فلسطيني

حركة ” ناطوري كارتا “.. يهود مناهضون للصهيونية وضد قيام دولة إسرائيل.

“ناطوري كارتا” (Neturei Karta) تعني بالآرامية “حارس المدينة”، وهي حركة دينية يهودية مناهضة للصهيونية، ولا تعترف بدولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعتبر أن قيام دولة لليهود لا يكون بسلب شعب آخر أرضه، ولا يكون إلا بإذن من الرب، وذلك بعد أن يرجع اليهود إلى تطبيق شريعتهم التي عاقبهم الرب لمخالفتها، وشتتهم في الأمصار وبين شعوب الأرض بسبب تضييعها.النشأة والتأسيسكانت جماعة ناطوري كارتا جزءا من حزب “أغودات يسرائيل”، الذي أُنشئ في بداية القرن العشرين لمواجهة الصهيونية، ولكن بعد عام 1917، الذي أصدرت فيه الحكومة البريطانية وعد بلفور، وأعلنت إقامة حكم الانتداب البريطاني في فلسطين بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، دعم الحزب هجرة اليهود من أوروبا إلى فلسطين، ولكنه مع ذلك رفض إقامة دولة يهودية.

و بدأ الحزب بتقديم تنازلات تدريجية للصهاينة في ثلاثينيات القرن الماضي، فبدأ بالتنسيق مع القيادات الصهيونية في فلسطين، التي وسعت نشاطها الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية لأجل الوافدين اليهود الجدد من أوروبا.كما أجرى ممثلون عن “أغودات يسرائيل” مفاوضات مع المجلس الملي اليهودي التابع للقيادة الصهيونية لتشكيل حاخامية موحدة في فلسطين، وإجراء مفاوضات أخرى مع الأحزاب الصهيونية لتنسيق العمل والتعاون فيما بينهم.فانشق جزء من الحزب عنه عام 1935، نتيجة تقاربه مع الحركة الصهيونية، لينشئوا فيما بعد حركة “ناطوري كارتا”.بدأت جماعة “ناطوري كارتا” تستخدم هذا الاسم أول مرة عام 1938 كتعريف بها بين الأوساط العالمية.وقد سعى أعضاء الجماعة بانشقاقهم عن “أغودات يسرائيل” إلى الحفاظ على النهج المعادي للصهيونية، ورفض كل أشكال الانحلال والذوبان في الفكر الصهيوني؛ لما في ذلك من مخالفة لما يؤمنون به من معتقدات وأحكام الدين اليهودي.تأسست الجماعة في القدس على يد الحاخام “أمرام بلاو”، بعد حصولهم على قرار الفصل عن الأحياء الصهيونية في القدس من قبل حكومة الانتداب البريطانية.وتولى بلاو قيادة الجماعة منذ إنشائها حتى وفاته 1974، وسعى مع جماعته إلى تأكيد إنكار صلاحية إسرائيل دولة قومية يهودية، كما رفضت الجماعة اعتبار الصهيونية الوكيل المزعوم لمصالح اليهود حول العالم.

أدانت حركة ناطوري كارتا منذ تأسيسها القبول الدولي بإنشاء دولة إسرائيل عام 1948، والوضع الذي أفضى إليه ذلك من ممارسات تعسفية ضد الشعب الفلسطيني بشقيه المسلم والمسيحي.وعبرت الحركة دوما عن وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة الظلم الصهيوني، مؤكدة أن هذه الممارسات مستهجنة في الديانة اليهودية التي تنص على تحريم القتل والظلم.يعيش 5 آلاف يهودي من جماعة “ناطوري كارتا” في حي “مئة شعاريم” وسط القدس، وبسبب معارضتهم للصهيونية فإنهم يتعرضون للملاحقات المستمرة على يد السلطات الإسرائيلية.ويقدر عدد المنتمين للحركة بعشرات الآلاف، يعيش أكثرهم في الولايات المتحدة، وتحديدا في حي بروكلين الشهير بنيويورك.الفكر والأيديولوجيايعتمد فكر ناطوري كارتا بشكل أساسي على الأدب الحاخامي الذي ينص على أن “اليهود طردوا من أرض إسرائيل بسبب خطاياهم”.ويعتمد أيضا على التلمود البابلي الذي يفترض أن “أي محاولة لاسترداد أرض إسرائيل بالقوة هي مخالفة للإرادة الإلهية، وأن عودة إسرائيل لا تكون إلا بقدوم المسيح”.وترفض الجماعة أي محاولات نقدية أو اجتهادات بشرية للإضافة على القانون الديني، ويعتمد أفرادها بشكل أساسي على المصدر الإلهي فقط في تسيير أمورهم الدنيوية والدينية.ويؤمنون بأن الله لم ينزل سوى التوراة مباشرة على نبيه موسى على جبل سيناء (الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدس العبري: سفر التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية).

تعتمد ناطوري كارتا على عدد من المبادئ التي استنبطتها من تفسيرات الحاخام “موشيه تيتلبوم”، الزعيم الأول لجماعة “ساطمار”، التي وضعها في كتابه “ما اتفق عليه من قبل موسى”.وعُدَّ الكتاب المكون من عدة أجزاء من أمهات الكتب المفسرة للتوراة، وترجع إليه الطائفة الأرثوذكسية بشكل كبير، ومنهم أعضاء جماعة “ناطوري كارتا”.تناول الكتاب فكرة العلم المسبق للقادة الصهاينة في فلسطين وأوروبا وأميركا بـ”الحل النهائي”، وقد اختاروا التعجيل بحدوثه، مستفيدين من الحالة السائدة أعقاب الهولوكوست.ويعتقد الحاخام تيتلبوم أن الصهاينة المتعجلين بهذه الخطة كانوا في نهاية المطاف أكثر شرًّا من قوات هتلر نفسها، لأنهم يخفون كراهية اليهود ويظهرون الاهتمام برفاهيتهم.المبادئ التي تقوم عليها ناطوري كارتاالفداء الإلهي وسلبية الإنسان.تسلسل الفداء.لا يمكن أن يكون وكلاء الفداء إلا من الأتقياء.الثيوقراطية “الدولة الدينية” الكاملة لليهود.وتستند هذه المبادئ إلى النصوص التوراتية، التي تفيد بأن الله وحده سيفدي إسرائيل بطريقة خارقة للطبيعة وخارجة عن العادة، مظهرا بذلك قوته.

و يعني ذلك أن قيام دولة إسرائيل لن يكون بتدخل بشري، وأن على اليهود انتظار الإرادة الإلهية بإرساله للسيد المسيح، وأن يعيشوا خاضعين لدول المنفى التي يكونون فيها.كما يرفض أعضاء “ناطوري كارتا” الرأي القائل بأن المسيح عليه السلام ستكون له وظيفة سياسية تتضمن استعادة إسرائيل واستقلالها، وإنما قدومه إلى الأرض سيكون وفقا للمعجزات الإلهية، وهذا رأي مفروغ منه لدى أفراد الجماعة.ويرى أعضاء “ناطوري كارتا” وحركة “ساطمار” في القَسَم المذكور الذي أقسم فيه اليهود بأنهم لن يستخدموا القوة في العودة الجماعية إلى أرض إسرائيل، وسيبقون موالين لدول الشتات.ويرفضون أخذ زمام المبادرة في تعجيل مجيء المسيح قبل أوانه، كما يحرمون تأويل القسم بغير ما نص عليه في التلمود.في حين يرى مؤيدو الصهيونية أن ذلك القسم على سبيل الحكم العابر أو القصص المذكورة في التلمود للموعظة فقط، وأن نص القسم لا يمتد إلى الوقت الحالي، ولا يمكن إلزام اليهود الحاليين به.ترى جماعة “ناطوري كارتا” أن الأرض المقدسة منحت لليهود ليسكنوا فيها بشرط إقامة الشرائع التوراتية، ولكن إخلالهم بذلك الشرط سحب منهم الحق في الأرض المقدسة وفرض عليهم الشتات بين شعوب العالم.وأقسم أعضاء الحركة على عدم إقامة أي بلد موحد لهم، سواء في الأرض المقدسة أو في أي مكان آخر، وعلى تبعيتهم للبلدان التي يعيشون تحت سلطتها.وتؤمن الجماعة بأن هذا الوضع قائم منذ ألفي سنة، وسيظل مستمرا حتى مجيء المسيح، لأن القسم الذي أداه اليهود في العهد القديم متسلسل إلى المستقبل، وهذا التسلسل أمر حاسم للاعتقاد اليهودي في الخلاص، ويؤمنون بأن منكر هذا التسلسل كمن ينكر الإيمان بالمسيح.

و ترى جماعة “ناطوري كارتا” أن ادعاء الصهيونية أنها مقدمة للخلاص ليس سوى إنكار لثوابت الدين اليهودي وإلحاد به.وتنفي أن يكون الخلاص بواسطة وكلاء غير ملتزمين بالدين اليهودي ومنكرين لثوابته وأحكامه الرئيسية، ولهذا يرفض أعضاء الجماعة الفكر الصهيوني وزعماءه، ويعدونهم وكلاء غير واعين بالخلاص الإلهي.كما يرون أن الديمقراطية صالحة لكل المجتمعات السياسية غير اليهودية ومرفوضة تماما عند اليهود، لأن عليهم اتباع قوانين التوراة فقط.ولذلك فالدولة الصهيونية لا تنتمي إلى الديانة اليهودية ويجب رفضها ومحاربتها، لأن أغلبهم فيها غير متدينين بل إن المتدينين فيها يقبلون بالديمقراطية.الأعلام والرموزتنظم الجماعة أنشطتها الداخلية من خلال مجلس إداري في بروكلين، مكون من 7 أشخاص يتولون إدارة شؤون الجماعة الدينية والدنيوية.ولها 3 معابد رئيسية في الولايات المتحدة الأميركية هي منظمة أصدقاء القدس في نيويورك، وميثاق الحقوق، وبارك وليامزبرغ.أما بالنسبة لنشاط الجماعة في مواجهة الصهيونية وكشف ممارساتها بحق الفلسطينيين فهناك عدد من الشخصيات والرموز التي تتصدر “ناطوري كارتا” لتعبر عن رؤية الجماعة وموقفها من الاحتلال الصهيوني والقضية الفلسطينية.

الحاخام أمرام بلاوكان بلاو أحد زعماء حزب “أغودات يسرائيل” البارزين، إلا أنه تركه نتيجة مواقفه مع الصهيونية ليؤسس “حركة ناطوري كارتا” في القدس مع الحاخام أهارون كاتزنيل بوغين، ويكون زعيمها الأول حتى وفاته.حارب الصهيونية منذ بداية شبابه، ونجح بالتعاون مع الحاخام سوننفلد في الحصول على قرار فصل جماعة اليهود الأرثوذكس عن أحياء الصهاينة من حكومة الانتداب البريطانية.ومع إعلان قيام دولة إسرائيل قاد مظاهرة مع الآلاف من اليهود الأرثوذكس رفضا لقيامها، وبعد أن قامت أعلن بلاو رفضه التعامل مع الحكومة الصهيونية، ورفض الخضوع لقوانينها.فتعرض بلاو وأتباعه للمضايقات الأمنية عدة مرات، واعتقلته سلطة الاحتلال الإسرائيلي عشرات المرات جراء ذلك.الحاخام موشيه هيرشتولى زعامة “ناطوري كارتا” بعد وفاة الحاخام أمرام بلاو عام 1974، وسار على نهج سلفه في رفض التعامل مع الحكومة الصهيونية ودعم القضية الفلسطينية.كما تولى منصب وزير الشؤون اليهودية في حكومة ياسر عرفات عام 1995، حيث اعتبرت المنظمة الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيسا لجميع سكان أرض فلسطين، ومن ضمنهم اليهود.الحاخام مئير هيرشقائد جماعة “ناطوري كارتا” في الداخل الفلسطيني الموجودة في القدس، وتولى تنظيم أمور جماعته بعد وفاة الحاخام موشيه هيرش عام 2010.و يحرص هيرش على تنظيم مظاهرة شهرية ضد الحكم الصهيوني، ورفع الأعلام الفلسطينية تضامنا مع الفلسطينيين.ويعمل على توفير احتياجات الفلسطينيين القاطنين في القدس الشرقية، الذين يعانون من الاضطهاد الصهيوني مثل أعضاء ناطوري كارتا تماما.

و في مارس/آذار 2012، شارك عدد من قادة المنظمة في “المسيرة العالمية إلى القدس”، ثم في يونيو/حزيران من نفس العام حضر بعض قادة المنظمة مؤتمرا في لبنان حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.وشاركت “ناطوري كارتا” في مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس عام 2018، وعبّر زعيم الحركة يسرويل دوفيد وايز عن امتنانه لإقامة مثل هذه الفعاليات.كما قال “نحن نعلن أنه ليس هناك حق إسرائيلي، ولا يوجد ارتباط لهؤلاء، حيث هم ليسوا يهودا على الإطلاق، ويجب على قادة العالم الإسلامي ألا يلقبوا هؤلاء باليهود أو الإسرائيليين، حتى لا يعطوهم الشرعية”.وقد عبّر الحاخام الزعيم وايز عن أسفه لقبول الرواية الصهيونية عقب القرار الأميركي عام 2018 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقال إن “هذه الخطوة لا تضر فقط بالمسلمين، بل باليهود أيضا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى