تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي.

عودة كوابيس الانتفاضة الثانية | القدس تُفاجئ العدوّ: ضربة مزدوَجة بالعبوات
الأخبار.
عودة هذا النوع من العمليات المزدوجة تضع المنظومة الإسرائيلية الأمنية في مأزق كبير

(أ ف ب)

لم تَغِب صُور حافلات المستوطَنات المحترقة عن ذاكرة الفلسطينيين، وإنْ غابت لسنوات عن
الأرض بفعل اختفاء العمليات الفدائية والعبوات الناسفة، لكنها عادت أمس لتَرسم صباحاً مختلفاً
للمشهد المقاوم في فلسطين، والذي يتّسع يوماً بعد آخر، مُنذراً بمرحلة جديدة ستكون لها
تداعياتها الميدانية. العملية المزدوجة التي نُفّذت بإتقان، لم تَرِد، على ما بدا، حتى في أسوأ
توقّعات المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية، التي ظهرت مذهولة، كما المستوطنون، إزاء الهجوم،
نظراً إلى افتقارها إلى أيّ معلومات مسبقة حوله، ما يعني صفعة استخبارية لها. أمّا الصفعة
الثانية فكانت لحالة التأهّب والاستنفار المفروضة، والتي لم تمنع وصول المنفّذ إلى محطّة
الحافلات في القدس الغربية، حيث عمد إلى زرْع حقيبة مفخّخة ومن ثمّ تفجيرها عن بعد، قبل
أن ينتقل إلى مكان آخر ويترك دراجة مفخّخة على جانب الطريق ويفجّرها عن بُعد كذلك.
عودة هذا النوع من العمليات المزدوجة، والذي ارتبط بشكل وثيق بالانتفاضة الثانية كأحد أبرز
أعمال المقاومة آنذاك، تضع المنظومة الإسرائيلية الأمنية في مأزق كبير، خصوصاً أن هكذا
هجمات لا يمكن أن تُنفَّذ بشكل فردي، نظراً إلى ما تتطلّبه من رصد ومراقبة وتصنيع ونقل
وتنفيذ، وبالتالي تبدو الحالة أقرب إلى مجموعة منظَّمة على قدْر عال من الحرص والتنظيم
والسرّية، لم تستطع إسرائيل الوصول إلى أيّ خيط فيها، في ظلّ انسحاب المنفّذ من المكان
بسلام. وعلى رغم أن العملية خلّفت قتيلاً واحداً، وأصابت 47 بينهم 3 في حال الخطر، إلّا أنها
ألقت بظلالها الثقيلة على المستوطِنين والمؤسّسة الأمنية، كونها تمثّل إعلاناً عن ميلاد خلية
مقدسية جديدة، يمكن أن تكون قد أعدّت نفسها لتنفيذ هجمات أخرى. وفي هذا الإطار، أكّد وزير
الأمن الداخلي، عومر بارليف، أن «ما حدث في القدس المحتلّة هو هجوم مركّب ومعقّد في
ساحتَين، يبدو أنه نتيجة بنية تحتية منظَّمة».
وما يدعم هذا التحليل، أن العبوتَين اللتَين تمّ تفجيرهما متشابهتان من حيث طريقة التصنيع
والمكوّنات، وقد تمّ تفعيلهما عن بُعد من خلال هاتف محمول. كما تَبيّن أنهما كانتا مملوءتَين
بالكُرات المعدنية الصغيرة والمسامير، بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى والجرحى.
وبحسب مصادر عبرية، فإن «خطورة عملية القدس لا تنبع فقط من كثرة الضحايا وعودة
الخوف إلى الشوارع، ولكن من القدرة على إنتاج عبوات ناسفة فعّالة، وإدخالها في “مناطق
خضراء”، وتفجيرها عن بُعد في الأماكن المزدحمة». وفي أعقاب الهجوم، أفادت مصادر
عبرية بأن شرطة الاحتلال اكتشفت عبوة ناسفة على مسار القطار الاستيطاني في القدس
المحتلّة ليل الثلاثاء – الأربعاء، في المنطقة نفسها التي وقع فيها هجوم صباح الأربعاء.
وإذ أعادت العملية إلى ذاكرة المستوطِنين وقادة الاحتلال، مشاهد الانتفاضة الثانية التي امتازت
بالعمليات الاستشهادية وتفخيخ الحافلات، واستدعت سريعاً دعوات إلى القتْل الجماعي، مثلما
طالب به النائب المتطرّف المرشّح لحقيبة الأمن الداخلي في حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة،
إيتمار بن غفير، الذي دعا إلى إعادة تفعيل سياسة الاغتيالات، وإلى اجتياح الضفة الغربية، فقد
وجّه الإعلام العبري أصابع الاتّهام إلى حركة «حماس»، إذ قال الصحافي، أور هيلر، إن
«هذه عملية منسَّقة ومزدوجة، ومخطَّطة جيداً، والمشتبه الرئيس فيها هو حركة حماس في
غزة»، بينما اعتبر الصحافي في «معاريف»، تال ليف رام، أن «طبيعة التفجيرات في القدس
تشير بشكل لا لبس فيه إلى ضلوع حماس فيها»، وهو اتّهام، في حال تَبنّته دولة الاحتلال
وأرادت تأسيس خطوات أمنية عسكرية عليه، سيعني الدخول في مرحلة أكثر خطورة،

3

خصوصاً في قطاع غزة. ولعلّ ذلك هو ما دفع فصائل المقاومة في القطاع إلى تعزيز إجراءاتها
الأمنية، علماً أنها بدأت منذ فترة مُضاعفة استعداداتها لأيّ مواجهة قد يَدفع إليها العدو، في ظلّ
تصاعُد التهديدات الإسرائيلية بتغيير الاستراتيجية المتّبَعة حيال غزة.
أعادت العملية إلى ذاكرة المستوطِنين وقادة الاحتلال مشاهد الانتفاضة الثانية
وتأتي عملية القدس بعد سنوات من غياب هذا الشكل من العمل المقاوم في فلسطين خلال العقد
الأخير. وكانت آخر تلك العمليات سُجّلت عام 2016، عندما أقدم الاستشهادي عبد الحميد أبو
سرور (من بيت لحم) على وضْع عبوة ناسفة محلّية الصنع في حافلة تابعة لشركة «إيجد» في
القدس المحتلّة، ما أدّى إلى إصابة 21 مستوطِناً واحتراق الحافلة بالكامل. وفي عام 2011،
نجح الأسير المقدسي، إسحاق عرفة، في تفجير حافلة إسرائيلية، متسبّباً بمقتل مستوطِنة وإصابة
أكثر من 60 آخرين بجروح مختلفة، وكلتا العمليتَين المذكورتَين تبنّتهما «كتائب القسام»،
الذراع العسكرية لحركة «حماس». أمّا تل أبيب، فقد شهدت تفجيراً مماثلاً عام 2012 بالتزامن
مع العدوان على قطاع غزة آنذاك، نفّذته خلية من المقاومين بقيادة الأسير أحمد موسى، والشهيد
محمد عاصي من بلدة بيت لقيا قرب رام الله، والأسير محمد عبد الغفار مفارجة من سكّان مدينة
الطيبة.
وعلى خلفية عودة هذه الهجمات بقوّة، أُعلن رفْع حالة التأهّب في دولة الاحتلال إلى مستوى ما
قبل الأعلى، فيما أفيدَ عن تحذيرات من عمليات إضافية من بينها حوادث خطف. وفيما شرعت
قوات الاحتلال في تشديد عمليات التفتيش والتدقيق على الحواجز المؤدّية إلى مدينة القدس، بدأ
رئيس الحكومة الإسرائيلية إجراء مشاورات أمنية لتدارس الوضع. وفي انتظار ما ستُقدِم عليه
سلطات العدو من قرارات، يبدو أكيداً أن العملية المزدوجة في القدس تضعها أمام سيناريوات
معقّدة وتحدّيات غير سهلة، متعلّقة بفهْم حيثيات الهجوم والجهات المسؤولة عنه والمموّلة له،
وما إن كان مؤشّراً إلى نمط سيتكرّر مستقبلاً أم أنه حدث عابر، وطبيعة الردّ وحجمه في حال
تَبيّن ارتباطه بأحد فصائل المقاومة وتحديداً «حماس»، وقياس استعداد إسرائيل لنقل المواجهة
إلى قطاع غزة، سواء بشنّ عمليات اغتيال مركّزة أو قصف، قد تتدحرج جميعها إلى مواجهة
مفتوحة.
وسبق عملية القدس تطوّر لافت في جنين، تمثّل في احتجاز المقاومين في المخيّم جثمان
إسرائيلي كان قد قُتل في حادث سير قرب جنين، ورفضهم إطلاق سراحه إلّا مقابل الإفراج عن
جثامين الشهداء المحتجَزين. وعلمت «الأخبار»، من مصادر مطّلعة، أن جهوداً واتّصالات
تبذلها السلطة الفلسطينية، سواء عن طريق المحافظ أو قادة الأجهزة الأمنية أو مستشاري
الرئيس محمود عباس، بناءً على طلب من إسرائيل، لإقناع المقاومين بترْك الجثمان، الذي لم
توضح أيّ جهة ما إنْ كان صاحبه يخدم في جيش الاحتلال. وإذ أعلن الوزير الإسرائيلي
السابق، أيوب قرا، أنه تَواصل مع عدّة دول خليجية للتوسّط مع السلطة الفلسطينية من أجل حلّ
هذه القضية، تحت طائلة قيام جيش الاحتلال بعملية عسكرية واسعة في جنين، فقد عاشت
المقاومة في المدينة حالة تأهّب قصوى واستنفار واسع في صفوف مُقاتليها تحسّباً لأيّ اقتحام أو
عملية عسكرية. كما تَقرّر تعطيل الدوام المدرسي الأربعاء، بينما أغلق الجيش الإسرائيلي بعد
تقييمات أمنية حاجزَي سالم والجلمة اللذَين يفصلان جنين عن الداخل المحتل. في خضمّ ذلك، لم
تَغِب مدينة نابلس عن المشهد، بل عاشت بدورها ليلة ساخنة جدّاً، بفعل المواجهات التي خاضها
المقاومون من جميع التشكيلات المسلّحة مع قوات الاحتلال، في أعقاب اقتحام قُرابة ألف
مستوطن قبر يوسف، ما أسفر عن استشهاد الطفل أحمد شحادة (16 عاماً). وخلال التغطية
الإعلامية، سيطر الغضب على المراسلين الإسرائيليين ممّا جرى في خلال 12 ساعة، من
خطف لجثّة في جنين واشتباكات في نابلس وانفجار في القدس، ليُجمع هؤلاء على أن كلّ شيء
يُذكّرهم بأحداث عام 2000.

4

جهد استخباري لمعرفة المنفذين..

لابيد: الهجوم في القدس يختلف في طبيعته عما رأيناه خلال السنوات الأخيرة

تل أبيب: قال رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته يائير لابيد، إن الهجوم المزدوج الذي
وقع في القدس يوم الأربعاء، يختلف في طبيعته عن الهجمات التي شهدتها إسرائيل خلال
السنوات الأخيرة.
جاء ذلك في سلسلة تغريدات للابيد على “تويتر”، عقب تفجيرين بعبوات ناسفة وقعا في موقعين
مختلفين بالقدس الغربية، أسفرا عن مقتل إسرائيلي وإصابة 19 شخصا، بينهم 4 في حالة
خطيرة.

5

وقال لابيد: “أنهيت الآن تقييما واسعا للوضع مع وزير الجيش ووزير الأمن الداخلي والجيش
الإسرائيلي والشاباك والشرطة بشأن حادثتين خطيرتين وقعا خلال الـ 24 ساعة الأخيرة”.
وأضاف: “الحادث الأول هو الهجوم المزدوج في القدس. هذا حدث مختلف عما رأيناه في
السنوات الأخيرة. يجري الآن جهد استخباري مكثف سيؤدي إلى اكتشاف الحقيرين، واكتشاف
من يقف ورائهم ومن يمدهم بالسلاح”.
ومضى لابيد: “أريد أن أقول من هنا لمواطني إسرائيل، سنصل إليهم. يمكنهم الركض والاختباء
ولن يساعدهم ذلك. قوات الأمن ستصل إليهم. إذا قاوموا ستتم تصفيتهم. إذا لم يكن الأمر كذلك،
فسوف نطبق عليهم العقوبة القصوى وفقا للقانون”.
وتابع: “في تقييم الوضع اليوم، وجهنا بزيادة القوات في منطقة القدس في الأيام المقبلة، وزيادة
عمليات التمشيط في جميع القطاعات ذات الصلة. ينتشر الجيش الإسرائيلي والشاباك والشرطة
في المنطقة خلال هذه الساعات لضمان عدم وقوع المزيد من الهجمات”.
وبحسب الشرطة الإسرائيلية وقع التفجيران بعبوات ناسفة، الأول عند محطة للحافلات قرب
بلدة “جفعات شاؤول”، فيما وقع الثاني في راموت بالقدس الغربية أيضا.
وخلال السنوات الأخيرة الماضية، كانت الهجمات ضد المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية
يتم تنفيذها عادة من خلال الدهس أو الطعن أو حتى بإطلاق نار.
وأردف لابيد: “الحادثة الثانية هي اختطاف الشاب الإسرائيلي تيران بيرو الذي كان من
المفترض أن يحتفل بعيد ميلاده الثامن عشر غدا، والذي أصيب بجروح قاتلة في حادث سيارة
في جنين. تحدثت مع والد تيران اليوم بحسب شهادة العائلة، دخل الخاطفون المستشفى وفصلوا
الطفل الذي كان يكافح من أجل حياته، عن الأجهزة واختطفوا جثته”.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته: “أثبتت إسرائيل في الأشهر الأخيرة أنه لا مكان
ولا إرهابي لا تعرف كيف تصل إليه، من قصبة نابلس، مخيم جنين، إلى ساحات قريبة وبعيدة.
إذا لم تتم إعادة جثة تيران، سيدفع الخاطفون ثمنا باهظا”.
وفي وقت سابق من الأربعاء، أعلن الجيش الإسرائيلي، أن جثة أحد مواطنيه وهو شاب درزي
توفي بحادث سير في محيط مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، تم خطفها من مستشفى
فلسطيني.
ولم تعلن أية جهة عن مسؤوليتها حتى الآن عن اختطاف الجثة أو مطالبها.

6

المستوطِنون مذهولون: هذه ليست «أورشليم»

بيروت حمود
في «أورشليم التي تُحاصرها الجيوش»، أدرك المستوطِنون مجدداً أن «النهاية اقتربت». ففي
المدينة التي تبعث كثرة العيون والكاميرات المزروعة فيها طمأنة في نفوس الإسرائيليين، تمكّن
مقاومٌ، أمس، من إعادة التاريخ إلى الوراء عشرين عاماً، صانعاً من خطّ النقل العام نقطة عبور
بين زمنَي العمليات التفجيرية
قاسياً كان صباح الأمس على الإسرائيليين. ليس لأن العملية التفجيرية المزدوَجة خلّفت في دفعة
واحدة، قتيلاً و47 إصابة، لا يزال أصحاب 23 من بينها يرقدون في المستشفيات بجروح بين
حرجة وخطيرة فحسب، بل لأن صاحبها تمكّن من تفجير العبوتَين عن بعد، وأعاد إلى ذاكرة
الإسرائيليين زمن الانتفاضة الثانية والعمليات الاستشهادية والتفجيرية في الأماكن العامة
وخطوط النقل. طالِب «اليشيفاة» (المدرسة الدينية)، أفيخاي غودمان، عبّر عن ذلك بالقول إن
«مَن لم يعش في القدس بداية الألفية الثانية لن يفهم الإحساس الذي يستشعره القلب في هذه
الأثناء. وتيرة دقات القلب… العودة إلى تلك الأيام». وفي صفحته على موقع «توتير» أضاف
غودمان: «لقد نجح هؤلاء القتلة في إدخالنا في تروما (صدمة نفسية) إلى الأبد. إن غريباً (غير
يهودي) لن يفهم ما أقول… ليس هناك مكان للرحمة إزاء المتعطّشين للدماء ومُعادي السامية…
من يقول غير ذلك فهو ليس يهودياً منّا».
لم يكن الوضع أفضل حالاً بالنسبة للإسرائيلي، دفيد بالما، الذي كتب على صفحته في موقع
«فيسبوك»، إن «الله يرقد في أدق التفاصيل»، مرفقاً لقطة شاشة تتوسّطها سلسلة من الأخبار
العاجلة، وتَظهر فيها مدينة القدس في الخلفية وتحتها عشرات عناصر الأمن الإسرائيليين، وفي
طرفها «بانو» لأحد الحاخامات خُطّ عليها «بالبركة والنجاح. مشياح (المُخلص)»، قبل أن
يضيف: «تجتمع في هذه الصورة كل مركّبات حياتنا في بلاد الآباء المباركين. تفجير مزدوج،
ساعات من الإرهاب، اسم القتيل، ومن الجهة العلوية ملك المشياح الحبادي يتمنى لنا البركة
والنجاح في طريقنا إلى جهنم».
أمّا «حفيد» الحاخام مئير كاهانا، وزير الأمن الداخلي العتيد إيتمار بن غفير، فكان قد وصل
بُعيد الانفجارين اللذين وقعا في «جفعات شاؤول» و«راموت» المقامتَين على أراضي قريتَي
لفتا وبيت إكسا المهجّرتَين «لالتقاط الصور»، قبل أن يغرّد على «تويتر» قائلاً: «وصلت قبل
قليل إلى مكان التفجير في القدس. قلت بشكل واضح: نحن ملزَمون بتدفيع الإرهاب الثمن، يجب
أن نعود للاغتيالات العينية، وأن نفرض الحصار وحظر التجوال على القرية التي خرج منها
الإرهابيون، يجب أن نوقف «المخيمات الصيفية» الدائرة في السجون الإسرائيلية الأمنية. حان
الوقت لإنشاء حكومة اليمين. الإرهاب لن ينتظر»، ليردّ عليه «الإنفلونسر» الإسرائيلي، دانيل
عميرام، بالقول إن «ما تفعله بوصولك إلى ساحة العملية هو ما فعله بيبي (بنيامين نتنياهو)
طوال السنوات الماضية. بدلاً من أن تلتقط الصور و(تهدّد بأننا) سنعمل وسنعمل، قم حقاً بفعلِ
شيء ما».

7

وبينما دارت «حرب الأخذ والرد» على صفحة بن غفير، كان رئيس «الكنيست»، ميكي ليفي،
يفتتح جلسة الهيئة العامة أمام الأعضاء قائلاً: «حبيبتنا يروشالايم، التي مرّت بأيام صعبة، نالت
اليوم مرّة أخرى عملية مزدوجة أرعدت قلوبنا كلّنا… أُرسل التعازي لعائلة القتيل، ولْنصلّ من
أجل الجرحى».
أمّا سائق الحافلة التي يحمل خطّها رقم «67»، والتي طاولتها شظايا العبوة المتفجّرة، موطي
غباي، فتحدّث إلى موقع «واينت» عن اللحظات الأولى للانفجار: «لقد صُدمنا… كانت هناك
صرخات كثيرة. فتحتُ الأبواب، ونزل الركاب هَلِعين.. لقد اعتدنا هذا الأمر، فأنا أعمل منذ 23
عاماً في خطوط النقل بالقدس». وأضاف: «لقد فهمت بعد ثوانٍ أن ما نحن أمامه هو عملية
تفجيرية»، متابعاً: «لم أتفاجأ من عودتنا إلى العبوات المفخّخة التي سادت أيام الانتفاضة الثانية.
فنحن نعيش في دولة لا يوجد فيها تعاون لحلّ المشكلة».
على المقلب الآخر، انشغل المحلّلون العسكريون الإسرائيليون بتفكيك هوية «صانع العبوات».
وطبقاً لمحلّل الشؤون الأمنية والعسكرية في «هآرتس»، عاموس هرئيل، فإن «تنفيذ التفجيرين
استوجب تخطيطاً مسبقاً»؛ إذ إن «وضع العبوتين الناسفتين في محطّتي حافلات مختلفتين،
وجمع معلومات استخباراتية مسبقة، والانسحاب من دون التعرّض للاعتقال، وبعد ذلك تفجير
العبوتين عن بعد خلال فترة قصيرة، يشير إلى أن منظمة ذات خبرة، كحماس أو الجهاد
الإسلامي، تقف خلف الهجوم». ومع ذلك، لم ينفِ هرئيل احتمال أن تكون الخلية «مقدسية
وعملت بمساعدة وتمويل من الخارج»، مؤكداً أن ما حصل «أعاد إلى أذهان الإسرائيليين
العمليات التفجيرية إبان الانتفاضة الثانية». وفي تعليقه على تصريحات بن غفير «المنفلتة»
كما وصفها، قال هرئيل: «لقد اكتشف بن غفير للمرّة الأولى في حياته أن عليه أن يقدّم إجابات
لا أن يكيل اتّهامات فقط»، معتبراً الحلول التي اقترحها «مستعملة». من جهته، وصف زميله
في صحيفة «إسرائيل اليوم»، يوآف ليمور، التفجير بأنه «العملية الأخطر التي وقعت داخل
إسرائيل منذ الانتفاضة الثانية»، معتبراً إياه دليلاً على وجود «مختبر متفجّرات تُصنّع فيه
عبوات مفخّخة.. هذه قنبلة موقوتة، فبإمكان المختبر صُنع حزام ناسف لاستخدامه في عمليات
انتحارية ذات قدرة هائلة على القتل والتأثير النفسي بالغ الشدّة». وهذا بحسبه سبب تركيز جهود
«الشاباك» حول «إيجاد المسؤولين عن التفجير».

8

مساعي نتنياهو لتشكيل الحكومة: تفاهمات مع درعي وصدام مع سموتريتش
عرب ٤٨
تحرير: محمود مجادلة
أحرز رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف، بنيامين نتنياهو، تقدما ملموسا في المحادثات مع
رئيس حزب “شاس” الحريدي، أريي درعي، مساء الأربعاء، ضمن المفاوضات الجارية
للتوصل إلى اتفاق ائتلافي يسمح بتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، فيما يتواصل التعثر في
المباحثات بين “الليكود” و”الصهيونية الدينية”.
ووفقا للتقارير التي صدرت عقب اجتماع نتنياهو ودرعي، مساء الأربعاء، توصل الاثنان إلى
تفاهمات حول تعيين درعي وزيرا للداخلية والصحة، بحيث يجمع بين الحقيبتين الوزاريتين،
إلى جانب تعيينه نائب رئيس الحكومة، بالإضافة إلى تعيين عضو الكنيست عن “شاس”، يعقوب
أفيتان، وزيرا لـ”الخدمات الدينية”.
وبحسب التفاهمات بين اللكيود و”شاس” سيوكل نتنياهو إلى الحزب الحريدي حقيبتين وزاريتين
إضافيتين؛ وأشارت التقارير إلى أن نتنياهو يحاول تسريع المفاوضات الائتلافية المتعثرة عبر
التوصل إلى اتفاق مع “شاس” يدفع سائر الأحزاب في معسكره، خصوصا حزبي الصهيونية
الدينية” و”عوتسما يهوديت”.
ويسعى تيار الصهيونية الدينية إلى الضغط على نتنياهو عبر رفع سقف مطالبه بتولي حقائب
وزارية رفيعة ومؤثرة، مثل الأمن والمالية والأمن الداخلي وتطوير منطقتي الجليل والنقب،
بالإضافة إلى السيطرة على كل ما يتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية المحتلة في عدد من
الوزارات.
وفي تصريحات نقلتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” عبر موقعها الإلكتروني (واينت)، قال
مسؤولون في الليكود إنه “في هذه الفترة الأمنية الحساسة، حان الوقت لتنحية الرغبات
الشخصية، والتوحد عبر تشكيل حكومة قومية تعيد الأمن لإسرائيل. وهذا ما يتوقعه الجمهور
منا، وهو محق في ذلك”.
ويعقد نتنياهو خلال الساعات المقبلة، اجتماعا مع رئيس حزب “عوتسما يهوديت”، إيتمار بن
غفير، ويعتزم أن يعرض عليه حقيبة الزراعة بدلا من تطوير النقب والجليل، علما بأن الأخير
صرح علنا أنه لا يعتزم التنازل عن وزارة “النقب والجليل”، في حين يسعى نتنياهو لاستغلال
أصداء عملية التفجير المزدوجة التي نفذت صباح الأربعاء في القدس، للضغط باتجاه تسريع
عملية تشكيل الحكومة.
وذكرت تقارير أنه تم حل إحدى القضايا التي كانت محل خلاف في المباحثات بين الليكود
والصهيونية الدينية، بحيث سيتم نقل صلاحيات “الإدارة المدنية” التابعة لسلطات الاحتلال في

9

الضفة الغربية، والتي تتعامل مع سكان المستوطنات، إلى وحدة في وزارة المالية ستكون تحت
إشراف سموتريتش.
وضمن موجة المشادات الكلامية بين الليكود و”الصهيونية الدينية”، أصدر الأخير بيانا هاجم
الليكود من خلاله وجاء فيه “لقد أصدر الليكود عشرات المعلومات الكاذبة للصحافيين والإحاطة
في محاولة إذلالنا والدوس علينا والتشهير بنا، وتراجعوا عن جميع الاتفاقات”. وأضاف “نحن
نتنازل كثيرًا، لكن هناك خطوط حمراء لن نتنازل عنها”.
فيما رد الليكود في بيان هاجم سموتريتش من خلاله مستخدما العملية في القدس، قال فيه إن
“الجمهور يأمل بأن تشكل حكومة تعيد الأمن لمواطني إسرائيل؛ دعك من المناصب وتعال
ووقع هذا المساء على تشكيل حكومة يمينية كاملة”، فيما شن القيادي في الليكود، الذي يتولى
المفاوضات عن الحزب، هجوما حادا على سموتريتش، وقال إنه يهدف إلى “إقامة حكومة داخل
حكومة”.
وقال ليفين، في تصريحات صدرت عنه خلال محادثات مغلقة تم تسريبها إلى وسائل إعلام
إسرائيلية، إن “الصهيونية الدينية” تريد تفكيك الوزارات و”الاستيلاء على نصف الحكومة”.
وكشف أن سموتريتش يطالب بصلاحيات حصرية في وزارة الخارجية، لإدارة جهود الحكومة
الإسرائيلية في محاربة حركات المقاطعة ونزع الشرعية عن إسرائيل.
كما أشار ليفين إلى أن سموتريتش يطالب بصلاحيات واسعة في معاهد التعليم التوراتي والجهة
المسؤولة عن التهويد والتي تتبع لمكتب رئيس الحكومة، بالإضافة إلى رئاسة أربع لجان في
الكنيست من أصل 11 تابعة للائتلاف؛ واعتبر ليفين أن هذه “مطالب واهية” وأشار إلى أنه “لا
يوجد شيء أيديولوجي” في مساعي سموتريتش.

صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف ومستقبل الوضع الفلسطيني سيناريوهات

واحتمالات

د. يوسف يونس
ممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين، أدت إلى تعزيز دافعية التحدي لدى الفلسطينيين،
والقناعة بجدوى النضال المسلح، وتغيير قواعد الاشتباك، وترسيخ مفهوم “الاحتلال المكلف”،
ومن هنا ظهرت المجموعات المسلحة التي تتصدي لاقتحامات قوات الاحتلال للمدن الفلسطينية.
وعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها تلك المجموعات، واغتيال العديد من عناصرها،
الا ان هذه الظاهرة لازالت تشكل نموذجا و“إرثا قتاليا” سيحاول الكثير من النشطاء في الضفة
الغربية الاقتداء بها، في مراحل الصراع المستمرة.
الضغوط المحتملة من الحكومة الاسرائيلية اليمينية القادمة على الفلسطينيين، ستجعلنا على
أبواب مرحلة هي الأخطر منذ احتلال عام 1967، حيث ستطالب الصهيونية الدينية بضم
الضفة الغربية او اجزاء منها، ودعم المشروع الاستيطاني، وتغيير الوضع في الحرم القدسي،
ما سيؤدي الى زيادة المواجهات، واحتمالات انهيار السلطة الفلسطينية، ما سيجعل إسرائيل أمام
“خطر استراتيجي”، يتمثل في انهاء “حل الدولتين” والتقدم نحو واقع “الدولة الواحدة”.

10

وسيسعى نتنياهو لتجاوز تداعيات مطالب الصهيونية الدينية، من خلال تمرير فرضية “تقليص
النزاع” وخيار “الحل الاقتصادي”، القائم على السماح لقيادات فلسطينية بإدارة شؤون
الفلسطينيين في منعزلات سكانية، دون الوصول إلى مفهوم الدولة المستقلة. وهو الامر الذي
يتطلب تعاون فلسطيني لتمرير تلك المشاريع، وهو الامر الذي يبدو مستبعدا في ظل حالة
التحدي والمقاومة في صفوف الشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من التقديرات التي تشير الى ان موجة التصعيد الحالية تقترب من نهايتها ، بسبب
عدم امتلاكها حاضنة فكرية وسياسية وقيادية، وعدم وجود عمق عربي وإقليمي ودولي، اضافة
الى ان الظاهرة عفوية وفردية، ولا يوجد لها بنية فكرية ولا تنظيمية، والطبيعة الطبوغرافية،
وإمكانات العدو الاستخبارية والتكنولوجية؛ اضافة الى عدم وجود رؤية وغياب تأثير المؤسسة
الوطنية والإستراتيجيات الموحدة، جراء الانقسام. الا انه من غير المستبعد ان تكون هذه الموجة
من التصعيد مشابهة للموجات التصعيدية السابقة، والتي ستستمر ايمانا بحق الشعب الفلسطيني
في مقاومة الاحتلال، والتي ستكون قابلة للتطور مع تصاعد اجراءات الاحتلال وممارساته بحق
الشعب الفلسطيني.
وترى تقديرات أخرى ان موجة التصعيد الحالية ستتطور الى “الانتفاضة الثالثة” التي اصبحت
حتمية لإنهاء الاحتلال، وفق معادلة “الاحتلال المُكلف”، وستلعب توجهات الحكومة الاسرائيلية
المُقبلة دوراً هاماً في تفجير الاوضاع، ويواجه هذا الخيار صعوبات نتيجة الانقسام الفلسطيني،
وعدم التواجد الدائم لقوات الاحتلال في المدن الفلسطينية، وامتناع قطاعات جماهيرية واسعة
عن المشاركة في اعمال المقاومة، التي باتت تقتصر على مجموعات مسلحة والمقاومة الشعبية
في مناطق محدودة من الضفة الغربية.
وبينما تتحدث تقديرات استخبارية اسرائيلية عن احتمالات تنفيذ عملية عسكرية واسعة في شمال
الضفة الغربية، في ضوء التوجهات التصعيدية للحكومة الاسرائيلية المقبلة ، واستمرار تراجع
دور السلطة الفلسطينية، وتصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية، الان تقديرات مغايرة تعتقد ان
تكتيك “العمليات المكثفة” يحقق نجاحات نوعية، ويجنب التكلفة العالية للتواجد المتواصل لجيش
الاحتلال في المناطق الفلسطينية، والذي سيؤدي إلى المزيد من المواجهات لفترة طويلة، ما
سيترتب عليه من خسائر بشرية في قوات الاحتلال. ولكنه يضمن بقاء السلطة الفلسطينية، التي
تبقى “مصلحة إسرائيلية” لمنع نشوء دولة ثنائية القومية.
الواقع الجيوسياسي الغير مستقر، اقليميا ودوليا، يجعل الجهات الاستخبارية الاسرائيلية تفضل
خيار العمليات “الموضعية”، في عمق المناطق الفلسطينية، مع التركيز على “اغتيال” عناصر
المقاومة الفلسطينية وليس “اعتقالهم” فقط، بهدف الحفاظ على “الردع” ومنع تحويل المناطق
الفلسطينية مناطق “حاضنة” للمقاومة. ويؤخذ على هذا الخيار انه سيؤدي الى انهاك القوات
الميدانية، واحتمالات انتقال التصعيد الى كافة مناطق الضفة الغربية، وهو الامر الذي سيزيد
من الاعباء التي يتحملها جيش الاحتلال والاجهزة الامنية، وهو الامر الذي يمكن تفاديه من
خلال اعادة التنسيق مع الاجهزة الامنية الفلسطينية.
ولذلك لا يبدو انهيار السلطة الفلسطينية خيارا مفضلا لدى الاجهزة الامنية الاسرائيلية، التي
ترى بضرورة عودة الاجهزة الامنية الفلسطينية الى التنسيق الامني ، وطرحت الاجهزة
توصيات السماح للأجهزة الأمنية الفلسطينية بمجال أوسع للعمل في شمال الضفة، واقتصار
عمليات جيش الاحتلال في المناطق الفلسطينية في حالة وجود إنذار عن تنفيذ عمليات، وتجنب
الاحتكاك العنيف. وتغفل الاجهزة الامنية الاسرائيلية عن ان الامر يتطلب مبادرات سياسية
تستجيب للمطالب الوطنية الفلسطينية وهو ما يتعارض مع انغلاق الافق السياسي والتوجهات
اليمينية المتطرفة للحكومة الاسرائيلية القادمة.

11

المستوطنات وكتلة “الحزب الصهيوني الديني” في الكنيست

أليكس هاريس
ساندر آيزن
يشير تحليل الانتخابات الخمسة الأخيرة للكنسيت الإسرائيلي إلى أن التركيبة السكانية
للمستوطنات لعبت دورًا كبيرًا في صعود كتلة قومية متشددة من اليمين المتطرف في إسرائيل.
اعتبر الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي أن الدورات الخمسة المتتالية الانتخابات الكنيست
التي عقدت ما بين عامي 2019 إلى 2022 كانت بمثابة استفتاء على قيادة نتنياهو. ومع ذلك،
يوفر الوضع غير المسبوق في إسرائيل والمتمثل في إجراء خمس دورات انتخابية متتالية لمحةً
فريدةً عن الطرق التي تغيرت بها وجهات النظر السياسية في هذا البلد على مدى فترة زمنية
قصيرة، وتُظهر نتائج التصويت في تلك الفترة الانقسامات المتعمقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هي النجاحات الملحوظة التي حققتها كتلة دينية قومية متطرفة من
اليمين المتطرف تمكنت من إيصال صوتها. وفي حين أن هذه الكتلة فشلت في تجاوز العتبة
الانتخابية في نيسان/أبريل 2019 وأيلول/سبتمبر 2019 وآذار/مارس 2020، إلا أنها تمكنت

12

من اقتناص ستة مقاعد في آذار/مارس 2021، وحصلت مؤخرًا على أربعة عشر مقعدًا في
الانتخابات التي أُجريت هذا الشهر، لتصبح ثالث أكبر حزب في الكنيست.
الصعود الأخير للتيار المحافظ المتشدد في إسرائيل
بشكل عام، عززت حركة المحافظين الإسرائيلية وضعها ببطء منذ أكثر من قرن، بدءًا من
الزعيم اليميني التعديلي فلاديمير جابوتنسكي اثناء فترة الانتداب إلى النجاح غير المتوقع لمناحيم
بيغن كأول رئيس وزراء من خارج حزب العمل، وشغل خليفته نتنياهو منصب رئيس الوزراء
لأطول فترة زمنية في إسرائيل. كذلك، تشير الاتجاهات إلى أن النزعة المحافظة في إسرائيل
آخذة في الازدياد حيث يُظهر الآن “مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية” لعام 2021 – وهو دراسة
سنوية يجريها “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” غير الحزبي – أن ما يقرب من 75.9 في المئة
من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعرّفون عن أنفسهم على أنهم
ينتمون إلى اليمين المعتدل (34.9 في المئة) أو إلى اليمين (41.0 في المئة)، وذلك مقابل
(56.6 في المئة) من الإسرائيليين اليهود الذين تبلغ أعمارهم أكثر من 55 عامًا.
لكن مع ترسيخ “حزب الليكود” لنفسه كحزب محافظ في مؤسسة البلاد، استضاف اليمين
الإسرائيلي أيضًا مجموعة من الأصوات السياسية الأكثر تعصبًا من القومية المتطرفة. وفي
حين أن نتائج انتخابات الكنيست في آذار/مارس 2021 شهدت بروز “الحزب الصهيوني
الديني” – بما في ذلك حزب “عوتسما يهوديت” الكاهاني و”حزب نعوم” الذي يركز على
مناهضة مجتمع الميم – وقد فاز هذا الحزب بستة مقاعد و5٪ من الأصوات الوطنية وصار
معارضًا لحكومة الوحدة لبيد-بينيت. ومع ذلك، طغت نتائج انتخابات نوفمبر 2022 التي فاز
فيها الحزب الصهيوني الديني بأربعة عشر مقعدًا وحوالي 11٪ من الأصوات الوطنية على هذه
النتائج.
في اذار/ مارس 2021، ترأس بتسلئيل سموتريش “الحزب الصهيوني الديني” وهو معروف
بتعليقاته المعادية للعرب، كما روج أعضاء الحزب في الكنيست لتشريعات مناهضة لمجتمع
الميم ووُجهت إليهم تهمة التحريض. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، انضم إيتمار بن غفير
للحزب كرئيس مشارك وهو يُعتبر أكثر تطرفًا من سموتريش وتورط في العديد من الحوادث
التي لا تنسى. إحدى هذه الحوادث التي وقعت في عام 1995، عندما كان بن غفير مراهقًا حين
سرق رمز ماركة السيارة الخاصة برئيس الوزراء إسحاق رابين الذي تم اغتياله بعد ذلك بوقتٍ
قصير، والتملق على اعتبار أنهم “إذا تمكنوا من الوصول إلى سيارته، فيمكنهم الوصول إليه.”
وبن غفير هو أيضًا زعيم حزب “عوتسما يهوديت” (أو “العظمة اليهودية”) – وهو حزب
كاهاني يتمتع الآن بتمثيل كبير في الكنيست الخامس والعشرين. ويكتسب الكاهانيون اسمهم من
مؤسسهم الأيديولوجي مائير كاهانا، وهو يهودي أمريكي وُلِد في بروكلين، وبعد انتقاله إلى
إسرائيل وانتخابه في الكنيست، أيّد علنًا طرد المواطنين العرب في إسرائيل وإقامة دولة
إسرائيل كدولة دينية يهودية.
فشل حزب “عوتسما” في تجاوز عتبة الدخول إلى الكنيست كحزب مستقل في انتخابات عامَي
2013 و2015، ولم يحتل مرتبة عالية بما يكفي على القائمة المشتركة مع “اتحاد الأحزاب
اليمينية” عندما فازت الكتلة بخمسة مقاعد في انتخابات نيسان/أبريل 2019. وفي الدورتين
الانتخابيتين التاليتين، ترشح حزب “عوتسما” بشكل مستقل وفشل مجددًا في تجاوز العتبة. وقد
تم منع العديد من أعضاء عوتسما من الترشح في انتخابات الكنيست بسبب تصريحاتهم
وأنشطتهم العنصرية. لذلك، يمثّل وصول الحزب إلى الكنيست في آذار/مارس 2021 وانبعاثه
في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 جانبًا مثيرًا للقلق بشكل خاص من كتلة “الحزب الصهيوني
الديني.”

13

الشعبية في المستوطنات
يمكن أن يُعزى جزءٌ على الأقل من النجاح الذي حققه “الحزب الصهيوني الديني” إلى الدعم
القوي الذي اكتسبته القائمة المشتركة بين “الحزب الصهيوني الديني” و”حزب عوتسما”
و”حزب نعوم” من المستوطنين – سواء شرق الحاجز الأمني أو غربه. ففي المستوطنات،
حصل “الحزب الصهيوني الديني” على 22 في المئة من الأصوات، أي أكثر من ضعف
الإجمالي الوطني.
في نيسان (أبريل) 2019، حصل التحالف الانتخابي الديني (18 في المئة) على دعمًا يقارب
ضعف الدعم الذي حصل عليه حزب اليمين الجديد (11 في المئة)، وهو حزب مفتوح أمام
الإسرائيليين العلمانيين. تكرر هذا الاتجاه في آذار /مارس 2021، عندما حصل “الحزب
الصهيوني الديني” على 22(في المئة) من أصوات الناخبين في المستوطنات، في حين حصل
حزب يمينا- المسمى الجديد لليمين الجديد – على (14 في المئة). في المقابل، عندما خاض
الأعضاء الاساسيون في “الحزب الصهيوني الديني” الانتخابات تحت قائمة “يمينا” في
أيلول/سبتمبر 2019 ومرة أخرى في أذار/مارس 2020، حصلوا على إجمالي (25 في المئة)
و (23 في المئة) على التوالي. وفي أيلول /سبتمبر 2019، حصل حزب عوتسما المستقل على
(7 في المئة) من الأصوات.
ومع ذلك، كان الوضع مختلفًا في تشرين الثاني /نوفمبر 2022، فبعد استقالة نفتالي بينيت من
منصب رئيس الوزراء وتنازله عن السلطة لرئيس الوزراء البديل يائير لابيد، تراجع الدعم
لحزبه (يمينا / البيت اليهودي) بشكل كبير. وفي ظل قيادة أييليت شاكيد، فشل حزب البيت
اليهودي في تجاوز العتبة الانتخابية. في غضون ذلك، حقق “الحزب الصهيوني الديني” تقدما
بالغا حيث حصل على 22٪ من الأصوات الوطنية.
ومع ذلك، يبدوا أن هذه الاحصائيات غير دقيقة بسبب العدد الكبير من السكان الحريديم في كلا
من مستوطنة بيتار عيليت (62 ألفًا)، ومستوطنة موديعين عيليت (80 ألفًا) اللذان يقعان بعد
الخط الأخضر، غرب الجدار. ومع ذلك، فإذا أزيلت مستوطنتا بيتار عيليت وموديعين عيليت
من مجموعة البيانات، فإن ذلك قد يؤدى أيضًا إلى انخفاض الدعم لأحزاب اليسار والوسط.
هذا الاتجاه المذكور أعلاه صحيح بشكل خاص شرق الحاجز على طول الخط الأخضر، حيث
كانت نسبة الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب اليمينية الدينية القومية المتشددة أعلى بحوالي
(25 في المئة) من غرب الحاجز. في حين كانت النسبة التي حصدها اليمين الجديد في
نسيان/أبريل 2019، وتلك التي حققها حزب “يمنيا” في عام 2021 متساوية نسبيًا على جانبي
الجدار (مع استبعاد حزب بيتار عيليت وموديعين عيليت)، سيطرت الأحزاب الدينية القومية
المتطرفة على شرق الجدار بهامش أكثر من 1: 2. وبالمثل، كان الدعم الذي حصل عليه حزب
الوسط حزب “أزرق أبيض”/ “يش عتيد” أقل بنسبة 5٪ وأقل بنسبة 2٪ بالنسبة لحزب الليكود
شرق الجدار.
في كافة الانتخابات التي اجريت في الفترة بين نيسان/أبريل 2019 وتشرين الثاني/نوفمبر
2022، لم تتغير نسبة تصويت المرتبطة بالكتلة الوطنية الدينية بشكل كبير، حيث تراوحت بين
17.9 في المئة إلى 27.0 في المئة غرب الحاجز، ومن 46.2 في المئة إلى 63.7 في المئة
شرق الحاجز. ومع ذلك، كان الاختلاف الحاسم الذي حدث في اذار/مارس 2021 والذي
تضاعف في تشرين الثاني /نوفمبر 2022، هو توحيد الكتلة الدينية القومية المتشددة (الحزب
الصهيوني الديني/ عوتسما “، فعلى الرغم من أن الكتلة القومية الدينية ظلت على حالها نسبيًا
منذ آذار /مارس 2021 إلى تشرين الثاني /نوفمبر) 2022، فقد زاد الحزب الصهيوني الديني
حصته غرب الحاجز بنسبة 8.2٪ وشرقه بنسبة 13٪.

14

توزعت الأصوات المتبقية بين الحزبين الدينيين الحريديين (“شاس” و”يهدوت هتوراة”)
والحزب العلماني الروسي “إسرائيل بيتنا”، وشملت في آذار/مارس 2021 حزب “الأمل
الجديد” الذي يتزعمه جدعون ساعر والمناهض لنتنياهو. وفي المجتمعين الحريديين موديعين
عيليت وبيتار عيليت، كان الدعم للحزبين الدينيين الحريديين أكبر بمرتين إلى ثلاث مرات من
الدعم في المستوطنات الأخرى غرب الحاجز. وفي المقابل، صوتت المستوطنات الواقعة شرق
الحاجز وغربه بأعداد متساوية نسبيًا لصالح حزبَي “الأمل الجديد” و”إسرائيل بيتنا.”
ومع ذلك، فإن سكان المستوطنات غير موحدين سياسيًا بأي حالٍ من الأحوال، سواء بين
المستوطنات أو حتى داخلها. وعلى سبيل المثال، في كرني شومرون (وهي مستوطنة إسرائيلية
تقع على بُعد 15 كيلومترًا جنوب غرب نابلس)، حصل الحزب الصهيوني الديني على 37 %
من الأصوات، وحصل حزب “يش عتيد” الوسطي على 3129 صوت (3 في المئة من
الأصوات).
لا يشكل استمرار الاتجاهات الانتخابية الحالية نتيجة حتمية. فأحدثت الفترة التي تتالت فيها
الدورات الانتخابية الأربع تأثيرًا استقطابيًا على الناخبين، ما يشير إلى أن هذا الاتجاه يمكن أن
ينعكس إذا عادت الانتخابات إلى اتباع جدول زمني أكثر نموذجية.
إلا أن وصول “الحزب الصهيوني الديني” و”حزب عوتسما” إلى الكنيست، أولًا في المعارضة
وربما الآن في الائتلاف الحاكم – بمساعدة كبيرو من دعم ناخبي المستوطنات، يشير إلى
احتمال نمو هذه القوة الجديدة في الكنيست إذا استمرت في الحفاظ على هذا الدعم بناءً على
الاتجاهات الديمغرافية في المستوطنات. فمنذ عام 2017، شهد عدد سكان المستوطنات نموًا
بنسبة 13 في المئة مقارنةً بالنمو السكاني البالغ 8 في المئة بشكل عام. وبالتالي، مع نمو عدد
سكان المستوطنات، سيتوسع أيضًا على الأرجح تمثيل الأحزاب اليمينية والقومية المتطرفة
والدينية في المجالين السياسي والعام في إسرائيل.
نظرًا إلى تعدد الأحزاب وتعقيد عملية بناء الائتلافات في إسرائيل، باستطاعة الأحزاب الصغيرة
في الكنيست أيضًا أن تُحدِث أثرًا كبيرًا في عملية صنع السياسات، كما تَبيّنَ من خلال إدراج
نتنياهو لعدة أحزاب حريدية صغيرة في ائتلافاته، أو مؤخرًا الصعود السريع الخاص بـ “حزب
يمينا” الذي تحوّل إلى أحد بناة الائتلافات، أيضًا بواسطة سبعة مقاعد فحسب. ومن ناحية
أخرى، لا يُترجَم تحقيق النصر الانتخابي بالضرورة إلى إنشاء قوة سياسية – فكانت السياسات
المتطرفة التي اتبعها “الحزب الصهيوني الديني” أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عجز
نتنياهو عن تشكيل ائتلاف.
في كلا الحالتين، لا بد من أن يتمهل الإسرائيليون في ظل حقيقة وجود 14 مقعدًا من أصل
120 مقعدًا في الكنيست تخص القوميين المتطرفين. فتثير النزاعات الأخيرة بين العرب
واليهود داخل إسرائيل والعداوة المستمرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية
تساؤلات جدية حول العلاقات الطويلة الأمد بين هاتين المجموعتين القوميتين. ولا يؤدي بروز
أحزاب مثل “الحزب الصهيوني الديني”، كانعكاس محتمل للاستخفاف الناتج عن إجهاض
مفاوضات السلام وصدمة “الانتفاضة الثانية”، سوى إلى تسليط المزيد من الضوء على هذه
الانقسامات. على هذا النحو، قد يكون نجاح مشروع “الحزب الصهيوني الديني” ليس فقط أحد
أعراض تدهور العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكنه أيضا دليل على ضرورة تغيير
هذا الاتجاه.

15

سياسة الكتب المدرسية الفلسطينية‏

جوليا بيتنر*‏ – (تقرير واشنطن عن شؤون الشرق الأوسط)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ليست قضية الكتب المدرسية الفلسطينية جديدة، كما يشير عنوان هذا المقال، الذي أُخذ من مقال
أكاديمي كتبه فؤاد مغربي في العام 2001.
والآن، بعد مرور 21 عامًا وإجراء 14 دراسة للمناهج الدراسية، ما تزال قضية الكتب
المدرسية الفلسطينية سياسية كما كان حالها على الدوام.
وتدعي إسرائيل مرة أخرى أن العنف الفلسطيني ناجم عما يتم تدريسه في المدارس، ويحذو
الكونغرس الأميركي حذوها أيضاً، مطالبًا بإجراء مراجعة أخرى إضافية للمناهج الدراسية.‏
في العام 2019، اتخذ الاتحاد الأوروبي المسار نفسه من خلال التكليف بإجراء دراسة حول
التحريض في الكتب المدرسية الفلسطينية، والتي اكتملت العام الماضي فقط، بعد ادعاءات من
“مركز رصد السلام ‏‏والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي” IMPACT-se، وهو هيئة
رقابية مقرها القدس، بأن المناهج الدراسية الفلسطينية للفترة 2018-2019 كانت “أكثر
راديكالية من تلك التي اعتمدت سابقًا”.(1)‏

16

في أيار (مايو) 2019، أكد متحدث باسم الاتحاد الأوروبي لموقع “يورو نيوز” أنها “كانت
هناك ادعاءات بأن بعض العناصر في الكتب المدرسية الفلسطينية لا تتماشى مع المعايير
الدولية للتثقيف والتعليم في مجال السلام.
وقد اعترضت مصادر متعددة على هذه الادعاءات. لذلك، يخطط الاتحاد الأوروبي لتمويل
دراسة، سيقوم بإجرائها معهد أبحاث مستقل ومعترف به دوليًا”.
وجمّد الاتحاد الأوروبي الأموال التي تُمنح للسلطة الفلسطينية إلى أن أكمل الدراسة “معهد
جورج إيكرت” الشهير لبحوث الكتب المدرسية الدولية.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي أفرج عن الأموال المخصصة للسلطة الفلسطينية في العام
2021، إلا أن استنتاجات تقرير “معهد جورج إيكرت” 2019-2021 ووجهت بالانتقاد على
الفور، و”اعترضت عليها مصادر متعددة”.‏
كان هذا هو مصير جميع الدراسات السابقة من هذا النوع منذ الدراسة الأولى التي أجرتها
ونشرتها في العام 1998 وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق
الأدنى (الأونروا) بناء على طلب من وزارة الخارجية الأميركية، والتي جاءت ردًا على مزاعم
بوجود تصريحات معادية للسامية في كتبها المدرسية من “مركز مراقبة تأثير السلام، CMIP
(الذي أصبح يسمى الآن “مركز رصد السلام ‏‏والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي”
IMPACT-se)‏.
ليس الجدل الدائر حول مناهج الكتب المدرسية جديدًا ولا تنفرد به الحالة الفلسطينية. إنه يحدث
حتى داخل الولايات المتحدة نفسها في الوقت الحالي، كما هو حاله في بلدان أخرى.
وكما يوضح مايكل أبل، المنظر التربوي المتخصص في المناهج والبحوث، في أعماله، فإن
الكتب المدرسية تأتي نتيجة لعلاقات القوة المعقدة والصراعات بين الطبقات والمجموعات
الجندرية/ الجنسية، والجماعات الدينية التي يمكن تحديدها.
وقد أكد مغربي ذلك في مقاله المنشور في العام 2001 عندما كتب أنه من خلال “التركيز على
ما هو مدرج وما هو مستبعد في الكتب المدرسية، فإن هذه الخلافات تخدم لتكون بديلًا عن
أسئلة أوسع نطاقًا عن علاقات القوة في المجتمع”.
وفي السياق الفلسطيني، تتفاقم هذه الصراعات وعلاقات القوة بسبب الوضع السياسي المستمر،
وتخضع لمطالب بإعادة النظر في المناهج الدراسية الفلسطينية فقط فيما يتعلق بالتحريض.
وهكذا يتم تطهير التاريخ والثقافة والسياق، واستخدام النتائج، ليس لتحسين المعايير التعليمية،
وإنما كسلاح لتعميق نزع الشرعية عن الرواية الفلسطينية والتجربة الفلسطينية المعاشة.‏
إن الادعاء الإسرائيلي بأن المناهج الدراسية في المدارس هي التي تسبب العنف الفلسطيني
المستمر هو ادعاء مخادع وماكر في أحسن الأحوال، ويتجاهل عمدًا السياق السياسي
والتاريخي.
قبل العام 1994، لم تكن لدى الفلسطينيين أي سيطرة على ما كان يدرَّس في مدارسهم. وتعلم
المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل المناهج الدراسية المعتمدة من إسرائيل، ومع ذلك كانت
هناك احتجاجات واشتباكات داخل إسرائيل، يحتفل بها الفلسطينيون ويحيون ذكراها كل عام في
“يوم الأرض”.
وبعد العام 1967، عندما سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية وغزة، استخدم الفلسطينيون
هناك كتبًا مدرسية خاضعة لرقابة إسرائيلية شديدة، قادمة من الأردن ومصر، على التوالي.

17

ومرة أخرى، جرت احتجاجات واشتباكات مستمرة، كان أشهرها “‏‏الانتفاضة‏‏ الأولى”، التي
استمرت حتى ظهور عملية مدريد للسلام.‏
على الرغم من أن تاريخ الشرق الأوسط ليس مسألة قوية بين المشرعين الأميركيين، إلا أن هذا
عام انتخابات أيضًا، ولذلك قفزت “لجنة الشؤون الخارجية” في مجلس النواب مرة أخرى إلى
خضم الجدل الدائر حول الكتب المدرسية الفلسطينية بتمريرها في أيلول (سبتمبر) مشروع
قانون “السلام والتسامح في قانون التعليم الفلسطيني”.
وقد ظل مشروع القانون خاملا لأكثر من عام في “اللجنة الفرعية لمنطقة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا” التابعة للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، فقط ليتم نفض الغبار
عنه قبل فترة وجيزة من ترك رئيس اللجنة، النائب تيد دويتش (ديمقراطي من فلوريدا) منصبه
في الكونغرس ليصبح الرئيس الجديد لـ”اللجنة اليهودية الأميركية”.‏
وقد استفاد الراعي الأصلي لمشروع القانون، النائب براد شيرمان (ديمقراطي من كاليفورنيا)
وجميع الرعاة الـ47 الآخرين -باستثناء ثلاثة- من دعم قدمته لهم الحملة المؤيدة لإسرائيل، في
حين أنه من بين 20 عضوًا في “لجنة الشؤون الخارجية” في مجلس النواب، كان هناك أربعة
أعضاء فقط من اللجنة -إلهان عمر (ديمقراطية من ولاية مينيسوتا)، وألبيو سيريس (ديمقراطي
من نيوجيرسي)، وجيرالد كونولي (ديمقراطي من ولاية فرجينيا)، ويونغ كيم (جمهوري من
كاليفورنيا)- لم يتلقوا أي دعم لحملاتهم من الجماعات المؤيدة لإسرائيل.‏
في حال تحول مشروع القانون المذكور إلى قانون، فإنه سيتطلب مرة أخرى من وزارة
الخارجية تقديم تقرير عن المناهج الدراسية المستخدمة في مدارس المناطق التي تسيطر عليها
السلطة الفلسطينية وفي غزة (أي المدارس التي تشرف عليها “الأونروا” والمدارس التي تديرها
‏‏حماس‏)، حول ما إذا كانت المواد المستخدمة تشجع على العنف أو التعصب تجاه الدول أو
الجماعات العرقية الأخرى، وتوثيق الخطوات التي تتخذها السلطة الفلسطينية لإصلاح هذه
المواد، وما إذا كانت المساعدات الخارجية الأميركية تستخدم لتمويل نشر المواد المخالفة.
ومع ذلك، وعلى عكس الدراسات السابقة، أضاف النائب أوغست فلوغر (جمهوري من
تكساس)، وهو أيضًا متلق للدعم من الجماعات المؤيدة لإسرائيل، بندين إضافيين يجب البحث
عنهما لدى مراجعة هذه المناهج -انتقاد إسرائيل، واستخدام كلمة أبارتايد، أو “الفصل
العنصري” لوصف الحكم الإسرائيلي الذي يخضع له الفلسطينيون.
وبالنظر إلى الشهية التي يبدو أنها لدى ولايته، إلى جانب العديد من الولايات الأخرى، لحظر
الكتب و”نظرية العرق النقدية” المعروفة أيضًا باسم التاريخ الشامل، فإن تجاهل تاريخ
الفلسطينيين وتجاربهم المعيشية يبدو مناسبًا لهذا النهج.‏
في النهاية، لا يستلهم الصراع محتوى الكتب المدرسية، وإنما يستلهم محتوى سياسات الصراع.
وقبل تصويت مجلس النواب الأميركي بكامل هيئته على مشروع القانون هذا، سيكون من المفيد
للأعضاء أن يقوموا بمراجعة تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن
الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل بشأن الأسباب الجذرية للصراع
الدائر هناك. إنها، ببساطة، الجراح اليومية التي يُلحقها الاحتلال. أوه، حسنًا، إنهم يقاتلون حاليًا
لإلغاء تمويل هذه اللجنة، لأنها “متحيزة”.‏

18

حوار السنة والشيعة: دعوة شيخ الأزهر بين الدين والسياسة

أحمد الصباهي
أطلق شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب نداء للحوار بين السنة والشيعة، في «ملتقى البحرين
للحوار» الذي انعقد في الآونة الأخيرة للحوار بين الأديان، وكان من اللافت المواقف التي أكد
فيها أن «الاتحاد بين علماء المسلمين سنّة وشيعة ضروري وحتمي»، معتبراً أن «هناك
صراعاً وأجندات، ومصالح مادية تتصدّرها بيع الأسلحة تتخذ من عالمنا الإسلامي سوقاً لترويج
بضائعها، ولا سبيل لديهم في ذلك، سوى بث الفرقة والطائفية بيننا نحن المسلمين، فهم يتغذون
على ضعفنا وحريصون على أن لا نتحد».
ولقد تلقّف هذه الدعوة العديد من الشخصيات العلمائية والسياسية من الشيعة، فرحّب بها نائب
رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وأشار في بيان إلى أن «المجلس
يعوّل كثيراً على هذه المبادرة الطيبة لتحقيق هذه الغاية النبيلة والمقدسة، آملين باتخاذ الخطوات
اللازمة لعقد الحوار بالسرعة الممكنة عبر التشاور بين المرجعيات الإسلامية». كذلك علّق
المرجع الشيعي العراقي جواد الخالصي على صفحته على «فايسبوك» حول هذه الدعوة
بالقول: «دعوة خير وكلمة صدق فإليها ندعو وعليها نتحد وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله».
بدوره، رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي، علّق قائلاً: «دعوة ليست غريبة على
فضيلة الشيخ الطيب، ويقيناً ستشهد ردود فعل إيجابية من المرجعية الشيعية خصوصاً».
إن هذه الدعوة التي أطلقها شيخ الأزهر منطلقة من تاريخ وخلفية فكرية لعلماء الأزهر الشريف،
يشهد لها التاريخ المعاصر عبر جمعيات التقريب بين المذاهب، ترأسها علماء معروفون،
وتركوا خلفهم إرثاً تاريخياً، فكانوا السبّاقين إلى طرح الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل، الذي
يستوعب المدارس الفقهية السنية والشيعية.
قبل الحديث عن أطر التقريب بين المذاهب، لا بد أن نشير إلى أن مفهوم «الجامعة الإسلامية»
الذي نادى به الشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ونادى به لاحقاً في ظروف
سياسية أخرى الشيخ حسن البنا، هو أبو الدعوة إلى التقريب بين المذاهب، وإن كان مفهوم
«الجامعة الإسلامية» جاء استجابة لظروف المرحلة التي مرّت بها السلطنة العثمانية في عهد
السلطان عبد الحميد الثاني، ومحاولات الاستعمار تفكيك هذه السلطنة، فخرج هذا المفهوم
للدعوة إلى الوحدة والترابط بين شعوب العالم الإسلامي، إلا أنه في الوقت نفسه يتضمّن في
طيّاته، بطبيعة الحال، إنشاء رابطة بين مختلف المذاهب الإسلامية.
يقول العالم الأزهري الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «الوحدة الإسلامية»: «الجامعة الإسلامية
تعني في الأساس ذلك التيار الفكري والسياسي الذي أبصر قادته وأنصاره أن هناك عدداً من
التحدّيات التي تواجه الفكر الإسلامي والشعوب والأمم الإسلامية، سواء أكانت التحديات آتية من

19

داخل العالم الإسلامي كالتخلف الفكري والروحي والانحدار الحضاري والصراعات السياسية
والقبلية، أم آتية من الخارج… هي حركة سياسية ودينية ذات منظور إصلاحي هدفت إلى ربط
الشعوب الإسلامية والملل المختلفة والأقوام المتعددة برابط الوحدة الإسلامية».
وتبرز أسماء مهمة جاءت لاحقاً، ولعبت دوراً كبيراً في الانضمام للأطر المصرية الإسلامية
للتقريب بين المذاهب، ويبرز في هذا الإطار شيخ الأزهر محمود شلتوت، الذي عرف بـ«إمام
التقريب»، والذي أصدر فتواه الشهيرة بجواز التعبّد، أي التقليد، بالمذهب الفقهي للشيعة الإمامية
(الجعفري) للمسلمين السنة، وآمن بضرورة التقريب بين المذاهب: «لقد آمنت بفكرة التقريب
كمنهج قويم، وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة». كذلك
قدّم الشيخ شلتوت تفسيراً للقرآن الكريم بحيث لا يتعصّب لمذهب فقهي معيّن، بل هو تفسير
لجميع المسلمين، وفي عهده صدرت «الموسوعة الفقهية» على المذاهب السنية الأربعة
(الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية)، بالإضافة إلى مذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية
والمذهب الظاهري.
مفهوم «الجامعة الإسلامية» الذي نادى به الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ونادى به لاحقاً في
ظروف سياسية أخرى الشيخ حسن البنا، هو أبو الدعوة إلى التقريب بين المذاهب
في هذا الإطار، لا بد أن نشير إلى الجهود التي بذلها العالم المصري د. يوسف القرضاوي، قبل
أحداث الربيع العربي، في التقريب بين المذاهب، وإصداره مؤلفات في هذا الإطار، «الصحوة
الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم»، كذلك كتابه «مبادئ في الحوار والتقريب
بين المذاهب الإسلامية»، وصولاً إلى آخر رسالة له في هذا الإطار «كلمة صريحة في التقريب
بين المذاهب أو الفرق الإسلامية» عام 2007، في الدوحة، والتي وضع فيها الأسس التي يجب
أن يُبنى عليه التقريب.
كان للجهود المصرية أثراً لدى علماء الشيعة، نذكر منهم من كان معاصراً لشيخ الأزهر محمود
شلتوت في ستينيات القرن الماضي، هو العالم الشيعي البارز الشيخ حسين البروجردي، الذي
دعم جمعية التقريب بين المذاهب المصرية، والتي للمناسبة كان الأمين العام لهذه الجمعية الشيخ
الشيعي الشهير بالقمّي. وكان الشيخ البروجردي حريصاً على التواصل مع علماء السنة
ومراسلتهم، وقراءة فقه السنة ومنه الكتاب الشهير «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد
الأندلسي، حيث كان يعرض في دروسه الفقهية آراء المذاهب الأخرى، واشتهرت عنه مقولته
في قضية الإمامة، وهي مفصل تاريخي للخلاف بين السنة والشيعة: «مسألة الخلافة لا جدوى
منها اليوم لحال المسلمين، ولا داعي لإثارتها وإثارة النزاع حولها، ما الفائدة للمسلمين اليوم أن
نطرح مسألة من هو الخليفة الأول».
كذلك يذكر في هذا الإطار الجهود التي بذلها المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وأطر
التقريب بين المذاهب الموجودة في إيران، وما تم الإعلان عنه اخيراً في 12 من الشهر الجاري
في إيران عن تأسيس دار التقريب بين المذاهب، والعمل على تأسيس كلية فقه المذاهب
الإسلامية الدولية لأتباع كل مذهب إسلامي له فقه مدون، من المذاهب السنية والشيعية.
يكاد يكون هناك إجماع بين العلماء سنة وشيعة، أن الغرب الاستعماري ليس من مصلحته أن
يجري هذا الحوار، ولا أن يحقق أي نجاح يذكر، ذلك أنه مما استعرضناه في السابق من مواقف
وأفكار وجهود العلماء سنةً وشيعة، ينفي أن المشكلة تكمن في الفكر الديني، ما خلا المتشددين
والمتعصبين من الطرفين، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في قدرة السياسة وتحكمها صعوداً
وهبوطاً في مسار التقريب أو النفور بين السنة والشيعة. فالاحتلال الأميركي للعراق شرّع الباب
واسعاً أمام الجماعات المتشددة بين الطرفين، وأشعل حرباً أهلية عراقية خطط لها بدقة خيضت
بعنوان اقتتال سني شيعي، وليس مستغرباً أن تصدر كتب من صحافيين غربيين، تتماهى مع

20

المشروع الأميركي والغربي في العراق والمنطقة، ككتاب «أفول أهل السنة: التهجير الطائفي
ومليشيات الموت وحياة المنفى بعد الغزو الأميركي للعراق» لديبورا آموس، وقدّم له د.
رضوان السيد، معلقاً: «المسألة ليست مسألة شيعة وسنة، وإنما هو التغول الإقليمي والدولي
على العرب في حاضرهم منذ فلسطين وإلى العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن».
كذلك ما شهدته المنطقة من حروب متتالية في سوريا، واليمن، وليبيا، والتي أقحم فيها عنوان
الاقتتال السني الشيعي بين طهران والرياض، بدعم غربي، والتي وجدت فيها الجماعات
المتشددة مرتعاً للاقتتال بعناوين طائفية مذهبية، ساهمت في إذكائها وسائل التواصل الاجتماعي
التي كانت تنقل فتاوى الفتنة وإذكاء النعرات المذهبية.
ليست المشكلة في دعوة الأزهر، ولا في وجود العلماء المستنيرين، ولا في ندرة أطر التقريب
بين المذاهب، بل تكمن المشكلة في السياسة، والسياسة وحدها، فهل سيدعو الأزهر الأنظمة
العربية، وهل ستستجيب؟

النظام والنظام الموازي في العراق

بزار شريف

21

عوضاً عن إلقاء اللوم على الدستور كونه المسؤول عن اخفاقات الحكومة رغم عدم تجريبه على
الارض بعد، ينبغي على السياسيين العراقيين النظر داخليا إلى النظام الموازي الفاسد الذي
يقوض السياسة الوطنية.
بين الفينة والأخرى تتجلى دعوات تغيير النظام السياسي العراقي وتعديل الدستور في وقت
مبكر بعد تشكيل الحكومة البرلمانية العراقية بعد عام 2003. فمنذ التصويت على الدستور
الجديد عام 2005، سارع الكثيرون لإلقاء اللوم على النظام البرلماني “غير الفعال” كونه
السبب وراء جميع الازمات التي يمر بها العراق.
وقد برزت تلك الاتهامات مؤخرا بعد ان قام أنصار التيار الصدري باقتحام مبنى مجلس النواب
العراقي والاعتصام فيه ومطالبة مقتدى الصدر بتغيير الدستور والنظام السياسي. تلت هذا
الدعوة بيانات ومواقف مماثلة من قوى عديدة منها “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي
والتي جددت الحديث عن ضرورة اعتماد النظام الرئاسي، حيث وصفت هذا النظام بـ “المناسب
للعراق وقال النائب السابق القيادي في الحركة نعيم العبودي في تدوينة له، ” إن إصلاح النظام
السياسي، صار مطلبًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
إن دعوة تشكيل نظام رئاسي أو شبه رئاسي في العراق ليست فريدة من نوعها، فقد سبق
وأطلقها الشيخ الخزعلي عام 2012، وكذلك دعت حركة “امتداد” المنبثقة عن الحراك الشعبي
الشبابي في تشرين 2019، إلى تغيير نظام الحكم في العراق من برلماني إلى رئاسي أو شبه
رئاسي للخروج من الأزمة السياسية الراهنة التي تعصف بالبلاد. وقالت الحركة في بيان، إن
من أهم المبادئ التي اعتمدتها الحركة منذ تأسيسها هي: تعديل الدستور، وتغيير شكل النظام إلى
رئاسة أو شبه رئاسي. كما ترى الحركة أن تغيير النظام هو أحد أهم أهدافها الرئيسية كحزب
ناشئ مبررة ذلك بأن انتخاب الرئيس من قبل الشعب بشكل مباشر يمكن أن ينهي نظام
المحاصصة الذي صار يعرقل أي حركة إصلاحية في العراق.
المفارقة الغريبة في هذا الموضوع هو أن الطرفين المتنازعين في العراق يرون أن النظام هو
سبب الفشل الحكومي في العراق، فرغم تضمن دستور 2005 القائم العديد من الأبواب، ومنها”
المبادئ الأساسية، وشكل الدولة، والحكومة، والحقوق والحريات العامة، والسياسية، وحرية
المجتمع، والحريات الفكرية، والسلطات الثلاث الاتحادية والهيئات المستقلة، وسلطات الأقاليم
والمحافظات، هناك شخصيات مثل الخزعلي ترى أن السبب الرئيسي وراء فشل الأحزاب
السياسة هو النظام وليس أداء الأحزاب. كما أن لدى الخزعلي قناعة بحق الشيعة في التفرد
بالسلطة وذلك لكونهم المكون الأكبر في البلاد.
ومع ذلك، فعند تحليل السياسة في العراق في حقبة ما بعد عام ٢٠٠٣ فعليًا، يجب على
المراقبين أن يسألوا أنفسهم: هل حقا النظام البرلماني هو سبب فشل استقرار العراق؟ إن المتابع
للشأن العراقي والعملية السياسية هناك بعد أحداث عام ٢٠٠٣، وسقوط النظام السابق سيدرك
أن ما يتم التعامل به كنظام سياسي في العراق ليس ذاك النظام الذي حدد دستور العراق لسنة
٢٠٠٥، لأن ما يوجد اليوم هو نظام ودولة موازية، حيث عملت الأحزاب السياسية الطائفية
على إنتاج نظام يتوافق مع مصالحهم بعيدا عن مصالح الشعب، وهو ما جعل من الدستور
العراقي شيء هامشي ومجموعة من إجراءات شكلية وليس أكثر.
اضافة إلى ذلك، تتعالى العادات السياسية و “التقاليد” -التي أرستها القوى السياسية المختلفة في
العراق- على تلك الإجراءات الدستورية بغية الإبقاء على النخبة في السلطة. ومنذ تأسيس
الدستور العراقي والتصويت عليه، فضلت القوى السياسية أن تسلك مسارات أخرى بعيده عما
حدده الدستور، بل تمسكت بقوانين الأنظمة الاستبدادية السابقة.
النظام الموازي الفعلي في العراق

22

أصبح تدهور البنية الدستورية في العراق وتهميش الأحزاب السياسية للقوانين الرئيسية أمرا
مثيرا للقلق بشكل خاص، خاصة بعد أن عملت بعض الأحزاب السياسية على تهميش الدستور
والقوانين المكملة له مثل قانون النفط والغاز (مادة ١١٠) وقانون إدارة المنافذ الحدودية
وعشرات من المواد الاخرى من أجل ضمان مصالحهم ومكانتهم في السلطة. وقد أدى ذلك إلى
خلق فوضى إدارية في البلاد وخلق أزمات وخلافات طويلة الأمد بين الحكومة الاتحادية وإقليم
كردستان حول كيفية الإدارة ووارداتها.
فشلت الأحزاب السياسية العراقية في الالتزام بالشروط الدستورية المهمة مثل المادة (٣٨) من
الدستور التي أكدت على الحريات الأساسية مثل حرية التعبير وحرية التجمع السلمي والتظاهر
السلمي. ومع ذلك، فضلت الأحزاب السياسة القائمة الإرث الديكتاتوري على الدستور الجديد
ولم يعملوا على تشريع قوانين تتعلق بتلك الحقوق، بل تمسكت تلك الأحزاب عوضا عن ذلك،
بالقوانين الدكتاتورية مثل المادة (٢٢٨) من قانون العقوبات العراقي لسنة، ١٩٦٩ والتي من
شأنها تكميم الأفواه وتقويض حرية التعبير.
عملت الأحزاب السياسة أيضا على إنتاج دولة فيدرالية مشوهة عبر بوابة القضاء، فعوضا عن
العمل كوسيط غير منحاز بين الأحزاب والكيانات الفيدرالية، أصبح نظام المحاكم الفيدرالية
مجرد امتداد لمصالح الأحزاب ولديناميات طائفية مفسدة.
فبعد ان تم التلاعب بالدستور من قبل الاحزاب السياسية، صارت السلطة القضائية تفسر مواد
الدستور وفقا لمصالحها ،ومن أمثلة ذلك تفسير القضاء للمادة (٧٣) والمتعلقة بمفهوم “الكتلة
الأكبر”، فقد سبق لهذا المفهوم أن أثار خلافا كبيرا في الانتخابات البرلمانية في العام 2010
بين الكتلة الفائزة الأولى، كتلة العراقية التابعة لإياد علاوي (91 مقعدا)، والكتلة الفائزة الثانية،
كتلة دولة القانون لنوري المالكي (89 مقعدا)، فرغم حصول علاوي على المقاعد الأكثر إلا أن
المحكمة الاتحادية العراقية، وبضغط من المالكي، فسرت الكتلة الأكبر على أنها الكتلة التي
تتشكل داخل البرلمان، وشكّل المالكي الحكومة حينها، وفاز بولاية ثانية. وبالطبع أدى ذلك إلى
تغيير المسار الديمقراطي في البلاد والإضرار به.
رغم ان الدستور العراقي لم يُمنح فرصة حقيقية للتطبيق على ارض الواقع، فلا يزال امام
الحكومة العراقية فرصة لتحقق نجاح أكبر في هذا الشأن من خلال التطبيق الدقيق للدستور
والالتزام الصادق بأحكامه، والعمل على إلغاء التعديلات الجذرية التي حدثت في النظام
السياسي. وعلى الرغم من أن مطلب تشكيل نظام رئاسي قد يكون مطلبًا واقعيًا وذلك في ضوء
السياق العراقي الحالي، فمن المهم أن نفهم أن دستور عام 2005 لم يتم تجريبه بعد – وبالتأكيد
لا يوجد مبرر للسياسيين والناشطين للدعوة لإلغائه.
أن ما يوجد اليوم هو نظام ودولة موازية، أحدهما أنتجته الأحزاب وقامت بالتلاعب به على مر
السنين بعيدا عن القانون ووفقا لمصالحها. وفي الوقت الذي تلقى فيه تلك الاحزاب اللوم على
الهيكل الحكومي، لم تحرك السلطات ساكنا، بل سعت وراء مكاسب حزبية وشخصية جاءت
على حساب كرامة وطنهم ومواطنيهم. ومن ثم، يجب إعادة صياغة السردية التي تسلم بفشل
الحكومة في العراق والتركيز على هذا الواقع الموازي. كما ينبغي على جميع الجهات المختصة
مثل المحكمة الاتحادية العليا والبرلمان العمل على تفكيك النظام الموازي مع الحفاظ على
الدستور العراقي نفسه وإبعاده عن الأهواء والمصالح الضيقة لسياسات الأحزاب الطائفية.

23

المواطنة بين «المسيحية المشرقية» و«العروبة الإسلامية»

صفية أنطون سعادة
اعتبار أنّ أي حوارات مسيحية ــ إسلامية سينتج عنها إقامة دولة وطنية/ قومية هو وهمٌ، لا
حقيقة موضوعية، لأن ركائز ومنطلقات الدولة الوطنية/ القومية لا علاقة لها البتة بأسس
وأهداف الدين. فكل الحوارات الطائفية والمذهبية التي جرت في الكيان اللبناني لم تؤد إلا إلى
تقاسم السلطة وترسيخ النظام الطائفي.
خصائص «الاتحاد الشخصي»
و«الاتحاد الوطني»
السؤال المطروح يتمحور حول خصائص هذين المفهومين المختلفَي الماهية والهدف:
أساس الدين إنقاذ الإنسان-الفرد بمعزل عن هويته الوطنية أو القومية أو الإثنية، فالدين رسالة
عالمية، بينما الهوية الوطنية/ القومية تختص بوطن ومجتمع محدّدين.
الاختلاف الثاني الأساسي، هو أن انتماء الفرد إلى دين معين، انتماء شخصي، وهويته شخصية/
فردية لا تلزم أي أحد آخر، بينما الانتماء إلى الهوية الوطنية/ القومية انتماء شعب ومجتمع
ومجموعة من الناس تجد أن حياتها مترابطة بعضها مع البعض الآخر ضمن بوتقة جغرافية.
فهويتها مستمدة من الأرض التي تحيا فوقها، ومن تراث وتاريخ شعبها، والحياة التي تتشاركها.
أي أن الانتماء نابع من إقامتها على أرض معينة، والتعلق بها، واعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها،

24

ووعيها الجماعي يحتّم عليها الدفاع عنها بمعزل عن أديان شعبها وإثنياتهم، لأن مصيرهم واحد
مهما تعدّدت الأطياف والآراء.
يسمّى الانتماء الديني انتماء شخصياً، والانتماء الوطني/ القومي انتماء لمتّحد هو عبارة عن
شعب على أرض. فالشخص الوطني/ القومي لا يشعر بتميّزه عن الآخرين إلا عبر انتمائه إلى
مجتمعه وأرضه، ويشعر بالضياع والغربة حين يهاجر إلى مجتمع آخر. هذا التحوّل من إحساس
الفرد بنفسه إلى إحساسه بأنه جزء لا ينفصم عن مجتمعه وأرضه تبلور عبر العصور، وظهر
بشكل واضح في أوروبا، فأنهى حقبة القرون الوسطى التي اعتمدت هويتها على الاتحاد
الشخصي الديني (علاقة الفرد عبر الإيمان)، أو الإثني (علاقته عبر الدم)، وأصبحت الأرض
هي المرجعية التي تحدّد هوية الشخص، واختلاف مجتمعه عن المجتمعات الأخرى، متخطية
الدين والإثنية؛ هذا هو مفهوم الدولة الوطنية/ القومية المعاصرة.
هذه نقلة ثورية في المفاهيم، وفي رؤية الإنسان لنفسه وقيمه. هذا التطور البالغ الأهمية أصبح
منجزاً على الصعيد العالمي، ولا رجعة عنه. فما من شخص يستطيع أن ينتقل من دولة إلى
دولة أخرى إلا عبر جواز سفر يحدد مكان إقامته، والمجتمع الذي يحيا ضمنه، وغير ذلك يعتبر
عبوراً غير شرعي يعاقب الشخص عليه بالسجن أو الترحيل. إذاً، تعريف الشخص أصبح
ملتصقاً بهويته الجغرافية، لا دينه أو إثنيته، فالدين والإثنية أصبحا في المرتبة الثانية، ولا
شرعية حقوقية أو عالمية لهما، أي إن المجتمعات في العالم تتعامل مع بعضها البعض عبر
قوانين تحدّد وجودها الجغرافي لا غير.
أي ارتداد وعودة إلى الانتماء الشخصي، الديني أو الإثني، كما يحصل في الدول العربية، يؤدي
إلى انهيار الدولة المبنية على أسس الحدود الجغرافية، وتفتتها إلى هويات شخصية، تتناحر
وتتحارب، وتدمر نفسها وأوطانها. هذا لا يعني إلغاء الانتماء الشخصي أو الإثني، لكنه يعني
حتماً وضعه في المرتبة الثانية. لا مجال للتطور والتقدم، وحتى البقاء، إلا عبر التقاء
المجموعات التي يتكون منها الشعب على أولوية الهوية الوطنية الجامعة!
هذا يعني أن مقولات كـ«المسيحية المشرقية» و«العروبة الإسلامية» تعيدنا إلى تنظيمات ما
قبل بروز وانتصار مفهوم الانتماء للمتحد الجغرافي الوطني/ القومي الذي هو واقعنا اليوم.
قضية الأقليات وإلغاء الآخر
لقد أثار المستشرقون الغربيون قضية «الأقليات» لأن بناء مجتمعاتهم وقومياتهم قام على رفض
وإلغاء الآخر، ثم أسقطوا هذا المفهوم علينا بالرغم من أن تاريخنا وحضارتنا في المشرق
العربي لا وجود فيها لمفهوم «أقليات» لا في تاريخنا القديم أو الوسيط، بل أديان ومذاهب
وممالك تتصارع وتتآخى في صراعها للهيمنة.
كلمة «أقليات» تعبّر عن تجربة أوروبية مختلفة حضارياً عنّا تمام الاختلاف لأنها حضارة
«إلغائية»، وبالتالي هي مهيأة فكرياً لإلغاء ما هو مختلف عنها، إمّا دينياً أو إثنياً، وهذا ما لم
يحصل في تاريخنا. ففي أقسى حالات التطرف كما حصل زمن هيمنة الإمبراطورية الأشورية،
تمثّلت الهيمنة في ترحيل المجموعات السكانية المهزومة من منطقتها إلى منطقة أخرى، وليس
إبادتها. لا وجود عندنا لحضارة تقوم على إبادة شعوب، لا في العالم العربي، ولا في كيانات
«سوراقيا»، ولا في الحضارة الفارسية.
تجربة حضارة الهلال الخصيب اندماجية، ومنذ القدم تقبلُ الاختلاف الإثني والديني كما يدل
تراثها الأدبي والاجتماعي. والتراث الإسلامي في تاريخنا الوسيط على شاكلتها تماماً: غير
إلغائي ومتسامح مع الآخر. أمّا الحركات الإلغائية المستحدثة كـ«داعش» و«النصرة»، فهي
دخيلة ومن خارج هذه المنطقة، لذلك لفظتها غالبية سكانها المنفتحة، والمستعدة لقبول الآخر

25

واستيعابه طالما هو لا يسعى إلى إلغائها، والدليل الساطع هو هذه الحضارة المزركشة بألف لون
ولون في مشرقنا.
حضارتنا التي قامت على التسامح لا الإلغاء هي نقطة قوتنا، لكنها أيضاً نقطة ضعفنا إذا لم
نحرص على دعمها بقوة مادية مجندة تحميها، لأنه من السهل للمستعمر أن يستغل هذه اللوحة
الفسيفسائية فيفتتها بإدخال مفهوم «الأقليات»، وهو حصان طروادة الغربي.
يظن البعض أن المسيحية هي ذاتها في الممارسة، شرقاً أو غرباً، وهذه الرؤيا تنطبق أيضاً على
العديد من المسلمين في ما يختص بإسلامهم، ولا ينتبهون إلى أن الأديان تتلوّن بألوان
مجتمعاتها. فالدين المسيحي في الغرب، مختلف عن مسار المسيحية في مشرقنا. مسيحيتنا
منفتحة على الآخر، بينما مسيحيتهم هي على شكل حضارتهم: إبادية. فالإكليروس المسيحي
الغربي مثلاً أصدر فتاوى بإبادة من ليس عرقه أبيض إبان اكتشاف كريستوفر كولومبس للقارة
الجديدة، واعتبار «الأعراق» الأخرى غير بشرية، وبلا روح، ومسموح إفناؤها بشتى الطرق.
هذا دليل على أن فهم الرسالات الدينية يختلف بين مجتمع وآخر.
كلمة «أقليات» تعبّر عن تجربة أوروبية مختلفة حضارياً عنّا تمام الاختلاف لأنها حضارة
«إلغائية»، وبالتالي هي مهيأة فكرياً لإلغاء ما هو مختلف عنها، إمّا دينياً أو إثنياً
حضارة الغرب الأوروبي قامت على إبادة ما هو مغاير لها كما حدث في الأندلس، أو في القارة
الأميركية، وإسرائيل تلميذة هذا النمط الأوروبي الإبادي، وإدخال مفردة «الأقليات» في تاريخنا
الحديث هو نتاج هيمنة الثقافة الأوروبية التي تعمّدت نشر هذا المفهوم لخلق بيئة مؤاتية للفتن
والحروب الأهلية، واستغلالها للسيطرة علينا.
كما بيّنا، لا وجود لإبادة شعب أو دين في حضارتنا «السوراقية»، لكن الغرب عمد، عبر
سايكس-بيكو، إلى بناء كيانات سياسية قائمة على إلغاء الآخر لتحفيز عداوات داخلية يستفيد منها
لنهب الموارد الطبيعية والسيطرة على مواقع استراتيجية هو بحاجة إليها لمد نفوذه.
تم اختراع الكيان اللبناني من قبل الفرنسيين على أساس ديني/ طائفي بحت لوضعه في مواجهة
عالم عربي غالبية سكانه يدينون بالإسلام، أي تطبيق نظرية «الأقليات» الدينية، وتدريبها على
رفض الآخر المختلف عنها، وهذا معاكس لتجربتنا الحضارية التي تنتهج المسار الاندماجي
القابل للآخر والمتسامح معه. ومن المهم ملاحظة أن هذا المفهوم لم ينتشر في كيانات
«سوراقيا» خارج لبنان. فمسيحيو سوريا والعراق وفلسطين والأردن مندمجون اندماجاً كاملاً
في مجتمعاتهم ولا يتعاطون مع الغرب أو فرنسا وكأنها أمهم الحنون، ومن الغبن اتهامهم بأنهم
منقسمون بين مسيحية مشرقية ومسيحية موالية للغرب. خروج المسيحيين من هذه المناطق كان
لأسباب اقتصادية وكنتيجة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على المنطقة، تماماً
كما دمرت حروب «الفرنجة» في القرون الوسطى بيزنطة المسيحية.
هجرة المسيحيين من المشرق العربي سهلة لهم لأنهم أتقنوا اللغات الأجنبية قبل غيرهم من
جراء انتشار الإرساليات الغربية التبشيرية، والإشارة أنهم يغادرون خوفاً من المسلمين غير
صحيحة، والبرهان أن الآلاف من المسيحيين «المشرقيين» يعملون في دول الخليج الذي يدين
سكانه بالإسلام.
هدفَ الغرب إلى ترسيخ مفهوم «الأقليات» في منطقتنا لإبقائنا ضمن بوتقة الاتحاد الشخصي،
ومنعنا من التطور باتجاه الدولة الوطنية/ القومية لأن هذه الأخيرة هي الوحيدة التي تستطيع
مواجهة المستعمر والتغلب عليه والحفاظ على استقلالها، بينما تدمّر الاتحادات الشخصية
كالطوائف والإثنيات، المجتمع وتمنع تماسكه وتآلف مكوناته.

26

لم يكتف الغرب بإسقاط مفهوم «الأقليات» غير الموجود في حضارة المشرق العربي -ما قسّم
المنطقة إلى اتحاد شخصي إسلامي من جهة، ومسيحي من جهة أخرى- بل عمد إلى تدعيمه
بنظرية «التعددية» للدلالة على الاختلاف الإثني أو الديني.
هذا هو الفخ الذي نُصب للمثقفين المنتمين إلى المشرق العربي، إذ إن مفهوم «التعددية» في
الغرب لا يشتمل على تعددية الأديان، بل هو مختص حصراً بتعددية مجتمعية ضمن الدولة
الواحدة كبلجيكا مثلاً التي تحتوي على إثنيّتين مختلفتين تتكلمان لغتين مغايرتين، أو سويسرا،
الدولة-الأمة المحتوية على ثلاث إثنيات. وفي الولايات المتحدة الأميركية نتحدث عن تعددية
أقوام كالسود القادمين من أفريقيا، أو اللاتين المتدفقين من جنوب القارة، لكنهم قطعاً لا يفرقون
بين المواطنين على أساس ديني!
بناء عليه، إن أردت تطبيق معايير «التعددية» التي يريد الغرب إسقاطها على المشرق العربي،
فذلك يعني التمايز الإثني لا الديني. هنا، الاختلاف الإثني الوحيد الموجود والرافض للاندماج
هم الكرد. عدا ذلك، لا تمايز بين المسيحيين والمسلمين، فثقافتهم واحدة وكذلك لغتهم، وجذورهم
الإثنية مختلطة. لذلك اعتبار الدين إثنية، وتشويه مفهوم «التعددية» المرتبط حصراً بالعرق، هو
مشروع صهيوني لإعطاء شرعية لتقسيم الجغرافيا المشرقية على أسس دينية لا وطنية جامعة.
لذلك القول بأن العروبة هي الإسلام، أو أن المشرقية هي المسيحية، يلتقيان مع المشروع
الصهيوني الآيل إلى تقسيم المنطقة دويلات دينية/ طائفية.
الحوار المسيحي-الإسلامي لا يؤدي إلى المواطنة، لأن الدين يرتكز على الاتحاد الشخصي
بمعزل عن الجغرافيا، بينما المواطنة لا توجد إلا ضمن بوتقة أرض محددة المعالم والتعريف.
لذلك إدخال الدين كعنصر يقرر الهوية الوطنية لا يقود إلا إلى بناء دولة طائفية كالتي يرزح
تحتها لبنان، وأخيراً العراق الذي تعمّد الأميركي بعد احتلاله له تقسيمه بناء على هويات
شخصية دينية وإثنية تدمّر المتحد الجغرافي الموحّد والجامع.
الأمة العربية، كي تكون موجودة فعلاً من الخليج إلى المحيط، عليها أن تبني على الجغرافيا
الجامعة لكل الإثنيات والديانات المتواجدة على أرضها، وأن تساوي بين المواطنين بمعزل عن
دينهم أو إثنيتهم، فيصبح هذان المدلولان شأناً خاصاً لأفراد أو مجموعات لها كل الحق في
انتماءاتها الشخصية، لكن لا يحق لها البتة إلغاء الآخر. والأمر نفسه ينطبق على الكيان اللبناني.
ولكي يحصل ذلك علينا التخلي عن إلباس هويتنا بلبوس ديني أو إثني، واستبدال ذلك بتشاركنا
على أرض عشنا فيها منذ القدم، وهي سبب وجودنا، ومصيرنا فيها واحد لا فرق بين عرق
وآخر أو دين وملة وطائفة، فالمستعمر يحتل الجغرافيا، ولا يحتل ديناً أو إثنية!
نحن بحاجة إلى العودة إلى جذورنا في هذه البقعة من الأرض التي رفضت عبر تاريخها مفاهيم
«الأقليات» و«التعددية»، والبناء على مفهوم الدولة-الأمة التي لا تعزل الإثنيات ولا الأديان،
بل تشمل الجميع ضمن بوتقة جغرافية تريد المحافظة على حضارتها المتميزة والمزدانة بألوان
قوس قزح.

27

ماذا تعني عقوبات “الاتحاد الأوروبي” لجديدة لإيران

هنري روم؛ ولويس دوجيت-جروس* – (معهد واشنطن)
على الرغم من أن التداعيات النهائية للعقوبات الجديدة التي فُرضت على إيران غير مؤكدة، إلا
أنها إشارة قوية إلى أن الحكومات الأوروبية أصبحت الآن أكثر استعداداً من أي وقت مضى
لمواجهة انتهاكات النظام الإيراني لحقوق الإنسان، وتسليمه الطائرات من دون طيار إلى
روسيا، والمماطلة النووية.

  • *
    في 14 تشرين الثاني (نوفمبر)، تبنى “الاتحاد الأوروبي” حزمته الثالثة من العقوبات لهذا العام
    ضد النظام الإيراني.
    وتضمنت هذه الدفعة الأكبر حتى الآن اثنين وثلاثين تصنيفاً قائماً على حقوق الإنسان وأربعة
    تصنيفات تتعلق بحرب أوكرانيا، مما يشير إلى أن العواصم الأوروبية أصبحت أكثر ارتياحاً مع
    تكثيف الضغط على طهران بسبب جهودها المستمرة لقمع المحتجين، وعرقلة المفاوضات
    النووية، وتزويد روسيا بالأسلحة.
    إحباطات أوروبا

28

منذ أن تبنى “الاتحاد الأوروبي” جولته الأولى من العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان ضد
طهران في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، استمرت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، فردّ
النظام الإيراني باستخدام القوة.
ووفقاً للمنظمة غير الحكومية “حقوق إنسان إيران”، قُتل ما لا يقل عن 326 شخصاً، من بينهم
43 طفلاً. كما حاولت السلطات قمع المظاهرات بإغلاق الإنترنت واعتقال نحو 15 ألف
شخص.
وفي الوقت نفسه، سعى النظام إلى مواجهة رد الفعل الغربي الناتج عن ذلك من خلال اعتماد
سياسة منسقة لأخذ الرهائن، تستهدف المواطنين الأوروبيين في المقام الأول.
فهناك مواطنون من النمسا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا والسويد، هم حالياً
قيد الاحتجاز في الجمهورية الإسلامية بذرائع كاذبة، كما هو الحال مع العديد من المواطنين
الأميركيين. وعلى الرغم من عمليات الاعتقال، يبدو أن الحكومات الأوروبية لم تدَعْ شيئاً
يردعها عن متابعة فرض العقوبات.
يبدو أن مسؤولي “الاتحاد الأوروبي” مستاؤون بالمثل من موقف إيران غير المتعاون بشأن
التفاوض على إحياء “خطة العمل الشاملة المشتركة” والامتثال لالتزامات الضمانات.
وحاولت طهران تصوير نفسها على أنها الطرف البنّاء في كلا الملفين، وهي نقطة شدد عليها
وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، بعد إجراء مكالمة مع “الممثل الأعلى”
للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في وقت سابق من هذا الشهر.
ومع ذلك، فشلت إيران في الواقع في التعاون على جبهات متعددة، مما أدى إلى إثارة الإحباط
في العواصم الأوروبية، ومن المحتمل أن يدفع مجلس محافظي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”
إلى توجيه اللوم إلى النظام في اجتماع يبدأ في 16 تشرين الثاني (نوفمبر).
كما تشعر العواصم الأوروبية بالقلق من أن إيران ستزود روسيا بطائرات قتالية إضافية من
دون طيار لاستخدامها ضد أوكرانيا، وربما حتى صواريخ باليستية قصيرة المدى للمساعدة
على إعادة بناء مخزون الكرملين من الذخائر الموجهة بدقة. وفي 5 تشرين الثاني (نوفمبر)،
وبعد أسابيعٍ من الإنكار، أقرت طهران أخيراً بأنها وفرت بعض الطائرات من دون طيار -لكنها
زعمت بعد ذلك أن جميع عمليات التسليم تمت قبل غزو أوكرانيا.
وإضافة إلى المخاوف بشأن تسليم الأسلحة، أدان وزراء خارجية “مجموعة الدول السبع” (الدول
الصناعية الغربية)، مؤخراً، وجود مدربين إيرانيين في أوكرانيا.
أحدث العقوبات
استهدفت العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان والصادرة في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) وزير
الداخلية، أحمد وحيدي، وشخصيات مختلفة من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني وميليشيا
“البسيج” و”قوة إنفاذ القانون” والجيش الوطني (جيش الجمهورية الإسلامية في إيران، أو
“ارتش”) وشرطة الجرائم السيبرانية. وشملت هذه العقوبات:
• قادة محليين وإقليميين متورطين في انتهاكات محددة مثل مجزرة المدنيين في زاهدان
(المعروفة باسم “الجمعة الدامية”)، وحوادث العنف في إقليم كردستان، وقتل فتاة مراهقة
رفضت ترديد أغنية موالية للنظام.
• أربعة عناصر من شرطة الأخلاق مسؤولين عن توقيف مهسا أميني، الشابة التي أدى تعذيبها
ووفاتها إلى إشعال شرارة الحركة الاحتجاجية الحالية.

29

• “بنياد تعاون بسيج”، وهي مؤسسة تقدم خدمات الرعاية الاجتماعية لأعضاء “البسيج”، ولها
مساهمات اقتصادية في قطاعات إيرانية أساسية.
• “
برس تي في” (Press TV)، وهي شبكة تلفزيونية حكومية قد تواجه الآن مشكلة في العمل أو
البث في أوروبا.
• “أرفان كلاود” (ArvanCloud)، وهي شركة تكنولوجيا مرتبطة بجهود النظام الرامية
لإنشاء شبكة إنترانت إيرانية منفصلة.
كما فرض “الاتحاد الأوروبي” عقوبات على أفراد وكيانات من الجهات المتورطة في إمداد
روسيا بطائرات مسيّرة، وتشمل هذه الجهات: قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي،
و”القوة الجو-فضائية للحرس الثوري” وقائدها أمير علي حاجي زاده؛ و”شركة القدس لصناعة
الطيران”.
وهذه الأهداف الأربعة جديرة بالملاحظة لأن كلاً منها سبق أن صنفته هيئة منفصلة من “الاتحاد
الأوروبي” بأنه على صلة بأسلحة الدمار الشامل، مما يعني أن العقوبات الجديدة لن تُحدِث أي
تأثير إضافي.
ومع ذلك، من المقرر رفع العقوبات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في تشرين الأول (أكتوبر)
2023 بموجب بنود “خطة العمل الشاملة المشتركة”.
لذلك، ستضمن التصنيفات المرتبطة بالطائرات من دون طيار بقاء بعض العقوبات سارية بعد
ذلك التاريخ إذا لزم الأمر.
(ويواجه سلامي أيضاً عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لذلك تعد بعض هذه الترتيبات
غير ضرورية وتعد بمثابة إشارة سياسية في حالته).
بدا أن توقيت إعلانات “الاتحاد الأوروبي” كان منسقاً بشكل وثيق مع الحكومتين البريطانية
والأميركية.
فقد أصدرت لندن عقوباتها الخاصة في الوقت نفسه، بينما أصدرت واشنطن بيان دعم في
غضون ساعات عدة وأعلنت فرض عقوبات أميركية متعلقة بالطائرات من دون طيار في
الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر).
والوتيرة المتسارعة لهذه الإعلانات جديرة بالملاحظة أيضاً -ففي السنوات التسع الماضية،
أصدر “الاتحاد الأوروبي” حزمتين فقط من العقوبات المستندة إلى حقوق الإنسان ضد إيران.
نظام القرن الحادي والعشرين
ومع ذلك، فإن الأثر النهائي لهذه التدابير غير واضح. فمن خلال تصنيف مجموعة واسعة من
عناصر الأمن الإيرانيين -ذوي رتب من رقيب إلى عميد- ربما سعت السلطات الأوروبية إلى
التحذير من أنها ستُحمّل المسؤولية حتى للضباط ذوي الرتب المنخفضة عن أي عمل عنف
يرتكبونه.
والسؤال هو ما إذا كان ذلك سيؤثر بشكل ملحوظ على ولاء أي فرد من عناصر الأمن أو في
الحسابات السياسية لقادة النظام. ويبدو أن هذا غير مرجح في الوقت الحالي.
الخطوات التالية

30

في الأسابيع والأشهر المقبلة، يجب أن يحافظ “الاتحاد الأوروبي” على هذا الزخم عبر فرض
تكاليف إضافية على النظام الإيراني. وفي 14 تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن الرئيس الفرنسي
إيمانويل ماكرون أنه سيدعم إقامة بعثة دولية لتقصي الحقائق للتحقيق في انتهاكات حقوق
الإنسان الإيرانية في “مجلس حقوق الإنسان” في جنيف، وأن اتباع هذا الإجراء على مستوى
متعدد الأطراف سيكون بداية جيدة.
وحتى من دون الحث على إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، باستطاعة “الاتحاد الأوروبي”
تصعيد الضغط على قطاع الطاقة في إيران، الذي يوفر موارد مهمة جداً لقواتها العسكرية.
وأخيراً، بإمكان “الاتحاد الأوروبي” تعزيز القيود المفروضة على -ومشاركته المزيد من
المعلومات حول- الطريقة التي تستغل بها إيران التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج في برنامج
الطائرات من دون طيار.
*هنري روم: زميل أقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، متخصص في العقوبات على
إيران والقضايا الاقتصادية والنووية. لويس دوجيت-جروس: دبلوماسي فرنسي، وزميل زائر
في المعهد ودبلوماسي في “الوزارة الفرنسية لأوروبا والشؤون الخارجية” وفي “معهد واشنطن”
للعام 2021-2022.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى