مقالات

فتحي كليب “إسرائيل”: و الإنقسام ونحن .

فتحي كليب / عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

هل قصد رئيس وزراء العدو نفتالي بينيت الاسرائيليين ام الشعب الفلسطيني حينما قال “ان الذي يقض مضجعي هو الانقسامات الداخلية وانتشار الكراهية”! ظننت للوهلة الاولى قبل ان اتابع تفاصيل هذا الخبر العادي ان الذي يتحدث هو مسؤول فلسطيني يحذر من تداعيات الانقسام الداخلي على القضية الوطنية، قبل ان اتيقن بان بينيت كان يتوجه الى الاسرائيليين في تحذيره من تداعيات الانقسام داخل الكيان. وليس وحده من حذر من تداعيات هذا الانقسام، فها هو رئيس وزراء العدو الاسبق ايهودا باراك يعزف على السيمفونية ذاتها بقوله: “الانقسام الداخلي يحطمنا وهو أخطر من التهديدات الخارجية، بل هو تهديد وجودي”..

تتزامن هذه المواقف مع العديد من التحليلات حول تداعيات التطرف الآخذ بالازدياد داخل المجتمع الاسرائيلي، والذي يترجم بغياب وافول ما يسمي بالاحزاب والتيارات اليسارية الاسرائيلية التي باتت بحكم المنقرضة بحيث لم يعد لها اي تأثير في الحياة السياسية الاسرائيلية، وتؤكد الانتخابات الاخيرة ان هناك تحولات داخل المجتمع تنحو باتجاهات يمينية وتطرفية عنصرية. بل ان تسابق الاحزاب الصهيونية اصبح على اصوات المستوطنين واليمين والذين باتوا يحركون دولة الكيان، في ظل تصاعد وازدياد منسوب الخوف مما هو قادم، سواء على مستوى الصراع المباشر مع الشعب الفلسطيني ومقاومته، بتفصيلاته المختلفة، او لجهة تقدم المعتقدات الغيبية والاساطير التاريخية من نمط اقتراب نهاية “دولة اسرائيل” نتيجة وصولها الى عمر افتراضي لن يزيد عن 80 عاما..

في المقابل، يعيش المجتمع الاسرائيلي انقساما حادا آخذ بالاتساع عاما بعد عام، وهو يتخذ اشكالا مختلفة تعبر عن نفسها بعناوين “ازمة الهوية” التي عادة ما تبرز في صراعات تعتبر بالنسبة للساسة والمفكرين الاسرائيليين واحدة من المشكلات الاستراتيجية التي تعيشها اسرائيل، وهو انقسام يصل الى درجة التناقضات احيانا بين مختلف الاثنيات والعرقيات التي يتشكل منها المجتمع اليهودي سواء بين مهاجري الغرب (الأشكناز) ومهاجري الشرق (السفارديم) من جانب، او بين المجتمع المتدين (الحريديم) والعلمانيين من جانب ثان، او على مستوى المهاجرين القدامى والجدد من جانب ثالث، والسكان الأصليين من العرب الفلسطينيين واليهود في جانب خاص وأخير.

لكن رغم ذلك، فهناك من يعمل على ادارة دفة هذه الانقسامات بحيث لا تشكل خطرا على الاستراتيجية العامة للحركة الصهيونية، لذلك نجد اجماعا سياسيا على عناوين وقضايا تشكل بالنسبة لهم “ثوابت الاجماع اليهودي” التي، مهما بلغت درجة التناقضات والخلافات، فلا يمكن لأي تيار سياسي، بل من غير المسموح لأحد ان يتجاوزها. والمواقف المعبر عنها من قبل الاحزاب الاسرائيلية في صراعها على السلطة، ليست سوى ديكورا لـ “الديمقراطية الاسرائيلية المزيفة والمخادعة” والتي تهدف لتحقيق اهداف سياسية ومكاسب على المستويين الشخصي والحزبي.

على المستوى الفلسطيني الداخلي، ورغم ان العناوين التي تجمع الشعب الفلسطيني ويفترض ان تشكل ثوابت اجماع وطني هي اكثر وضوحا من تلك الموجودة لدى المجتمع الاسرائيلي، الا ان الانقسام والصراع بات يتقدم على ما نعتقد انه مسلمات وطنية.. فالاهداف الوطنية العامة للشعب الفلسطيني واضحة وتحوز على دعم ليس فقط كل الشعب الفلسطيني، بل والشعوب العربية وكل احرار العالم ومدعومة بعشرات القرارات الدولية، لكن في الواقع تبدو الصورة متعاكسة لدرجة ان بعضهم بات يطرح برامج سياسية جديدة تتجاوز ما سبق وان اتفق عليه الشعب الفلسطيني وحقق على ارضيته النتائج السياسية الهامة التي اعادت للقضية الفلسطينية حضورها والقها على المستويات العربية والدولية، لكن المشكلة دائما هي في مدى التزام القوى السياسية، خاصة الرسمية منها بعناصر هذا البرنامج..

في الترجمة العملية، ورغم ان المشروع الصهيوني بات واضحا في استهدافه القضية الفلسطينية بأكثر من عنوان: قضايا القدس، التطبيع، مخطط الضم التدريجي، الاستيطان، قضية اللاجئين وحق العودة من مدخل وكالة الغوث وغيرها من عناوين هامة، فما زال هناك من يسعى وبشكل متعمد الى ادامة عمر الانقسام سواء عبر تكريس وتشريع الواقع الراهن والتعاطي معه باعتباره بديهية “وطنية”، او من خلال المراهنة على مصطلح نسيناه ونساه الجميع واسمه “مفاوضات بالرعاية الامريكية”، رغم اليقين بأن الحكومات الاسرائيلية لن تجرؤ، في ظل المعطيات الراهنة، على فتح اي قنوات اتصال مع السلطة الفلسطينية، الا من زاوية ما يخدم مصالحها، كالتنسيق الامني مثلا. والادارة الامريكية الحالية بدورها لا تختلف بشيء عن سابقتها الا في بعض التكتيكات والوعود التي ما زالت مجرد عصافير على الشجرة، وهي ايضا لن تقدم على اي خطوة تتعاكس مع المصالح الاسرائيلية..

نعود بالذاكرة الى شهر ايلول من العام 2000، حين دنس الارهابي المقبور ارئيل شارون ساحات المسجد الاقصى وكانت سببا مباشرا لاندلاع الانتفاضة، فخرج مسؤول عربي محذرا من “ان الدول العربية لن تبقى مكتوفة الايدي امام ما يحصل للشعب الفلسطيني ولمدينة القدس”، وتساءلنا حينها عن النقطة التي يقصدها ذلك المسؤول كي نجد صرخة رسمية عربية “جدية”، واليوم نكرر السؤال فلسطينيا: ما هو الاجراء الاسرائيلي الحاسم بالنسبة للفلسطينيين، منظمة وسلطة وفصائل وتيارات سياسية وشعبية مختلفة، كي نصل الى نتيجة بأن ما يحصل يستحق ما هو اكبر من ثورة وانتفاضة. لكن رغم ذلك، فلا نجد الا الانقسام الذي اتسع اكثر بين الكل الفلسطيني: بين اليمين واليمين، بين اليمين واليسار وبين اليسار واليسار.. لكن الصراع والانقسام هو ليس على ارضية برامج سياسية، بل على حسابات ومصالح فئوية وعلى فتات “مكاسب اوسلو” وتنفيذا لاجندات خارجية تتقدم الى الواجهة اكثر واكثر!

نعم لعلنا نوافق على مقولة أن الانقسام هو اكثر خطرا على القضية الفلسطينية من صفقة القرن ومن المشاريع الاسرائيلية. ففي ظل الانقسام، انتصرنا وصمدنا في اكثر من معركة، لكننا ما زلنا عاجزين عن ترجمة واستثمار العديد من الانتصارات التي تحققت في معارك سابقة مع المحتل، سواء خلال عمليات العدوان على قطاع غزه، او فعاليات المقاومة الشعبية في الضفة او معارك الدفاع عن مدينة القدس ومقدساتها، او التحركات الشعبية الانتفاضية في الاراضي المحتلة عام 1948.. لنصل الى استنتاج اكدته السنوات الماضية بان لا امكانية لأي نصر ان يتجسد سياسيا طالما بقي الانقسام وطالما هناك اطراف ما زالت تسعى الى افراغ هذه الانتصارات من مضامينها، كونها تتعاكس مع مصالحها التي اصبحت جزءا لا يتجزأ من طبيعة المرحلة، ولا يغير من هذا الاستنتاج الاتهامات والاتهامات المتبادلة ورفع وتيرة التطرف اللفظي لدى البعض باعتبارها اسهل الخيارات الشعبوية لتحقيق مكاسب سياسية او انتخابية هنا وهناك..

قد لا يختلف اثنان على التوصيف والاستنتاج السابق، لكن الخلاف يبدأ في آلية المعالجات، وهذا ما يتطلب ضرورة استعادة بعض البديهيات الوطنية:

– ان اسرائيل هي عدو يحتل ارضنا الفلسطينية، وكل الاعراف والمواثيق الطبيعية والدولية والقانونية توجب مقاومة هذا المحتل، وهذا ما يتطلب اعادة الاعتبار لحركتنا الوطنية باعتبارها حركة تحرر وطني يجب ان تكون اولويتها النضال من اجل تحرير ارضها، آخذين بعين الاعتبار اهمية استمرار الصراع على العناوين المجتمعية وقضايا الحريات الديمقراطية، لاعادة صياغة بنية مؤسساتنا الوطنية ووظائفها بما يوفر مقومات الصمود للمجتمع الفلسطيني.

– في ظل اختلال موازين القوى، فان قوة الشعب الفلسطيني هي في وحدة كل فئاته الاجتماعية، وهو ما يعني ضرورة اعادة الاعتبار لوحدة الشعب وتوحيده تحت راية برنامج سياسي موحد وفي اطار نظام سياسي يعتمد ويؤمن بالشراكة بين جميع المكونات الوطنية التي يجب ان تنخرط في إطار حركة التحرر الوطني، وضد التناقض الرئيسي الجامع، أي ضد الاحتلال والاستيطان.. واي صراع على السلطة من خلفية الوهم اننا تجاوزنا مرحلة التحرر الوطني فلن يقود سوى الى الهيمنة والاحتكار والى فساد الأجهزة والمؤسسات، وايضا إلى الانقسامات التي لا زالت تتوالى بنتائجها السلبية على كل تجمعات الشعب الفلسطيني.

– ان دول العالم لا تتعاطى معنا ومع قضيتنا الا على ارضية مصالحها المباشرة، وهي لن تتخذ من المواقف السياسية ما يدعم نضالنا الا انطلاقا من كيفية تقديم انفسنا وقضيتنا الى العالم، وبعبارة اخرى فان المواقف الدولية تتأسس على قوة وصلابة الموقف الفلسطيني.. وبالتالي فان استجداء المواقف والضغوط الدولية على اسرائيل اكدت عقود اوسلو انها مضيعة للوقت ولن تصب الا في مصلحة الاحتلال الذي يراكم بالنقاط مصالح وانجازات سياسية وميدانية..

امام المتغيرات الاقليمية والدولية، فليس امام الشعب الفلسطيني الا واحد من خيارين: فاما خيار التبعية والارتهان للخارج والارتماء في الاحضان الامريكية والمساهمة في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية بشكل تدريجي، بغض النظر عن حسن النوايا التي لا تقدم ولا تفيد بشيء، خاصة وان ما هو مطروح راهنا لا دولة ولا فتح مسار على امكانية قيام دولة، بل اقتراحات بتحسين المستوى المعيشي وتسهيل قضايا المعاملات للفلسطينيين في علاقاتهم اليومية مع سلطات الاحتلال..

والخيار الثاني هو الخيار المجرب في قطاع غزه وفي لبنان وفي القدس وجميع مدن وقرى ومخيمات الضفة الفلسطينية، وهو خيار المقاومة المسلحة والشعبية المستند الى وحدة وطنية راسخة وشراكة حقيقية في صنع القرار وفي تحمل نتائجه. ومثل هذا الخيار لا يمكن تكريسه كثابتة من ثوابتنا الوطنية الا حين تتقدم الى الامام الارادة السياسية على المواجهة وتحمل اعباء هذا الخيار الذي سيكون مكلفا، لكن في المقابل فان تكلفة المقاومة هي اقل بكثير من تكلفة الوضع الراهن حيث الخسائر يومية على المستويات البشرية والسياسية والاقتصادية والمعنوية والنفسية.. بينما المراهنة على التغيير من الخارج فلن تنتج سوى كوارث وطنية لا زلنا نملك مفتاح تغيير مسارها باتجاهات وطنية، خاصة مع النهوض الكبير والمميز للحركة الجماهيرية الفلسطينية في فلسطين وخارجها والتي ما زالت تشكو من نقطة ضعف وحيدة تتمثل في غياب الهيئة القيادية التي تقود وتنسق وتراكم وطنيا على اي انجاز يتحقق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى