تقارير ودراسات

الديمقراطية تُصدر تقريراً سياسياً يرصد الأوضاع فلسطينياً وإقليمياً وعالمياً

أصدر المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في ختام دورة اجتماعات عقدها منتصف الشهر الجاري تقريراً سياسياً رصد فيه الأوضاع فلسطينياً واقليمياً ودولياً، ورسم فيه الاستخلاصات والتوجهات التي رأى فيها مساراً لتطوير العملية الكفاحية لشعبنا في مقاومته الباسلة، وتحريره من قيود أوسلو والتزاماته، كما ألقى الضوء على تأثيرات الوضع الدولي على الحالة الإقليمية وفيما يلي النص الكامل للتقرير.

1)شكلت إنتخابات الكنيست 25 – 2/11/2022، محطة سياسية فاصلة، نقلت بنتائجها، دولة الاحتلال والاستعمار الإستيطاني من حالة عدم الاستقرار السياسي إلى حالة جديدة، تَزَعَّم فيها اليمين المتطرف، ومعه إتجاهاته الأكثر عنصرية وفاشية المواقع المتقدمة، فحصد 64 مقعداً في الكنيست من أصل 120، أعادت بنيامين نتنياهو، رئيس حزب الليكود إلى رئاسة الحكومة، بالتحالف مع لائحة الصهيونية الدينية، ممثلة بالثنائي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إنضمت إلى الأحزاب الدينية الحريدية المتصهينة (شاس + يهودوت هتوراة) في مشهد سياسي يؤشر إلى متغيرات في البنى السياسية والمجتمعية، وانزياحات إضافية نحو اليمين المتطرف واليمين الفاشي، يحتل فيه المستوطنون بتعبيراتهم السياسية والحزبية، ونفوذهم المتصاعد موقعاً مقرراً.

إذا ما أضفنا إلى كتلة الـ 64 نائباً الآنف ذكرها، نواب اليمين المتوضعين في الكتل النيابية الأخرى والبالغ عددهم 18 نائباً موزعين بين قائمة إسرائيل بيتنا (ليبرمان)، والمعسكر الصهيوني (ساعَر المتحدر من أصول ليكودية والنواب الموالين له، وحتى في قائمة يوجد مستقبل، لاتضح أمامنا مشهد اليمين الطاغي في الكنيست القائم على 82 نائباً (64 + 18).

بالمقابل، عكست الإنتخابات سرعة تفكك تحالف الوسط الصهيوني واليمين العلماني، والذي تولى قيادة الحكومة الإسرائيلية السابقة عَبَّر عن نفسه بخسارته معركة الأكثرية بالكنيست، ما يُنبيء، ليس بأكثرية يمينية متطرفة واضحة فحسب، في الحكومة الإسرائيلية القادمة، بل وكذلك بمعارضة سياسية هشة، تفككت العلاقات بين أطرافها، وسقط فيها يسار الوسط الصهيوني ممثلاً بحزب العمل إلى الدرك الأسفل (4 نواب)، بينما فشل ما بات يسمى باليسار الصهيوني، ممثلاً بحزب ميرتس في اجتياز عتبة الحسم (3,25%)، حين بقي دونها، محققاً نسبة 3,16% ليس إلّا.

وعلى صعيد الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، فقد خطت القائمة المشتركة خطوة جديدة نحو التفكك، فبعد أن غادرها منصور عباس (الحركة الإسلامية الجنوبية) في دورة الكنيست السابقة، في إطار القائمة العربية الموحدة، فشلت أطراف القائمة المشتركة في التوافق على استراتيجية التحالف السياسي وتكتيكاته، ما أدى إلى انسحاب حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في قائمة منفردة، بينما إقتصرت القائمة المشتركة على مرشحي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير، فحصدت قائمة منصور عباس 5 مقاعد للقائمة العربية الموحدة، بينما فازت القائمة المشتركة بـ 5 مقاعد. أما قائمة التجمع فقد فشلت في تجاوز نسبة الحسم بعد أن كادت أن تلامسها (2,91%)، وباتت خارج الكنيست.

لا يمكن على الصعيد الإسرائيلي فهم ما حصل، إلا من خلال قراءة فشل الحكومة السابقة، حكومة بينيت – لابيد في تقديم سياسة بديلة لليمين المتطرف، ممثلاً بحزب الليكود، والأحزاب الدينية الصهيونية، فقد دخلت هذه الحكومة في تنافس مع اليمين المتطرف، إنما على أرضية ملعبه وبشروطه، حين لجأت إلى التصعيد ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، متبعة سياسات التوسع الاستيطاني، والضم الزاحف، والقتل والإعدامات، وهدم المنازل، وتدمير البنية التحتية للشعب الفلسطيني، والتنكيل بسلطة الحكم الإداري الذاتي، والبحث عن بدائل سياسية تصفوية لأية تسوية متوازنة، كـ«الحل الاقتصادي» في الضفة، و«الأمن مقابل الغذاء» في غزة، ما عزز النزعات اليمينية واليمينية المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي، وأفسح المجال لمزايدات سياسية بين أطراف الخارطة الحزبية، لن ينجح فيها – كما حصل بالفعل – سوى التيار الأكثر تطرفاً. ■ عزز هذا المنحى وعمَّق مضامينه، إتساع القاعدة الجماهيرية للمستوطنين ونفوذها، وانتقالها إلى الفعل المؤثر في الحالة السياسية عبر تشكيلاتها الحزبية المتطرفة، والتي تدعو إلى حل صفري للصراع مع الفلسطينيين، يقوم على الاستيلاء على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وانتزاعها من أصحابها ومالكيها، لصالح ممارسات الإقصاء السكاني للفلسطينيين وسياسة الأبرتهايد التي لم تعد موضع خلاف أو حتى تباين جدي داخل مؤسسات دولة الاحتلال والإستعمار الاستيطاني. كذلك عززت هذه الاتجاهات، السياسة الأميركية، التي وقفت عند حدود تطبيقات «صفقة القرن»، وحنثت بوعودها للسلطة الفلسطينية، وأبعدت مشروع إستئناف المفاوضات إلى أجل غير منظور، ما وفر للتيارات الصهيونية المتطرفة الفرصة للحديث عن غياب «فرص السلام»، والاتجاه بدلاً من ذلك لفرض الحصار على السلطة الفلسطينية، وبالمقابل الانفتاح تطبيعاً على الحالة العربية. ■ في ظل هذا كله، وفي ظل تصاعد التعبئة داخل المجتمع الإسرائيلي حول المخاطر النووية التي تحيط بإسرائيل في الإقليم، إتجه المجتمع الإسرائيلي نحو المزيد من التطرف اليميني، في العداء للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 67، وللفلسطينيين عموماً في أراضي الـ 48، خاصة بعد أن خاض هؤلاء تجربة «ثورة الغضب» في أيار (مايو) 2021 إبّان «معركة القدس»، والتي أكّدت بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام اليهودي في البلاد مقولة «الخطر الديمغرافي الفلسطيني». هذه الأجواء والانزياحات في الوعي، ترجمت نفسها ليس في الانحياز لصالح اليمين المتطرف واليمين الفاشي فحسب، بل أدًّت أيضاً إلى رفع نسبة التصويت لدى الجماهير اليهودية إلى 71%، ما يعكس طبيعة المعركة التي خاضتها الأحزاب الإسرائيلية في تشكيل الكنيست 25، ونمط التعبئة التي واكبتها. ■ فشلت القوائم العربية الفلسطينية في استعادة مقاعدها السابقة في الكنيست، وهي التي احتلت في إحدى دوراته (الكنيست 23) 15 مقعداً، جعل منها الكتلة المعارضة الأولى في الكنيست. القائمة التي حققت أعلى الأصوات هي القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) برئاسة منصور عباس (حوالي 194 ألف صوت)، تلتها القائمة المشتركة (حوالي 179 ألف صوت)، وقد فازت كل منهما بـ 5 مقاعد، ما أعاد العرب الفلسطينيين إلى الكنيست، إنما مشتتين بـ 10 مقاعد فقط. أما قائمة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، فلم تحرز سوى حوالي 139 ألف صوت مقارنة مع حزب العمل الذي نال حوالي 176 ألف صوت، وحزب ميرتس الذي حقق 151 ألف صوت، بفارق خمسة آلاف صوت عن بلوغ نسبة الحسم. ■ إن سبب هذا التراجع في النتائج المحققة للقوائم العربية هو التفتت وخلفيته غياب التوافق السياسي بترجماته التكتيكية، فـالقائمة الموحدة إلتحقت – في مسار منفرد – بالائتلاف الحكومي السابق بذريعة توفير خدمات للجماهير العربية، وبنتائج متواضعة بقيت بمسافة دون الطموحات المعلنة، وهكذا خاضت المعركة بقائمة منفصلة، تحفظ لها هامش المناورة عن الأحزاب العربية الأخرى في ظل التشكيلة الجديدة للكنيست 25. ■ من جهة أخرى، فشلت الأحزاب الفلسطينية الثلاثة (الجبهة + التجمع + التغيير) في الاتفاق على رؤية ناظمة لخوض المعركة بصف موحد، خاصة فيما يتعلق بمسألة التقاطع بالتصويت مع الكتل البرلمانية اليهودية. ففي الوقت الذي حرصت الجبهة الديمقراطية + حركة التغيير على الاحتفاظ بهامش يعطيها الفرصة للمناورة في الكنيست عند التصويت، أصرَّ التجمع الوطني الديمقراطي على مبدأ الامتناع عن أي «تقاطع» مع أي من الكتل البرلمانية اليهودية، وهو ما أدى إلى ما أدى إليه، خاصة أن التنافس هذه المرة لم يكن بين قائمة عربية مشتركة، تتوحد فيها الأحزاب الفلسطينية في مواجهة الصوت اليهودي، بل كانت معركة تنافس بين هذه الأحزاب على الصوت الفلسطيني، حيث بات أقصى ما تطمح إليه القائمة الواحدة هو اجتياز نسبة الحسم، لذلك تشتت الأصوات العربية، ولو نجح التجمع في اجتياز نسبة الحسم، لارتفع عدد المقاعد العربية إلى 14 مقعداً كحدٍ أدنى، ومع ذلك ورغم كل ما حصل، يجب أن تبقى هناك مساحة واسعة للتقاطع والتفاهم بين القائمة المشتركة والتجمع للعمل سوياً في الميدان بشتّى فعاليات الحركة الجماهيرية. ■ ثمة مؤشرات لا تحسم، لكنها تُرجح قيام حكومة تحالف يمين متطرف ويمين فاشي ستحاول أن تمتص القلق الذي ساور الأوساط المعنية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة جرّاء تطرف مواقف وتصريحات الحملة الإنتخابية، دون أن تحيد جوهرياً عن أساسها القائم على التمييز العنصري والعقاب الجماعي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتعميق تهميش الجماهير العربية في أراضي الـ 48. علماً أن تصريحات نتنياهو تؤكد أن الحكومة التي يزمع تشكيلها سوف تستعيد سياسياً، في المضمون والجوهر، «صفقة القرن»، فما بين النهر والبحر لا وجود سوى لدولة واحدة هي إسرائيل، ولن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية باعتبارها أرضاً إسرائيلية «محررة»، وسوف تُصَعِّد الحكومة القادمة من أعمالها القمعية تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، دون الاعتماد على التنسيق الأمني، وذلك بإطلاق يد جنود الاحتلال في طول الضفة وعرضها. أما العملية السياسية مع الفلسطينيين – إن وجدت بالأصل – فهي مؤجلة إلى حين إحراز المزيد من التقدم في خطة التطبيع مع الدول العربية، بما يوفر أجواء مناسبة لفرض المشروع الإسرائيلي للحل، وسقفه حكم إداري ذاتي، تحت الهيمنة الإسرائيلية. ■ أما الأحزاب الفلسطينية في مناطق الـ 48، فإنها تقف أمام إستحقاقات وخيارات سياسية تملي عليها إعادة النظر بتجربة إنتخابات الكنيست 25؛ فالتحاق القائمة العربية الموحدة بائتلاف الحكومة السابقة بقيادة نفتالي بينيت، ولاحقاً يائير لابيد، وأياً كانت شعاراتها ومبرراتها، فإنها شكلت إعترافاً ضمنياً باستحالة الوصول إلى حل ديمقراطي للأقلية الفلسطينية الوازنة (21%) في إسرائيل، واعترافاً ضمنياً في الوقت نفسه، بانعدام الصلة بين الواقع النضالي في أراضي الـ 48 من جهة، وأراضي الـ 67 من جهة أخرى، ناهيك عن الشتات■ (2) الإنتخابات الإسرائيلية بتداعياتها في الوضع الفلسطيني ■ منذ إنعقاد الدورة الـ 31 للمجلس المركزي لـ م.ت.ف – 2/2022، ما زالت القيادة الرسمية تماطل وتعطل تنفيذ قراراته، وبخاصة فك الإرتباط بإملاءات إتفاق أوسلو، والتحرر من إلتزاماته واستحقاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية، بما فيه تعليق الاعتراف بدولة الاحتلال، ووقف التنسيق الأمني والانفكاك التدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي، وبوجهة التحرر من قيود الغلاف الجمركي الموحد، والانتقال إلى استراتيجية وطنية جديدة وبديلة؛ كما تنهي الرهان على الوعود الأميركية، وعلى استئناف المفاوضات، برعاية الرباعية الدولية، لصالح مؤتمر دولي يرعاه مجلس الأمن بموجب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، التي تكفل الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني، إلخ… ومع أن خطاب الرئيس الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) إعترف بفشل إتفاق أوسلو، وبمسؤولية القيادة الرسمية عن تطبيق قرارات دورات المجلسين الوطني والمركزي منذ العام 2015، ووعد بإجراءات وخطوات تخرج القضية الفلسطينية من مسارها السياسي المسدود، كالتقدم إلى الأمم المتحدة بطلب العضوية العاملة لدولة فلسطين، وبتنسيب الدولة الفلسطينية إلى عدد من الوكالات الدولية ذات الاختصاص، التي وضعت عليها الولايات المتحدة الڤيتو، ووعود أخرى منها الطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة التحضير لعقد المؤتمر الدولي، فإن الحالة بقيت على ما هي عليها، وبقيت تطبيقات أوسلو واستحقاقاته هي التي تلزم سلطة الحكم الإداري الذاتي وقيادتها السياسية. ■ إن ما شهده حوار الجزائر- 11 .. 13/10/2022، برعاية القيادة الجزائرية من توافقات، لم يُلحظ لها أثر، في سياسات كلا السلطتين في رام الله وغزة، ولا شك أن خلاف الطرفين على البند السابع من «إعلان الجزائر» المتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما أدى إليه هذا الخلاف من نسف لهذا البند شكل مرآة عكست بوضوح صعوبة تجاوز الإنقسام في المدى المرئي، وإلى إستعادة الوحدة الداخلية والعمل بوفاق وطني لإعادة بناء النظام السياسي الذي ما زال يتخبط في أزمته، ولعل المرسوم الرئاسي- 28/10/2022 بترؤس «المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية» الجامع للمؤسسات القضائية العليا في السلطة الفلسطينية، علامة صارخة على الحالة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، حيث الخلط بين سلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية، وحصرها في قبضة واحدة، علامة من العلامات الفاقعة للإصرار على سياسة التفرد والهيمنة، بديلاً لسياسة الائتلاف الوطني والشراكة الوطنية، كما تقتضيها قيم ومعايير حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار الاستيطاني والاحتلال. ■ مقابل هذه السياسة والإستنقاع في الرهان الفاشل على دور الولايات المتحدة لاستئناف العملية السياسية، وفي ظل حالة تفكك سياسي على مستوى النخب الممسكة بزمام الحكم في الضفة والقطاع، تتصاعد حملات القمع الدموي الإسرائيلي بكل مظاهرها، ولا شك أن مجيء حكومة القوى اليمينية المتطرفة والفاشية، سوف يزيد الوضع السياسي والأمني تعقيداً، حيث لا مجال، أي لا مساحة للدور السياسي «للعرب واليسار في إسرائيل»، كما صرح بذلك بنيامين نتنياهو، وحيث «التطبيع العربي – الإسرائيلي» هو الخطوة الضرورية التي تؤدي لاحقاً إلى التسوية مع الفلسطينيين، فضلاً عن تهديداته الأمنية للجمهورية الإسلامية في إيران، في سياق زرع المزيد من الفوضى وتغذية الاضطرابات في مدى الإقليم، وصولاً إلى خيار، أو حتى إلى حافة إشعال نار الحرب فيه.

في الوقت نفسه، تشهد الضفة الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، مقاومة شعبية ناهضة، شكلت واحدة من موجات المقاومة الشعبية التي انطلقت بأساليب ووسائل متعددة منذ العام 2015، وإذا كانت الحركة الشعبية في وضعها الراهن لم تصل بعد، إلى المستوى الذي بلغته في «معركة القدس»، حين شملت عموم مناطق الوطن (48 + 67) والشتات، إلا أن الملاحظ في الوقت نفسه، أن هذه المقاومة تجاوزت حدود الحراك المحلي، لتشمل بتداعياتها كافة محافظات الضفة، من القدس إلى نابلس، إلى جنين، إلى الخليل وأريحا وقلقيلية، ورام الله، وغيرها من المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، كما تتميز هذه الموجة من موجات المقاومة الشعبية أنها تشمل مخيمات اللاجئين في بلاطة، وعسكر، والجلزون، والعروب، وشعفاط، وغيرها من المخيمات التي التحمت مع المدن في مواجهة الإحتلال.

لقد خطت هذه المقاومة خطوات إلى الأمام في تنويع وتطوير أساليب التصدي للاحتلال وتطويرها، فمن الإضرابات الواسعة في المدن، إلى التظاهرات الحاشدة بالآلاف خاصة عند تشييع الشهداء، تعبيراً عن الاستعداد العالي للمواجهة، وعن الغضب العارم لغياب السلطة الفلسطينية، وفي العمليات الفردية، ضد الحواجز والدوريات والمستوطنات، وأخيراً وليس آخراً، تشكيل مجموعات المقاومة المسلحة العابرة للإنتماءات الفصائلية كـ«عرين الأسود»، و«كتيبة جنين» وغيرها من المجموعات المسلحة، التي باتت هاجساً رئيسياً لدى سلطات الاحتلال، تحاول أن تقتلعها بالاقتحامات العسكرية للأحياء والمدن والمخيمات، وقد باتت هذه المجموعات، في الوقت نفسه تشكل صداعاً لسلطة الحكم الإداري الذاتي، وموضع إرباك سياسي يضعها أمام إستحقاقات متعددة، قد لا تندرج كلها في سياق واحد موحد في المهام المطروحة (3) لا شك في أن واقع الاحتلال بممارساته الهمجية في الضفة الفلسطينية، وما يرتكبه من جرائم ضد شعبنا، شكل عاملاً موضوعياً لانفجار المقاومة الشعبية على طريق الانتفاضة الشاملة، غير أن العامل الذاتي، أي الافتقار للعمل النضالي المنظم بمرجعية سياسية وميدانية موحدة، وإلى القرار السياسي الوطني الجماعي لإطلاق استراتيجية وطنية بديلة لمسار أوسلو، عَطَّل الانفجار الشعبي سنوات، وما تشهده الآن الضفة الغربية من «مقاومات» شعبية موزعة بأشكالها المختلفة، في المحافظات، ما هو إلا تأكيد على حالة جماهيرية تجاوزت حدود الرهان على دور ما للسلطة الفلسطينية في تحمل مسؤولياتها، وفي إطلاق مقاومة شعبية بمرجعية الإطار القيادي الموحد.

تقف الحالة الفلسطينية راهناً أمام إستحقاق مقاومة شعبية تحتاج إلى توسيع الانخراط فيها، بما يشمل كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، كما تحتاج إلى تأطير لقياداتها المحلية، وحماية سياسية عبر تشكيل قيادتها الوطنية الموحدة، التي ترسم لها خططها وتكتيكاتها، وتقودها بفعل وطني جامع، يفتح الأفق لانتفاضة شاملة، وصولاً إلى العصيان الوطني، إلى أن يحمل الاحتلال الغاشم والاستيطان الملعون عصاه ويرحل عن كل شبر من أرض الدولة الفلسطينية المستقلة. إن الوصول إلى هذا الهدف العظيم يتطلب النضال من أجل تحقيق الخطوات التالية:

• مواصلة الضغط على مركز القرار في اللجنة التنفيذية والسلطة الفلسطينية في آن معاً لوقف العمل بالمرحلة الانتقالية لاتفاق أوسلو، عملاً بقرارات المجلسين الوطني والمركزي، بما في ذلك وقف كل أشكال التنسيق الأمني، وإعادة صياغة العقيدة الأمنية للأجهزة الأمنية الفلسطينية للإلتحام مع الحراكات الشعبية، وتشكيل الدرع الواقي لها في مواجهة أعمال القمع الدموي لسلطات الاحتلال، والعصابات المسلحة للمستوطنين. • تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية الشاملة، وتوفير الحماية السياسية والأمنية لها، باعتبارها صيغة حرب التحرير الشعبية لشعبنا الفلسطيني للتحرر من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني. وفي هذا الإطار تشكيل القيادات الميدانية للمقاومة الشعبية على أسس إئتلافية، بعيداً عن الحساسيات الحزبية الضيقة، واحترام قيم ومعايير حركات التحرر الوطني. • فرض المقاطعة الشعبية على البضائع الإسرائيلية، ما يتطلب توفير البدائل الوطنية حيث أمكن، والبدائل من الخارج، حيث لا يتوفر البديل الوطني، وما يترتب عليه بشكل خاص إعادة صياغة استراتيجية عمل حكومة السلطة، لتتفرغ من أجل شروط الصمود والثبات، لتعزيز النضال الجماهيري، وبما يضمن إستمرار الحياة اليومية بكل متطلباتها، الإدارية والتربوية والصحية، ورعاية الحالات المعوزة، وتوفير شروط الصمود لعوائل الأسرى والشهداء، وإعادة النظر بسلم الرتب والرواتب، بما يشمل إعادة توزيع أعباء النضال بعدالة على كافة فئات الشعب الفلسطيني. • إعتماد استراتيجية دبلوماسية بديلة، تنسجم مع استراتيجية المقاومة الشعبية، ما يتطلب تحرير السلك الدبلوماسي من البيروقراطية، وتطهيره من مظاهر الفساد، وإعادة النظر بالانتشار الدبلوماسي وفق معيار دعم المقاومة الشعبية، وتأمين الدعم الدولي للقضية الوطنية. • إعتماد خطط التحرك الشعبي في قطاع غزة، للإنخراط في المقاومة الشعبية تبعاً لظروف القطاع، كالعودة على سبيل المثال، إنما بعد تقييم التجربة السابقة لعدم تكرار أخطائها، إلى مسيرات العودة وكسر الحصار، الأمر الذي يتطلب بذل جهود لإنهاء الانقسام، أو بأقله، توفير شكل من أشكال التنسيق النضالي بين الضفة والقطاع، في سياق مبدأ وحدة الساحات وتكامل دور الجبهات. • التفاعل النشط مع القوى السياسية والحركة الجماهيرية في الـ 48، في تحركاتهم الجماهيرية ونضالهم السياسي متعدد الأشكال. وفي هذا الإطار تأتي الدعوة إلى لقاء وطني جامع مع الداخل الفلسطيني للبحث في تشكيل جبهة قومية متحدة في عموم فلسطين التاريخية للتصدي للفاشية في إسرائيل التي تستهدف الشعب الفلسطيني على جانبي «الخط الأخضر». • دور نشط لمخيمات اللاجئين، والجاليات الفلسطينية في الشتات، واجتراح آليات للانخراط في دعم المقاومة الشعبية في الأراضي الفلسطينية، طبقاً لظروف كل تجمع، سياسياً وقانونياً.

إن الوصول إلى هذه الأهداف يسلط الضوء على الأهمية الفائقة لتنقية الأجواء بين فصائل العمل الوطني والبناء على مبادرة «لم الشمل الفلسطيني» التي يرعاها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والإعداد لحوار وطني شامل يعيد ترتيب النظام السياسي الفلسطيني بمؤسساته في م.ت.ف والسلطة الفلسطينية، تأسيساً لمرحلة جديدة، هي مرحلة خوض حرب التحرير، من أجل الاستقلال والتحرر من الاحتلال والاستعمار والاستيطان عن أوضاع الشتات ومحورية دوره النضالي (4) ■ في موازاة النهوض الوطني في الأراضي المحتلة بعدوان 67، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وسلوكياته الدموية، يتزايد في الشتات تماسك حركة اللاجئين دفاعاً عن حقوقهم المدنية والاجتماعية في لبنان وسوريا، حيث شكلت حركة اللاجئين في لبنان رقيباً شعبياً على أداء وكالة الغوث ودورها في تقديم الخدمات، بما يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة للاجئين في المخيمات، التي تتزايد فيها أعداد من هم تحت خط الفقر، ومن طحنتهم الأزمة المعيشية التي يعيشها لبنان، في ظل إنهيار سعر الليرة اللبنانية وانهيار النظام المصرفي والأزمة الإقتصادية عموماً في البلاد، وفشل القيادات السياسية في إخراج البلاد من أزمتها. أما في سوريا؛ فإن مؤشرات عودة الحياة إلى مخيم اليرموك تزداد إرتساماً، في ظل إنفراجات أمنية بشأن المخيم والتفات بعض الفصائل لأهمية إعادة تفعيل المراكز والمؤسسات الاجتماعية في المخيم، والتعاون مع الجهات الرسمية المختصة، لإعادة بناء وترميم البنية التحتية للمخيم، في ظل إدراك عميق أن مخيمات اللاجئين إن في لبنان، أو في سوريا، أو في غيرهما، مقبلة على مرحلة سياسية صاخبة، ستشهد فيها القضية الفلسطينية تصعيداً نضالياً، يتطلب إبتداع الأساليب والوسائل النضالية، لتنخرط حركة اللاجئين في معركة الدفاع عن الأرض والشعب والحقوق الوطنية المشروعة، في مواجهة سلطات الاحتلال والعصابات المسلحة للمستوطنين، ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية أياً كانت عناوينها ومصادرها. وكما في مخيمات الشتات، يتعاظم الدور النضالي للجاليات الفلسطينية في المهاجر، خاصة في أوروبا، والأمريكيتين، حيث قطعت جالياتنا الفلسطينية شوطاً في تأطير نفسها في إتحادات ومؤسسات أهلية، مكنتها من الفعل المؤثر في المجتمع المحلي، واستقطاب تأييد شرائح واسعة من أصدقاء الشعب الفلسطيني، أفراداً وجمعيات وأحزاباً، من اليمين إلى اليسار، بعد أن تكشف أمام الرأي العام الغربي المزيد من الحقائق عن الطبيعة العنصرية لدولة الاحتلال. ■ من الطبيعي التأكيد أن هذا النهوض، والذي ما زالت تشوبه بعض ملامح الضعف، يحتاج إلى العناية والحماية السياسية، وهذا أمر لا تستطيع القيام به، بروح وطنية إئتلافية، سوى مؤسسات م.ت.ف واتحاداتها الشعبية، ما يتطلب من هذه المؤسسات والاتحادات، إصلاح أوضاعها، على قواعد الائتلاف التعددي الديمقراطي، بعيداً عن سياسة الهيمنة والتفرد، واستيعاب الآخرين، وبعيداً عن سياسة بناء مؤسسات بعناوين صارخة وهياكل فارغة، على غرار ما هي عليه الآن العديد من المؤسسات والاتحادات الشعبية الفلسطينية. وتلك مهمة نضالية ملقاة على عاتق اللاجئين في المخيمات، وعلى عاتق جالياتنا الفلسطينية عبر تنشيط دورها وتطوير دورها أكثر فأكثر، وعبر العمل الميداني لإعادة بناء المؤسسات والاتحادات الشعبية من أدنى إلى أعلى، وفرض هذه التجربة صعوداً، بقوة الإلزام الديمقراطي، والتمسك بقرارات إعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل في الإنتخابات، الذي ينصف كل من ينشط في هذه المؤسسات، ويحفِّز المنافسة الديمقراطية البناءة■ في إعادة بناء مؤسسات م.ت.ف وإصلاحها (5) ■ تعيش م.ت.ف حالة من التراجع الدائم، خاصة على الصعيد السياسي، وفي إثبات جدارتها الميدانية على تحمل أعباء موقعها التمثيلي الشامل لشعبنا الفلسطيني؛ فاللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تعيش حالة من البطالة السياسية، تكتفي بعقد إجتماعات موسمية تصدر عنها بيانات تكرر نفسها، تتجاوزها الأحداث المتسارعة، وتقف في حالة إنتظارية على رصيف الحياة السياسية، بفعل إصرار القيادة السياسية على التمسك بمسار أوسلو، وتعطيل خطوات التحرر منه، والانتقال نحو محطات الفعل الوطني الميداني، من خلال البرنامج الوطني، كما رسمت قراراته دورات المجلسين الوطني والمركزي منذ العام 2015.

كما يعيش المجلسان الوطني والمركزي لمنظمة التحرير حالة تغييب عن المشهد السياسي، لإخراجهما من دائرة الفعل والتأثير في معارك الإصلاح السياسي والمؤسساتي والإداري لمنظمة التحرير؛ فالمجلس الوطني، وبعد أن قرر أن تكون الدورة 23 هي دورة إنعقاده الأخيرة بملاكه القائم، ما زال مجهولاً موعد إعادة انتخاب (أو تشكيل) مجلس جديد، وكذلك تقطعت دورات إنعقاد المجلس المركزي، الذي يحمل تفويضاً بصلاحيات المجلس الوطني، الذي يفترض أن يعقد دورة مرة كل ثلاثة أشهر، يواكب بها الأحداث وتطوراتها، ويتخذ بشأنها ما تتطلبه الحالة الوطنية. ■ أما الاتحادات الشعبية في م.ت.ف فما زالت حبيسة القبضة البيروقراطية ولا تعبر بشكل صحيح عن رأي قواعدها، وتضع نفسها – بشكل عام – في خدمة السياسة الرسمية الموغلة في الرهان على المشاريع السياسية الوهمية بسقفها السياسي الهابط في ظل مسار أوسلو.

أما في السلطة الفلسطينية، فما زال المجلس التشريعي مغيباً، في مرحلة أولى بفعل الانقسام- 2007، وفي مرحلة ثانية بعد قرار القيادة الرسمية بحله – 2018، ما عمق إلى حد بعيد سلطة الفرد على حساب المؤسسة، وعمّق حالة الفوضى التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، وقد أزيحت الحدود بين سلطاته المختلفة، بما فيه السلطة القضائية، وباتت السلطة التنفيذية هي الوحيدة المهيمنة والبديلة لكل السلطات، وهو ما أدى إلى تغيب الديمقراطية في الحياة السياسية، وألحق الضرر بالحريات العامة، وتراجعت إلى حد كبير ثقة الشارع السياسي بالنظام السياسي وجدارته القيادية، في ظل تحولات بنيوية في المجتمع الفلسطيني، بلورت أكثر فأكثر مطامع ومصالح طبقة سياسة حاكمة، لا تقيم وزناً للرأي العام، تعتمد العنصر الخارجي سنداً لوجودها على رأس المؤسسة من جهة، واتساع الشرائح المعارضة للسلطة حتى من داخلها نفسها، بعد أن بات واضحاً الخطر الحقيقي الذي يحدق في القضية الوطنية والتي لا خلاص لها إلا بإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة وحدة جميع مكونات الحركة الوطنية، وبما يؤهله لحمل أعباء المسؤولية الوطنية في المواجهة الشاملة والفاصلة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وإذا كان ما زال متعذراً، في ظل موازين القوى السائدة الشروع في إعادة البناء من فوق، فإن على عاتق القوى الوطنية المسؤولة والداعية للتغيير تقع مسؤولية الشروع بإحداث التغيير التدريجي، من أدنى إلى أعلى، حيث بإمكان الحالة الجماهيرية المنظمة، أن تضطلع بدور لا تستطيع البيروقراطية السياسية أن تعطله. وفي كل الأحوال ثمة حاجة ملحة لإعادة الإعتبار لهيئات منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة اللجنة التنفيذية صاحبة الولاية السياسية في كل ما يتصل بالشأن السياسي الوطني وإلى الحاجة الماسة لخارطة طريق وطنية فلسطينية يجري على أساسها تجديد الشرعيات في م.ت.ف بالإنتخابات إن أمكن، وبالتوافق الوطني حين يتعذر القيام بها في وحدة الساحات وتكامل دور الجبهات (6) ■ تمظهرت بشكل صارخ وحدة جبهات النضال الفلسطيني وساحاته بين جناحي الوطن (48 + 67) وبين الشتات، في «معركة القدس»- 13/4 .. 21/5/2021 – التي توجتها حملة «سيف القدس». ومع وصول بنيامين نتنياهو، وتحالف اليمين المتطرف مع اليمين الفاشي إلى السلطة في إسرائيل، والتصريحات العدائية التي أطلقها وحلفائه ضد الشعب الفلسطيني، يتأكد مجدداً العامل الموضوعي، الذي يوحد شعبنا الفلسطيني في كافة مناطق تواجده، ويؤكد مجدداً ما أكده البرنامج الوطني لـ م.ت.ف منذ العام 1974، حول وحدة الساحات وبالتالي وحدة وتكامل جبهات النضال، فالعدو واحد وهو إسرائيل، وأهدافه تطال كل مجموعات وشرائح الشعب الفلسطيني دون تمييز، في رفض الاعتراف بكيانيته السياسية وحقوقه الوطنية المشروعة، ويمارس ضد الشعب الفلسطيني أشكالاً شتَّى من الأعمال العدوانية، طبقاً لخصوصية الحالة والشروط التي تتحكم بها. ■ وإذا كان إتفاق أوسلو والتزاماته قد مزق وحدة الشعب الفلسطيني، بتمزيق وحدة حقوقه، وانحدر بها إلى مستوى الحكم الإداري الذاتي في الـ 67 + مخطط التوطين والتهجير للاجئين، فإن تصاعد النضال الوطني الفلسطيني تجاوز الاتفاق ومعطياته إلى حد كبير، وعكس وحدة الشعب على جانبي «الخط الأخضر» وعَبَّر عن ذلك في أكثر من محطة، كـ «محطة الانتفاضة الثانية» – 2000 .. 2001، حين قدم شعبنا في الـ48 الشهداء والأسرى، ومحطة «معركة القدس»، حين إنفجرت ثورة الغضب في الـ 48 ضد سياسة التمييز العنصري، القومي، والإنساني والاجتماعي. ■ ومما لا شك فيه أن ما تحمله الحكومة الإسرائيلية القادمة من مشاريع عدوانية، تطال مصالح شعبنا في كل مكان، بات يملي على الحالة الوطنية أن تبتدع آليات، تنتقل بها من حالة وحدة وتكامل جبهات النضال موضوعياً، إلى الفعل الذاتي، بتوفير آليات نضالية تفتح الآفاق لأشكال من التنسيق في الشعارات، والمواقف والتكتيكات، في إدراك عميق أن معركة الخلاص الوطني، لا بد أن تندفع بكل تحركاتها النضالية في ظل وضع بات شديد الوضوح، يتطلب تجنيد كافة القوى وتطوير الفعل النضالي لعموم أبناء الشعب الفلسطيني■ في الأوضاع الدولية (7) وأثرها على القضية الفلسطينية ■ يشهد العالم منذ مطلع 2022 تطورات سياسية – باتساع مداها ومفاعيلها – هي الأولى منذ إنهيار الاتحاد السوڤييتي- 1991، دخلت فيه العلاقات الدولية مرحلة إنتقالية، تراجع فيها دور القطب الواحد وهيمنته، ممثلاً بالولايات المتحدة، التي لم تتردد لحظة واحدة في الدفاع عن مصالحها الإمبريالية بكل وسائل الضغط التي تملك، سواء الخشن منها: العسكري والاقتصادي، أو الناعم: الثقافي، القيمي، الدعاوي. فمع إنفجار أزمة أوكرانيا، وانتقال روسيا الاتحادية من التحذير السياسي بعدم جواز المساس بأمنها القومي على يد الحلف الأطلسي إلى الفعل الميداني، ولردع محاولات التحالف الغربي ممثلاً بالحلف الأطلسي، شَنَّت الولايات المتحدة ضد موسكو حرباً جَيَّشت فيها دول الاتحاد الأوروبي، فَفُرض الحصار الاقتصادي والإعلامي والسياسي والدبلوماسي على موسكو، وبدعم نظام كييڤ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بكل أنواع الأسلحة الغربية لامست قيمة ما أرسلته واشنطن وحدها الـ 20 مليار دولار، لتحافظ واشنطن على الموقع الذي إحتلته على رأس النظام الدولي إثر تفكك الإتحاد السوڤييتي. ■ وفي هذا السياق لم تكتفِ الولايات المتحدة بتسخير الحلف الأطلسي، بما في ذلك بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي في خوضها معركة مصير هيمنة وسيادة القطب الواحد، بل عمدت واشنطن إلى بناء تحالفات أخرى في المحيطين الهاديء والهندي ضمن إستراتيجية تعدد الخيارات الجيوستراتيجية، كتحالف أوكوس- Aukus مع بريطانيا وأستراليا، وكواد- Quad مع الهند واليابان وأستراليا، وتحالفات أخرى مع اليابان وتايوان ونيوزيلندا وغيرها من الدول الآسيوية، فتوسعت مناطق التوتر لتنتقل إلى غرب المحيط الهاديء في مواجهة الصين، التي تواجه الابتزاز الأميركي بدعم النظام الإنفصالي في تايوان، وفي كوريا الشمالية، بدعم مباشر من واشنطن، وقد تصاعد التوتر بفعل السياسات الأميركية المتهورة.

رغم الحصار القاسي الذي تعرضت له روسيا الاتحادية على يد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، إلا أن موسكو استطاعت أن تصمد، دفاعاً عن مصالحها وموقعها في خارطة العلاقات الدولية، بسياسة ناهضة تلتقي مع نهوض سياسات مشابهة لدول أخرى تملك من المؤهلات والإمكانيات والطموح ما يسمح لها الدخول إلى معركة إعادة بناء نظام عالمي آخر، لا تكون فيه الولايات المتحدة هي الطاغية سياسياً، ولا تكون عملتها (الدولار) هي العملة المتحكمة في الأسواق العالمية والنظام المصرفي العالمي؛ نظام عالمي آخر أكثر مرونة، يتمتع بدرجة عالية من التعاون والتكامل بين مختلف مراكزه، ويُحل التعددية مكان الأحادية.

رغم أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا لم تنتهِ بعد، مع كل ما طرأ عليها من تعديلات لاعتبارات ميدانية، فإن النتائج السياسية لهذه العملية على الصعيد الكوني بدأت تتحقق وتقدم نفسها بصور صارخة؛ فالاضطراب في السوق العالمية، بفعل الحصار الإقتصادي الذي فرضته واشنطن وتحالفها الغربي على روسيا، بدأ يظهر جلياً، وعكس نفسه تضخماً في الولايات المتحدة وفي الدول الأوروبية، ما تسبب بإطلاق حركات إحتجاج مرشحة للتصاعد في الدول الأوروبية الأكثر نفوذاً، كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وما فتح الباب للحديث عن تحولات سياسية في الخارطة الحزبية والحكومية لدول أوروبا الغربية، على غرار ما شهدته إيطاليا من فوز تحالف اليمين بالسلطة، وكما عمدت بعض دول أوروبا الشرقية، الأعضاء في الناتو إلى الهروب بجلدها، كبلغاريا وهنغاريا، وعمدت إلى التفلت من إلتزاماتها الاقتصادية نحو الاتحاد الأوروبي، وقفزت فوق قرارات حصار موسكو، متسلحة بمباديء السيادة ومصالح شعوبها.

حتى الولايات المتحدة شكلت الانتخابات النصفية- 11/2022 صورة فاقعة عن حالة القلق التي سادت أروقة البيت الأبيض، من ردود فعل الناخبين على السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الدعم المفرط لنظام كييڤ، ما انعكس تضخماً في الأسعار وانخفاضاً في القدرة الشرائية للمواطنين، ما حدا بعدد من المحللين الاقتصاديين للتحذير من حالة إنكماش إقتصادي قد تشهدها الأسواق الرأسمالية، تشكل مقدمة لحالة ركود، قد تقود إلى أزمة إقتصادية عامة.

أمام هذا الاضطراب، ولجوء الولايات المتحدة إلى الحلول مكان روسيا في تزويد أوروبا بالغاز على سبيل المثال، إنما بأضعاف سعر الغاز الروسي، بدأت تطل برأسها علامات التململ في التحالف الغربي، عبر عنه الرئيس الفرنسي ماكرون متهماً الرئيس الأميركي بايدن الكيل بمكيالين في علاقته مع أوروبا، كما تمثل ذلك أيضاً في التململ الغربي من حجم الدعم الذي وفرته حكوماتها لكييڤ، على حساب مصالح شعوبها، ما دعا أكثر من طرف، مثل فرنسا وألمانيا وغيرها، إلى المطالبة بوضع حد للحرب في أوكرانيا بدعوة موسكو وكييڤ إلى طاولة المفاوضات، وهي الدعوة التي إنضمت إليها واشنطن مؤخراً. وفي هذا الإطار بدأت إدارة بايدن تشعر بوطأة أزمة أوكرانيا على نفوذها، ونبَّهت كييڤ أن مساعداتها لن تكون بعد اليوم «شيك على بياض»، ما يعني أن أزمة النظام العالمي بدأت تؤشر لمحطة جديدة، من علاماتها تراجع ثقة أوروبا بالولايات المتحدة كحليف.

ومما لا شك فيه أن أزمة النظام العالمي، التي بدأت تتبدى ملامحها في الأفق عكست نفسها على القضية الفلسطينية بأشكال مختلفة، لعل من بين أهمها ما يلي: • إهالة التراب على جثة اللجنة الرباعية الدولية، التي كانت متوفية إكلينيكياً قبل حرب أوكرانيا. لقد تشكلت الرباعية الدولية نهاية عام 2002 في ظل هيمنة طاغية للولايات المتحدة على قضية الشرق الأوسط، وفي ظل رهان فلسطيني رسمي غير محدود على دور الولايات المتحدة في رسم تسوية للنزاع مع إسرائيل. إن العلاقات الحالية على المستوى الدولي، لم تعد تشكل أساساً صالحاً لبقاء الرباعية الدولية، ولا أي رباعية أخرى على غرار رباعية ميونيخ (فرنسا + المانيا + مصر + الأردن). • إنشغال واشنطن في معاركها الدولية، أبعدها عن هموم القضية الفلسطينية، فأحالت ملفاتها إلى أطراف عربية وإقليمية، تدير أزمة القضية بحلول ترقيعية، لا تتجاوز حدود «الحل الاقتصادي» الاستسلامي، وحدود حل «الأمن مقابل الغذاء». وهذا ما لم تسلم به القيادة الرسمية الفلسطينية التي ما زالت عاجزة عن استخلاص الدروس من التطورات الدولية، وما زالت عند محطة التمسك بالراعي الأميركي، مدخلاً للحل في المنطقة، رغم إدعاءاتها أنها لم تعد ترى في الولايات المتحدة ذلك «الراعي النزيه والمحايد». • بالمقابل، فإننا نلاحظ أن إنشغال مجلس الأمن بأزمة أوكرانيا وأزمة العلاقات العالمية، لم تشغل الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية، فأتت قرارات اللجنة الرابعة («لجنة حقوق الإنسان وتصفية الإستعمار») في 11/11/2022، ومن بينها الطلب إلى محكمة لاهاي تقديم رأي استشاري بماهية الاحتلال الإسرائيلي، خير دليل على ذلك. إن إصدار رأي قانوني من أعلى محكمة دولية في العالم في موضوع عدم شرعية الإحتلال الطويل للأرض الفلسطينية وتعطيل حق الفلسطينيين من تقرير المصير ينسف كل التبريرات التي تبني عليها إسرائيل مواصلة إحتلالها فإنها ستشكل سلاحاً فعالاً إضافة إلى الأسلحة التي تملكها أصلاً، في معركة التدويل التي تخوضها منظمة التحرير، فضلاً عن معركة المقاطعة- B.D.S التي تسعى إسرائيل – لخطورتها عليها – أن تقطع طريقها بكل الأساليب المتاحة، في انعكاس الأوضاع الدولية (8) على الحالة العربية والإقليمية كان للتطورات الدولية، تحت وطأة أزمة أوكرانيا، وما قبلها من أحداث، تأثيرات واضحة، على الأوضاع العربية والإقليمية تمثل أبرزها تراجع ثقة دول المشرق العربي وبخاصة الخليجية، بسياسة الإدارة الأميركية بعد سلسلة الانسحابات من عدد من الدول، كأفغانستان والعراق، تحت ضغط الأحداث المحلية، وما خَلَّفته من تداعيات أدت إلى سقوط أفغانستان بيد طالبان، واختلال الميزان الإقليمي جزئياً في العراق لغير صالح أميركا والقريبين من سياستها. كما تجلى ذلك في فشل الولايات المتحدة في حماية المنشآت النفطية في العربية السعودية أمام صواريخ الصراع اليمني الداخلي، وكذلك الصواريخ التي طاولت دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد تجلى ضعف الثقة هذا، في نتائج قمة جدة 4/7/2022 بمشاركة الرئيس الأميركي، حين فشلت الدعوات لإقامة ناتو عربي، في إمتداد الناتو الأطلسي (!).

كذلك إنعكس تراجع الثقة بالولايات المتحدة بالانفتاح الخليجي على روسيا الاتحادية، وعلى الصين الشعبية وتقدم التنسيق بين السعودية وروسيا في منظمة أوبك +، ما اعتبر تحدياً للولايات المتحدة، إنعكس في سلسلة تصريحات غاضبة طالت سياسة الرياض، وعلى الأخص ولي العهد في البلاد.

ذلك تبدى ضعف الثقة بالولايات المتحدة في موقف القمة العربية في الجزائر– 1/11/2022 من الأحداث في أوكرانيا، إذ لم تقدم موقفاً يساند سياسات الولايات المتحدة في حصارها الاقتصادي والسياسي لموسكو، بل عَبَّرت عن سياسة تنطلق من تغليب إعتبارات المصالح العربية على أية مصالح أخرى، بما في ذلك إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية من خلال إبراز مركزيتها، في ظل تلكؤ الولايات المتحدة وتجاهلها لقضايا الشرق الأوسط.

نهوض الدور الإقليمي لتركيا، وتأثيره على الميزان الإقليمي، بعد اتباعها سياسة مكنتها من لعب دور الوسيط الفاعل في أزمة أوكرانيا والعلاقات الدولية، حين إنعقدت في إسطنبول جولات المفاوضات الروسية – الأوكرانية، وحين تحولت تركيا مع الأمم المتحدة إلى الضامن في البحر الأسود والأناضول، لشحن الحبوب والأسمدة الأوكرانية والروسية، منعاً لحدوث أزمة غذاء عالمية.

يشهد العالم، كما تشهد المنطقة تحولات سياسية ذات طابع استراتيجي، ستكون لها إنعكاساتها على طبيعة العلاقات الدولية، والنظام العالمي، وموازين القوى، الأمر الذي دفع القيادات السياسية إلى إجراء مراجعات لسياساتها وطبيعة علاقاتها الخارجية، في وقت ما زالت فيه القيادة السياسية الرسمية الفلسطينية تعيش حالة إرباك وإرتباك، تعصف بها رياح التغيير، وهي عاجزة عن إمتلاك رؤية جديدة للمرحلة القادمة، وتتعامى عن قرارات المجالس الوطنية والمركزية، وتتجاهل ما يجري في المناطق المحتلة من تداعيات حقيقية تؤسس لتطورات حاسمة قد لا يطول الزمن قبل أن ترى النور، وتبقي على رهاناتها السياسية، رغم إدراكها العميق أنها رهانات بلا رصيد.

إن الطبقة السياسية المتنفذة في السلطة الفلسطينية، تعيش أزمة سياسية معقدة، يتغلب فيها الحرص على مصالحها الطبقية، وما غنمته من مكاسب في مواقع السلطة على حساب المصالح الوطنية لعموم شعبنا الفلسطيني. وهو ما تعبر عنه في إزدواجيتها المفضوحة في رفع شعارات توحي بتلاقيها والإرادة الشعبية، تقابلها سياسات تناقض الشعارات، وتبقى – في الوقت نفسه – على وفائها لاتفاق أوسلو والتزاماته، ورهاناتها على دور الولايات المتحدة في فتح ذلك «الأفق السياسي» العتيد، الذي يدرك مركز القرار في النظام السياسي، أنه مغلق تماماً، بفعل سياسة واشنطن الممتنعة عن التقدم نحو هذا الأفق العتيد، لصالح بعض الرشاوى في القضايا الإقتصادية والمعيشية، والسعي – الذي لا ينجح في معظم الأحيان – لضبط بعض مظاهر السياسة القمعية الدموية للإحتلال، وإحتواء بعض تجليات جموحه الإستيطاني تشرين الثاني (نوڤمبر) 2022

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى