أهم الاخبارتقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

تونس: أول تعليق رسمي على المحادثة الخاطفة بين رئيسة الحكومة والرئيس الإسرائيلي

علق المتحدث باسم الحكومة التونسية نصر الدين النصيبي على الجدل الذي أثارته المحادثة الخاطفة بين رئيسة الحكومة نجلاء بودن، والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

وقال نصر الدين النصيبي وزير التشغيل الناطق الرسمي باسم الحكومة، “لم أشاهد صورة رئيسة الحكومة وهي تتحدث مع الرئيس الإسرائيلي على هامش قمة شرم الشيخ”.

وأضاف في تصريح صحفي على هامش افتتاح فعاليات المؤتمر الدولي الاقليمي حول التجديد في قطاع التكوين المهني، أنه “سيتم التثبت من الصورة ومن ثم التفاعل معها”.

وتابع: “لم أشاهد صورة رئيسة الحكومة نجلاء بودن مع الرئيس الإسرائيلي.. فعلا لم أشاهدها، وسنتثبت أولا من المسألة ومن ثم سنتفاعل، ولكني لم أر الصورة ولا يمكنني بالتالي التعليق على شيء لم أره”.

وكانت محادثة خاطفة جرت بين بودن وهرتسوغ، على هامش قمة المناخ بشرم الشيخ، أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس.

وتداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تظهر فيه بودن في دردشة خاطفة مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مشاركتها في قمة المناخ “كوب 27” في مصر.

وجاء الحديث الخاطف مع الرئيس الإسرائيلي، خلال الاستعداد لالتقاط الصورة الجماعية للزعماء ورؤساء الحكومات الذين حلوا بمصر للمشاركة في القمة.

ولم تستغرق المحادثة سوى بضع ثوان، وهي على ما يبدو من باب المجاملات، إذ انتهت بابتسامة عريضة من بودن، لكنها أثارت غضب بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وذهب البعض إلى حد اعتبارها تطبيعا مع إسرائيل.

انتقاما لاغتيال النابلسي.. الاحتلال يدعي احباط عملية فدائية تقودها “3 نساء”

القدس المحتلة/سما/

ادعى جهاز أمن الاحتلال العام (الشاباك)، إحباط “خلية” مكونة من ثلاث نساء فلسطينيات خططن لتنفيذ عملية إطلاق نار ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي شمالي الضفة الغربية، في أعقاب استشهاد الشاب إبراهيم النابلسي في التاسع من آب/ أغسطس الماضي.

جاء ذلك بحسب ما أوردت هيئة البث الإسرائيلية (“كان 11”)، مساء الثلاثاء، نقلا عن مصادر في أجهزة أمن الاحتلال، وزعمت أن الخلية مكونة من الأسيرات تحرير أبو سرية وولاء طبنجة ومريم عرفات، اللواتي اعتقلتهن قوات الاحتلال في 20 آب/ أغسطس الماضي، عند حاجز “إلياهو” العسكري بالقرب من قلقيلية.

ووفقا لمزاعم الاحتلال فإن الشابات الثلاث خططن لتنفيذ عملية فدائية ضد قوات الاحتلال في منطقة نابلس في أعقاب استشهاد النابلسي برصاص قوات الاحتلال الخاصة في مدينة نابلس، بعد محاصرة منزله في البلدة القديمة واشتباك مسلح استمر لساعات بين مقاومين فلسطينيين وقوات الاحتلال أسفر عن استشهاد النابلسي والشاب إسلام صبوح والفتى إبراهيم طه.

وادعت القناة الرسمية الإسرائيلية أن تحقيقات الشاباك كشفت أن الشابات الثلاث نفذن عملية إطلاق نار استهدفت موقع لقوات الاحتلال قرب مستوطنة “كدوميم” القريبة من مدينتي نابلس وقلقيلية، وانسحبن من مكان العملية بعد أن توقف المسدس الذي كان بحوزتهن عن إطلاق النار بسبب خلل تقني؛ وقررن تنفيذ عملية في موقع آخر، قبل أن يتم اعتقالهن لاحقا وهن يقدن مركبة وعثر بحوزتهن على مسدس، وفقا لمزاعم الاحتلال، عند حاجز “إلياهو” العسكري.

وزعم التقرير أن الأسيرات الثلاث قررن تنفيذ العملية إثر الغضب الذي تولد لديهن بسبب استشهاد النابلسي، وتواصلن مع جهات في حركة “الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة المحاصر، وتمكنّ من تحصيل السلاح بواسطة أحد قيادات “الجهاد الإسلامي” في مدينة نابلس، وادعى الشاباك أن التحقيقات بيّنت أن الأسيرات قمن بتسجيل وصيتهن عبر مقاطع فيديو سلمنها لـ”قيادي الجهاد في نابلس”.

وقامت نيابة الاحتلال العسكرية تقدم لائحة اتهام بحق الأسيرات الثلاث، وقامت سلطات الاحتلال القضائية تمديد اعتقالهن بداعي استكمال التحقيق، علما بأن الأسير أبو سرية التي ينسب لها الاحتلال قيادة الخلية، تعرضت للتنكيل والاعتداء والتحقيق العنيف من قبل سلطات الاحتلال خلال عملية اعتقالها وخلال عملية التحقيق.

وكانت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، قد أفادت في تقرير أوردته في أيلول/ سبتمبر الماضي، بأن جيش الاحتلال اعتدى بالضرب على الشابتين أبو تحرير أبو سرية ومريم صوافطة خلال اعتقالهما بجوار حاجز “إلياهو” العسكري بالقرب من محافظة قلقيلية.

وأوضحت الهيئة أنه حُقق مع الأسيرتين أبو سرية وصوافطة ميدانيًا عند من الحاجز العسكري قرب قلقيلية، وبعدها جرى اقتيادهما لمركز تحقيق “بتاح تكفا”. أشارت إلى أن محققي الاحتلال تعمدوا شبح الأسيرتين بكرسي صغير، واستجوابهما لساعات طويلة، في تحقيق تخلله شتمهما بألفاظ نابية والصراخ فيهما.

وأكدت هيئة شؤون الأسرى أن الاحتلال زجه بالأسيرتين في زنازين انفرادية مراقبة بالكاميرات لا تصلح للعيش البشري، وبعد 14 يومًا جرى نقلهما لمركز تحقيق “الجلمة”، وهناك عانت الأسيرتان من المعاملة السيئة من قبل عناصر “نحشون” ومن المماطلة بالاستجابة لمطالبهما.

تغيرات الإستراتيجية الأميركية تجاه قضية فلسطين

عبد الغني سلامة

تنطلق فكرة المقالة من فرضيتين، الأولى: أن الإستراتيجية الأميركية ليست معطى مطلقاً وثابتاً، بل هي مرنة وقابلة للتغيير، وفقاً للمستجدات وتغير الظروف والمعطيات. والثانية: وجود فروقات جوهرية بين الحزبين الحاكمين للبيت الأبيض (الجمهوري والديمقراطي) سواء بشأن السياسات الداخلية، أم الخارجية، بما ذلك ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

بشكل عام، وفيما يتعلق بإستراتيجية الولايات المتحدة تجاه القضايا الخارجية يمكن القول: إنها ومنذ الحرب العالمية الأولى قامت على مبدأين، الأول: ترك الأطراف المتصارعة (بما في ذلك حلفاؤها) يخوضون صراعاتهم فيما بينهم (بتدخل خفي من بعيد) حتى يصلوا لمرحلة الرغبة بالخروج من هذا الصراع، والقبول بما تكون أميركا قد أعدته لهم من حلول وتسويات تخدم مصالحها أولاً. أو توظيف حلفائها لخوض حروبها بالوكالة، كما حدث في الحرب الباردة، وفي حرب أوكرانيا مؤخراً.

والثاني: إستراتيجية الغزو المباشر، من أجل تأمين وحماية مصالحها، كما حدث في فيتنام وأفغانستان ثم العراق. أي بالاعتماد على قواعدها العسكرية بشكل مباشر، وبأدوار قد تتجاوز أشكال التعاون التقليدية مع حليفتها الإستراتيجية «إسرائيل».

بالنسبة للقضية الفلسطينية، فقد تغيرت الإستراتيجية الأميركية مراراً وتكراراً، أثناء الحرب الباردة، وبعدها، مع الحفاظ على جوهر الموقف، الذي ظل محكوماً إلى محددات عامة، تنطلق من ثلاثة محاور أساسية، وهي: الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل وضمان تفوقها، واعتبار إسرائيل التجسيد الوحيد للديمقراطية في الشرق الأوسط، وتأثيرات اللوبي اليهودي في أميركا والمسيحيين الصهيونيين.

كانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل في 14 أيار 1948. ومنذ ذلك الحين، أصبحت اسرائيل، ولا تزال، أهم حليف لأميركا في الشرق الأوسط. تربطهما علاقات وثيقة، بالإضافة إلى المصالح المشتركة.

وفي الحقيقة، بدأ التحالف الوثيق بينهما بعد مؤتمر بالتيمور الذي عُقد في نيويورك سنة 1942، حين بدلت الحركة الصهيونية تحالفها من بريطانيا إلى أميركا، وذلك على ضوء تداعيات الحرب العالمية الثانية، وفي كل الأحوال، ظلت إسرائيل عماد المشروع الغربي الإمبريالي، وركيزته الأساسية.

لكن السياسة الأميركية الخارجية ظلت، ولعقود طويلة إبان الحرب الباردة تتسم بالاستقرار النسبي تجاه التفاعل مع ديناميكيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأطروحات المختلفة تجاهها، فقد ظلت منحازة وبشكل تام لإسرائيل، ومتبنية للرواية الإسرائيلية، ومدافعة عن إسرائيل بشكل مطلق، خاصة في مجلس الأمن.

أما بالنسبة لموقفها تجاه الفلسطينيين، فقد ظلت أميركا وحتى نهاية الثمانينيات لا تعترف بوجود الشعب الفلسطيني، ولا بحقوقه الوطنية، ولا تعترف بمنظمة التحرير. وبعد ذلك، بدأت السياسة الخارجية الأميركية تتغير تدريجياً، وببطء شديد، لكنه تغير مهم، ويجب البناء عليه.

كان ريغان أول رئيس أميركي يقبل التعامل مع منظمة التحرير (على شكل مفاوضات مباشرة جرت مع السفير الأميركي في تونس 1988)، وفي عهد كلينتون أُبرم اتفاق أوسلو، وكان كلينتون أول رئيس أميركي يستقبل عرفات في البيت الأبيض، ويزور فلسطين، ويفتتح في غزة أول مطار فلسطيني، صحيح أنه رعى مفاوضات كامب ديفيد (تموز 2000)، إلا أنه حمّل الطرف الفلسطيني مسؤولية فشلها، وكان بوش الابن أول رئيس أميركي يتحدث عن دولة فلسطينية.

أما أوباما، ورغم بداياته الواعدة، إلا أنه ترك الأمر للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون تدخل حقيقي منه، تاركاً الأمر لإسرائيل للاستمرار في بناء المستوطنات، دون أي ضغوطات جدية، على الرغم من تمرير إدارته قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان في أواخر أيام حكمه، وقد غادر البيت الأبيض دون تقديم تصور مقترح لحل الصراع الفلسطيني وإجبار الطرفين على القبول به، واكتفى بإدارة الصراع بدلاً من العمل على حله.

في مرحلتَي بوش وأوباما (2000 – 2016) بدأت الإستراتيجية الأميركية تتفهم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويُعد هذا تطوراً بالغ الأهمية في الرؤية الأميركية تجاه قضية فلسطين، بعد أن ظلت أميركا ولفترة طويلة تتجاهل الحديث عن حقوق الشعب الفلسطيني، وترفض حتى الاعتراف به كشعب له وجود، وترفض لقاء أيٍ من قياداته، وهو تغير مهم من ناحيتين: الأولى: موقف الولايات المتحدة من الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وقد بدأ هذا التغير تحديداً بعد أن اضطرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعقد دورة خاصة لها في جنيف للاستماع إلى ياسر عرفات، بعد أن رفضت أميركا منحه تأشيرة دخول لأراضيها في كانون الأول 1988، فوجدت نفسها في موقف متناقض مع الأسرة الدولية برمتها. وبعد أن أعلنت القيادة الفلسطينية بوضوح موقفها الإيجابي من قرار 242 شرعت أميركا بفتح حوار مع م.ت.ف عبر سفيرها في تونس، وقبل أن يسفر الحوار عن شيء نشبت حرب الخليج الأولى.

الناحية الثانية: موقفها من الدولة الفلسطينية الذي أعلنه بوش الابن في خطابه أمام الأمم المتحدة بعيد غارة مانهاتن (2001)، وربما على ضوئها.

وفيما يتعلق بتمثيل الفلسطينيين والتعامل مع منظمة التحرير، سمحت الإدارة الأميركية عام 1994 لمنظمة التحرير بأن تفتح مكتباً لها في واشنطن. وألغت قانوناً ينص على أن الفلسطينيين لا يستطيعون الحصول على مكاتب تمثيل، باعتبار أن واشنطن لا تعترف بدولة فلسطين.

وفي كانون الأول 2002، قرر بوش خفض تمثيل مكتب المنظمة بحجة عدم احترام السلطة الفلسطينية لتعهداتها. ولكن في عهد أوباما أعيد رفع مستوى تمثيل بعثة المنظمة إلى مستوى بروتوكولي أعلى من وضعها السابق. وسُمح برفع علم فلسطين فوق مبنى البعثة، وقد رأت القيادة الفلسطينية في ذلك خطوة إيجابية نحو اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية المستقلة.

بالنسبة لقضية اللاجئين، فقد ظل الموقف الأميركي غامضاً، أو على الأقل غير متعارض مع القانون الدولي بشكل واضح، حتى عهد ترامب الذي مثَّل تغيراً جذرياً عن الموقف الأميركي التقليدي. فقد تبنت إدارته إستراتيجية تختلف عن مقاربات الإدارات السابقة، فقامت بقطع المساعدات عن السلطة وعن «الأونروا»، وأغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ونقلت مقر السفارة الأميركية إلى القدس، وشرعنت الاستيطان ودعمت مشاريع الضم، واعترفت بضم الجولان، وتجاهلت كل القرارات الدولية، وعملت على تصفية ملف القضية، وبذلك يكون ترامب قد أنهى عملياً سياسة اتبعها أسلافه بتأجيل قضايا الحل النهائي إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. 

أما زال الفهمُ عصيّاً؟

عبد المجيد سويلم

ما زلنا غير قادرين ــ على ما يبدو ــ أن نفهم مرّةً واحدة أنّ الذي يجري، والذي جرى من تحوّلات نحو العنصرية والفاشية الإسرائيلية كان سيجري على كل حال، إن لم يكن اليوم، فكان سيجري بعد سنة أو سنتين، وأنّ وصول المشروع الصهيوني إلى هذه المرحلة كان حتميّاً بفعل قوانين تطور المشروع نفسه، وبفعل ما أحدثه المشروع من تغيّرات بنيوية كبيرة في كل البنى والمصفوفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة والمجتمع على حدّ سواء.

هذه المسألة لم تعد أكثر من «مُسلَّمة»، أو هي تحولت إلى «مُسلَّمة» في الواقع، ولم يعد أي عاقل يعتقد بعكس ذلك، أو بخلاف ذلك. وبالمناسبة هذه «المُسلَّمة» ليست استنتاجاً فلسطينياً فقط، بل هي باتت «مُسلَّمة» إسرائيلية لـ»اليمين» و»الوسط» و»اليسار»، كلّ من زاويته، ومن خلفيته وأهدافه، ومن زاوية الثقافة السياسية التي يتبنّاها.

أقصد أنّ بعضنا ما زال يعتقد أن الانقلاب الذي حدث هو انقلاب انتخابي في لحظة سياسية خاصة، وقد تكون لحظة عابرة أو مؤقّتة من جهة، وأنها جاءت بسبب فُرقة وتشرذم القوائم العربية، أو قوائم «اليسار» الصهيوني أو غيرها من الأسباب وعندما نُفسّر السياسي والاجتماعي الاقتصادي، والفكري الثقافي في وجهته الاستراتيجية، وفي ما أحدثته هذه المجالات مُجتمِعَة من تحوّلات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، وفي بنية النظام السياسي في إسرائيل.

… حينما نفسّر ذلك باللحظة السياسية العابرة والمؤقّتة، وتجلّيات هذه اللحظة «انتخابياً» فإننا في الواقع نؤكّد مرةً تلو المرة انفكاكنا عن الواقع، واستمرار «العيش» في أوهام سياسية، وربما استمرار المراهنات على أوهام كهذه، والتعلّق بها حتى ولو أنها ليست سوى قشّة تطفو على سرابٍ وليس على ماءٍ.

المسألة الانتخابية في لحظةٍ سياسية تبقى مهمة، وقد تبدو فارقة وفاصلة، لكن الأمر يصبح ويتحوّل إلى عجزٍ وفشلٍ في قراءة التحوّلات التي أفضت إلى الواقع الإسرائيلي إن اعتقدنا أن هذه اللحظة السياسية هي لحظة معزولة عن كامل سياق هذه التحوّلات على مدى عقود وعقود متواصلة.

يستطيع من يعتقد أن الأمر ليس سوى لحظة عابرة أن ينتظر على هامش الطريق، ويستطيع من استعصى عليه الفهم أن يُحضّر نفسه لانتخابات «قادمة»، ويستطيع أن يُمعِن في سرد «الصعوبات» الداخلية والإقليمية والدولية التي تقف في وجه نتنياهو، ويستطيع أن يبحث عن التوتر المنتظر في العلاقات الإسرائيلية الأميركية، والإسرائيلية الأوروبية، وغيرها وغيرها، لكن الشعب الفلسطيني ــ كما أظنّ ــ بات على قناعةٍ تامّة بأن المشروع الصهيوني بات واضحاً وعارياً، ولم يعد بحاجةٍ إلى الظهور إلّا بمظهره الحقيقي، ولم يعد مستعدّاً للمناورة، وهو يرى أن ساعة الحسم قد اقتربت لكي «يُصفّي» المشروع الصهيوني كل «حساباته» مع حقوق الشعب الفلسطيني، وأهدافه، بل ووجوده، أيضاً، عند درجةٍ معيّنة، أو في لحظةٍ سياسية مناسبة.

وعندما نقول: الشعب الفلسطيني، فإننا نقصد الشعب كلّه، بدءاً من «الداخل» الفلسطيني، ومروراً بالضفة والقطاع، وانتهاءً بالشتات في كل بقعة من هذا العالم.

هذه هي القناعة الراسخة الأهمّ التي أفرزتها «اللحظة السياسية العابرة، واللحظة الانتخابية» التي عايشها قبل عدة أيام فقط.

إليكم بالملموس ماذا يعني ذلك في سؤال: ما العمل؟

هل بالإمكان أن نتحدث عن «الحق بالمساواة» في ظل واقعٍ سياسي كهذا؟، وهل بالإمكان أن نفصل ما بين هذا الحق، والحقوق الوطنية الأخرى؟، وهل تحول هذا الحق، بما في ذلك ــ الحقوق الوطنية، إضافةً إلى المدنية ــ إلى الوجه الآخر للديمقراطية أم لا؟

الحق بالمساواة، وفصل المدني عن الوطني، وفصل كل ذلك عن الديمقراطية ليس سوى أسرلة مُعلنة، وليس بإمكانها سوى أن تكون كذلك، خصوصاً أن الديمقراطية كما تعلن عن نفسها وبالقانون هي ديمقراطية تخص اليهود أولاً، والدولة هي دولة اليهود، وحق تقرير المصير حصري باليهود، وكل من هم من خارج هذا الدين أو الإثنية ليسوا سوى «أغيار» أو هم من لا يحق لهم التمتع بالمواطنة الكاملة من حيث المبدأ، وكل ما يحق لهم (التمتّع) به مشروط ومقيد بشروط وقيود عنوانها الأكبر والأهمّ هو عدم (التمتع) بأي حقوق سياسية أو وطنية!

ماذا يعني ذلك سوى الأسرلة؟

هذا بالنسبة لأهلنا في «الداخل». فهل نتوقع تحت أي ظرفٍ من الظروف أن يكون لأهلنا في المحتل من أرضنا أي حقوق على الإطلاق سوى الخنوع التام، والقبول بالعيش تحت هيمنة الاحتلال وسطوته وسيطرته الكاملة على الأرض وما تحتها وما فوقها، باعتبارها أرض الشعب اليهودي «المختار»، والمالك الحصري لها، وصاحب السيادة عليها بـ»الوعد الإلهي» الذي لا يقبل الجدل أو النقاش أو الشكّ، لأن من شأن كل ذلك أن «يُقوّض» المشروع الصهيوني، والدولة الصهيونية، والمجتمع الصهيوني، كما باتت تعتقد أكثرية متزايدة في إسرائيلّ؟!

وعند الحديث عن الشتات فحدّث ولا حرج، ولا يحتاج الأمر إلى أي نقاشٍ من أي نوعٍ كان!

لا يوجد مشروع اسمه السياسي «دولة فلسطينية»، ولا يوجد مشروع اسمه «الدولة الواحدة»، كما نتوهّم، ولا يوجد مشروع اسمه «الدولة الثنائية القومية»، بالنسبة للمشروع الصهيوني، كما بات يتجسّد على الأرض، ولا يوجد «دولة ديمقراطية» كما هو واقع الدولة الإسرائيلية، ولا يوجد مجتمع يهودي إسرائيلي على قناعةٍ سياسية مغايرة، وأكثر ما يوجد على هذا الصعيد هو وجود «شكوك» معينة لدى فئات صغيرة، ومتناهية الصِّغَر في إطار مجتمع كهذا.

تصفية حقوق الشعب الفلسطيني هي عنوان المرحلة الجديدة، وهي الهدف المباشر على جدول الأعمال، والإجهاز على القضية الفلسطينية من كل جوانبها بات الهدف المعلن في الحملات الانتخابية الأخيرة لكل «اليمين» في إسرائيل، ولكن بقيادة الفاشية هذه المرّة، وهو الهدف المسكوت عنه في كل أوساط «الوسط» من «يمينه» إلى «يساره»، وهو الهدف الذي كشف عن تواطؤ «اليسار» الصهيوني بشأنه.

تصفية القضية الفلسطينية من كل جوانبها تعني قبل كل شيء فصل وتشتيت وتفتيت الشعب الفلسطيني، والتعامل مع كل «جزء» منه حسب الظروف والإمكانيات بهدف واحد ووحيد وهو «نزع» الطابع الوطني والسياسي عن وجوده المادي، على طريق تهديد هذا الوجود المادي نفسه إذا فشلت خطة التجزئة والتشتيت والتفتيت، وإذا فشلت خطة إخضاع وجوده المادي، ونزع الطابع الوطني والسياسي عن هذا الوجود.

ولهذا فإن وحدة الشعب الفلسطيني هي الحرف الأول، في الكلمة الأولى، في السطر الأول، في الصفحة الأولى من برنامج مجابهة مشروع التصفية، وهي الردّ الأول على هذا المشروع.

وإذا كان الأمر يتعلق بوحدة الأرض، والهوية والحقوق، فإن وحدة الشعب هي قاعدة الارتكاز وحجر الزاوية في كل هذا.

أقصد أن وحدة الشعب الفلسطيني ليس بالمعنى التنظيمي والإجرائي وغيره من أشكال الوحدة، على الأهمية الكبرى والقصوى لهذه الوحدة، وإنما وحدة المنطلق السياسي والبرنامجي التي تحول القضية الوطنية إلى قضيةٍ واحدة.

وإذا كانت هذه القضية عصيّة على الفهم سابقاً، فإن المشروع الصهيوني، وما وصل إليه من تحوّلات باتت تتجسّد في الواقع أصبحت تحتاج إلى أكبر عملية تحوّل في برنامج الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقة حركة فتح وحتى يومنا هذا.

أي أن المشروع الصهيوني أعاد الواقع السياسي إلى المربّع الأول، وهو مربّع الفكر الديني القومي، العنصري والفاشي بعد أن هُزم وإلى غير رجعة المشروع العلماني المراوغ، والمشروع الليبرالي الزائف.

وأصبح إسقاط النظام السياسي العنصري والفاشي الجديد هو المدخل الوحيد للدخول في دائرة ومساحة حق شعبنا كلّه في تقرير مصيره على أرضه، كل أرضه، ولم يعد أمامنا سوى هذا النهج وهذا الطريق، وهنا لنا عودة مُفصّلة.

نتنياهو: عدنا لـ”حراسة العتبة” ولا مكان بيننا ليساري أو عربي

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس

لقد أدار الليكود وبنيامين نتنياهو في الشهرين الأخيرين حملة مخططة ومهندسة ومنضبطة بدرجة لا تصدق. تم إسكات أعضاء الكنيست الذين يصرخون من المقاعد الأخيرة حتى إغلاق صناديق الاقتراع، وتم إخفاء التحالف مع ايتمار بن غبير، وعرض المرشح لرئاسة الحكومة وجهاً مسؤولاً رسمياً تقريباً. في كل مرة سئل فيها نتنياهو عن احتمالية إجراء تغيير تشريعي ودراماتيكي بعد انتخابه، كان يقدم إجابة غامضة متعمداً.

لكن هناك أمراً واحداً، مع ذلك، انحرف عن الخط وعن التصميم المحافظ للدعاية الانتخابية، وهو إعلان لليكود باللون الأسود القاتم تحت عنوان “هذا يكفي”، وقد ظهر على اللافتات في كل زاوية من البلاد رئيس الحكومة السابق، يئير لبيد، وشريكه في الائتلاف عضو الكنيست منصور عباس من “راعم”، وأيضاً، شكراً لعجائب الفوتوشوب، أعضاء الكنيست أيمن عودة وأحمد الطيبي (حداش – تاعل)، اللذان فعلا كل ما في استطاعتهما لمساعدة نتنياهو على إسقاط حكومة التغيير.

يبدو أنها رسالة قد تم استيعابها بشكل جيد في أوساط مصوتي الليكود و”الصهيونية الدينية” والأحزاب الدينية. من المرجح أنها ساعدت نتنياهو في تحقيق الفوز الذي يلوح في الأفق. إلى جانب سياسة الهوية والدعم لصراع بقاء نتنياهو ضد جهاز القضاء الذي حسب رأيه يطارده، عمل عامل حاسم آخر على حسم الانتخابات، وهو كراهية العرب والرغبة في ضمان إبعادهم عن جميع مراكز القوة. نتنياهو كالعادة، عزف بقدرة على المشاعر العنصرية مع نشر ادعاءات لا أساس لها عن 53 مليار شيكل خصصتها حكومة بينيت – لبيد – غانتس للإخوان المسلمين وحماس.

الخوف والكراهية تجاه العرب في إسرائيل ازداد أكثر عقب أعمال الشغب في المدن المختلطة أثناء عملية “حارس الأسوار” في أيار 2021 (في أيام حكم نتنياهو الأخيرة). إلى ذلك، من الجدير إضافة تطور لم يحصل على الاهتمام المطلوب في وسائل الإعلام، وهو ارتفاع الجريمة العربية ضد اليهود (السطو وسرقة معدات زراعية وأخذ الإتاوة بدل الحماية، وأعمال الشغب)، خصوصاً في النقب والجليل. هذه العمليات التي ازدادت في فترة نتنياهو واصلت التجذر في السنة الأخيرة.

تمثل الشعور العام بفقدان السيطرة والأمن الشخصي في الاتصالات مع العرب داخل إسرائيل أكثر مما هو تجاه الفلسطينيين في “المناطق” [الضفة الغربية]. يواصل الليكود الركوب على التوجه الديمغرافي الواضح واستغلال حقيقة أنه بالنسبة لجمهور واسع وتقليدي ومتدين – قومي وأصولي، فإن مشاركة العرب في الحكم هي خرقة حمراء يجب الانقضاض عليها بكل قوة. ومثلما أشير من قبل بكل مكان، ففي الوقت الذي أحسن فيه نتنياهو تحصين أسوار معسكره باتفاقات مسبقة، سجل الطرف المقابل أهدافاً ذاتية، من غطرسة كارثية لرئيسة حزب العمل ميراف ميخائيلي، وحتى النزاعات الداخلية بين القوائم العربية.

في الـ 15 سنة التي تولى فيها الحكم مع توقف واحد لمدة عشر سنوات، شاهدنا وجوهاً مختلفة لنتنياهو. ظهرت أكثر من مرة فجوة بين الخطاب المتشدد والهجومي، وبين الأفعال نفسها. فتهديدات أعداء إسرائيل لم تترجم إلى مغامرات عسكرية، والتطاول على جهاز القضاء لم يخدمه حتى الآن من أجل القيام بمحاولة تغيير الديمقراطية من الأساس. الظروف في هذه المرة مختلفة كما يبدو. ستلتقي الحاجة (سن قانون يوقف الإجراءات القضائية ضده) مع القدرة (حكومة يمينية متطرفة، الشركاء فيها سيكونون مسرورين من تقييد محكمة العدل العليا وتثليم أسنان الشرطة والنيابة العامة).

في المرات القليلة التي تطرق فيها نتنياهو إلى إصلاحات قضائية محتملة، قال شيئاً ما عن لجنة يجب أن تنظر وتوصي. يمكن التقدير بثقة معينة بأن أعضاء هذه اللجنة قد تم تعيينهم بالفعل وتم تحديد أهدافها. النتيجة المهمة بالنسبة لنتنياهو هي وقف محاكمته، لكن ذلك سيرافقه تغيير في التشريع الذي قد يغير الديمقراطية في إسرائيل. رجال القانون الذين يتابعون الإجراءات على قناعة بأن الائتلاف الجديد يمكنه استكمال هذه الإجراءات خلال بضعة أشهر بدون صعوبة، باستثناء احتجاج جديد واسع في بلفور والشوارع.

لا توجد فائدة كثيرة من صرخات استنجاد تقليدية يطلقها اليسار حول نهاية الدولة. خلافًا لبعض التقديرات التي نشرت في الهواء مؤخراً، فإن هناك شكاً كبيراً حول إغلاق صحف أو رمي المثليين عن الأسطح أو إقامة معسكرات تجميع لمعارضي النظام. حتى الآن، ما تم التخطيط له سيئ بما فيه الكفاية. ولا يمكن تجاهل الارتفاع النيزكي لقائمة يتكون جزء كبير منها من مؤيدي مئير كهانا، أصحاب أيديولوجيا عنصرية. هنا تندمج الخارطة السياسية مع الرؤى الأيديولوجية والتأثيرات المحتملة للوضع الأمني. سيكون للحكومة شركاء، ولبعضهم ملفات سميكة في القسم اليهودي لدى “الشاباك”. قد يُطلب من رئيس الجهاز رونين بار، ورجاله، الإبلاغ عن المعلومات الحساسة التي لديهم.

في القرارات المصيرية التي سيتخذها “الكابنت” حول خطوات عسكرية أو استخبارية بعيدة المدى، والتي قد توصل إسرائيل إلى شفا الحرب، سيشارك أشخاص ليست لهم أي علاقة بالخدمة العسكرية، ولا نريد التحدث عن المخاطرة بالخدمة القتالية. الأغلبية الساحقة من مصوتي “يهدوت هتوراة” ورؤساء الحزب وجزء من مصوتي “شاس” لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي أبداً. في قيادة “الصهيونية الدينية” عدد غير قليل من الذين خدموا خدمة قصيرة أو مؤجلة (مسارات مدارس الاتفاق الدينية، مراقبو الحلال وغيرهم)، أو الذين لم يرغب فيهم الجيش بشكل عام بسبب مواقفهم المتطرفة. مؤخراً، ظهر وبحق اهتمام كبير بالصيغ المتناقضة التي قدمها لبيد عن الطريقة التي مر فيها أثناء خدمته النظامية في صحيفة “بمحنيه”. مقارنة مع عدد من ورثته في “الكابنت”، فإن لبيد نصف جنرال، وفي الحكومة الآخذة في التبلور يظهر رؤساء “الصهيونية الدينية” على الأقل متحمسين للمعركة.

كل ذلك عوائق يجب على نتنياهو التفكير فيها في أعلى الطريق، لكنها ستحصل كما يبدو على أفضلية أخرى بالنسبة لخططه بخصوص جهاز القضاء. سيفكر نتنياهو في تعيين الجنرال احتياط يوآف غالنت وزيراً للدفاع، لكن من المرجح أن يطلب الاحتفاظ لنفسه بتأثير كبير على ما يجري في الوزارة. في هذه الحالة، ستكون أهمية كبيرة لمسألة من الذين سيتم تعيينهم في منصب رئيس هيئة الأمن القومي ومنصب مدير عام وزارة الدفاع. يمكن التقدير بحذر أن الاثنين اللذين يتوليان هذه المناصب الآن، الدكتور ايال حولتا والجنرال احتياط امير ايشل، لن يبقيا هناك لفترة طويلة. من بين المرشحين المحتملين لهذه المناصب ذكر في السابق كتوقع اسم رئيس هيئة الأمن القومي تحت نتنياهو مئير شباط والجنرال احتياط ايال زمير والجنرال احتياط عميكام نوركين.

في الوقت نفسه، سيدخل هرتسي هليفي إلى منصب رئيس الأركان في كانون الثاني القادم. وإلى جانبه سيواصل بار منصبه رئيساً للشباك، ودافيد برنياع رئيساً للموساد. تم تعيين كل من هليفي وبار في المنصب من قبل الحكومة التاركة، وحاول الليكود وضع العقبات أمام تعيين الحكومة الانتقالية لهليفي. من اللحظة التي سيشكل فيها الائتلاف القادم لن يمر كثير من الوقت إلى أن تعود وسائل الإعلام إلى استخدام الكلمات البالية “حراس العتبة”.

بناء تعاون إعلامي بين دول “اتفاقيات إبراهيم”

نجاة السعيد

لكي يتسنى النجاح الحقيقي لاتفاقيات إبراهام للسلام، ينبغي أن يمتد التعاون بين الدول الأعضاء ليشمل إنشاء شراكات تهدف الى التوصل لمصادر إعلامية أكثر دقة وواسعة النطاق.

كنتيجة لـ”اتفاقيات إبراهيم”، وهي الآن في عامها الثالث، وصلت العلاقات الدبلوماسية بين دول الخليج وإسرائيل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وأدت هذه العلاقات إلى إنشاء تعاون ثنائي في عدد من القطاعات الرئيسية، لكنها تمثّل أيضًا فرصةً لتحديد المجالات التي تتطلب مزيدًا من الاهتمام، مثل التنسيق الإعلامي.

حين يتعلق الأمر بدول “اتفاقيات إبراهيم”، على كافة المعنيين إدارة المعلومات المضللة والتحيز والاستقطاب ومواجهتها في التغطية الإعلامية الخارجية لبلدانهم، مع التفكير أيضًا في طرق تعزيز التفاهم المتبادل بين هذه الدول نفسها. وفي دول الخليج، يركز المحتوى الإعلامي بشكل كبير على انتهاكات حقوق الإنسان على حساب جوانب أخرى، في حين أن تغطية إسرائيل غالبًا ما تقدّم صورة غير دقيقة عن هذه الدولة كطرف محتل عنيف. وكذلك، غالبًا ما كانت تغطية “اتفاقيات إبراهيم” نفسها مكتومة الصوت، فيما تم أيضًا التقليل من شأن التعاون بين دول الخليج العربي. ومن أجل دعم المساهمة في هذه المحادثات، على الدول المعنية في “اتفاقيات إبراهيم” إنشاء سبل للتعاون الإعلامي، ما يساعد في مشاركة القصص الحقيقية والصحيحة وتحقيق تغطية دقيقة لكل من النجاحات والتحديات.

أثر التحيز والاستقطاب

في الوقت الحاضر، يمكن فهم المنطقة على أنها منقسمة إلى محورين. ويتميز “محور الاعتدال” باتباع نهج أكثر براغماتية واعتدالًا في المنطقة، وهو يشمل الإمارات والبحرين ومصر والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية، مقارنةً بالنهج الذي تقوده الأيديولوجيا ويتبعه كل من إيران والجماعات الشيعية الموالية لمفهوم الخميني المتمثل في “ولاية الفقيه”، والجماعات الإسلامية السنية مثل حركة “حماس” وجماعة “الإخوان المسلمين”.

أحد أهم الاختلافات الجوهرية القائمة بين المحورين هو مقاربتهما لكيان الدولة؛ فتؤيد دول “محور الاعتدال” وجود كيان للدولة وتعمل مع الدول الأخرى. وفي المقابل، يركز نموذج “محور المقاومة” على أيديولوجيا ثورية تدعم الجهات الفاعلة غير الحكومية، وتشكل قوة مزعزعة للاستقرار بشكل خاص في لبنان واليمن والعراق.

لقد رأت بعض الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام الغربية، وخاصةً تلك اليسارية، أن الإسلاميين السياسيين مثل “الإخوان المسلمين” والنظام الإيراني هم بمثابة علاج مناسب لتلك الجماعات المتطرفة التي أصبحت تثير الخوف الأكبر خارج المنطقة، مثل تنظيمَي “داعش” و”القاعدة”. وقدّم الأوّلون أنفسهم على أنهم نسخ من الإسلام المعتدل يمكنها ترويض هذه الجماعات الإرهابية الأخيرة. ومن ناحية أخرى، يتماشى الفهم البديل لماهية الإسلاميين السياسيين مثل جماعة “الإخوان المسلمين” كمدخل، وذلك عبر تطوير أيديولوجي يمكن أن تؤدي إلى أيديولوجيا التطرف، مع فهم تصور “محور الاعتدال”، ويصيغ هذا الفهم النهج الذي يعتمده المحور الأخير إزاء هذه الجماعات. وأدت هاتان السرديتان المتضاربتان إلى عدم ظهور كل من إسرائيل والخليج في وسائل الإعلام بشكل يعكس دوافعهما وهواجسهما، بينما يتم في بعض الحالات تضخيم السرديات التي تنبع من “محور المقاومة”.

أحد الأمثلة على ذلك هو المقاربة الإقليمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ فتؤيد دول “محور الاعتدال” حل الدولتين على أساس “مبادرة السلام العربية” لعام 2002. وفي غضون ذلك، يتطلع “محور المقاومة” إلى طرد إسرائيل باستخدام الميليشيات المسلحة، ويركز على زعزعة الاستقرار بطريقة يمكن أن تصبح في نهاية المطاف تهديدًا للأمن القومي في المنطقة. وتميل القيادة الفلسطينية أيضًا إلى هذا النهج الأيديولوجي، لا سيما من خلال خطاب حركة “حماس” إنما أيضًا من خلال الخطاب العربي القومي واليساري والشيوعي الذي تشير إليه حركة “فتح”. وأسفر اتباع هذا النهج عن نشوء تداعيات عملية سلبية، إذ رفضت القيادة الفلسطينية بعض الجهود البراغماتية الرامية إلى تحقيق السلام على مر السنين.

بالطبع، سيترك ذلك دولة إسرائيل ذات التوجه البراغماتي مسيطرة على ميزان القوى، وهو ما يعني من منظور العلاقات الدولية، أنها ستكون في وضع أقوى لحماية نفسها. علاوة على ذلك، ونتيجة سعي الفلسطينيين لتبنى مسار أيديولوجي، فضلاً عن كون المؤشرات المادية والإقليمية تُرجِّح كفة إسرائيل بشكل كبير، فإن هذا سيبقيها مسيطرة على أغلب النزاع – وبالتالي ستكون أقل تحمساً لتغيير الوضع الراهن.

بالتالي، يمكن أن يساعد تنفيذ مشروع إعلامي مشترك في محاولة تعزيز فهم أكبر بين السكان في بلدان “اتفاقيات إبراهيم”، وإبعاد جيل الشباب الفلسطيني عن السرديات الداعمة لـ”محور المقاومة”، وتوفير المزيد من التفاصيل الدقيقة بشأن هذه القضايا للمصادر الإعلامية الخارجية. ويمكن أن تسمح وسائل الإعلام المشتركة، باستخدام قناة إخبارية فضائية ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات ودبلوماسية المواطنين، للمواطنين من دول “اتفاقيات إبراهيم” بمواجهة الاستقطاب والتحيز ومعالجتهما.

وبهدف معالجة سرديات الجماعات الإسلامية الضارة، ربما تكون قناة غير رسمية مثل “يوتيوب” هي الأنسب إذ يمكنها تسليط الضوء على السرديات المتطرفة لهذه الجماعات باللغة العربية لغير الناطقين بها. وعلى هذا النحو، يمكن أن تساعد ترجمة هذه الرسائل العربية في تنوير الجمهور الغربي بشأن الطبيعة الحقيقية للجماعات الإسلامية السياسية، بينما تساعد أيضًا في توضيح مواقف الدول العربية تجاهها.

تنسيق التعاون الإعلامي في أثناء الصراع

تتواجد كذلك أمثلة على قيام تعاون إعلامي أكثر تنسيقًا سبق أن بدأ، ويمكن البناء على هذه النماذج. ففي 7 نيسان/أبريل 2021، وقّعت “وكالة أنباء الإمارات” ووكالة “تضبيط” الإسرائيلية اتفاقية مهنية للتعاون وتبادل الأخبار. كما أطلقت “وكالة أنباء الإمارات” موقعًا على شبكة الإنترنت باللغة العبرية. غير أن الوكالتين بحاجة الآن إلى وضع سياسة واضحة حول كيفية التعاون ليس في أوقات الاستقرار فحسب، فلا بد من التركيز أيضًا على تبادل المحتوى المطبوع والمسموع والمرئي في أوقات الاضطرابات، لا سيما في خلال فترات الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

من شأن التزام الصمت في خلال هذه الفترة، كما كان الحال في أثناء الصراع الذي أشعلته أحداث حي الشيخ جراح عام 2021، أن يسمح للمنظمات المتطرفة والإرهابية بالاستفادة من العدائية من أجل الترويج لأيديولوجياتها. وتُحدث مشاهد هذه الصراعات تأثيرًا كبيرًا على الجمهور العربي، الذي يشمل الجمهور المنتمي إلى الدول الموقعة على “اتفاقيات إبراهيم”. فقد تأثّر بعض الأفراد من عامة الناس في الإمارات والبحرين إلى حد كبير بالمشاهد الإعلامية التي شاهدوها من غزة في خلال الصراع الذي نشب في أيار/مايو 2021، وأثّرت هذه المشاهد في وجهات نظرهم تجاه إسرائيل.

لذلك، من المهم تشجيع التبادل بين المحللين السياسيين والصحافيين من دول “اتفاقيات إبراهيم”، بما فيها إسرائيل، حتى يظهروا في وسائل الإعلام الخاصة ببعضهم البعض، ويساعدوا في توفير سياق ووجهات نظر شاملة في أوقات الاضطرابات. ولتحقيق هذه الغاية، يجب عرض مشاهد من كلا طرفَي الصراع عبر وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية والخارجية؛ فلا بد من تصوير الضربات الإسرائيلية التي تسببت في حالات الوفاة والإصابات وتدمير المباني في غزة، كما يجب عرض صواريخ “حماس” التي أُطلقت على إسرائيل.

قابلت المؤلفة (عبر برنامج “زوم”) البروفيسور مردخاي كيدار، وهو باحث إسرائيلي في مجال الثقافة العربية ومُحاضر في “جامعة بار إيلان” في تل أبيب، وذلك لمناقشة مسألة إنشاء تحالف إعلامي ومشاريع إعلامية مشتركة بين دول “اتفاقيات إبراهيم”. وكان البروفيسور كيدار مؤيدًا للفكرة وأشار إلى وجود نواة لمثل هذه المؤسسة قائمة بالفعل في إسرائيل، على الرغم من حاجتها إلى المزيد من التطوير. فيوفر تطبيق الهاتف المحمول الذي صممه كيدار، ويُدعى “أخبار إسرائيل والشرق الأوسط” (Israel & Middle East News)، تغطية إخبارية ورياضية وتكنولوجية وترفيهية واسعة النطاق على المستوى الوطني، وهو يهدف إلى عرض كل من الأخبار والمقالات الدقيقة التي تكافح المعلومات المضللة. كما أعرب كيدار عن اهتمامه بالتعامل مع نظرائه الإماراتيين، وبرزت في طور المناقشة أفكار متعددة.

يتوفر التطبيق حاليًا باللغتين العبرية والإنجليزية، فيما يتم الخطيط لإضافة اللغة العربية ولغات أخرى. وفي حين أن هذا التطبيق يغطي حاليًا الأخبار الوطنية في إسرائيل، يتمثل أحد أجزاء الخطة في تضمين أخبار من دول “اتفاقيات إبراهيم” والدول الأخرى في الشرق الأوسط. ويجب أن يُنشئ مثل هذا التطبيق مجلس أمناء مؤلف من أكاديميين ومهنيين إعلاميين لبناء رؤية ورسالة قويتين من أجل ضمان استمرار تقدمه، وذلك على كلا الصعيدين التقني والفكري.

سبل أخرى للتعاون

إلى جانب التعاون الإعلامي الرسمي، تتعدد السبل لتنسيق التواصل بين الشعوب وتشجيعه. ونظرًا إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، لا سيما بين الشباب، من المهم أن تستثمر وزارات الخارجية في البرامج التي يمكن أن تدرب المستخدمين على كيفية تحديد التحيز الإعلامي أو المعلومات المضللة ومواجهتها بشكل فعال من خلال دبلوماسية المواطنين. ومع أن الاعتماد المفرط على منصات وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون ضارًا أيضًا أو أن يخضع للرقابة، يجب أن تأخذ الحكومات دبلوماسية المواطنين على محمل الجد، وأن تعتبرها عنصرًا ضروريًا وليس كماليًا من الجهود الدبلوماسية، نظرًا إلى قدراتها على الإقناع. ومن خلال التفاعل بين الشعوب عبر الإنترنت، وخاصةً بين الجماهير المطّلعة، سيكتسب كلا الجانبين فهمًا لوجهات نظر الآخرين واهتماماتهم. وحتى تكون دبلوماسية المواطنين أداة فعالة في حل الصراعات، يجب أن يظل هذا التفاعل أيضًا غير رسمي، أي مستقلًا عن الحكومة. ويتمثل دور الحكومة في توفير الموارد والتدريب.

كذلك، تُمثّل الفنون سبيلًا مشابهًا. فبعد وقتٍ قصيرٍ من توقيع “اتفاقيات إبراهيم”، تم التوصل إلى اتفاق بين “صندوق السينما الإسرائيلي” (Israel Film Fund) و”لجنة أبوظبي للأفلام” من أجل تعزيز السلام والتسامح بواسطة الإنتاج السينمائي والتلفازي. ودعا الاتفاق إلى إقامة برامج تدريبية وتطويرية مشتركة لصانعي الأفلام الإماراتيين والإسرائيليين، بالشراكة مع “مدرسة سام شبيجل للسينما والتلفزيون في القدس”.

علاوةً على ذلك، يعتمد نجاح الإعلام جزئيًا على نقاطه المرجعية الفكرية. وفي هذا المجال أيضًا، تم بالفعل إنشاء شراكات بين مراكز الأبحاث الإسرائيلية والإماراتية، مثل الشراكة التي أُنشئت بين “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” و”مركز تريندز للبحوث والاستشارات” في أبوظبي في الإمارات بتاريخ 6 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وعلى نحوٍ مماثل، أعلن “مركز الإمارات للسياسات” في أبوظبي و”معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب عن إقامة شراكة استراتيجية ثلاثية الأطراف في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وثمة الكثير من مراكز الأبحاث الإسرائيلية الأخرى التي يمكن أن تنظر مؤسسات دول الخليج في إقامة شراكات معها.

في هذه الحالات كلها، ستعود زيادة التوازن في التغطية الإعلامية بالفائدة على كافة المعنيين. ويمكن أن يعني الفشل في معالجة هذه القضايا إضعاف فعالية قدرة “اتفاقيات إبراهيم” على تحسين العلاقات بالنسبة إلى كافة الأطراف، مع المساهمة أيضًا في تعزيز السرديات التي تثير الخلافات والتي يمكن أن تزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة.

لماذا تشارك إيران في الحرب الأوكرانية‏؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏جمشيد تشوكسي‏‏؛ ‏‏وكارول تشوكسي*‏

من خلال دعم الحلفاء وتسويق أسلحتها، تقوم الجمهورية الإسلامية بتوسيع نفوذها وتخويف خصومها، وتختبر ذخائرها، بينما تضيف المزيد من النقود إلى إيراداتها المالية.‏

* * *

تواصل النخب السياسية والعسكرية الإيرانية‏‏ إنكار‏‏ حقيقة أن صناعة الأسلحة المزدهرة في بلادها أصبحت مزوِّدًا رئيسيًا لروسيا بالأسلحة والذخائر.

وكان الكرملين حذرًا في حرصه على الإشارة‏ إلى التسميات ‏‏التي تعرِّف الأسلحة المعنية بأنها روسية.

مع ذلك، ومع نفاد أنظمة الأسلحة الروسية من ذخائرها ومعداتها الخاصة أثناء العمل في ساحات المعارك البرية وفي المجال الجوي الأوكراني، تتزايد الأدلة المستلة من الحطام الذي تخلفه الهجمات على أن معدات معادة التسمية من الطائرات القتالية والكاميكازي والاستطلاعية من دون طيار إيرانية الصنع، فضلاً عن صواريخ باليستية من نوع أرض-أرض، على ما يبدو، تتسبب في إيقاع خسائر قاتلة في صفوف الجنود والمدنيين والبنية التحتية الأوكرانية.

‏‏وقد تم إرسال مدربين من الحرس الثوري الإيراني ‏‏إلى قاعدة عسكرية روسية في شبه جزيرة القرم لتدريب الروس على استخدام هذه المعدات والذخائر، وفقًا لما ذكره مسؤولون أميركيون.‏

تعاني حكومة طهران من حصار العقوبات المتصاعدة، والتمويل المحدود، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص الإسكان، والجفاف المستمر.

ويطالب العديد من المواطنين الإيرانيين بانتظام بالتغيير، وربما تكون احتجاجاتهم الآن بصدد التجمع في انتفاضة جماهيرية عارمة على مستوى البلد كله.

فلماذا إذن يخاطر النظام باستجلاب المزيد من الغضب الدولي والمحلي من خلال تقديم الخبرة العسكرية والذخائر لشريك إقليمي كان قويًا ذات مرة، لكنه يعاني الآن؟‏

مسيرات انتحارية في سماء أوكرانيا

النفوذ والترهيب‏

ما تزال روسيا، على الرغم من كل نقاط ضعفها الاقتصادية والعسكرية التقليدية، قوة عظمى نووية.

وعلى غرار جمهورية الصين الشعبية،‏‏ دأبت روسيا على حماية الجمهورية الإسلامية ‏‏من مواجهة القوة الكاملة لغضب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بسبب تصرفات طهران الجيوسياسية البغيضة.

والآن يتعين على إيران أن ترد الجميل، وعلى نحو يثبت أن جهود روسيا لدعمها لم تكن بلا جدوى. وذُكر أن مسؤولين إيرانيين وروسًا توصلوا إلى اتفاق بشأن الذخائر في أوائل تشرين الأول (أكتوبر).

والأهم من ذلك من وجهة نظر السياسة الخارجية الإيرانية، أن قادة طهران حققوا انتصارًا كبيرًا من خلال وضع فلاديمير بوتين في موضع المدين سياسيًا لبلدهم.

تزعم الجمهورية الإسلامية أنها تقف ضد “الحكومات الغربية المتغطرسة”‏‏، على حد تعبير مرشدها الأعلى، آية الله علي خامنئي‏‏.

وبينما تدعم الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي الحكومة الأوكرانية، يقدم قادة إيران نموذجهم الخاص في دعم روسيا المحاصرة، وبالتالي الإشارة إلى القوى الناشئة ودول العالم الثالث بأن التخلي عن المعايير العالمية التي وضعها الغرب هو شيء ممكن.

وفي الواقع، ‏‏حذرت‏ ‏الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إيران مرة تلو المرة من إعادة تجهيز هجمات الجيش الروسي على أوكرانيا، ولكن من دون جدوى.‏

في الأساس، تُظهر إيران أنها ستقف إلى جانب حلفائها المناهضين للغرب. وتقدم طهران الدعم لروسيا الآن تمامًا كما تدعم مسبقًا كلاً من تمرد الحوثيين في اليمن ونظام الأسد في سورية.

ومن المؤكد أن الرسالة واضحة للقيادات في كل من بغداد وبيروت وصنعاء وبيونغ يانغ -وحتى بكين.

وإضافة إلى ذلك، ترسل طهران تحذيرًا إلى الحكومات في واشنطن ولندن والقدس وأبو ظبي والرياض، من أنها لا تنوي كبح‏‏ جماح طموحاتها لإعادة تشكيل النظام العالمي‏‏، سواء تم إحياء الاتفاق النووي أم لا.‏

التجارب في ساحة المعركة قد تجلب مشترين إضافيين‏

كما فعلت تركيا من خلال أذربيجان في أرمينيا، تختبر إيران أحدث تقنياتها العسكرية من خلال روسيا في أوكرانيا، من دون الحاجة إلى أن تكون هي نفسها بطلة العرض.

وقد فعلت إيران الشيء نفسه في كل من اليمن وسورية. وحتى لو لم ‏‏تضرب أسلحة طهران إسرائيل مباشرة من إيران‏‏، فإن الهجمات التي تُشن عليها من جنوب لبنان أصبحت الآن منتظمة.

وبالمثل، شعرت القواعد الأميركية والكردية في العراق وسورية بآثار صواريخ إيران الجديدة الموجهة بدقة. وشهدت مرافق “أرامكو” في المملكة العربية السعودية ضربات مستهدفة بعناية ضد منشآتها بواسطة طائرات من دون طيار وصواريخ إيرانية في أيلول (سبتمبر) 2019.

كما استمرت الهجمات المتفرقة على منشآت البتروكيماويات في السعودية، والتي شُنت من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في شبه الجزيرة العربية.

والآن، أصبحت لدى الجيش الإيراني وفيلق الحرس الثوري بيئة أوروبية يمكن من خلالها جمع البيانات العملياتية من الميدان.

كما تنشر إيران تهديدها مباشرة في أوروبا، حتى لو ‏‏استخدم الروس أسلحتهم بشكل مختلف‏‏ عن الطريقة التي قد تستخدمها بها إيران.‏

بعد أن ‏‏اعتمدت روسيا على تقنيات الطائرات من دون طيار في طهران ‏‏لسنوات عديدة، فإنها تحتاج الآن إلى آلات جاهزة للطيران. وفي المقابل، يخدم استخدام روسيا للأسلحة الإيرانية بشكل أكثر وضوحًا بكثير من الاستخدام السوري والحوثي لعرض التكنولوجيا الإيرانية الفتاكة ‏‏للمشترين المحتملين‏‏.

وما تزال ‏‏فعالية التقنية العسكرية الإيرانية‏‏ موضع نقاش؛ حيث تتمكن الدفاعات الأوكرانية من إسقاط ما لا يقل عن نصف الطائرات من دون طيار والصواريخ التي تأتي من إيران قبل أن تتمكن من إيقاع الضرر.

ومع ذلك،‏‏ أصبح المصنعون والمشغلون أكثر مهارة‏‏ مع كل عملية نشر، وأي تقدير للذخائر الإيرانية أفضل من أن تعتمدها القوات المسلحة لقوة عالمية؟‏

يستفيد نظام طهران الذي يعاني من عوزه إلى النقود ماليًا من تزويد موسكو بالأسلحة. وعلى الرغم من العقوبات التي يفرضها الغرب، فإن لدى روسيا الأموال اللازمة للدفع لإيران بفضل صادراتها المستمرة من النفط والغاز، وخاصة إلى الدول الآسيوية.

وتظهر روسيا تقديرها لحليفتها من خلال آليات مالية أخرى طويلة الأجل أيضًا، بما في ذلك ‏‏استثمار 2.7 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين.‏‏

ويمكن للحكام السلطويين في طهران استخدام هذه الأموال لتعزيز دعمهم محليًا، وبالتالي ضمان نجاة النظام وبقائه في فترة تشهد احتجاجات شديدة.‏

المزيد سيأتي

من بين كل هذه السلبيات، ثمة نتيجة إيجابية بالنسبة للولايات المتحدة ودول أخرى، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى عرقلة المناورات الجيوسياسية الإيرانية.

كما أصبحت هذه الدول الآن قادرة على تقييم قدرات إيران العملياتية في ظل المواقف القتالية، وليس بشكل غير مباشر من خلال صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية.

وسوف يحتاج الغرب إلى هذه البيانات، لأن أوكرانيا لن تكون الساحة الأخيرة التي تحصد فيها آلات القتل التي تنتجها طهران الأرواح.‏

تمكن الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية قادة طهران من توسيع نفوذهم الإقليمي والعالمي، مع جلب الإيرادات التي تحل محل الدخل المفقود بسبب العقوبات.

وليس من المستغرب أن يتحدث القادة العسكريون الإيرانيون عن بلدهم على أنه يهدف إلى أن يصبح ‏‏من أكبر مصدري الأسلحة في العالم‏‏.

وفي نهاية المطاف، ‏‏قد لا تهتم ‏‏جمهورية إيران الإسلامية كثيرًا بالفوضى التي تزرعها خارج حدودها، بينما تتبنى موقفًا يقوم على مبدأ “المكان الذي تستخدم فيه (أي الأسلحة) ليس قضية البائع”.‏

سياسة محمد بن سلمان والمملكة تجاه إسرائيل: ماذا نتوقع من رئيس الوزراء الجديد؟

عبدالعزيز الغشيان

كرئيساً للوزراء، لن يتغاضى محمد بن سلمان عن مبادرة السلام العربية بالكامل، لكنه من المرجح أن يقوم بإعادة صياغتها.

في 27 أيلول/سبتمبر، أضفى ولي العهد السعودي الشاب، الأمير محمد بن سلمان، طابعًا رسميًا على دوره الضمني كحاكم فعلي للسعودية بعدما أصبح رئيس الوزراء الرسمي للمملكة. وكانت المرة الأخيرة التي اتُخذ فيها قرار مماثل خلال عهد الملك سعود عندما تمّ تعيين الملك فيصل لفترة وجيزة في هذا المنصب قبل تنحيته. وفي حين يقود ولي العهد أساسًا الإصلاحات الاجتماعية-الاقتصادية في البلاد، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان استلامه الحكم سيعني تبدلًا جذريًا في سياسة السعودية الخارجية. وتساءل بعض المراقبين بشكل خاص عما إذا كانت هذه الخطوة مؤشرًا محتملًا على تغير موقف المملكة من تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وعلى الرغم من أن الإجابة على السؤالين سلبية، قد تترتب على التغيير الذي تشهده السعودية حاليًا نتائج مهمة على وضع العلاقات السعودية-الإسرائيلية الحالي والمستقبلي. فرفض الرياض الانضمام إلى الموجة الجديدة من توقيع “اتفاقيات ابراهام” لم ينبع فقط من رأي شخصي للملك سلمان، بل عكس سياسة المملكة الخارجية المعقدة التي تنتهجها منذ فترة طويلة. وتمامًا كأسلافه، اشترط الملك سلمان الالتزام “بمبادرة السلام العربية” لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

التركيز على السياسة الداخلية

بما أن السعودية تنتهج هذه السياسة منذ فترة طويلة، من المستبعد أن يكون محمد بن سلمان بانتظار انتهاء عهد الملك سلمان للتطبيع مع إسرائيل عبر آلية “اتفاقيات ابراهام.” بدلًا من ذلك، من المتوقع أن يواصل ولي العهد تركيزه على جهود المملكة الحالية لتنفيذ إصلاحات ضخمة محلية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. وتشمل هذه المساعي إعادة هيكلة العمل البيروقراطي، ورقمنة التفاعلات بين الحكومة والشعب وجعلها مركزية. كما تضمنت إرخاء بعض القيود الاجتماعية، ولا سيما المرتبطة بأنشطة الترفيه. فمنذ فترة ليست ببعيدة، كان مجرد رؤية صور لنجوم بوب يغنون كلمات على غرار “أحضروا صديقاتكم ووافوني إلى غرفة الفندق” أمرًا غير وارد في السعودية. وهذا الوضع كان سائدًا بشكل خاص عندما كان الملك سلمان أميرًا لمنطقة الرياض حيث فرض حكمًا محافظًا على العاصمة.

وكي يتمكن ولي العهد من تحقيق رغبته في الحفاظ على قدرة السعودية الشرائية ضمن الاقتصاد، لا بدّ من إجراء هذه الإصلاحات. ففي مقابلة أجراها بن سلمان مع مجلة “ذا أتلانتيك” قال: “إذا كنت سأخفِّض معدَّل البطالة، وكانت السياحة ستوفر مليون وظيفة في السعودية، وإذا كنت قادرًا على جعل ثلاثين مليار دولار لا تُصرف خارج السعودية، ويبقى معظمها في السعودية؛ كي لا يسافر السعوديون بنفس قدر سفرهم الآن، فيجب عليَّ فعل ذلك [إرخاء القيود على أنشطة الترفيه].”

وهذا يدل أيضًا على أن الملك الحالي كلف ولي العهد الشاب بتنفيذ رؤية مشتركة لإقامة اقتصاد جديد يشكل وجهة سياحية واستثمارية. فهذه الإصلاحات، التي لا يزال البعض يشكك فيها في المملكة – على الرغم من أنها تحظى عمومًا بدعم الشريحة الشابة – تجري بمباركة الملك سلمان.

وحاليًا يدير ولي العهد (إنما لا يحكم) اقتصادًا طموحًا وفي الوقت نفسه يقيم توازنًا على صعيد سياسة خارجية تضم عددًا لا يحصى من العناصر المتغيرة وتصعب السيطرة عليها. وفي حين تُعتبر الشرعية المحلية أهم من تلك الخارجية بالنسبة إلى السعودية، إلا أن إدارتها أسهل. علاوةً على ذلك، لا تزال الشرعية الخارجية في أوساط الأمة العربية والإسلامية الأشمل مهمة وحتمًا لا يريد ولي العهد التعامل معها باستخفاف. وتثبت هذه العناصر المتغيرة والرغبة في الحفاظ على الشرعية الخارجية القيود التي يفرضها بن سلمان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل خارج إطار “مبادرة السلام العربية.”

“مبادرة السلام العربية” تبقى المعيار السعودي

بعد “اتفاقيات ابراهام” التي اعتُبرت إنجازًا، وتغير المشهد الإقليمي للعلاقات العربية-الإسرائيلية (ولا سيما ذوبان الجليد في العلاقات السعودية-الإسرائيلية)، اعتبر البعض أن “مبادرة السلام العربية” أصبحت بالية. لكن ذلك غير صحيح أقله بالنسبة إلى السعودية. فما من مؤشرات فعلية على أن ولي العهد ينوي التخلي عن المبادرة في وقت قريب.

غير أن تولي محمد بن سلمان رئاسة الوزراء يعني أنه أصبح قادرًا على وضع بصمته الخاصة على هذه المبادرة، ما يفضي بدوره إلى إعادة رسم السردية حسب كيفية تماشي أي علاقة محتملة مع إسرائيل مع مبادئها. وعلى الرغم من أنه مر 20 عامًا على اقتراح السعودية لهذه المبادرة لأول مرة، لم تغب يومًا عن طاولة التداول. فعلى الصعيد الخارجي، غالبًا ما يساء فهم مقاربة السعودية إزاء هذه المبادرة، ولا سيما لجهة كيفية مساهمة اللغة المستخدمة فيها في جعلها قادرة على الصمود في وجه زوبعة العلاقات العربية-الإسرائيلية.

تجدر الملاحظة أن “مبادرة السلام العربية” ليست مُنزلة أو مبادرة قائمة على مبدأ الرفض أو القبول كما يرى البعض في إسرائيل، بل هي مصاغة بلغة مرنة عن قصد تشجع ضمنيًا التفاوض على مختلف المستويات. وكما قال وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل، فإن قوة المبادرة تكمن فعليًا في أنها لا تغوص في تفاصيل كثيرة. وفي حين أنها كانت مصممة لتكون عملية تفسيرية بين العرب والإسرائيليين، يشير تولي بن سلمان المنصب الجديد إلى أن المرونة الملازمة لهذه المبادرة هي فرصة لشرح اللغة الضمنية بلغة تحفيزية أكثر صراحةً تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب على السواء. فعلى سبيل المثال، يتمثل الهدف الرئيسي منها في التوصل إلى “حل عادل” للصراع، لكن تُرك تعريف الحل العادل وكيفية بلوغه عن قصد مفتوحيْن للتأويل.

وقد يكون ربط المبادرة بالمبادئ الإقليمية لرؤية 2030 أحد السبل لتحقيق ذلك. فالسعودية لا تسعى فقط إلى تنويع اقتصادها، بل إلى ضمان الازدهار الاقتصادي في المنطقة ككل. فقد أدرك ولي العهد أن عدم الازدهار هو البوابة الرئيسية لانعدام الأمن. سواء في العراق أو اليمن أو فلسطين، يعيق انعدام الأمن الاستفادة من إمكانات المنطقة الاقتصادية إلى أقصى حدّ. وبالتالي، نرى أن السعودية تميل أكثر نحو التكامل الإقليمي، لكن لا بدّ أولًا من معالجة المشاكل والشكاوى الرئيسية، ومن بينها بالطبع القضية الفلسطينية.

وبدا هذا الاهتمام واضحًا في البيان الذي أدلى به محمد بن سلمان في قمة جدة حيث قال “إن ازدهار المنطقة ورخاءها يتطلبان الإسراع في إيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية وفقًا لمبادئ وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.”

ولا يجب النظر إلى منصب بن سلمان الجديد كرئيس للوزراء على أنه تمهيد للإلتفاف حول القضية الفلسطينية، بل على العكس يمكن اعتبار دوره الجديد هذا فرصة لإعادة رسم معالم المبادرة وشرحها بصراحة بواسطة لغة أكثر تحفيزًا قادرة على حض الإسرائيليين والفلسطينيين وسائر الدول العربية على التوصل إلى تسوية.

عن قبر يوسف

كتب محمد علان دراغمة

تصريحات أعضاء الكنيست الإسرائيلي الذين اقتحموا قبر يوسف في مدينة نابلس الليلة الماضية، يمكن اعتبارها البرنامج السياسي للحكومة الإسرائيلية  القادمة فيما يتعلق بالضفة الغربية وبالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل عام/ كون أعضاء الكنيست الثمانية من القوى السياسية الأربع التي ستشكل الحكومة القادمة:

عضو الكنيست عميحاي شكلي من الليكود قال:

“ثلاثة مواقع لا يمكن لدولة/أمة في العالم أن تقول عنها مسروقة هي، منطقة الهيكل والحرم الإبراهيمي، ومكان قبر يوسف، وامتحاننا في الحكومة القادمة تعزيز تمسكنا بجميع أنحاء الدولة، في النقب في الجليل في غور الأردن وجبال الضفة الغربية”.

عضو الكنيست عديت سلمان  من الليكود قالت:

“في هذه الليلة المثيرة حظيت بالدخول والصلاة في قبر يوسف الصديق، جذور ومهد الشعب اليهودي، يوسف أقسم للإسرائيليين أن يأخذوا نعشه معهم عند خروجهم من مصر، المكان يرمز لأهمية الحفاظ على السيادة الإسرائيلية، في كل الأماكن المقدسة، الوحدة والتضامن المتبادل هو أساس وجودنا، سعيدة بحقي المجىء إلى هنا والصلاة، وأبارك نجاحنا في بناء الدولة والحفاظ عليها، ومن تعزيز قوة شعب إسرائيل وتعزيز الإستيطان أيضاً”.

عضو الكنيست بوعز بسموت من الليكود قال:

 “لقد تأثرت بشدة لزيارة قبر يوسف ، أحد الأماكن التي ترمز إلى سيادتنا وسيطرتنا على السامرة وأرض إسرائيل، واجبنا الحفاظ على المواقع التاريخية لشعب إسرائيل التي تربطنا بأرض الأباء والأجداد”.

وكان لجانب هؤلاء أعضاء كنيست من حركة شاس ومن الصهيونية الدينية، ومعهم رئيس ما يسمى بمجلس مستوطنات السامرة يوسي دجان والذي أعلن عن دعم نتنياهو قبيل الانتخابات الأخيرة، وطالب الحكومة القادمة بتعزيز السيطرة والإستيطان في الضفة الغربية، وأن يتواجد الجيش على مدار الساعة في قبر يوسف وفق اتفاقيات أوسلو اللعينة حسب تعبيره.

بعد 50 سنة من “الموت للعرب”.. هل تنتظرون أن يفرقوا بين احتلال وحشي وآخر مزيّن؟

بقلم: جدعون ليفي

هآرتس

 ماذا اعتقدتم أن يحدث؟ ماذا فكر اليسار الصهيوني الذي غرق في سبات بعد اتفاقات اوسلو؟ هل اعتقد أنه يمكن العودة إلى الحكم من خلال السبات؟ خالي الوفاض؟ بدون بديل وبدون قيادة؟ فقط على قاعدة كراهية نتنياهو؟ في نهاية المطاف غير ذلك لم يكن لديه أي شيء ليعرضه.

لا أحد يستطيع أن يتفاجأ مما حدث. هذا لم يكن ليكون غير ذلك. هذا بدأ بالاحتلال، العفو على ذكر هذا الأمر المزعج والمبتذل، لكن هناك بدأ ذلك، وهذا كان يجب أن ينتهي بحكومة عنصرية وترانسفير. 50 سنة من التحريض ضد الفلسطينيين والتخويف منهم لا يمكن أن ينتهي بحكومة سلام. 50 سنة من تأييد كل الإسرائيليين تقريبا، يسار صهيوني ويمين، لمشروع الاحتلال لا يمكن ألا تنتهي بايتمار بن غفير كبطل للشعب. لا يوجد احتلال أبدي بدون التدهور إلى حكومة نتنياهو – بن غبير. لأنه إذا كان هناك احتلال فيجب تبني الصيغة الحقيقية له، الصيغة التي لا تخجل ولا تتوارع ولا تتلعثم، صيغة بن غفير.

لم يكن بالإمكان الاستمرار في التضليل والقول يهودية وديمقراطية، واحتلال متنور، واحتلال مؤقت، وكل ذخر الكلمات هذه. لقد حان وقت الحقيقة، ونتنياهو وبن غفير هما من سيقولانها لنا. أمس استيقظت إسرائيل على فجر يوم جديد، اليوم الذي انتهت فيه الألاعيب. من الآن الاحتلال هو احتلال بدون زينة، ومثله أيضاً التفوق اليهودي في أرض إسرائيل. الصهيونية من الآن ستصعد درجة وستصل إلى العنصرية العلنية. أمس، أُعلن عن موت الخط الأخضر بشكل نهائي، الاحتلال هنا، في كل مكان. من اعتقد بأن ما يحدث في مستوطنة “يتسهار” سيبقى في “يتسهار” فقد خدع نفسه. ومن اعتقد بأن مجلس “يشع” هناك فقد أخطأ. “يشع” يقترب منذ زمن وبخطى كبيرة من إسرائيل مع القومية المتطرفة والأصولية الملتصقة بها، ولم يهبّ أحد منذ سنوات لوقفه. أصبح الوقت متأخراً الآن. أول أمس تم استكمال العملية.

لا حاجة الآن للخروج إلى حملة اتهامات – يئير لبيد التهم حزب العمل، حزب العمل لم يتحد مع ميرتس، وبلد لم تذهب مع القائمة المشتركة. قد يكون هذا فقط مسكن ألم لمرض عضال. وحتى لو لم يحدث كل ذلك لما كان لما اختلفت الصورة الشاملة: نما عندنا مجتمع متدين بشكل جزئي، وعنصري بغالبيته، الذي تعد فيه كراهية العرب هي المادة المشتعلة الأساسية لديه ولم يكن هناك من سيقف ضده.

ما حدث أول أمس لم يبدأ أول أمس. ربما غولدا مئير هي التي بدأت، وربما شمعون بيرس، ولكن لا أحد من مواصلي دربهما حاول السير في طريق مختلفة لوقف الانجراف. هل اعتقدتم أن يئير لبيد، اليميني المعتدل والفارغ والمليء بالنوايا الحسنة، كان يمكنه طرح بديل آخر لبن غفير؟ وأن يقتل بلطف ويعانق إيمانويل ماكرون؟ إسرائيل الآن تفضل أن تقتل بدون لطف، الحكومة القادمة ستمنع على الأقل ترف “كم نحن جميلون”، لم نعد هكذا.

لم يعد لليسار والوسط نهج أو قيادة أو شجاعة، وهما ضائعان منذ سنوات في محاولة يائسة لتقليد اليمين والتذلل له. هذا كان يجب أن ينتهي ببن غفير و”شاس” والقومية والمتطرفة. لم يكن هذا لينتهي إلا بهم. منذ سنوات يحدثون الإسرائيليين عن الشعب المختار وعن الكارثة التي يسمح بعدها ارتكاب أي شيء، وعن العرب الذين يريدون رمينا في البحر، وعن حقنا في البلاد بسبب قصص التوراة، وعن الجيش الإسرائيلي بأنه الجيش الأخلاقي، وعن داود أمام جوليات، وعن عرب إسرائيل كطابور خامس، وعن العالم كله ضدنا وكل من ينتقدنا هو لاسامي. ماذا اعتقدتم أن ينبت من كل ذلك؟ بن غبير تلكأ، كان يجب بأن يظهر منذ زمن. هكذا يكون الأمر عندما، هناك “بولسونارو” ولا وجود لـ”لولا” أمامه. هكذا يكون الأمر عندما أمام “الموت للعرب”، التي سيتم ترديدها من الآن في طابور الصباح في المدارس، لا أحد ينادي “الحرية للعرب”. بدأ ذلك، وهناك سينتهي.

إسرائيل اليمينية للغرب: سئمنا ديمقراطيتكم.. وسنستعيد “يهودا والسامرة” من يد الفلسطينيين

بقلم: يوسي ميلمان

هآرتس

الآن هي مرحلة التبرير وتبادل الاتهامات، وهي كثيرة. ميراف ميخائيلي، رئيسة حزب العمل، رفضت الاتحاد مع ميرتس. بني غانتس، من المعسكر الرسمي، أعتقد أنه يمكن أن يكون رئيس الحكومة بدلاً من أن يبتلع الاعتزاز بالنفس ويقلص الأنا ويعود ليكون مع “يوجد مستقبل”.

غادي آيزنكوت أخطأ عندما انضم لغانتس بدلاً من الانضمام ليئير لبيد. لبيد امتص أصوات العمل وميرتس. النشطاء في حملات اليسار – الوسط كانوا رماديين وبدون إبداع. العرب يئسوا من الديمقراطية الإسرائيلية ولم يتدفقوا نحو صناديق الاقتراع. القوائم العربية رفضت التوحد في قائمة واحدة وفضلت الانقسام. حتى حداش – تاعل وبلد، لم تكن قادرة على التوصل إلى اتفاق فائض الأصوات. نتنياهو عاد إلى عادته القديمة، التحريض والتفريق بين اليهود والإسرائيليين، كما كتب ألوف بن في “هآرتس” أمس. ايتمار بن غبير ارتدى قناع الدب اللطيف. “يديعوت أحرونوت” تجندت لصالح نتنياهو لإلغاء محاكمته، وسيتم إغلاق ملف الناشر ارنون موزيس. نشرت الصحيفة مؤخراً عناوين مثل “إسرائيل أوقفت هجماتها في سوريا بسبب اتفاق الغاز مع لبنان”. قبل يوم على موعد الانتخابات، صرخ عنوان “رقم قياسي في عدد العمليات وعدد القتلى منذ 2015)، هذه عناوين عرضت لبيد وحكومته كضعفاء. كل شيء صحيح، لكنها ليست سوى مبررات، كزبد الماء، وإذا أردنا أن نكون أكثر لطفاً، هي تفسيرات لحظية. ولكن القائمة لا تكذب.

نتنياهو، وبن غبير، وسموتريتش والحزبان الدينيان سيحصلون في الانتخابات الـ 25 للكنيست على 52 – 53 في المئة من المقاعد. والأحزاب العربية ستحصل على 8 في المئة، وكتلة التغيير ستحصل على 40 في المئة.

باختصار، اليسار والوسط عرق آخذ في الانقراض داخل المجتمع الإسرائيلي. وهذا ليس موضوع أرقام ومقاعد في نتائج الانتخابات، بل يدور الحديث عن شيء أعمق، عملية مستمرة منذ سنوات، وهي تغير وجه المجتمع الإسرائيلي. مظاهر التغيير هي القومية المتطرفة والعنصرية وكراهية الآخر والمسيحانية والتوق إلى زعيم مستبد ومتدين والاستقواء العسكري وتأييد الاحتلال واحتقار سلطة القانون والشرطة والقيم الليبرالية الغربية.

منذ 1992 واليسار – وسط وكل ما يمثله يخوضون معركة مصيرية. في 1992 نجح إسحق رابين في قطع تواصل انتصار اليمين. بعد ذلك، فعل إيهود باراك ذلك في 1999. وقبل سنة ونصف فعل يئير لبيد ذلك (بمساعدة نفتالي بينيت). ولكن حكم هؤلاء الثلاثة (مع بينيت الأربعة) كان بتقطعات قصيرة. لقد استمر فقط أكثر بقليل من خمس سنوات، التي تمثل 16 في المئة من الثلاثين سنة الأخيرة. هذا هو الواقع، وعلينا النظر إليه كما هو. هو ليس في الطريق إلى التغير. ستكون خيبة أمل، وإذا كان هناك سبب للاستيقاظ، فلن يحدث إلا إذا تأثر شعب إسرائيل بكارثة خارجية كبيرة تصدمه مثل حرب الغفران، الأمر الذي لا أتمناه.

رغم التعليم الماركسي الذي حصلت عليه في شبابي واطلاعي على تاريخ البلشفية ولينين، فإنني لست من أتباع هذه النظرية التي تقول بأنه “كلما ساء الأمر فنحن نحو الأفضل”. والأكثر من ذلك، أن سيناريو الكارثة غير موجود في صناديق الاقتراع.

إسرائيل دولة عظمى قوية جداً، إلى درجة أن إيران أو حماس أو انتفاضة في الضفة لا يمكن أن يحدثوا مثل هذه الكارثة. نعم، كل ذلك هو منغصات، لكنه لا يهدد وجود دولة إسرائيل.

الأمل بظهور رئيس في الولايات المتحدة أو رؤساء في دول الاتحاد الأوروبي يضغطون ويؤثرون على حكومة إسرائيل لتغيير سلوكها، أمل مقرون هو حلم مزيف. الآية “يعيش ولا يهتم بالأغيار” صحيحة الآن أكثر من أي وقت مضى. وبمعنى آخر، ليس بسبب عدم وجود آخر. بمعنى، إذا لم أكن أنا لنفسي، فمن سيكون لي. بل بمعنى يوجد خيار يتمثل في “كل الشعب يريد”. الشعب يريد الانغلاق وإدارة ظهره للعالم الغربي والقيم الديمقراطية، وأن يقمع العرب أكثر ويضم “المناطق” [الضفة الغربية].

في تشرين الثاني 1995 قام متطرف قومي متدين بقتل رئيس الحكومة إسحق رابين ومعه عملية السلام أيضاً. في تشرين الثاني 2022 سئم معظم الشعب من الديمقراطية المعروفة للجمهورية الإسرائيلية، الموجودة منذ نحو 75 سنة.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى