استيطانفلسطيني

كيف استولت “جولدا مئير” وزوجها على “فيلا بشارات” وطردت حفيده؟

لم تكن جرائم تهجير الفلسطينيين عام النكبة 1948 والتي تخللها عمليات نهب وسرقة لبيوتهم المتواضعة منها والفخمة، مقتصرة على العصابات الصهيونية والجنود، فكبار “إسرائيل” كانوا في مقدمة من نهبوا هذه الأملاك فورًا، وعلى رأسهم وزيرة الخارجية الإسرائيلية “جولدا مئير”.

وضمن ملف الكشف عن ملفات مخفية في أرشيف الاحتلال الإسرائيلي تتعلق بالنكبة الفلسطينية ومجازر غير معروفة حتى الأن، نسلط الضوء على نهب مسئولين إسرائيليين لبيوت الفلسطينيين الفاخرة، عقب تهجيرهم.

ويأتي الكشف عن الملفات بالتنسيق مع نشطاء ومحامين ومختصين جندوا أنفسهم للكشف عن هذه الملفات، ضمن خطوات لتقديمها لمحاكم وهيئات دولية، لمحاكمة “إسرائيل” على مجازرها وجرائمها إبان النكبة الفلسطينية.

ويقول المحامي المختص بملفات النكبة الفلسطينية جهاد أبو ريا، في تفاصيل سرقة البيوت على أيدي المسئولين الإسرائيليين: “في سنوات الستينات كانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية جولدا مئير تسكن في الطابق الثاني من فيلا “هارون الرشيد ”  في حي الطالبية في القدس الغربية, وفي المدخل الرئيسي للبيت كتب ” هارون الرشيد 1926 “.  

يضيف -حسبما جاء في الملفات- “حينها  قام داغ همرشيلد الأمين العام للأمم المتحدة بزيارة جولدا مئير في البيت الذي تسكنه، وبما أنها كانت تنكر أن هناك شعب فلسطيني، ولا تريد أن ينتبه الضيف أنها تسكن في بيت فلسطيني تم سلبه ونهبه في النكبة،  فقد قامت بمحي كلمة هارون الرشيد، من مدخل البيت.

وجاء أن “حكاية حكاية فيلا هارون الرشيد بدأت عام 1926 في حي الطالبية في القدس، حينما أنهى المرحوم حنا إبراهيم بشارات بناء بيته هناك، فكان من اجمل البيوت وأفخمها، بيت مكون من طابقين، تحيطه الحدائق والورود والأشجار، كان يذكر بأيام السلطان هارون الرشيد، فاختار له اسم السلطان، وكتب الإسم في مدخل البيت وفي اطراف اخرى منه.

وسكن بشارات وعائلته في بيته بسعادة ومحبة سنوات طويلة, وولدت زوجته اثنين من ابنائه في هذا البيت، فتراكمت الذكريات الجميلة في كل مكان من البيت،  حتى ضاقت عليه الحالة الاقتصادية فأجر بيته للبريطانيين واستأجر بيت أصغر في منطقة مجاورة”.

وعقب ذلك، جاءت أحداث النكبة، وهجرت العصابات الصهيونية أهالي حي الطالبية، ومن ضمنها عائلة حنا بشارات، فقام البريطانيون بتسليم مفاتيح البيت إلى العصابات الصهيونية، التي استولت على البيت على أنه أملاك غائبين وقامت بتعليق علم “إسرائيل” في أعلى البيت.

وسنت “إسرائيل” ما يسمى بقانون “أملاك الغائبين” في الـعشرين من مارس\آذار 1950 ويُعرّف كلّ من هُجّر أو نزح أو ترك حدود فلسطين المحتلّة حتّى تشرين ثاني من عام 1947، من أيّ سبب كان وبالذات بسبب حرب الاحتلال، على أنّه غائب. 

ولما كانت فيلا هارون الرشيد من البيوت الفخمة والكبيرة فقد قسمته الحكومة الإسرائيلية إلى بيتين، في الطابق العلوي سكنت “جولدا مئير” أثناء توليها منصب وزير الخارجية, وفي الطابق السفلي سكن “تسفي برنزون” قاضي المحكمة العليا.

عودة الحفيد وطرده

وفي عام 1977 قام بروفسور جورج بشارات حفيد الراحل حنا بشارات بزيارة إلى بيت جده، وبعد أن دق باب الطابق السفلي فتحت له امرأة مسنة الباب.

ويروي جورج ما حدث في ذلك اليوم: “في 1977 جئت للقدس وبيدي صورة الفيلا في الطالبية مع شروحات حول موقعها زودني بها جدي،  كان الطقس حارًا ومغبرًا، كنت أتجول في الطالبية وأعاين البيوت بحثاً عن هارون الرشيد، وكانت المهمة غير سهلة فقد غيروا أسماء الشوارع وخلدوا بها شخصيات يهودية وصهيونية”.

ويضيف “الذكريات العائلية التي حافظت على الفيلا أنقذتني من الشعور بالاغتراب وفقدان الطريق الذي فرضه علينا الحاضر، فيما اتكأت على جدار في الظل شاهدت بيتًا مشابهاً لبيت والدي، سارعت لاجتياز الشارع وما لبثت أن رأيت اللوحة الرخامية في واجهته تحمل بالعربية الاسم هارون الرشيد”.

يصف المشهد  “فجأة غمرتني مشاعر غضب، حزن والأهم توتر ممزوج بالقلق، فقد تقدمت داخل الحديقة المفضية لمطلع الدرج الحجري الأمامي ووضعت كفة يدي عليه كما فعل والدي وجدي كلما صعدا وهبطا من البيت كل يوم، وقرعت الجرس وفتحت سيدة مسنة الباب”. 

وشرح بشارات للسيدة أنه “جدي بنى البيت وكشفت لها جواز السفر الأمريكي، وسألتها إن كان ممكنَا القيام بزيارة قصيرة داخل البيت. قالت :”عائلتك لم تسكن هنا أبدًا”.

وفهم بشارات من رد السيدة، أن “هذا التنكر جزء من عملية عقلنة وشرعنة الاستيلاء على أملاكنا- من الناحية الأخلاقية أسهل هضم مصادرة بيت تركه صاحبه الغني من التفكير بأنك أخذت ملك آخرين كان بيتاً لعائلة، وفي تلك اللحظة تعطلت الكلمات في فمي فلم أواجه من قبل مثل هذا الادعاء”. 

ولما شعر بشارات “بالغليان إزاء الحاجة بالتذلل كي تدخل منزل عائلتك أمام سيدة لا أعرفها ولا أعرف من أي بقعة في الدنيا هاجرت إلى هنا”. 

ويوضح الباحث “أن زوج السيدة سرعان ما انضم لها وهو القاضي السابق في محكمة العدل العليا تسفي برنزون، الذي أتاح لي دخول الفيلا شريطة الاكتفاء بزيارة الصالون فقط بدعوى أنه لا حاجة لمشاهدة بقية أقسام البيت خاصة أنها خضعت وتخضع لتغييرات”. 

وغادر حفيد مالك الفيلا بعد خمس دقائق فقط من دخولها، لكنه كان مستاءًا من المسنيْن اللذيْن استوليا على البيت بشكل غير مشروع، حسبما جاء في شهادته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى