدخل في السياسة أو الأمن. ولكن من المهم التوضيح أنه أمام عدوانية المستوطنين وما يفعلونه، هل فكر أحد بإغلاق مستوطنة أو وضع أكوام التراب أو وضع الحواجز؟ بالتأكيد لا. هم بشكل عام مستوطنون، ونحن أصحاب المكان ولسنا غزاة”.

وترفض الغرفة التجارية والتجار ادعاء إسرائيل بأن المدينة غير محاصرة، وأن الأمر لا يغدو كونه وضع حواجز لأغراض أمنية. “أنت أو أي شخص آخر يريد الوصول إلى المدينة من أجل التسوق أو أي أمر آخر ويعلم أنه سيضطر للانتظار أربع ساعات على الحواجز أثناء الدخول أو الخروج، فحتماً سيعدل عن فكرته”، قال دويكات.

انتقال حاد

المدينة نفسها ظهرت يوم الثلاثاء فارغة وهادئة. سمعت في الصباح الباكر أصوات إطلاق نار عند دخول قوة للجيش الإسرائيلي من أجل إجراء اعتقالات لمطلوبين، من بينهم إياد النابلسي، وهو شقيق إبراهيم النابلسي، من مؤسسي تنظيم “عرين الأسود” الذي قتل في عملية للجيش في البلدة القديمة في نابلس شهر آب. انتهى الحادث بسرعة نسبية، ولم يبلّغ عن إصابات. شوارع المدينة، بما في ذلك الميدان الرئيسي، ظهرت هادئة وفارغة.

لكن الانتقال من الصخب إلى الهدوء كان حاداً في المدينة. فجر الثلاثاء اشتعلت، حيث مواجهات وتبادل لإطلاق النار مع الجيش انتهت بخمسة قتلى وعشرين مصاباً. أثناء اليوم، تجمع في مركز المدينة أكثر من عشرين ألف شخص شاركوا في الجنازة الحاشدة مع إطلاق نداءات للثأر وإطلاق كثيف للنار في الهواء. الآن أصبح الأمر مختلفاً كلياً؛ فالمدينة هادئة مرة أخرى، والحركة في الشوارع خفيفة. يبرز بشكل خاص غياب الحركة في مركز المدينة أسواقها.

أبو عماد الحواري، وهو صاحب محل للملابس في وسط المدينة، جلس عاجزاً منذ عدة أيام، وقال بأن هذه التجربة تذكرنا بشيء من الماضي. “لقد شاهدت ماذا يعني انهيار المصلحة التجارية. في 1991 كنت في الكويت وكانت لي أعمال تجارية هناك. عند دخول القوات العراقية، تركنا كل شيء. رجعت إلى نابلس بعد بضع سنوات في محاولة للبدء من جديد”، قال. وحسب قوله أيضاً، فإن فك الحصار وحده لن يحل كل المشكلة. “لا أعرف متى سينتهي ذلك، لكن يجب على إسرائيل أن تفهم بأن الموضوع ليس موضوع تجارة واقتصاد. ففي نهاية المطاف، لا يمكن تجاهل واقع الاحتلال بكل تداعياته”، قال.

لا يمكن تجاهلهم

ما زالت نابلس تعيش جو الحداد. تظهر في عدد من الأماكن صور ورسومات غرافيك للقتلى. حتى لو كان الكثير من سكان المدينة لا يعرفون تشخيص نشطاء “عرين الأسود”، يبدو أن تأييد هذا التنظيم يزداد من يوم لآخر.

ناشط من الجبهة الشعبية في المدينة، أوضح في محادثة مع “هآرتس” بأن إسرائيل تقوم بفحص هذا التنظيم، لكن من خلال رؤية أمنية، وبهذا يفوتون بعداً مهم آخر يتعلق بمكانة التنظيم في أوساط السكان. “نحن في نظر إسرائيل ارهابيون. هذا كل شيء. إذا اغتالوا أو اعتقلوا المسلحين، فسينتهي الموضوع. لكن الأمر يظهر مختلفاً تماماً في الشارع الفلسطيني، فهذه حركة تحتل بعداً شعبياً”، أوضح هذا الناشط، وقال إن “هذا الدعم يخترق الفصائل والتيارات. حتى ممثلو السلطة الذين جاءوا إلى المدينة عبروا عن تقديرهم ودعمهم للتنظيم، لأنه ببساطة لا يمكن تجاهلهم”. وحسب قوله: “لا يوجد هنا مسلحون أمام جمهور. نحن معاً”.

زياد البندك، وهو من كبار نشطاء حركة فتح في المدينة، اتفق مع هذه الرؤية. “الضغط الاقتصادي والحصار لن يجعل الوضع أفضل، بل العكس”، قال. “إذا ظن أحد بأن هذا سيجعل الجمهور الفلسطيني ينقلب على هؤلاء المسلحين فهو مخطئ. تنظيم “عرين الأسود” هو في نهاية الأمر متكون من شبابنا وأولادنا. هذه ليست مليشيا أجنبية جاءت واستوطنت المدينة”.

وأشار البندك أيضاً إلى أن نشاطات التنظيم في الواقع “لن تؤدي إلى تحرير فلسطين”، لكنها تخلق انجرافاً شعبياً. “ما حدث في الضفة الغربية في الليلة التي تلت تصفية الشباب الخمسة لم نشاهده منذ فترة طويلة في الضفة. قد يهدأ هذا الحداد في القريب، وهذا يعني أننا سنشاهد في كل مرة جولة تلو جولة. لأن إسرائيل لا تريد معالجة الواقع البسيط الذي يقول بأن هناك احتلالاً يجب إنهاؤه

وكتيبة بلاطة تدعم..

ردًا على التصريحات العبرية.. “عرين الأسود”: واهم من يظن أن العرين ينتهي

نابلس: أكدت مجموعة عرين الأسود، مساء يوم الجمعة، في بيانًا مقتضبًا لها، بأن “العرين” لن ينتهي، قائلة: “واهمٌ من يظن أن العرين ينتهي ثم واهم من يظن أن لديه معلومات أصلا عن مجموعة عرين الأسود”؛ جاء ذلك ردًا على التصرحيات العبرية حول القضاء على المجموعة.

وأفادت المجموعة في بيان لها: “إن مقاتلين عرين الأسود الحقيقيين انقسموا الى ثلاث أقسام قسم شهداء مضوا ينعمون بإذن الله في جنات النعيم وقسم جرحى قطعت أشلائهم في سبيل أن تستمر المقاومة وقسم ينتظر هم جنود الله لا يعلمهم إلا هو”.

وتابعت: “أيها الشعب العظيم راهنوا علينا فوالله الذي رفع السماء بلا عمد لو بقي فينا جندي واحد سيموت لتبقى فكرة المقاومة مستمره أي وطن هذا الذي نهادن فيه من يستبيح دمائنا لا نامت أعين الجبناء ولا أبقى الله بندقية لا تشتبك ولا تفكر بالإشتباك أما أنتم إخوتنا رفاق السلاح رفاق الدم صادقي الوعد يا من قلتم للقائد وديع وقت المعركة لن تكن وحدك وصدقتم الوعد ووصلتم وسطرتم معركة مهما حاول الإحتلال إخفائها ستظهر نتائجها بإذن الله”.

كتيبة بلاطة تدعم

وردًا على بيان عرين الأسود، وجهت كتيبة بلاطة، مساء يوم الجمعة، رسالة لمجموعة “عرين الأسود”، واصفاهم بـ”اخوتنا بالسلاح والدم وشركاء المعارك عرين الاسود”.

وتضمنت الرسالة: “نشد على أياديكم ونقول لكم انتم لستم وحدكم .. فكتيبة بلاطة ستكون دائما حاضرة كتفا بكتف وبقلب الرجل الواحد لمواجهة الاحتلال الصهيوني الغاشم وأعوانه”.

وفي وقت سابق، كشفت صحيفة عبرية، عن استخدام إسرائيل لبرنامج التجسس الشهير “بيغاسوس” لتعقب مجموعة “عرين الأسود” المسلحة واستهداف عناصرها خلال العملية العسكرية التي جرت فجر يوم الثلاثاء، في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، أن جهاز الأمن العام “الشاباك” استخدم برنامج التجسس “بيغاسوس” ضد “عرين الأسود”، إذ حصل بواسطته على معلومات استخبارية عنها قادت القوات الأمنية الإسرائيلية إلى مكان عناصرها في نابلس.

وأوضحت أن “العملية العسكرية سبقها اختراق استخباراتي للبنية التحتية لعرين الأسود، باستخدام أدوات إلكترونية متقدمة، مثل برنامج “بيغاسوس” التابع لشركة “NSO” الإسرائيلي، والتي ساعدت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في الحصول على معلومات استخبارية دقيقة، وإحباط عمليات مختلفة كانت تخطط لها المجموعة المسلحة”.

وفيما يلي نص البيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان مقتضب

واهمٌ من يظن أن العرين ينتهي ثم واهم من يظن أن لديه معلومات أصلا عن مجموعة عرين الأسود نقول لكم يا أحبتنا يا أبناء شعبنا يا تاج الرؤوس يا درعنا الواقي إن مقاتلين عرين الأسود الحقيقيين انقسموا الى ثلاث أقسام قسم شهداء مضوا ينعمون بإذن الله في جنات النعيم وقسم جرحى قطعت أشلائهم في سبيل أن تستمر المقاومة وقسم ينتظر هم جنود الله لا يعلمهم إلا هو

أيها الشعب العظيم راهنوا علينا فوالله الذي رفع السماء بلا عمد لو بقي فينا جندي واحد سيموت لتبقى فكرة المقاومة مستمره أي وطن هذا الذي نهادن فيه من يستبيح دمائنا لا نامت أعين الجبناء ولا أبقى الله بندقية لا تشتبك ولا تفكر بالإشتباك أما أنتم إخوتنا رفاق السلاح رفاق الدم صادقي الوعد يا من قلتم للقائد وديع وقت المعركة لن تكن وحدك وصدقتم الوعد ووصلتم وسطرتم معركة مهما حاول الإحتلال إخفائها ستظهر نتائجها بإذن الله إخوتنا كتيبة بلاطة وعش الدبايير كتيبة جنين كتيبة عسكر بيض الله وجوهكم وبيض الله صفحتكم يوم الفصل ولنا لقاء في المعارك بإذن الله ولنا لقاء عند مليك مقتدر عاشت بنادقكم الصادقة كما وعودكم

يا ابناء مدينتنا المحاصرة إن كنتم تألمون من الحصار إخرجوا وانظروا الى طرقات المستوطنين فوالله انها فارغة هم محاصرين في بيوتهم محاصرين في مستوطناتهم لا يخرجون فاصمدوا وإصبروا وادعوا لمقاوتكم فوالله إنها تجهز لهم مايشفي صدوركم

أخوتكم مجموعة عرين الأسود

انشقاقات في «الأسود»: القيادة العميقة لا تزال بخير

يوسف فارس

سرّبت السلطة أخباراً ادّعت فيها أنها تَوافقت مع قيادة «الأسود» على تسليم البنا نفسه (أ ف ب)

أثار إقدام القيادي في «عرين الأسود»، محمود البنا، على تسليم نفسه لأجهزة السلطة الفلسطينية جدلاً واضطراباً في الشارع الفلسطيني، اضطرّا المجموعة التي استُشهد للتوّ قائدها، وديع الحَوح، إلى إصدار بيان توضيحي تبرّأت فيه من خطوة البنا وأكدت أنها «بألف خير». وإذ لا تُنكر مصادر من داخل المجموعة تأثير تلك الخطوة على «الأسود»، فهي تؤكّد أن ثمّة «قيادة عميقة» للحالة الناشئة في نابلس، لم تصل إليها يد العدو أو السلطة، فيما تأتي محاولة فلسطينيَّين اثنَين تنفيذ عملية فدائية عند حاجز حوارة أمس، لتُثبت أن الرابط في ما بين «العرين» والفعل المقاوم في الضفة، أكبر، إلى الآن، من أن تتمكّن إسرائيل من اجتثاثه

تسير مجموعة «عرين الأسود» على حدّ السكّين. بعد استشهاد قائدها وديع الحَوح وأربعة من رفاقه، تلقّت المجموعة، التي تتّخذ من البلدة القديمة في نابلس معقلاً لها، ضربة معنوية، تَمثّلت في قيام أحد أكبر قادتها، محمود البنا، ومعه أربعة من المقاتلين، بتسليم أنفسهم ليل الأربعاء – الخميس، إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بذريعة تأمينهم من عملية اغتيال إسرائيلية متوقّعة. وقالت ليلى، شقيقة البنا، في منشور عبر صفحتها في «فيسبوك»، إن «عائلة محمود ووالدته وشقيقاته بذلوا جهوداً كبيرة لإقناعه بتسليم نفسه وترك السلاح، وخصوصاً أنه الأخ الوحيد المتبقّي لديهم، بعد مقتل شقيقه محمد في أحد سجون جهاز الاستخبارات في رام الله». وأضافت ليلى: «الحمد لله إنو رح يضلّلنا سند، نشكر ربنا إنو اقتنع، ونشكر كلّ واحد ساهم في إقناعه».

على أن خروج البنا من الصفّ القيادي لـ«العرين»، والذي عدّه مقرّبون من الجماعة «ضربة لا تقلّ ألماً عن استشهاد الحَوح»، عملت السلطة على استغلاله وتوظيفه منذ اللحظة الأولى. إذ سرّبت عبر منصّات ومواقع إلكترونية مقرّبة منها أخباراً ادّعت فيها أنها تَوافقت مع قيادة «الأسود» على تسليم البنا نفسه، لحمايته من التصفية. كما نشرت عدّة بيانات باسم مجموعات «كتائب شهداء الأقصى» في نابلس، حاولت فيها غسل يد الأجهزة الأمنية من الدور الذي تمارسه لتقويض الحالة التي تمثّلها «العرين»، حينما ذكرت أن «تسليم البنا ورفاقه أنفسهم، هو خطوة تكتيكية للمحافظة على استدامة العمل». كلّ تلك الفوضى استدعت توضيحاً من «الأسود»، التي نشرت، لاحقاً، بياناً أعلنت فيها أنها لم تخوّل أيّ طرف من الأطراف تسليم أيٍّ من مقاتليها، وأن «مَن يقوم بتسليم نفسه، هذا قراره وخياره ولا نناقشه به حتى»، داعيةً المواطنين إلى «التوقّف عن تداول الإشاعات، وعدم الإساءة إلى أيّ مقاتل سلّم نفسه». وأكدت أن «العرين بألف خير وفضل من الله، ونقول إن كان أبو صالح وعبود وإبراهيم والوديع والمبسلط وأدهم والدخيل قد مضوا، فإن المنتظرين الصادقين كثر».

لا يقلّل مصدر مقرّب من المجموعة من تأثير ما أقدم عليه القيادي محمود البنا

من جهته، قال البنا، في منشور عبر صفحته في «فيسبوك»، إنه سلّم نفسه لـ«إخواننا» في الأجهزة الأمنية، «بعد مشاورتي لإخواني في النضال أنا ورفاق دربي»، حتى «يحمونا من هذا المحتلّ الغاشم الذي حاول تنفيذ إبادة جماعية لنا في آخر عملية اغتيال»، مضيفاً: «نحن لم نُسلّم لننتهي، إنما للحق جولات». إلّا أن الصدمة التي أحدثتْها خطوة البنا ورفاقه، استدعت تصريحات من العديد من الشخصيات ذات الحضور الرمزي، في محاولة لرفع المعنويات وجبْر الكسر، ولا سيما أن الصحافة الإسرائيلية أطلقت موجة احتفاء بما سمّته «القضاء على ظاهرة العرين». إذ قال موقع «إنتلي نيوز» العبري: «عرين الأسود على وشْك الزوال من الوجود. هذه ضربة معنوية شديدة للجمهور الفلسطيني الذي علّق آماله على التنظيم»، فيما ردّت والدة الشهيد إبراهيم النابلسي على ذلك بالقول: «أُطمئِنكم أن العرين حيّ وقوي وثابت، وأُسوده أبطال كما تعرفونهم على الدوام، ولا يتراجعون للحظة، فقطار الحرية انطلق ولن يتوقّف». وفي ما بدا كمكافأة لمحافظ نابلس، بوصْفه «عرّاب الإنجاز»، أعلن الاحتلال، أوّل من أمس، فكّ الحصار بشكل جزئي عن المدينة.

لا يقلّل مصدر مقرّب من «عرين الأسود» من تأثير ما أقدم عليه القيادي البنا، ولا سيما أن الأخير كان المرشّح الأبرز لملء الفراغ التي تركه الشهيد الحَوح، غير أنه ينبّه إلى أن «الصورة لم تتّضح بعد، هناك تفاصيل ليس من الجيّد الحديث فيها على الصعيد الأمني». ويؤكد عامر محمد (اسم مستعار)، وهو أحد مقاتلي «العرين»، بدوره، في حديثه إلى «الأخبار»، أنه على رغم الضربات التي تلقّتها المجموعة خلال الأيام الأخيرة، إلّا أن «ثمّة قيادة عميقة للحالة، لم تصل إليها يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولم تستطع إسرائيل ضربها»، مضيفاً إن «تلك القيادة هي مَن تتولّى حالياً تسيير شؤون الأسود». ويبيّن أن «قيادة الظلّ كانت تعمل مِن خارج دائرة الميدان، لذا فهي التي تنظّم اليوم عمل المقاتلين، وإذا كانت روح المقاومة لدينا حاضرة، وهناك قيادة تدير الموقف، فلن يضرّنا شيء».

وفي الاتّجاه نفسه، يرى الباحث السياسي مجد ضرغام أن «الضربات التي تلقّتها العرين ستؤثّر بلا شكّ على اندفاع هذه الجماعة وديناميكيتها»، غير أنها «ستُكسبها مزيداً من الهدوء، وضبط الخطاب الإعلامي، والتعاطي مع الأزمات (…)»، بحسبه. ويرى ضرغام، في حديث إلى «الأخبار»، أن «السلطة وإسرائيل لم تُحسنا فهم الحضور الوجداني للعرين ومقاتليها في الشارع، لذا، فإن خطواتهما الميدانية قاصرة عن القضاء على الظاهرة جذرياً»، لافتاً إلى أن «هناك جنديَّين في جهاز الدفاع المدني حاولا تنفيذ عملية عند حاجز حوارة القريب من نابلس يوم أمس، ما أدّى إلى استشهادهما. بالتأكيد، هما ليسا من العناصر المنضوية في تشكيل العرين، لكن الرابط بين قرارهما القيام بالفعل المقاوم، والعرين، هو الذي لا تستطيع إسرائيل ولا السلطة تقويضه».

كفى لمهزلة ممثل الأمم المتحدة في فلسطين.. ولما الصمت عليه؟!

كتب حسن عصفور

 واصل منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط النرويجي “تور وينسلاند”، استخفافه بالشعب الفلسطيني وقضيته، وتجاهله الغريب لقرارات الشرعية الدولية، التي مفترض أنه ممثلها، وكذلك تقارير مجلس حقوق الإنسان وتقارير المفوضية، وخاصة التقرير الأخير.

النرويجي “وينسلاند”، وخلال تقديم تقريره لمجلس الأمن يوم الجمعة 28 أكتوبر 2022، قال “أنا قلق بشأن شدة العنف في الضفة الغربية المحتلة، لاسيما مع ارتفاع عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية، والهجمات المسلحة العديدة التي شنها فلسطينيون ضد إسرائيليين، بما في ذلك جرائم قتل وعنف من جانب مستوطنين”، وأضاف “تصاعد اليأس والغضب والتوتر المتراكم مرة أخرى في دائرة عنف دامية يصبح احتواؤها صعبًا أكثر فأكثر”.

أقوال، تصل الى مساواة “مجرم الحرب” وفق كل التقارير الدولية، بالشعب الذي يدافع عن حقه المطلق في مواجهة مرتكبيها، تقرير يتغافل كليا عن جوهر الأمر، ان هناك احتلال لأرض وشعب دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة، تمتلك من القرارات التي لم تنفذ، ما لم تمتلكه قضية أخرى في التاريخ الإنساني.

حديث المندوب “الأممي”، عن “القتل” من الفلسطينيين والهجمات المسلحة ضد “الإسرائيليين” محاولة دنيئة سياسيا، لوضع الأمر في سياق وكأنه “فعل ودر فعل” ومحاولة غير مستقيمة أبدا لوضع “المساواة” مؤكدا بذلك، انه لا يعترف أن دولة الكيان هي دولة احتلال لدولة أخرى.

مقارنة بتلك الأقوال التي تتوافق ورؤية الكيان الغازي لأرض دولة فلسطين، يشير أحدث تقارير مفوضية الأمم المتحدة في مجلس حقوق الإنسان، الى انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، وأنها ستحقق في اتهامات “الفصل العنصري”.

ووصفت رئيسة المفوضية والمسؤولة السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة نافي بيلاي الفصل العنصري بأنه “مظهر من مظاهر الاحتلال”، وقالت “إسرائيل ليس لديها نية لإنهاء هذا الاحتلال، وبالتالي، إذا تركت دون معالجة من قبل المجتمع الدولي، فإننا نخشى أن الصراع سيستمر إلى ما لا نهاية”.

المفترض أن النرويجي وينسلاند، مكلف بتمثيل الأمم المتحدة، وعليه الالتزام الكامل بقراراتها وما يصدر عنها، واعتبار أن الوضع القائم، هو احتلال وممارسات فصل عنصري وتطهير عرقي، وأن يعمل على وضع “مرجعتيه” بالحقيقة السياسية اليومية، وليس الهروب الى لغة وعبارات تضيع الحق الفلسطيني لتحمي الباطل الاحتلالي.

يبدو أن تعبير الاحتلال، الفصل العنصري، التطهير العرقي ومعها جرائم حرب من خلال تنفيذ اعدامات ميدانية، أو وفقا لنظرية كان “يفكر” في تنفيذ عمل، لا تمثل جزءا من “ثقافة” وينسلاند، وركز اهتمامه على “البعد الانشائي”، الذي يعتقد انه “نفق هروب” من تحديد الواقع لمحتل يمارس كل مظاهر العنصرية والغزو، وممارسات فاشية من خلال “جيش وفرق إرهابية استيطانية”.

“وينسلاند” يعتقد أن سبب ما يحدث هو “غياب المفاوضات السياسية بين الطرفين”، وهذا بذاته يمثل “جريمة حرب سياسية”، من خلالها يهرب الممثل الأممي من وضع مجلس الأمن والهيئة الدولية أمام حقيقة المحتلين وممارساتهم العنصرية، ومتجاهلا أن دولة الكيان مارست القتل، الإرهاب والتدمير والمفاوضات قائمة في سابق زمن كان لا زال متدرب في غرف مدرسية.

“وينسلاند”، يريد استبدال مطالبة فلسطين بتشكيل قوات حماية دولية الى البحث عن مفاوضات لم يعد لها قيمة سياسية مطلقا، وتجاهل بشكل مريب، ان دولة الكيان وحكوماتها ترفض الاتصال السياسي بالرئيس محمود عباس والسلطة، وأن عمليات التهويد الاستيطاني كسرت كل ما رود في اتفاق “إعلان المبادئ – أوسلو” وتتعامل مع الضفة والقدس وكأنها جزء من المشروع التهويدي، باعتبارها “يهودا والسامرة وأورشليم” وليس الضفة والقدس وفقا للمتفق.

تقرير “وينسلاند” الأخير، امام مجلس الأمن يجب أن يفتح الباب لطرده من فلسطين، وألا يستمر ممثلا لهيئة دولية وهو يخالف كل قراراتها ويعمل لحماية دولة الاحتلال ويمارس “التضليل والخداع”، ولا يحتاج المرء كثيرا ليرى مدى رضا “الحكومة الفاشية” في تل أبيب عن دوره وممارساته، عندما يقرأ ويسمع “الهجوم المسعور” ضد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق إنسان، التي تجسد قرارات الأمم المتحدة، والصمت الكلي عن أي كلمة نقد لهذا النرويجي.

“قلق وينسلاند” يساوي بين الفلسطيني الذي يبحث حقه في التحرر الوطني، وبين إرهابي وغازي محتل يعمل على تهويد أرض دولة عضو في الأمم المتحدة.

هل “الرسمية الفلسطينية” عاجزة عن مواجهة هذا الـ “وينسلاند”، أم أنها “مرتعشة” من قوى “خارقة” تحمي هذا المضلل ساتر دولة الاحتلال بنقاب أممي.

كفى صمتا على أفعال تهين الشعب الفلسطيني وتدافع عن قاتله..وعار أكبر على فصائل تفتح له الباب لآنه بات “نفقا” بينها وبين دولة العدو القومي عبر عاصمة هناك.

“ويسنلاند” برة برة..فلسطين حرة حرة..هذا ما يجب أن يكون شعارا وطنيا عاما، في مواجهة ممثل دولة الكيان الغازي.

ملاحظة: كان مثيرا للريبة ان يصدر بيانا باسم مجموعة “عرين الأسود” يتوعد المحتلين بالرد الصاعق، لكنه تجاهل كليا الإشارة الى شهداء أبناء فتح والجهاز الأمني بيد قوات العدو صباح ذات يوم الوعيد…بيان يجب ان يفتح باب التفكير في بعض ما يصدر وهل حقا هو لفعل وطني أم لغاية أخرى..بهدوء فكروا!

تنويه خاص: جنين دوما تقدم “نموذج مختلف”..الوطنية بها ليست استعراضا ولا بيانا لشهرة..قدمت نموذج “وحدة الفدائيين” الحق مش “بريمة الكلام..وهاي هي تقدم نموذج مفرح بتنظيم حركة الإضرابات والاعتصامات وفقا للمصلحة العامة لا غير..فعلا “تسلم الأيادي يا جنين النموذج”!

بين (الحياد) و (الانخراط) في العلاقة الصراعية مع الاحتلال

بسام الصالحي

من المهم رؤية المظاهر التي بات عليها الوضع الفلسطيني الراهن بعد مسيرة تسعة وعشرين عاما من توقيع اتفاقية اوسلو، والتغيرات التي حملتها على الصعيدين السياسي، والاجتماعي الاقتصادي، بما في ذلك التغيير في الهيكل الاجتماعي الفلسطيني ومركباته وما انطوى عليه من تغيرات ذات مضامين طبقية متنوعة، بالإضافة الى التغير الضخم الذي حملته ولا تزال حالة الانقسام الفلسطيني.

تتعرض هذه المقالة إلى  حالة التعاطي مع التحديات الوطنية الراهنة  التي يفرضها الاحتلال، ونعني بها بشكلٍ خاص تصاعد العدوانية الاسرائيلية المتزايدة ضد الشعب الفلسطيني والتي تتمثل في زيادة العدوانية العسكرية والأمنية من جيش الاحتلال ومستوطنيه من جهة، وفي ذات الوقت توسيع تدخلات “الادارة المدنية” الاسرائيلية وإعادة التواصل المباشر من قبلها مع الجمهور الفلسطيني من الجهة الأخرى، وكل ذلك في ظل الرفض الاسرائيلي الواضح لإنهاء الاحتلال، واستبداله في الواقع بتطبيق “صفقة القرن” واجهاض اي افق سياسي للحل القائم على تنفيذ قرارات الامم المتحدة.

ولا شك ان هذا الانكشاف في علاقة الاحتلال المباشرة بشقيها العدواني والمدني الاسرائيلي مع الشعب الفلسطيني، ولد ويولد من الوجهة الأخرى مقاومة باسلة ومتحدية للاحتلال من قبل الشعب الفلسطيني ومن قبل أوساط الشباب فيه بشكل خاص في معظم المناطق تقريبا، وأيضاَ تفاعلا مع “التسهيلات” أكثر من أية فترات سابقة.

إن حالة تعاطي الأطراف المركزية الفلسطينية مع هذه التحديات تتطلب تعديلا جذريا، فواقع هذا التعاطي يغلب عليه الميل إلى (الحياد) بدلا من تعزيز (الانخراط) في مواجهة هذه التحديات، ونعني هنا في الاطراف المركزية كلا من السلطة الفلسطينية (بشقيها) في الضفة وغزة، ومنظمة لتحرير الفلسطينية، ثم القوى والفصائل الفلسطينية، وبدرجات أقل يمكن انسحاب ذلك على مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني بهذه الدرجة او تلك.

ويساعد الموقف الفلسطيني بالتأكيد على الطبيعة الصراعية للعلاقة مع الاحتلال،  بوصفها علاقة بين شعب محتل ودولة احتلال، والتخلص من الالتباسات التي طبعت هذه العلاقة نتيجة الاتفاقات مع اسرائيل وما ترتب عليها من التزامات، يساعد على تعزيز (الانخراط) من قبل كل الاطراف المركزية في الصراع والتخلص بشكل كامل من ميول (الحياد) بغض النظر عن اية تبريرات او انكار  لذلك.

إن هذه الاطراف رغم التفاوت بينها كمكونات وبين اطرافها في كل مكون ، انزاحت بشكل منهجي متزايد نحو (الحياد) في هذا الصراع بشقيه العدواني الأمني، والمدني  الاسرائيلي، بدلاَ من تعزيز (الانخراط) الذي يشكل هدف وجود هذه الاطراف جميعا كمجاميع  وكمكونات في كل مجموع.

يسعى الاحتلال للتعامل مع السلطة الفلسطينية وفقا لخيارين، أما الحياد من قبل السلطة في تعامل الاحتلال مع (متطلباته) الأمنية وتسهيلاته المدنية، أو التعاون معه في تحقيقها بهذه الطريقة او تلك بما فيها غض النظر عنها وتقليص مستوى رد الفعل تجاهها، وبالنسبة لسلطة غزة فانه يمارس ذات الضغط على قاعدة (الأمن مقابل التسهيلات).

وبغض النظر عن مدى التوقعات التي يتوخاها الاحتلال من ذلك والتي تعيقها طبيعة الجذور الوطنية والسياسية لمركبات السلطة إلا ان الاحتلال يهدف الى زيادة (الحياد) من هذه الأطراف كحد أدنى ولا يتورع عن الضغط والمجاهرة بوقاحة من اجل ان تقوم السلطتان بتنفيذ مطالباته الخاصة في كل من الضفة من جهة وغزة من الجهة الأخرى.

وبرغم التفاوت في وضعية السلطة بين كل من الضفة وغزة، إلا ان المسعى الاسرائيلي المنهجي (للتحييد) هو مسعى مستمر ومتواصل وتسانده في ذلك التدخلات الخارجية من الولايات المتحدة أساساَ ثم أيضاَ من الدول الاقليمية المنخرطة في الشأن الفلسطيني وابرزها تركيا وقطر والامارات، بالإضافة إلى كل من مصر والاردن اللتان تتميزان بوضعهما الخاص مع القضية الفلسطينية.

في مقابل حالة (التحييد) بغض النظر عن درجته، فان المهم وقف هذا الاتجاه والتركيز على (الانخراط) كبديل موضوعي والزامي لمنع تكريس (التحييد) بصورة مقصودة أو غير مقصودة، و(الانخراط) هنا ليس أمراَ مستحدثاَ أو طارئاَ، فهذا هو مضمون دور الحركة الوطنية وكل مركباتها وهو مضمون دور منظمة التحرير التي قادت الثورة الفلسطينية المعاصرة، والدور المفترض للسلطة الفلسطينية باعتبارها جزءا منها وباعتبارها سلطة (انتقالية) تأسست وفقا لذلك.

ومن الواضح ان ضعف (الانخراط) وتراجعه حكمتهما عوامل مختلفة بما فيها عوامل موضوعية ولكن أمر تغيير الاتجاه وتعزيز (الانخراط) محكوم بالإرادة السياسية وبالقرار السياسي والذي لا يخلو من صعوبات ولدتها المصالح والرؤى  المختلفة في مراكز القرار المتنوعة.

إن (الانخراط) يحمل ترجمته عبر مظاهر واليات متنوعة يعززها الوعي  والمثابرة والمسؤولية  الوطنية، ومنطلقها الأساسي الانحياز إلى الشعب والعمل في أوساطه وتلبية متطلبات صموده وعدم السماح بتركه وحيدا أو بمبادراته الذاتية في مواجهة عدوانية الاحتلال أو سياساته الاقتصادية، بل قيادته وتنظيم هذه القيادة من اجل تحقيق الاهداف المشروعة لشعبنا في التحرر والاستقلال والعودة.

إن الاطار العام المذكور في هذه المقالة لا يعني مساواة الأطراف فيما ذكر فيها من اتجاه عام، فهناك مستويات مختلفة وتباينات بذلك، إلا ان الحقيقة تؤكد انه بمقدار  انزياح كل طرف وكل مركب من مركبات البنية السياسية الفلسطينية نحو تعزيز هذا (الانخراط) بمقدار ما يبرر وجوده الفعلي والقيادي للشعب الفلسطيني، وهو بذلك يقطع الطريق على اوهام الاحتلال بتكريس حالة (الحياد) او التمادي فيها إلى حد المطالبة (بانخراط) معاكس تحت سيل من المسميات والذرائع  المختلفة.

إن الطبيعة الصراعية للعلاقة مع اسرائيل بين شعب محتل ودولة احتلال، والتخلص من الالتباسات التي طبعت هذه العلاقة نتيجة الاتفاقات مع اسرائيل وما ترتب عليها من التزامات، يفرض في الواقع تعزيز (الانخراط) والتخلص بشكل كامل من وهم (الحياد) بغض النظر عن اية تبريرات أو انكار لذلك، كما يفرض التمسك بهذا الموقف وعدم السماح بتمييعه او التراجع عنه.

بعض النقاط على حروف مهمة

محمد بركة

في بداية العام ٢٠١٢ وتحديدًا في الشهر الأول منه، وكنت آنذاك رئيسا للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة ونائبا عنها في الكنيست، وعلى غير عادة، تلقيت اتصالا هاتفيا مفاجئا من رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك بنيامين نتنياهو، الذي قال لي إنه بصدد فرض ما أسماه بتقاسم العبء، وبمعنى آخر أنه ينوي فرض خدمة الزامية معينة على المواطنين العرب كبديل للخدمة العسكرية.

خلفية الموضوع ان نتنياهو أراد استمالة أفيغدور ليبرمان وكسب رضاه بعد أن هدد الأخير بفك الائتلاف الحاكم لأنه أراد فرض خدمة عسكرية أو “مدنية” على العرب والحريديم.

ليبرمان هذا هو صاحب مقولة “بدون ولاء (لطابع الدولة الصهيوني) لا توجد مواطنة” وضغط على نتنياهو في حينه لتنفيذ هذه المقولة.

هذه المقولة تعني أن على العربي التنازل عن هويته وثوابته والولاء لطابع الدولة العنصري (أو قبولها بحالتها وتعريفها العنصريين) مقابل حقوق “يومية مدنية”.

يومها قلت لنتنياهو إن هذا الامر غير وارد ونحن لا نقبل، لا حقوقا مشروطة ولا مواطنة مشروطة.

من نافل القول التأكيد إن نتنياهو باتصاله ذاك أراد تسجيل موقف لليبرمان وللإعلام، ولذلك قلت له باختصار قبل إنهاء المكالمة: صحيح انك تتحدث معي ولكنك لا تتحدث اليّ.

كان واضحا انه اراد إرضاء ليبرمان فقد علمت لاحقا أنه تحدث مع الاخوة، النواب احمد طيبي وجمال زحالقة ومسعود غنايم حول نفس الموضوع وتلقى منهم، ودون تنسيق مسبق بيننا، جوابا بنفس المعنى.

حلم الصهيونية وحلفائها القاضي بإلغاء الوجود الإنساني الفلسطيني في هذا الوطن وبانتزاع الهوية الوطنية والحقوق القومية من كينونة كل فلسطيني، لم يغب عنها يوما.

هذا ثابت عندهم، من ادبيات الصهاينة الاوائل مرورا بالنص الصريح في وعد بلفور الى النكبة والى اختراع عكاكيز عميلة وصولا الى مقولة رابين بعد يوم الارض إنه لا يعترف بحقوقنا القومية إنما بحقوق دينية وثقافية، وصولا الى ليبرمان وحتى ذروة الوساخة العنصرية التي تمثلت بسن قانون القومية ومن ثمّ الى مشاركة عربية صورية في ائتلاف حكومي.

لماذا أسوق هذا الكلام الآن؟

لأقول، مجددا، إن تفكيك المجتمع وتفتيت الهوية وتغريب الانسان الفلسطيني (بمختلف الطرق ومنها إسقاط سياسي وتجهيل واستهداف اللغة العربية وعدم الاعتراف بنا كمجموعة قومية وإشاعة الجريمة والتعامل الأمني معنا) ليسوا مجرد أخطاء سقطت “سهوا” في المشروع الصهيوني، انما هي سياسة استراتيجية تشكل جوهر هذا المشروع البغيض.

العنصرية الموجهة ضدنا هي لأننا فلسطينيون فهل يمكن مجابهة العنصرية دون مجابهة جوهرها؟!

الفلسطيني في الداخل لا يمكنه ان يكون جزءًا من منظومة الحكم في إسرائيل لأنها قائمة على أساس هذا المشروع، ولكنه يستطيع، لا بل عليه ان يكون مناضلا من أجل هويته الوطنية ومن أجل تحصيل حقوقه القومية والمدنية ومن أجل مُثُله الإنسانية من داخل الكنيست ومن خارجها ومن داخل البلاد ومن خارجها.

إن خلع معطف الهوية الجامعة والتخلي عن رداء الانتماء الى القضية الوطنية من اجل أوهام تلقّي فتاتٍ في قفص دواجن، سيقود الى تحقيق حلم الصهيونية من ناحية والى تعرّي مهين من ناحية اخرى:

لا فتات يقوتنا ولا رداء يلمّنا.

نحن لا نخافهم ونحن واثقون من علاقتنا مع هذه الارض (إمّا عليها وإمّا فيها) لكننا لسنا عبثيين لنقول إن تنامي الفاشية لا يهمّنا ولا يقلقنا.

علينا مجددا ومجددا التمسك بمقولة مؤتمر الجماهير العربية المحظور بأمر عسكري في العام 1981:

“لم ننكر، ولا يمكن ان ننكر حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: اننا جزء حي وواع ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني”.

لا نخاف

د. خالد تركي حيفا

لا نخاف نتنياهو ولا بن چفير ولا سموتريتش ، كما لم نخف من شمير ولا من شارون ولم نهب بن غوريون ولا كهانا ولا رحبعام رئيڤي ولا بيغن ولا الحكم العسكريِّ ولا الإقامات الجبريَّة، ولا مصادرة الأراضي ولا النَّفي ولا الإبعاد ولا التَّصاريح، ولا الشَّاباك ولا الشِّين بيت ولا السُّجون والمعتقلات، ولا التَّحريض، ولا التَّهديد ولا الوعيد، كلُّهم كانوا ومرُّوا من هنا وبقينا نحن، صامدين ثابتين راسخين في هذه الأرض، أرض الآباء والأجداد، التي عليها “ما يستحقُّ الحياة”، رافضين الذُّلَّ والهوان، فهيهات منَّا الذِّلَّة لا نهاب الرَّدى، ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يا رفاقي، أنتم مؤمنون ايمانًا ثابتًا بطريقنا المنتصر، علَّمتنا الحتميَّة التَّاريخيَّة أنَّ الاحتلال إلى زوال، مهما تمادى المحتلُّ في غيِّه، وجباروته فنحن على صدورهم باقون، وفي حلوقهم كقطعة الزُّجاج، كالصَّبار، أعطني إرادةً أُعطيك مستقبلاً، وليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

حُماة الدِّيار

حافَظوا على وجودنا وانتمائنا، ولغتنا، وقوميتنا، وبقائنا فوق ارضنا، ومنعوا تهجيرَنا، يوم نكبة شعبنا، عندما منعوا قوافل التَّهجير من طرد سكَّان القرى والمدن العربيَّة، من وطنها حين منعوا المركبات من نقلهم، باجسادهم، ومن بعد النَّكبة منعوا التَّرحيل، ومصادرة الاراضي، والغاء هُويَّتنا العربيَّة، فكانت انتفاضة شعبنا الأولى في الذِّكرى السَّنويَّة العاشرة لنكبة شعبنا، بقيادة حزبنا الشُّيوعيِّ، بمواجهات عنيفة مع رجال البوليس، علَّمونا الشَّجاعة والبسالة والجرأة، وعملوا على كسر اصفاد الحكم العسكريِّ البغيض وانتصروا، ونشروا العلم والثَّقافة بيننا، وحبَّ الحياة والإنسان والأرض، ومنها تخرَّج اعلام الشِّعر والادب والثَّقافة والعلم والنِّضال، اليوم كما في كل يوم، علينا أن نردَّ لهم هذا الجميل وذلك في الاوَّل من تشرين الثَّاني، يوم القَول الفَصل، كسرنا شوكتهم وفقأنا وسَمَلنا عيونهم، عندما أرادوا لنا أن نكون “حطَّابين وسُقاة ماء” ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

إذا شئتَ فأنتَ قادر

لقد كسر حزبنا الشُّيوعيُّ حاجز الخوف، وزرع فينا حبَّ الأرض والوطن، الحبَّ لشعبنا العربي الفلسطينيِّ، والعربيِّ عامَّة، وأنَّنا ننتمي لهذا الجزء الحيِّ والأصيل من هذا الشَّعب، من

محيطه إلى خليجه، علَّمنا أنّه “حتَّى لو جوبهنا بالموت نفسه لن ننكِرَ أصلنا العريق، انَّنا جزءٌ حيٌّ وواعٍ ونشيط من الشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ، نحن أهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن، من العمى السِّياسيِّ والتَّوجُّه الكارثيِّ، أن يتصوَّر القائمون على هذه الدَّولة أنَّهم يستطيعون اقتلاعنا من جذورنا الضَّاربة عميقًا في تربة وطننا، لقد صمدت الجماهير العربيَّة وهي أقليَّة ضئيلة لا يتجاوز عددها المئة وخمسين ألفًا، وهي تعاني صاعقة نكبة الشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ وحرب الثَّماني والأربعين واستطاعت حتَّى في تلك الفترة العصيبة أن تتغلب على شعور التمزُّق والضَّياع فخاضت معركة البقاء بصلابة وحزم.. فما بالكم اليوم وقد أصبحت جماهير واعية، متراصَّة الصُّفوف، متلاحمة القوى فخورة بأبنائها، تتَّسم بالتَّفاؤل وبالثِّقة الذَّاتيَّة، تخوض معاركها دفاعًا عن حقوقها اليوميَّة والقوميَّة مؤمنةً بعدالة قضيَّتها وصدق طريقها؟”..لقد علَّمنا أنَّه يمكن لكفِّنا أن تُناطح وتُلاطمَ المِخرزَ، وأن تلويه، كما يلوي الأرنب ذيله حين يهربُ، علَّمنا الصُّمود وأنَّ “الدُّنيا تؤخذُ غِلابا”، ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

يوم الأرض

حين حاولت السُّلطة الرَّسميَّة إفشال قرار الإضراب، عبر قراراتهم بالتَّهديد والوعيد والتَّخويف والتَّحذير، ومن خلال عكاكيزها السُّلطويَّة من ابناء جلدتنا، وقفت جماهير بلادي صامدةً عاتيةً على العاتي، متحدِّيةً يد السُّلطة الحديديَّة وهجمتها الدَّمويَّة الشَّرسة الرَّعناء، ووقف رفيقنا توفيق زيَّاد، القائد الشُّيوعيُّ، بإرادته الصَّلبة كإرادة شعبه، قائلاً: “قرار الإضراب للشَّعب، والشَّعب قرَّر الإضراب وهذا هو القرار النِّهائيُّ”، وكان إضراب يوم الأرض يومًا نضاليًّا مفصليًّا حازمًا، صنع لشعبي العربيِّ الفلسطينيِّ الصَّامد فوق ترابه مجدَه وعزَّته، حين كسر حاجز الخوف والرُّعب عند جماهيرنا ووقف شعبي ببطولة وبسالة دفاعًا عن حقِّه في أرضه ومقاوِمًا لمخطَّط تهويد الجليل والقهر القوميِّ والتَّمييز العنصريِّ، وانتصر دمُ شهدائنا وجرحانا على سيوفهم..

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

حيفا عروس السَّاحل الشَّاميِّ

حيفا عروس السَّاحل الشَّاميِّ، منذ أربعينات القرن المنصرم، وما زالت، محورًا وطنيًّا أمميًّا، منذ تأسيس عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ وإصدار صحيفة “الإتِّحاد”، مرورًا بنكبتها، وتوزيع منشور البقاء في الوطن، والدِّفاع عن البيوت التي هُجِّر أهلها منها، ومحاولة رفاقنا إرجاعهم إلى بيوتهم، حيفا معركة الصُّمود ضدَّ الحكم العسكريِّ البغيض، حيفا التي أبدعت في تكريم الشَّباب الثلاثة المغدورين، جورج سليم شاما، جريس ذياب بدين، وريمون يوسف مارون، وفي جنازة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا، مرورًا بهبَّة تشرين في العام الفين والدِّفاع عن أحياء حيفا العربيَّة، فكانت حيفا دومًا العرين لقيادة الشُّيوعيِّين، وجماهير حيفا ما انفكَّت تحافظ على هذا البيت الدَّافئ..

فلا يُمكنني أن اتصوَّر يوم الأرض في حيفا، ونجاحه بالتَّمام دون رفاقي في الحزب الشُّيوعيِّ والشَّبيبة الشُّيوعيَّة، واصدقائهم من الوطنيِّين الشُّرفاء، هُم هُم من صنع القرار ومن صنع الصُّمود والمثابرة..

كذلك لا يُمكنني أن أتصوَّر نجاح يوم الأرض الأوَّل، في البلاد، دون حزبنا الشُّيوعيِّ ورفاقه الأبطال وأصدقائه الوطنيِّين الشُّرفاء الذين دعموا وساندوا ووقفوا بشموخ وإباء مع أبناء

شعبهم لنصرة قضاياه..

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

نداء إلى أهلي

أهيب بأبناء شعبي الشُّرفاء أن يصنعوا نصرًا لشعبهم، في الفاتح من تشرين الثَّاني، أن ينزلوا للتَّصويت، لقول كلمة الحقِّ في وجه الطَّاغوت، كلمة حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائر، فهذه معركة مصيريَّة لها ما بعدها من معارك وجوديَّة ومصيريَّة، فإذا فشلنا الآن سيكون لها تداعيات خطيرة على وجودنا فوق أرضنا، هذه معركة تهُمُّنا جميعًا، لن نقول “ما دام جلدي سالِمًا ما لي وما للآخرين”، علينا أن نُحافظ على سلامة جلدنا وبصرنا وبصيرتنا وقلبنا، قبل أن يُمشُّونا “على ألواح صبرٍ برجلٍ حافيةٍ، وقبل أن يهوي “العسكر بالسَّوط على ظهره..نار حامية”..

لا نَهاب الزَّمــن إن سَــقــانــا المــحَــن

فــي سَبيلِ الوطن كَـم قــتــيـلٍ شَهيد

نـدفـعُ الضَّيمَ ونـبـني للعُلى صَرحًا مَجيد

المجد والخلود للشُّهداء وللطَّاغوت الفناء والبلاء..

“حملنا الرَّاية عندما لم يكُن غيرنا في الميدان وأنتم من يستطيعُ أن يصنع التَّغيير بأن تَضمنوا تَصويت أهلِكم وأصدقائكم للقائمة، كلُّ صوتٍ يُغيِّر وكلُّ صوتٍ يؤثِّر ولكم دوركم الذي هو واجبكم تجاه شعبكم وحزبكم”..

لن يمرُّوا فوق أرضي..

نملك القرار، كلمتُنا واضحة عند السُّلطان الجائر ومؤلَّفة من حرفين، هما وم..

وَما لشعبِنا سِوى الجبهة حِصنٌ إِذا ما الضُّرُّ مَسَّهُمُ وَنابا

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوِم ولا يُساوِم..وم..

لا نخاف نتنياهو ولا بن چفير ولا سموتريتش ، كما لم نخف من

شمير ولا من شارون ولم نهب بن غوريون ولا كهانا ولا رحبعام رئيڤي ولا بيغن ولا الحكم العسكريِّ ولا الإقامات الجبريَّة، ولا مصادرة الأراضي ولا النَّفي ولا الإبعاد ولا التَّصاريح، ولا الشَّاباك ولا الشِّين بيت ولا السُّجون والمعتقلات، ولا التَّحريض، ولا التَّهديد ولا الوعيد، كلُّهم كانوا ومرُّوا من هنا وبقينا نحن، صامدين ثابتين راسخين في هذه الأرض، أرض الآباء والأجداد، التي عليها “ما يستحقُّ الحياة”، رافضين الذُّلَّ والهوان، فهيهات منَّا الذِّلَّة  لا نهاب الرَّدى، ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يا رفاقي، أنتم مؤمنون ايمانًا ثابتًا بطريقنا المنتصر، علَّمتنا الحتميَّة التَّاريخيَّة أنَّ الاحتلال إلى زوال، مهما تمادى المحتلُّ في غيِّه، وجباروته فنحن على صدورهم باقون، وفي حلوقهم كقطعة الزُّجاج، كالصَّبار، أعطني إرادةً أُعطيك مستقبلاً، وليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

حُماة الدِّيار

حافَظوا على وجودنا وانتمائنا، ولغتنا، وقوميتنا، وبقائنا فوق ارضنا، ومنعوا تهجيرَنا، يوم نكبة شعبنا، عندما منعوا قوافل التَّهجير من طرد سكَّان القرى والمدن العربيَّة، من وطنها حين منعوا المركبات من نقلهم، باجسادهم، ومن بعد النَّكبة منعوا التَّرحيل، ومصادرة الاراضي، والغاء هُويَّتنا العربيَّة، فكانت انتفاضة شعبنا الأولى في الذِّكرى السَّنويَّة العاشرة لنكبة شعبنا، بقيادة حزبنا الشُّيوعيِّ، بمواجهات عنيفة مع رجال البوليس، علَّمونا الشَّجاعة والبسالة والجرأة، وعملوا على كسر اصفاد الحكم العسكريِّ البغيض وانتصروا، ونشروا العلم والثَّقافة بيننا، وحبَّ الحياة والإنسان والأرض، ومنها تخرَّج اعلام الشِّعر والادب والثَّقافة والعلم والنِّضال، اليوم كما في كل يوم، علينا أن نردَّ لهم هذا الجميل وذلك في الاوَّل من تشرين الثَّاني، يوم القَول الفَصل، ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

إذا شئتَ فأنتَ قادر

لقد كسر حزبنا الشُّيوعيُّ حاجز الخوف، وزرع فينا حبَّ الأرض والوطن، الحبَّ لشعبنا العربي الفلسطينيِّ، والعربيِّ عامَّة، وأنَّنا ننتمي لهذا الجزء الحيِّ والأصيل من هذا الشَّعب، من

محيطه إلى خليجه، علَّمنا أنّه “حتَّى لو جوبهنا بالموت نفسه لن ننكِرَأصلنا العريق، انَّنا جزءٌ حيٌّ وواعٍ ونشيط من الشَّعب العربيِّالفلسطينيِّ، نحن أهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن، من العمى السِّياسيِّ والتَّوجُّه الكارثيِّ، أن يتصوَّر القائمون على هذه الدَّولة أنَّهم يستطيعون اقتلاعنا من جذورنا الضَّاربة عميقًا في تربة وطننا، لقد صمدت الجماهير العربيَّة وهي أقليَّة ضئيلة لا يتجاوز عددها المئة وخمسين ألفًا، وهي تعاني صاعقة نكبة الشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ وحرب الثَّماني والأربعين واستطاعت حتَّى في تلك الفترة العصيبة أن تتغلب على شعور التمزُّق والضَّياع فخاضت معركة البقاء بصلابة وحزم.. فما بالكم اليوم وقد أصبحت جماهير واعية، متراصَّة الصُّفوف، متلاحمة القوى فخورة بأبنائها، تتَّسم بالتَّفاؤل وبالثِّقة الذَّاتيَّة، تخوض معاركها دفاعًا عن حقوقها اليوميَّة والقوميَّة مؤمنةً بعدالة قضيَّتها وصدق طريقها؟”..لقد علَّمنا أنَّه يمكن لكفِّنا أن تُناطح وتُلاطمَ المِخرزَ، وأن تلويه، كما يلوي الأرنب ذيله حين يهربُ، علَّمنا الصُّمود وأنَّ “الدُّنيا تؤخذُ غِلابا”، ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

يوم الأرض

حين حاولت السُّلطة الرَّسميَّة إفشال قرار الإضراب، عبر قراراتهم بالتَّهديد والوعيد والتَّخويف والتَّحذير، ومن خلال عكاكيزها السُّلطويَّة من ابناء جلدتنا، وقفت جماهير بلادي صامدةً عاتيةً على العاتي، متحدِّيةً يد السُّلطة الحديديَّة وهجمتها الدَّمويَّة الشَّرسة الرَّعناء، ووقف رفيقنا توفيق زيَّاد، القائد الشُّيوعيُّ، بإرادته الصَّلبة كإرادة شعبه، قائلاً: “قرار الإضراب للشَّعب، والشَّعب قرَّر الإضراب وهذا هو القرار النِّهائيُّ”، وكان إضراب يوم الأرض يومًا نضاليًّا مفصليًّا حازمًا، صنع لشعبي العربيِّ الفلسطينيِّ الصَّامد فوق ترابه مجدَه وعزَّته، حين كسر حاجز الخوف والرُّعب عند جماهيرنا ووقف شعبي ببطولة وبسالة دفاعًا عن حقِّه في أرضه ومقاوِمًا لمخطَّط تهويد الجليل والقهر القوميِّ والتَّمييز العنصريِّ، وانتصر دمُ شهدائنا وجرحانا على سيوفهم..

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

حيفا عروس السَّاحل الشَّاميِّ

حيفا عروس السَّاحل الشَّاميِّ، منذ أربعينات القرن المنصرم، وما زالت، محورًا وطنيًّا أمميًّا، منذ تأسيس عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ وإصدار صحيفة “الإتِّحاد”، مرورًا بنكبتها، وتوزيع منشور البقاء في الوطن، والدِّفاع عن البيوت التي هُجِّر أهلها منها، ومحاولة رفاقنا إرجاعهم إلى بيوتهم، حيفا معركة الصُّمود ضدَّ الحكم العسكريِّ البغيض، حيفا التي أبدعت في تكريم الشَّباب الثلاثة المغدورين، جورج سليم شاما، جريس ذياب بدين، وريمون يوسف مارون، وفي جنازة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا، مرورًا بهبَّة تشرين في العام الفين والدِّفاع عن أحياء حيفا العربيَّة، فكانت حيفا دومًا العرين لقيادة الشُّيوعيِّين، وجماهير حيفا ما انفكَّت تحافظ على هذا البيت الدَّافئ..

فلا يُمكنني أن اتصوَّر يوم الأرض في حيفا، ونجاحه بالتَّمام دون رفاقي في الحزب الشُّيوعيِّ والشَّبيبة الشُّيوعيَّة، واصدقائهم من الوطنيِّين الشُّرفاء، هُم هُم من صنع القرار ومن صنع الصُّمود والمثابرة..

كذلك لا يُمكنني أن أتصوَّر نجاح يوم الأرض الأوَّل، في البلاد، دون حزبنا الشُّيوعيِّ ورفاقه الأبطال وأصدقائه الوطنيِّين الشُّرفاء الذين دعموا وساندوا ووقفوا بشموخ وإباء مع أبناء

شعبهم لنصرة قضاياه..

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوم ولا يُساوم..وم..

نداء إلى أهلي

أهيب بأبناء شعبي الشُّرفاء أن يصنعوا نصرًا لشعبهم، في الفاتح من تشرين الثَّاني، فهذه معركة مصيريَّة لها ما بعدها من معارك وجوديَّة ومصيريَّة، فإذا فشلنا الآن سيكون لها تداعيات خطيرة على وجودنا فوق أرضنا..

لا نَهاب الزَّمــن إن سَــقــانــا المــحَــن

فــي سَــبــيــلِ الوطــن كَــم قــتــيـلٍ شــهـيـد

نـدفـعُ الضَّيمَ ونـبـني للعُلى صَرحًا مَجيد

ليكُن صوتك كصوتي يُقاوِم ولا يُساوِم..وم..

نحن المعسكر الآخر الرافض الاحتلال والأبرتهايد

عايدة توما سليمان

خلال الأيام الأخيرة، قامت الدنيا ولم تقعد على ما يبدو لأنني استخدمت كلمة “شهداء”، لكن في الواقع، جُنّ جنون البعض لأنني قلت حقيقة واحدة بسيطة: كلما صعّد الاحتلال من جرائمه وقمعه، تصاعدت حدة المقاومة. يغزو جيش الاحتلال مدن الضفة الغربية المحتلة يوميًا، يعدم الفلسطينيين دون محاكمة ويفرض حصارًا إجراميًا على غزة، لكن يبدو أن أعضاء “حكومة التغيير” يتوقعون من الشعب الفلسطيني أن يحني رأسه ويقبل بتواضع حكم المحتل. وللأسف، حتى من يسمون أنفسهم بـ “اليسار الصهيوني” انضموا إلى جوقة التحريض العنصرية التي تصف كل من يعارض الاحتلال بالإرهابي، وكل من لا يصمت أمام جرائم الاحتلال، داعم إرهاب.

في السنوات الأخيرة، قبل الكثير من اليساريين، بالخفاء أو العلن، بخطاب ومصطلحات اليمين المتطرف، واعتاد الكثير منهم على ممارسة الرقابة الذاتية وعدم قول كل ما هو غير مريح للمناخ السياسي الحالي. يتحدثون كثيرًا عن الاستقرار الحكومي كقيمة عليا، لكن المعنى الحقيقي للاستقرار الحكومي الذي يتحدثون عنه هو غياب أي مبادرة أو رؤية سياسية حقيقية. تتوحد الأطراف، ولكن دعمًا على الأمور الخاطئة، حكومة تلو حكومة تسقط، لأنهم يرفضون طرح حلول حقيقية للمشكلات العالقة، حتى نقاش حقيقي حول البدائل الفكرية للوضع القائم لم يجر هنا منذ سنوات.

خوفًا مما سيحدث إذا عاد بنيامين نتنياهو للحكم، أو إذا أصبح ايتمار بن غفير وزيرًا للداخلية، تبنّى الكثيرون مفرداتهما وأكملوا ممارساتهما العنصرية على أرض الواقع – لا تقلْ نهاية الاحتلال بل تحدث عن إدارة الصراع، لا تطرحوا موضوع المستوطنات فالحديث عن اتفاقيات التطبيع مع دول الخليج وقعه أفضل على الأذن، ومن الأفضل عدم ذكر غزة المحاصرة منذ 15 عامًا وسيكون أكثر سلاسة لو تحدثنا عن السلام الاقتصادي.

ليس فقط البقاء في المنطقة المريحة لليمين المهيمن هو ما يتحمله المركز “واليسار الصهيوني” من مسؤولية، بل أيضًا تعميق الاحتلال وسياسة الفصل العنصري. في نظر أولئك الذين يطلقون على أنفسهم بالخطأ “كتلة التغيير”، وبحجة “ترتيب البيت والحفاظ على الديمقراطية”، من الممكن الاستمرار في إبقاء الملايين تحت الاحتلال والقمع اليومي – وماذا بشأن الفلسطينيين؟ فلينتظروا!

في مواجهة سياسة كم الأفواه، سأستمر أنا ورفاقي في معسكر اليسار العربي-اليهودي الحقيقي، برفع مرآة في وجه المجتمع الإسرائيلي وترديد عبارة “الملك عار”، على عكس كل أولئك الذين هربوا واصطفوا في طابور القومية الاسرائيلية. إن اليسار الحقيقي لا يصوت لصالح إبقاء أنظمة الفصل العنصري وتفتيت العائلات الفلسطينية، اليسار الحقيقي لا يتشدق بحل الدولتين هو ويجلس في حكومة تقتل وتقمع وتوسع المستوطنات وتتفنن في اضطهاد الشعب الفلسطيني، ومن ثم تعظ له بالأخلاق.

نحن لسنا جزءًا من المعسكرين القائمين، نحن المعسكر الآخر الذي يعارض الفصل العنصري ويحارب الاحتلال، نحن المعسكر الذي يناضل من أجل المساواة في الحقوق لجميع المواطنين في البلاد، نحن بنات وأبناء الشعب الفلسطيني ومواطنو الدولة ونستحق حقوقًا قومية وسياسية ومدنية واقتصادية متساوية، نحن يسار عربي-يهودي حقيقي يقول الحقيقة حتى لو لم تعجب الآذان، وحتى لو دفعنا ثمن ذلك. فقط من خلال إنهاء الاحتلال يمكن تحقيق الأمن الحقيقي، وليس من خلال المزيد من الاغتيالات والاعتقالات الادارية والحصار وتوسيع المستوطنات.

المقال نشر في صحيفة “هآرتس” بتاريخ 27.10

خسرت فلسطين وفازت جيبوتي والصومال

صالح المصري

الخسارة التي مُنيت بها نقابة الصحفيين الفلسطينيين في الفوز بانتخابات اتحاد الصحفيين العرب يجب أن تدفعنا كصحفيين ومهتمين بالعمل النقابي الفلسطيني للتوقف عندها كثيرا.

ما جرى خسارة وفشل كبيرين باعتبار أنه لأول مرة منذ تأسيس اتحاد الصحفيين العرب عام ١٩٦٤ تخرج نقابة الصحفيين الفلسطينيين من الأمانة العامة للاتحاد ومن اللجان الفرعية الأخرى.

فازت جيبوتي والصومال واليمن وموريتانيا بالأمانة العامة وفشلت فلسطين لأول مرة وهذا ما يجعلنا نتساءل ما الذي جرى لكي نخسر هذا التمثيل المهم في اتحاد الصحفيين العرب؟؟!!

حسب معرفتي فإن الجمعية العامة لانتخابات اتحاد الصحفيين خلال المؤتمر العام للاتحاد الـ14 المنعقد في القاهرة تحت عنوان (حرية.. مهنية.. مسؤولية) برعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تتكون من 80 شخص موزعين على 19 نقابة وهيئة وجمعية صحفية تمثل 18 دولة .

تجرى الانتخابات على جولتين في الجولة الأولى يتم اختيار 15 شخصاً يمثلون الدول الفائزة وتخرج 4 دول خارج الأمانة العامة.

وفي الجولة الثانية تختار الدول ال15 الفائزة الرئيس ونوابه ؛لكن فلسطين خسرت الانتخابات في الجولة الأولى الأمر الذي أثار تساؤلات كبيرة .

خسارة نقابة الصحفيين الفلسطينيين يجب أن تكون دافعا لاستعادة الوحدة في الجسم الصحفي لكي يكون ممثلا حقيقياً للصحفيين بعيداً عن المحاصصة التي تجري الآن.

طالما بقيت النقابة على هذا النحو فإن الهزائم ستتواصل، لذلك هذه الدعوة اليوم للقائمين على النقابة بعد أن خسروا الحضن العربي الذي احتوى القضية الفلسطينية منذ انطلاق الثورة أن يذهبوا إلى وحدة الصحفيين والتوجه نحو انتخابات حقيقية وقانونية وشفافة يشارك فيها المجموع الصحفي كله.

إن الدماء العزيزة التي تسيل على أرض فلسطين لاسيما دماء الصحفيين يجب أن تدفعنا للتوحد، واعتبار ما جرى من خسارة في اتحاد الصحفيين العرب يجب أن تكون رافعة لنتوجه لإجراء انتخابات تقودنا لتوحيد الجسم الصحفي لنحافظ على دماء الشهداء والمعتقلين والجرحى من الصحفيين الذي كتبوا لفلسطين بدمائهم الذكية.

الواقع السيء داخل الجسم الصحفي الفلسطيني هو الذي أوصلنا لهذه الخسارة الكبيرة في انتخابات الصحفيين العرب، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن مؤامرة هنا أو هناك ونحن الذين كنا نتغنى دوما بأهمية اتحاد الصحفيين العرب كمؤسسة إعلامية عربية حافظت دوما على الدفاع عن القضية الفلسطينية .

المطلوب هو مراجعة سريعة من كل الصحفيين كي لا تتكرر هذه الهزائم، ويجب أن نتذكر دوما أن أي إنجاز يمكن أن نحققه ونحن منقسمين هو بمثابة حركة في الهواء ليس لها قيمة طالما أن نقابة الصحفيين لا تمثل المجموع الصحفي وتستأثر بها جهة بعينها وتوزع فيها المناصب ضمن الكوتة السياسية .

وكانت نتائج انتخابات الأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب، التي جرت في القاهرة على هامش المؤتمر العلم الرابع عشر أسفرت عن فوز مؤيد اللامي وحاتم زكريا وخالد ميري و عبد الله البقالي و عدنان الراشد.

كما فاز بعضوية الأمانة العامة كلا من  عبد الله الجحلان وأميرة محمد وراشد نبيل و محمد الحمادي و عابى فارح و عبد الله حدى والصادق الرزيقى ومحمد شبيطة وموسى بهلى ويوسف القصيفي و انتخب الهاشمي نويرة بالإجماع مستشاراً للاتحاد، و عبدالوهاب الزغيلات لرئاسة لجنة الحريات للمرة الرابعة علي التوالي .

ويعتبر اتحاد الصحفيين العرب منظمة قومية شعبية مهنية ديموقراطية ـ ومقره الدائم القاهرة ، ويضم في عضويته 19 نقابة ، وشعاره: حرية ومسئولية .

تأسست لجنته التحضيرية في فبراير 1964 وعقدت اجتماعاتها بمقر نقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة .

عقد مؤتمره العام الأول في فبراير 1965 بالكويت، ومؤتمره الثاني في فبراير 1968 بالقاهرة ، ومؤتمره الثالث في أبريل 1972 ببغداد، ومؤتمره الرابع في أغسطس 1974 بدمشق، ومؤتمره الخامس عام 1976 بالجزائر، ومؤتمره السادس في أبريل 1979 ببغداد، ومؤتمره السابع في مايو 1983 ببغداد، ومؤتمره الثامن في مارس 1996 بالقاهرة، ومؤتمره التاسع في أكتوبر 2000 بعمّان، ومؤتمره العاشر في أكتوبر 2004 بالقاهرة . ومؤتمره الحادي عشر في 2008 بالقاهرة، ومؤتمره الثاني عشر في يناير 2013 بالقاهرة ومؤتمره الثالث عشر فى مايو 2016 بتونس  .

توالى على رئاسته بالانتخاب منذ تأسيسه عام 1964 حتى يناير عام 2013، وفق الترتيب الزمني كل من الأساتذة : حسين فهمي، و أحمد بهاء الدين ، و كامل زهيري، و سعد قاسم حمودي ، و إبراهيم نافع ـ واحمد يوسف بهبهاني ، مؤيد اللامي الرئيس الحالي.

عن أوطانٍ مطبّعة

عامر محسن

هل يمكن أن ننتخيّل لبناناً مطبّعاً مع إسرائيل؟ سلامٌ واتّفاقٌ واعتراف؛ ثم، بعد سنوات، قد يصبح من المعتاد أن ترى السياح الإسرائيليين في بيروت، وشراكات بين جامعاتنا وجامعاتهم، وكتاباتٌ بالعبريّة على السّلع في الأسواق؟ يمكن أن يُقال الكثير هنا، ولكن الشيء الوحيد الذي لا أريدك أن تفعله هو أن تمارس ذاك الأسلوب العربي في المحاججة: الـ«لا» الجازمة التي تتبعها هزّة واثقة بالرأس. هل تفهمون ما أقصد؟ حين يقول لك، بثقة، «هذا لن يحصل أبداً»، من دون أن يقدّم أيّ حجّةٍ أو دليل على ذلك، ولكنّه يرفق النّفي بحركةٍ خاصّة بالرأس توحي بأنّ الموضوع محسومٌ، بيّن، ولا مجال فيه للنقاش. كأنّه يعرف شيئاً لا تعرفه أو يرى المستقبل أمامه بعينيه. وبمعنى أنّك يجب أن تشعر بالغباء إن حاولت استئناف الحديث معه أو الاستفسار عن مصدر ثقته العالية. هي حركةٌ يمارسها أساساً الذّكر العربي، وبخاصّة النوع المثقّف منه أو من يعتبر نفسه سلطةً ما؛ حاولت تقليدها بشكلٍ مقنع ولم أتمكّن، ولكنها تتضمّن رفع الفكّ بشكلٍ حادّ في لحظةٍ حاسمة مع النظر بالعينين إلى أعلى. المهمّ، يمكن أن أكتب كتاباً عن اللحظات التي واجهني فيها أحدهم بهذه الحجّة الفولاذيّة، التي لا تحتاج إلى تبرير («لن يسمحوا بالانهيار في لبنان»، «هؤلاء لا يمكن أن ينحازوا إلى أميركا»، «لقد سقط النّظام، من المستحيل أن يستمرّ»)؛ وقد كانت تتبعها في العادة واحدة من نكبات التاريخ العربي المعاصر. ففي هذا الموضوع تحديداً، رجاء، لا تقم بحسم الأمور على حسابك.

لن أكرّر ما قلته سابقاً بأنّه، لولا وجود مقاومة مسلّحة في لبنان هي أقوى وأكثر شرعيّة من أي قوة داخلية، لكان التطبيع قد حصل منذ زمن؛ مع اتفاقات «ابراهيم» على الأرجح إن لم يكن قبل ذلك. وكانت ستخرج، في البداية، مظاهرات ضدّ الاعتراف، وتكتب مقالات قاسية، وترشّ شعارات ضدّ إسرائيل والصهيونية على حيطان المدينة، ولكنّها لن تكون أكبر من التظاهرات التي خرجت في مصر والأردن. لا حاجة، أيضاً، للقول بأنّ هناك جوقة تطبيعٍ في لبنان منذ زمنٍ بعيد، وهي اتّسعت بعد التطبيع الخليجي المعلن. رأيناها تعمل، بوضوحٍ، حين برز ترسيم الحدود البحريّة، وهي سوف تخرج في كلّ مناسبةٍ قادمة (لاحظوا كيف أصبح الجميع، فجأةً، خبيراً في قانون الحدود البحرية، ولديه رأيٌ جازم في مسائل تقنية معقّدة كنّا نصلّي، أيّام الجامعة، كي لا نرى مثلها في الاختبار). ومثل أيّ مشروعٍ منظّمٍ ويهدف لتحقيق تأثيرٍ معيّن ويعمل على المدى البعيد، فإنّ مشروع التطبيع في لبنان يستخدم، في آنٍ، أكثر من خطاب ويعمل على أكثر من مستوى: هناك من ينشر فكرة أن الاتفاق مستحسن، وأنه يثبت أن التعاون مع إسرائيل مثمر وهو أفضل من معاداتها؛ وهناك من يستخدم الاتفاق ليثبت أن إسرائيل «عقلانية» وأن السلام معها هو الطريق المحتوم للازدهار في المستقبل، وهناك من يعارض الاتفاق فقط للمزايدة وكي يعلن – للمرّة المئة – أنّها اللحظة التي قرّر فيها نزع الشرعيّة عن المقاومة. الأساس هنا هو أن نفهم أنّ موضوع «إسرائيل» في ذاته هو أكبر من الكيان الصهيوني ودولته، وأكبر من بلدٍ صغيرٍ مثل لبنان. حين نفهم سؤال التطبيع في سياقه الأوسع، قد نتمكّن من فهم أسبابه ومنابعه ومساراته المحتملة، أمّا الاختباء خلف فكرة «الحاجز النفسي» (المانع الداخلي الذي يصعّب عليك أن تقابل إسرائيلياً في الخارج، أو أن تراه يمشي في مدينتك)، فهو ينفع حين تكون وسط جبهةٍ متراصّة حصينة على الاختراق ولكن، حين تكون المؤامرة سائرة من حولك، فإن «الحاجز النفسي» يصبح سلاح الواهم (لأنه إن كان دفاعك الوحيد فهو، ما أن يسقط – وهو يسقط بسهولة – حتى يذهب معه كلّ شيء).

ثلاثون الفضّة

منذ سنواتٍ طويلة، بعيد حرب 2006 خاصّةً، أفرادٌ كثيرون من النّخب الصاعدة المسيّسة في لبنان تقرّبوا بحماسة من مشروع المقاومة. هناك نقطة أساسية هنا، هي أنّ الجوّ في «معسكر المقاومة» أيّامها كان انتصاريّاً متفائلاً، ولم يكن الوقوف بجانب حركة مقاومة، بالنسبة إلى العديد من هؤلاء، يعني حقّاً أنك ستكون محاصراً ومحارباً ومعزولاً، مع حياةٍ من الشّظف والخطر؛ بل كان – على العكس تماماً – يبدو بمثابة رهانٍ على «الفريق الرّابح». هنا مكانٌ مثير يمكن أن تحصل فيه على مسار مهني وشهرة وشرعيّة، وقريباً قد تكون لك أيضاً السلطة، والقوة والمراكز والهيمنة. ولكن، بعد سنوات، اكتشف الجميع أنّ «الاقتصاد السياسي» قد تغيّر بشكلٍ جذريّ في بلادنا، وأنّ الطّريق الوحيد المتاح للتمويل والرواتب العالية والبرستيج، الوصول إلى مرتبة «الطبقة الوسطى المحترفة» بالمعنى المعولم للكلمة، أو حتّى الاعتياش من انتاج الفنّ أو الثقافة، هو عبر الالتحاق بالغرب ومؤسساته، أو بربيبه الخليجي (حتى السياسي المحلّي لم يعد مصدراً إلّا لمن لم يتح له ما هو أفضل). هناك جملة طريفة نُسبت لأحد هؤلاء بعد «انتقاله»، وهي أيضاً معبّرة، حين قال شيئاً يشبه: ما معنى أن «أخسر في السياسة» فيما راتبي قد أصبح عشرة آلاف دولار، بعد أن كنت فقيراً؟ ما كان ليحصل إذاً لو انتصرت؟

لديّ صديقٌ عنده عادة، تعود في اعتقادي إلى ثقافة السبعينيات، بحيث يفترض أنّ خلف كلّ رأي سياسي تطبيعي أو بالغ السّوء، وخلف كلّ مكانٍ مشبوه، «شيء إسرائيلي ما»، وضابطٍ اسمه شلومو يجلس في مكتبٍ في تل أبيب (لن أكشف عن اسمه، ولكنه كاتبٌ زميل في الصحيفة ويعيش ويدرّس في أميركا منذ عقود، وشعره طويل). ما أقوله دوماً له هو أنّ هذا التصوّر، ببساطة، ليس «عملياً» ولا «ضرورياً» في أكثر المجالات. لماذا تخاطر إسرائيل بتمويل سياسيين وأحزابٍ بشكلٍ مباشر؟ أو انشاء جمعيات تخدم أهدافها أو تتدخل في الوسط الإعلامي؟ هذه أمورٌ يمنعها القانون، وتستدعي اجراءات أمنية، ولها ثمنٌ غالٍ إن كشفت. من جهةٍ أخرى، إن أخذنا الموضوع من ناحية أهدافهم في الساحة اللبنانية الداخلية، والأولويات والمخاوف والأطراف التي يتمنون صعودها، وتلك التي يعادونها، فما الفارق فعلياً بين السياسة التي قد تشجّع عليها إسرائيل في لبنان وبين، مثلاً، سياسة الإمارات؟ أو سوروس؟ أو ألمانيا، أو أيّ من حكومات الاتحاد الأوروبي؟ «الهزيمة» الفعلية أمام التطبيع لن تكون في لحظةٍ مستقبليّة قد تحصل، بل في الفترة التي تمّ فيها (أيضاً بعد عام 2006) التطبيع مع فكرة أنّ أميركا يمكن أن تكون صديقاً فيما إسرائيل عدوّ، وأنه في وسعك أن تفصل بين إسرائيل، المحمية الدوليّة، وبين من يحميها حول العالم. طريفٌ أننا حين كنا أطفالاً، في الثمانينيات، كانت فكرة المساواة بين إسرائيل وأميركا بديهية عند الطبقات الشعبيّة، وأنّ لا فرق في السياسة بين هذه وتلك. في ألعاب الـ«فليبر» أيامها، وكانت بينها لعبة كرة قدم، كنّا نستحرم اختيار المنتخب الأميركي، أو نفعل ذلك مضطرّين وسط وابلٍ من السخرية واللوم. هذا ليس وعياً «فطرياً»، بل كان من بقايا تراث وثقافة سياسية وفهمٍ للعالم تكرّس في المنطقة، قبل أن يتمّ مسخ هذه العناصر كلّها في العقود الماضية. بعد سنواتٍ طويلة، فهمت مقدار التحوّل الذي حصل حين وجدت صحافياً يصرّح، بوقاحة، حين عيّره أحدهم بالتموّل من حكومة أميركا: «وهل أميركا عدوّ كي لا أعمل معها؟ هل تعتبرها الحكومة اللبنانية دولة عدوّة حتّى أتصرّف على هذا الأساس؟» (الوقاحة هي أنّ المثقّف الواعي يحتاج إلى اذنٍ من الجهات الرسمية لكي يشكّل موقفاً تجاه حكومة قُتل أطفال بلاده، لعقود، بسلاحها وبتحريضها، وهو ما قد يحصل مجدّداً في أيّ يوم). «التطبيع» هو اسمٌ آخر لدمجك الكامل في منظومة العولمة الأميركية، ماليّاً وأمنياً وسياسيّاً، والاتّفاق يأتي لاحقاً بعد تأمين الهيمنة. «حزب الله»، اليوم، هو التناقض الأساسي والبنيوي مع هذه العمليّة، ولهذا السبب هو عدوٌّ «وجودي» لهؤلاء النّاس، وبالمعنى الطبقي قبل السياسي (وهو أشدّ العداء).

إن قصدنا الثورة بمعناها الأصلي، بما هي تغيير كامل وجذري للنظام السياسي والأمني والاقتصادي الذي يحيط بنا، فالمقاومة، في منطقتنا وفي عصرنا الحالي، هي المعنى الحقيقي للـ«ثورة»

الاختبار نفسه سوف يأتي إلى جنوب لبنان. منذ سنوات وأنا أكرّر أنّه، في وقتٍ ما، في فرصةٍ مؤاتية، سوف يصعد صوتٌ من الجنوب تحديداً، منطقة الحدود مع فلسطين، ويتوجّه لأهله متسائلاً عن سبب العداء العسكري مع إسرائيل. هذا لن يحصل فيما الحروب لا تزال تدور في الاقليم والناس تقاتل والمخاوف كثيرة. ولكن، حين يتغيّر السياق، سوف يتمّ – لا ريب – استخدام كلّ ما تمّ الاستثمار فيه في السنوات السابقة، من الحصار والتهديد والابتزاز إلى الحرب الطائفية ولغة الابادة. «الصّوت» سيشرح، ببساطة، أنّك لا تزال خلف المتراس وفي حالة حربٍ معلّقة مع إسرائيل. بمعنى أنّ منزلك ومتجرك وبناك التحتيّة، وأيّ شيءٍ تبنيه في الجنوب، معرّضٌ للتدمير في أيّ حربٍ قد تقوم في أيّ وقت. حدودك مع فلسطين مقفلة، هي «نهاية الطريق» ومكان عسكريّ، بدلاً من أن تكون معبراً للسياحة والتجارة، يتدفّق فيها المال والاستثمار، وترتفع قيمة الأرض وتزداد الفرص. الجنوب هو أكثر من سيستفيد مادياً من السلام مع إسرائيل. من جهةٍ أخرى، أنت أرضك، كلبناني، قد تحرّرت؛ فلمَ تختار، وحدك، السيناريو الأوّل على الثاني، وتجعل نفسك هدفاً لأكبر قوىً في الأرض، محاصراً مطارداً؟ لأجل فلسطين؟ لأجل العروبة؟ لأجل إيران؟ هل تريد إزالة إسرائيل منفرداً؟ إن كانت مشكلتك عقائدية أو دينيّة أو «ايديولوجية» فإنّ في وسعك تصريفها بأشكالٍ شتّى غير المقاومة المسلّحة (كرفع العرائض ضدّ الصهيونية أو الخطابة في المساجد). الاغراء والاغواء يعملان أيضاً على المستوى الجماعي، وإن كانت الوعود «الجماعية» بالازدهار والثراء السهل كثيراً ما يتّضح كذبها، بعد فوات الأوان، إلّا أنّها ستجد جمهوراً في كلّ مرّة (السبب الذي جعل للنصّابين رزقاً على مرّ التاريخ، رغم تكرار الأسلوب ذاته والوعود البراقة المستحيلة نفسها، هو أنّ النّاس في قرارتها تريد أن تصدّق هذه الأمور).

حدود اللّغة

الاجابة على ما سبق تبدأ من موضوع فلسطين. منذ سنوات، أشعر أنّ الكتابة عن فلسطين قد أصبحت صعبة و، أحياناً، مستحيلة. هذا بمعنى اللغة التي نستخدمها، وليس مجرّد المضمون. أصبحت هذه الكتابة تبدو هزيلة في التعبير وفارغة من المعنى، وهذا سببه اختلاط المفردات وتلويثها، حتى أصبح لكلماتٍ مثل «تحرير» أو «صراع» أو «فلسطين» مضامين مختلفة جذرياً بحسب من يستخدمها، أو يحاول تطويعها لصالح مفهومه التحريفي (العدو الحقيقي الذي ينهي وجودك هو ليس الذي ذاك يحارب سرديتك ولغتك ويعارضها بوضوح، بل من يحاربك عبر استخدام سرديتك ومفرداتك). هذه الازدواجية تبدأ، عندي، من مفهوم «القضية الفلسطينية» نفسه. سأشرح باختصار: أعتبر أن لـ«القضية الفلسطينية»، تاريخياً، مفهومين توازيا وتعايشا ولكنهما، في العمق، مختلفان إلى حدّ التناقض. الأوّل يمكن أن نسمّيه «المفهوم القُطري» للقضيّة، أي تحرير فلسطين كقضية وطنية للشعب الفلسطيني، تقوده فصائله السياسية في وجه الاستعمار الصهيوني. في المفهوم الثاني تكون فلسطين بمثابة جزءٍ عضوي من مشروعٍ أوسع يواجه الصهيونية على مستوى المنطقة. النّاصريّة هنا مثال؛ أي أنّ مشروعاً وحدوياً ينوي اعادة ترتيب المنطقة سياسياً وتحقيق استقلالها هو، بنيوياً، سوف يكون في تناقضٍ اجباري مع الصهيونيّة. حتّى لو أراد النظام الناصري – فرضاً – التخلّي عن فلسطين، أو كان لا يهمه مصير أهلها ولا يتعاطف معهم، فإنّ إسرائيل (وأميركا) لن تسمح بصعود قوّةٍ مستقلّة في المنطقة أكبر منها وتملك قرارها، فهي سوف تصطدم بك. أي أنّ المواجهة مع الصهيونية هي حتميّة في كلّ الأحوال هنا، باعتبارها جزءاً من صراع على كامل المنطقة.

أمّا وفق المفهوم الأوّل، القُطري، فإنّ أقصى ما ستصل إليه هو أن تتفاوض مع الصهيونية على حقوقٍ للشعب الفلسطيني (حقوق مدنية، ثقافية، سياسية، قومية، أو حتى «دولة» ما على جزءٍ من فلسطين)، أي، بكلمات أخرى، التّفاوض على شروط الاحتلال. قضيّة فلسطينية ليس في ظهرها الاقليم بأسره أعلى سقفها أن تجد تسوية مع الصهيونية، وأنت لا تتفاوض مع أحد ليزيل نفسه. والنخب الفصائلية التي اختارت هذا الطريق كانت تفهم حدوده منذ البداية، ومن هنا مفردات خطاب السبعينيات الذي كان مهووساً بأن «يعترف بنا العالم»، أو يعتبر الخروج من بيروت «انتصاراً ديبلوماسياً» – ما معنى «الاعتراف» بك و«الديبلوماسية» هنا؟ أن تحصل على مقعدٍ حول الطّاولة، لا أكثر ولا أقل. ومن هذا المنظور أيضاً، يصبح الصراع الداخلي على تمثيل هذا الشعب الفلسطيني أمام «العالم» وإسرائيل أهمّ من الصّراع المباشر مع إسرائيل ذاتها، فأنت تعرف أنّك لن تزيلها عسكرياً مهما حصل (ومعها جيشها وأميركا والعالم، وأنت معك شعبُ محتلّ أو مشرّد). من هنا، نجد البعض اليوم يوجّه النقد للسلطة الفلسطينية ولـ«فتح»، ولكن ليس من باب أنهم تخلّوا عن الكفاح المسلّح بل بما معناه: طالما أنّنا قد تخلّينا عن الكفاح المسلّح، فنحن أقدر منكم على تمثيل فلسطين في نمط «النضال السلمي» هذا؛ لدينا تمويل خليجي وغربي، لدينا منظمات مجتمع مدني، نتحدّث لغتهم ونحن الطبقة الصاعدة. لقد أصبحت نسخةً قديمة يا أبا مازن. هذان المفهومان عن «القضيّة» لا يفترقان في الأهداف والسقف فحسب، بل هما متناقضان متعاديان، يخرّب أحدهما على الآخر، ومن العبث أن تحاول المزاوجة بينهما أو أن تعتبر أن تخادماً بينهما ممكنٌ، حتى في المصطلحات.

القطريّة، في بلادنا، بطبيعتها تجعلك حقيراً. الموضوع ذاته ينطبق على الاقتصاد؛ إن كنت مسجوناً ضمن حدودٍ صغيرة، ولست مندمجاً في دورة انتاج واستثمار وتواصل مع الاقليم من حولك

ما علاقة هذا كلّه بسؤال لبنان؟ هناك معادلة للكاتب حسن الخلف عن مفهوم المقاومة والثورة. الكثير من «الثوريين» في بلادنا هم ليسوا ثوريّين فعلاً، يقول الخلف. هم في الحقيقة «اصلاحيّون»، يأخذون أوطاننا المأزومة، ويقبلون سلفاً بحدودها، ومؤسساتها، وأزماتها البنيوية، وعلاقتها التبعية بالخارج، ثمّ يعرضون ما يعتبرونه حلولاً لحكم هذه البلاد بشكلٍ أكثر كفاءة (وهي في الغالب تتضمّن أن يصلوا هم إلى الحكم). بتعابير أخرى: كلنا، مثل الفلسطينيين، ضحايا العملية نفسها، أي حالتنا التاريخية، حالة «ما بعد الاستعمار». الفلسطيني ضربه استعمارٌ استيطاني تجلّى عبر احتلال أرضه بشكلٍ مباشر وتهجيره، وأنت سجنك في أوطانٍ لم تخترها، تابعة بلا سيادة، خياراتها مقفلة ومحدودة وتتعرض، واحدةً بعد الأخرى، إلى انهيارٍ أو غزوٍ أو حربٍ – تتكرّر بشكلٍ دوريٍّ، تكسر مجتمعها وتذلّ أهلها. فكرة حسن الخلف هي أنه، إن قصدنا الثورة بمعناها الأصلي، بما هي تغيير كامل وجذري للنظام السياسي والأمني والاقتصادي الذي يحيط بنا، فالمقاومة، في منطقتنا وفي عصرنا الحالي، هي المعنى الحقيقي للـ«ثورة» (بغض النظر إن كنت ترغب بها، أو تعتبرها «جيدة» أو لا). والنسخة الوحيدة القائمة منها اليوم، في «الواقع الحقيقي»، هي في قلبها إسلامية خمينيّة نشأت في إيران، ولا مجال لتغطية ذلك أو تعميته أو الالتفاف عليه.

عودةٌ إلى سؤال التطبيع في لبنان، فإنّ الموضوع ينطلق من منظورك للأمور. من منظورٍ «لبنانوي» قطري فإن خياراتك، كما في حالة فلسطين، تصبح محدودة وواضحة: هل يمكن للبنان، وحيداً، أن يهزم إسرائيل وأميركا؟ مستحيل. والتنطّح للمواجهة في هذه الحالة، وأنت بلدٌ صغير، لا يعود عقلانياً أو مجدياً من الأساس. لا يمكن لبلدٍ صغير أن يكون «معادياً للمنظومة» (anti-systemic)، وهذا يعني أن ترضخ، بداهةً، لـ«ما هو موجود»: الهيمنة الأميركية والسطوة الخليجية والتطبيع مع الصهيونية. أي خيار آخر في هذه الحالة يصبح شعاراتياً أو انتحارياً. القطريّة، في بلادنا، بطبيعتها تجعلك حقيراً. الموضوع ذاته ينطبق على الاقتصاد؛ إن كنت مسجوناً ضمن حدودٍ صغيرة، ولست مندمجاً في دورة انتاج واستثمار وتواصل مع الاقليم من حولك، فما هو الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تتخيله، عدا أن تكون «امبوريوم» رأسمالي على السّاحل، يحاول أن يجتذب – بأي طريقة – ما أمكن من أموال من السوق الدّولي؟ نسمع الكلام الجميل عن «الاقتصاد المنتج» ولكن لا أحد يشرح لنا مقوّماته، وأوّلها أن تكون لديك شبكة انتاجٍ واستهلاكٍ وسوقٍ واسع؛ من قال لكم أنّ هذا «الاقتصاد المنتج» يمكن أن يقوم في بلدٍ بحجم مزرعةٍ في أوكرانيا؟ وهل يمكنك، أصلاً، تحقيق هذه التنمية المستقلّة من دون سيادة وقوّة؟ ضمن الاطار «القطري» القائم، الخيارات ستكون قليلة وواضحة، والعديد من الفئات في البلد، وإن اعتبرت نفسها ثوريّة، هي حقيقةً تتمسّك بهذا النظام وتحاول، حين يتأزّم، أن تجري عليه «صيانة» تضمن استمراره. حتى من بين مؤيّدي المقاومة، يقول حسن الخلف، البعض قد يصفّق لليمنيّين حين يقاومون العدوان ويحققون انتصاراتٍ مبهرة ولكن، إن رسمت له مستقبلاً تكون فيه مع اليمني في منظومةٍ أمنية واحدة، تتقاسم معه المخاطر والموارد، فهو سيأخذ خطوةً إلى الخلف ويتردّد؛ هو في النهاية لا يريد أكثر من مكانٍ مريحٍ لنفسه ضمن الساحة المحليّة، الصغيرة والأليفة – على عيوبها وأزماتها.

أنت لا يمكن أن تضمن الظّفر في شيءٍ مسبقاً؛ بل إنّ الأكثر صلابةً هو من يكون متقبّلاً، سلفاً، لاحتمال الهزيمة. ورهانه ليس على لعب دور البطولة بالمفهوم الهوليوودي، والرقص أمام الكاميرات وفي احتفالات النّصر، بل رهانه أنّ الهزيمة في الحقّ، حتى إن وقعت، هي خيارٌ يستحقّ، وأفضل من البديل الذي بعشرة آلاف دولار. إن حصل ذلك وحكم القدر، يكون التطبيع حاصلاً وهو أبسط الخسائر. الصهيوني وتطبيعه خلفهما نظامٌ عالميّ بأكمله، ولكن من وقف في وجههما طوال هذه السنوات كانوا أناساً من بلادنا، يرون ما لا يراه الكثيرون، ويصدّقون أنهم سيغيّروا العالم كلّه.

تقرير: انتخابات إسرائيل ..معركة نتنياهو في البقاء.. ودور فلسطيني الداخل

تل أبيب – رويترز: تشهد إسرائيل في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني خامس انتخابات في أقل من أربع سنوات، ويسعى رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو من خلالها للعودة للحكم.

ودخلت إسرائيل دائرة مفرغة من الانتخابات منذ عام 2019، وهو نفس العام الذي شهد توجيه لائحة لنتنياهو تتضمن اتهامات بالفساد، رغم نفيه لها. ويأمل الناخبون هذه المرة في كسر حالة الجمود بين السياسي الأكثر هيمنة في جيله ومنافسيه الكثيرين.

هل سيفوز نتنياهو؟

غير واضح. فاستطلاعات الرأي تظهر أن النصر الكاسح لن يكون من نصيب نتنياهو ولا منافسه الأبرز رئيس الوزراء يائير لابيد.

ومن المتوقع أن يكون حزب ليكود اليميني بزعامة نتنياهو، رغم ترنحه في استطلاعات الرأي، هو الفائز بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان.

وبدعم من الأحزاب اليمينة المتشددة والدينية المتزمتة التي تؤيد شغله لمنصب رئيس الوزراء، يبدو أن نتنياهو (73 عاما) على أعتاب ضمان أغلبية برلمانية ترفعه لسدة الحكم.

وسبق أن أخفق نتنياهو بعد الانتخابات الأربعة الماضية في تشكيل الائتلاف اليميني الذي كان يطمح إليه.

من يخوض السباق أيضا؟

يخوض السباق رئيس الوزراء الحالي لابيد (58 عاما) وهو مذيع تلفزيوني سابق ووزير مالية سابق أيضا، دخل معترك السياسة في أوج حركة احتجاج اجتماعية واقتصادية قبل نحو عقد.

ويحرز حزبه “هناك مستقبل”، الذي يأتي في المرتبة الثانية في استطلاعات الرأي، بعض الزخم التصاعدي. لكن معسكره الذي يتألف من طيف من الأحزاب المتحالفة متباينة الانتماءات من اليمين إلى اليسار أصغر من تكتل نتنياهو.

كما يخوض السباق وزير الدفاع بيني غانتس الذي يترأس حزب “الوحدة الوطنية” المنتمي ليمين الوسط والذي من المتوقع أن يفوز بمقاعد أقل بكثير مقارنة بحزبي نتنياهو ولابيد.

إلا أن هذا لم يمنع قائد الجيش السابق غانتس (63 عاما) من إعلان نفسه المرشح الوحيد القادر على التفوق على نتنياهو من خلال تشكيل تحالفات جديدة ورئاسة حكومة موسعة لإخراج إسرائيل من أزمتها الدستورية غير المسبوقة المستمرة منذ أربع سنوات.

ومن أيضا؟

إيتمار بن غفير برلماني قومي متطرف قد يكون هو صانع الملوك بالنسبة لنتنياهو وقد يمثل اختبارا لعلاقات إسرائيل الخارجية إذا تم تعيينه وزيرا. وأدين بن غفير في عام 2007 بالتحريض العنصري ودعم مجموعة موجودة على قوائم الإرهاب في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

ويؤكد بن غفير (46 عاما) أنه نضج منذ ذلك الحين. وتشير التوقعات إلى أن قائمة مشتركة تضم حزب بن غفير اليميني “القوة اليهودية” وفصائل أخرى قد تأتي في المرتبة الثالثة. وتثير شعبيته المتزايدة بعض القلق في الداخل والخارج.

وهناك أيضا الأقلية العربية في إسرائيل، التي يمكن لأصواتها أن تغير شكل الانتخابات.

ويمثلون نحو 20 بالمئة من سكان إسرائيل ولا يحظون بالتمثيل المناسب في البرلمان، وكثيرون منهم يرون أنفسهم مرتبطين بالفسطينيين بصورة أكبر أو يعرّفون أنفسهم بأنهم بالفعل فلسطينيون.

ولطالما شكوا من التمييز ضدهم ومعاملتهم في إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية.

وقد يؤدي ضعف إقبالهم على التصويت لإزالة عقبة أمام نتنياهو وإهدائه نصرا واضحا. أما إذا جاء تصويتهم مرتفعا فإن هذا سيدعم لابيد الذي تضم حكومته الحالية لتصريف الأعمال حزبا عربيا للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل.

لماذا انتخابات أخرى؟

تمكن لابيد وشريكه في الائتلاف نفتالي بينيت في يونيو حزيران من عام 2021 من إنهاء حكم نتنياهو القياسي الذي استمر 12 عاما دون انقطاع، من خلال الجمع بين مجموعة متباينة من الأحزاب اليمينية والليبرالية والعربية ضمن تحالف وُلد هشا. وبعد أقل من عام على حكمه، فقد التحالف أغلبيته الهزيلة بسبب الانشقاقات.

وبدلا من انتظار تحرك المعارضة للإطاحة به، قام التحالف بحل البرلمان، ومن ثم التوجه لانتخابات جديدة.

حول من تتمحور هذه الانتخابات؟

إنه نتنياهو. فرغم أن اتهامه بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة وحّد منافسيه ضده، فإن القاعدة الموالية له لا تزال راسخة في دعمه، وتطالب بعودة زعيم يُنظر إليه على أنه يتمتع بالقوة والدهاء والنفوذ على الساحة الدولية. أما معارضوه فيكرهون عودة رجل يرونه فاسدا وهداما، ويخشون من أنه سيتلاعب بالنظام القضائي في إسرائيل حتى لا يفلت من الإدانة.

ولطالما عمل نتنياهو على استعراض مؤهلاته على صعيدي الأمن والاقتصاد. ولكن في ظل ضعف فرص إجراء محادثات سلام مع الفلسطينيين قريبا وكذلك في ظل تعثر المحادثات النووية بين القوى العالمية وإيران، فقد أصبحت أمور الأمن والدبلوماسية على الهامش إلى حد كبير.

وتشير الاستطلاعات إلى أن تكاليف المعيشة المرتفعة شاغل رئيسي للإسرائيليين، ولكن بالنظر لعدم وجود اختلافات كبيرة في سياسة المرشحين، فمن غير المرجح أن تؤثر مثل هذه القضايا على استمالة الناخبين لأي طرف.

فلسطيني الـ 48

قد تسهم خيبة أمل المواطنين الفلسطينيين إزاء السياسة في تحديد نتائج الانتخابات المقررة الأسبوع المقبل في إسرائيل، والتي يسعى من خلالها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو إلى العودة للسلطة بعد عام واحد فقط من انضمام حزب عربي إلى الحكومة الإسرائيلية للمرة الأولى.

وفي ظل استطلاعات رأي تظهر أن الزعيم الإسرائيلي السابق ما زال غير واثق من الحصول على الأغلبية، يمكن للأحزاب العربية أن تساعد في تشكيل التكتل المناهض لنتنياهو وتحديد شكل الحكومة إذا كان الإقبال بين الناخبين الفلسطينيين عاليا بما يكفي.

ولكن قبل أقل من أسبوع من الانتخابات المقررة في أول نوفمبر تشرين الثاني، أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن نسبة المشاركة بين الناخبين الفلسطينيين قد تنخفض إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وأظهر أحد الاستطلاعات أن 42 بالمئة فقط من المؤكد أن يدلوا بأصواتهم.

وفي الوقت نفسه، تشير استطلاعات أخرى إلى أن نسبة المشاركة الفلسطينية قد ترتفع بشكل طفيف من 44.6 بالمئة العام الماضي إلى ما يصل إلى 50 بالمئة، ولكنها ما زالت أقل بكثير من نسبة التصويت العامة في إسرائيل والتي بلغت 67.4 بالمئة في انتخابات العام الماضي.

ويشكل العرب في إسرائيل نحو 20 بالمئة من السكان البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة ومعظمهم أبناء الفلسطينيين الذين ظلوا داخل إسرائيل بعد تأسيسها في أعقاب حرب عام 1948.

ولطالما دارت نقاشات بشأن تمثيلهم في السياسة الإسرائيلية، والموازنة بين تراثهم الفلسطيني وجنسيتهم الإسرائيلية.

ويُعرّف البعض منهم أنفسهم على أنهم فلسطينيون، على الرغم من جنسيتهم الإسرائيلية، بينما يفضل البعض الآخر أن يُطلقوا على أنفسهم اسم عرب إسرائيل، لأنهم يريدون التأكيد على المساواة في الحقوق مع اليهود الإسرائيليين.

ومع بقاء احتمال إنشاء دولة فلسطينية مستقلة بعيدا مثلما كان الأمر دائما، أدى بزوغ نجم القائمة العربية الموحدة، المعروفة اختصارا باسمها بالعبرية (راعام)، إلى تغيير مسار النقاشات في السياسة العربية الإسرائيلية.

وفاز الحزب العربي المسلم بأربعة مقاعد في البرلمان الإسرائيلي المؤلف من 120 عضوا في انتخابات العام الماضي، وخالف التقاليد بانضمامه إلى حكومة ائتلافية واسعة.

وتخلى الحزب عن الخطاب القومي، وركز بدلا من ذلك على مكافحة الجريمة المنظمة والعمل على تحسين التخطيط والبنية التحتية في المناطق العربية، والتي تشير استطلاعات الرأي إلى أنها تأتي على رأس أولويات المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

ووفقا ليوسف مقلدة، مؤسس ومدير معهد أبحاث ستات نت، أتت مقامرة القائمة العربية الموحدة بالانضمام إلى الحكومة ثمارها.

وأظهرت استطلاعات أجراها المعهد أن أكثر من 70 بالمئة من الناخبين الفلسطينيين المؤهلين أصبحوا يؤيدون الآن مشاركة حزب عربي في ائتلاف حكومي، بغض النظر عما إذا كانوا يعتزمون التصويت من عدمه.

ويقول كرامي عامر، وهو مهندس كهرباء يبلغ من العمر 47 عاما ويقيم في كفر قاسم الواقعة في وسط إسرائيل على حدود الضفة الغربية المحتلة، إنه سيصوت لصالح القائمة العربية الموحدة.

ويضيف “هذا الخط (القائمة العربية الموحدة) عايش الواقع ويجتهد ويجدد الطرق والأساليب على أساس أن يثبت أهله ويثبت ناسه ويقدم في مجتمعه”.

ولكن حتى بعد إيجاد مكان لهم على طاولة الحكم، يقول كثير من الفلسطينيين في إسرائيل إنهم فقدوا الأمل في قدرتهم على إحداث تغيير باعتبارهم أقلية عربية في دولة يهودية.

وأشار مقلدة إلى أن العبارة الأكثر تكرارا خلال مقابلات أجراها معهده مع 200 مواطن فلسطيني في إسرائيل كانت “نحنا نصوت على الفاضي”.

وستكون الانتخابات المقرر الثلاثاء القادم هي الخامسة في إسرائيل في أقل من أربع سنوات.

وأظهر تقرير صادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 2021 وجود فجوات اجتماعية واقتصادية كبيرة بين المواطنين اليهود والعرب، ومنهم أيضا المجتمع الدرزي الصغير في الشمال والمجتمعات البدوية التي تعيش بشكل أساسي في الجنوب. وذكر التقرير أن معدل الفقر بين العرب ما زال أعلى بثلاثة أمثال من اليهود.

 العائلات مقسمة

أثارت تكتيكات القائمة العربية انتقادات بعض الناخبين العرب، لا سيما لتجنبها القضية الفلسطينية الأوسع، وهي حصار إسرائيل لغزة واحتلالها للضفة الغربية، التي تظهر استطلاعات الرأي أنها تحتل مرتبة متدنية في قائمة مخاوف الناخبين اليهود.

وحتى داخل العائلة الواحدة أصبحت هناك انقسامات في بعض الأحيان.

ويقول رامي عامر (43 عاما) وهو صاحب مطعم وشقيق كرامي “هذا التنازل هو اللي بدها إياه دولة إسرائيل”، في إشارة إلى قرار القائمة العربية الموحدة بالانضمام إلى الحكومة.

ويضيف “مرة بكينا نحكي عن دولتين لشعبين. اليوم منحكي على أن نعيش بأمن وأمان، نعيش بكرامة، نحافظ على الأرض. طلعي قديش سياسة الدولة صغرت مطالبنا”.

وفي مقابلة إذاعية في الآونة الأخيرة، قال زعيم القائمة العربية الموحدة منصور عباس إنه يريد إنشاء دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، ولكنه يؤمن بأن أفضل خدمة يتم تقديمها للمجتمع العربي في إسرائيل هي انضمام الحزب إلى الائتلاف الحاكم القادم.

وتقاطع مجموعة صغيرة نسبيا من الناخبين الفلسطينيين في إسرائيل الانتخابات العامة منذ سنوات. ووفقا لمقلدة، يبلغ عددهم 12 بالمئة من الناخبين الفلسطينيين الذين يملكون حق التصويت.

وتؤكد حملة مقاطعة لانتخابات الثلاثاء القادم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن إسرائيل تستغل مشاركتهم لإظهار نفسها كدولة ديمقراطية والتغطية على سياساتها القمعية.

وفي خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، وصف رئيس الوزراء المنتمي إلى تيار الوسط يائير لابيد إسرائيل بأنها “ديمقراطية ليبرالية قوية” يتمتع فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون بحقوق مدنية متساوية.

وقال محمد خلايلة، الباحث في شؤون المجتمع العربي في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، إن الأحداث الأخيرة ربما أثنت بعض الفلسطينيين عن المشاركة.

وأوضح أنه منذ مايو أيار 2021، عندما أثارت مواجهات استمرت 11 يوما مع حماس في غزة اضطرابات في ما يسمى بالمدن المختلطة بين اليهود والعرب في إسرائيل، ازداد ارتباط المواطنين العرب بالفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

وأضاف أن انهيار القائمة المشتركة، وهو تحالف من أحزاب يقودها العرب تشكل عام 2015، أضعف الآمال في مواجهة ما يعتبره بعض المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل سياسات عنصرية، مشيرين إلى قانون الدولة القومية لعام 2018 والذي ينص على أن اليهود فقط هم من يملكون الحق في تقرير المصير في البلاد.

وقال خلايلة إن التغييرات في المنطقة حولت أيضا أولويات المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وأوضح أنه مع إقامة بعض الدول العربية في الآونة الأخيرة علاقات مع إسرائيل وعدم وضع إنهاء الاحتلال شرطا لعلاقات سلمية، تحول نظر بعض الناخبين العرب إلى الداخل، وأعادوا تركيز انتباههم على القضايا اليومية، وهو أمر قد يفسر صعود القائمة العربية الموحدة.

وإذا تراجعت نسبة المشاركة الفلسطينية إلى مستويات قياسية منخفضة، فإن الأحزاب الثلاثة التي يقودها العرب قد لا تنجح في تجاوز حاجز 3.25 بالمئة اللازم لدخول البرلمان.

ومن شأن ذلك أن يترك الفلسطينيين في إسرائيل دون تمثيل في البرلمان بعد انتخابات قد تسفر عن تشكيل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل إذا ما شكل نتنياهو ائتلافا مع حزب القوة اليهودية.

وتقول أريج صباغ خوري، وهي محاضرة في علم الاجتماع السياسي بالجامعة العبرية في القدس “تخيلي البرلمان، الكنيست من غير عرب. (الانتخابات) رح تكون مفصلية حسب النتائج”.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى