أسرى

أحمد الدهيدي.. محكوم بالمؤبد مرتين ووالدته تعيش على أمل حريته

بعد مطاردة استمرت عامين خلال انتفاضة الأقصى، اعتقل الاحتلال الشاب أحمد ذيب عبد الرحمن الدهيدي بكمين في بلدة عرابة، ورغم التعذيب وظروف التحقيق القاسية، رفض إبداء الندم والاعتذار في جلسات محاكته التي استمرت على مدار عامين، فحوكم بالسجن المؤبد مرتين، لكنه أصر على استثمار محطة اعتقاله رغم ما تجرعه من صنوف المعاناة الرهيبة، فتحدي الاحتلال بالتعليم، وحصل على ثلاث شهادات علمية، ولا يزال صابراً وصامداً كوالدته الستينية سلوى الدهيدي التي رغم دخوله عامه الـ20 خلف القضبان، تعيش على أمل رؤيته حراً.

تقول والدته: بتاريخ 15-6-2003، يوم محفور في ذاكرة الوالدة الصابرة، ففيه تحول أحمد لأسير ، وتقول ” بسبب المطاردة، اضطر للتخفي والتنقل، حتى حاصر الاحتلال منزل خاله في بلدة عرابة فجر ذلك اليوم الأسود، تمكنوا من اعتقاله، ونقلوه فوراً، لأقبية التحقيق في سجن الجلمة لنعيش مشاعر الخوف والقلق في ظل انقطاع أخباره “. 

 وتضيف ” عزلوه وعلى مدار 4 أشهر، لم تصلنا أية أخبار عنه، بينما كان صامداً يتحدى المحققين واساليب تعذيبهم وقمعهم، وبعد ليالي وأيام طويلة من الوجع والقلق، تلقيت أخيراً اتصالاً سريعا من أحمد، قال فيه كلمة واحدة ” أنا بخير “، وانقطع الاتصال حتى وصلتنا أخبار نقله لسجن شطة “.

وتابعت: “لا أريد بعد كل هذه السنوات الصعبة سوى رؤيته بين أحضاني، وقد تحرر من ظلمات سجونهم وتحطمت قيودهم البغيضة، وأزفه عريساً “، مضيفة”خلال السنوات الماضية، سرق الاحتلال منا كل معاني الفرح والسعادة، وعندما تزوج أبنائي وبناتي، بكيت وتألمت، وكانت فرحتنا منقوصة، فكيف نفرح وعمر حبيب قلبي وحياتي يضيع خلف القضبان؟”.

تنهمر دموع الوالدة أم أحمد وهي تستعيد الذكريات وتتحدث عن الأمنيات وتحدق بصور أسيرها التي تزين جدران منزلها في بلدة عرابة بمحافظة جنين، فالقلب يسكن قلبها ويتجدد خاصة بالمناسبات، وتقول ” انتظرت طويلاً صفقة أو مبادرة تعيد أحمد حراً إلينا ليشاركنا حياتنا وأزفه عريساً، ولكن الاحتلال بدد فرحتنا بعدم الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار، وفي يوم زفاف شقيقيه عبد الله وعبد الفتاح بكيت ولم أشعر سوى بالحزن، فقد كنت أتمنى أن يكون معهم ونزفهم الثلاثة، لكن لم ننساه لحظة، صوره زينت العرس ورفعها جميع الأهل والأصدقاء، وكلنا أمل بخلاصه القريب وعودته إلينا”.

وتتابع ” طوال العرس، كان نصيبي الدموع وغصة كبيرة في القلب، ولكن لابد لكل أسير ومعتقل أن يتحرر، ولن يبقى باب السجن مغلق على أبطالنا والحرية قادمة” .

في بلدة عرابة، أبصر أحمد النور بتاريخ 15/10/1982 ، والذي تعتبره والدته أجمل أيام عمرها، كونه البكر في عائلته المكونة من 10 أفراد، نشأ وتربى في بلدته، تعلم في مدارسها وانهى كافة مراحل والثانوية العامة بنجاح وانتسب لجامعة الخليل تخصص إدارة أعمال، لكن الاحتلال قطع عليه الطريق.

تقول والدته ” خلال دراسته اقتحم الاحتلال منزلنا مطلع عام 2001، بحثاً عن أحمد الذي انضم لقائمة المطلوبين، لكنه رغم التهديدات تمرد ورفض تسليم نفسه، طارده الاحتلال وحرمنا من رؤيته، عانينا الكثير لخوفنا عليه في ظل استهداف الاحتلال وتهديداته له “، وتضيف ” قدم ابني واجبه تجاه شعبه ووطنه، فقد كان حبه لفلسطين واستعداده للتضحية أكبر من كل شيء، صمم على مقاومة الاحتلال بشجاعة وبطولة حتى اعتقاله”.

 وتكمل “عاقبنا الاحتلال بمنع زيارته، وكنا نشاهده خلال جلسات المحاكمة لكن من مسافة بعيدة وه مكبل اليدين والقدمين، ولغة التواصل الوحيدة أمام قمع الاحتلال، الإشارات للاطمئنان عليه “.

ما زالت الوالدة أم أحمد، تحتفظ بكلمات أسيرها في أخر جلسة محاكمة، فقبل النطق بالحكم ، وقف كما تقول ” بشموخ وتحدي وبطولة، رفض الندم والاعتذار للمحكمة، وقال للقاضي ”  انني لم أتي عندكم، وانما اقتحتم بلدنا واغتصبتم الارض ومن حقنا مقاومتكم “، وتضيف ” غضب القاضي بشدة، وقال له : انت مخرب ولدينا أدلة واثباتات بقيامك بمهاجمة الجيش والاشتباك معه، فرد أحمد عليه: انني أفخر لكوني فلسطيني وأدافع عن أرضي ووطني” ، فأصدر القاضي بحقه حكماً بالسجن المؤبد مرتين”.

رغم معاناتها من أمراض القلب والضغط والسكري ، واظبت الوالدة سلوى على زيارة أحمد، وتحملت كل الظروف والضغوط والعقوبات، وتقول ” أشعر دوماً بفخر واعتزاز ببطولاته وصلابته، يكرس حياته لخدمة الأسرى، وقد عاني من العقوبات من عزل ومنع زيارات، لكن لم أتأخر عن زيارته التي تسلحني بالصبر والقوة والأمل “، وتضيف ” ظروف الاعتقال والسجون، لم تنل من عزيمة ابني الذي تحدى الاحتلال بالتعليم، فقد حصل على شهادة التميز في تخصص العلوم السياسية من الجامعة العربية المفتوحة، كما حصل على درجة الماجستير في نفس التخصص، وأكمل وحصل على البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى بغزة ، كما حصل على عدة دورات في مجالات متعددة منها اللغة العبرية “.

خلال اعتقاله، أصبحت والدته جدة، وما زال الأحفاد لا يعرفون عمهم وخالهم إلا من خلال الصور ، كما فقد أحمد، شقيقه صالح عن عمر 23 عاماً،  إثر حادث سير بعد مطاردة الاحتلال له مع مجموعة مقاومين مطاردين، كما توفيت عمته وجده الذي كان دائم التساؤل عنه وعن حريته.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى