تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني و العربي و الدولي.

“عرين الأسود” و”كتيبة جنين”: تحديات في الطريق

يونتان تسوريف
وصل تنظيم “عرين الأسود” المسلح في نابلس نهاية طريقه بعد بضعة أسابيع من بدئه في
العمل. كما ضعفت في الأسابيع الأخيرة أيضا منظمة “كتيبة جنين”. فكلتاهما لم تصمدا أمام
الضغط الذي مارسه عليهما الجيش الإسرائيلي وكذا ضغط أجهزة الأمن الفلسطينية التي نجحت
في احتوائهم دون سفك دماء. في نابلس، قُتل قسم من أعضاء التنظيم، وسلّم آخرون أنفسهم
للأجهزة الأمنية، وفي جنين، استنزف رجال التنظيم بشكل مشابه. هكذا عمليا وصل الأول نهاية
طريقه رغم استعراضاته وإيضاحاته أنه من السابق لأوانه تأبينه، وقل حجم نشاط التنظيم الثاني
في جنين.
يخلف التنظيمان وراءهما “إرثا قتاليا” ونموذجا يحاول الكثير من النشطاء، حاليا، كأفراد في
أماكن مختلفة في الضفة الغربية الاقتداء به. والدافع لأعمالهم هو الإحباط من الواقع الفلسطيني
الداخلي والمتواصل المتمثل بغياب القيادة، والاتجاه والطريق، ما خلق فراغا يسمح بزعمهم
لإسرائيل بالعمل في المناطق التي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية كما تشاء. “فتح” و”م.ت.ف”
والسلطة الفلسطينية التي تمثل قطبا واحدا من الفراغ تواصل رغم ضعفها الكبير الاعتماد على
القواعد التي تقررت في اتفاقات أوسلو كفكر أساس، بما في ذلك السعي إلى المفاوضات
السياسية، والتنسيق الأمني، والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل. بالمقابل، تسعى “حماس” للحفاظ
على قواعد اللعب الجديدة التي نشأت بينها وبين إسرائيل في قطاع غزة، والتي أدت إلى هدوء
يشعر به سكان المنطقة، وتسمح بإعمار وتنمية البنى التحتية في القطاع. ليس لـ”حماس”، هكذا
يبدو وطالما قدرت بأن السلطة على شفا الانهيار، مصلحة في خرق هذه القواعد والدخول في
مواجهة أخرى مع إسرائيل، مواجهة ستوقع مرة أخرى الدمار والخراب على القطاع. وهكذا
فإن السلطة و”حماس” تسعيان لتحافظا على إنجازاتهما التي تعتمدان عليها في الصراع بينهما،
طالما كان خيار الوحدة المنشودة بينهما لا يلوح في الأفق. وعليه، فإن مدى عمر أي تنظيم
كـ”عرين الأسود” قصير؛ لأن حكمه أن يصبح على الفور هدفا لجهاز الأمن الإسرائيلي، وكذا
لأن ليس له بنية تنظيمية أو شخصية تعالج الرسالة التي يسعى لأن يحققها من خلال أعماله إلى
مفهوم فكري يعرض على الجمهور اتجاها مختلفا عن ذاك الذي تعرضه القيادتان القديمتان
“فتح” و”حماس”. فما بالك أن القاسم المشترك لهؤلاء الشباب لا يقوم على أساس رؤية أو ميل
سياسي مشترك، وكل طريق بديل يعرضونه من شأنه أن يفكك تنظيمهم.
إن الضعف القيادي وضياع الطريق بدآ يلوحان بعد بضع سنوات من الانقسام بين قطاع غزة
والضفة الغربية، مع فشل مسيرة أنابوليس، وتعاظما جدا من 2015 حين تولت في إسرائيل
حكومات تتميز بخط يميني واضح، أزالت عمليا عن جدول الأعمال خيار المفاوضات والتسوية
السياسية، ما رسم في الساحة الفلسطينية علامة استفهام حول جدوى الطريق السياسي. كما أن
الفساد الذي ينكشف لدى السلطة الفلسطينية في الحكم هو مادة اشتعال متراكمة. هذا هو الأساس
لتنظيم “عرين الأسود”، شباب (من سنوات العشرين وحتى بداية سنوات الأربعين)، ممن ليس
لهم قواسم سياسية محددة مشتركة. أما التعاطف الشعبي مع أعمالهم، والمهرجانات العديدة التي
أجروها، والتغطية الإعلامية الكبيرة التي أُعطيت لهم، والانشغال المكثف لإسرائيل بهذه
الظاهرة فقد زادت سمعتهم في نظر العديد من الشباب، وجعلتهم نموذجا للاقتداء.
سلوك المقلدين – عدي التميمي الذي قتل المجندة نوعا لازار في حاجز شعفاط في 8 تشرين
الأول، ومحمد الجعبري، منفذ العملية من الخليل الذي قتل رونين حنانيا في 29 تشرين الأول
– يدل على استعداد للتضحية يختلف عن ذاك الذي أبداه منفذو العمليات “الانتحارية”

3

الإسلاميون في الماضي. فقد سعوا لأن يخلقوا صورة “أبطال” يحملون السلاح حتى بعد أن
يصابوا. فمنفذ العملية الذي قتل المجندة لم يعثر عليه على مدى عشرة أيام، واكتشف مرة أخرى
عندما جاء لينفذ عملية ثانية أخرى في مدخل “معاليه ادوميم” في 19 تشرين الأول. المنفذ الذي
واصل إطلاق النار حتى بعد أن أصيب بعدة رصاصات إلى أن صفي، ترك رسالة أوضح فيها
أن كل ما يريده هو أن يكون نموذجا لشباب آخرين، مع العلم أن ليس في فعله ما يحقق تحرير
فلسطين. أما الثاني، الذي كان على ما يبدو مرتبطا بـ”حماس”، فقد أوضح في رسالة تركها بأنه
لا يعمل باسم تنظيم، وسعيه هو أن يموت شهيدا. بالمقابل، فإن بيانا نشره رجال “عرين الأسود”
مجده ووصفه كواحد من اسود الخليل. في عمليتي دهس أخريين انكشف سلوك مشابه للمنفذين
الذين واصلوا العمل حتى بعد أن أُصيبوا: دهس مزدوج في 30 تشرين الأول في النبي موسى
وفي حاجز الموغ المجاورين الواحد للآخر ودهس ضابط الجيش الإسرائيلي في حاجز بيت
حورون في 1 تشرين الثاني.
تواتر العمليات من هذا النوع، إلى جانب النقد الحاد الموجه للسلطة الفلسطينية، يدلان على فجوة
كبيرة بين السلطة وبين الجمهور. إسرائيل، وبقوة اكبر بعد انتخابات تشرين الثاني 2022،
تعزز الفهم المتبلور منذ زمن بعيد في أوساط الفلسطينيين بأنها لن تعترف بهم كشعب ذي حقوق
لتقرير المصير، وان ليس لها أي مصلحة في الدفع قدما بحل الدولتين أو المعالجة الناجعة لعنف
المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. وهكذا تساهم إسرائيل كثيرا في تسريع سياقات
التفكك في الساحة الفلسطينية.
رجال “عرين الأسود” وأولئك الذين يأتون أو سيأتون بعدهم يسعون ليقولوا لإسرائيل إنهم لا
يؤمنون بأن بوسعهم أن يطردوها من أراضي السلطة الفلسطينية ومن الضفة الغربية وان كل
نيتهم هي أن يرفعوا، ليس فقط على خلفية نتائج الانتخابات في إسرائيل، المسألة الفلسطينية إلى
جدول أعمال المجتمع الإسرائيلي.
الحكومة الجديدة التي ستقوم في إسرائيل قريبا والتي عنصر قوي فيها يرى الفلسطينيين رعايا
بمكانة ضعيفة مطالبين بأن يبدوا الولاء ويسلموا بالحكم الإسرائيلي، وكذا ترى في استمرار
مشروع الاستيطان تجسيدا لوجودها كجسم سياسي، ستكون مطالبة بلا شك بمراجعة منظمة
للاعتبارات التي توجه مثل اكثر من 55 سنة جهاز الأمن في نشاطه في “المناطق” وفي
علاقاته مع السكان الفلسطينيين.
كيف تمنع انفجارات عنف في أماكن مختلفة في المنطقة ذاتها في واقع تعيش فيه جماعتان
سكانيتان معاديتان الواحدة إلى جانب الأخرى فيما يعتمل الغضب والمشاعر الوطنية الفلسطينية
بشكل دائم. كيف يمنع انفجار واسع بين جماهير فلسطينية غير مسلحة؟ إذا لم يكن في نية
إسرائيل أن تستجيب للتوقعات الفلسطينية في المجالات الوطنية والسياسية أو لاستئناف الحوار
السياسي مع الطرف الفلسطيني فان عليها أن تقترح بديلا محترما يعطي جوابا للتعب اليائس
بين الفلسطينيين من الواقع الذي يعيشون فيه، لتنمية الاندماج في الاقتصاد ومراكز العمل
الإسرائيلية وبقدر ملموس من المساواة. في الساحة الداخلية في إسرائيل، ستحاكم الحكومة
الجديدة وفقا لمدى الهدوء الذي سيسود في ساحة النزاع وبالأفق الذي تخلقه لمستقبلها كدولة
يهودية. وفي الأسرة الدولية ستحاكم الحكومة وفقا لمعاملتها مع السكان الفلسطينيين.

حتى سمك غزة لم يسلم من الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع

4

بقلم: جاكي خوري
هآرتس
يحذر صيادون وتجار في قطاع غزة من أن الحظر الذي فرضته إسرائيل على تصدير الأسماك
والفواكه البحرية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية سيؤدي إلى انهيار فرع الصيد والمس بآلاف
عائلات يرتزقون من هذا الفرع. قرار حظر تصدير السمك والفواكه البحرية من القطاع إلى
الضفة تم اتخاذه الاثنين الماضي بعد أن تم الكشف عن محاولة تهريب عشرين طناً من السمك
من الضفة إلى إسرائيل. حسب أقوال التجار، هذا القرار عقاب جماعي، لأن المسؤولية عن منع
التهريب من الضفة ملقاة على إسرائيل وعلى السلطة الفلسطينية وليس على صيادي القطاع.
يعمل في القطاع نحو خمسة آلاف صياد و500 عامل في مزارع الصيد والتعبئة في هذا الفرع.
أبو يزن، وهو صاحب مزرعة سمك في القطاع، قال للصحيفة بأن جميع هؤلاء العاملين
يتضررون بشكل مباشر بسبب قرار إسرائيل. إضافة إلى ذلك، يتعرضون لخسائر تبلغ مئات
آلاف الشواقل كل أسبوع بسبب عدم تسويق السمك. “بصفتي تاجراً في غزة، مسؤوليتي جلب
السمك إلى الضفة، وليس ما يفعلونه بالسمك هناك”، قال وأضاف: “لا يمكنني تحمل المسؤولية
عن محاولات التهريب داخل الخط الأخضر”.
أوضح أبو يزن بأن السمك المصدر من قطاع غزة يستند إلى ثلاثة مصادر، وهي: بحر غزة،
ومزارع تربية الأسماك في القطاع، واستيراد السمك من مزارع تربية في مصر. نحو 80 طناً
من السمك تصدر كل أسبوع على مرحلتين، في معبر كرم أبو سالم إلى معبر بيتونيا قرب رام
الله. من هناك يتم نقل السمك إلى التجار في الضفة، وهم مسؤولون عن تسويقها في الضفة.
جزء صغير من السمك يصدر إلى الأردن ودول أخرى.
أشار العاملون في هذا الفرع إلى أن هذا الفرع لا يشبه المصنع الذي يمكن تخزين المنتجات فيه
لفترة طويلة. وأوضحوا بأنه بعد مرور أسبوع على موعد الصيد، لا تكون هناك إمكانية لبيع
السمك. والسوق المحلية في غزة صغيرة مقارنة بكمية السمك التي يوفرها الفرع، والأسعار
التي يمكنهم بيع المنتجات فيها متدنية. بعض الصيادين الذين تحدثوا مع الصحيفة قالوا بأنه منذ
اتخاذ قرار الحظر، رموا السمك إلى البحر مرة أخرى أو باعوه بنصف أو ربع السعر في
السوق المحلية.
مصادر إسرائيلية مطلعة على تفاصيل القرار، قالت للصحيفة بأن القرار اتُخذ عقب التحذير من
محاولات تهريب السمك إلى إسرائيل، وأنه أمر قد يؤدي إلى الإضرار بصحة الجمهور.
“الحديث يدور عن سمك يتم نقله من الضفة إلى إسرائيل بدون أي رقابة زراعية وصحية،
وبدون أي رقابة تمنع وصول السمك بجودة إلى المائدة”، قال أحد المصادر. “تنوي إسرائيل
التحقيق في هذا الأمر، وأنه إذا تعهدت نقابة الصيادين والسلطات في غزة بمنع التهريب والعمل
حسب الإجراءات الصحية فسيتم إلغاء القرار”.
أشارت جمعية حقوق الإنسان “غيشاه” إلى أن قرار إسرائيل خطوة عقابية غير قانونية اتخذت
للمرة الثانية منذ منتصف آب الماضي مع إضرار بمصدر رزق التجار والصيادين. في آب،
حظرت إسرائيل تسويق السمك من القطاع في الضفة الغربية مدة ثلاثة أسابيع، بعد أن ألقت
القبض في أراضيها على شاحنة نقلت السمك من القطاع بشكل يخالف إجراءات نقل البضائع
من غزة. بعد أن تم إلقاء القبض عليها، أتلفت إسرائيل حمولة الشاحنة التي تبلغ 13 طناً سمكاً.
“وقف التسويق من قبل إسرائيل والقيود التي تفرضها، لها تداعيات شديدة على تجار القطاع
وآلاف الأشخاص الذين يرتزقون من فرع الصيد في غزة وعلى كل الاقتصاد”، قالوا في
“غيشاه” للصحيفة. “هذه التداعيات معروفة جداً لإسرائيل، ومع ذلك تتصرف وكأنه ليس عليها

5

مسؤولية وواجبات قانونية تجاه سكان غزة كقوة محتلة، وتفضل عدم أخذها في الحسبان”. في
موازاة ذلك، توجه تجار السمك من القطاع مؤخراً إلى وزارة الزراعة الفلسطينية وإلى جهات
في الولايات المتحدة، وطلبوا تصدير السمك مباشرة من القطاع إلى إسرائيل، مع تعهد بالوفاء
بكل شروط الرقابة الزراعية والبيطرية. وهو طلب لم يتم الرد عليه حتى الآن. “لإسرائيل
مصلحة في الحفاظ على السمك والحيوانات فيها، لذلك لا تسمح لنا بالبيع في السوق
الإسرائيلية”، قال أحدهم. “من جهة أخرى، يعاقبوننا بسبب خطوات اتخذها تجار في الضفة.
وبعد ذلك، نحن عالقون في الوسط ونتحمل النتائج”.

تهديدات الاحتلال بتغيير سياسته تجاه غزة.. ما السيناريوهات المتوقعة؟
أفيف كوخافي
شيماء عيد
أجمع محللون وخبراء سياسيون، أن سلسلة التصريحات والتهديدات التي تناقلتها وسائل إعلام
إسرائيلية، بشأن دراسة المنظومة الأمنية الإسرائيلية تغيير سياستها مع قطاع غزة، عقب اتهام
فصائل المقاومة فيها بالتحريض على العمليات بالضفة الغربية، جاءت من أجل حرف الأنظار
عن العمليات النوعية التي ينفذّها الفلسطينيون بتحميل قطاع غزة المسؤولية عما يحدّث،
بالإضافة إلى حجم التخبط الذي يعانيه قادة الاحتلال في التعامل معها.
وفي وقت سابق، كشفت (القناة 12) الإسرائيلية، أن المنظومة الأمنية التابعة للاحتلال
الإسرائيلي تبحث تغيير سياستها تجاه قطاع غزة.
وقالت القناة إنها “علمت من مسؤول أمني أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تدرس تغيير سياستها
تجاه غزة وعدم الفصل بين تحريض حماس والجهاد في غزة عما يحدث في الضفة”.
وأضافت: “بالمؤسسة الأمنية يصفون المنظمات في غزة بأنها مسؤولة عن التحريض على
العمليات في الضفة وتمويلها، لذا سيتم مراجعة سياساتنا وكذلك أساليب عملنا ضدهم”.
الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني، يرى أن “هذا التصريح يعكس حجم التخبط في دولة
الاحتلال، وحجم الارباك لما يحصل في الضفة الغربية، والموجة التصاعدية من العمليات والتي
ربما تمثل لأول مرة الإيمان بفكرة المقاومة بعيدًا عن العمل التنظيمي والحزبي المنظم، وذلك
ما يربك حسابات تل أبيب التي طالما راهنت أن الجيل الجديد كما هو واقع منفذ عملية الأمس
(19) عامًا بأنه قد يكون مدجنًا، ومنسجمًا مع متطلبات العصر البعيد عن كل أشكال العنف”.
وقال الدجني في حديث خاص لـ”دنيا الوطن”: “لكن من الواضح أن المسار مختلف تمامًا، هناك
إيمان عميق من الجديد بأن هذا الاحتلال الذي أنجب هذه الحكومة اليمينية الفاشية المتطرفة لا
يفهم إلا لغة القوة، لذلك بدأت الأمور تتصاعد، وهذا التصاعد تخشاه إسرائيل للحجم البُعد
الجيوسياسي للضفة الغربية في العمل المقاوم، أي بمعنى أن الموقع الجغرافي مهم جدًا لدولة
الاحتلال”
وتابع أن :”لذلك تريد إسرائيل أن تجر وتستفز غزّة لمواجهة من خلال الذهاب باتجاه تحميل
غزة مسؤولية التحريض لما يحصل بالضفة الغربية وفرض المزيد من العقوبات والحصار على
قطاع غزة والذي سيُقابل بالتأكيد من الفصائل بالتنصل من التفاهمات والتهدئة ما يستعدي العودة

6

إلى المقاومة الشعبية وصولًا إلى المقاومة المسلحة، وبذلك سيناريو المواجهة سيكون حاضرًا
في غزة”.
وأكمل المحلل السياسي: “واضح أن إسرائيل قد تطلب ذلك السيناريو إذا وجدت أنه قد يحرف
الأنظار عما يحدث في الضفة الغربية، لذلك تلك التصريحات الإسرائيلية يجب أن تُؤخذ بشكل
جدي من قِبل الفصائل الفلسطينية، وأن يكون بالفعل ضغط من قِبل الوسطاء بأن إسرائيل هي
من تتحمل مسؤولية ما يجري بالضفة الغربية وليس التحريض من قطاع غزة لأننا جميعنا دولة
واحدة ووطن واحد وشعب واحد”.
وأردف القول: “إن ما يقوم به الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية هو نتيجة سلوك الاحتلال
والانقلاب على الاتفاقيات لاسيما اتفاق أوسلو الذي نعيش ذكراه الـ29 وإسرائيل انقلبت عليه
رغم أن العالم رعاه وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية”.
واستدرك الدجني: “نتنياهو يدرك أكثر من غيره، ولا أميل أن يذهب بشكل مباشر إلى هذه
التهديدات، لأنه بعلم أن غزة ليست لقمة سائغة من الممكن أن يدخل معها مواجهة وقد دخل
معها معركة سيف القدس ومعارك كانت نتيجتها بالتأكيد خسرانه بانتخابات سابقة”.
وقال إننا “نتحدث عن احتمالية أن تكون تلك التصريحات جدّية في حال وجد أنه يريد حرف
الأنظار عن الضفة الغربية قد يدخل في مواجهة مع غزة، ولكن التقديرات أن فاتورة المواجهة
مع غزة ليست سهلة”.
وأضاف: “وبالتالي ليس من السهل أن تذهب إسرائيل بمزيد من الضغوط على قطاع غزة في
وقت تشتعل فيه الضفة الغربية، ولو اشتعل قطاع غزة مع الضفة الغربية ربما لن يكن كسابق
عهده من الفترات الماضية، أي بمعنى حرب 2012،2014 كانت الضفة صامتة وغزى
مشتعلة، الآن وطن كامل مشتعل، ومعركة سيف القدس أصّلت لتحوّل جديد متعلق بوحدة
الساحات بين كل مكونات الشعب الفلسطيني”
من جانبه، قال المحلل السياسي، طلال عوكل إنه من “الواضح أن تلك التصريحات تعني بأن
إسرائيل بصدد تغيير المعادلة القائمة، نظرة إسرائيل للتعامل مع قطاع غزة لا تتم من خلال
إطلاق الصواريخ، وإنما أن تُحاسب الفلسطيني على سياساتهم ومواقفهم، سواء كان نظريًا
بالدرجة الأولى أو عمليًا”
وتابع أن “هذا يعني أن الأمر مقبل على أن إسرائيل تبحث عن ذرائع جديدة طوال الوقت
لتجاوز المعادلة القائمة، الهدوء مقابل التسهيلات، وأنها بمكن أن تلجأ إلى تقليص التسهيلات
شيئًا فشيئًا، وحتى يمكنه أن تقوم بعملات اغتيال أو اعتداء على قطاع غزة كما حصل في
أوقات متقاربة دون أن يكون هناك ذريعة واضحة تستخدمها إسرائيل كما كانت تفعل دائمًا”
وواصل عوكل حديثه “هذا معناه أننا أمام تصعيد متوقع في إطار الحرب الشاملة التي تشنها
إسرائيل على كل الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة”
واعتبر المحلل السياسي أن “تلك التصريحات تصدر الآن في ظل حكومة انتقالية سابقة
وحكومة تصريف أعمال، وسنرى إلى أين يقود هذا مع تشكيل حكومة نتنياهو إذا كان سيعتمد
هذه السياسة أم لا، ففي حين اعتمد هذه السياسة فسيذهب باتجاه تشديد الحصار على قطاع غزة
وهذا هو المتوقع”.
وأشار إلى أن “الأمر الآن بانتظار السياسة التي سيتّبعها نتنياهو وحكومته الجديدة، وبطبيعة
الحال كل ما سبق متوقع وذلك من خلال النظر لطبيعة هذه الحكومة التي تجاوزت العنصرية
إلى الفاشية”.

7

في حين، يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، أن “تلك التصريحات جاءت بناءً
على زيادة العمليات الفدائية بالضفة الغربية وخاصة ادعاء المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن
حركة حماس والجهاد الإسلامي تنظمان بعض هذه المجموعات، وجاءت على أثر عملية الطعن
التي وقعت في (أرئيل) وأدت إلى مقتل ثلاثة مستوطنين مما أثار جنون قيادة الجيش الإسرائيلي
الذين شعروا بالإحباط والصدمة من عدم قدرة أي من الإسرائيليين إطلاق النار على المنفذ
وقدرته على البقاء لمدة 20 دقيقة”.
وقال إبراهيم في حديثه لـ”دنيا الوطن”، أنها جاءت أيضًا كردود فعل، وقد تناولها قبل ذلك عدد
من الباحثين والمحللين الإسرائيليين بمعنى أن إسرائيل قد تضطر للتعامل مع حركة حماس في
قطاع غزة بطريقة مختلفة، إذ تعتبر ن ما يجري في الضفة الغربية جرّاء التحري التي تقوم به
المقاومة الفلسطينية خاصة حماس والجهاد وباقي الفصائل الفلسطينية”
وأوضح إبراهيم أنه “من المبكر القول أن هذه السياسة ستتغير الآن، ربما بعد أن يستطيع
نتنياهو تشكيل الحكومة وتستقر، وقد لا يوجد تغيير حيقي تجاه قطاع غزة أكثر مما هو موجود
الآن من فرض الحصار والعقاب الجماعي، وإسرائيل تنظر إلى هدوء جبهة غزة بأنه مفيد
بالنسبة لها، ولا تريد أن تتخذ خطوات لتأجيج الأوضاع أكثر من ذلك، لكن يظل ها الخطر قائم
وموجود في حال أن هناك اثباتات من الجيش الإسرائيلي”.
واستبعد المحلل السياسي: “أن تشن إسرائيل عملية عسكرية، لافتًا إلى أنها “ربما تتخذ بعض
الإجراءات من الناحية الاقتصادية كتقليص عدد العمال والضغط على حركة حماس من خلال
المعابر وتقليص أنواع بعض البضائع، فهذا جميعه سينعكس بالتأكيد على السياسية الجديدة التي
ستتخذها حكومة نتنياهو والذي قد بدأ هو قبل حكومة التغيير بسياسة التخفيف نوعًا ما عن قطاع
غزة في بعض القضايا، لكن التعنت التي جاءت به حكومة (بينت – لبيد) والتي في نهاية الأمر
لم تستطع الاستمرار في فرض عقوبات وهي من سمحت بعدد العمال الذي وصل إلى 15 ألف
عامل للدخول إلى داخل إسرائيل للعمل”
ولفت إبراهيم إلى أن “إسرائيل حتى الآن كان من المفترض أن تتخذ قرارات بزيادة عدد
العمال، لكنها ربما تتخذ قرارات بتشديد الإجراءات وتقليص عدد العمال”.
وفيما يتعلق بالمنحة القطرية، رجّح أن” إسرائيل لا تستطيع وقفها لأنها مصلحتها أيضًا أن
تستمر الأوضاع الاقتصادية والأوضاع في قطاع غزة هادئة برغم التحريض والتحذير الذي
قاله أمس ضباط في الجيش الإسرائيلي بتغيير السياسة مع القطاع”.
وختم المحلل السياسي حديثه: “أعتقد أنه ليس من السهل تغيير هذه السياسة مع قطاع غزة إلا
ربما بفرض بعضٍ من القيود هنا وهناك”.

الفلسطينيون ما زالوا يملكون أوراق القوة في مواجهة الباطل

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

8

٣٤ عاما مرّت على اعتلاء الزعيم الراحل ياسر عرفات منصة اجتماع المجلس الوطني
الفلسطيني في دورته الـ19 بالجزائر، وإعلانه بحماسة “وثيقة استقلال دولة فلسطين”. ورغم
اعتراف العشرات من دول العالم بحق الفلسطينيين في هذا الاستقلال، فإن تطبيقه على الأرض
ما زال حلما. ومنطق التاريخ الحديث، لم يصمد أي احتلال لشعب آخر. فقد قضى الاستعمار
نحبه. وكل من يسيطر على الشعب الفلسطيني سيختفي ومصير فلسطين المستقلة قد اقترب
ومصير الاحتلال سيكون مشابها لمصير احتلال الجزائر أو فيتنام.
فقوة إرادة الشعوب تفوق في نهاية المطاف كل قوة عسكرية ولن يرهبنا نجاح اليمين المتطرف
بقيادة نتنياهو على مقاليد السلطة في (إسرائيل)، ولن تخيفنا الشعارات المتطرفة التي يرفعها
ويدعو لها قادة التحالف اليميني الذي فاز في انتخابات الكنيست الصـهـيوني الأخيرة، تلك
الشعارات التي تترد على لسان ابن غفير وسموتريتش، الداعية إلى ضم الضفة الغربية وطرد
العرب وإقامة الهيكل ونجاح اليمين الذي صادف ذكرى الاستقلال لن يزيدنا سوى اصرار
وتصميم على استمرار النضال والكفاح الفلسطيني حتى تحقيق مطلبنا في الحرية والاستقلال
والسيادة الوطنية
في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1988، أعلن عرفات “قيام دولة فلسطين فوق الأرض الفلسطينية
وعاصمتها القدس”، وهو الإعلان الثاني من نوعه، فقد أعلنت حكومة “عموم فلسطين” الوثيقة
الأولى للاستقلال في أكتوبر/تشرين الأول 1948، وتشكّلت على إثرها حكومة في غزة برئاسة
أحمد حلمي عبد الباقي.
الفلسطينيين يحيون سنويا ذكرى إعلان وثيقة 1988 التي كتب نصها الشاعر الراحل محمود
درويش، والتي استندت -كما جاء في إعلانها- إلى “الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب
الفلسطيني في وطنه، وقرارات القمم العربية، وقوة الشرعية الدولية، وممارسة من الشعب
العربي الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والاستقلال السياسي والسيادة فوق أرضه”.
وجاء في الوثيقة: رغم التزييف التاريخي بمحاولة تعميم مقولة “إن فلسطين أرض بلا شعب”،
فإن المجتمع الدولي في ميثاق عصبة الأمم لعام 1919، وفي معاهدة لوزان لعام 1923،
اعترف بأن الشعب الفلسطيني -شأنه شأن الشعوب العربية التي انسلخت عن الدولة العثمانية-
هو شعب حر مستقل.
واستندت الوثيقة إلى الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في الأراضي المحتلة قبل عام من هذا
الإعلان، وقالت إن الفلسطينيين بهذا “التراكم الثوري النضالي” يؤكدون على حقوقهم الثابتة
وممارستها فوق أرضهم.
لكن الرسالة السياسية التي أرادتها القيادة الفلسطينية حينها تتلخص في توجهها نصا إلى “الأمم
المتحدة لتتحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني”، وإلى دول العالم “أن تعينها في تحقيق
أهدافها بوضع حد لمأساة الفلسطينيين وتوفير الأمن لهم وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم”.
ورغم تحديد الوثيقة أراضي الدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم “181” الذي أقرته الجمعية
العامة للأمم المتحدة ونص على أن تكون 42% منها للفلسطينيين، فإن منظمة التحرير وقعت
بعد 5 أعوام اتفاق أوسلو (1993) واعترفت بموجبه بإسرائيل، وطالبت بدولة على حدود
الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967.
هل كان هذا نكوصا عن وثيقة الاستقلال؟ هو ليس كذلك، فاتفاق أوسلو كان يتضمن مرحلة
انتقالية تنسحب فيها إسرائيل من أراضي الضفة وغزة لتنشأ السلطة الفلسطينية عليها، تليها
مفاوضات الحل النهائي التي تحدد شكل دولة فلسطين وحدودها وعاصمتها وحقوقها، وهو ما لم
يصل إليه الفلسطينيون حتى الآن”.

9

بسبب التعنت والتعسف الصهيوني، فشل خيار المفاوضات باعتراف المفاوضين أنفسهم،
وحاولت السلطة تبني الخيار الدبلوماسي كاستراتيجية في عملها السياسي، وفي عام 2012
نجحت في الحصول على اعتراف أممي بفلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، وفي عام
2015 حصلت على عضوية المحكمة الجنائية الدولية، ثم رُفع العلم الفلسطيني بين الدول
الأعضاء في المنظمة الأممية، إلا أن هذا كله لم يسمح بتكريس الاستقلال على الأرض أيضا.
والحقيقة إن موازين القوى الدولية ما زالت ليست في صالح الفلسطينيين ، فالعالم الذي يتعامل
بسياسة الكيل بمكيالين لم يستطع فرض اعترافه بدولة فلسطين واقعا على الأرض، إلى جانب
دعم الولايات المتحدة السياسي والعسكري لإسرائيل وسيطرتها على النفط، الشريان الرئيس
لاقتصاد المنطقة العربية وأنظمتها، مما عرقل تطبيق الحلم الفلسطيني.
إن “إسرائيل وظفت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب واستفادت من عمليات التطبيع
العربية في تعزيز هيمنتها وترسيخ احتلالها ومحاولات فرض سياسة الأمر الواقع لمشروعها
الاستيطاني.
منذ ذلك التاريخ حتى هذا اليوم، يؤكد الواقع القائم أن تحقيق «دولة فلسطينية مستقلة» خلال
فترة قريبة أصبح حلماً لا يمكن أن يتحوّل لواقع، فكافة المؤشرات الفلسطينية والعربية والدولية
تدلّل على أن القضية الفلسطينية لم تصبح أولوية، بل باتت عبئاً ثقيلاً يريد الجميع أن يتخلّص
منها بأي طريقة، ومهما كان حجم التنازل أمام أي مشروع للتسوية فلن تنجح إسرائيل من
تمرير مخططها ولن تتمكن من تحقيق مشروعها التوسعي ، وإن كان هناك محاباة دائمة للجانب
الإسرائيلي إلا أنه يبقى محكومًا بمعادلة التوازن العربية الإسرائيلية في المنطقة التي تحافظ
عليها الإدارة الأمريكية منذ عام 67 تقريبًا.
يجب على العالم أن يدرك وأن لا يسقط من حساباته صمود الشعب الفلسطيني وتصديه
للاحتلال، هذا الصمود والتصدي الذي واجه الاستيطان الصـهـيوني منذ وعد بلفور 1917
حتى هذه اللحظة ومنع بوضوح إكمال تنفيذ المخططات الصـهـيونية المدعومة غربيًا في
فلسطين، ولولا هذا الصمود وهذا التصدي لتحولت فلسطين منذ الانتداب البريطاني إلى وطن
قومي خالص لليهود.
إن اليمين الصـهـيوني رغم تشدده الظاهر فإنه كان دائمًا الفريق الذي يتخذ الخطوات الحاسمة
باتجاه التنازل والميل للتسوية مع العرب والفلسطينيين، “فمناحيم بيغن” هو الذي عقد اتفاقية
السلام مع السادات وتخلى بموجبها عن كامل سيناء التي احتلها الجيش الصـهيوني في عام 67،
وشارون كان هو الزعيم الصـهـيوني الذي تجرأ على الانسحاب من غزة، وبدأ الانسحاب من
الضفة لولا أنَّ القدر لم يمهله لتنفيذ خطة الانسحاب، تلك الظاهرة التي تدل على أن تنازل
الصقور أسهل بكثير من تنازل الحمائم رغم شراسة الصقور الظاهرة ووداعة الحمائم المدعاة.
المشروع الصـهـيوني في فلسطين، وهو في أوج قوته وفي أكثر مراحل التاريخ المواتية للحركة
الصـهـيونية، لم يستطِع أن يحقق كامل أهداف الحركة الصـهـيونية، وتباطأت عوامل الدافعية
لديه إلى أن استقرت عند الحال القائمة الآن بوجود نحو مليون وسبعمائة ألف عربي داخل
فلسطين بحدود 1948، ونحو خمسة ملايين وثلاثمائة وستون ألف فلسطيني في الضفة الغربية
وقطاع غزة حسب مركز الإحصاء الفلسطيني، وهو عدد يتجاوز عدد اليهود المقيمين في
فلسطين التاريخية، هذه المعادلة الديموغرافية لا يمكن بحال من الأحوال وبعد مرور ما يزيد
على مئة عام على المشروع الصـهـيوني أن تغيرها أي قوة على وجه الأرض، ناهيك بأن
الشعب الفلسطيني يمتلك من وسائل القوة ما لم يكن يمتلكه قبل مئة عام، وهو ما مكّن المشروع
الصـهـيوني من تحقيق أهدافه جزئيًّا.

10

في الذكرى ال 34 تغيرت موازين القوى ولم تعد في صالح الكيان الصهيوني وأن الشعب
الفلسطيني بات يملك من عوامل القوة والأوراق التي تمكنه من خلط الأوراق والقدرة على
مواجهة التطرف الصهيوني، لأن الشعب الفلسطيني يملك قوة الحق في مواجهة الباطل
الصهيوني وادعاءاته وأن الخيارات باتت مفتوحة أمام الفلسطينيين الذين بمقدورهم تغيير قواعد
أللعبه العربية والاقليميه والدولية.
في الذكرى ال 34 نذكر العالم أجمع إن «وثيقة الاستقلال» نصّت على «مواصلة النضال من
أجل جلاء الاحتلال، وترسيخ السيادة والاستقلال»، وفي الواقع إن نضال شعبنا الفلسطيني ضد
إسرائيل لم يتوقف منذ احتلالها لفلسطين ، فقدم شعبنا الشهداء والجرحى والأسرى دفاعا عن
ارض فلسطين ، وما زال نضال شعبنا الفلسطيني مستمر في مواجهة الاحتلال والتصدي
لمخططات اليمين الفاشي الذي لن ترهبه تهديداته وسيواصل نضاله حتى تحقيق الاستقلال.

حسنًا فعل توفيق الطيراوي

بكر أبو بكر
أكنُ كل المودة لكامل مجموع الأخوة في اللجنة المركزية لحركة فتح، فهم كما كتبت مرارًا
يشكلون “شخصية اللجنة المركزية” التي باتت محور الالتفاف لأبناء الحركة، حين يتوه
البرنامج السياسي أو يركن جانبًا أحيانًا، أو حين يتم الفتك بالنظام الداخلي. فيظل الغراء
موجودًا.
أعضاء القيادة الفتحوية بكليتهم وتحت إدارة الأخ رئيس الحركة قادرون على القيام بأدوارهم
وإن تفاوتت المؤهلات أو الطاقات أو الجهود، أو اختلفت الآراء التي وجب أن تكون مظلتها
ومرجعيتها فلسطين والنظام والبرنامج.
إنهم قادرون أو يجب أن يكونوا قادرين على القيام بأعباء عملهم الحركي الذي يجعلهم بتنوعهم
وبالقبول والمعارضة فيهم مساحة قابلة للتعامل مع الكوادر الحركية، والجماهير، وامتصاص
أي حركات احتجاجية أو شاذة أو انتهازية.
وكلما زاد التنوع في القدرات، وطرق التعبير الملتزمة بالنظام والبرنامج وبالخطة والعمل في
الإطار-أي إطار هنا- كلما كان التحدي كبيرًا، وبالتالي يصبح الوصول الى نقطة الالتقاء مطلبًا
ومسعى نبيل، لتظل “شخصية اللجنة” إطارًا جامعًا يلجأ له الكادر الحركي كما يلجأ له الأعضاء

11

العاملون وأولئك المهمشون أو الحردانون أو الذين تم إقصائهم لسبب أو لآخر او حتى لمن
خرجوا قسرًا أوطواعية.
أعود لأوكد إن ما يجمع العضو والكادر بل وعموم الجماهير النصيرة في فتح هو فكرة التحرير
لفلسطين، وفكر فتح التحرري المعتدل والديمقراطي والوحدوي، وعبر كل الوسائل. فهذه بلدنا
ونصرنا بلا أدنى شك قادم. لأن إيماننا راسخ مهما تباينت وجهات النظر للوصول للهدف سواء
داخل فتح (الفضفاضة) في كثير من الاحيان أو في الفصائل الاخرى التي اعتبرها جميعها
فصائل وطنية مهما عبثت ببعضها الأصابع الخارجية كما الحال بحركة فتح في فترات صعبة
من تاريخنا الفلسطيني.
بعد هذه المقدمة اللازمة، أقول تعليقًا على لقاء الأخ توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية
للحركة أنه حسنًا فعل، لقد كان لقاءًا موضوعيا ويتسم بالمسؤولية العالية والحرص، ما بدا رغم
انتقاداته الواضحة . حقّق الأخ توفيق الطيراوي باللقاء الذي بثته قناة الميادين 14/11/2022م
ونشر لاحقًا الكثير من النقاط الهامة، والتي قد أفهمها كالتالي:
1- أنا معارض وهذا حقي في إطاري: استطاع توفيق الطيراوي أن يؤكد أن له وجهة نظر
مختلفة، وأنه معني بالتعبير عنها، ويعلم الفروق بالمكان والزمان وحجم المعلومة وما بين
الإظهار والكتم. وأنه يستطيع التعبير عن رأيه عنها في إطاره بمساحة أوسع. ومما قاله في لقائه
المثير:” في كل ثورة في العالم هناك تباين في وجهات النظر ما بين قياداتها وأحيانا هناك من
يزعل ويترك”. مضيفًا: “وأنا واحد من الأشخاص الذي أنتقد وأختلف مع بعض زملائي”
مستدركًا لكني “أنتقد من أجل الحركة وهناك فرق ما بين إنتقاد وآخر.”
2- لا للفساد لا للخطأ العام: وفيما يتعلق بالشأن العام فهو مقاتل شرس ضد الخطأ أوالفساد كما
يعتقده أو يراهُ، وهذا لايضير انتمائه للحركة. ومهما كان يصيب البعض المتسلق في أطر
السلطة التي في كثير من قادتها من الحركة، لا يمنع أن ينتقد بل أحيانًا الإشارة للظاهرة
والموقف يكون واجبًا وطنيًا، فمابالك بمقاومتها، فالشأن العام ملك الجماهير، وتعبيرهم عنه
ضرورة ولكن بأدب الحديث وأدب النقد وحدوده الملتزمة وفق القانون.
قال توفيق الطيراوي نصًا:”من حقي ووجهة نظري أن أقول للحكومة أنت خطأ أو صح… وأنا
شخصيا دافعت عن الحكومة في قضايا الصح وإنتقدتها في قضايا الخطأ”.
3-أنا أخطأت واعتذر: توفيق الطيراوي لا يضيره أن يعتذر كأي قائد أو كادر حركي، ولا
ينتقص منه، وهي سُنّة الراحل ياسر عرفات الذي تعلمنا منه في عديد المواقف ومنها حينما
اعتذر علانية لمن هم أصغر منه سنًا أي طلبة جامعة النجاح حينما اقتحمتها قوات الأمن فهرول
يعتذر لهم. وهنا توفيق الطيراوي يعتذر حين يخطيء وهو ما أشار له بوضوح تعليقًا على
التسريبات اللامسؤولة والمسيئة قصدًا لفلسطين والقيادة الفلسطينية عامة.
قال توفيق الطيراوي: “زملائي في اللجنة المركزية علاقتي فيهم ممتازة وليس لدي أي توتر مع
أي أخ في اللجنة المركزية، حصل توتر في الفترة الأخيرة نتيجة بعض الأشخاص الذين قاموا
بفبركة تسجيل لي عن أحد الإخوة وهو الأخ حسين، وهو له كل محبة وإحترام وإذا كان هذا
الشريط قد أساء له فله حق عندي”.
4-قانون المحبة مقابل النظام: تحدثت كثيرًا عن تطبيق قانون العقوبات بشكل اجتزائي أو مبالغ
فيه، أوتعسفي أحيانًا في حركة فتح مقابل قانون (عُرف) المحبة للختيار أبوعمار، وقانون
المحبة والعفو والتسامح هوالذي قد يتجاوز استخدامات محددة أو آنية أوعصبية أومتعسفة
للنظام، لغرض التوفيق والتقريب لا الابعاد والإقصاء محبذًا الثاني ما يتفق مع اتساع مساحة

12

الحرية المتاحة في الحركة. ومؤكدًا على أنه يجب أن نفهم أولوية النظام (القانون الداخلي) لنعود
ملتزمين بالنظام الداخلي فهو الأصل، أما تكرار الخطا المقصود فشيء آخر.
قال توفيق الطيراوي بعد تكرار اعتذاره لما نُقل عنه مفبركًا بحق الاخ حسين الشيخ: “يا رجل
الناس تتطاول على الذات الإلهية، استغفر الله لهم، والمسامح كريم… ونحن أكبر من كل هذه
القضايا، وإخواني في اللجنة المركزية كلهم أكبر بكثير من القضايا الشخصية ومن أي شيء
يحصل معهم.”
5-اختلاف أخلاق الصفاء واخلاق الغضب: التعامل الأخوي يرتبط بحالة الصفاء ليتخذ أخلاقًا
ومسلكيات محددة، مختلفة عن تلك المسلكيات (الأخلاق) حين الغضب، فكلنا نغضب ونثور وقد
نتفوه بما لا يليق. وهنا وجب التقدير بين الحالتين حيث كان يقول القائد المفكر خالد الحسن: إن
أخلاق الازمة تختلف عن أخلاق التسوية. لذا يجب التفريق ويجب التفهم وعدم الحكم بعين
الغضب، ولنا الاقتداء بأسلوب تعامل أبوعمار مع صديقه المعارض الدائم لكثير من مواقفه
أبوإياد صلاح خلف الذي ما فتأ يردد حين تصالحهما قول الإمام الشافعي:وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ
عَيبٍ كَليلَةٌ/وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا.
6-الفصل بين الشخصي والعام: حسنًا فعل أبوحسين الطيراوي حين فصل بين الموقف من قبل
اللجنة المركزية وما رآه من الرئيس أبومازن تجاهه، وبين احتفاظه بالاحترام لزملائه
وللرئيس.
قال توفيق الطيراوي: “بالنسبة لجامعة الاستقلال-التي كان رئيس مجلس أمنائها قبل قرار
تنحيته- مع محبتي وإحترامي للأخ الرئيس القرار كان تنفيذه خاطئا أو طريقته خاطئة أو أخذه
كان خاطئا وكان بإمكان الرئيس أن (يتبع أسلوب آخر)….” مضيفًا:”لذا أعتبر ما جرى هو
إهانة للكرامة وكان البعض يعتبر الأمر إستفزاز” ومكملًا” أنا ضده وأنا ملتزم بالحركة وملتزم
بقرارت الحركة ونفذت القرار بعد 10 دقائق ونزّلت بيان، ولكن المفروض أن تناديني وتقول
لي أنا أريد منك كذا وكذا وفقط.”
دعنا نقول أن المؤمن ليس بشتام ولاطعان ولا لعان ولا فاحش ولابذيء كما تعلمنا من سيد
الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اجيز له الاختلاف في الموقف أو وجهة النظر فلا يجوز
له شتم ذات الأخر مطلقًا.
قال توفيق الطيراوي: “الأخ أبو مازن هو رئيس الشعب الفلسطيني وأنا مواطن فلسطيني
وبالتالي هو الشرعية وأنا ملتزم بالشرعية وله كل الإحترام، والأخ أبو مازن رئيس حركة فتح
وأنا عضو في هذه الحركة وملتزم بقوانينها وأنظمتها وأنضبط للرئيس وللقوانين والأنظمة
والقيادة الفلسطينية ولقرارات اللجنة المركزية.”
7-الموضوعية والحقيقة: في الرد على التسريبات من ملف قضية اغتيال الرئيس الشهيد ياسر
عرفات رحمه الله، تحدث بأمانة ومسؤولية عالية وكان واضحًا في منطق الرد، وعرض حقيقة
القرصنة الالكترونية التي تطال حتى الدول الكبرى ولدينا. وحقيقة أن هناك من له مصلحة
للإساءة للرجل ولمجمل الحركة الوطنية، وكأنها مقصرة بحق الرئيس الشهيد من جهة، وفي
محاولة لتوجيه أصابع الاتهام عبر التسريبات لجهة محددة غير صحيحة
لقد قال مما قاله حول الموضوع الهام ان ما ذكره “يثبت بالدليل القاطع أن “إسرائيل” هي التي
وراء الإغتيال للشهيد ياسر عرفات، ولكن من ساعدهم؟ هذا الموضوع الآخر الذي نحن نريد
أن نتكلف فيه. ونحن 12 عام نحقق ولا نخرج أو نسرب اي شي من لجنة التحقيق ولا من أي
واحد فينا كلمة حول التحقيقات

13

مضيفًا أن “المستفيد من بقاء ياسر عرفات هو الشعب الفسطيني، والمستفيد من غياب ياسر
عرفات “إسرائيل”، وهناك 12 عام من التحقيق والإفادات والشهادات والبحث في كل ظروف
الإغتيال لم يثبت لدينا على الإطلاق أي علاقة لأي أحد من القيادات السياسية بوضع السم حتى
الآن”.
حسنًا فعل الأخ توفيق الطيراوي فيما نظن أننا فهمناه بالنقاط أعلاه من لقائه ونفترض أن الرأي
والرأي الآخر ضمن حرية التعبير –خاصة بالشأن الداخلي داخل الإطار-هو مما يجب الحفاظ
عليه دومًا في أي فصيل سياسي ضمن مرجعية فلسطين والنظام والبرنامج وفي حده الأدنى
توافقات “الشخصية الجامعة”، ومن خلال عقد المؤتمرات غير الاستعراضية إنما تلك التي
تحاسب وتقرر، ولا تنتخب فقط.
وأصاب المحامي على أبوحبله حين علق قائلًا أن: “مقابلة اللواء توفيق الطيراوي مع الميادين
اتسمت بالموضوعية والترفع عن الجراح وصدقية الانتماء والالتزام والتقيد باحترام القوانين
والانضباط التنظيمي” مضيفًا: “ويتطلب الأمر-في فتح- دراسة ممنهجه وواقعيه لكل الأسباب
والمسببات التي أدت بالحركة لهذا الانزلاق التي هي عليه، مما يتطلب الأمر بفصل الحركة عن
جسم السلطة. كما ان الأمر يتطلب دراسة وتطوير البرنامج الكفاحي والسياسي للحركة بما
يتناسب والأوضاع المستجدة على الساحة الاقليميه والدولية وان يؤخذ بمعيار الكفاءة والقدرة
والأهم نظافة اليد وضرورة عدم المزاوجة بين العمل السلطوي والعمل التنظيمي.”
أن القضية الفلسطينية وفي ظل انتصار اليمين الفاشي الإسرائيلي، واستتباع عديد الساسة العرب
لأوامر المخابرات الإسرائيلية، والدنيا تبحث عن نظام عالمي جديد. تحتاج هذه القضية المقدسة
لقيادة مختلفة، لقيادة جديدة في المنهج والرؤية وآليات التفكير والعمل، وتتعالى وتتسامى وتحمل
نظرة واسعة جامعة، لا نظرة حزبية أوذاتية أو مصلحية ضيقة.
على هذه القيادة الجديدة الفهم، أي أن تبدأ بترجمة فهم جديد للتغييرعلى الأرض بدءًا من الذات
بإصلاح الذات (الذات الانسانية، وذات الأطر المترهلة، والنزاعات والأفهام الداخلية في كل
فصيل وبين الفصائل، ومعالجة شأن التائهين والمهمشين -والمفصولين ما كتبنا عنه كثيرًا فيما
سبق- بل وأولئك التطهريين المنعزلين، والخارجين).
دعونا نستذكر أن القيم والأخلاق في حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح التنظيم المؤمن
بالنصر والتحرير والديمومة، وما أظنه أيضًا بكافة الفصائل بإذن الله، هي مما لا مجال
للتغاضي عنه، فالمباديء بلا قيم وبلا أنظمة تظل أفكارًا مجردة قد تصل العقول ولكنها لا تصل
القلوب. ومن هنا كانت القدوة أحد أهم عوامل التأثير والاستقطاب وهو ما كتبنا عنه سابقًا تحت
عنوان الشخصية المشعة القادرة على التأثير في الآخرين بمساحات كبيرة، وإنها لثورة حتى
النصر.

اليسار الصهيوني: انهيار لا سابق له

14

د. ماهر الشريف
بينما حصلت أحزاب اليمين القومي والديني المتطرف على 64 مقعداً في الكنيست، إثر
الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وتمّ تكليف
زعيمه بنيامين نتنياهو رسمياً بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لم يحصل اليسار الصهيوني
سوى على أربعة مقاعد في الكنيست فاز بها حزب العمل، بينما اختفى حزب ميرتس عن
المشهد البرلماني ولعله قد يختفي عن المشهد السياسي. ويزكي انهيار اليسار الصهيوني هذا
التحوّل الذي يشهده المجتمع الإسرائيلي منذ بدايات الألفية الثالثة والذي يدفع به أكثر فأكثر نحو
مواقع اليمين القومي والديني المتطرف.
العوامل الثانوية لهذا الانهيار
لعب اليسار الصهيوني دوراً مركزياً في الحياة السياسة الإسرائيلية، إذ كان في قلب مشروع
تأسيس الدولة سنة 1948، وظل يمتلك أغلبية في البرلمان لنحو ثلاثة عقود. ومع أنه فقد هذه
الأغلبية منذ الانتخابات للكنيست في أيار/مايو 1977، إلا إنه عاد وانتعش في مطلع تسعينيات
القرن العشرين، وحصل حزباه الرئيسيان، العمل وميرتس، في الانتخابات التشريعية التي جرت
في حزيران/يونيو 1992، على56 مقعداً، إلى أن بدأت مسيرة تراجعه المتواصل بعد اغتيال
يتسحاق رابين في تشرين الثاني/نوفمبر 1995، وصار، في مواجهة صعود التيارات القومية
والدينية، ينسج تحالفات انتخابية يحكمها عامل رئيسي هو ضمان تمثيله البرلماني أو مشاركته
في الحكومة.
ما أن ظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، حتى راح ممثلو حزبي اليسار الصهيوني يلقون
بمسؤولية الفشل على عاتق بعضهم البعض وعلى عاتق حلفائهم. فرئيسة حزب ميرتس
المخضرمة، زهافا غالؤون، التي وصفت انهيار حزبها بأنه “مأساة” لإسرائيل، وجهت رسالة
بالفيديو إلى أعضائه ومؤيديه اعتبرت فيها أن نتائج الانتخابات “تمثل كارثة بالنسبة لميرتس
وكارثة للبلاد وكارثة شخصية”، وألقت مسؤولية هذا الفشل التاريخي على عاتق يائير لبيد،
زعيم حزب “يوجد مستقبل”، وميراف ميخائيلي، زعيمة حزب العمل، وقالت: “لقد ضغطتُ من
أجل الاندماج [في قائمة واحدة] مع حزب العمل وحذرت لبيد ومعسكره من أنهم يلعبون بالنار،
بحيث إننا إذا لم نتخذ الاحتياطات، فلن يدفع الثمن ميرتس فقط”، وأضافت: “للأسف، انشدّ
ناخبونا إلى حملة الحزب الأكبر وفضلوا دعم يائير لبيد ضد بيبي [نتنياهو]”[1].
أما وزير التعاون الإقليمي في حكومة لبيد-بينت من حزب ميرتس، عيساوي فريج، فقد أرجع
انهيار اليسار الصهيوني إلى رئيسة حزب العمل، وصرّح بأن “أوهام ميراف ميخائيلي كانت
وراء انهيار يسار الوسط”، نظراً لكونها رفضت بشدة أي احتمال للاتحاد ضمن قائمة واحدة
بين حزبها وميرتس، مكررة أن الحزبين “سيكونان قادرين على تجاوز العتبة الانتخابية من
خلال تقديم نفسيهما بصورة منفصلة”. وأضاف فريج في حديث لإذاعة الجيش غداة الانتخابات
قائلاً: “إن ميخائيلي لديها أوهام العظمة، وهي تحلم بأن تكون يتسحاق رابين، ولعبت الأنا دوراً،
ودائماً ما ندفع الثمن مقابل الأنا”. وقد أقرّ مرشح حزب العمل للانتخابات يايا فينك، الذي لم
يحالفه الحظ بالفوز، بأن “قرار عدم توحيد ميرتس والعمل كان عاملاً رئيسياً في نجاح الكتلة
اليمينية والدينية”، وتابع قائلاً: “يبدو أن هذا كان خطأ”، ذلك إن “زعيمة الحزب اتخذت قراراً
ووقفنا جميعاً إلى جانبها”[2].
ويتفق عدد من المحللين على أن زعيمة حزب العمل تتحمّل مسؤولية كبيرة عن انهيار اليسار
الصهيوني، إذ قدّر باسكال مانكر أن ميراف ميخائيلي، الصحافية السابقة ونصيرة الحركة
النسوية، التي تسلمت زمام قيادة حزب العمل قبل ثلاثة أعوام على أمل توليد زخم جديد في

15

صفوفه وبين ناخبيه، لم تفلح هذه المرة في لعب “الورقة النسوية”، ولم تقنع استراتيجيتها
جمهور الناخبين[3]. أما المحلل الإسرائيلي أوري مسغاف، فقد اعتبر في مقال حمل عنواناً
معبّراً هو “وداعاً ميرتس”، نشرته صحيفة “هآرتس” في الرابع من الشهر الجاري، أن “كل
توسلات ميرتس إلى حزب العمل بالاتحاد معه، وإلى لبيد كي لا يبتلعه، وإلى الناخبين كي
يرحموه، لم تنفع؛ فقد شُطب الحزب من الخريطة، ومعه اليسار الصهيوني، وهذا أمر له
رمزيته الكبيرة، ويبدو كأمر مطلوب”، ذلك إنه “في انتخابات شهدت صعوداً غير مسبوق
للكهانيين والحريديم، لم يعد من المنطقي في كنيست يحكمه بن غفير وسموتريتش أن يبقى مكان
لزهافا غالؤون ويائير غولان”، مقدّراً أنه لو كان “بضعة آلاف من الناخبين من أحزاب التكتل
اقترعوا لميرتس، لكانوا أطالوا حياة الحزب، موقتاً وبصورة مصطنعة”[4].
العوامل الجوهرية للانهيار
تؤكد نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، التي جرت خلال السنوات الماضية، بروز اتجاه
سياسي ثابت: اليسار الصهيوني يتراجع لصالح يمين قومي وديني أكثر صلابة، ينظر إلى
إسرائيل بصفتها دولة قومية وأرثوذكسية متشددة ومحافظة وليبرالية جديدة. وتخلق هذه الظاهرة
صعوبات أمام حزبي اليسار الصهيوني فيما يتعلق بتعريف هويتهما الإيديولوجية، وتجعلهما
يميلان “إلى تبني مواقف يمينية تحظى بإجماع بين السكان من أجل الحصول على المزيد من
الأصوات، وإلى محاولة إغواء ناخبي اليمين وعدم انتقاد السياسات والممارسات التي ينتهجها
زعماء هذا اليمين في الحكم، وهو تكتيك “سبّب، بلا شك، ضرراً لهذا اليسار الصهيوني الذي
ابتعد عن مواقفه الحزبية التقليدية لأغراض انتخابية”[5].
ومن ناحية أخرى، فإن من العوامل التي جعلت اليسار الصهيوني يتماهى مع اليمين القومي، في
حدود معينة، هو تبنيه المبدأ القائل إن إسرائيل هي دولة ديمقراطية واعتقاده بأنه يمكن فصل
الدولة داخل حدودها قبل سنة 1967 عن بقية الأراضي التي خضعت لاحتلاها، وذلك عبر
إقامة “حاجز نفسي بين نظامين: إسرائيل ديمقراطية (جيدة) واحتلال مؤقت (سيئ)”. فالصهاينة
اليساريون “يريدون ضمان أن تظل إسرائيل دولة ذات أغلبية يهودية يمكنها الاستمرار في منح
مواطنيها اليهود الأراضي وحقوق الهجرة”، والادعاء بأن الضم الرسمي للضفة الغربية المحتلة
“هو وحده الذي يمكن أن يحوّل إسرائيل إلى دولة فصل عنصري”، وكذلك الادعاء بأن إسرائيل
أنهت احتلالها لقطاع غزة في سنة 2005، على الرغم من أنها “لا تزال تسيطر على
الصادرات والواردات والبحر والمجال الجوي، وكذلك على تسجيل السكان، وتعطي رقم هوية
لجميع الفلسطينيين في القطاع، والتي بدونها لا يمكنهم المغادرة أو عبور الحدود معها ومع
مصر”[6].
وأرجع بعض المحللين تراجع اليسار الصهيوني إلى تخليه عن الفئات الاجتماعية الشعبية
ومطالبها؛ فبحسب المؤرخ ستيف جوردان، الذي نشر كتاباً عن اليسار الصهيوني، تخلى هذا
اليسار منذ زمن عن الصراع الطبقي وعن طابعه العمالي، معتبراً أن هذا التخلي سار في
اتجاهين: فمن جهة “تخلى جمهور الناخبين عن حزب العمل”، ومن جهة ثانية، “صار حزب
العمل يجمع أشخاصاً مختلفين تماماً، بحيث صار المحامي يجد نفسه جنباً إلى جنب مع
ميكانيكي”، وتحوّل الحزب “ليصبح حركة من الطبقة الوسطى العليا”، بينما مالت الطبقات
الشعبية نحو اليمين و”لم تعد تجد التعبير عن مصالحها في حزب العمال، الذي أصبح قادته
يمثلون النخبة في البلاد”. وخلُص المؤرخ نفسه إلى أن “بنيامين نتنياهو جعل الناس ينسون
القضايا الاقتصادية والاجتماعية ويركزّون حديثهم على الطاقة النووية والأمن”[7].
ويتفق الباحث والأستاذ الجامعي فيليب فيليللا مع هذا التحليل، إذ هو يرى أن أحد عوامل
“موت” اليسار الصهيوني هو الطلاق بينه وبين الطبقات العاملة، ذلك إن حزب العمل
الإسرائيلي أقيم “على أسس اجتماعية متينة، مع وجود مزارعين منظمين في الكيبوتسات

16

(القرى الجماعية) والموشافيم (القرى التعاونية)، وطبقة عاملة تتمتع بمركز نقابي قوي:
الهستدروت، ولكن تدريجياً اضطر الكيبوتس إلى إجراء تعديلات أفرغته من جوهره، بينما حُرم
الهستدروت، الذي كان أكثر من مجرد نقابة – يسيطر على الرعاية الاجتماعية وخدمة التوظيف
والقطاعات العامة والتعاونية (ثلث الاقتصاد الإسرائيلي) – ويضم 85٪ من الموظفين، حرم
من قوته بعد إجراء إصلاح التأمين الاجتماعي وزيادة انعدام الأمن الوظيفي، وهو اليوم يجمع
فقط ربع الموظفين وبصورة أساسية في القطاع المحمي (الخدمات العامة والشركات الكبيرة
الخاصة)”. ويتابع الباحث نفسه أن الأقلية اليسارية الصغيرة، التي “اختُزلت إلى برجوازية
حضرية وعلمانية، مرتبطة بأسلوب حياة “غربي” بعيداً عن التقاليد والممارسات الدينية”، فقدت
مصداقيتها لدى قطاعات واسعة من الجمهور، فسعت إلى حشد الشباب حول قضايا جديدة، مثل
قضايا البيئة والمناخ ونوعية الحياة، لكنها لم تنجح في ذلك كما يبدو، فعادت لتلتف حول شعار
واحد ساد في بعض الاحتجاجات والمظاهرات الأخيرة، التي جمعت جماهير متنوعة للغاية
وذات توجهات أيديولوجية متعارضة في بعض الأحيان، وهو شعار “بيبي، اذهب إلى
المنزل!”[8].
بيد أن العامل الجوهري الأكثر أهمية في انهيار اليسار الصهيوني هو ذاك الذي توقف عنده
الصحافي المناهض للاحتلال جدعون ليفي في مقال نشره في موقع صحيفة “هآرتس” في
الثالث من الشهر الجاري بعنوان “بعد أكثر من 50 عاماً من دعم الاحتلال، ماذا تخيّل اليسار
الإسرائيلي سيحدث؟”، رأى فيه أن اليسار الصهيوني “الذي دخل في غيبوبة بعد اتفاقية أوسلو”،
لم يكن لديه ما يقدمه في الانتخابات الأخيرة، وأن خمسين عاماً “من الدعم شبه الكامل
للاحتلال، من اليسار واليمين الصهيونيين، لا يمكن أن تنتهي إلا بكون بن غفير بطلاً شعبياً”،
وأنه “كان من المستحيل ببساطة متابعة الأوهام – الاحتلال اليهودي والديمقراطي والمستنير
والاحتلال المؤقت – وكل تلك الذخيرة من العبارات البالية”. وأكد ليفي أنه “لا جدوى من
الاستمرار الآن في حملة التنديد”، والقول: “يائير لبيد سحق أصوات حزب العمل، ولم يندمج
العمل مع ميرتس”، ذلك لأنه “لن يكون هناك اختلاف في الصورة العامة: المجتمع الذي تشكّل
في هذا البلد هو مجتمع ديني جزئياً وعنصري جزئياً، وكراهية العرب هي وقوده الرئيسي، ولم
يكن هناك من يعارضها”، وأن ما حدث في الانتخابات بدأ قبل سنوات، عندما “حاول اليسار
والوسط المنجرفان اللذان يفتقران إلى القيادة والشجاعة أن ينحنيا لليمين ويبدوان مثله”. فطوال
سنوات “تحدث الإسرائيليون عن “الشعب المختار”، وعن المحرقة التي بات بعدها كل شيء
مسموحاً به، وعن العرب الذين يريدون إلقاءنا في البحر، وعن حقنا في الأرض بسبب القصص
التوراتية، وعن دفاع الجيش عن إسرائيل بصفته الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وعن داوود
ضد جوليات، وعن عرب إسرائيل بصفتهم طابوراً خامساً، وعن العالم كله ضدنا، وعن حقيقة
أن أي شخص ينتقدنا هو معاد للسامية؛ فماذا كنا نظن أنه سيخرج من كل هذا؟ هذا ما يحدث
عندما لم تقابل صرخات “الموت للعرب” التي ستتردد الآن في المدارس خلال الجلسة
الصباحية، بصرخة واحدة “الحرية للعرب”[9].
وختاماً، فقد افترضت عندما شرعت في كتابة هذا المقال أن هناك يساراً وصهيونياً في إسرائيل،
فهل هذا الافتراض صحيح؟
إن عدداً من الباحثين، ومنهم الباحث الفرنسي توماس فيسكوفي الذي نشر كتاباً عن فشل اليسار
في إسرائيل، يعتبر أن على اليسار الإسرائيلي أن يختار ما بين اليسار والصهيونية، ذلك لأنه لا
يمكن الجمع بينهما، معتبراً أن المفردات الاشتراكية التي يستخدمها اليسار الصهيوني ليست
أكثر من مجرد “فولكور”، وأن الرغبة في التعبير عن الصهيونية، التي هي قبل كل شيء
مشروعاً قومياً يدافع في المقام الأول عن شعب واحد متفوق على الآخرين، “يقود حتماً إلى
معضلة”. ويرجع الباحث نفسه إلى التاريخ، فيشير إلى إنه في وقت مبكر من عشرينيات

17

وثلاثينيات القرن الماضي، وحتى قبل إنشاء إسرائيل، كانت هناك نقاشات بين النشطاء في
النقابات، وفي التنظيمات السياسية، متمحورة حول سؤال: “هل علينا أن نكون أكثر يساراً
وننشئ تنظيماً على أسس اجتماعية وطبقية، متجاوزاً الخصوصيات، أم علينا أن نكون صهاينة
أكثر وتكون الأولوية لبناء الدولة؟ لتنهي هذه النقاشات إلى أن تتبع الأغلبية المعسكر الذي
سيصبح حزب العمل، والتي اعتبرت أن الأولوية هي الدفاع عن دولة لليهود قبل كل شيء على
حساب القيم اليسارية”. واستغرب فيسكوفي أخيراً كيف يمكن لليسار الصهيوني أن يتحدث عن
دولة يهودية وديمقراطية بعد إقرار قانون القومية في سنة 2018 “الذي تنص مادته الأولى
على أنه في إسرائيل، لليهود فقط الحق في تقرير المصير، في تعبير على الأقل عن فصل
عنصري”، علماً بأن “الدولة اليهودية الديمقراطية الشهيرة، لم يعرفها الفلسطينيون في الأراضي
المحتلة مثلهم مثل فلسطينيي إسرائيل: فكيف يعرف فلسطيني من نابلس أو من غزة ما هي
الدولة اليهودية الديمقراطية والليبرالية؟ بالنسبة له هذا هراء، لأنه لم يرَ سوى الجنود الذين
يضطهدون عائلته”[10].

بتلقيه تحذيراً.. الأمن لنتنياهو: بن غفير سيقودنا لانتفاضة ثالثة

بقلم: ناحوم برنياع

18

يديعوت أحرونوت
تجري قيادة جهاز الأمن مؤخراً جدالاً على الوضع في “المناطق” [الضفة الغربية]. قد نصوغ
الأسئلة على النحو التالي: هل نتجه إلى انتفاضة ثالثة؟ وكبديل، هل نتجه نحو وضع عضال،
وإرهاب بقوى متدنية، في القدس والضفة تجاه الجنود والشرطة، وتجاه المستوطنين؟ هل يمكن
لانفجار عام، يقيم علاقات جديدة بين إسرائيل والفلسطينيين، أن يكون أفضل من استمرار
التدهور؟ والفيل الذي في الغرفة، ذاك الذي يمنع الضباط لابسي البزات من الحديث عنه: ما
دور الحكومة المرشحة فيما سيحصل، ماذا ستفعل وماذا سيفعلون لها؟
واحد على الأقل من قادة أذرع الأمن أطلع نتنياهو على الوضع هذا الأسبوع. ومع ذلك، يمكن
الافتراض بأن السياسة ستنتصر في منافسة بين احتياجات الأمن والاضطرار السياسي. نتنياهو
يأكل بعد الانتخابات ما طبخه قبلها.
الجيش الإسرائيلي لا يرى النهاية رغم مضي سبعة أشهر من حملة “كاسر الأمواج”. الوضع
تحت السيطرة، نشاط الإرهاب مقيد، ولكن لا سبيل لوضع حد له. فهو يعتمد على شبان بلا
أمل، بلا مستقبل، ليس لهم هوية تنظيمية ولكن لهم وفرة من الوسائل القتالية. ما كان ينتهي ذات
مرة بالحجر ينتهي اليوم بإطلاق النار.
الانفجار الذي يتحدثون عنه قد يأتي من ثلاثة اتجاهات: الأول، حدث إرهابي جماعي، من النوع
الذي شهدناه في أثناء الانتفاضات، والثاني، تفكك السلطة الفلسطينية؛ فأبو مازن ابن 87، ولن
يدوم إلى الأبد؛ الثالث، حدث فتاك بين الفلسطينيين والمستوطنين. الشارع الفلسطيني يرد
بالتسليم بقتل المسلحين. الموت جزء من الصراع، يثور على موت غير المشاركين، ولا سيما
إذا حصل باحتكاك مع مستوطنين.
في الحكومة المرشحة وزراء يسعون لحل السلطة الفلسطينية. يفكرون بضربها، ودفن فكرة
الدولتين، ثم ضم الضفة. أما الجيش والشاباك فيعتمدان على الأجهزة: في الأماكن التي يريدون
ويمكنهم أن يعملوا، فهذا عملهم حيوياً للأمن، لكن الأجهزة آخذة في الضعف، ولا مفر من
التفكير في اليوم التالي. نتنياهو يعرض أبو مازن كعدو. عندما يختفي سيفقد نتنياهو عدوه الأكثر
راحة.
تركيبة الحكومة وروحها تقلقان واشنطن، وغرب أوروبا، والأردن، والإمارات، وفي الأساس
في الداخل. بن غفير لا يقف وحده، فهو الاستثنائي الذي يشهد على القاعدة. هذا سبب آخر
للانشغال بتعيينه.
طوبى لعود الثقاب
يقف مكتب وزير الأمن الداخلي في حي الشيخ جراح شرقي القدس؛ عشر دقائق سيراً عن
شارع الخصام الذي أعطى إيتمار بن غفير مجده. بني المكتب في الأصل لرئيس الوزراء مناحم
بيغن. عندما أوشك على الانتقال أوضحت له حكومات أجنبية بأن ليس لها مفر غير مقاطعته:
فأقدام قادتها لن تطأ مكتب رئيس وزراء في أرض محتلة. فهم بيغن بأن ما يراه من هنا، لا يراه
آخرون من هناك، فتراجع. التراجع لم يضر بحد ذاته بصورته كزعيم وطني يميني.
من يرى في بن غفير مهرجاً غير ضار، فسيطبل وراءه معية الكاميرات داخل المكتب. فهل
ستعلق صورة الحاخام كهانا على الحائط؟ سيسأل بلطف حضرة الوزير. هل تفضل جلب
صورة باروخ غولدشتاين من المخزن؟ وحضرة الوزير سيرد، بابتسامة دوبي سخية، لنحيا
ونرى.

19

ليس تصميم المكتب هو ما يقلقني، ولا ماضي الوزير المرشح. إن ما يقلقني ويقلق غيري هو
المستقبل. من اليوم الذي أعلن فيه بن غفير بأنه سيكون وزيراً للأمن الداخل، أحاول أن أفهم ما
الذي سيفعله هذا التعيين لأداء الشرطة في الميدان، ولعلاقات اليهود – العرب، وأساسا، لوضع
الأمن في الضفة وإسرائيل. الخطر واضح وفوري. لا يدور الحديث عن سياسة، بل عن دم.
كل يوم خميس ينعقد محفل في غرفة الجلسات في مكتب الوزير في رمات غان، يبحث في
الإرهاب اليهودي. يشارك في الجلسات رجال الدائرة اليهودية في الشاباك ورؤساء المباحث في
الشرطة. المعلومات سرية. بعضها يتعلق بخطوات تجاه زبائن بن غفير في الماضي وشركائه
في الطريق. عومر بارليف، الوزير الحالي، يشارك في كل بحث. هل بن غفير مؤهل
للمشاركة؟
تطبيع غير المطبع، هكذا يسمي ذلك نائب الوزير يوآف سغلوبيتس.
سيحج بن غفير بعد تعيينه إلى الحرم، وذلك جزء من موقفه. طوبى لعود الثقاب: حتى لو لم
يطالب بتغيير حرف واحد في العلاقات في الحرم، فوجوده في المكان سيشعل النار.
لمنفعة القارئ، جمعت بضعة أحداث شرطية في الولايات الحالية والتي تطلبت تدخل الوزير.
ماذا سيفعل بن غفير، التخمين ليس صعباً.
هكذا مثلاً، بتعليمات من بار- ليف، يجتاز اليهود الذين يحجون إلى الحرم تفتيشات دقيقة، بما
فيها تفتيشات جسدية. والسبب أن بينهم من يحاول تهريب أغراض صلاة إلى الحرم. في
“العُرش” مثلاً أُمسك بشاب هرّب عوداً أخضر في سرواله. وقد خطط لامتشاق العود في ساحة
المسجد بهدف إغاظة حراس الأوقاف وإثارة أعصاب أفراد الشرطة والتسبب بحدث عنيف في
المكان الأكثر حساسية في الشرق الأوسط.
في واحد من الأحداث داخل الحرم، رشق مخلون بالنظام الحجارة على أفراد الشرطة من داخل
المسجد الأقصى. رداً على ذلك، ألقى أفراد الشرطة قنابل صوت داخل المسجد. وكان الضرر
أكبر من النفع. في أعقاب الحادثة، وجه بار-ليف الشرطة بألا يستخدموا القنابل إلا بأمر من
المفتش العام أو قائد اللواء.
لقد درجت الشرطة على إطلاق النار على المخلين بالنظام من الفلسطينيين ببنادق روجر.
والهدف من ذلك إصابتهم بالأرجل. قضى بار-ليف بأنه يجوز للشرطي إطلاق النار من الروجر
فقط حين يشعر بخطر على الحياة. المفتش العام كوبي شبتاي ثار. “لا صلاحيات لك”، كتب
للوزير، وأرفق فتوى قانونية. توجه بار-ليف إلى المستشار القانوني مندلبليت، الذي أمر المفتش
العام بإطاعة تعليمات الوزير.
تعهد بن غفير في الحملة بسياسة معاكسة: إطلاق النار على المخلين بالنظام بكل الأدوات، بكل
الرتب، في كل الأماكن؛ وسيكون هناك إسناد تلقائي لكل نار يطلقها شرطي أو جندي.
باختصار، الشرطة مثابة فيلم طرنتينو. إذا كان من صوتوا له من الجنود يشكلون 30 في المئة،
كما قال لي مصدر سياسي، فمعقول الافتراض بأن 50 في المئة من أفراد الشرطة صوتوا له.
“هذه مجرد أقوال”، يهدئ نتنياهو. أفراد الشرطة لا يفكرون بأنها مجرد أقوال. بل يفكرون بأنها
تعليمات العمل.
مكافحة الجريمة في الوسط العربي، التي بدأت تعطي ثمارها الأولية، تستوجب التعاون مع
رؤساء البلديات والنواب. عشية الانتخابات، دعا الوزير المرشح لحملهم جميعهم على طائرة
وإبعادهم إلى سوريا. هذه بشرى ليست طيبة لمواصلة الحرب ضد الجريمة.

20

لقد درجت الشرطة على إنزال أعلام فلسطين خلال الأحداث. وكان هذا أحد الأسباب للحادثة
المحرجة، بمقاييس دولية، التي وقعت في أثناء جنازة الصحافية شيرين أبو عاقلة في أيار.
وعقب الحدث، طلب بار-ليف تفعيل التفكر. نحن غير ملزمين بمهاجمة كل علم. لم تستطب
الشرطة هذا، لكنها اضطرت للإذعان.
المفتش العام كوبي شبتاي، هو ضابط مقاتل، لا يحتاج إلى وزير يشجعه. أحياناً يحتاج إلى
عكس هذا، إلى وزير يلجمه.
في تشرين الأول قتل مخرب المجندة نوعا لازار في مدخل مخيم اللاجئين شعفاط. فرضت
الشرطة طوقاً متنفساً على المخيم. وبعد ثلاثة أيام أدرك كل من “الشاباك” و”الشرطة” بأنه لا
توجد منفعة أمنية في الطوق. وحذرت الاستخبارات من أنه إذا لم يرفع الطوق، فستحدث موجة
أعمال إخلال بالنظام في وادي عارة، وشرقي القدس وحيفا. ولكن لم يتطوع أحد لتسجيل اسمه
على قرار غير شعبي. أما بار-ليف فحسم بدلاً منهم.
باختصار: تعيين بن غفير وزيراً للأمن الداخلي ليس فشلاً أخلاقياً وتسيباً سياسياً فحسب، بل هو
لعب بالنار. ونتنياهو يدرك ذلك، لكن ليس مهرب له. لعل هذا هو انتقامه على تحقيقاته في
الشرطة. وليس بن غفير سوى عملية رد.

الصوت العربي في “الكنيست”.. نقطة غليان أم لاعب أساسي؟
بقلم: يوسف حداد
معاريف
انتهت حملة انتخابات أخرى مع استنتاج واحد لسبب ما لم يتغلغل عميقاً بما يكفي حتى اليوم:
الانتخابات في إسرائيل تحسم بالصوت العربي. في أثناء الأسابيع التي سبقت الانتخابات،
استثمر المعسكران أموالاً طائلة وجهوداً في الجمهور العربي، سواء بتشجيع التصويت وتحفيز
المصوتين العرب أم بمحاولات تنويم الميدان. تطلعت عيون الجميع يوم الانتخابات نحو نسبة
التصويت في المجتمع العربي لفحص ما إذا كان العرب يندفعون نحو صناديق الاقتراع أم لا؛
انتظر الجميع عد أصوات المصوتين لـ”التجمع” بل وصلى البعض لأن يدخل إلى الكنيست.
نعم، حتى الناس الذي يعرفون أنفسهم صهاينة أملوا في دخول الحزب الأكثر انعزالية، الذي
يعارض دولة إسرائيل كيهودية وديمقراطية، إلى الكنيست.

21

الصوت العربي حسم الانتخابات بعدة خطوات: انقسام القائمة المشتركة، وهروب المقعد العربي
من “ميرتس”، وبالطبع نسبة التصويت التي وإن ارتفعت عن المرة السابقة بخلاف التقديرات،
لكنها بقيت متدنية جداً عن نسبة الاقتراع القطري. إن فشل الأحزاب اليهودية في التوجه إلى
الصوت العربي حتى الآن بارز. فبدلاً من محاولة تشجيع المجتمع العربي على الخروج
للتصويت بدل البقاء في البيت ومقاطعة الانتخابات، كان يمكنها ببساطة أن تعرض بديلاً بنفسها
وتحاول قيادة الجمهور العربي للتصويت لها. لكن لم يتمكن أي حزب من ذلك، ولم يضمن
مقعداً لمندوبين عرب في مكان واقعي، ولم ينفذ خطى تبرر التصويت لها في الجانب العربي.
الجمهور العربي ذكي، ومحاولة التعاطي معه كحجارة شطرنج في اللعبة السياسية فشلت. أما
الآن فمع قيام الحكومة الجديدة، ستعيد السياسة العربية الإسرائيلية احتساب المسار من جديد.
منصور عباس، الذي اتخذ خطوة نحو الاندماج والتأثير من الداخل، يجد نفسه عائداً إلى مقاعد
المعارضة الخلفية، إلى جانب شركائه السابقين وخصومه اليوم أيضاً أحمد الطيبي وأيمن عودة.
“التجمع” الذي كانت إنجازات ممثليه حتى اليوم التجسس لصالح “حزب الله”، والمشاركة في
أسطول مرمرة، وتهريب الأجهزة الخلوية للسجناء الأمنيين، يجد نفسه خارج الكنيست لأول
مرة.
ستكون الأحزاب اليهودية مطالبة بحساب النفس في العلاقة مع الجمهور العربي. وستكون
الحكومة الجديدة ملزمة بالعمل من أجل الجمهور العربي كي تثبت بأنها تمثل المجتمع العربي
الإسرائيلي أيضاً وتتعاطى معه كجزء لا يتجزأ من الدولة. إنه على خلفية حملة التخويف ضد
الحكومة التي ستقوم، ورسائل التهديد التي تنشر في المجتمع العربي عن خطوات ستعمل عليها
الحكومة وتضر بعرب إسرائيل، من المهم القول بأنه لن يطرد أي عربي من الدولة ولن تصبح
إسرائيل دولة أبرتهايد. وعلى الوزراء الجدد الدفاع قدماً بعرب إسرائيل ومعالجة المسائل
المشتعلة في أوساطهم وعلى رأسها الأمن الشخصي.
ستكون السنوات القادمة في المجتمع العربي زمناً لسياقات جديدة. فالنفور من النواب العرب بلغ
نقطة الغليان. والسنوات القادمة ستكون زمناً لنشوء قيادة عربية شابة؛ قيادة تحرص على
مصالح الجمهور العربي وبالتوازي تدعم مصالح الدولة. قيادة تقول إن ما يهمها هو الناصرة،
ورهط وشفاعمرو وليس نابلس وجنين وغزة. وزعماؤها يقولون بصوت واضح إنهم يعارضون
الإرهاب. في الانتخابات القادمة لن يتعاطى أحد مع عرب إسرائيل كحجارة شطرنج، وسيفهم
الكل بأن الصوت العربي لاعب مركزي على الملعب السياسي في إسرائيل.

22

نتنياهو في ذكرى الاغتيال.. تشويه لرابين وإذعان لـ “الصهيونية الدينية”
بقلم: يوسي بيلين
إسرائيل اليوم

بدون خطوط حمراء
في ذاك اليوم، في 5 تشرين الأول 1995، بعد أسبوع من التوقيع على الاتفاق الانتقالي مع
م.ت.ف في واشنطن، عرض رئيس الوزراء إسحق رابين الاتفاق على الكنيست. ووجد من
الصواب في تلك المناسبة أن يعرض مبادئ التسوية الدائمة. لم أنجح في فهم أقواله.
أعضاء الليكود لم يسمحوا له بإكمال كلامه. كلنا حول طاولة الحكومة أردنا لهذا الحدث أن
ينتهي. وعندما قرأت سجل محضر خطابه، فهمت: هو خطاب ألقاه تمهيداً للمفاوضات على
التسوية الدائمة مع الفلسطينيين، التي كان يفترض أن تبدأ بعد أقل من سنة من ذلك، في 6 أيار

  1. في مهرجان إحياء الذكرى الـ 27 لاغتيال رابين، تكبد بنيامين نتنياهو عناء تلاوة
    مقاطع من الخطاب، إذ عرضها كرؤيا رابين. لكن كان واضحاً لرابين أنه ليس هناك ولن يكون
    أي احتمال لتحقيق سلام إسرائيلي فلسطيني لو كانت هذه المواقف هي الخطوط الحمراء الأخيرة
    لإسرائيل.
    لم يعتزم رابين ترك مخيمي اللاجئين، شعفاط وقلنديا، الموجودين داخل القدس، بيد إسرائيل.
    عندما قال إنه سيكون للفلسطينيين “أقل من دولة”، قصد دولة مجردة من السلاح، مثلما تحدث
    عنها كلينتون بعد خمس سنوات من ذلك، ومثلما وافق على ذلك الفلسطينيون في جولات
    المحادثات معهم كلها. نتنياهو يعرف هذا جيداً.
    إن التمسك بأقوال رابين التي قيلت قبل شهر من اغتياله ومحاولة عرضها كأقوال كان سيتمسك
    بها حتى اليوم، بعد خطاب نتنياهو حول الدولتين نفسه في بار إيلان وتأييده الحماسي لخطة
    ترامب، التي تضمنت دولتين، وتبادل للأراضي، وعاصمة فلسطينية في قسم (صغير) من
    القدس السيادية – يخيل إليّ أنه غريب بعض الشيء.
    لا ينبغي لنا أن نتصور أنه بعد تأييد أرئيل شارون وإيهود أولمرت ونتنياهو نفسه (ناهيك عن
    شمعون بيرس وإيهود باراك) لدولة فلسطينية على معظم أراضي الضفة الغربية وعلى أراضي
    غزة كلها، كان رابين بالذات سيتمسك اليوم بالمواقف الأولية التي عرضها. ببساطة، ليس نزيهاً
    أن تعرض الأقوال كرؤية رابين للسلام، بمجرد أنه قتل ولم يتمكن من إكمال المهمة.
    بلا درع
    تميزت جولة الانتخابات الأخيرة، أكثر من أي شيء آخر، بـالـ 14 مقعداً التي حققتها
    “الصهيونية الدينية”. لا مفر أمام نتنياهو إلا الاستناد إلى هذا الحزب المتطرف، سواء لغرض
    تغييرات قانونية كفيلة بأن تؤثر على محاكمته، أم لغرض صمود الائتلاف إلى أطول مدى
    ممكن. حقيقة أن لهذه الكتلة أيضاً لا توجد إمكانية لإقامة حكومة مع جهات في الطرف الآخر
    من الخريطة (بخلاف ما فعله “يمينا” قبل سنة ونصف)، هي ذات صلة أقل؛ لأنها أثبتت في
    الجولة السابقة عنادها واستعدادها للتخلي عن فضائل الحكم مقابل مبادئها المتزمتة.
    إذا شعر نتنياهو بأن لا مفر أمامه وأنه ملزم بالاستجابة لبعض من مطالب هذه الكتلة (عقوبة
    الموت للمخربين، والإبعاد، وفقرة التغلب، و”تبييض” أكثر من مئة مستوطنة أقيمت بخلاف
    القانون الإسرائيلي، والتي وعدت إسرائيل بإخلائها، وإزالة القيود القانونية عن الجنود وأفراد

23

الشرطة الذين يستخدمون السلاح، والسماح بحجيج غير محدود لليهود إلى الحرم، وإعطاء
الإذن للصلاة في الحرم وغيرها من هذا القبيل)، سيجد نفسه يقف أمام العالم وأساساً أمام
الولايات المتحدة. وهو مجرب بما يكفي كي يعرف بأن الثمن لن يكون وقف المساعدة بالذات.
للولايات المتحدة سبل خاصة بها للرد على أفعال كهذه، وهو يعرفها. غير أن الوطنيين
الإسرائيليين من الوسط واليسار، الذين يشرحون للعالم بأن إسرائيل ليست دولة أبرتهايد وأن
الجيش الإسرائيلي يعمل حسب المعايير ويبذل الجهود للامتناع عن المس بالمدنيين، لن يصلوا
إلى الأستوديوهات.
كرة قدم يوم الأحد
بدلاً من التهديد، فالأفضل لمن يسعى إلى نقل مباريات كرة القدم إلى يوم آخر، أن يعود إلى
التجربة (التي تصدرها سيلفان شالوم في حينه)، ونقل نهاية الأسبوع الإسرائيلي إلى يومي
السبت – الأحد.

وزير دولة بلجيكي : “إسرائيل” هي طفل اوجده المجتمع الدولي وهو طفل مدلل ،

لا يستمع لاحد ولا يهمه احد وهذا امر مقلق

حسان البلعاوي
لا تكاد تمر أي مناسبة خاصة بفلسطين في بلجيكا ان كان على المستوى الرسمي ، او على
المستوى الأهلي ، الا وتجد اندري فلاوو ، وزير الدولة ، حاضرا ويدلي بدلوه وما يتفق مع
قناعته منذ ان كان فتا صغيرا ، برفض الظلم ونصرة الحق والقانون .
فهو يخاطب البرلمان الفيدرالي البلجيكي كنائب ورئيس فخري له يعد ان كان سابقا رئيسا له ،
في كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني ويوجه أسئلة لرئيس وزراء بلجيكا ا ووزير خارجيتها ،
مطالبا بلجيكا الانحياز للقانون الدولي الرافض للاحتلال الإسرائيلي وسياساته على الأرض
والتي يصفها بدون تردد ان سياسة الابارتهيد التي كانت سائدة في جنوب افريقيا .
وهو يفتخر دائما باستقباله للرئيس الراحل ياسر عرفات في المطار عندما كان وزير الدفاع
وباستقبال خلفه الرئيس محمود عباس تحت فيه البرلمان الفيدرالي البلجيكي عندما كان رئيسا له
.
التزام فلاوو بقيم العدل والحرية والتضامن يعود للبيئة الاسرية التي نشأ بها والى مساره
النضالي عندما كان طالبا ومناضلا في دعم نضال الشعوب في حق تقريرها مصيرها ان كان
في تشيلي ، وفيتنام وفي العديد من الدول الافريقية .
ولد في أغسطس 1955 في ، في منطقة والهين ، احد مدن إقليم ولوني الناطق باللغة الفرنسية
، والده كان موظفا في مؤسسة علم الميكانيكا وتطبيق القوانين الاجتماعية، اما والدته فكانت ربة
بيت وهي التي تولت تعليمه .
ورث اندري شغفه للسياسة في سن مبكرة ، من جده الذي كان يعمل في قطاع سكك الحديد
والقطارات وكان جزء من نقابة يسيطر عليها اليسار والتي كانت تؤثر أيضا على العاملين في

24

قطاع البريد ، ولعبت هذه النقابة دورا هاما في دعم المقاومة ضد الاحتلال الألماني النازي ،
اما جدنه فكان لها أيضا دور في المقاومة حيث اعتقلتها سلطات الاحتلال النازي ووضعتها في
سجن سانت جيل في بروكسيل ، وكانت مجمل الاسرة جزء من المقاومة وكان جده يطلب منه
قراءة جريدة ” لوسوار ” بالإضافة لقراءة جريدة نقابة العمال ، وقد انتقلت الاسرة لاحقا للعيش
في فرنسا ، وشكلت هذه الظروف الاسرية عاملا حاسما في حياة اندري.
شغف اندري بالسياسة قادة السعي الى امتلاك روية أوسع للعمل السياسي ، فالتحق بأحد
المدارس الثانوية المختصة في مدينة جامبلو ليدرس الاقتصاد، الجغرافيا والتاريخ ، وهي علوم
ساعدته الوصول الى فهم أوسع للخارطة الجغرافية السياسية للعالم ولمسائل الصراعات
الإقليمية والدولية والتي يتمحور الجزء الأكبر منها حول أماكن الثروات على هذه الخارطة ،
كما اوجدت هذه العلوم لدى الشاب الطموح اهتماما بقضايا الذاكرة والتراث وهي التي ستوهله
بعد عقود ان يعمل على موضوع ذاكرة بلجيكا وخاصة في عدد من الدول الافريقية والتي كانت
خاضعة للاحتلال البلجيكي مثل الكونغو .
ضمن هذا السياق انتمى الى الحزب الاشتراكي منذ عام 1973 ، ، في فترة عرفت بلجيكا ،
مثل فرنسا والعديد من الدول الأوروبية ، وجود لجان التضامن مع فيتنام التي كانت تخوض
حربها التحريرية ضد الولايات المتحدة ، ومع تشيلي والتي شهدت انقلابا رعته الولايات
المتحدة ضد الرئيس المنتخب سلفادور اليندي .
في هذه الفترة نضج الوعي السياسي لاندري فاصبح مناضلا متمرسا في العمل الحزبي فقاد
عدد من الخلايا الحزبية وهو داخل المدرسة وقاد تظاهرات طلابية احداها كانت ضد وزير
الدفاع البلجيكي، ولم يدر بخلد الفتى المتحمس انه بعد عقود سيصبح هو نفسه وزيرا للدفاع في
مطلع الالفية الثانية .
نصح عدد من نواب الحزب الاشتراكي اندري ان يلتحق بمقاعد الدراسة الجامعية في جامعة
بروكسيل الحرة ليدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية والإدارة العامة ، وهذا ما تم حيث
شكلت الجامعة لاندري مساحة جديدة يعمق فيها وعيه السياسي والتزامه ويخطو في مسار
طويل يقوده الى اعلى المواقع في الدولة البلجيكية .
الجامعة كانت مسرحا حيويا للنشاط الطلابي اليساري على المستويات السياسية والثقافية ،
وهناك ومن خلال لجنان التضامن مع حركات التحرر الوطني في افريقيا واسيا وامريكا
اللاتينية وفي المقدمة حركة التحرر الوطني الفلسطيني ، بدا انري فلاوو يعي مفردات القضية
الفلسطينية كقضية استعمار وساهم في تعميق هذا الوعي ثلاثة أساتذة جامعين ، تتلمذ اندري
على أيديهم و تركا بصمة هامة في مساره ، الأول اسمة مارسيل ليبمان والثاني فيليب مورو
والثالث غي سبيتال ، وهولاء الشخصيات الثلاثة هما احدى الاعمدة للحزب الاشتراكي
البلجيكي ومؤيدين للنضال الفلسطيني ، احدهم كان مارسيل ليبمان ، يهودي الديانه ، معروف
بالتزامه اليساري الماركسي الرافض للاحتلال والإسرائيلي وشكل مع الشهيد نعيم خضر ، اول
مدير لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بروكسيل ( استشهد في الأول من حزيران 1981
امام منزله في بروكسيل ) ، ثنائيا كان يشرحان القضية الفلسطينية في كافة المنابر الجامعية
والإعلامية.
بعد ان نال شهادته الجامعية بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة ، تولى
العديد من المواقع الحزبية داخل الحزب الاشتراكي ومنها مركز الدراسات والأبحاث الخاص
بالحزب بالإضافة الى المواقع الوظيفية الهامة مثل مؤسسة الضمان الاجتماعي الاشتراكي
والوكالة الوطنية للولادة والطفولة حتى عام 1995 ، حين أصبح وزيرا في الحكومة الفيدرالية

25

للخدمة المدنية ، ومسؤولا أيضا عن المحاربين القدامى ، وهو الذي جعل منه متابعا عن قرب
كل ما له علاقة بالذاكرة .، وقد بقي في هذا الموقع قرابة 12 عاما .
وفي يوليو من عام 1999 ، تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة الليبرالي غي فيروهوشتاد ،
ضمت للمرة الأولى الخضر بالإضافة لليمين لليبرالي والذي كان من ابرز شخصياته لوي
ميشيل ، وزير الخارجية وهو مؤيد للحق الفلسطيني ، شغل فيها اندري فلاوو موقع وزير
الدفاع وبقي فيه قرابة ، أي وزير الدفاع ثماني سنوات متتاليه حيث ادخل إصلاحات عميقة في
نظام الدفاع واجرى مراجعة شاملة لنظام انفاق الجيش وادخل البعد الإنساني في عمل الدفاع
وهي في نفس الفترة التي شغل فيها فلاوو حقيبة الدفاع ، رفضت بلجيكا المشاركة في الحرب
الامريكية على العراق في عام 2003 وبناء عليه رفض وزير الدفاع السماح للطائرات
الامريكية التحليق في السماء البلجيكية للتوجه لضرب العراق ، كما منع استخدام المطارات
البلجيكية لطائرات الاستخبارات الامريكية بالرغم ان بلجيكا عضو في الحلف الأطلسي بل حتى
تحتضن مقره في العاصمة بروكسيل ، وهذا ما كان يقوله المسؤولين الأمريكيين وكان رده
الدائم انه يريد تفاصل عن تحرك الطائرات الامريكية من اين تأتي والى اين تذهب وما ذا تفعل
حتى يسمح لها باستخدام المطارات .
ومما يذكره اندريه خلال مشاركته في هذه الحكومة انه في عام 2002 كانت بلجيكا على موعد
قضية ساخنة اثارت تفاعلا على مستوى عربي ودولي وهي القضية التي رفعها عدد من ضحايا
مجزرة صبرا وشاتيلا ضد رئيس وزراء الاسرائيلي السابق اريل شارون وذلك امام المحاكم
البلجيكية بموجب قانون بلجيكي سابق صدر عام 1993 ، كان يسمح تطبيق الولاية القضائية
الدولية , وطبقا لهذا القانون كان ممكنا للمتضررين من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
رفع دعاوى ضد مرتكبي هذه الجرائم بغض النظر عن جنسية الضحية أو المعتدي أو المكان
الذي يُرتكب فيه هذا النوع من الجرائم .
وقد نتج عن هذه القضية، ليس فقط ازمة مع إسرائيل والتي كادت ان تصل الى قطع العلاقات
ولكن ايضا مع الولايات المتحدة الامريكية التي هددت بلجيكا مباشرة بسحب مقر الحلف
الاطلسي من أراضيها ، ومنع أي نائب او دبلوماسي او عسكري أمريكي دخول بلجيكا ، وتحت
هذا الضغط كان على بلجيكا ان تلغي هذا القانون ، ويرى فلاوو ان هذه الفترة جميلة بالنسبة له
وانه اذا عاد الزمان الى الوراء فلن يتردد باتخاذ نفس المواقف .
من المواقف التي يفتخر بها اندري فلاوو في تلك الفترة خلال توليه وزارة الدفاع بالإضافة الى
ملف المحاربين القدامى انه نجح بأقناع مجلس الشيوخ البلجيكي في 2003 بسن قانون
البلجيكي2003 ، يكرم الأشخاص الذين عملوا في الحرب العالمية الثانية على إخفاء الأطفال
اليهود في بلجيكا من أجهزة الامن الألمانية التي كانت تلاحقهم وبإيجاد مخصص مالي شهري
لهؤلاء الأشخاص وقد سمت الدولة البلجيكية هذا المخصص باسم ” مخصص فلاوو ” لاته
صدر بناء على اقتراحه وجهوده .
سمحت المواقع الرسمية والحزبية والتي تولاها اندري الاقتراب من العديد من القضايا العادلة
ومنها القضية الفلسطينية والتي كانت محط اهتمامه واهتمام رفيقة دربه ماري جوزي لالوا
والتي كانت عضو برلمان ، رئيسة لجنة العلاقات الخارجية ورئيسة محافظة باربان ولان .
التزام اندري فلاوو ، برفض كل اشكال الاضطهاد والقمع وبدعمه للشعوب المناضلة من اجل
حريتها ومنها الشعب الفلسطيني ، سبب له مشاكل مع مجموعة مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي في
بلجيكا وتمارس ضغوط شتى على كافة الأحزاب والشخصيات والتي تنتقد سياسة الاحتلال
الإسرائيلي .

26

ففي 26 مايو من عام 2008 ، وفي الذكرى الستين للنكبة ، نظمت احدى حركات التضامن مع
الشعب الفلسطيني تظاهرة جماهيرية في احدى ساحات مدينة نيفيل ، الواقعة في إقليم والوني في
محافظة باربان ،تمثلت في مسرحية تحاكي ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي وطرده للشعب
الفلسطيني من ارضه حيث وضع متضامنون مع الشعب الفلسطيني لباس جيش الاحتلال وقاموا
بتمثيل دورهم وهم يطردون فلسطينيين ، من نساء وأطفال ورجال كبار من بيوتهم بشكل
وحشي ويضعونهم في شاحنات ويقومون بترحيلهم ، وقد طافت هذه التظاهرة عدد من شوارع
المدينة ، وكان المتظاهرين الممثلين يتحدثون بصوت عال ، يشرحون ما حدث للشعب
الفلسطيني قبل 60 عاما ويوزعون بيانا يشرحون فيه النكبة للسكان .
لم يرق هذا المشهد المؤثر لأحدى مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ، واسمها ” اللجنة
التنسيقية للمنظمات اليهودية في بلجيكا ” فتدخلت لدى السلطات البلدية في مدينة نيفيل لمنع
المتظاهرين من اكمال مسيرتهم ، وقامت ببث فيديو من 6 دقائق للمشهد وتوزيعه على شبكات
التواصل الاجتماعي ويظهر في الفيديو ، جانب من التظاهرة والتي تم منع استمرارها ، ويظهر
أيضا في الفيديو ، نائبة فيدرالية من حزب الخضر اسمها تيريز سنوي ، تعرب عن انزعاجها
من الضغط الذي تم ممارسته لمنع التظاهرة من اكمال مسيرتها وتعرب عن اسفها لرضوخ
الأحزاب والقوي السياسية للضغوطات التي تمارسها بعض المجموعات اليهودية وعلى كافة
المستويات .
ويظهر في الفيديو ( والذي وزعته اللجنة التنسيقية للمنظمات اليهودية في بلجيكا ) أيضا اندري
فلاوو والذي كان حينها عضو في المجلس البلدي في بلدية نيفيل ، وهو يتحدث شفهيا دون ورقة
، حيث يقول حرفيا ” اني احس بالعار لمدينتي نيفل ، عندما يتم منع تظاهرة او تعبير عن راي
، وانا اعتبر ذلك انحراف خطير ، وانا كاي انسان عاقل ، منزعج وغاضب عنما أرى أطفال
يعانون ، ونساء يعاملون بشكل سيء ويتم اغتصابهن ورجال يتم معاملتهم بشكل سيء وحريات
يتم قمعها .”
خلال 12 عاما ونصف كنت بها وزير ا ، بذلت كل جهدي حتى لا يتم نسيان الفظائع التي عانى
منها الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية ، والتي يجب ان نتذكرها دائما ، وقد كان
لدينا هذا الالتزام وبالتالي فاني أطالب أيضا ان يكون لدينا نفس الالتزام والتصميم ونفس الإرادة
لإسماع صوت هولاء الذي يعانون بشكل مستمر ، وان لا يصبح ذلك امرا عاديا ، اني مصمم
ان اناضل ضد كل اشكال التطرف ، النازية والفاشية ، أينما وجدت وفي أي مكان تقدم نفسها ـ
من اجل ذلك انا هنا ”
وفي نهاية الفيديو وضعت اللجنة جزء من تعريف معاداة السامية الذي وضعه مركز البحث عن
العنصرية في الاتحاد الأوروبي لمعاداة السامية ، في 2004 ، والذي جاء فيه ، طبقا للفيديو ”
يمكن أن تشمل الأمثلة على الطرق التي تتجلى بها معاداة السامية نفسها فيما يتعلق بدولة
إسرائيل مع الأخذ في الاعتبار السياق العام والتي تشمل ” اجراء مقارنة بين السياسة الإسرائيلية
المعاصرة النازية”
وقد حاولت اللجنة التنسيقية للمنظمات اليهودية في بلجيكا ، الإيحاء في هذا الفيديو والذي وزعته
على نطاق واسع ان اندري فلاوو بكلامه هذا والذي يشبه سياسة إسرائيل بالنازية ، حسب
ادعائها ، فهو معادي للسامية.
رفض اندري فلاوو هذا الادعاء واعتبر ان تم المس بشرفه فقام بتقديم شكوي قضائية ضد
اللجنة التنسيقية للمنظمات اليهودية في بلجيكا في محكمة بروكسيل الابتدائية وكسبها ، ولكن
اللجنة طلبت في 2009 استئناف القضية رافضة الحكم الذي صدر لصالح اندري فلاوو , وبعد
سنوات من مداولات في أروقة القضاء البلجيكي ، والتي كان لها ردود فعل سياسية وإعلامية

27

على اعلى المستويات ، أصدرت محكمة استئناف بروكسيل في 2014 ، وفي نفس الفترة التي
حدثت فيها الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسيل في اذار 2014 ، قرار برفض دعوة
فلاوو ضد لجنة تنسيق المنظمات اليهودية في بلجيكا ، ملزمة إياه بدفع اتعاب الفضية والتي
خسرها .
امن فلوو ان عمل وزير الدفاع في بلجيكا يجب ان يتخطى الجيوش وانه يجب ان يطال الجانب
الإنساني وتقديم الدعم اللازم له ، لانه الوجه الاخر للدفاع ، والذي يسميه دبلوماسية الدفاع
والتي يجب ان تسير جنبا الى جنب مع الدبلوماسية البرلمانية والتي مارسها والتي يرى فيها ان
مكملة للدبلوماسية الرسمية التقليدية ، وهو يذكر الدعم الإنساني الذي عمل على ايصاله من
خلال وزارة الدفاع البلجيكية الى لبنان في عام 2006 لدى تعرضها للعدوان الإسرائيلي .
كما أولى في عمله اهتماما خاصا بالذاكرة والرموز والتي تتخطى الحواجز ، فعندما فازت
ميشلين باشلي ، في رئاسة تشيلي في عام 2006 ، والتي كانت من الشخصيات الاشتراكية
المعارضة لنظام الرئيس الأسبق بينوشيه ، طلب اندري فلو ان يمثل بلجيكا في حفل تنصيبها ،
وعندما ذهب الى هناك ذهب أولا يضع اكليل ورد على ضريح الجنرال سيرجو بوبلي والذي
كان لاجئا سياسيا في بلجيكا عام 1973 وكان صديقا له ، ثم ذهب لحفل التنصيب ، كما ذهب
الى ضريح الرئيس سلفادور أليندي أول رئيس دولة في أمريكا اللاتينية ذي خلفية ماركسية
انتخب بشكل ديموقراطي. شغل منصب رئيس جمهورية تشيلي منذ 1970 وحتى 1973 عند
مقتله في الإنقلاب العسكري الذي أطاح بحكمه والذي خططت له ونفذته وكالة المخابرات
المركزية الإمريكية بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه.
نفس الامر في فيتنام والتي زارها 3 مرات وحتى قبل ان يتم رفع الحظر عنها والتقي قائد
معركة التحرير الجنرال جياب والتقى مجموعة من المحاربين القدامى والذي قاتلوا في الانفاق
قي مواجهة الجيش الأمريكي .
والحال نفسه مع فلسطين والتي يحرص، كلما استطاع ، المشاركة في التجمعات الجماهرية في
بلجيكا وخاصة مع الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة حيث يرى ان هناك تفاعل
جماهيري ، خاصة في قطاع الشباب يتخطى حركات التضامن التقليدية مع الشعب الفلسطيني
والنقابات والأحزاب السياسية ، ويذكر في هذا السياق التظاهرة الضخمة التي تمت في شوارع
بروكسيل في مطلع عام 2009 ، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة ، جنبا الى جنب
مع رئيس الحكومة البلجيكية آنذاك ورئيس الحزب الاشتراكي ايليو دوروبو وسفير فلسطين
آنذاك ليلى شهيد ، يرى انه يجب تكثيف العمل من اجل فلسطين مثلما كان الحال مع فيتنام
وتشيلي .
ودائما في الرموز يذكر ان طلب من الحكومة البلجيكية، بصفته وزير الدفاع يستقبل الرئيس
الراحل الرئيس ياسر عرفات في زيارته لبروكسيل في الأول من حزيران عام 2001 ، حين
حضر الرئيس عرفات مع وزير الخارجية آنذاك لوي ميشل ، ندوة في جامعة بروكسيل الحرة ،
عن الشهيد نعيم خضر وذلك في الذكرى العشرين لاستشهاده في الأول من حزيران 1981 ،
ويلتقي مع رئيس وزراء بلجيكا وقادة الاتحاد الأوربي ، كما يذكر اندري انه عندما كان رئيسا
للبرلمان الفيدرالي حرص على استقبال الرئيس محمود عباس في فبراير 2010 وتنظيم جلسة
رسمية له .
ويعود وزير الدولة فلاوو في زيارته لفلسطين في منتصف التسعينات مع مجموعة من أعضاء
المجلس الشيوخ البلجيكي وهناك التقى الرئيس عرفات ولاحقا رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك
شمعون بيريز وسلمه دراسة كانت قد أعدتها مؤسسة الدراسات والأبحاث ايميل فنديرفيلد ،

28

والتي كان يديرها ، وتتناول بروكسل كعاصمة موحدة للإقليمين الكبيرين الذي يشكلان بلجيكا ،
لتكون فكرة ملهمة للقدس عاصمة لدولتي فلسطين وإسرائيل .
يرفض الرئيس الفخري للبرلمان الفيدرالي المحاولات التي تسعى اسكات أي انتقاد لسياسة
إسرائيل ووصم هذا الانتقاد بانه عمل معاد للسامية ويقول بكل صراحة ان ” إسرائيل هي طفل
تم خلقه من قبل المجتمع الدولي وهذا الطفل اصبح مدللا ولا يستمع لاحد ولا يهمه احد وهذا
امر مقلق ”
في الانتخابات التشريعية لعام 2009 ، اصبح اندري فلاوو نائبا في البرلمان الفيدرالي عن
حزبه الاشتراكي والذي قرر ترشيحه لرئاسة البرلمان حتى عام 2014 ، عاد بعدها من جديد
للعمل الحكومي حيث اصبح وزيرا في حكومة إقليم والوني بروكسيل والذي يمثل المجموعة
الناطقة باللغة الفرنسية في بلجيكا ، يشغل حقيبة الميزانية ، الوظيفة العامة والتبسيط الإداري
حتى عام 2019 .
بقي ادري فلاوو والذي يحتفظ بلقب وزير دولة والذي منحه إياه قبل ملك البلجيكيين في 2009
، وهو الحائز من قبل ذلك التاريخ ، على وسام ملك البلجيكيين ليبولد الأول ، كأعلى وسام في
النظام العسكري والمدني في بلجيكا ، يدافع عن القضية الفلسطينية في كل المنابر ومنها
البرلمان الفيدرالي ، حيث ما زال يحتفظ في عضويته بالإضافة لرئاسته الفخرية له .
ويرى ان هذه القضية الفلسطينية تعاني من كونها من ” اقدم القضايا في العالم ومن تبسيط كثير
في وسائل الاعلام انها ” حرب بين طيبين إسرائيليين في مقابل اشرار فلسطينيين بينما هي في
الحقيقة قضية استيطان وقضم للأراضي وهي فضية سجن مفتوح بدون سقف وقمع مستمر ،
ومع ذلك يجب الاستمرار في الدفاع عن القضية الفلسطينية ، لان ما يحدث هناك هو باختصار
فصل عنصري ” ويجب ان تتواجد مجموعة من الدول ولو صغيرة تقول “لا للسير بشكل
مستمر خلف الولايات المتحدة ويجب ان نحرر الحديث عن إسرائيل من الماضي ”

ويحذر من أزمة قادمة..

بشارة: إسرائيل تحتجز ملياري دولار من أموال السلطة الفلسطينية

رام الله: حذر وزير المالية الفلسطيني شكري بشارة، من تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية
خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع احتجاز إسرائيل نحو ملياري دولار من أموال الضرائب
الفلسطينية.

29

جاء ذلك خلال لقاء الوزير الفلسطيني يوم الأربعاء، بالمبعوثة النرويجية لعملية السلام في
الشرق الأوسط هيلدي هارالدستاد، بمدينة رام الله، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الفلسطينية
الرسمية “وفا”.
وقال بشارة، إن “الوضع المالي للسلطة مرشح لمزيد من التعقيد خلال الفترة المقبلة؛ ما لم تفرج
إسرائيل عن أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لديها منذ 3 أعوام”.
وبحث بشارة مع المبعوثة النرويجية التحضيرات لعقد الجلسة الرسمية لاجتماع لجنة تنسيق
مساعدات الدول المانحة (AHLC) للعام المقبل 2023، بالإضافة لمراجعة ومتابعة نتائج
الاجتماعات السابقة التي تمت في نيويورك ورام الله العام الحالي.
وطالب بشارة، المجتمع الدولي بضرورة “اتخاذ خطوات ملموسة وممارسة الضغوط على
الجانب الإسرائيلي والتدخل لوقف إجراءاته التعسفية والانتهاكات التي يقوم بها والمخالفة لما
نصت عليه اتفاقية باريس الاقتصادية”.
وأشار إلى أن “الدعم الخارجي المقدم لخزينة الحكومة الفلسطينية في الوقت الحالي أقل من
1% من التكلفة التشغيلية الشهرية”، لافتاً إلى أنه كان يغطي 30% منها قبل 8 سنوات.
وتجبي إسرائيل بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة مع سلطة الضرائب عن المعابر
الفلسطينية، وتقوم بتحويلها لخزينة السلطة مقابل 3% من قيمتها، في حين تحتجز الحكومة
الإسرائيلية مبلغاً يساوي قيمة ما تدفعه السلطة لعائلات الشهداء والأسرى.
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية أكد قبل يومين لدى استقباله في رام الله وفداً من
صندوق النقد الدولي، أن الإجراءات الفلسطينية للإصلاح المالي “لن تكون كافية في ظل
استمرار سيطرة الاحتلال على أرضنا ومقدراتنا وحدودنا، واستمرار اقتطاعاته غير القانونية
من أموال الضرائب الفلسطينية”.
ودعا اشتية المجتمع الدولي ومؤسساته إلى “الاستمرار بدعم فلسطين والضغط على إسرائيل
لوقف اقتطاعاتها والالتزام بالاتفاقيات الموقعة”.
يشار إلى أن إسرائيل بدأت منذ ثلاثة أعوام باقتطاع مبالغ شهرية من أموال عائدات الضرائب
التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية عقابا لها على صرف رواتب لعائلات الأسرى والقتلى
الفلسطينيين.

30

“كابوس” الملك عبد الله يتحقق: القلق الأردني من الحكومة الجديدة
بقلــم: ايتمار ايخنار
المصدر: يديعوت
ربما تكون المملكة الأردنية هي الدولة الأكثر قلقًا من تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل. لقد
نجحت حكومة بينت- لبيد خلال العام ونصف الماضيين بإعادة بناء العلاقات مع الأردن بعد
فترة طويلة من التوتر والانقطاع بين رئيس الحكومة المنتخب بنيامين نتنياهو والملك عبد الله
الثاني. من الصعب عدم الشعور بالقلق العميق من القادم خلال المحادثات مع مسؤولين أردنيين.
بشكل رسمي، هم حذرون ويقولون إنهم “سيحكمون على حكومة نتنياهو حسب أفعالها”، لكن
من داخلهم هم يشعرون بالقلق، قلق كبير.
إنهم قلقون من أن كل الإنجازات التي تم التوصل لها في العام ونصف الماضيين تذهب سُدى.
إنهم غير واثقون بنتنياهو، الذي يحاول نقل رسائل تهدئة، وقلقهم الأكبر هو من تغير الوضع
الراهن في الحرم القدسي، الذي ينبع بشكل أساسي ممن هو متوقع أن يصبح شريك رفيع
المستوى في الحكومة، رئيس حزب “القوة اليهودية” يتمار بن غفير. من وجهة نظرهم، إن
تعيينه وزير للأمن الداخلي، إذا حدث، فإن هذا يشير إلى نية إسرائيل لإحداث تغييرات ذات
تأثيرات بعيدة، حتى لو أنكرت ذلك.
ذكرت صحيفة “الرأي اليوم” الأردنية هذا الأسبوع أن الملك عبد الله قد عبّر عن قلقه في حوار
مع صحفيين في لندن أُجريت فعليًا قبل عام من عودة نتنياهو وترامب للساحة السياسية،
وأشاروا في التقرير أن “ها هو قلقه الأول قد تحقق”. وذكروا في التقرير أن الملك عبد الله قلق
من أن تضر الحكومة الجديدة برئاسة نتنياهو بالوضع الراهن في الحرم القدسي.
وجاء في الصحيفة أن مصدر القلق الآخر هو أن مثل هذه الحكومة ستعمل على نقل الفلسطينيين
من الضفة الغربية للأردن. كما ذكرت الصحيفة أن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي نقل
لسفراء من دول عربية أنهم في عمّان قلقون من أن يقوم نتنياهو بتعيين رئيس حزب “القوة
اليهودية” كوزير في الحكومة مع استمرار اهانته لطاقم الوقف الأردني في الحرم القدسي. كما
سمع سفراء أوروبيون من وزارة الخارجية الأردنية أن عمّان تشعر بالقلق حيال تطلع محتمل
لحكومة اليمين التي يتم تشكيلها لتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي. في الأردن يعتقدون أن
تغير كهذا قد يقود لتأجيج الصراع الديني وربما لانتفاضة ثالثة.
من يتابع العلاقات الإسرائيلية الأردنية يُقدّر أنه لن يكون هناك تضرر بالعلاقات الأمنية بين
البلدين، حتى لو دخل رئيس “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش لوزارة الجيش. إن
العلاقات بين منظومات الأمن قوية وغير مرتبطة بتعيين كهذا أو آخر. في المنظومة الامنية

31

سيفعلون كل ما بوسعهم من أجل ألا يحدث تضرر في العلاقات، لكن في نهاية المطاف مفتاح
العلاقات موجود لدى الملك وهل سيعطى فرصة أخرى لنتنياهو بعد الأزمات الشديدة بينهما
طوال السنوات.
العائق الآخر الذي يمكن أن يشكل تحديًا للعلاقات بين المملكة وإسرائيل هو الفلسطينيون، الذي
لن يقفوا بالطبع مكتوفي الأيدي، ويجدر ترجيح أنهم سيضغطون على دول عربية وعلى رأسهم
الأردنيين لتبريد علاقاتها مع إسرائيل وجعلها تدرك أنها تدفع ثمن تشكيل حكومة تضم عناصر
تابعة لليمين المتطرف في إسرائيل.

ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.. جولة في عقول الأردنيين

عريب الرنتاوي
ما أن ظهرت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الخامس والعشرين، حتى تداعت المنتديات
ومراكز البحث في الأردن، لتنظيم لقاءات وورشات العمل، مفتوحة ومغلقة، للتباحث في أثر
الصعود “الصاروخي” لليمين الديني – القومي على المصالح والحسابات الأردنية، وسط قناعة
تزداد اتساعاً ورسوخاً، بأن إسرائيل اليوم، ليست تلك التي أبرمت معاهدة سلام مع الأردن، قبل
قرابة العقود الثلاثة، وأن تياراً “متشددا”، يجمع الشعارين الديني بالقومي، قد انتقل من هامش
الخريطة الحزبية الإسرائيلية إلى مركزها.
ولأن كاتب هذه السطور، شارك في معظم هذه الأنشطة، محاضراً ومشاركاً، فقد صار بمُكنَته
تقديم صورة عمّا يجول في أذهان الأردنيين، وما الذي يفكرون به، ويتطلعون إليه:
أولاً؛ في تقدير الموقف

32

ثمة إجماع كامل حول: أن إسرائيل تنجرف يميناً، وأن أولوياتها تبدلت، فلم يعد “الانفصال” عن
الفلسطينيين هدفاً لنخبتها، بما يتيح فرصة لحل الدولتين، كما أن يهودية الدولة باتت مقدمة على
ديمقراطيتها… اليمين يحتل 82 مقعداً في الكنيست، اليمين المتشدد حلّ ثالثاً في ترتيب الأحزاب
الفائزة، الأحزاب الدينية تتصهين، والأحزاب العلمانية – الصهيونية تتدين، في تزاوج مقلق
للدين و”القومية”، اليسار ينقرض أو يكاد، ومعه ما كان يعرف بمعسكر السلام، يمين اليوم أكثر
“يمينية” من يمين الأمس، و”وسط” اليوم أكثر تطرفاً من يمين الأمس، أما بقايا اليسار فهي
عالقة على فتات موائد اليمين، تتواطأ معه وتستعير خطابه… والأهم والأخطر، من كل هذا
وذاك، أن الانزياح صوب التطرف الديني – القومي يعكس إلى درجة كبيرة، التغيير البنيوي
الكبير في المجتمع الإسرائيلي، والذي لم يعد يسمح سوى بإنتاج حكومات حرب وليس حكومات
سلام.
ثانياً؛ في التداعيات
ثمة إجماع ثانٍ متأسس على الإجماع الأول، ويقول: إن إسرائيل تُبدّل جوهرياً سلم أولوياتها…
أسرلة القدس وتهويدها كعاصمة “أبدية موحدة” لإسرائيل، وبما يهدد هويتها الفلسطينية –
العربية – الإسلامية – المسيحية، ويغير من واقع المدينة القانوني والتاريخي… سعار في
الهجوم على المقدسات الإسلامية – الأقصى بخاصة – والمسيحية، وتهديد للرعاية الهاشمية
لها… نهم لابتلاع “يهودا والسامرة”، كلها أو غالبية مساحتها (منطقة ج بخاصة)، ميل جارف
للقبضة الحديدية في التعامل مع الفلسطينيين على جانبي “الخط الأخضر”، وليس في المناطق
المحتلة وحدها، بما في ذلك إطلاق يد الجنود والمستوطنين المسلحين، أوامر قتل مباشرة، توسع
في تهديم المنازل، “شرعنة” البؤر الاستيطانية في عمق الضفة والتوسع بها، دعم للمليشيات
الاستيطانية من شاكلة “شبيبة التلال”، تلويح بالعودة لسياسة الإبعاد وسحب الجنسية وأحاديث
معلنة وهامسة حول “الترانسفير”.
يعني ذلك من ضمن ما يعني، أن مصالح الأردن غرباً باتت عرضة للتهديد في صميمها، وأن
الأخطار الناجمة عن استهداف حقوق الفلسطينيين الوطنية المشروعة، ستمتد للأردن لا محالة،
على المدى القريب، بانتقال شرارات التصعيد من الضفة الغربية شرقاً لتسقط على بيئة شعبية
غاضبة ومحتقنة لأسباب وعوامل عديدة، وعلى المدى الأبعد، عودة الحديث عن حل للقضية
الفلسطينية، ينهض على صيغة من صيغ ما كان يعرف يوماً بـ”الخيار الأردني”.
أكثر المفردات استخداماً وترداداً في هذه الملتقيات والمنتديات، هي “الترانسفير”، هنا تتباين
الترجيحات والتكهنات المتشائمة، بعضهم يشير إلى “ترانسفير فيزيائي” يذكّر بما حدث في
النكبة (48) أو النكسة (67)، ويقترح لمواجهة ذلك، إعادة نظر بسياسة “الجسور المفتوحة”،
وبعضهم الآخر، يرى أن “الترانسفير” قد يأخذ هذه المرة، شكلاً جديداً: “الترانسفير السياسي”،
كأن يوضع الأردن ومعظم الفلسطينيين في الضفة (أكثر من 95 بالمئة من سكانها) المقيمين
على نصف مساحتها، في المنطقتين (أ و ب)، على “سكة ذات اتجاه واحد”: البحث عن فيدرالية
أو كونفدرالية، تحت طائلة الضغوط الاقتصادية والأمنية من جهة، وإغراءات “مشروع مارشال
مصغر” من جهة ثانية.
الفريق الأول، لا يستبعد سيناريو “الترانسفير الفيزيائي” بوجود ما يقرب من مئة مليون لاجئ
في العالم، مرجحاً أن “المجتمع الدولي” لن يعجز عن ابتلاع ثلاثة ملايين، أكثر أو أقل،
إضافيين… أما الفريق الثاني، فيستند إلى صلابة الفلسطينيين وتمسكهم بوطنهم وصمودهم
عليها، وإدراكهم أن نكبتهم لم تكن في ضياع أرضهم أساساً، بل في تهجير سكانها، ويجادل بأن
صور اللاجئين المحملين على شاحنات تقطع الجسر شرقاً، لم تعد محتملة ولا ممكنة.

33

إسرائيل حطمت فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، هذا خلاصة يكاد يجمع
الأردنيون عليه… وإسرائيل لن تقبل بخيار “الدولة الواحدة ثنائية القومية”، وهذه قضية موضع
إجماع في إسرائيل… وثمة تيار إسرائيل، ما زال وازناً، يدرك أن ثمن الاستمرار في فرض
نظام للتمييز العنصري – أبارتهيد، مرتفع على المدى الأبعد، ولن تقوى إسرائيل على دفعه
وتسديده، وسينزع عنها “شرعيتها” و”غطاءها” الدوليين، وستكون كلفته على الداخل
الإسرائيلي، انهيارات متلاحقة للديمقراطية وسيادة القانون، وربما فتح الباب لانقسامات أهلية
(لا نريد القول حرب أهلية)، وقد تدفع بفئات من التيار العلماني – الليبرالي للهجرة المضادة…
اليمين المتطرف المُنتشي بمكاسبه المتلاحقة في السنوات الأخيرة، لا يريد الغرق في بحث
احتمالات من هذا النوع، أو الاعتراف بها، لكن إسرائيل سائرة على هذا الطريق.
التحليل المنطقي للمشهد الإسرائيلي، ينبئ بسيناريو رابع: حشر الفلسطينيين على مساحة لا تزيد
عن نصف مساحة الضفة الغربية، ودفعهم لعلاقة فيدرالية أو كونفدرالية مع الأردن، وتكثيف
العمل بسياسة الضغوطات والإغراءات، العصا والجزرة، لدفع الفريقين للقبول بسيناريو من هذا
النوع، باعتباره “مخرج نجاة”، هو ما تفكر به مجموعات إسرائيلية تضم شخصيات لها خبرة
في مسار المفاوضات وجولاتها المتعاقبة.
سيناريو كهذا، سيؤمن مخرجاً طويل الأمد، لمأزق إسرائيل مع “الديموغرافيا الفلسطينية”،
والواضح أن مخرجاً كهذا، لا يتأسس فقط على حساب حقوق الفلسطينيين، وإنما يتهدد الأردن
في أمنه واستقراره وسلامه الاجتماعي، فضلاً هن كيانيته وهويته الوطنيتين… وهو إلى حد
بعيد، يلامس “صفقة القرن” في فصلها الأول، الخاص بالفلسطينيين، وكنا حذرنا في حينه من
“صفقة قرن 2″، مصممة على مقاس سيناريو “الترانسفير السياسي”.
ثالثاً؛ ما العمل؟
في سعيهم للإجابة على سؤال ما العمل؟، يتابع الأردنيون بقدر أقل من الثقة والارتياح، ما تقوم
به حكومتهم رداً على التطورات الإسرائيلية الأخيرة، غالبيتهم لا ترى أن التصريحات
والتحذيرات والاتصالات الدبلوماسية، كافية لجبه الخطر ومقاومة التحدي الذي يوصف من قبل
كثيرين بـ”الوجودي”… والمؤكد أن غالبيتهم العظمى تجد صعوبة في فهم السياسات الحكومية،
إذ في الوقت الذي تبدو فيه العلاقة الأردنية – الإسرائيلية قد وضعت على سكة مواجهة، فإن
إقدام الحكومة على صياغة اتفاقات وتفاهمات مع إسرائيل، من شأنها تكريس “اعتمادية” الأردن
عليها، في مجالات استراتيجية وقطاعات حيوية كالغذاء والطاقة والمياه، فضلاً عن استمرار
اللقاءات والتبادلات والتنسيق في مجالات مختلفة، من شأنه أن يبعث برسائل خاطئة للطبقة
السياسية الإسرائيلية، ولا تشي بجدية التحذيرات والإدانات الرسمية التي لا تتوقف.
البعض شبّه المواقف الحكومية بسائق سيارة، يعطي إشارة انعطاف لليسار، ولكنه ينعطف
لليمين، فلم يصدر عن عمّان، حتى الآن على الأقل، ما يشي بالاستعداد لجولات ساخنة في
الاشتباك السياسي والدبلوماسي والحقوقي مع الحكومات الإسرائيلية، وليس فيها ما يكفي لإسالة
“الأدرينالين” في عروق الإسرائيليين، الذي اعتادوا سماع وقراءة المواقف الأردنية، عالية
السقوف أحياناً، في حين أن شيئاً على الأرض لا يتغير، بل ان مسارات التطبيع بين الجانبين،
تتعزز وتتوسع.
يبادر الأردنيون في منتدياتهم إلى رسم معالم “خريطة طريق” للمستقبل، يعتقدون أن على
الحكومات الأردنية سلوكها، تبدأ بوقف العمل بالتفاهمات حول صفقة “المياه مقابل الكهرباء”
التي جرى التوصل إليها برعاية أميركية وتمويل إماراتي، ولا تنتهي بإلغاء معاهدة وادي
عربة، وإغلاق السفارات وإعادة السفراء إلى مقرات عملهم.

34

وبين هذين الموقف القصويين، ثمة مروحة من المواقف والخيارات التي يكاد يجمع عليها
المنتدون في حواراتهم، منها على سبيل المثال لا الحصر: الافتكاك عن إسرائيل وفي شتى
المجالات الحيوية المذكورة، رفع مستوى وسوية الخطاب المندد بإسرائيل، والشروع في
ملاحقتها قضائياً وحقوقياً، فتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف الفلسطينية بمن فيها حماس،
وعدم إبقاء كل البيض الأردني في سلة السلطة الفلسطينية، تنويع علاقات الأردن العربية
والإقليمية والدولية، وعدم الارتهان أو الركون لعواصم عربية ومراكز دولية بعينها، في عالم
يتجه لتعددية قطبية.
والأهم من كل ما ورد، إعادة النظر في “استراتيجية حل الدولتين” و”خيار السلام الاستراتيجي
الوحيد”، وتبني مقاربة تقوم على مواجهة نظام الفصل العنصري ودعم مقاومة الاحتلال
والتحذير من خطر “الفاشية الصاعدة” في إسرائيل.
تحصين الجبهة الأردنية الداخلية، بتفعيل وتسريع مسارات الإصلاح الشامل، وردم فجوات الثقة
بين الدولة ومواطنيها، هو متطلب أساسي، للصمود في مواجهة الضغوط القائمة والمنتظرة،
وهو الطريق الأقصر لمحاربة “الترانسفير”، سياساً جاء أم “فيزيائياً”، وإعادة تعريف إسرائيل
“كعدو” للأردن، وبناء العقيدة الأمنية والتربوية على هذا الأساس، وإعادة العمل بنظام “خدمة
العلم”… وتحت العنوان نفسه، تحصين البيت الداخلي، لا حدود للمقترحات التي تصدر عن
شخصيات وطنية، من سياسية وثقافية وأكاديمية، وإن تنوعت مرجعياتهم وتفاوتت خبراتهم.
هذا بعض مما يدور في خلد الأردنيين وعقولهم، وهذه صورة مصغرة للمزاج الذي يهيمن على
الأردنيين من شتى المنابت والأصول خلال السنوات الست الفائتة، منذ إدارة ترامب وحكومة
نتانياهو الخامسة، وبالذات بعد انتخابات الكنيست الأخيرة، وإطلالة شبح اليمين الأميركي من
صناديق الانتخابات النصفية للكونغرس.

35

صادرات النفط الإيرانية عرضة للعقوبات

هنري روم
تواصل إيران تصدير كميات كبيرة من النفط، الأمر الذي يوفر لها مصدراً رئيسياً للدخل –
وهدفاً محتملاً لزيادة الضغط الاقتصادي على النظام.
في الأشهر الأخيرة، انخرطت إيران بشكل متزايد في انتهاكات قرارات الأمم المتحدة والمعايير
الدولية، من إرسال أسلحة إلى روسيا لاستخدامها ضد أوكرانيا، إلى قمع الاحتجاجات
الجماهيرية بوحشية في الداخل، وإلى تطوير برنامجها النووي بطرق لا رجعة فيها. وعلى
الرغم من أن الحكومات الغربية ردّت على هذه الإجراءات من خلال فرضها عقوبات جديدة
محدودة على طهران ومحاولة عزلها دبلوماسياً، إلا أنها لم تبدأ حتى الآن بالضغط عليها بشكل
كبير.
ويشكّل قطاع الطاقة أحد المجالات المحتملة للقيام بذلك، حيث يمكن أن يؤدي الضغط المنسق
إلى قطع مصدر رئيسي للدخل الحكومي. وقد حافظت إدارة بايدن على العقوبات المفروضة
بموجب حملة “الضغط الأقصى” التي كان قد أطلقها سلفه، ولكنها لم تطبقها بصرامة، مما سمح
لإيران بزيادة صادراتها من الطاقة على مدى العامين الماضيين. وفي حين تُعتبر العقوبات التي
أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا
أنها ليست خطوة في إطار حملة ممنهجة. وقد يؤدي اتباع مقاربة أكثر قوة إلى فرض تكاليف
أكبر على طهران بسبب سياساتها النووية والإقليمية والمحلية.
شريان الحياة للنفط
على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، تراوح متوسط صادرات النفط الإيرانية بين 810 آلاف
و1.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات (هيدروكربون سائل خفيف)، وفقاً لتقديرات
“تانكر تراكرز” و”فورتيكسا” و”كيبلر” ومنظمة “متحدون ضد إيران النووية”. وذهب معظم
هذا التدفق إلى الشركات في الصين، حيث استلمت كيانات في سوريا والإمارات وفنزويلا
بعضها أيضاً (من المحتمل إعادة تصدير النفط المرسل إلى الإمارات العربية المتحدة إلى آسيا).
غير أن هذه الأرقام أقل بكثير من الكمية التي كانت إيران تصدرها في أوائل عام 2018
والبالغة حوالي 2.7 مليون برميل يومياً، قبل انسحاب إدارة ترامب من «خطة العمل الشاملة
المشتركة» وإعادة فرض عقوبات ثانوية. لكنها أعلى بكثير مما كانت عليه في ذروة حملة
الضغط القصوى التي شنها ترامب، عندما انتهت إعفاءات استيراد النفط في أيار/مايو 2019
وانخفضت الصادرات الإيرانية إلى 500 ألف برميل يومياً أو أقل من ذلك.
ومع بدء المفاوضات لإحياء «خطة العمل الشاملة المشتركة» العام الماضي، قررت إدارة بايدن
عدم فرض عقوبات قصوى بشكل صارم بالقول أو الفعل، واستنتجت على ما يبدو أن هذا من
شأنه أن يضعف الآفاق الدبلوماسية وأنه غير ضروري في النهاية لأن الاتفاق النووي سيتم
إحياؤه بسرعة. وعلى الرغم من التقارير التي أفادت بأن المسؤولين منحوا الأولوية للجهود
الدبلوماسية الخاصة لتشجيع الصين على تقليص مشترياتها، إلا أن الولايات المتحدة لم تفرض
أي عقوبات مرتبطة بالطاقة على إيران قبل حزيران/يونيو 2021، وفرضت دفعتين أخريين
فقط في بقية العام (في آب/أغسطس و أيلول/سبتمبر)

36

وتم زيادة تدابير تطبيق العقوبات في عام 2022 – وإحمالاً، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية
لإدارة بايدن عشر جولات من العقوبات المرتبطة بمبيعات الطاقة الإيرانية. ومع ذلك، كانت
هذه الجهود متقطعة وليست جزءاً من حملة أوسع نطاقاً، ولم يكن لها تأثير ملحوظ على أرقام
الصادرات الإيرانية أو عملية صنع القرار في النظام الإيراني. وقد تكون سياسة التطبيق
المحدود للعقوبات قد جعلت طهران تقلل أيضاً من ضرورة إعادة إحياء الاتفاق النووي من
خلال منحها دعماً اقتصادياً قيّماً وتقویض الفوائد المحتملة لتخفيف العقوبات رسمياً عنها.
وبشكل عام، كانت الإشارة إلى أسواق النفط واضحة: لقد انخفض خطر التعامل مع النفط
الإيراني.
تتبُع أثر المال
لا تعكس أرقام الصادرات المذكورة أعلاه الواقع كاملاً لأنها لا تأخذ في الحسبان العائدات التي
تحققها إيران من صادراتها. ووفقاً لبعض التقارير، تُثبت الهوة بين العائدات التي يجب أن
يكسبها النظام وتلك التي يحققها، مدى تكلفة تجارة النفط سراً – وأنه يجب على صناع السياسة
الأمريكيين السعي إلى توسيع هذه الهوة.
ويلعب النفط دوراً رئيسياً في قدرة الجمهورية الإسلامية على تحقيق الإيرادات والحصول على
العملة الصعبة. وخلال العام المالي الحالي (آذار/مارس 2022 – آذار/مارس 2023)، توقعت
إيران تصدير 1.4 مليون برميل من النفط يومياً بسعر 70 دولاراً للبرميل وهو ما يمثل حوالي
ثلث إجمالي إيراداتها. ومع ذلك، لا تحتفظ الحكومة بجميع الأموال التي تحققها من هذه
المبيعات – 40 في المائة مستحقة لـ “صندوق التنمية الوطنية” و 14.5 في المائة لـ “الشركة
الوطنية الإيرانية للنفط”. وتحصل الحكومة على النسبة المتبقية (45.5 في المائة)، مع
تخصيص جزء صغير لمشاريع في الأجزاء الأقل نمواً من البلاد. (ورغم أنه إذا لم تصل
الحكومة إلى أهدافها المتوقعة، إلّا أنه يُسمح لها بالاستفادة من “صندوق التنمية الوطنية” لتغطية
الفجوة.)
وتُخصص إيران في ميزانيتها جزءاً من عائدات النفط لتمويل وارداتها من السلع الأساسية
بسعر صرف مدعوم. لكن الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي وسلفه دأبا على تقليص لائحة السلع
المؤهلة للحصول على هذا الخصم؛ ونجح رئيسي في وقف تطبيق هذا النظام بالكامل تقريباً هذا
العام، مما تسبب في اضطرابات وبضغوط تضخمية في السوق. ويتم أيضاً توجيه بعض
عائدات النفط مباشرةً إلى المنظمات العسكرية، بما في ذلك «الحرس الثوري الإسلامي»
الإيراني.
وعلى الرغم من أن الحكومة لا تصدر بيانات الموازنة إلا بشكل دوري، إلا أن المعلومات
المتاحة تسمح ببعض التقديرات لما تحققه بالفعل من عائدات النفط. فبين نيسان/أبريل
وتموز/يوليو 2022، أعلنت عن تحقيق أرباح قدرها 650 تريليون ريال من مبيعات النفط.
وعند احتساب سعر تحويل النفط (230 ألف ريال للدولار) ومخصصات “صندوق التنمية
الوطنية” و”الشركة الوطنية الإيرانية للنفط”، تكون الحكومة قد حققت نحو 6.2 مليار دولار –
ولكن كان ينبغي أن تكسب أكثر من ذلك بكثير.
وبسبب القيود الأمريكية، لا تتقاضى إيران “السعر الرسمي” لقاء النفط الذي تبيعه. وهناك عدد
من العوامل التي تساهم في تقليص إيراداتها: فعلى النظام بيع النفط بخصم لتشجيع المشترين
الذين يتجنبون المخاطرة، والانخراط في جهود سرية مكلفة لإخفاء مصدر النفط، وتجاوز القيود
المصرفية التي تحدّ من نفاذها إلى الإيرادات المستحقة. علاوة على ذلك، يساعد «الحرس
الثوري» الإيراني في تهريب هذا النفط وسحب بعض أموال البيع لدعم أنشطته وتمويل
الميليشيات الأجنبية التابعة له.

37

ووفقاً لمختلف شركات التعقب، تراوح متوسط صادرات النفط الإيرانية بين نيسان/أبريل
وتموز/يوليو من هذا العام بين 620 و980 ألف برميل يومياً (بما في ذلك الصادرات الإيرانية
من المكثفات، ولكن باستثناء الصادرات إلى فنزويلا وسوريا، نظراً لأن الحكومة قد لا تحصل
على مدفوعات مباشرة مقابل هذه المبيعات). وعند ضرب هذه الأحجام بمتوسط سعر “برنت”
البالغ 113 دولاراً وطرح المخصصات المذكورة أعلاه، كان من المفترض أن تكون الحكومة
قد حققت ما بين 8.6 و 13.5 مليار دولار من هذه المبيعات. بعبارة أخرى، خسرت ما يصل
إلى نصف عائداتها النفطية بسبب الخصومات، وتكاليف المعاملات، وعجزها عن الحصول
على الأموال، وعوائق أخرى.
الخيارات السياسية
لتوسيع الهوة بين عائدات النظام المحتملة والفعلية من مبيعات النفط، على الولايات المتحدة
اتخاذ خطوات ترغم طهران على تبني استراتيجيات أكثر تكلفة وتعقيداً في السوق السوداء –
بشكل أساسي من خلال زيادة تصورات المخاطر للشركات والبنوك والحكومات المشاركة في
هذه التجارة أو السماح بها. على وجه التحديد، يجب على واشنطن:
الضغط على الدول لبذل المزيد من الجهود محلياً لتطبيق العقوبات من خلال الإشارة إلى أن كل
برميل تبيعه إيران يموّل دعم النظام لغزو روسيا لأوكرانيا، وقمعه الداخلي، وأنشطته الإقليمية
الخبيثة. وعلى وجه الخصوص، على المسؤولين الأمريكيين التشديد على أهمية هذه المسألة في
المحادثات الثنائية مع الصين والهند وماليزيا وسنغافورة والإمارات.
تسريع وتيرة العقوبات المرتبطة بالطاقة لخلق جو من عدم اليقين والقلق بين الأفراد والشركات
والبلدان المشاركة في شحن أو شراء منتجات الطاقة الإيرانية.
إصدار توجيهات محدثة من وزارتي الخزانة والخارجية و”خفر السواحل” الأمريكية فيما يتعلق
بالتقنيات التي يستخدمها مهربو النفط للإفلات من العقوبات البحرية، بما في ذلك تفاصيل حول
المواقع المشتركة لعمليات النقل من سفينة إلى سفينة.
زيادة المكافآت التي تدفعها وزارة الخارجية الأمريكية لقاء المعلومات المرتبطة بالشبكات
المالية غير الشرعية الخاصة بـ «الحرس الثوري الإسلامي»، من خلال إطلاق جهود توعية
عامة باللغة الفارسية لتسليط الضوء على البرنامج.
ويمكن تنفيذ جميع هذه الإجراءات بسرعة – على الرغم من أن استمرار عدم اليقين بشأن تنفيذ
سقف أسعار على النفط الروسي قد يستدعي بعض الحذر في الأسابيع المقبلة. أما بالنسبة
للمخاوف من أن يؤدي الضغط الأمريكي المتزايد إلى تراجع كبير في صادرات النفط الإيرانية،
مما يرفع بالتالي الأسعار العالمية بشكل أكبر، فمن المرجح أن تتمتع السعودية بطاقة احتياطية
كافية للتعويض عن هذا الخطر. وعلى الرغم من الخلافات الأخيرة بين واشنطن والرياض
بشأن السياسة النفطية، إلّا أنهما تتشاركان في رغبتهما في تقييد إيران، الأمر الذي ينبغي أن
يعزز التعاون بينهما على هذا الصعيد؛ كما أن للمملكة مصلحة في منع أسعار النفط من تجاوز
مستوى مستدام.
أخيراً، سيتعين على واشنطن منع الإيرانيين من الرد عسكرياً على أي زيادة كبيرة في الضغط
الأمريكي، كما فعلت في صيف 2019. وتشمل خطوات الردع المحتملة تعزيز الولايات
المتحدة لدفاعاتها في المنطقة، فضلاً عن زيادة قدراتها في مجال المعلومات الاستخباراتية
والمراقبة والاستطلاع. ويمكن أن يكون لمثل هذه الجهود فائدة إضافية تتمثل في منح واشنطن
منصة أخرى لتشجيع دول “اتفاقيات إبراهيم” والمملكة العربية السعودية على التعاون في تبادل
المعلومات والدفاع ضد التهديدات المتبادلة.

38

خيرسون: «المعركة» التي لم تقع!

عبد المجيد سويلم
بكلّ المقاييس فإن الانسحاب الروسي من «خيرسون»، هذه المدينة الأوكرانية المهمة
والاستراتيجية، أو إخلاءها هو خسارة كبيرة لهذه القوات، وهي من الناحية المعنوية على الأقلّ
خسارة مضاعفة.
يعرف كل «متتبّع» غربي ــ إذا كان لديه ذاكرة أفضل قليلاً من ذاكرة السمكة ــ أن القوات
الروسية كانت تعمل على مدار أكثر من ثلاثة شهور على إخلاء عشرات الآلاف من سكان
المدينة.
كان كل ذلك يجري يومياً، وعلى مدار الساعة، وأمام الجميع، وكان معلناً على رؤوس كل
الأشهاد.
وفي تفسير هذا الإخلاء الجماعي كانت تسود في أوساط المحلّلين العسكريين على جانبي معادلة
الصراع والمعارك بعض الآراء التي تبدو متناقضة أو متضاربة على الأقل.
بعض هذه الآراء، رأى أن القوات الروسية ــ التي كانت تعرف حجم الحشود الأوكرانية المقابلة
والمتاخمة للمدنية ــ تخشى على آلاف الضحايا في صفوف المدنيين في حال أقدمت القوات
الأوكرانية على محاولة اقتحام المدينة، ولهذا كانت القوات الروسية تسارع الخطى لإجلائهم
بأسرع وقتٍ ممكن.
وهذا في الحقيقة ما حصل، وقد تم بالفعل إجلاء، إخلاء، نزوح عشرات الآلاف، وتم تأمين
وصولهم إلى مناطق آمنة داخل الأراضي الروسية إلى خلف خطوط القتال.
أما البعض الآخر من تلك الآراء فكان يرى أن إجلاء السكان سيمكّن القوات الروسية من
«الدفاع» عن المدينة، وسيكون صعباً على القوات الأوكرانية دخولها، وان الثمن الذي ستدفعه
هذه القوات سيكون باهظاً للغاية دون نتيجة مؤكّدة.

39

أي أن الآراء كانت ترى أن القوات الروسية تحضّر نفسها لخوض معركة خيرسون بأقل
الضحايا في صفوف المدنيين، وبأعلى الخسائر في صفوف القوات الأوكرانية.
وبين ليلةٍ وضحاها ــ بكل ما لهذه الكلمة من معنى ــ ودون معرفة ومراقبة ومتابعة القوات
الأوكرانية، ومن دون أي ردود أفعالٍ عسكرية تذكر، تم سحب أكثر من ثلاثين ألف جنديٍ
روسي، وأكثر من ستة أو سبعة آلاف معدّة عسكرية، إلى درجة أن القوات الأوكرانية لم تتقدم
إلى المدينة إلّا بعد مرور أكثر من ثمان وأربعين ساعة من اكتمال الانسحاب الروسي الكامل،
وعند دخول «طلائع» القوات الأوكرانية إلى أطراف المدينة كانت الأوساط السياسية
والإعلامية الغربية والأوكرانية تتحدث عن «خديعة»، وعن «تلغيم» كل المدينة، وكانت
تتحدث عن «مصائد» للقوات الأوكرانية.
لم يتقدم حتى تاريخه محلل أو خبير عسكري واحد، غربي أو «بريطاني»، خصوصاً أن
الاستخبارات العسكرية البريطانية كانت هي «الناطق» الإعلامي عن سير المعارك في
أوكرانيا طوال الشهور الماضية.. لم يتقدم ولا مجرّد واحد من هؤلاء ليخبرنا ما الذي جرى؟
ومتى تم الانسحاب الروسي؟ ولماذا تم هذا الانسحاب، طالما أن أحداً لم يخبرنا أصلاً عن وقوع
معركة، وطالما أن الجانب الأوكراني نفسه لم يخبرنا عن هذه «المعركة» التي لم تقع مطلقاً؟!
وأين كانت الأقمار الصناعية الغربية، الأميركية المختصة بتزويد أوكرانيا بكل تفاصيل
«الإحداثيات» التي تتعلق بكل تحرك للقوات الروسية؟
أيُعقل أن سحب أكثر من ثلاثين ألف جنديٍّ، وسبعة آلاف معدّة عسكرية بما فيها قطع للمدفعية
الثقيلة والدبابات الكبيرة والمدرّعات، وغيرها.. وغيرها، قد «تمّ» من دون معرفة ومتابعة
الغرب مع كل الإمكانيات الهائلة لـ»حلف الأطلسي» على الصعيد الاستخباري، وكل الرادارات
وأجهزة المراقبة وعشرات الأقمار الصناعية التي يقول الغرب نفسه، إنها متخصصة ومكرّسة
لهذه الحرب؟
نحن هنا ربما نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما، ولا يمكن أن يكون الأمر سوى ذلك بالتأكيد:
فإمّا أن روسيا قد عطّلت كل الوسائل والتقنيات والأقمار طوال الفترة التي استغرقها الانسحاب.
وإمّا أن هذا الانسحاب قد «تمّ» في إطار «صفقة»، عقدت بالفعل بين الغرب من جهة وبين
روسيا من جهةٍ أخرى، كمقدمة لصفقة أكبر، وأكبر بكثير من حدود ودلالات معركة خيرسون،
وتتعلق بالمفاوضات القادمة لإنهاء الحرب.
الاحتمال الأول ليس مرجّحاً، بل وضعيف، أيضاً، لأن كل محاولات التستّر عليه ستفشل، وسيتم
تسريبه إلى العلن، إن لم يكن اليوم ففي الغد القريب.
وهو إذا ما كان قد حصل فعلاً يمثل نكسة ما بعدها نكسة لكل الغرب، وسيكون من المؤشّرات
بعيدة الخطورة والأثر على حقيقة التوازن العسكري بين روسيا من جهة، وبين كل الغرب وكل
حلف شمال الأطلسي.
وما يبعث على عدم أرجحية احتمال كهذا هو عدم وجود أي إعلانات أو إشارات، لا غربية ولا
أوكرانية عن استخدام روسيا لأي موجات كهرومغناطيسية لشلّ الاتصالات في محيط المدينة،
أو أي «تعمية» من أي نوعٍ كان.
أو لنقل ــ على الأقل ــ لم يتم الإعلان أو الإشارة إلى شيء من هذا القبيل.
هذا يقودنا إلى الاحتمال الثاني، وهو احتمال الصفقة.
هنا يمكن أن تكون الصفقة قد حصلت على مستويين اثنين:

40

• المستوى الأوّل، هو أن القوات الروسية (والمخابرات الروسية) أبلغت الولايات المتحدة بأنها
ستنسحب من المدينة، وأنها ــ أي القوات الروسية ــ ليست معنية بالبقاء فيها، لأن المدينة ليست،
ولا يمكن أن تكون أو تشكل خطوطاً دفاعية، وخصوصاً بعد خروج غالبية السكان ونزوحهم
باتجاه المناطق الآمنة، وبالتالي فإنها ستنسحب من المدينة، وهي تحذّر الغرب وأوكرانيا بأن أي
تعرض لهذه القوات أثناء الانسحاب سيُجبر القوات الروسية في هذه الحالة على استخدام أسلحة
«غير تقليدية» من شأنها نقل الحرب في أوكرانيا إلى مراحل خطرة جداً وجديدة.
وإذا ما صحّ مثل هذا المستوى الأوّل للصفقة فإن الولايات المتحدة على الأرجح قد «تفهّمت»
هذا الأمر.
أما المستوى الثاني من الصفقة، فيتعلق بوقف الحرب، والدخول المرتقب في مفاوضاتٍ سياسية
لإنهائها.
المؤشّرات على هذا الاحتمال كثيرة ومتعددّة ومتشعّبة، أيضاً.
لم يعد أحد في الغرب كله يتحدث عن «ضرورة» استمرار هذه الحرب، ولم يعد أحد في كل
الغرب إلّا وبات ينادي ويناشد بالذهاب السريع إلى طاولة المفاوضات، ولم يعد فلاديمير
زيلينسكي نفسه «يرفض» المفاوضات كما كان يرفضها قبل عدة أسابيع فقط، ولم يعد أحد في
الغرب إلّا وانتقد بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة مبالغات زيلينسكي و»شروطه» وتبجّحاته،
واختفت من القاموس السياسي والإعلامي الغربي: «تركيع» روسيا، و»هزيمة» روسيا،
و»تحرير» الأراضي الأوكرانية، بل وأصبح البعض في هذا الغرب «يثني» على عودة روسيا
إلى «اتفاقية الحبوب»، بالرغم من شروط روسيا الجديدة للعودة إليها، وبدأت أوروبا بتقليص
الدعم العسكري، وبدأ غضب زيلينسكي يظهر إلى العلن، وبات متاحاً فتح بعض الشركات
الأميركية على روسيا، وبدأ الحوار مع روسيا حول نظام «السويفت»، وفشلت خطة تحديد
أسعار النفط الروسي، وسمحت الدنمارك للخبراء بفحص التخريب الذي تعرضت له خطوط
الغاز الروسي، وبدأت تظهر إلى العلن خلافات ألمانيا وفرنسا مع الولايات المتحدة، حول قضايا
تجارية كبيرة، وحول أسعار الغاز الأميركي، والأهمّ باتت أوروبا على أبواب أزمةٍ اجتماعية
كبيرة في ضوء دخول كل «منطقة اليورو» إلى الركود، وبعد المؤشرات الاقتصادية الخطرة
التي سجّلها الاقتصاد الأميركي، والمؤشّرات السلبية للأداء الاقتصادي ليس حتى نهاية العام،
وإنما للعام أو العامين القادمين.
مهما كان الاحتمال الأوّل ضعيفاً، ومهما كان الاحتمال الثاني قوياً فإن «معركة» خيرسون التي
لم تقع تكون قد «وقعت» فعلاً ولكن ليس على أرض المعركة، وإنما على طاولة التفاوض
القريب.

41
انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى