تقارير ودراسات

بعد 40 عاماً… عملية صور تعود للواجهة: كيف دفن الاحتلال تحت الأنقاض الأسئلة الصعبة حول أكبر عملية تعرض لها؟

بعد 40 عاماً من عملية تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة صور جنوب لبنان، عادت القضية إلى التداول في الأوساط الإعلامية والأمنية الإسرائيلية، بعد عقود من دفنها تحت جدار كبير من الصمت، من قبل المستويات العسكرية والأمنية العليا في جيش ودولة الاحتلال.

الجديد في القضية كان يوم الخميس الماضي، خلال مؤتمر عقده جهاز “الشاباك” في قاعة مركز التراث الاستخباري في الجليل المحتل، في الذكرى الأربعين للعملية، والتي قتل فيها أيضاً تسعة عناصر من الجهاز.

المؤتمر الذي شارك فيه متقاعدون من الجهاز وناجون من التفجير، وعائلات القتلى ومسؤولون في “الشاباك”، كان الجميع يترقب ما سيقوله رئيس الجهاز رونين بار، بعد الحملة الواسعة التي خاضتها عائلات الجنود الذين قتلوا في التفجير، من أجل فتح القضية وإعادة التحقيق فيها، بعد عقود من سيادة رواية رسمية مزعومة حول أن انهيار المبنى كان بسبب انفجار أنابيب الغاز.

في السنوات الأخيرة، أثارت سلسلة من التحقيقات التي نُشرت في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الشكوك حول الادعاء الرسمي الإسرائيلي بأن العملية التي قُتل فيها مع تسعة عناصر من الشاباك، و34 عنصرًا من مؤسسة الاحتلال الأمنية، و33 جنديًا إسرائيليًا، قد وقعت بفعل عملية استشهادية، وليس بسبب خلل في نظام الغاز، كما تدعي الرواية الرسمية للمؤسسة العسكرية، لكن التحقيقات التي نشرتها يديعوت قوبلت بالإنكار والتجاهل والتستر. 

 مرت 40 عامًا بالضبط على تدمير مبنى القيادة العسكرية في صور بلبنان، لكن الغموض الذي أحاط بأعنف عملية في تاريخ “إسرائيل” أصبح أكثر وأكثر تعقيدًا، وبدأ العديد من أسر القتلى والناجين من العملية في المطالبة بكشف الحقيقة. فجأة خلال المؤتمر المذكور، طلب رجل كان يشغل منصبًا رفيعًا في “الشاباك” في ذلك الوقت الإذن بالتحدث. 

صعد إلى المنصة وقال إنه فور انهيار المبنى، وردت مؤشرات مختلفة على أن الانفجار كان نتيجة هجوم. وأكد المسؤول السابق أن هذه ليست استنتاجات أو أدلة قاطعة، ولكن وفقا له، فإن قادة “الشاباك”، يوسي غانوسر، وأفراهام شالوم، أبلغوه أنه “ليس لديهم شك في أنه عطل في اسطوانات الغاز بالمبنى، وأمروه بالتوقف عن التحقيق”.

خلال الاحتفال، جاء مسؤول كبير آخر للمنصة وبدأ بالتحدث أمام الضيوف في المؤتمر. قال إنه قبل العملية بوقت قصير، تم اغتيال مسؤول كبير في حركة فتح في لبنان، في عملية مشتركة لــ”الشاباك” وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وأن عائلته أقسمت على الانتقام. وكان المسؤول الفلسطيني الذي تم اغتياله مسؤولاً أيضًا عن تدريب الوحدات الشيعية المحلية، والتي انبثقت منها فيما بعد النواة المؤسسة لحزب الله. ومن خريجي هذه الوحدات عماد مغنية، الذي أصبح قائدا لجهاز سري يسمى الجهاد الإسلامي، وعرف كيفية تجنيد وإرسال المقاتلين الاستشهاديين. وقال المسؤول في كلمته إن العلاقة بين الرغبة في الانتقام وهذه القدرات الخارقة لـ عماد مغنية، أدت على الأرجح إلى الهجوم في مدينة صور.

بعد هذه الكلمات، اتجهت الأنظار، بطبيعة الحال، إلى الرئيس الحالي لــ”الشاباك”، رونين بار. في السنوات الأخيرة، اثنان من عناصر “الشاباك”، كلاهما ناجين من الهجوم، حاولوا المضي قدما في إعادة فتح ملف التحقيق، لكن تم رفض طلبهم من قبل رؤساء الجهاز السابقين. مع تعيين بار في هذا المنصب، شعروا أنه قد تكون لديهم فرصة هذه المرة. بعد بدء المؤتمر التذكاري، التقوا مع بار وتحدثوا معه حول التحقيقات. استمع بار لحديثهم، وطلب الحضور إلى المؤتمر وإلقاء خطاب.

في نهاية المؤتمر، صعد بار على المنصة، وقال “احتراماً للقتلى، وتقديراً للفريق الذي يواصل التمسك بالمهمة والسعي وراء الحقيقة، قررنا أن نفحص بعمق المواد المتعلقة بهذه الكارثة، وطلبت استخدام التقنيات الحديثة لأغراض التحقيق التي لم تكن موجودة وقت وقوع الكارثة. لجنة التحقيق أولية، وستفحص ما إذا كانت هناك أدلة قوية كافية للتوصية بفتح تحقيق رسمي. لا يمكن ضمان أي شيء فيما يتعلق بنتيجة التحقيق، ومن الممكن أيضًا ألا نتمكن من التوصل إلى استنتاجات قاطعة في أي اتجاه”.

وهكذا، بهذه الكلمات، أعلن الشاباك أنه يفكر بالفعل في إعادة فتح قضية صور بشكل أولي. “عندما سمعت إعلان رئيس الشاباك رونين بار، صدمت”، تقول إدنا ريمون، التي قتل وزجها عاموس في العملية حيث كان يعمل محققا في جهاز الشاباك في لبنان وفي يوم وقوع العملية كان من المقرر أن يعود لإسرائيل. وأضافت أنه لأول تشعر أنه سيعلم الجميع الحقيقة. 

بعد عشر دقائق من انتهاء المؤتمر، أصدرت المتحدثة باسم الشاباك بيانًا للصحفيين جاء فيه: “سيتم تشكيل فريق تفتيش مشترك بين الشاباك والجيش الإسرائيلي والشرطة لفحص المواد المتعلقة بكارثة صور”. ووفقًا للبيان، سيقوم الفريق بفحص استخدام التقنيات المتطورة التي لم تكن موجودة في وقت العملية، ثم “سيحدد ما إذا كانت هناك إمكانية للحصول على أدلة ستشكل الأساس لـ تحقيق رسمي جديد لظروف الحادث”.

جاء قرار رئيس الشاباك الحالي رونين بار، الذي اختار، على عكس كل من سبقوه، دفن القضية، بعد أن توجه له العديد من الناجين وعائلات القتلى، وضباط الشاباك الكبار في ذلك الوقت، وكذلك اطلاعه على الوثائق التي استندت إليها تحقيقات “يديعوت أحرونوت”، والتي كان جهاز الشاباك ينفي صحتها على مدار سنوات. 

تطرح “يديعوت أحرونوت” عدة تساؤلات حول إعلان “الشاباك”: من سيكون أعضاء فريق التحقيق؟ هل ستعرض مداولاته واستنتاجاته للجمهور؟ ما هي هذه “التقنيات الجديدة”؟ ألن يواجه الفريق نفس التستر والإسكات، الذي أحاط بالقضية لمدة أربعة عقود؟ أم أنهم هم أنفسهم سيصبحون جزءًا من حالة التستر والإسكات؟.

عائلات الجنود والضباط القتلى في العملية أرسلوا إلى “الشاباك” وهيئة أركان جيش الاحتلال ومفوض الشرطة، طلبوا فيها تعيين ممثلين عنهم في اللجنة، وقالوا في الرسالة: “قرارك الشجاع بإعادة فتح ملف الكارثة ينهي 40 عاما من الإخفاء والإهمال والإساءة لنا ولأحبائنا الذين قتلوا، لذلك نشكرك من أعماق قلوبنا. ومع ذلك، فإن قراركم هذا سيبقى بلا معنى، إذا اللجنة التي أنشأتها ستعمل في الظلام، دون رقابة وشفافية، كما تم حتى الآن فيما يتعلق بمرجعية الدولة والجهات الأمنية لكارثة صور”.

عن رواية العملية، تقول الصحيفة إن انفجاراً دوى في المبنى الرئيسي لقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مدينة صور جنوب لبنان، عند الساعة السابعة صباح يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982، وقد تحول المبنى إلى أنقاض، يقول ضابط إسرائيلي كان موجوداً في المكان: انهار كل شيء مثل بيت من الورق”.

أسفرت العملية عن مقتل 76 جندياً وضابطاً من الجيش وحرس الحدود و”الشاباك”، وأخرجت طواقم جيش الاحتلال 24 جريحاً من تحت الأنقاض، بعضهم في حالة خطيرة للغاية، ويعانون جميعهم من أزمات نفسية، يصحون من نومهم في حالة هلع، نتيجة رؤيتهم لمبان تسقط في أحلامهم. 

عند الساعة 7:26 سجل الانفجار في يوميات قسم العمليات في هيئة الأركان العامة في جيش الاحتلال، على أنه هجوم بسيارة مفخخة، وجاء في التقرير: “انفجار سيارة مفخخة بالقرب من المبنى الحكومي في صور ونتيجة للانفجار انهار المبنى”.

العملية التي شكلت كارثة لمهندسي احتلال لبنان، وزير الجيش حينها أرئيل شارون، ورئيس الأركان رفائيل إيتان كانت مقدمة لتورط “إسرائيل” في “الوحل اللبناني” لمدة 18 عاماً.

الاعتراف بأن الانفجار كان نتيجة هجوم بسيارة مفخخة كان يشكل حينها “مأزقاً” لجهاز “الشاباك”، لأنه كان المسؤول عن ملاحقة عناصر المقاومة ومنع العمليات، لذلك اتجه رئيس الجهاز مباشرة “دون دليل” إلى تحميل المسؤولية إلى عطل فني في المبنى، كما يؤكد نائب رئيس “الشاباك” السابق، نحمان تال، في مذكرات ذاتية غير منشورة.

تال الذي عمل بعد تقاعده من “الشاباك”، حلقة وصل بين الجهاز وعائلات القتلى من ضباطه وعناصره، أجرى عمليات بحث موسعة في الأرشيفات، وتوصل إلى دلائل تخالف الرواية الرسمية حول سبب انهيار المبنى، بينها تصريح للقاضي يتسحاق دار، الذي كان عضوًا في فريق التحقيق في وزارة الجيش، قال فيه: “لو تم التحقيق بشكل صحيح في كارثة صور الأولى، لكان من الممكن منع كارثة تسور الثانية”. 

رفائيل إيتان التي شكلت العملية تهديداً لمنصبه في رئاسة الأركان، شكل لجنة تحقيق برئاسة اللواء مئير زور، وعلى عجل خرجت اللجنة بادعاء مزعوم أن سبب التفجير هو تسرب غاز في مطبخ “حرس الحدود”، في الطابق الثاني، وهكذا استقرت جميع المستويات الأمنية والعسكرية العليا على رواية أن “الكارثة نجمت عن عطل”.

في 2018 توجهت عائلات قتلى وجرحى في العملية بطلب لوزارة الجيش لفتح تحقيق فيها، وفي كانون الثاني (يناير) 2021، رد مساعد وزير الجيش بني غانتس على الطلب قائلاً: “بخصوص طلب تشكيل لجنة تحقيق، لا نعتقد أنه يمكن في الوقت الحالي إعادة فتح التحقيقات التي أجريت بعد الكارثة”. بعد شهر، تلقت إلفو شفايتزر بنت أحد جرحى العملية أيضًا ردًا من رئيس الوزراء آنذاك نتنياهو، الذي أكد على قرار غانتس. ورغم إعلان الشاباك عن تشكيل لجنة التحقيق، إلا أنه وضع حدودا لها، فلا يمكن إشراك العائلات كما طلبت.

يقول مسؤول في “الشاباك”: “سيتكون الفريق من أعضاء من الشاباك، وليس من كبار المسؤولين​​، بعبارة أخرى، سوف يعودون ويفحصون جميع المعلومات المتاحة حول كارثة صور. والهدف هو إجراء نظرة استقصائية واستخباراتية وتقنية على النتائج والأدلة وأدلة الطب الشرعي. فقط على أساس هذه المعلومات سيكون الاستنتاج حول إمكانية تشكيل لجنة من كبار المسؤولين تكون قادرة على تغيير قرارات اللجنة الأساسية، وسيقدم الفريق الحالي استنتاجات في غضون بضعة أشهر وسيصل نتيجة من ثلاثة: إنه هجوم ، إنه حادث، أو لا يمكن الخروج بنتيجة”.

تقول الصحيفة إن أحد الانطباعات السائدة أن أسباب كنس القضية تحت ستار “الصمت”، هو أن معظم القتلى من عناصر “حرس الحدود”، وهي وحدة غير “مرموقة” في جيش الاحتلال، بالإضافة إلى أنهم جنود من الطائفة الدرزية.

كانت كارثة صور الثانية، هي تفجير مدرسة الشجرة الذي أدى لمقتل عشرات الجنود والضباط بعد استهداف المبنى الذي كانوا يتخذونه مقراً رئيسياً، بسيارة مفخخة، وحتى اليوم يعتقد ضباط خدموا في تلك المرحلة، أن عدم الاستفادة من دروس “كارثة صور” الأولى جرَ على جيش الاحتلال كارثة أخرى.

هذه العمليات الكبرى في لبنان، ترى المستويات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أنها كانت امتداداً لتفجيرات استهدفت مقرات القوات الأمريكية والفرنسية في لبنان، وأدت لمقتل مئات الجنود.

في لبنان، أعلن حزب الله منذ عقود أن العملية كانت بتنفيذ خلية منه بقيادة القيادي الكبير فيه، عماد مغنية، وأن الاستشهادي الذي نسف المبنى كان أحمد قصير، من بلدة دير قانون النهر جنوب لبنان، التي كانت تخضع للاحتلال في ذلك الحين، وبقي اسمه مجهولاً بين الناس حتى الانسحاب الإسرائيلي الأول من جنوب لبنان إلى الشريط المحتل، عام 1985.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى