فن وثقافة

«مُعتقلة».. عرض مسرحيٌّ ثنائيٌّ عن معاناة الأسيرات.

أن يخرج عرض مسرحي، من مدينة نابلس التي تقاوم الاحتلال بكل بسالة، وفي هذا الوقت تحديداً، وعن الأسيرات ومعاناتهن، أمر في غاية الأهمية، وأن يكون ممثل العمل الرئيس ومخرجه الفنان معتصم أبو الحسن، من أبناء «جبل النار»، وقدّم في الجانبين أداءً لافتاً، فإن هذا أمر مبشّر بازدهار مسرحيّ في المدينة، في قادم الأيام.. هي التي كانت منارة ثقافية ومزاراً لكبار الفنانين العرب ما قبل النكبة وبعدها.

الحديث هنا عن عرض «معتقلة» لمسرح «رسائل» من نابلس، وعرض في اليوم الأول من أيام مهرجان فلسطين الوطني للمسرح بدورته الثالثة، على خشبة مسرح وسينماتك القصبة بمدينة رام الله، بمشاركة الفنانة شذى ياسين كاتبة السيناريو أيضاً.لكن «الفجوات»، كانت هي السمة الأبرز للعرض، وكانت على مستويات عدّة، بينها تلك الفجوة ما بين سيناريو يحتاج الكثير، وما بين إخراج يجعلك تتوقف أمامه، حيث التوظيف الموفق للديكور، والإضاءة، والصوت، إلى حد ما، وإن كانت ثمة هنّات في بعض الأحايين خاصة على مستوى الانقطاع السردي غير المبرّر، ودسّ التجريب في عمل بدأ كما انتهى كلاسيكياً وشعاراتياً، مع أنه حاول مع الوقت التحوّل تدريجياً عكس عقارب البداية تارة، وبقفزات في الهواء تارات أخرى، بعضها نجا أصحابها من سقطات موجعة، وبعضها لم تضعهم تلك القفزات على شاطئ النجاة، وفق التعبير الدارج، كحال ذلك الإقحام، على أهمية مضمونه، لفكرة الموت والحديث الفلسفي حوله.

«الفجوة» الثانية هي على مستوى الأداء ما بين الممثلَين شذى ياسين ومعتصم أبو حسن، لصالح الأخير الذي جسّد دور السجّان باقتدار، في مقابلة تمثيل مانيكانيّ (نسبة إلى المانيكان) لمن جسّدت دور الأسيرة، هي التي بدأت حضورها على الخشبة بتحدٍّ عباراتيّ شعاراتيّ لم ينعكس في المسرحية التي كان الانهزام بتجلياته المتعددة رفيقها شبه الدائم، وهو ثغرة في النص الذي كتبته هنا، ما دفع المتلقي، ودون تخطيط مسبق، إلى حماسة ما تجاه السجّان، تعبيراً عن إعجاب بأداء «السجّان» بالمقارنة.وعند الحديث عن توظيف الجسد لغة في محاكاة للوحات الرقص المعاصر في العمل، فإن الفكرة الجيّدة هنا، لم تنعكس على خشبة المسرح أداءً مقنعاً، ولا متماسكاً في جميع الوقت، رغم المجهود الواضح المبذول من الممثلة.لغة الجسد تحتاج إلى قدرات عالية وخبرات واسعة، باعتبارها من بين أصعب أنواع التجسيد، علاوة على أن الدلالات يجب أن تكون مدروسة فيما يتعلق بتصميم الحركة، أو ربما الرقصة، إن جاز التوصيف، فكان ثمة إصرارٌ، في بعض الحالات، أحال التدليل إلى نوع من الإلحاح الفجّ، فضاع المُبتغى من التكوين الأدائي المُوظف هنا.من المهم، بلا شك، تلاقح الأجناس، وأدركُ تماماً أن المخرج الذي هو واحد من «بطلَيّ» العمل المسرحي «معتقلة»، عمد إلى ذلك لإحداث نوع من التقوية لشبكة العرض، لكن الإرسال ضاع في غياهب أداء لا حسّي وإن كان صاخباً، في بعضه، لجهة الحركة على الخشبة..

كان الأداء في أغلبه، ولو من جانب واحد، روبوتيّاً.يبقى الإشارة إلى أن التوظيف البصري الملامس للسينما، كان لافتاً ومُوفّقاً برأيي، وهو المتمثل في عدّة مشاهد، بينها ذلك التوحّش في التهام السجّان للطعام من الطبق أمامه، في محاكاة ما للفيلم الإسباني الشهير (The Platform)، من إنتاج «نتفليكس»، على سبيل المثال، لا الحصر.قد تكون الروبوتيّة هذه مقصودة لأغراض تأويلية، وقد يكون الشعور بالملل مقصوداً كتعبير عن تلك الحالة التي تعيشها الأسيرة ما بين أكثر من قمع وحرمان ومعاناة، وهو في هذه الحالة مُوفقٌ إن كان مقصوداً، لكنه مبالغٌ فيه أحياناً، فقد فاض عن الحد اللازم للحفاظ على فرجويّة المسرح من جهة، والتواصل مع المشاهد من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى