اقتصاد

إرتفاع الأسعار عالمياً و انعكاسه على مؤشرات الاقتصاد الفلسطيني إعداد: الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

شهد العالم في الآونة الأخيرة العديد من التحولات والتغيرات الاقتصادية والسياسية والبيئية، وربما كان لارتفاع أسعار السلع والخدمات عالمياً باعتبارها آفة الاقتصاد في الوقت الراهن العديد من الآثار على الاقتصاديات العالمية والعربية ، وعلى الاقتصاد الفلسطيني، الذي يعاني بالأساس من العديد من المشاكل منها تذبذب معدلات النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وانخفاض الاستثمار، كما انعكس الارتفاع في المستوى العام للأسعار عالمياً على مستوى معيشة المواطن الفلسطيني في العديد من الجوانب والاتجاهات، لذلك تم التركيز في هذه الورقة على انعكاس ارتفاع الأسعار عالمياً على الاقتصاد الفلسطيني، والتي تم التطرق لها وفق النقاط التالية: ارتفاع الأسعار عالمياً:شهد العالم في العامين الاخيرين ارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع والخدمات _كنتاج طبيعي لأزمة الإغلاق الكبير بفعل جائحة كورونا_ ، وخاصة السلع الغذائية الرئيسية التي ارتفعت ارتفاعاً حاداً، حيث ارتفع معدل التضخم والذي يعكس الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، إذ بلغ معدل التضخم 3.40 في العام 2021، وارتفع في النصف الأول من العام 2022 ليبلغ حوالي 8%.

ووفقا لتقرير البنك الدولي انه اذا ظل التضخم مرتفعاً فإن ذلك ممكن ان يترجم الى ركود تضخمي وهبوط حاد في النشاط الاقتصادي. فمنذ يوليو 2022 ارتفع مؤشر الأسعار الزراعية بنسبة 19% مقارنة بشهر يناير 2021، وارتفعت أسعار الذرة والقمح بنسبة 15% و 24% على التوالي لنفس الفترة وذلك بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية ولا تزال مستويات الجوع وانعدام الامن الغذائي للعام 2022 مرتفعة لتصل الى 828 مليون بزيادة 46 مليون عن العام 2020 وعلى صعيد الدول العربية فقد ارتفع معدل التضخم إلى (3.4%) في العام 2021 مقارنة مع (1.7%) 2020.

و يشير البنك الدولي أن كل زيادة مقدارها 1% في أسعار السلع الغذائية يؤدي الى إضافة نصف مليون الى الفقراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا حيث بلغ معدل التضخم 14.8% عام 2021. وفي فلسطين ارتفعت المستوى العام للأسعار في العام 2021 لتبلغ (1.23%) مقارنة مع (0.73-) في العام 2020. وتشير بيانات أسعار المستهلك لشهر يونيو 2022 مقارنة مع شهر يونيو 2021 الى ارتفاع الرقم القياسي لاسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 4.47% وبواقع 4.57% في الضفة الغربية و 4.28% في القدس و 3.91% في قطاع غزة ، وعند مقارنة الربع الثالث من العام 2022 وجدنا العديد من التغيرات في كل مكونات الرقم القياسي لأسعار المستهلك، وذلك على النحو التالي:جدول (1) التغير في الرقم القياسي لأسعار المستهلكأقسام الانفاق الرئيسية 2021 2022نسبة التغير %الرقم القياسي لأسعار المستهلك102.27105.493.16المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية102.99106.73.6المشروبات الكحولية والتبغ101.92105.93.9الملابس والأحذية93.5297.44.15المسكن والمياه والكهرباء والغاز 104.88106.411.46المفروشات والمعدات المنزلية والصيانة 100.38103.663.27الصحة98.461001.56المواصلات100.23105.114.87المعلومات والاتصالات93.9396.93.17الترفيه الرياضة الثقافة الحدائق والحيوانات116.37122.725.46خدمات التعليم100.56103.623.04المطاعم وخدمات الاقامة103.87112.688.48التأمين والخدمات المالية99.3199.890.58الرعاية الشخصية والحماية الاجتماعية 108.82109.660.77المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينينلاحظ من خلال الجدول رقم (1) الارتفاع في جميع المكونات الرئيسة للرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين، حيث جاء الارتفاع الأعلى في المطاعم وخدمات الإقامة بنسبة تغير (8.48%)، ومن ثم مؤشر أسعار المواصلات التي ارتفعت بنسبة تغير (4.87%)، ومن ثم الملابس والاحذية، أما المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية فقد ارتفعت بنسبة 3.6% و 3.9% في المشروبات الكحولية والتبغ . إضافة لما سبق فان هناك قطاعات تأثرت بموجة الغلاء العالمي في غزة والضفة الغربية منها الطاقة والكهرباء بسبب ارتفاع الوقود الذي أدى الى ارتفاع أسعار المنتجات الصناعية والغذائية التي ترتبط بشكل أساسي بقطاع الكهرباء حيث تعد روسيا اكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي والقمح.

و يعد المستوى العام للأسعار من أهم المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها في متابعة وتحليل المتغيرات الاقتصادية لدى متخذي القرارات الاقتصادية والسياسية على حد سواء، باعتبار أن عدم استقرارها يعطي مؤشراً سلبياً عن حالة الاقتصاد الوطني للبلد، فضلاَ عن متابعة حركتها وتشخيص حالات عدم الاستقرار والاحتكار.فالتضخم يعتبر أحد الاسباب الظاهرية التي تؤدي للعجز في الموازنة فعند اشتداد الضغوط التضخمية تضطر الدولة إلى اعتماد زيادة الأجور لمواجهة الارتفاع في المستوى العام للأسعار وتغطية العجز الحاصل في الطلب الاستهلاكي، وهذا يعبر عنه في الاقتصاديات بتمويل انخفاض قيمة العملة. وأيضاً لمواجهة العجز من الممكن أن تقوم الدولة بزيادة الاصدار النقدي لمواجهة العجز في الموازنة، ومن الممكن أن يكون التوسع في الائتمان الممنوح للحكومات من قبل الاجهزة المصرفية بمعدل أكبر من معدل نمو الناتج القومي، مما يؤدي إلى التضخم النقدي. كما أن التضخم يعمل على ضعف القدرة الشرائية للنقود وفقدان قيمتها، مما يجعل الأفراد يفقدون ثقتهم فيها، ويساعد على انتعاش المضاربة في السوق السوداء، مما يعزز من التهرب الضريبي الأمر الذي ينعكس جليا على الايرادات الحكومية بالسلب، بالإضافة لوجود العديد من الدراسات العربية والاجنبية التي أكدت تأثير التضخم على عجز الموازنة العامة، كما يساهم التضخم في ظهور موجات تشاؤمية لرجال الأعمال، مما يؤدي للعزوف عن الاستثمار، كما ان التضخم يتطلب من الحكومة اتباع سياسية مالية من أجل مواجهته من خلال زيادة الانفاق وخفض الضرائب، الامر الذي يعزز العجز في موازنة الحكومة، وهنا سيتم التطرق لتأثير ارتفاع الأسعار العالمية على العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية الفلسطينية:اُثر ارتفاع الاسعار عالمياً على النمو الاقتصادي الحقيقي:يؤثر ارتفاع الأسعار سلباً على النمو الاقتصادي، باعتبار أن التضخم يساعد على إنشاء حالة تتسم بعدم التأكد من الأوضاع الاقتصادية في المستقبل، فيؤثر ذلك على قرار الاستثمار، ومن ثم يقلل حجم الاستثمار، كما يؤدي التضخم إلى قلة الحماس لدى أصحاب الدخول المتمثلة في الأجور على العمل وذلك بسبب انخفاض دخولهم الحقيقية مع ارتفاع الأسعار. وأظهرت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تراجع إجمالي الناتج المحلي من (15,829.0) مليون دولار في العام 2019 إلى (15,027.1) مليون دولار عام 2021، حيث انخفض إجمالي الناتج المحلي في الضفة الغربية من (12,998.8) مليون دولار في العام 2019 إلى (12,470.5) مليون دولار في العام 2021. أم في قطاع غزة فقد انخفض الناتج المحلي الحقيقي من (2,830.2) مليون دولار في العام 2019 إلى (2,556.6) مليون دولار في العام 2021. ومن جهة أخرى انخفض الاستثمار من (3,549.1) مليون دولار في العام 2021، مقارنة مع (3,911.2) مليون دولار في العام 2019. كما انخفض الانفاق الاستهلاكي النهائي من (17,328.8) مليون دولار في العام 2019 إلى (16,625.1) مليون دولار عام 2021. وهذا انعكس على تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى (2,922.5) دولار في العام 2020 مقارنة مع (3,378.3) دولار في العام 2019.

زيادة الاستهلاك وانخفاض الادخار والاستثمار نتيجة استحواذ الاستهلاك على النسبة الأكبر من الدخل المتاح الإجمالي.أما في قطاع غزة فإن ما ينُفق على الاستهلاك يزيد عن الدخل بحدود 30% , لذلك فتأثير ارتفاع الأسعار على الدخل في قطاع غزة يكون أكثر ضرراً على نسب الاستهلاك مقارنة بالضفة الغربية والتي تشهد أوضاعا اقتصادية أفضل أداء من غزة بفعل عمل عشرات الآلاف من العمالة في إسرائيل والمستوطنات إلا أن أية أغلاقات مستقبلاً قد تؤدي إلى تراجع اقتصاد الضفة والذي تعتمد بشكل كبير على سوق العمل الإسرائيلي .أثر ارتفاع الاسعار عالمياً على المساعدات والمنح: تتأثر المساعدات الخارجية غالباً بالتطورات السياسية المصاحبة والمشَكِّلة للتسوية السلمية، وبالتالي انعكست الأزمات العالمية ومنها ارتفاع معدلات التضخم على المساعدات الخارجية المقدمة للحكومة الفلسطينية، ومن الجدير ذكره أن الحكومة الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على المنح والمساعدات، لذلك فإن انخفاضها يشكّل عبئاً بدلاً من كونه وسيلة مهمة لتمويل عملية التنمية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي الحقيقية، وتحقيق الاستقلال، حيث يعانى الاقتصاد الفلسطيني من صدمة عميقة نتيجة الانخفاض الكبير والمتتالي لهذه المساعدات، الذي بدأ حجمها في الانخفاض في العديد من السنوات وكان أبرزها العام 2009، حيث انخفضت المساعدات والمنح من (1,978.1) مليون دولار في العم 2008 إلى (1,401.8) مليون دولار في العام 2009 ، واستمرت في تراجعها إلى أن وصلت إلى 321 مليون دولار سنة 2021، وبنسبة تراجع بلغت 84%. وهذا يعكس بأن الاتجاهات المستقبلية للمساعدات الخارجية، غالباً، ستمضي بالاتجاه العام نفسه للمساعدات، نحو مزيد من الانخفاض، وخصوصاً وأن معطيات الواقع الاقتصادي والسياسي لا تشير إلى إمكانية توقع زيادات فاعلة في حجم المساعدات، وبلا شك، فإن انخفاض المساعدات الخارجية يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام تداعيات خطيرة، ويُضعف من صمود السلطة والمواطنين، ويُعرِّض منجزاتها للتآكل والتراجع.أثر ارتفاع الاسعار عالمياً على الفقر: نتيجة لارتفاع الأسعار بهذه الصورة، وارتفاع نسبة انعدام الأمن الغذائي وزيادة الانفاق الاستهلاكي واستحواذه على النسبة الأكبر من دخل الأُسر الفلسطينية، وانخفاض الادخار والاستثمار الناتج عن تبعات الأزمة الروسية الأوكرانية وتبعات الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته المتواصلة (الحصار، والإغلاق، والحروب المتكررة، والانتهاكات بكافة أشكالها)، وتبعات جائحة كورونا وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية فادحة، اتسعت دائرة الفقر في مناطق السلطة الفلسطينية، وكذلك أثرت على صمود الأُسر الفلسطينية مادياً، والتي تعاني أصلاً من ارتفاع في نسب الفقر، حيث تشير الاحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن 29% من الأُسر في مناطق السلطة الفلسطينية تُصنف حالتها المادية بأنها أُسر فقيرة تتوزع ما بين 13.6% في الضفة الغربية و54.2% في قطاع غزة، وأن 29% من الأسر الفلسطينية بالكاد تستطيع تدبير أمورها المادية، أو تعاني من وضع مادي خطير، تتوزع ما بين 20.1% في الضفة الغربية، و43.9% في قطاع غزة.أثر ارتفاع الأسعار عالمياً على الموازنة والقطاع المصرفي: انعكس الارتفاع في الأسعار العالمية على تراجع الايرادات العامة في فلسطين، نتيجة انخفاض القوة الشرائية للدخل، وضعف الادخار والاستثمار، الأمر الذي انعكس على عجز الموازنة الفلسطينية، حيث ارتفع العجز في موازنة السلطة الفلسطينية من (77.1-) عام 2019، إلى (133.4-) عام 2020. كما انعكس الارتفاع في المستوى العام للأسعار على موجودات الجهاز المصرفي الفلسطيني، حيث تراجعت التسهيلات الائتمانية الممنوحة للقطاع العام من %16.3 كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من العام 2021، وبلغت في الربع الرابع من العام 2021 ما يقارب 11.9% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وايضاَ انخفضت ودائع العملاء من 15.4% في الربع الثالث من العام 2021 إلى أن بلغت 9.1% في الربع الرابع من العام 2021، وذلك يعود للضغوط الكبيرة على دخول الأفراد جراء الارتفاع في المستوى العام للأسعار. ومن الممكن اتخاذ العديد من الخطوات والإجراءات لمواجهة الارتفاع في المستوى العام للأسعار: مراقبة الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار للحد من استغلال التجار في التحكم بالأسواق، وفرض العقوبات الشديدة على المخالفين والذين يبيعون بأسعار غير مبررة خاصة في نظم التقسيط الذي شهد تزايد واضح في المحافظات الجنوبية الفلسطينية، الذي ساهم في الارتفاع في العديد من السلع كالسيارات وأدوات البناء, إضافة لانتشار ظاهرة البيع بالتقسيط بزيادة تزيد عن 20% وتنامي أعداد السلع المُقسطة كالأجهزة الكهربائية والأثاث المنزلي والموبايلات وصيانتها وغيرها من المنتجات مما جعل غزة أكثر استدانة. تشديد الرقابة على الجودة والنوعية، لأن الارتفاع في المستوى العام للأسعار قد يغري بعض التجار للتلاعب بالكميات والأوزان والنوعية.تفعيل جمعية حماية المستهلك، والمطالبة بإقرار قوانين خاصة بحماية المستهلك، لتكون الداعمة الأساسية في المطالبة بحقوق المستهلك الفلسطيني.القيام بحملات التوعية للمستهلكين حول تعزيز دورهم بالضغط على التجار من أجل تخفيض الأسعار، وأن تقوم الحكومة بدورها اتجاه السياسة الاقتصادية المتمثلة في السقف السعري والارضية السعرية.وضع خطة لدعم الأمن الغذائي من خلال تشجيع الاستثمار في الأمن الغذائي داخل المناطق الفلسطينية وخارجها، لأن أزمة ارتفاع الأسعار مستمرة ويُتوقع لها أن تمتد فترات مقبلة طويلة.إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني وتحريره من الاقتصاد الإسرائيلي، والعمل على دعم المنتجات المحلية. توفير الحماية لقطاع المقاولات حيث أن هذا القطاع يشغل الاف العمال الفلسطينيين وبالتالي التعامل معهم يجب ان يكون بشكل مختلف وأن يكون هناك توجه من الحكومة لسن تشريعات لمواجهة هذه الظروف وأن يكون اتحاد المقاولون ونقابة المهندسين شركاء في وضع التشريعات.مطالبة الحكومة بوجود سياسة واضحة للتعامل مع الأزمات وخاصةً أن هناك سلع يعتبرها العالم كله جزءاً من أمنه سواء الغذائي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ولا يتم التعامل مع الأزمات كردات فعل معظمها خاضع لوسائل التواصل الاجتماعي.

على الحكومة الفلسطينية ممثلة بوزراء المالية والاقتصاد والإسكان والتنمية الاجتماعية أن يتحملوا المسؤولية كونهم مرتبطين بحالة السوق ولديهم الأدوات المناسبة لمعالجة مثل هذه الأزمات حيث في كثير من الأحيان يشارك المستوى الرسمي في كثير من القطاعات مع المستثمرين (زواج المتعة) بمعنى أن المستوى الرسمي يكون مستثمراً.

الحاجة الى سياسة اقتصادية تعزز الدور الرقابي على الأسعار والتجار لأن من يدفع ضريبة ارتفاع الأسعار المواطن الفلسطيني وخاصة أصحاب الدخل المحدود والمهمشين، حيث أن المنح التقشفي الذي تتبناه الحكومة بات يستهدف المواطن من خلال إثقال كاهله بأعباء ضريبية جديدة وفي كثير من الأحيان بدون مسوغ قانوني في ظل غياب السلطة التشريعية.يتعين على الحكومة مواجهة خطر انعدام الامن الغذائي والتخفيف من تداعيات ارتفاع الأسعار وخاصةً على الفقراء وتعزيز شبكة الأمان الاجتماع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى