أهم الاخبارمقالات

صعود اليمين المتطرف في إسرائيل يضع الفلسطينيين أمام تحديات مصيرية .

احتلت شخصية رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو ، المتهم بجرائم الفساد وخيانة الأمانة مركزا ‏محوريا في الانتخابات الإسرائيلية ، التي جرت في الأول من الشهر الجاري . وعلى الرغم من ان استطلاعات ‏الرأي كانت تتأرجح وترشح استمرار الازمة السياسية في اسرائيل ، إلا أن السؤال الجوهري كان يدور ‏حول حظوظ بنيامين نتنياهو في الوصول الى أغلبية تمكّنه من تشكيل حكومة مع حلفائه من الاحزاب ‏الدينية ( يهودات هاتوراه للغربين وشاس للشرقيين ) ومع حزبي الفاشية بقيادة الثنائي الفاشي بتسلئيل ‏سموتريتش وإيتمار بن غفير عن الصهيونية الدينية .

وجاءت نتائج الانتخابات بأخبار سارة لنتنياهو ‏بفوز واضح لقائمة” الصهيونية الدينية ، التي تحولت الى القوة الثالثة في الكنيست بقفزة من 6 مقاعد ‏في انتخابات الكنيست الرابع والعشرين ، التي جرت قبل عام ونصف الى 14 مقعدا في الكنيست الخامس ‏والعشرين .

‏ومن المعروف ان الاحزاب اليهودية الدينية التقليدية ليس لها مشكلة مع نتنياهو او غيره في رئاسة ‏مجلس الوزراء ، إذا هو استجاب لمطالبها وهي في العادة غير سياسية بقدر ما تتصل بالحقائب الوزارية ‏وما يصاحبها من ميزانيات يجري استخدامها في صالح تقوية نفوذ هذه الاحزاب في الاوساط ، التي ‏تدعي تمثيلها . ‏غير ان الوضع مختلف تماما مع الاحزاب الايدولوجية كحزبي ” عوتسماه يهوديت ” بزعامة بن غفير ‏وحزب ” الوحدة اليهودية ” بزعامة سموتريتش ، اللذين توحدا في قائمة واحدة ، كان عرابها بنيامين ‏نتنياهو ، لخوض انتخابات الكنيست .

ومع الفوز الكبير لقائمة الحزبين في الانتخابات بدأ السؤال يطرح ‏نفسه ، هل يفي نتنياهو بوعوده بمنح نواب هذه القائمة حقائب وزارية تلائم وزنها البرلماني ويكون لها ‏تأثير ملموس في القرار السياسي في دولة الاحتلال والعنصرية ، وهو يعرف ان الصهيونية الدينية نبت ‏شيطاني ، ساهم في صعوده رجل احتل في انتخابات الكنيست على امتداد الاعوام الثلاث الماضية بؤرة ‏الاهتمام حين قسم الناخبين بين من معه ومن ضده بصرف النظرعن روائح الفساد التي تنبعث من حوله ‏‏. ‏لماذا نبت شيطاني …الجواب على ذلك ليس صعبا فقادة كل من ” عوتسماه يهوديت ” والوحدة اليهودية ‏‏” لم يقفزا هذه القفزة الكبيرة في الانتخابات بفضل مسار سياسي شق طريقه في صفوف فئات اجتماعية ‏تعاني من مشكلات بطالة او فقر أو تدهور في مستوى المعيشة ، بل في صفوف الفئات الرثة في ‏المجتمع الاسرائيلي ، شأنها في ذلك شأن الأحزاب الفاشية في مجتمعاتها . في انتخابات العام ‏‏2020 حصل هذا النبت الشيطاني ، وريث حركة ( كاخ ) ، التي قادها الرابي العنصري الكريه مئير كاهانا ‏والمصنفة حتى في اسرائيل كحركة محظورة على نحو 225 الف صوت ودون مقدمات منطقية زاد هذا ‏الرقم عن الضعف في الانتخابات الأخيرة ، لا لشيء إلا لأن المستوطنين المستعمرين زحفوا على صناديق ‏الاقتراع لانتخاب قائمة هذا الائتلاف . ‏

نعت ممثلي قائمة ” الصهيونية الدينية ” بالفاشية لا يحمل أية درجة من التجني أو المبالغة ، وهم على ‏كل حال ليسوا الفاشيين الوحيدين في دولة الاحتلال والعنصرية ، غير أن فاشيتهم فاشية عارية تتغذى ‏على أوهام التفوق العرقي وعلى أساطير دينية يراد لها عبر كم هائل من التزوير والتضليل ان تصبح ‏جزءا من تاريخ وثقافة وحضارة هذه المنطقة ، إن لم تكن هي تحديدا تاريخ وثقافة وحضارة هذه ‏المنطقة ، دون مرجعية تاريخية حقيقية . وهي فاشية تقوم على كراهية الأجنبي ، أو بالتعبيرات ‏التلمودية كراهية الأغيار ، لا لشيء إلا لأن الرب يريد ذلك . ‏كراهية الأغيار هذه كراهية أيدولوجية بغلاف ديني ، لا تدفع الأغيار للسقوط في البئر ولكن إذا حصل ‏ذلك من المحظور أن تمد لهم يد المساعدة .

هي كراهية متأصلة ، تعبر عن ايدولوجية فاشية ، على ‏طريقة بتسلئيل سموترتش ، الذي لا يقبل أن تلد زوجته في المستشفى مع نساء عربيات ويدعو الى ‏تغيير جوهري في قوانين حقوق الانسان في الدولة على هشاشتها والى ضم الضفة الغربية لدولة ‏الاحتلال أو على طريقة ايتمار بن غفير ، الذي يدافع عن مفاهيمه التلمودية لما يسمى في جيش الاحتلال ‏‏” طهارة السلاح ” كتطهير عرقي ويدعو الى تغيير أوامر إطلاق النار وعدم فرض أية قيودعلى الجنود ‏وأفراد الشرطة في تعاملهم مع الفلسطينيين ويجاهر بكل صراحة ووضوح ووقاحة بأن العرب ‏الفلسطينيين هم فائض يجب طرده وإن هم أرادوا ان يعيشوا في دولة اسرائيل من البحر الى النهر فبدون ‏حقوق سياسية ولا حتى مدنية باعتبار ذلك مشيئة ربانية . وهكذا تعرض ” الصهيونية الدينية ” كحركة ‏فاشية برنامجها كمشروع استيطاني استعماري عنصري المحتوى يدعو الى تصعيد في نهج التطهير ‏العرقي بتصميم وخاصة في القدس والضفة الغربية والمثلث والنقب . ‏

مع هذه الحركة الفاشية عقد بنيامين نتنياهو تحالفات واتفاقات تارة في العلن وأخرى من الباطن فجرى ‏تقسيم العمل في التحضر لانتخابات الكنيست على النحو الذي يخدم مصالحه في العودة الى سدة الحكم في ‏اسرائيل ، رئيسا للوزراء ، الليكود يركز حملته على مراكز المدن فيما حلفاؤه الجدد من الصهيونية ‏الدينية ” يركزون على الأطراف وخاصة المستوطنات في الضفة الغربية باعتبارها الخزان الانتخابي ‏ليضمن بذلك من المقاعد عددا كافيا تؤهله للفوز في السباق الانتخابي وهكذا كان وفاز في السباق . ‏

نتنياهو لسانه ، فهو في حاجة إلى دعم حلفائه الجدد للإفلات من الإدانة والعقاب في محاكمته ‏بتهم الفساد، وهم سوف يمنحونه هذا الدعم، وهو في حاجة لهم لتمرير قوانين ليس فقط بخصوص ‏محاكمته ، بل ومن اجل استمراره في الحكم لأطول فترة ممكنة ، لدورة انتخابية جديدة على الأقل ، ‏خاصة بعد الفوز الكبير الذي حققوه في الانتخابات .

سموتريتش وبن غفير لم يعودا بلا أسنان ، فأسناهما ‏بعد الانتخابات باتت كأسنان القرش ، وهذا ما يدركه نتنياهو وما سوف يتعامل معه في رهان على احتواء ‏ردود الفعل الداخلية منها والخارجية ورهان على التغيرات المحتملة ، التي يمكن ان تحمله له كأخبار ‏سارة الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي . ‏إذن نتنياهو في الطريق لتشكيل حكومة هي الأكثر تطرفا في تاريخ دولة لم تعد تملك أدوات تسويق ‏نفسها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ، فصورة الوضع في اسرائيل تتبلور اكثر فأكثر عن ‏دولة هي في الحقيقة دولة إثنوقراطية، يحتكر فيها اليهود جميع الحقوق ، دولة تتوعد الفلسطينيين ‏سكان البلاد الأصليين باعتبارهم أغيارا بالمفاهيم التلمودية .

و هكذا جاءت هذه الانتخابات لتضع ‏الفلسطينيين ليس فقط في الضفة الغربية بما فيها القدس وفي قطاع غزة ، بل وفي فلسطين التاريخية كما ‏في الشتات أمام مهمات وتحديات مختلفة عن سابقاتها وخاصة بعد ان تحول خطاب الاستيطان ‏الاستعماري والكراهية والترانسفير والتطهير العرقي الى خطاب رسمي لدولة الاحتلال والفصل العنصري ‏الاسرائيلية ، يهدد حاضر ومستقبل الفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير بمركباته الثلاث : حقوق ‏قومية ثابته وحقوق مواطنة ومساواة لأبناء الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام 1948 وحقوق ‏قومية ثابته في الاستقلال والتحرر من الاحتلال والاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ‏وحقوق قومية ثابتة في العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم وممتلكاتهم بالقوة ‏العسكرية الغاشمة ، ما بات مراجعة جادة ومسؤولة في السياسة تتطلب تشكيل جبهة قومية متحدة تضم ‏جميع الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني وفي المناطق الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 وفي الشتات ، ‏جبهة تكون مفتوحة لمشاركة جميع القوى والشخصيات التقدمية اليهودية في دولة اسرائيل ، على ‏محدوديتها بحكم محدودية الوضع الانساني في هذه الدولة ، لأن صعود الفاشية بغطاء رسمي من خلال ‏الكنيست في دولة الاحتلال والفصل العنصري لا يقتصر خطرها على الفلسطينيين وحدهم بقدر ما يمتد ‏شرها على عموم فلسطين التاريخية بل ويتجاوزها الى ما هو أبعد من ذلك ليعم المنطقة بأسرها .‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى