تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني و العربي و الدولي.

صحيفة عبرية: كيف ستبدو العلاقة بين السلطة الفلسطينية وحكومة اليمين الإسرائيلية المقبلة؟

بقلم: اليشع بن كيمون
يديعوت أحرونوت
مع نشر نتائج الانتخابات ثمة من هم قلقون وقريبون جداً. تحاول السلطة الفلسطينية إعادة
احتساب المسار، ويتساءلون: كيف ستبدو الحكومة الجديدة في إسرائيل؟ أبو مازن، الذي حظي
بلقاء وزير الدفاع غانتس في رأس العين، يبدو أنه لن يصل إلى هناك. كما أن الرئيس يتذكر
مكالمات هاتفية تلقاها من رئيس الوزراء لبيد. مشكوك أن يحظى بمعاملة كهذه من جانب
حكومة نتنياهو، في ضوء التركيبة الائتلافية المرتقبة.
الفلسطينيون، كما تشرح محافل الأمن، يشيرون على محور الزمن إلى يوم توزيع الحقائب. من
ناحيتهم، توجد أربع حقائب مهمة: الدفاع، والمالية، والأمن الداخلي، والعدل. وفي نقاط معينة
وزارة الداخلية أيضاً. إذا شعروا بأن ليس هناك من يمكن الحديث فسيتنكرون للمسؤولية.
لقد أدار غانتس سياسة مختلفة تماماً عن أسلافه في كل ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية؛ فقد سعى
لتعزيزها، وحرص على الإبقاء على اتصال مع أبو مازن، وتطلع لزيادة كمية تصاريح العمل،
وبيّض ولو ظاهراً بناء غير قانوني في مناطق “ج” للفلسطينيين، كما أقر مخططات بناء أخرى،
ولم يمنع تحويل الأموال للسلطة في الطريق إلى عائلات المخربين. هذه السياسة لم تتوقف في
“الكريا”، بل تسللت لكل المستويات المهنية والميدانية. وكان الشعار هو التسهيل للحفاظ على
نسيج حياة سليم في مناطق “يهودا والسامرة”، بما في ذلك إزالة حواجز على محاور جانبية
والامتناع عن إغلاق المعابر. هذه السياسة خلقت غضباً في أوساط رؤساء المستوطنين.
نتنياهو المجرب يعرف كيف يتصرف حيال أجهزة السلطة حتى بدون أن يلتقي أبو مازن.
والموضوع هو كيف سيعمل وزير الدفاع الجديد؟ قد يغير السياسة وربما يقرر عدم الحديث بعد
الآن مع أبو مازن؛ وبالتأكيد ليس علناً، ولا في بيته. في مثل هذه الحالة، كما تشرح محافل في
السلطة وإسرائيل، سيفقد أبو مازن من قوته التي تضررت أصلاً، وسيشعر بأن ليس له التزام.
سيحاول رجال الأجهزة الإبقاء على التنسيق الأمني مع المستويات المهنية، لكن سيكون من
الصعب الصمود في ذلك دون السياسة التي حظي الفلسطينيون بمعرفتها حتى الآن.
خير مثال على ذلك هو معالجة “عرين الأسود”، شبكة الإرهاب التي نفذت عمليات إطلاق نار
عديدة في “السامرة”. وفر الشاباك أعمالاً استخبارية استثنائية، ونجح إلى جانب الجيش
الإسرائيلي ورجال الاستخبارات في تفكيك هذه الشبكة. لكن إذا نظرنا إلى صورة الاعتقالات
سنرى أن أولئك المخربين سلموا أنفسهم إلى الأجهزة. وبالفعل، كان هناك ضغط إسرائيلي
كبير، وكانت هناك مصلحة في وقف الظاهرة الوضعية التي نشأت للفلسطينيين. أما في واقع
آخر لا مصلحة كهذه للسلطة، فسيكون العمل على الجيش والشاباك الإسرائيلي، وسيكون طريق
القضاء على شبكة الإرهاب طويلاً وصعباً أكثر.
الفكرة هو الموضوع الأهم في “عرين الأسود”؛ فأولئك المخربون الشبان قرروا أخذ الخيوط
وتنفيذ عمليات لأنهم ملوا السلطة أو لأنهم شعروا بأنهم قادرون عليها. ربما نجد فكرة مشابهة
في الخليل أيضاً تحت اسم آخر.
بالمقابل، ستكون الحكومة التالية ملزمة بأن تدفع باتجاه مواضيع تخص المستوطنين.
فسموتريتش وبن غفير وصلا إلى 14 مقعداً بسبب رغبة جمهورهم في الدفع قدماً بهذه
المواضيع. واضح أن السياسة التي اتبعها غانتس مع الفلسطينيين ستتغير لكن لا ندري بأي قدر.

3

قبل قرار “لاهاي”.. إسرائيل: حان وقت محاسبة أبو مازن والفلسطينيين
بقلم: مئير بن شباط
إسرائيل اليوم
لا ينبغي الاستخفاف بقرار الأمم المتحدة طلب فتوى من محكمة العدل الدولية في لاهاي­ ICJ
بخصوص آثار “الاحتلال”، لكن لا ينبغي أيضاً أن تولى له أهمية أكبر مما ينبغي. فالمخاطر
المحدقة جراء ذلك في إسرائيل ليست في المدى الزمني الفوري، لكن لا ينبغي إهمالها. وإلى
جانب الصراع القانوني (غير المباشر) والسياسي، يجب النظر في خطوات تردع وتثقل على
استمرار المعركة الفلسطينية لنزع الشرعية عن إسرائيل.
الفتوى التي سترفع من محكمة العدل الدولية ربما لن تكون مريحة لإسرائيل. والسيناريو الأكثر
معقولية هو أن تكون هذه نصاً يشكك في إسرائيل وشرعية إجراءاتها في القدس وفي “يهودا
والسامرة”.
فتوى كهذه ستقرر رواية تاريخية سلبية تجاه إسرائيل، وستوفر سنداً لتصريحات وقرارات
ضدها من جانب دول تميل مواقفها منذ البداية إلى ذلك وتشجع منظمات المقاطعة ضد إسرائيل.
كما أنها ستوفر ريح إسناد للمحافل الكفاحية داخل معسكر حركة فتح. ولا ينبغي بأي حال
الاستخفاف بكل هذا. لكن الضرر الكبير قد يلحق على مستوى آخر، في الوزن الذي قد يعطى
له في الملف الذي يدور ضد إسرائيل في مؤسسة أخرى في لاهاي – محكمة الجنايات الدولية
ICC.
في آذار من العام الماضي، أعلنت فاتو بنسودا، المدعية العامة في محكمة الجنايات الدولية
(التي أنهت مهام منصبها حالياً)، عن فتح تحقيق في شبهات جرائم ارتكبت في مناطق “يهودا
والسامرة”، وفي شرقي القدس وقطاع غزة منذ 13 حزيران 2014. وذلك عقب توجه السلطة
الفلسطينية، وبعد فحص أولي قضى، بخلاف موقف إسرائيل، بأن للمحكمة صلاحيات للبحث
في هذه الشكاوى. وصفت إسرائيل هذا القرار كإفلاس أخلاقي وقانوني وأبلغت المحكمة رسمياً
بأنها لن تتعاون معها.
ينبغي معرفة أن إجراءات التحقيق في الـ ICC تسمح أيضاً بإصدار أوامر اعتقال واستدعاء
ضد مشبوهين، دون بلاغ علني. الدول الأعضاء في المحكمة ملزمة بالتعاون مع التحقيق،
واحترام أوامر الاعتقال ونقل المشبوهين الذين في أراضيها إلى المحكمة. إن فتح إجراءات ضد

4

محافل إسرائيلية، فضلاً عن المس بهم، قد يؤثر على سلوك إسرائيل في الساحة الدولية ويمس
بمكانتها واعتبارها.
في كل الأحوال، بشكل عملي، لم يبدأ تحقيق ضد إسرائيل بعد، وهذا ما يسعى الفلسطينيون
للمضي به بواسطة خطوة في الـICJ.
عملياً، يسعى أبو مازن ورجاله للوصول إلى قرار بأن “الاحتلال” دائم وأنه ككل (وليس فقط
خطوات في إطاره) غير قانوني، وبالتالي يجب ممارسة الضغوط على إسرائيل وجباية ثمن
منها على استمرار وجودها في “يهودا والسامرة”. ستجد الـ ICC صعوبة في تجاهل فتوى
الـICJ تبني هذه الأمور.
في هذه الأيام، يفترض بجدول أعمال المحاكم الدولية في لاهاي أن يكون مشغولاً بمعالجات
تتعلق بأحداث الحرب في أوكرانيا، وجورجيا، وأفغانستان، وإفريقيا وفي أماكن أخرى في
العالم. لكن لا يمكن “التعويل” على أنهم لن يجدوا الوقت للانشغال بإسرائيل.
عندما يصل توجه من الـ ICJ (بعد أن تصادق الجمعية العمومية على القرار بالتوجه إليها)،
ستكون إسرائيل مطالبة بأن تقرر هل ستتعاون معه. يبدو أن الاعتبارات التي أدت في الماضي
إلى القرار برفض ذلك سارية المفعول في هذا الوقت أيضاً.
دون صلة بذلك، على إسرائيل أن تفحص إمكانية تغيير في نهجها تجاه أبو مازن والسلطة
الفلسطينية. صحيح؛ النظر في خطوات توضح وجود ثمن للصراع ضدها وللمعركة التي
المستمرة لنزع شرعيتها. سلة الوسائل التي لدى إسرائيل ليست هزيلة. إن لم يكن فيها ما يردع
أبو مازن، فهي ستثير، على الأقل، تذكيراً إضافياً في مسألة جدوى نهجه في أوساط زعماء
يدعمون السلطة.

في إسرائيل: المجرمون يعيّنون القضاة !

“هآرتس”
بقلم: ب. ميخائيل
في الحقيقة كان هذا متوقعاً. فمنذ فترة طويلة كان من الواضح أنه لا يمكننا الاستمرار هكذا،
وأنه ذات يوم سيطفح الكيل. ومن يمثلون جميع المجموعات قاموا بالالتقاء من أجل قول ما في
أعماقهم وتقديم النصيحة. “كفى”، أعلن ممثل مكابي بصوت حازم، “هناك حدود لكل شيء. من
غير المعقول أن ثلاثة أشخاص يرتدون الملابس السوداء يقولون لنا ماذا نفعل. نحن ملزمون
بفعل شيء ما”.

5

“100 في المئة”، قال ممثل هبوعيل، “أريد التذكير بأنه لا أحد انتخب هذا الثلاثي ذا اللون
الأسود. نحن ينتخبنا في كل أسبوع عشرات الآلاف. ولكن هم، الذين لم ينتخبهم أي أحد،
يلوحون بالأعلام ويصفرون ويقولون لنا ما هو مسموح وما هو ممنوع وما هو القانوني وما هو
غير القانوني. قضاة متطفلون”.
“لا أُريد أن أتفلسف”، قال بتواضع ممثل بيتار، وأضاف: “هم لم يقولوا لنا إننا نعيش في دولة
ديمقراطية. أين الديمقراطية هنا؟ نحن أقلية، 22 شخصاً في الملعب دون الاحتياط. وهم
بصعوبة 3. ولكنهم يقررون بأننا ارتكبنا ‘مخالفات’ وأننا كنا في وضع التسلل وأن الكرة خرجت
عن الخط. من هم ليقولوا لنا أين الخط؟ في الديمقراطية الأغلبية هي التي تقرر. نحن الأغلبية
ولهذا فنحن الذين نقرر”.
“باختصار”، قال ممثل أبناء سخنين، “نحن بحاجة إلى فقرة الاستقواء، حيث إن أغلبية كل
مجموعة تنزل إلى الملعب، 5.5 لاعب، يمكنها إلغاء أي قرار لهم. الأقلية هنا لا يجوز أن تحكم
الأغلبية”.
“لحظة، انتبهوا”، اندفع ممثل م.س.أسدود، وقالت مستشارتنا القانونية إنه “يجب عدم تنفيذ
تعليماتهم أبدا. لا يوجد أي قانون في الدولة ينص على أنه يجب الامتثال لحكام كرة القدم. هم
يمكنهم أن يصفروا ونحن يمكننا تجاهلهم…” (تصفيق وضحك).
بعد نقاشات أخرى معمقة في تصحيح الظلم الديمقراطي تقرر أنه من أجل تمكين كل مجموعة
من تطبيق فقرة الاستقواء خاصتها فإن اللعب سيكون في ملعبين منفصلين، وكل فريق يمكنه
فعل كل ما يخطر بباله في الملعب. هكذا، بفضل الديمقراطية، تم وضع حد لاستبداد التحكيم في
الملاعب.
وصل هذا الحل اللامع بسرعة كبيرة أيضا إلى قطاعات أخرى في الاقتصاد. الأول هو القطاع
الذي يعاني أكثر من القطاعات الأخرى من وطأة الذراع الظالمة لطغاة العدالة: المجرمون في
إسرائيل. بحث أجراه معهد “كونسليري” بناء على طلب رؤساء عائلات الجريمة أظهر نتيجة
مدهشة: تبين أنه في الدولة يوجد عدد من المجرمين أكثر من عدد القضاة. بصعوبة ألف قاض
أمام عشرات آلاف المجرمين. مع ذلك، هذه الأقلية الضئيلة جدا تتحكم بالمجرمين، وتفرض
عليهم كل ما يخطر ببالها: سلب الحرية، فرض الغرامات، مصادرة الممتلكات، والوصم بالعار.
هل من المعقول أن يكون هناك تشويه أكثر فظاعة لقواعد الديمقراطية السليمة؟
العدل، والعقل السوي، وبالطبع الديمقراطية، كلها تطلب أن يتم إصلاح هذا الظلم.
إما أن يقوم المجرمون بحكم القضاة، أو بالعكس، أن تكون للمجرمين فقرة استقواء تمنحهم
الصلاحية لإلغاء أحكام القضاة، أو كبديل للبديل، هذا هو الأفضل، أن يكون هؤلاء المجرمون
هم الذين يقومون بتعيين القضاة الذين يروقون لهم.
بعد النقاشات الطويلة اقتحم الغرفة شخص معروف من اللوبي، وتقدم من رئيس مجلس كبار
المجرمين، وهمس في أذنه. نهض رئيس المجلس عن كرسيه وساد صمت.
“أيها الأصدقاء”، بدأ يتكلم بوجه مشرق. “يمكنكم الهدوء. القليل من الصبر ورويدا رويدا كل
شيء سيكون على ما يرام. سنحصل على فقرة استقواء وأيضا نحن الذين سنقوم بتعيين
القضاة”.
هكذا، بعون الله، تم إنقاذ الديمقراطية.

6

عن مفهوم «البرنامج» لدى «الجبهة الشعبية»

حسين قاسم
«البرنامج بكلمة مختصرة هو الإرادة العامة. وهو بهذا المعنى يعكس التطلعات والمصالح
العامة للشعب»، هذا ما جاء في مقدمة البرنامج السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»
الذي أقرّه مؤتمرها الثامن في أيار 2022. ولأن فصائل الحركة الوطنية الف لسطينية تعاني
ضعفاً في صوْغِ برامجها، وفي وضع الخطط التنفيذية لها، سوف أنطلق من فهم «الجبهة
الشعبية» لماهية البرنامج لتسليط الضوء على قضية رئيسية في النشاط السياسي الفلسطيني
هل البرنامج هو الإرادة العامة؟
يضع الحزب، أيّ حزب، برنامجه ليحقِّق الغاية التي أُنْشِئَ من أجلها، والتي غالباً ما ينصّ عليها
دستوره (النظام الداخلي). وقد يكون من الحكمة أن توضَع ثلاثة برامج؛ الأوّل استراتيجي،
والثاني مرحلي متوسط المدى، والثالث قصير المدى (بين مؤتمرين). وأهم عناصر أيّ برنامج
هي الأهداف والخطة التنفيذية التي تتوخّى تحقيقها. ولا يخضع الاستراتيجي للتغيير إلّا نادراً،
وإذا أُجرِيَت عليه بعض التغييرات فتكون غير جوهرية، إلّا إذا انقلب الحزب على نفسه. أمّا
المتوسّط والمرحلي، فإنهما عرضة للتغييرات المتواصلة بناءً على الدروس المستقاة من
التجربة، والممارسة، وكذلك تغيُّر الظروف، ليتناسبا أكثر مع ضرورة تحقيق ما هو
استراتيجي. وبما أننا نتحدّث عن المؤتمرات الحزبية، فإن هذا يعني أن البرنامج الذي يقرُّه
المؤتمر يستهدف الفترة بين مؤتمرين، على اعتبار أن عقد المؤتمرات الدورية هو شرط أساسي
لانتظام الحياة الحزبية.
بناءً على ما تقدّم، أرى القولَ بأنّ «البرنامج هو الإرادة العامة» يجانب الصواب. فالإرادة، وإن
كانت ضرورية لتحقيق أي برنامج، إلا أنها لا تختصره، فما هي إلا جزءٌ منه، ويظهر ذلك من
خلال الحرص والإصرار على استثمار كل عوامل القوة والطاقات المتوفرة والكامنة، على
أحسن وجه، للوصول إلى الأهداف المحدّدة. كما تظهر الإرادة في انصهار الأعضاء، وبالذات
في المراتب القيادية، في البرنامج، مترفّعين عن كلّ ما هو شخصي (السعي للمراكز القيادية
لمصلحة معنوية أو مادّية أو حبّ السلطة)، وكذلك في جعل تقويم البرنامج والخطة التنفيذية
دوريّاً، بما فيه أداء وممارسة المعنيين بذلك. وفي نهاية الأمر، يجب توفّر الإرادة للقيام
بالتصويب اللازم من خلال معالجة الشوائب وتعزيز الإيجابيات للسير بثقة أكبر نحو الأهداف
المنشودة.
الإرادة وحدها لا تصنع برنامجاً، إذ يجب أن تترافق مع الكفاءة في التخطيط، ووضع البرامج،
والقراءة الصحيحة للواقع، واستخدام الوسائل والأساليب الناجعة، وكل ما يناسب تحقيق
الأهداف. ومن ناحية أخرى، وبما أنّنا بصدد برنامجٍ حزبي، فالحديث يجب أن يكون عن إرادة

7

الخاصة بالحزب لتحقيق أهدافه لا عن الإرادة العامة. فالحزب يعبّر عن إرادته وتطلعاته وفهمه
الخاص للمصالح العامة، وعليه أن يخوض نضالاً مريراً ليتمكّن من إقناع الأغلبية بصحة
برنامجه، فتتبنّاه وتمنحه الثقة ليعبّر عنها، وعن إرادتها. وأخيراً، الإرادة العامة هي إرادة جميع
الفئات والشرائح المتوافقة على إطارٍ وبرنامجٍ يجمعان ممثليها كافةً من أحزابٍ ومنظّمات
وشخصيات. لذلك، نجدُ القول بأن البرنامج هو الإرادة العامة خطأٌ ما كان يجب على واضعيه
أن يقعوا فيه، علماً أنّهم في مجال آخر ذكروا أن البرنامج «يحدّد الفكرة التي يقوم عليها الحزب
ويحدد الأهداف العامة التي يحددها لنفسه».
خلل في مهام البرنامج
تشكّلُ المهام، التي يضعها الحزب لنفسه، واحداً من أهم محتويات برنامج المؤتمر الحزبي. فهي
التي، في حال إنجازها على نحوٍ جيّد، تمثّل المؤشّر العملي على التقدّم نحو الهدف. والمهمّة هي
الفعل المنوي القيام به لتحقيق إنجازٍ معيّن يساهمُ في جعل الحزب يقترب من تحقيق هدفه أو
أهدافه. ومن صفات المهمة الحزبية أن تكون ممكنة التحقيق، وهذا يعني أنّ الحزب يملك
القدرات والمستلزمات الكافية لإنجازها. وفي حال كان تحقيق المهمة يتطلّب وقتاً أطول من
الفترة بين مؤتمرين، لا بد من تجزئة هذه المهمة إلى مهام مرحلية. وللنجاح في إنجاز المهمّة،
يجب أن تكون واضحة، ودقيقة، ومحدّدة المخرجات التي يجب أن تكون قابلة للقياس. كما يجب
أن تُرفق بخطة تنفيذية مفصّلة: من سيقوم بهذا العمل أو ذاك، وكيف، ومتى، وماذا سيُنجَز،
وكلّ هذا ضمن جدولٍ زمني معيّن.
لفت انتباهي أن «الجبهة الشعبية»، في مقدمة المهام وقبل تعدادها، تذكُر أن هذه المهام هي
«مهام الشعب الفلسطيني في كلّ أماكن وجوده». وهذا أكبر خطأ في البرنامج؛ فكلّ حزب يضع
المهام لنفسه ضمن تصوّره لمهام عموم الحركة الوطنية.
حدد البرنامج السياسي للجبهة المهام في 18 مهمة لم أجد فيها الصفات المذكورة أعلاه، وسوف
آخذ أولاها مثالاً، وهذا نصّها: «العمل على استعادة مكانة ودور منظمة التحرير الفلسطينية
بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في جميع أماكن وجوده، والإطار السياسي الذي يجسّد
الشخصية الوطنية المستقلة، والذي يضم الطبقات والفئات الوطنية كافة ذات المصلحة الحقيقية
في تحقيق برنامج الثورة الفلسطينية وأهدافها، والعمل على إعادة بناء المنظمة على أسس
ديموقراطية راسخة وإعادة الاعتبار لبرنامجها وميثاقها، والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية
وتطويرها وتوطيدها في إطار المنظمة».
بعد قراءة متأنّية لهذا النص، يبرز السؤال الآتي: ما هو المقياس الذي نستطيع من خلاله القول
إن مكانة المنظمة ودورها، المفترض استعادتهما، قد تحقّقا أم لا؟ فإذا كان الدور والمكانة
يُقاسان بالصفة التمثيلية، أي الممثل الشرعي والوحيد، فإن هذه الصفة كانت موجودة، ورسميّاً
ما زالت، ومع ذلك لم تَحْمِنا من أوسلو ومن كل الجرائم التي ارتُكبت باسم هذه الصفة. ويصحُّ
القول نفسه بالنسبة إلى إعادة بناء المنظمة، فعبارة «الأسس الديموقراطية الراسخة» بدون
تحديد تفاصيلها يقبل بها «المتفرِّدون بالقرار» بدون جدال، وقد يبادرون قبل غيرهم إلى
وضعها في «برنامج الإجماع». إن صياغة هذه المهمّة على هذا النحو يجعل من مخرجاتها
غير محدّدة بدقة، وغير قابلة للقياس. وعدا ذلك، لم نعرف ما الذي ستقوم به الجبهة لإنجاز هذه
المهمة، وكيف، وما هي الخطوات التنفيذية، ولم نعرف أيضاً المهلة الزمنية لإنجازها.
قد يقال إن لحركات التحرّر وضعاً خاصاً لأسباب أمنية، أو أن النجاح في إنجاز مهامّها يتطلّب
السريّة في بعض المجالات. هذا صحيحٌ مبدئيّاً، لكن يجب أن لا يسري هذا على كل المجالات.
وإذا كانت السرية ضرورية، فهذا لا يعني أنه يجب أن لا تُحدّد التفاصيل والخطط التنفيذية، بل
يعني أن معرفتها تنحصر بدائرة معينة، وبحسب الاختصاص، في الحزب. خلاصة القول، إن

8

سرّ نجاح البرنامج الحزبي يكمن في وضوح برنامجه ودقة أهدافه ومهامه لأن هذا ينمُّ عن
حرصٍ وإرادة لتحقيقها، وهذا ما أتمنى أن تقوم به المنظمات الفلسطينية، وخاصة «الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين».
لم يكن هدف هذه المقالة نقد برنامج المؤتمر الثامن للجبهة، بقدر ما كان تسليط الضوء على
خللٍ يعتَوِرُ برامج جميع المنظمات الفلسطينية، وهذا يمثّل أحد أسباب أزمة الحركة الوطنية
الفلسطينية الممتدة لعقود.

القسّام في دراسة غسان كنفاني

رغد زغير
«ولعلّ شخصيّة القسّام تشكّل في حدّ ذاتها نقطة التقاء رمزية لمجموعة هائلة من العوامل
المتداخلة التي تشكّل في مجموعها تبسيطاً للقضية الفلسطينية» – غسان كنفاني
لنفهم ثورة 1936-1939، علينا العودة إلى دور الشيخ الثائر عزّ الدين القسام. يقول الأديب
الشهيد غسان كنفاني إنه على الرغم من عدم فهم أغلب المؤرخين اليهود لشخصية القسام
واعتباره «الدرويش المتعصب» وإهمال أغلب المؤرخين الغربيين له، إلا أنه «مما لا شك فيه
هو دور حركة القسام والمجموعات القسامية التي شكلت نقطة انعطاف أدت دوراً مهماً في
تقرير شكل متقدّم من أشكال النضال».
حاول كنفاني فهم شخصية القسام وتحليلها من خلال عوامل مترابطة شكّلت في مجموعها
مضمون القضية الفلسطينية، فـ«سوريّته» تمثّل العامل القومي العربي في المعركة.
و«أزهريّته» تمثّل العامل الديني – الوطني، و«نضاليّته»، بدءاً من اشتراكه في الثورة السورية
ضد الفرنسيين، وصولاً إلى فلسطين، تمثّل وحدة النضال العربي.
يبدأ كنفاني دراسته لثورة 1936-1939 في فلسطين بالحديث عن المخاطر التي كان يواجهها
الفلسطينيون، بدءاً من الإمبريالية البريطانية وعلاقتها بالحركة الصهيونية كـ«عميل ملائم
أكثر»، إضافة إلى خطر الرجعية العربية والقيادة الإقطاعية. بالنسبة إليه، هناك سببان
متداخلان لاندلاع الصدامات التي أدت لاحقاً إلى الثورة:
الأوّل، الخطر الصهيوني الذي كان يفرض نفسه على الصراع بصورة واضحة، حيث كان يزيد
من ثقل الهيمنة على الفلسطينيين.
والثاني، تهديد الإمبريالية البريطانية ووكيلها الحركة الصهيونية لمصالح الإقطاعيين.
يشرّح كنفاني تأثير غياب البنية الفوقية – أي حركة وطنية ترتقي لقيادة الثورة – بسبب هيمنة
الإقطاعيين الذين كانوا يحملون راية القومية والثورة تارة، ويحاولون التقارب مع الإنكليز تارة
أخرى، إلا أن القيادة الاقطاعية اضطرّت لاحقاً إلى دعم النضال السياسي الفلسطيني والكفاح
المسلح بعد استشهاد القسام، حيث كانوا قد اتخذوا موقفاً «فاتراً» وحاولوا التواصل مرة أخرى
مع المندوب السامي، إلا أنهم أدركوا أنه لا يمكنهم تجاهل القسام وحدث استشهاده، ففي الحقيقة
كان لاستشهاده دور واضح في تغيير موقف القيادة الإقطاعية: «كان قد فوّت عليهم، بالشكل
النضالي الذي قرّره، فرصة التراجع».
يساعدنا تحليل كنفاني للطبقات المسحوقة من الفلاحين وما سمّاه «أشباه البروليتاريا» والبدو،
التي كانت تعاني من المشروع الصهيوني المدعوم من الإمبريالية البريطانية، في فهم أسباب
اتباعهم لدعوة القسام الثورية. فقد كان للهجرة اليهودية تأثيرات اقتصادية مباشرة، حيث كان

9

يجري العمل على استبدال الأيدي العاملة العربية بأخرى يهودية، وفي الوقت نفسه كان يجري
العمل على طرد الفلاحين من الأرياف باتجاه المدن بسبب زيادة السيطرة اليهودية على
الأراضي الزراعية، فكان العامل القومي واضحاً، ولم يكن أيّ من هذا عملاً عشوائياً. فجعل
ذلك العمال والفلاحين والبدو على استعداد دائم للاشتباك والالتحاق بالثورة. كان قهرهم القومي
المزدوج وقهرهم الطبقي المزدوج عاملاً أساسياً للالتحاق بالمجموعات القسامية التي أدركت
حقيقة الصراع.
أمّا بالنسبة إلى دور المثقفين، ففي وسط المعركة الثقافية وتناقضاتها بين الريف والمدينة،
استطاعت التعبئة الثورية التي ظهرت على شكل الزجل السياسي الشعبي، والدعوة إلى الثورة
في المساجد والتي قادها الشيخ القسام، أن تنتصر للبارودة على حالة الخنوع التي حاولت
السلطة الإقطاعية فرضها.
يبيّن كنفاني اختلاف المؤرخين على الحدث المفجّر لثورة 36، إلا أن جميع المصادر لا تختلف
على دور المجموعات القسامية. يجادل كنفاني بأن وصول التناقضات إلى ذروتها كان سببه
تحوّل المجتمع من إقطاعي زراعي عربي إلى اقتصاد صناعي بورجوازي يهودي غربي أوّلاً،
وتحوّل شكل الهيمنة من الانتداب البريطاني إلى استعمار إحلالي يهودي ثانياً. أمّا تفجير الكفاح
المسلح، الذي دفع القيادة الفلسطينية إلى تبنّيه، فيرجع إلى حركة القسام أوّلاً، وعجز القيادة
التقليدية التي كانت على رأس الجماهير ثانياً.
ارتقى الشيخ القسام إلى مستوى مسؤولية التصدّي لمسألة غياب قيادة ثورية للمجتمع الفلسطيني.
يقول كنفاني إن ما يلفت النظر في نشاط القسام هو «عقله التنظيمي المتقدم، وصبره الحديدي»؛
نشر الثورة بسرّية، وجمع المال للسلاح، وشكّل لجان تدريب ولجان أمن ولجان اتصالات
سياسية للثورة، ليصبح الشيخ الذي أتى من جبلة في سوريا إلى فلسطين معلّماً وقائداً وثائراً،
خير تجسيد للثائر العربي الذي رفض قمع السلطة وأدرك مخاطر الاستعمار، وعمل على نشر
فكره النضالي حتى استشهد في يعبد في جنين، مشتبكاً ورافعاً شعار «موتوا شهداء».
وبعد 87 عاماً على استشهاده، لا يزال كثيرون يعتقدون بأن الشيخ القسام فلسطيني، وعلى
الرغم من تلك المغالطات، فإنه فلسطيني بهوية الصراع الذي آمن به واستشهد في سبيله. على
أرض فلسطين، اختلط دمه بدم فلاحيها ومجاهديها، لتخلّد ثورتهم ويحمل من بعدهم رايتها
لنشهد ولادة مجموعات قسامية جديدة على أرض فلسطين تأبى الانهزام. فلا تزال روح القسام
ورفاقه تطارد المستوطنين في كل اشتباك في القدس وجنين ونابلس وكل الأرض. نلمس روحه
في وصية الشهيد إبراهيم النابلسي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «حافظوا على الوطن من بعدي…
لا تتركوا البارودة».

10

برق بدّد الغيوم: عزّ الدين القسّام وتشكيل الشرق الأوسط الحديث

مارك ساناغان
ترجمة بتصرّف لمقتطفات مختارة من خاتمة كتاب «برق بدّد الغيوم: عزّ الدين القسّام وتشكيل
الشرق الأوسط الحديث» (منشورات جامعة تكساس 2020)، ننشرها بالتنسيق مع الكاتب
قبل أيام قليلة من الانتصار الإسرائيلي الحاسم في حرب عام 1967، وقبيل تعيينه وزيراً
للدفاع، قام موشي ديان بزيارة القوات الإسرائيلية المتمركزة في مدينة بئر السبع، في صحراء
النقب. يذكر ديان في مذكراته لقاءه حينها بشخص يعرفه منذ زمن بعيد، يشير له ديان بأنه
العربي الذي يعتمد عليه، وهو من المجنّدين البدو في البالماخ، كان قد تعرّف إليه منذ طفولته
في «موشاف نهلال» شمال فلسطين. والاسم العبري المستعار لهذا المقدّم في جيش الدفاع
الإسرائيلي هو «عاموس يركوني». اصطحب ديان «عاموس» إلى منزله لمقابلة زوجته،
وتحدّثا عن ذكرياتهما القديمة معاً، إلا أن موضوع النقاش الرئيسي بينهما، الذي يذكره ديان في
مذكراته، وقبل أيام من أحد أهم الفصول في تاريخ إسرائيل، كان عز الدين القسّام.
يطوف شبح القسّام على جزء كبير من ذكريات طفولة ديان، بما يعكس بشكل جليّ رأيه في
العرب. كان ديان أحد الحراس الليليين في نهلال، ليلة مقتل يوسف يعقوبي على يد القسّاميين
في كانون الأول من عام 1932. ورغم مرور 35 عاماً، لا يزال ديان يرى في القسّام والرجال
من أمثاله، كبعبع لتطلّعات اليهود في أرض إسرائيل.
بعدها بأسبوع، وتحديداً في الخامس من حزيران من العام ذاته، وفي اجتماع عقد بعد الظهيرة
جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول إلى قائد أركان الجيش إسحاق رابين، سأل الأخير
ديان عمّا يفكّر فيه خلال الإعداد للهجوم الإسرائيلي على جنين، فأجاب إن علينا أوّلاً الاستيلاء
على يعبد، مبرراً ذلك بأن «لها تاريخاً» حيث إنها المكان الذي باع فيه أبناء يعقوب أخاهم
يوسف، ولكن، كان الأهم من ذلك هو أنها المكان الذي «قتل فيه القسّام».
في أعقاب الحرب، توغّل الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتوقف في بلدة نزلة الشيخ
زايد، وتحديداً أمام منزل صغير مصنوع من الحجر الجيري الأبيض على جانب التل، فوق
البقعة التي قتل فيها القسّام. نزل جنود الجيش الإسرائيلي من سياراتهم وبدأوا بتفتيش المنزل
الذي يعود لدار وصفي. ومن غير المعروف هل أن الأمر كان مصادفة، أم أنهم قد سمعوا
الأسطورة وجاؤوا ليتأكدوا بأنفسهم، حيث إنهم أثناء بحثهم وجدوا سيفاً، وهو سيف الشيخ
القسّام، كانت عائلته قد ائتمنته لدى دار وصفي في أربعينيات القرن الماضي، والذين كانوا من

11

أوائل المؤيدين له. وهذا السيف هو ذاته الذي ذكره الشيخ يونس الخطيب في تأبين القسّام أثناء
جنازته.
أخذ الجندي الإسرائيلي السيف من دار وصفي، ليكون بذلك استولى على البقايا الملموسة من
حياة القسّام. فبالإضافة إلى السيف، ضاع صندوق يجمع حاجيات القسّام أثناء فرار أمينة القسّام
(زوجة القسّام) من جبلة عام 1948، فكل حاجياته اختفت ولا نعلم اليوم أين هي.
هل كان وطنياً فلسطينياً أم إسلامياً أم قومياً عربياً؟ الأكثر ترجيحاً أنّ كلّ هذه التصنيفات لا
تكفي حين إسقاطها على شخصيّة مخضرمة كالقسّام
شكّلت حرب 67 نقطة تحول أخرى في تاريخ فلسطين، فقد غيّر احتلال غزة والضفة الغربية
الخريطة السياسية داخل الدوائر الوطنية الفلسطينية. حيث إن عدم مقدرة الدول العربية
المجاورة على مساعدة الفلسطينيين من خلال القوة العسكرية لجيوشهم، ولّدت روحاً لدى منظمة
التحرير الفلسطينية، معتمدةً على الذات في مجال العمل الثوري. ولذلك استدعى انبثاق هذا
السياق إلى لغة سياسية جديدة برموزها وأساطيرها الخاصة بها: القدس، قبة الصخرة، النسور
والأسود، والكلاشينكوف، الكوفية، فرسان على صهوة الخيول، وأخيراً عز الدين القسّام. حيث
تمّت عملية إعادة اكتشاف واستحضار القسّام: في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.
جرت العادة في معظم الدول الحديثة على أن عملية صناعة الأساطير القومية تعتمد على
مؤسسات تعيد إنتاج التاريخ بشكل مشبع بروايات تتوافق مع أيديولوجية الدولة. بينما في الحالة
الفلسطينية، جعلت مسألة غياب الدولة عملية بناء سردية وطنية مهيمنة، تستحضر الأيام الأولى
لتكوين هذا الشعب، عملية معرّضة بشكل دائم لخطر الحرب والمنفى والاستعمار. انطلاقاً من
ذلك، فإن رمزية شخصية القسّام، ولما تتمتع به من سحر ومتانة، ظلّت معتبرة ومحترمة من
قبل الفلسطينيين على طول الطيف السياسي. قد يبدو اليوم ظهور القسام على ملصقات حركات
يسارية غريباً الآن (يتحدّث الكاتب هنا عن ملصق لـ«الجبهة الديموقراطية» يخلّد الذكرى
الأربعين لاستشهاد القسام)، وذلك لأن هذه الحركات كانت الشائعة خلال ستينيات وسبعينيات
القرن المنصرم، ورغم صعود حركات مقاومة اليوم بأيديولوجيات جديدة، إلا أن رمزية القسّام
استمرت.
تدل هذه الاستمرارية الرمزية للقسام، بين التيارات اليسارية والإسلامية، على متانته كرمز رغم
التغير والمد والجزر في الأيديولوجيات السياسية على مستوى العالم، ولكنها تعكس أيضاً، غياباً
لدراسة تاريخية محكمة لتاريخه. إنّ لدراسة تاريخ حياة القسام تعقيدات عديدة، إمّا تجاهلها
المؤرخون السابقون، أو تم التقليل من شأنها عن قصد. فعلى سبيل المثال، تمّت محاولة تهميش
لهويته الشخصية، حيث سادت خلال العقود الثلاثة الماضية تجاذبات، بين من أحال نشاطه إلى
نزعته القومية، وبين ما كان واضحاً أنها قوته الدافعة، ألا وهي الإسلام. فهل كان القسام وطنياً
فلسطينياً أم إسلامياً أم قومياً عربياً؟ الأكثر ترجيحاً أن كل هذه التصنيفات لا تكفي حين إسقاطها
على شخصية مخضرمة كالقسام، وغيره الكثير من الشخصيات التي عاصرته، حيث إن
الانتماءات السياسية التي يشار لها هي في حدّ ذاتها في حالة تغيّر مستمر.
من نواحٍ عديدة، يحتاج الفلسطينيون إلى القسّام، فقبل عام 1935 لم يكن لأبطالهم المدى
الجماهيري ذاته، فلربما كان بإمكان الحاج أمين الحسيني قيادة تظاهرات احتجاجية، لكن علاقته
مع الإنكليز أفشلت مجاراته للتطلّعات الفلسطينية على المستوى الوطني. يمكننا المجادلة بأن
فؤاد حجازي يمثّل أحد أقرب النماذج لحالة البطولة، وهو أحد المشاركين في تمرّد عام 1929
ومن ثم شنق في عكا، ويبدو أن حجازي نفسه كان يرى موته أمراً مرجحاً، ويُزعم أنه أخبر
الشرطي الإنكليزي دوغلاس داف في سجن عكا في الليلة التي سبقت صعوده المشنقة:
«خذ هذه الصورة لي. ستعيش لترى أنها ستزخرف رايات العرب

12
تقودهم إلى النصر وتخرج الإنكليز من فلسطين
لم يكن موتي عاراً
سأظهر الطريق لشبابنا، لقيادتهم في القتال الذي لن يتوقف أبداً
حتى طرد آخركم من البلاد»

فلسطين والمونديال و«بيع الوهم»

حسين فودة
من الصعب مقاربة أيّ حدثٍ، فلسطينياً، بغير عدسة الحرب. لا بل إنّ غياب هذه المقاربة يشي
بقصورٍ في التحليل يجب الحذر منه عند أيّ متلقٍّ. وكأس العالم ليست استثناءً من هذه القاعدة.
فمن منظورٍ فلسطيني، لطالما ارتبط الحدث الكروي الأكبر ببُعد سياسي أو اجتماعيّ مهم، ليس
من باب المصادفة، بل لأنّ التجربة الفلسطينية في عمقها هي تجربة حرب. من كأس العالم عام
1982 والاجتياح، إلى كأس العالم 2002 والانتفاضة الثانية، وليس انتهاءً بكأس العالم 2006
وحرب تمّوز، تتشكّل الذاكرة الكروية عند محبّي اللعبة من أبناء شعبنا ضمن ذاكرةٍ سياسية
مكثّفة. وعمليّة التشكّل هذه لا تقتصر على ربط الأحداث زمنيّاً، بل تمتدّ لتشمل جزءاً من
التشجيع الكرويّ نفسه. كلّ منافسٍ لمنتخب الولايات المتحدة الأميركية يحظى بتشجيع تلقائي من
المتابع الفلسطيني، والمعادلة نفسها تنطبق على منافسي المنتخب الإنكليزي. أمّا اللاعبون، فبعد
المواهب، لا بدّ من استحضار المواقف السياسية، تحديداً تلك التي تتعلّق بقضيتنا، قبل تحديد
القرار في تشجيع اللاعب الفلاني أو ذمّه.
وكما سابقاتها، تحمل هذه النسخة من كأس العالم ارتباطاً زمنيّاً مع الحدث الأضخم الجاري في
الضفة الغربية المحتلة، حيث سيل الدماء والمواجهات البطولية، يفرض كل ذلك نفسه في الوعي
والذاكرة للحاضر والقادم من الأجيال. لكن، وخلافاً لسابقاتها، تشكّل نسخة 2022 في قطر بُعداً
سياسياً جديداً في الساحتين العربية والعالمية، عنوانه: بيع الوهم.
تُقدّم هذه النسخة على أنّها «إنجازٌ عربي»، وتُسخّر لأجل هذا الترويج إمكاناتٌ هائلةٌ، سواء
أكانت مادية أم إعلامية. لكن، وبعد انقضاء الضجيج، يحقّ لنا -كشعوب عربية- أن نسأل: أين
هو الإنجاز؟ كرويّاً، يصعب استخراج أيّ «إيجابيات» من هذه الاستضافة على كرة القدم
العربية. القاصي والداني يعلمان أنّ أزمات كرة القدم العربية هي فرعٌ من فروع أزمات الهيمنة
على شعوبنا وما تنتجه من اختلالٍ إداريّ وفكريّ وماديّ لا يسمح لنا بالتطوّر طبيعياً بعيداً عن
مركز الهيمنة في الغرب. ومن تجليات هذه الأزمة احتكار رأس المال الكروي -النفطي تحديداً-
واستخدامه أداةً لتعزيز علاقات كياناته الدولية عبر البذخ في أوروبا على حساب حاجات شعوبنا
العربية الأساسية. وإلا، ماذا يعني أن تصرف قطر على استضافة حدثٍ رياضي ما عشرات
المليارات من دون أن يحمل لها هذا الحدث أيّ عائدٍ ماديٍّ مباشر؟ من هنا تظهر الشذرات
الأولى لسياسة «بيع الوهم». وتكفي متابعة الإعلام القطري وتصريحات المنظّمين باللغة
الإنكليزية ليدرك الجمهور العربي بأنّه «آخر همّ» المسؤولين عن هذا المشروع.
أمّا سياسياً، فيتكشّف الجزء السفلي من جبل الجليد في سياسة «بيع الوهم» عبر الخطاب
الإعلامي السياسي الذي يوجهه النظام القطري. فمن المعروف أنّ حكّام قطر كانوا السابقين في

13

التطبيع مع الكيان الصهيوني، وأنّ إمبراطوريتهم الإعلامية، «الجزيرة»، تشتهر بكونها أوّل
قناة عربية أدخلت «الرأي الإسرائيلي» إلى كل بيت عربي. ومن المعروف أيضاً، أنّ الدوحة
اليوم هي مركز الاستقطاب الأكبر لعدد كبير من الإعلاميين والكتّاب والمثقفين وحتى
«المؤثرين» في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُخصّص ميزانيات ضخمة لاحتضان جرائد
ومنصّات وحتى قنوات إعلامية تدور جميعها في فلك المال القطري. والعجيب أنّ الفلك نفسه
الذي تتمركز فيها «الجزيرة» وضيفها الدائم أفيخاي أدرعي، تدور فيه منصات وشخصياتٌ
تدّعي «مجابهة التطبيع»، وهو ما يردّنا إلى سياسة «بيع الوهم». «محاربة التطبيع» في
الأجندة القطرية هو عنوانٌ يتمّ من خلاله استقطاب الورقة الفلسطينية عبر مثقفين ومؤثرين
وشعراء يُسمح لهم بانتقاد كلّ تطبيع – إلا تطبيع النظام القطري وحلفائه. وبالتالي تتحوّل قضية
«التطبيع» إلى ورقة يسحبها حكّام الإمارة بوجه خصومهم السياسيين.
وفي ذلك الأمر تجسيدٌ لشكلٍ من أشكال قرصنة المبادئ. إن كنت عاجزاً عن إغراق السفينة،
فبإمكانك الاستيلاء عليها وقيادتها حيثما تشاء. وهو تماماً ما يفعله القيّمون على المال السياسي-
الإعلامي القطري في بلادنا.
على سبيل المثال، خرجت صفحاتٌ مموّلة قطرياً لتزفّ إلى الجمهور خبر «منع قطر حضور
الإسرائيليين لمباريات كأس العالم»، عبر «تجميد خيار «إسرائيل» على موقع شراء التذاكر».
بالطبع، عدا التأكد من صحة الموضوع، فإنّ سوريالية الكذب على الجمهور العربي مخيفة.
بالتأكيد، لن تمنع قطر (ولا غيرها ممن يدور في الفلك الأميركي) حضور الصهاينة، ورئيس
«الشاباك»، الذي يطير إلى الدوحة للتنسيق بشكلٍ غير منقطع، خير دليل. هذا ولا يجب علينا
أن ننسى حسن الضيافة في الدوحة عبر احتضان آلاف الجنود الأميركيين ومئات الطائرات
الحربية التي تفتك بشعوبنا من أفغانستان إلى ليبيا. هذه المحاولات البائسة لمسح صفة
«التطبيع» عن النظام القطري أمام الجمهور العربي تتناقض مع الدور الوظيفي لهذا النظام،
ومع الخطوات العمليّة التي عليه تنفيذها لتأمين عرشه ودوره. والعجيب في سياسة «بيع الوهم»
هو أنّها ليست جديدة، بل تمّ تجريبها قبل عامٍ كامل في مسابقة «كأس العرب 2021».
تمّ تقديم هذه المسابقة على أنّها «إنجازٌ» عربي آخر، وتم صرف الملايين على اللوجستيات
والتغطية الإعلامية وغيرها. وركّزت فروع الإعلام المموّل قطرياً (التقليدي منها والرقمي)
على مشهدية الافتتاح التي شملت عزف أناشيد الدول العربية، ومنها نشيد «فدائي». وراوحت
التعليقات بين التطبيل والاحتفاء والتأثّر بهذا الإنجاز العظيم. لتُختتم البطولة بحفلة تطبيعٍ كبرى
شملت أكثر من عشرة لاعبين وصحافيين عرب حين لعبوا مباراة «وديّة» ضدّ فريق عالمي
بقيادة المدرب الصهيوني الشهير أفرام غرانت. كلّ ذلك حدث في الدوحة، وفي الملعب نفسه
الذي عُزف فيه النشيد الفلسطيني قبل أيام.
بالتأكيد، مرّ الموضوع مرور الكرام، وذلك دليلٌ على نجاح المال القطري في قرصنة مفهوم
«التطبيع» بالتواطؤ مع مدّعي الوطنية من نخب ومثقفين. وما يغيب عن جزء كبير من
الجمهور العربي هو أنّ استضافة أفرام غرانت والسماح للصهاينة بحضور مباريات كأس العالم
على أرضٍ عربية، ليسا غريبين عن دور ووظيفة النظام القطري. المستغرب هو موقف النخب
التي تتغطّى بعباءة المال السياسي القطري فتشارك في حملات كيّ الوعي وقرصنة المفاهيم.
لهذا وأكثر، إن كان من عبرةٍ نستقيها من هذه النسخة من كأس العالم، فهي الحاجة إلى خوض
معركة تحرير المفاهيم من قراصنة المبادئ الوطنية لنضالنا العربي نحو التحرّر من الهيمنة
الغربية، ومن مخفرها المركزي: إسرائيل.

14

عندما يتطرّف الإسرائيليون بعد نصف قرن من «اعتدال عربي»

محمد سيد رصاص
سيعود بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل وفق نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، ولكنّ
الفرق الآن أن المعسكر السياسي لنتنياهو، الذي سيشكل القاعدة البرلمانية لحكمه، سيكون
موزعاً على ثلاثة أقسام، هي: اليمين الصهيوني القومي (حزب الليكود، 32 مقعداً من أصل
120 عدد مقاعد الكنيست) واتجاه الصهيونية الدينية (الحزب الصهيوني الديني، 14مقعداً)
وأحزاب المتدينين اليهود (حركة شاس، 11مقعداً، وهي حركة تستند إلى قاعدة من اليهود
الشرقيين/السفارديم، وتحالف يهود التوراة المتحدين، 7 مقاعد، وهو يضم حزب أغودات
يسرائيل «اتحاد إسرائيل» وحزب ديكل هاتوراة «راية التوراة»، ويستندان إلى قاعدة من
اليهود الغربيين/الاشكناز، وهذا التحالف للحزبين الأخيرين لا يعتنق الصهيونية، ولكنه يتعايش
معها، وقد ظل حزب أغودات يسرائيل، الذي انشق عنه ديكل هاتوراة عام 1988، لا يدخل في
الائتلافات الحكومية حتى التسعينيات مكتفياً بمنصب رئيس لجنة المال بالكنيست، مقابل تأييده
البرلماني للحكومة).
هذا التشكيل الحكومي المستند إلى الاتجاهات الثلاثة المذكورة سيكون الأكثر تطرفاً في تاريخ
دولة إسرائيل، حيث يجمع يميناً صهيونياً قومياً متشدّداً يحمل تراث فلاديمير جابوتنسكي
ومناحيم بيغن وإسحق شامير، إلى اتجاه صهيوني ديني، كان جنينه الأول الحزب الديني القومي
(المفدال) الذي مزج الصهيونية كحركة قومية مع اتباع قانون التدين اليهودي الحرفي (الهالاكا)
عند اليهود المتدينين. وكان هذا الحزب ينصبّ همه من الاشتراك في الحكومات الإسرائيلية
على تشريع قوانين تخص «حرمة العمل يوم السبت» أو «الطعام الحلال» (الكوشير) أو
«تمويل مؤسسات التعليم الديني» (الياشيفا)، وإن كان بدأ بالتطرف السياسي مع رعايته لبداية
الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية بالسبعينيات عبر حركة «غوش أومونيم» (عصبة
المؤمنين). ثم امتزج هذا الاتجاه الصهيوني مع حركات قومية صهيونية يمينية كانت أكثر تشدداً
من «الليكود»، مثل حركة «ميلوديت» (الوطن الأم) التي أسّسها الجنرال الإسرائيلي المتقاعد
رحبعام زئيفي عام 1988 ونادت بترحيل العرب بين البحر والنهر إلى شرق نهر الأردن.
وعملياً لم يكتسب هذا الاتجاه الصهيوني الديني، بالتوازي مع صهيونية يسارية عمالية (حزب
العمل) وصهيونية يمينية قومية (الليكود) وصهيونية علمانية (حركة شينوي- التغيير، وحزب
ميريتس)، شكله وقوامه سوى منذ عام 1998 عندما انشق «حزب تكوما» (الوثبة) عن
«المفدال» وأسّس تحالف «الاتحاد القومي» مع «ميلوديت»، ليكون مزيجاً من التطرف
الصهيوني القومي الأقصى مع الاتجاه التديني اليهودي الحرفي. وقد تغذى هذا الاتجاه لاحقاً من
آتين من حركة «مئير كاهانا» الصهيونية المتطرفة (كاخ- رابطة الدفاع اليهودية)، كانوا قد
أسسوا حركة «أوتسما يهوديت» (العظمة اليهودية) في عام 2013، ومنهم المحامي إيتمار بن
غفير، وهو من أصول عراقية. ظل هذا الاتجاه يصعد ويهبط ويدخل في تشكيلات وأسماء
متعددة حتى عام 2021 عندما اتحدت «أوتسما يهوديت» مع «تكوما» وحركة «نوآم»
(النعمة) المعادية للمثليين في «الحزب الصهيوني الديني» بزعامة بيزاليل سموتريتش (ولد في

15

مستوطنة بالجولان ويعود لأصول أوكرانية من والد حاخام) الذي نال أربعة عشر مقعداً في
انتخابات الكنيست الأخيرة، ليكون القوة السياسية الثالثة في الكنيست.
بالتوازي، سيشكل المتدينون اليهود، بفرعيهم السفاردي في شاس والأشكنازي في «يهود
التوراة»، الضلع الثالث لحكومة نتنياهو القادمة، وهم إن نالوا مطالبهم المطلبية والفئوية، ومنها
مطلبهم بتحديد أن «اليهودي من كانت أمه يهودية» وليس كما هو معمول به في إسرائيل، «من
كان أحد أجداده من اليهود»، ما سيجعل نصف مليون إسرائيلي، في حال تبنيه، خارج الديانة
اليهودية، فهم لن يعارضوا التشدد السياسي المتطرف ضد الفلسطينيين والعرب عند شركائهم
الحكوميين.
يلاحظ هنا عدة ظاهرات؛ اختفاء الصهيونية العلمانية مع عدم استطاعة حركة «ميريتس»
الوصول إلى نسبة الحسم للتمثيل في الكنيست (3,25% من عدد أصوات المقترعين) ووصول
اليسار الصهيوني العمالي ممثلاً في حزب العمل بالكاد إلى ما فوق حافة التمثيل (3,69%)،
فيما علمانية أفيغدور ليبرمان في حزب «إسرائيل بيتنا»، وله ستة مقاعد، ذات طابع فئوي
خاصة بوضعية المهاجرين اليهود الروس لإسرائيل في التسعينيات، الذين يخشى الكثير منهم أن
تجردهم الأحزاب الدينية، بفرعيها الديني التقليدي والصهيوني الديني، من يهوديتهم إن طبقت
عليهم مقاييس المتدينين لتحديد «من هو اليهودي؟»، وهو نزاع موجود منذ تأسيس دولة
إسرائيل في عام 1948. الظاهرة الثانية، أن حكومة نتنياهو القادمة، بقاعدتها البرلمانية من 64
مقعداً، سيكون نصفها فقط لـ«الليكود» والنصف الثاني للصهيونية الدينية ولأحزاب المتدينين
اليهود، وهي وضعية
ستجعل نتنياهو أسيراً لهذين الاتجاهين أو لأحدهما. الظاهرة الثالثة أن الصهيونية الدينية، كاتجاه
سياسي صاعد في إسرائيل، تستند أساساً إلى فئة الشباب وخاصة جيل العشرينيات، ولها قاعدة
واسعة بين اليهود المنحدرين من والدين أتوا من البلاد العربية، وهي اتجاه عنصري يعادي
العرب والمسلمين ويميل إلى ترحيل (ترانسفير) حتى عرب 1948 ولو تحت قناع «من هو
معادٍ لدولة إسرائيل»، وإلى السيطرة على المسجد الأقصى، وإيتمار بن غفير يضع صورة
باروخ غولدشتاين في منزله وهذا هو الذي قتل عشرات المصلين عام 1994 بالمسجد
الإبراهيمي في الخليل.
أمام كل ما سبق، يجب على العرب أن يطرحوا سؤالاً رئيسياً بعد انتخابات 1 تشرين الثاني
2022 للكنيست الإسرائيلي: لماذا يصعد التطرف إلى درجات قصوى عند غالبية كبرى من
مواطني دولة إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، بعد نصف قرن من اعتدال عربي باتجاه
الصلح والاعتراف والتطبيع مع إسرائيل بدأ منذ فترة ما بعد انتهاء حرب 1973 عند حكام
عرب وعند ياسر عرفات، وكانت مراهنات هؤلاء أن هذا الاعتدال العربي والفلسطيني سيولِد
أو يلاقي مثيله عند الإسرائيليين؟ ثم سؤالاً آخر: هل تطرّف الإسرائيليين هذا ناتج عن إحساسهم
بالضعف العربي، وعن إيمان الإسرائيليين بأن القوة هي الطريق الوحيد في السياسة، وما دام
العرب لا يملكونها فلا يمكن للإسرائيلي أن يعطي شيئاً؟ أم أن هذا التطرف هو تطرف وقائي
أتى نتيجة يقين الإسرائيلي أو غالبية كاسحة هناك بأن الاعتدال العربي (والفلسطيني) يقتصر
على حكام عرب و«مسؤولين» فلسطينيين وبعض المثقفين فيما معظم العرب والفلسطينيين لا
يقبلون ولن يقبلوا بوجود دولة إسرائيل؟

رغم الضغوط الأمريكية.. نتنياهو أمام “الخيار السموتريتشي”: مجبر أخوكم لا

بطل

بقلم: يوسي فيرتر
هآرتس
أراد نتنياهو أن يعرض حكومة اليوم، غداة أداء الكنيست الـ 25 لليمين وبعد نحو أسبوعين على
الانتخابات؛ هذا طموح متغطرس عبر عن غطرسة تفشت في قلبه بعد حصوله على الأغلبية
التي حصل عليها معسكره. لم يأخذ في الحسبان عاملاً هامشياً: بتسلئيل سموتريتش، رئيس
قائمة “الصهيونية الدينية”. إذا كان نتنياهو متغطرساً بدرجة 9 فإن سموتريتش يعلوه بدرجة
تتكون من خانتين، بفضل المسيحانية الحريدية القومية التي يرفع رايتها.
خطابه أمس في جلسة قائمته التي تضم سبعة مقاعد (حصل على معظمها بفضل بن غفير)،
عبر عن المكانة التي وضع فيها نفسه بنفسه. تحدث فقط عن اقتصاد وأمن، أمن واقتصاد.
وذهب وجند دعم الحاخامات المتطرفين الذين نفذ أقواهم وينفذها وسينفذها إذا وصل، لا سمح
الله، إلى الطابق الـ 14 في الكرياه في تل أبيب. ستكون عيناه شاخصتين إليهم وإلى موضوع
إخلاء بؤر “الزعرنة” وإلى اعتقال مخربين يهود (التعبير الذي رفضوه) وإلى فرض القانون
والنظام بين العرب واليهود في “المناطق” [الضفة الغربية].
المتهم بهذا الوضع هو نتنياهو. أينما وُجد أشخاص يمكن ابتزازهم فثمة مبتزون، وأينما وُجد
أناس مضغوطون فثمة ضاغطون. غداة الانتخابات كان عليه الإعلان أن هناك حقائب وزارية
لن يجري تفاوض عليها، مثل وزارة الدفاع ووزارة العدل، مع وجود 32 مقعداً له، نصف حجم
الائتلاف. حيث إن المرشحين الوحيدين المناسبين لهذا المنصب موجودان في قائمته (يوآف
غالنت وآفي ديختر)، كان له كل الحق في أن رسم خط على الرمال.
آريه درعي كان سيتنفس الصعداء ويقفز بسرور إلى الحقيبة التي أعدت له، المركز والمحيط،
فهذه إمبراطورية. وكان سموتريتش سيكتفي بحقيبة اقتصادية – تنفيذية على مقاسه. ولكن
نتنياهو أظهر نعومة واستخذاء، وكل شيء تعقد. فجأة؛ أصبح درعي، مجرم ضرائب مدان،
يسعى لحقيبة المالية. سموتريتش، المتهرب من الخدمة الكاملة في الجيش والعنصري المتطرف
والمصاب بجنون العظمة وتعتبره الإدارة الأمريكية خطراً ملموساً على أمن المنطقة، بدأ في
“تعلم مقتضيات الوظيفة”. المتحدثون بلسانه يلقمون المراسلين بقصص خيالية عن لقاءاته مع
“ستة جنرالات في الاحتياط”، ويبلغون بأنه تلميذ مجتهد. من هم هؤلاء الجنرالات وما هي
مواقفهم، هذا أقل أهمية.
إن خوف نتنياهو من الخيار السموتريتشي كبير جداً إلى درجة أنه عرض وزارة الدفاع على
درعي أمس. هذه فكرة نشرتها الصحيفة للمرة الأولى الجمعة، كشيء تم التحدث عنه في حاشية
رئيس الليكود. وها هو الحديث يتدحرج ليصبح عرضاً رسمياً. ليس لبيبي في السنوات الأخيرة

17

أي احترام للمؤسسات الرسمية، فكل ما يخدمه يعد أمراً ممتازاً. هكذا يجب أن نرى توجهه
لدرعي، كبصقة في وجه رئيس الأركان التارك والداخل.
مراسيم أداء اليمين وفرت عدداً من الصور القوية.
1- نتنياهو يظهر متكدراً جداً. الرسائل التي يتلقاها من الأمريكيين بخصوص التعيينات المختلف
عليها، تجعله يتعرق لساعات إضافية. لن أضع حقيبة الدفاع في يد سموتريتش، أكد لمقربيه.
2- كلمات الإجمال التي جاءت في خطاب الرئيس هرتسوغ وجهت ليهود الشتات: “أنتم مهمون
لنا، ونحن مهمون لكم”، قال بنوع من التوسل. لم يتحدث معهم، بل تحدث مع أعضاء كنيست
معينين، يكرهون ويضطهدون الإصلاحيين والمحافظين، والذين إذا خرجت برامجهم إلى حيز
التنفيذ ستفقد إسرائيل بقايا مؤيديها والمتبرعين لها.
3- صورة فشل الائتلاف السابق، مجموعة مفككة ومتنازعة لم تعرف كيف ترص الصفوف في
الوقت المناسب، وسجلت عدداً غير قليل من الأهداف الذاتية، ومنحت فوزاً سهلاً للطرف
المقابل.
4- كان يصعب عدم ملاحظة الانقلاب السياسي الذي حدث في قائمة الليكود. جلس إلى جانب
نتنياهو في الصف الأول ياريف لفين وايلي كوهين ويوآف غالنت ودودي امسالم، شخصيات
جديدة رفيعة. أما إسرائيل كاتب ويولي ادلشتاين وميري ريغف، الذين احتلوا هذه الأماكن في
الكنيست السابقة، فقد تم خفض مرتبتهم. بقي من الطليعة السابقة لفين، الذي حسن مكانته. عندما
يريد هؤلاء التنافس على وراثة نتنياهو فسيقابلونه.
وأزمته مع الخارج..

إعلام عبري: مأزق نتنياهو بتشكيل الحكومة “التحالفية” بدأ…ولن يخرج منه!

أمد/ تل أبيب
يواجه رئيس حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، مأزقا في هذه الأثناء بما يتعلق بتشكيل الحكومة،
لكن الانطباع العام في الحلبة السياسية، وخاصة داخل كتلة اليمين التي ستتألف منها الحكومة
الجديدة، هو أن هذا المأزق سيتبدد خلال الأسابيع المقبلة.
ونقلت صحيفة “هآرتس” العبرية ،يوم الجمعة، عن مصادر ضالعة بالمفاوضات الائتلافية
وعلى اتصال مع نتنياهو قولها إن رئيس حزب الصهيونية الدينية، بتسلئيل سموتريتش، لن يعين
وزيرا للجيش، وأنه سيضطر إلى التنازل بالحصول على حقيبة المالية، التي يطالب بها رئيس
حزب شاس، أرييه درعي.
وفي حال تنازل درعي عن حقيبة المالية، فإنه سيحصل على حقيبة الداخلية موسعة، بحيث
تضاف إليها حقيبة الأديان، وهناك اقتراحات أخرى، مثل تعيين درعي، إضافة إلى حقيبة
الداخلية الموسعة، في منصب القائم بأعمال رئيس الحكومة. إلا أن تعيينا كهذا يحتاج إلى تعديل
القانون، لأنه يسمح بتعيين قائم بأعمال رئيس الحكومة من الحزب الحاكم فقط، أي من الليكود.
وفي حال كان الحل بهذا الشكل، فإن نتنياهو سيسعى إلى تعديل القانون.
وأفادت الصحيفة بأن اهتمام وزراء الجيش السابقين كان منصب بالأساس على القضايا
الاستراتيجية، مثل “الدفاع عن أمن الدولة، تجهيز الجيش للحرب، إيران، لبنان، حزب الله، غزة
والضفة”. وسموتريتش لا يركز اهتمامه على قضايا كهذه، وإنما على توسيع الاستيطان
بالأساس.

18

في هذه الأثناء، إصرار سموتريتش على تولي حقيبة الأمن مدعوم من حاخامات الصهيونية
الدينية، وفي مقدمتهم الحاخام حاييم دروكمان. وبحسب الصحيفة، فإنه لدى انتهاء مهلة نتنياهو
لتشكيل حكومة، بعد 28 يوما من تكليفه، لن يستمر الحاخامات في دعم إصرار سموتريتش
“ولن يسمحوا بتوجه إسرائيل إلى انتخابات أخرى”.
وتجدر الإشارة إلى أن جميع أحزاب كتلة اليمين يريدون تشكيل الحكومة. ونتنياهو يسعى
لتشكيلها معهم فقط، لأن هذه الأحزاب وافقت وتعهدت بتنفيذ تعديلات قانونية بهدف منع
استمرار محاكمته بتهم فساد يمكن أن تؤدي في النهاية إلى سجنه.
وإلى حين تشكيل الحكومة، يسعى نتنياهو إلى تليين موقف سموتريتش من خلال التشكيك
بشخصية الأخير. فقد أوضح نتنياهو له، يوم الثلاثاء الماضي، أنه لن يمنحه حقيبة الجيش بسبب
موقف الإدارة الأميركية وتهديدها بأنها لن تتعامل مع سموتريتش كوزير للأمن، ما يعني إلحاق
ضرر بالعلاقات الإسرائيلية – الأميركية.
إلا أن نتنياهو اتفق مع رئيس حزب “القوة اليهودية”، إيتمار بن غفير، في اليوم التالي على
شرعنة البؤر الاستيطانية خلال 60 يوما بعد تشكيل الحكومة، وتضمين هذه التفاهمات في
الاتفاقيات الائتلافية.
واعتبر موقع “واللا” الإلكتروني أن هذه التفاهمات كانت “هدفا تكتيكيا من أجل ممارسة ضغوط
على سموتريتش وتصويره كمن ينشغل بالتكريمات والمناصب وليس بمواضيع أيديولوجية
جوهرية”، رغم أن تثير هذه التفاهمات غضبا في واشنطن.
وأشار “واللا” إلى إمكانية لا تبدو أنها واردة حاليا، وهي انضمام حزب “ييش عتيد”، برئاسة
يائير لبيد، أو حزب “المعسكر الوطني”، برئاسة بيني غانتس، اللذين يوصفان بـ”اليسار”، إلى
حكومة نتنياهو. ولا يبدو أن إمكانية كهذه ستتحقق بسبب الاتهامات بمخالفات جنائية ضد
نتنياهو.
واعتاد نتنياهو على ضم أحزاب “يسار” إلى حكوماته السابقة، لصد ضغوط متوقعة من جانب
واشنطن وعواصم غربية أخرى، وكذلك من أجل لجم خطط استيطانية كبيرة، ومخططات ضم
مناطق من الضفة، كالتي يسعى إليها سموتريتش وبن غفير وقسم من قيادة الليكود. ولذلك يتوقع
أن يواجه نتنياهو أزمات داخل حكومته بعد تشكيلها أيضا.
وبحسب “واللا”، فإنه في حال وجود احتمال لمعاهدة سلام جديدة مع إسرائيل، أو في حال
نشوب حرب، ستتزايد الضغوط على لبيد وغانتس من أجل الانضمام إلى الحكومة لتصبح
“حكومة وحدة”.
وينثر نتنياهو وعودا حول سلام مع السعودية “كغاية استراتيجية مركزية” خلال ولاية حكومته
الجديدة. “لكن خلافا لاتفاقيات أبراهام، فإن الطريق نحو تطبيع مع السعودية لا تزال مقرونة
بتنازلات للفلسطينيين، لن يوافق عليها سموتريتش وبن غفير”، بحسب “واللا”. ويعني ذلك أن
أزمات نتنياهو بدأت بتشكيل الحكومة داخل معسكره، وستستمر بين إسرائيل والعالم خلال
ولايتها.

انتخابات الكنيست 2022: استخلاص العبر

د. إمطانس شحادة
أوضحت نتائج انتخابات الكنيست أخيرا، من جهة، الفرز السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي
وهيمنة اليمين الفاشي الشعبوي على المجتمع والسياسة في إسرائيل، ومن جهة أخرى حاجة
المجتمع العربي في فلسطين 48 إلى مشروع سياسي واضح لمواجهة هذا الفرز، بعيدا عن لعبة
المعسكرات والانضواء تحت سقف الأحزاب الصهيونية، والخروج من ذهنية سنوات
التسعينيات والتعامل مع إسرائيل الحالية.
بعد خمس جولات انتخابية، استطاع اليمين المتطرّف تحقيق أغلبية عددية في الكنيست، بعدما
حقق قبلها هيمنةً على المجتمع والسياسة وصناعة القرار في إسرائيل. عدم تمكُّن نتنياهو
وأتباعه من الحصول على أغلبية في الجولات السابقة لا يعني أن هذا التيار لم يملك أغلبية، بل
يعني أنه فشل في ترجمتها بعدد المقاعد في الكنيست بسبب الانقسامات داخل المعسكر نفسه.
الجديد في هذه الانتخابات تجنّد مجتمع الحريديين بشكل كامل لحسم الانتخابات لصالح نتنياهو،
وارتفاع كبير في نسب التصويت لديهم، لأنه لا يريد البقاء خارج التحالف الحكومي وخسارة
مكتسبات مالية ورمزية حقّقها في تحالفه مع نتنياهو، وكذلك بسبب جنوح فئة الشباب في
المجتمع الإسرائيلي إلى دعم الفاشي بن غفير، وغياب حزب “يمينا” عن المشهد الانتخابي الذي

20

اقتطع من معسكر نتنياهو في الانتخابات السابقة ستة مقاعد، وذهب بها إلى المعسكر المناهض،
وعادت كلها في هذه الانتخابات إلى بيتها في اليمين الفاشي. تجنّد معسكر نتنياهو بالكامل
لاستنفاد دعمه في الشارع الإسرائيلي وعودته إلى السلطة التنفيذية، بينما تفكّك المعسكر
المناهض لنتنياهو، كونه لا يملك أي مشروع سياسي بديل أو مختلف، وجل ما يطرحه هو
الدعوة إلى تبديل نتنياهو.
يعمل المعسكر المناهض لنتنياهو تحت سقف البراديم (النسق) الصهيوني اليميني، وجلّ ما
يريده هو الحفاظ على “الديمقراطية اليهودية” في إسرائيل، ومنع عودة نتنياهو إلى الحكم
ودخول الفاشية للحكومة (سموطريتش وبن غفير). ما يريده فعلا هذا المعسكر هو الحفاظ على
“الديمقراطية” بصيغتها الإجرائية فقط، ولا يخوض نقاشا في مضمون هذه الديمقراطية
ومعانيها. لا ينادي هذا المعسكر بالديمقراطية الجوهرية ولا بالمساواة الحقيقية ولا بإنهاء
الاحتلال، وهو يتبنّى النظام الاقتصادي النيوليبرالي بالكامل. دخول حزب “ميرتس” في هذا
التحالف، متجاهلا هذه المعطيات هو ما أدّى إلى تلاشيه من المشهد السياسي في إسرائيل،
وبذلك بقيت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، حزب اليسار الإسرائيلي الوحيد الممثّل في
الكنيست.
انحصار الخلافات الأيديولوجية بين الأحزاب الإسرائيلية لم يكن وليد الجولات الانتخابية
الأخيرة، بل تراكم تحوّلات بدأت منذ بداية الألفية الثالثة. إلى غاية الانتفاضة الثانية، كان النقاش
حول مستقبل الأراضي المحتلة والسياسات الأمنية، وبدرجة أقل الطرح الاقتصادي، من أهم
مركبات التصدّع بين اليمين واليسار الصهيونيين في إسرائيل. وقد انتظمت المنظومة الحزبية
وفقا لمواقف الأحزاب وطروحاتها في هذه المحاور.
منذ بداية الألفية الثالثة، بدأت حدّة التصدّعات التقليدية بالتراجع، وتحوّلت من لبّ الشرخ إلى
حالة توافق. منذ انتخابات 2009، هناك توافق كبير بين الأحزاب الرئيسية على طبيعة إدارة
الاحتلال وجوهر دولة إسرائيل وهويتها ومكانة المجتمع العربي في دولة إسرائيل. في المجمل،
تطرح الأحزاب الرئيسية موقفا يعارض إقامة دولة فلسطينية، ولا تحمل أي أجوبة للحقوق
الشرعية للشعب الفلسطيني، وبذلك تلغي أي احتمال للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. كما
تشدّد غالبية الأحزاب على الهوية اليهودية للدولة.
في المقابل، نمت تصدّعات جديدة، مشتقة من قاموس مصطلحات اليمين المتطرّف الحديث،
تحدّد مكانة الأحزاب على محور اليمين المتطرّف (يشمل الليكود) ويمين وسط (“ييش عاتيد”
و”المعسكر الوطني”)، والوسط (“حزب العمل”)، وفتات اليسار الإسرائيلي (“ميرتس”). بذلك،
بدأ الحديث عن نمو تيار يمين متطرّف حديث، يمتاز بأنه يحمل نزعة قومية شديدة، متدين،
يحمل أيديولوجيا عنصرية، معاد للديمقراطية، من ضمنها معاداة التعدّدية، ورفض المساواة
الجوهرية بين مواطني الدولة. كما يسعى إلى تقويض صلاحيات الجهاز القضائي، وتحديدا
المحكمة العليا، والحدّ من تأثيرها وتدخلها في الحياة العامة وعملية سن القوانين، ويتّسم بكراهية
العرب ومعاداتهم. أوصلت انتخابات الأسبوع الماضي هذا التيار إلى الحكم.
وقد فاجأت نتائج الانتخابات من الأحزاب العربية فقط من غضّ النظر عن التحولات التي
حصلت في المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وأصرّ على التعامل مع المنظومة
السياسية والمجتمع في إسرائيل بمفاهيم تسعينيات القرن المنصرم. وهكذا عمل على المفاضلة
بين اليمينين، الفاشي والتقليدي، واعتبره مركزا، وغضّ النظر عن وجود داعي الترانسفير
ليبرمان شريكا في هذا المعسكر، ومعه ساعر وزئيف إلكين، اللذان يحملان قناعات اليمين
الفاشي عن ظهر قلب.

21

يؤكّد فوز اليمين المتطرّف الشعبوي وتلاشي وهم التأثير ولعبة المعسكرات، وفشل محاولات
إسقاط اليمين بكل صياغاتها، حاجة المجتمع العربي لبناء مشروع سياسي جماعي يستند إلى
قراءة واقعية للمشروع الصهيوني ولإسرائيل الحالية، وواقع المجتمع العربي، ويرتكز على
حقوق المجتمع العربي القومية والمدنية، ويطرح دولة المواطنين حلا أفضل للمواطنين كافة،
ليكون مشروعا مناهضا للإجماع الصهيوني. وهذا ما فشلت بتوضيحه القائمة المشتركة، وأدّى،
في نهاية المطاف، إلى تفكّكها.
كان فشل تجربة القائمة المشتركة بسبب محاولة البعض الاستحواذ عليها وجرّها إلى لعبة
المعسكرات الحزبية الإسرائيلية، ونتيجة قراءة خاطئة لواقع إسرائيل والتحولات السياسية فيها،
وعدم طرح مشروع يحفّز المجتمع العربي على العمل والمشاركة السياسية. ولا يعني هذا الفشل
أن المجتمع العربي ليس بحاجة إلى عملٍ جماعيٍّ أو مشروع سياسي جماعي. وقد تكون بقعة
الضوء الأهم في نتائج الانتخابات أخيرا، التي تعزّز هذه الحاجة، حصول التيار القومي
الديمقراطي المتمثل بحزب التجمع الوطني الديمقراطي، على قرابة 140 ألف صوت (قرابة
25% من الأصوات العربية)، ليشير إلى بداية مرحلة مختلفة عن السابق، وإلى عودة الرشد
إلى الحالة السياسية والحزبية لدى المجتمع العربي في الداخل.

اطلبوا الديمقراطية ولو في البرازيل

بقلم: منجد صالح
اعتلى الرئيس البرازيلي الذي فاز فوزا ساحقا في الانتخابات الرئاسيّة الاخيرة، اغناسيو لولا
داسيلفا، اعتلى منصّة الخطابة لالقاء خطابه الأوّل، خطاب الفوز والنصر، وهو يحمل في يدة
حذاء!!!! استغربت الجماهير المحتشدة لسماع خطاب الرئيس المُنتخب، لكن الرئيس “لولا” ما
لبث أن بدأ خطابه قائلا، وهو يهزّ الحذاء بيده:

  • “وصلني اليوم هذا الحذاء هديّة من عُمدة مدينة “فراتكو”، وأعرف أنّه يُريد أن يُذكّرني أنني
    ربما مسحت له يوما حذاءه أو حذاء والده عندما كنت أعمل ماسح أحذية وأنا طفل فقير. وهذا
    شرف عظيم لبلدنا أن يُصبح ماسح الأحذية رئيسا للدولة، وذلك خيرٌ من أن يُصبح رئيس الدولة
    لصّا ينهب أموال شعبه”.

22

بدأت “الحكاية”، حكاية الانتخابات البرازيليّة، عشية يوم 2 تشرين أوّل (اكتوبر) الماضي عندما
بعث لي سفير البرازيل في رام الله الصديق اليسّاندرو كاندياس، دعوة على الواتس آب يقول لي
فيها: – عزيزي سعادة السفير، يوم الاحد القادم 2 اكتوبر سيكون لدينا انتخابات في البرازيل.
البرازيليّون في الخارج سيصوّتون أيضا، بما في ذلك في فلسطين (لدينا 1300 ناخب هنا).
أرحّب بك أن تزورنا هذا اليوم للاطلاع على ومواكبة التصويت الالكتروني في “سفارتنا” في
رام الله. أرجو أن تعلمني برغبتك بالزيارة، اهلا وسهلا، تحيّاتي”.
فاجبته برسالة نصيّة:

  • ” شكرا لك عزيزي السفير، تهانيّ بمناسبة انتخاباتكم، انّه لمن دواعي سروري أن اكون معكم
    في هذا اليوم المُحدّد” المُنتظر. في العمارة الباسقة في حي المصيون الراقي،وفي المصعد
    المُسافرصعودا إلى السفارة البرازيليّة كان روّاده المليئ بهم يتحدثون بالعربية وبالبرتغالية. في
    البرازيل بتحدّثون اللغة البرتغالية بحكم أنّها كانت مستعمرة برتغالية، وهي الدولة الوحيدة ضمن
    دول امريكا اللاتينية التي تتحدّث البرتغاليّة، بخلاف الدول اللاتينيّة الاخرى الناطقة بالاسبانية ،
    حيث كانت مستعمرات اسبانية.
    واكبت أنا والسفير البرازيلي اليساندرو عملية تصويت البرازيليين من اصل فلسطيني الذين
    وصلوا منذ الساعة التاسعة صباحا إلى مقر السفارة لممارسة حقّهم في انتخاب رئيس بلادهم
    الجديد. كانت المنافسة مُحتدمة بين الرئيس الحالي، اليميني بولسنارو، صديق نتنياهو وبين
    زعيم المعارضة الرئيس الذي فاز لولا داسيلفا صديق الشعب الفلسطيني. في اليوم التالي
    اطلعني السفيرالصديق على نتائج الانتخابات في السفارة حيث صوّت معظم البرازيليين
    الفلسطينيين لصالح المُرشّح لولا دا سيلفا، الذي فاز باغلبية ساحقة في الجولة الثانية التي جرت
    بعد شهرين من الجولة الاولى.
    وهكذا انتصرت الديمقراطية في البرازيل ووصل إلى سدة الحكم رئيسا للدولة وللمرّة الثانية
    ماسح الاحذية، الطفل الفقير، الذي اصبح زعيما وطنيا يقود حزب العمال البرازيلي على مدى
    سنوات. في التسعينيات من القرن الماضي وكزعيم لحزب العمال البرازيلي زار لولا داسيلفا
    القائد ياسر عرفات في تونس، وقد تشرّفت بوجودي معهما وحضور اللقاءات والاجتماعات.
    لولا داسيلفا شخصية “كرازميّة” ياسرك ببساطته وتواضعه وعواطفه الجيّاشة.
    في أواخر فترة رئاسته الاولى تكالب عليه اليمين البرازلي الجشع فأفسح المجال لخلفه التقدّمية
    الرئيسة ديلما روسيف، لكن نفس اليمين وربما بدعم من اسرائيل والولايات المتحدة تكالبوا
    عليها مجدّدا واسقطوها بتهم فساد باطلة، كما اتهموا لولا داسيلفا بذات التهم الباطلة وأدخلوه
    السجن مداهنة ومؤامرة. الآن يتربّع لولا على كرسي الرئاسة للمرّة الثانية، وقد وعد بتقديم كل
    الدعم والمساعدة للطبقات الفقيرة في البرازيل حيث ينوف عدد سكانها على 215 مليون نسمة.
    جدير بالذكر في هذا المقال والمقال والصدد أن زوجة الرئيس المهزوم بولسينارو ذهبت إلى
    مركز الاقتراع يوم التصويت وهي تلبس “تيشيرت”مرسوم عليه علم اسرائيل بنجمة
    داوودالسداسيّة باللون الازرق، بينما تمنطق الرئيس لولا في صور فوزه بالكوفيّة الفلسطينية،
    كوفيّة صديقه ياسر عرفات، رمز الشعب الفلسطيني وقضيّته العادلة. في احدى الزيارات
    للبرازيل في فترة الرئيس لولا الاولى، كانت زيارة وفد من وزارة الخارجية الفلسطينيّة، التقى
    فيها الوفد الزائر مع الرئيس لولا داسيلفا في القصر الجمهوري في العاصمة برازيليا. كان إلى
    جانب الرئيس لولا حينذاك وزير خارجيّته سيلسيو أموريم، وزير مُحنّك وديناميكي.
    للعلم أن نظام الحكم في البرازيل يُعطي وزارة الخارجية الحقّ في حضور اجتماعات الرئيس
    مع الوفود الاجنبية، ربما هي صيغة متقدّمة من الديمقراطية البرازيليّة. كان سيلسيو أموريم

23

خلال الاجتماع يقاطع الرئيس لولا في حديثه ويحاول أن “يُفرمل اندفاعه” في تلبية كافة
طروحات وطلبات الوفد الفلسطيني. وفي لحظة ما شعر الرئيس لولا بالضيق من مقاطعات
وزير خارجيّته وتدخّلاته المُتكرّرة. رفع يديه وقال له:

  • “سيلسيو لا اريد ان اتحدّث كرئيس للجمهورية ولكن كصديق للشعب الفلسطينيني. أنا موافق
    على كافة طلباتهم”.
    اطلبوا الديمقراطية ولو في البرازيل …..

إحصائية جديدة لحروب الإمبراطورية: 400 «تدخّل عسكري» منذ تأسيس الولايات المتحدة

كيف نفهم العدوانية الأميركية؟

رند وهبة
لليوم، لا إحصائية شاملة للتدخلات العسكرية الأميركية، برغم سقوط ملايين الضحايا حول
العالم. صحيح أننا كضحايا لن نحتاج إلى إحصائية من أي نوع لإثبات عدوانية الولايات
المتحدة، إلا أن هذا لا ينفي ضرورة وجود جردة حساب شاملة لهذه الإمبراطورية في خريفها.
في هذا الصدد، نُشرت أخيراً ورقة بحثية بعنوان Introducing the Military
Intervention Project: A New Dataset on US Military Interventions,

24

1776–2019، للباحثتين مونيكا دافي تافت وسيديتا كوشي في Journal of Conflict
Resolution. وهي ورقة بحثية تُقدّم لـ«مشروع التدخلات العسكرية»، وهو يُعدّ قاعدة
البيانات الأشمل لناحية الزمن ولشمولية تعريف التدخل العسكري. هذا المشروع، وبرغم
إشكالياته العديدة، يطرح سؤالاً ملحاً: هل العدوانية الأميركية وسيلة لتحقيق غاية (اقتصادية-
سياسية)؟ أم هي بحد ذاتها غاية ذات أبعاد سياسية اقتصادية؟ أم هي -كما تطرح الباحثة تافت-
أصبحت إدماناً أو طبيعة غريزية متفلّتة عن المنطق والعقلانية السياسية؟ وماذا تعني الإجابة
بالنسبة إلينا في عالم اليوم ومستقبل أميركا؟
أرقام ومؤشرات
خلصت الورقة إلى أن أميركا خاضت ما يقرب الـ 400 «تدخل عسكري» منذ تأسيسها
(1776)، نصف هذه التدخلات جاء بعد الحرب العالمية الثانية، ومئةٌ منها في حقبة ما بعد
الحرب الباردة وحها. من الخلاصات الأخرى الواردة في الورقة، أن الأهداف المعلنة للتدخلات
العسكرية الأميركية كانت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى تجهرُ بالدوافع الاقتصادية، بينما
تميل حقبة ما بعد الحرب الباردة إلى التركيز على العناوين الإنسانية وبناء الدولة. وفي ما
يخص التركيز الجغرافي، فإن الثقل بدأ في الأميركَتَيْن، بالإضافة إلى منطقة آسيا والهادئ،
وتوسعت دائرة التدخل إلى أوروبا والشرق الأوسط في مرحلة الحرب الباردة. أمّا القارة
الأفريقية (جنوب الصحراء الكبرى)، فكانت خارج دائرة التركيز إلى أن جاء زمن الأُحادية
القطبية. وعن علاقة التدخلات العسكرية الأميركية بخدمة «المصالح الوطنية»، فتقول الباحثتان
إن هناك تراجعاً عاماً في علاقة التدخلات العسكرية بـ«المصالح الوطنية الأميركية» منذ بداية
التسعينيات.
النتائج السابقة، ولا سيما وتيرة التدخلات العسكرية المتسارعة بعيد الحرب العالمية الثانية،
تخدم سردية واحدة: إن الولايات المتحدة تزداد في عدوانيتها مع الزمن، وإن هذا الارتفاع
مستمر بغضّ النظر عن وجود الأعداء، أي إن أميركا «أدمنت الحرب» وأصبحت تشنّها بشكل
غير عقلاني ينافي مصالحها «الوطنية». وتستعين الباحثة تافت بدراسة أخرى لنفي فعالية
التدخلات العسكرية للقوى العظمى، في وجه بالغي الضعف للناحية العسكرية، مع تطوّر حرب
العصابات والمقاومة الشعبية خلال القرنين الماضيين، خصوصاً بعد تجربة الزعيم ماو تسي
تونغ. في إحدى الندوات التي قدّمت فها الباحثتان مشروعهما تستعرض تافت صورة جون
بولتون مع مذكرته الصفراء الشهيرة التي كانت تنصح ترامب بإرسال 5000 جندي إلى
فنزويلا للتخلّص من مادورو كمثال على العقلية المتفلتة التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية
وقرارات الحرب فيها (الباحثة ترى الظاهرة نفسها لدى الديموقراطيين أيضاً).
هناك إشكالية في السردية النهائية التي تريد الباحثتان التوصّل إليها بإجابة أسئلة ثلاثة حول
التدخلات العسكرية الأميركية؛ أولها إن كانت أميركا دولة عدوانية (متنمّرة)؟ ثانيها حول فعالية
هذه التدخلات في تحقيق «المصالح الوطنية الأميركية»، وثالثها يطرح سؤالاً حول تبعات هذه
العدوانية على صورة الولايات المتحدة أمام العالم. للتوصية في نهاية الأمر بأن على أميركا
استخدام السياسة والقوة الناعمة أكثر لفرض سيطرتها العالمية وتحقيق «مصالحها الوطنية».
«الكذب بالأرقام»
«الكذب بالأرقام» عنوان لكتاب يقال إنه المفضّل لدى بيل غايتس، والفكرة أن مراكز الدراسات
الأميركية قد أتقنت فنّ التلاعب بالإحصاءات وحرفها لإثبات الشيء وعكسه خدمة لمصالح
الشركات الكبرى، أي إن المسألة قد تكون من سبيل الـphysics envy لتأمين مصداقية
مطلقة. فالمنحنى المتصاعد لوتيرة التدخلات العسكرية الأميركية مع الزمن هو جوهري للتأكيد
على أن أميركا خرجت عن طورها في استخدام القوة، ولكن ما قالته سيديتا كيش يفضح أن هذا

25

المنحنى كان الهدف لا النتيجة. فهي أوضحت أن استثناء حروب الجبهة ضد الشعوب الأصلية
في أميركا كان خارج التعداد لتعذّر تضمينها في التعريفات بطريقة لا تطغى على بقية الحروب
الأميركية.
وبعيداً عن مسألة التلاعب بالبيانات وعن إشكالية الإجابة الكمية على أسئلة نوعية، فهل عدد
التدخلات أفضل سؤال كمي؟ خصوصاً أن هذه التدخلات ليست من طبيعة واحدة (التهديد
باستخدام القوة لا يمكن مقارنته بالغزو والاحتلال)، ألا يجب النظر كمياً مثلاً إلى تبعات هذه
التدخلات، الخسائر والغنائم المباشرة وغير المباشرة لكل الأطراف؟ أو ألا يجب أخذ حجم
التدخلات في الحسبان قبل المقارنة العددية الصرفة لها؟
المشكلة تصبح أكبر حين نعلم أن هذا العدد يعاني قصوراً حاداً ليس فقط لإقصائه «حروب
الجبهة» من الحسابات، بل واستثناءاته الكبرى للعديد من التدخلات العسكرية المعاصرة؛ فمثلاً
التعريفات المعتمدة للتدخلات العسكرية هنا محصورة بالتدخلات المتعمّدة وتستثني ردات الفعل،
ولا تشمل أيضاً وجود قوة أميركية لدعم دولة ضد أخرى، ولا يشمل تسليح وتدريب قوى
محاربة للدولة أو حتى القوات الرديفة الداعمة لدولة ما، ولا الانقلابات العسكرية، ولا يشمل
التدخل تحت عناوين محاربة الإرهاب والإغاثة الإنسانية، ولا يتضمن أيضاً عمليات التدخل
السرية ما ظهر منها وما بطن. إذاً، باستثناء كل هذا من التعداد كيف يمكن اعتماد منحنى
تصاعد العدوانية الأميركية لاستخلاص النتائج والتوصيات؟
منطق العدوانية الأميركية
إذاً، تقول الباحثتان إن العدوانية الأميركية تصاعدت وأصبح اللجوء إلى الحلول العسكرية شيئاً
من الإدمان لدى الإدارات الأميركية، وأن الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة عزفت عن
استخدام السياسة لتحقيق «مصالحها الوطنية». ولكن تصاعد الوتيرة حجة يدحضها التعداد إذا
ما أضفنا حروب الجبهة، أمّا استخدام السياسة لتحقيق «المصالح الوطنية» ففيه إشكال كبير
حول ماهية هذه المصالح، فهي ليست ذات طبيعة واحدة عبر الزمن، ولا أميركا كيان منسجم
اجتماعياً وإثنياً وطبقياً لتكون له «مصالح وطنية» ذات طبيعة موحّدة. يبقى السؤال حول ماهية
العدوانية الأميركية قائماً ولا تمكن الإجابة عليه مرة واحدة، فهناك تحولات اجتماعية واقتصادية
وعسكرية وجيوسياسية كبرى مرّت بها أميركا منذ تأسيسها.
يمكن القول إن المرحلة منذ بدء الاستعمار الأوروبي للولايات الـ13 إلى الاستقلال فالحرب
الأهلية ومن بعدها فتح جبهة الغرب لضم 35 ولاية أخرى، هي صراعات كبرى تنوعت بين
صراعات بين النخب البيضاء وحروب إبادة ضد الشعوب الأصلية، ولكنّ السمة الجامعة لكل
هذه الصراعات هي المستوطن المقاتل، القنّ الأبيض الذي نال حريته كمرتزق استعماري. هذا
المقاتل هرب من العبودية القروسطية الأوروبية وربح مع حريته العبيد والأرض وغالباً ما وجد
مصلحته المباشرة متطابقة مع مصلحة نخبة بيضاء تستفيد من تعطشه الدموي للانعتاق من قيود
العالم القديم. وهذه النخبة لطالما قنّنت وتحكمت بمقدار العنف وتوقيته لخدمة مآربها السياسية
وقدّرت ميزان القوى في حسابات السلم والحرب، فكثيراً ما عقدت اتفاقيات السلام لتخرقها فور
توفير متطلبات الغزو، وما إن توفرت الإرادة السياسية للعدوان حتى أطلق المقاتل المستوطن
العنان لتوحشه الأهوج.
مرحلة مفصلية أخرى في التاريخ الأميركي هي الحرب الأميركية-الإسبانية، وهي المرة الأولى
التي دخلت فيها ساحة الصراع العالمي كما يرى بريجنسكي، وأول مرة تتصرف كإمبراطورية
معنيّة بالسيطرة على خطوط التجارة العالمية كما نظر ألفرد ماهان، وهي مهمة أيضاً لكونها
المرة الأولى التي تشهد صراعاً داخلياً حقيقياً رافضاً للتدخل ومطالباً بالانعزالية. ففي ذلك
الوقت كانت الجبهة الغربية قد أُغلقت (1890) ومعها انتهى فصل المقاتل المستوطن من

26

التاريخ الأميركي، وكان إغلاق الجبهة يعني أن الولايات المتحدة قد أمّنت مجالاً حيوياً صافياً
بجوارٍ تكون فيه هي القوة العظمى بلا منازع وبأسواق وموارد طبيعية وافرة، والأهم من ذلك
أنه لم تعد هناك أراضٍ جديدة للسطو عليها.
ولكنّ النخبة المالية الشمالية (منها ثيودور روزفلت قبل أن يصبح رئيساً) وجدت مصالحها
التجارية العالمية مرتبطة جنينياً بالسيطرة على البحار، ولذا شنّت إحدى أهم، وربما أولى،
حملات التأثير على الرأي العام باستخدام الصحافة الصفراء (الظاهرة والمصطلح وليدا تلك
المرحلة) التي تبوّأ عرشها الصحافيان ويليام راندولف هيرست وجوزيف بوليتزر، ترويجاً
لضرورة التدخل الأميركي في كوبا لإنقاذ «الإخوة الكوبيين من الطغيان الإسباني». تم قصف
الرأي العام الأميركي بقصص تفوق الخيال وتستثير المشاعر والغرائز لتحريض الأميركيين
للتحرك ودعم الحرب. وتُعتبر سفينة الماين إحدى أولى ذرائع الحروب الأميركية الزائفة. أمطر
الأميركيون بواجبهم الأخلاقي والتاريخي، والأهم من كل ذلك خلق للمقاتل النظامي قضية
وطنية تجاه الإنسانية بتحريرها من الاستعمار الأوروبي. غنيّ عن الذكر أن أميركا قتلت من
ذهبت لإنقاذهم (فوق الـ200 ألف قتيل في الفيليبين وحدها) بينما الضحايا الإسبان من تلك
الحرب كلها لم يتعدوا بعض آلالاف، غنمت أميركا من هذه الحرب جواهر على شكل جزر
ومستعمرات هي الأكثر حيوية في السيطرة على خطوط التجارة العالمية خصوصاً لإغلاق
المجال الحيوي التجاري في وجه الصين. هنا أيضاً كان قرار الحرب موغلاً في العقلانية،
لناحية الضرورة الاقتصادية والجيوسياسية ولناحية وهن الخصم إذ كان معلوماً أن
الإمبراطورية الإسبانية في طور الانهيار، ومرة أخرى فالتنفيذ كان وحشياً.
أمّا في الحربين العالميتين وما بينهما، فمع تطور الصناعات الأميركية وما أحدثه ذلك من
تحولات كبرى في المجتمع الأميركي الذي أصبح أكثر تنظيماً في طبقتين مؤثرتين أساسيتين،
الأولى طبقة العمّال التي استطاعت، نتيجة لوعيها الطبقي، تنظيم نفسها في أحزاب وتحقيق
مكاسب كبيرة تمثلت في الصفقة الجديدة التي فرضتها على الرئيس فرانكلين روزفلت (المولود
لعائلة كوّنت ثروات طائلة من تجارة الأفيون في الصين)، والطبقة الأخرى هي أيضاً النخبة
النيويوركية وكبار الاحتكاريين من أمثال روكفيلر وكارنيغي اللذين أصبحت لديهما جمعيات
وصناديق خيرية وأنشآ شبكة من مراكز الأبحاث والمؤثرين من الأكاديميين والسياسيين
وموظفي الدولة لجرّ الرأي العام بعيداً عن الانعزالية التي كانت في مصلحة العمّال والمزارعين
أيضاً. ووجدت أميركا نفسها في مأزق لملْء خزان جيشها والتضحية به في القارة العجوز
الاستعمارية التي كانت تعدّها العدو الوجودي المطلق قبل عدة عقود، فلجأت إلى تجنيد السكان
الأصليين، حتى إنها منحت الجنسية للبورتوريكيين (لا تزال أميركا لليوم تعتبر بورتوريكو
ملكية دون أن تعدها ولاية) ودفعت بالأقليات للوقوف في الخطوط الأمامية.
والحقيقة أن قرار الحرب لم يكن سهلاً على النخبة في أيّ من الحربين، وخضع لعدة اعتبارات
وحسابات؛ مثلاً في الحرب العالمية الثانية، أعدّت هذه النخبة دراسات وحسابات لنموذج
اقتصادي انعزالي للقارتين الأميركيتين بعيداً عن الصراعات العالمية، واتضح من خلاله أن
تأمين اقتصاد مكتفٍ ومتكامل مسألة سهلة في حال تركز تخطيط الاقتصاد في يد الدولة، وهذا
كان الاعتبار الأهم الذي قاد لضرورة حسم قرار الدخول في الحرب. حسابات أخرى أخّرت
وماطلت في القرار منها أن الأميركيين كانوا يريدون استنزاف خزينة الحلفاء بالقروض
للاستيلاء على مستعمراتهم قبل مد العون العسكري لهم. اعتبار آخر تمثّل في أن النازيين كانوا
خصماً قوياً على عكس الإمبراطورية الإسبانية وبقية الخصوم السابقين، وعليه بدأت أميركا
الحرب خارج الساحة الأوروبية إلى أن ضمنت هزيمة النازيين على يد السوفيات لتدخل الساحة
بشكل درامي وتخرج منها بقصف همجي حتى بعد الانتهاء الفعلي من الحرب.

27

بدأت مرحلة الحرب الباردة والمواجهتان الكبريان فيها كانتا في كوريا وفييتنام، وتذهب نتائج
هاتين الحربين إلى ما هو أبعد من الهزيمة العسكرية، فقد أثّرتا بشكل بليغ في المجتمع
والاقتصاد الأميركييْن؛ من ناحية عادت الانعزالية لتترسخ شعبياً إلى حد إلغاء التجنيد الإجباري
في الولايات المتحدة عام 1973، كما تأثر الاقتصاد بشكل بالغ إذ استنزفت الحرب الخزينة
وأدت في النهاية إلى فك ارتباط الدولار بالذهب وما نتج عن ذلك من تبعات لاحقة من نمو
الاقتصاد المالي وتفكيك الاقتصاد الصناعي. كما أدّت، من ناحية أخرى، إلى إعادة توجيه
الاقتصاد الأميركي لدعم المجهود الحربي بشكل متطرّف كان من الصعب العودة عنه حتى بعد
انتهاء هاتين الحربين. وهكذا ترسّخ ما يُعرف باقتصاد الحرب الدائمة، وما سمّاه الرئيس
أيزنهاور بالمجمع الصناعي العسكري. بمعنى ما كانت الحروب سابقاً تخاض لأجل أهداف
ومصالح اقتصادية -غُلفت أحياناً بشعارات وطنية وإنسانية- ولكن الآن أصبح للحرب اقتصادها
الخاص وأصبحت تخاض لأن على هذه الآلة العسكرية أن تعمل وتجني الربح بالغنيمة وبيع
السلاح والدمار وإعادة الإعمار والشركات الأمنية الخاصة وبناء الدولة، وكل ذلك أصبح
محركاً سياسياً قائماً بحد ذاته. مع ذلك، فهذا المحرك لم يكن أهوجَ أو متهوراً طوال فترة
الحرب الباردة وبقي يلعب على الأطراف ويخضع للسياسة ولا يطلق العنان إلا بوجه من لا
يستطيع الدفاع عن نفسه.
ثُلاثية الحروب الإنسانية: مرتزقة ومتطرفون وأصدقاؤهم الإنسانيون
بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت العدوانية بنهش وتمزيق أحشاء العالم الثالث، حيث لا ردع ولا
خصوم عسكريين يُعتدّ بهم. تُعد هذه الفترة الأكثر توحشاً في تاريخ التدخلات العسكرية
الأميركية الحديثة، وكان وراء هذا الارتفاع تنظير يقضي بضرورة استمرار الحرب حتى في
غياب الأعداء، وهو ما عُرف بـ«القرن الأميركي الجديد» لضمان التفوق الأميركي الدائم،
ولأن القوة العسكرية الساكنة تخمل بلا تمرين، ولأنها مكلفة أيضاً. فطالما لديك أكبر جيش في
العالم فمن الواجب عليك استخدامه كما قالت مادلين أولبرايت مرة. ولجرّ الرأي العام الانعزالي
الداعي للسلام، رُفعت الرايات الإنسانية كمبررات لهذه الحروب، وصعد دور المنظمات
الإنسانية في المطالبة بالتدخلات العسكرية الغربية في أفريقيا وحتى أوروبا الشرقية، مؤذنةً
بعصر جديد من الحروب تتألق فيه المنظمات الإنسانية والشركات الخاصة في زواج غير معلن
يسوده التوحش والحرب على الإنسانية والحملات الدعائية التي تستفز الغرائز الإنسانية
باستخدام صور الأطفال الجياع واللاجئين المعذبين لتغييب المنطق والأسئلة السياسية الجادة في
ظاهرة يسمّيها الباحث محمود مامداني «بورنوغرافيا العنف».
بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت العدوانية بنهش وتمزيق أحشاء العالم الثالث، حيث لا ردع ولا
خصوم عسكريين يُعتدّ بهم. تُعد هذه الفترة الأكثر توحشاً
عزّز الاعتماد المفرط على التفوق العسكري لتحقيق الأهداف واعتماد التدمير الجوي الشامل
السابق للدخول البري الحساسية الأميركية تجاه الخسائر البشرية. ولكن مع الفشل الذريع لهذا
النموذج من الحرب، في ساحات العراق وأفغانستان تحديداً، ارتفع الاعتماد على نموذج الحرب
بالوكالة كملجأ أخير لتحقيق المصالح الأميركية عسكرياً. وبالرغم من الدمار الشامل الذي يحققه
هذا النموذج، وبالرغم من فشله في حالة «داعش»، يبدو أن الأميركيين غير مستعدين للتخلي
عنه بعد في الصراعات الكبرى، ويبدو أنه لا يزال على الأجندة في الصراع مع الصين من
خلال دعم الحركات الانفصالية والإرهابية في غربها، ونجد توظيفه أكثر وضوحاً في الصراع
الدائر مع روسيا في الساحة الأوكرانية.
بالنتيجة، تغيّرت العدوانية الأميركية من كونها وسيلة إلى أن أصبحت وسيلة وغاية في الوقت
ذاته، في القرن الماضي. والثابت في العدوانية الأميركية هو عقلانيتها في القرار لناحية الغنائم
والردع (الحقيقة، وهذا بحث آخر، المتفلت وغير العقلاني في التاريخ الأميركي هو اقتصادها

28

الرأسمالي) ووحشيتها في التنفيذ. وبالرغم مما توصي به الباحثة تافت بأن على أميركا تفعيل
أدواتها الناعمة لتحقيق «مصالحها»، فالواقع يقول عكس ذلك، إذ يظهر أنها فقدت لمستها هنا
كما يقول التعبير بالإنكليزية؛ لأن فعالية هذه الأدوات بدأت تبطل لفرط استخدامها لا لقلّتها
(عقوبات، الضغط على الحلفاء، ثورات ملوّنة، طباعة الدولار وغيرها). ومنذ أن فقدت أميركا
مقاتلها المستوطن، وهي تستنفد البدائل الأقل فاعلية له، ويظهر الآن أن هذا مأزقها الوجودي مع
احتدام الصراع العالمي، فالمقاتل المشحون والمعبّأ للاستماتة في الدفاع عن هيمنتها إن غاب لن
تنفع أسلحة «الأطلسي» برمّتها.
من يضحك آخِراً
مع الاستدارة الكبرى شرقاً (2012)، بدأت أميركا إجراء تحولات استراتيجية أخرى مرافقة،
أهمّها تفكيك الاتحاد الأوروبي وبناء تحالف «أوكوس» ودعم التيارات اليمينية النازية في كل
أوروبا، كما شمل ذلك الحد من الخيارات الأوروبية الطاقوية لإجبار الأوروبيين على شراء
الوقود الأميركي الأغلى ثمناً (بالمناسبة، كل هذه سياسات جمهورية وديموقراطية على حد
سواء، بغضّ النظر عن تغيّر النبرة والأسلوب). كما يتذمّر سياسيون واقتصاديون أميركيون من
أنهم يدفعون ثمن الرفاه الأوروبي بتحمل التكلفة الاقتصادية والبشرية الكبرى لحلف شمال
الأطلسي. ومع تصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين، يبدو أن أميركا تعود إلى ماضيها
الانعزالي بطريقة ما مع سياسات اقتصادية حمائية ونوايا لتفكيك الصناعات الأوروبية ونقلها
إلى الولايات المتحدة. فهل يعني هذا أيضاً أن أميركا ستلجأ إلى إعادة السيناريو الألماني بعد
الحرب العالمية الأولى، بشكل مقصود هذه المرة، وعلى مستوى القارة ككل، لتأمين جيوش
أطلسية تحارب عنها بينما تعيد بناء ذاتها عن بعد، أم تخرج عن عادتها لأول مرة في التاريخ
وتخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع خصوم يُعتد بهم؟
في بداية الصراع في أوكرانيا، راجت نكتة أن الأميركيين مستعدون لمحاربة روسيا حتى آخر
أوكراني، وكان الجميع يضحك ما عدا الأوكرانيين الذين كانت تعتلي وجوههم ابتسامات خجولة
صفراء، أمّا اليوم، فالحديث عن استعداد أميركا بالتضحية بآخر أوروبي لمواجهة روسيا ولا
أحد يضحك، ما عدا ابتسامة خجولة صفراء لا تراها إلا على الوجوه الأميركية، والخجل ليس
من الحلفاء، بل لأنها تخشى أن لا تكون من يضحك أخراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى