تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي.

هارتس: هل سيساعد نتنياهو شريكه الجديد بن غفير على تغيير الوضع الراهن بالأقصى؟!

صحيفة “القدس
لم يتردد المتطرف إيتامار بن غفير المكلف بتولي وزارة الأمن الداخلي التي سيتغير اسمها إلى
“الأمن القومي”، أمس الأحد، في الحديث عن أنه سيعمل على تغيير ما وصفها بـ “السياسات
العنصرية” ضد المستوطنين في الحرم القدسي/ المسجد الأقصى.
وكان بن غفير يرد على سؤال لإذاعة كان العبرية حول فيما إذا كان سيسمح للمستوطنين
بالصلاة بحرية في الأقصى.
وتقول صحيفة “هآرتس” العبرية في تقرير لها اليوم الإثنين، إن بن غفير بعد أن حقق أهدافه
بتولي مسؤولية وزارة الأمن الداخلي، ونقل صلاحيات قوات حرس الحدود إليها في الضفة
الغربية، وتغيير عمل الشرطة لتكون تابعة له، فإنه يهدف فعليًا لتغيير الوضع الراهن بالأقصى
رغم أنه لا يريد الحديث عن ذلك صراحة حتى لا يقع في خلافات أكبر مع زعيم الليكود
ورئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو، وقبل كل شيء حتى لا يؤدي ذلك إلى تصعيد أمني
فوري.
وبحسب الصحيفة، فإنه في الأيام التي سبقت الانتخابات وما بعدها في الأيام القليلة الماضية،
أشار بن غفير أنه سيعمل على السماح للإسرائيليين للصلاة بالأقصى، وأنه سيطلب من نتنياهو
“حقوق متساوية” لصالحهم، وسيطلب من الحكومة والكابنيت في أول اجتماع لهما ببحث هذه
القضية.
وكان بن غفير في بداية عام 2020، طلب من نتنياهو الموافقة على صلاة اليهود بالأقصى،
والتي تحظرها الشرطة الإسرائيلية حاليًا، إلا أن نتنياهو رفض طلبه، وحينها اختار بن غفير
خوض الانتخابات في تلك السنة بشكل منفصل، وبقي حزبه خارج الكنيست، فيما خسرت كتلة
نتنياهو نحو 20 ألف صوت.
وكان ذلك شرط بن غفير الوحيد لتوحيد القوائم اليمينية حينها، إلا أن نتنياهو حينها قال بأنه قد
يبدو هذا الأمر معقولًا بالنسبة لك (أي لبن غفير)، لكنه سيشعل النار في الشرق الأوسط ويثير
غضب مليار مسلم، هناك أشياء لا يمكن فعلها من أجل الفوز بالانتخابات.
وتقول صحيفة “هآرتس”، إن نتنياهو اليوم هو شخص مختلف عن الرجل الذي تعهد مؤخرًا بأن
بن غفير لن يكون وزيرًا للأديان، ولكن يبدو أنه من الصعب عليه رفض طلب الأخير بالسماح
لليهود بالصلاة في الأقصى حتى ولو كان على حساب المواجهة السياسية وربما التصعيد
العسكري في المنطقة.
مصادر شاركت في مفاوضات تشكيل الحكومة نفت بشدة أن يكون تم طرح هذه القضية، مشيرةً
إلى أن بن غفير حريص على إثارة القضية، ولكن نتنياهو سيغلقها مباشرة، وخاصة أن مثل هذا
التغيير يحتاج لاتفاق جديد مع الأردن وهو أمر من غير المرجح أن يتم قبوله.
وتقول الصحيفة: قد يجد بن غفير شريكًا له في الشرطة الإسرائيلية وخاصة قائد منطقة القدس
دورون تورجمان، حيث تربطهما علاقة وثيقة منذ أن كان الأول يشجع على اقتحام الأقصى،
في حين أن الثاني كان يسمح لليهود بالصلاة في الأقصى من الجهة الشرقية بعيدًا عن أعين
المصلين المسلمين.

3

وأشارت الصحيفة إلى أن بن غفير قد يلجأ لتغيير الوضع الراهن بخطوات صغيرة وبطيئة من
خلال تحديد سياسات معينة للشرطة التي ستكون تحت مسؤوليته، وذلك من خلال توسيع سياسة
غض الطرف عن الصلاة في الطرف الشرقي من المسجد، وزيادة عدد المصلين.

هل سيُنقِذ نتنياهو ما لا يُمكن إنقاذه؟

الكاتب: عبد المجيد سويلم

لعبة المراوغة والابتزاز على أشدُّها في إسرائيل.
«الصهيونية الدينية» «تتدارس» كيف لها أن «تُقدّم» لنتنياهو كل ما يمكن تقديمه دون
«المسّ» بدورها القادم الذي تراه كبيراً وحاسماً في المصير الإسرائيلي كلّه، سواءً تعلّق الأمر
بالوزارات والمناصب أو تعلّق بالشروط «السياسية» التي «يجب» على نتنياهو «الالتزام»
بها.
وبالمقابل، فإنّ نتنياهو لديه من الأهداف ما لا يُمكن التنازل عنها، أو المساومة بشأنها تحت أيّ
ظرفٍ من الظروف.
أوّل هذه الأهداف وأهمّها على الإطلاق هو إغلاق ملفّ محاكمته، دون تحقيق هذا الهدف لن
يوافق نتنياهو على أيّ شيء، بل هو مستعدّ ومنذ الآن للذهاب إلى انتخابات جديدة على أن تبقى
مسألة المحاكمة مُعلّقة، ودون حلّ «جذري» لها.
وثاني أهداف نتنياهو هو المحافظة على استقرار الحكومة لفترة كافية بكل ما يتطلّب ذلك من
«التزامات» صارمة بالاتفاق الذي ينوي إبرامه ليس فقط مع «الصهيونية الدينية»، وإنما مع
باقي أطراف الائتلاف الذي سيشكّله بما في ذلك الاتفاق مع أقطاب «الليكود» نفسه، وبما في
ذلك الوزارات والمناصب التي ستناط بهؤلاء الأقطاب.
وثالث أهدافه تحويل «الهجوم الاستيطاني» إلى الميدان الأوّل لسياسات الحكومة القادمة،
والإقدام على «استعراضات» كبيرة لضمان سيطرته السياسية الشاملة على كل أطراف
الائتلاف الذي يشكل الاستيطان لها القاسم المشترك الأعظم.
وهنا لن يقتصر الأمر على «تشريع» البؤر الاستيطانية، وإنما سيتم ــ على الأغلب ــ اتخاذ
خطوات استيطانية وتهويدية غير مسبوقة في القدس، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالمسجد

4

الأقصى، وكذلك الكنائس الكبيرة في المدينة، إضافةً إلى «استعراضات» جديدة في الخليل
«وقبر يوسف»، وأماكن جديدة كثيرة في كلّ مكان من الضفة.
كلّ «التفاصيل» الأخرى عديمة الأهميّة، والمفاعل النووي الإيراني مسألة هامشية لنتنياهو
ولكل أطراف الائتلاف الحاكم، واتفاق ترسيم الحدود مع لبنان ليس أكثر من أكذوبة طرحها
نتنياهو من باب «تسلية» الجمهور بها، والخوف من «العزلة» الدولية ليس موجوداً في قاموس
هذا الائتلاف. الاستيطان وعمليات التهويد الجارفة هو عنوان هذه الحكومة، وهو موضوعها،
وليس لها من أهداف ومهمات حقيقية قبل أو بعد هذه الأهداف.
ولكن لماذا الاستيطان والتهويد هو العنوان الأول لهذه الحكومة؟
السبب واضح، وقد بات معروفاً وعلنياً، ولم يعد مُضمَراً أو مُوارَباً أو غامضاً في أيّ جانبٍ
منه.
جماعة هذه الحكومة هم الذين يؤمنون إيماناً راسخاً بـ»إسرائيل الكبرى»، وهم يعرفون أن
«إسرائيل الكبرى» هي دولة واحدة، وهم يعرفون جيداً أن دولة واحدة تعني أن «إسرائيل»
هذه، أي الكبرى ستحكم وستتحكّم بأكثر من سبعة ملايين فلسطيني، بالحديد والنار إذا «لزم
الأمر»، وهم على قناعةٍ تامّة أن ما نسمّيه نحن نظام الفصل العنصري هو بالنسبة لهم الأسلوب
الممكن والضروري والوحيد لكي تبقى إسرائيل «كبرى»، ولكي يتم إعطاء كلّ ما يمكن
إعطاؤه لليهود في هذه «الكبرى» من حقوقٍ مطلقة، بصرف النظر عن كل ما يمكن أن يُقال
عن ديمقراطية أو عدم ديمقراطية هذه الدولة.
من خلال هذه الحكومة (القادمة)، ومن خلال ائتلاف كهذا سيتم تشكيله، سيتم وضع كل شيء
في خدمة هذا التصوّر، وفي سياق السياسات التي ستجسّد هذا التصوّر على الأرض.
لاحظوا مثلاً بعض التسريبات عن مواقف «الصهيونية الدينية»: «يمكن لسموتريتش أن يقبل
بوزارة المالية شريطة أن تكون موازنات الاستيطان من اختصاص وزارة المالية وليس من
اختصاص وزارة «الدفاع».
أما إذا أُسنِدت له «الدفاع» فإن الوزارة في هذه الحالة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن
«الإدارة المدنية» التي تتحكّم بأكثر من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، وهو الذي
يقرر تحويل البؤر الاستيطانية إلى بلديات، وهو الذي يقرر «دعم» البؤر الجديدة، وهو الذي
يقرر «المصادرات» المطلوبة، والأرض التي سيتم الاستيلاء عليها، وهو الذي يقرر الطرق
التي ستشقّ، وهو الذي يقرر محاصرة كل التجمعات الفلسطينية بالحواجز والأسلاك الشائكة،
والبوّابات، وهو الذي يقرر متى يُقطع الماء، وتُقطع الكهرباء، وهو الذي سيقرر نوعية
العقوبات الجماعية!
باختصار، فإن «الصهيونية الدينية» هي من سيقرر السياسة «الداخلية»، وفي القلب من هذه
الاستيطان والتهويد والضمّ، وهي بالتالي من سيقرر السياسة الخارجية، لأن السياسة الخارجية
ستكون مُحصّلة مُجمل السياسة الداخلية.
هذه المسألة ستنطبق على الداخل كما ستنطبق على الأراضي المحتلة، والفارق لن يكون مطلقاً
في نوع السياسة وإنما فقط سيكون بدرجتها، وكل الأوهام حول هذه المسألة بالذات ستتكشّف
تباعاً.
بدأنا نلحظ في الأيام الأخيرة بعض «النخب» الإسرائيلية من أوساط مختلفة، أي من «اليمين»
و»الوسط» و»اليسار» مَنْ يُنبّهُون من أخطار الانزلاق إلى هذا الواقع، وذلك لأن مثل هذا
الانزلاق سيؤدي حتماً إلى سيطرة للدولة على كل شيء في إطار «إسرائيل الكبرى»، والتي

5

ستؤدي ــ هذه السيطرة ــ لا محالة إلى وجود «ثنائية قومية» على أرض الواقع تتمثل في وجود
مليون أو اكثر من مليون مستوطن في الضفة الغربية يتحكّمون بأكثر من ثلاثة ملايين
فلسطيني، وحوالي 300.000 فلسطيني في القدس الشرقية، وأكثر من مليوني فلسطيني في
«الداخل». ناهيكم طبعاً عن تحكُّم هذه الدولة «إسرائيل الكبرى» بأكثر من مليوني فلسطيني
تحت الحصار في قطاع غزة.
هذه السيطرة حسب هذه «النخب» يجب تحت كل الظروف منعها وتجنّب الوقوع بها، لأن إن
وقعت «الفاس في الراس» فلن تفلت «إسرائيل الكبرى» من «مصيدة» ــ والكلام لهذه
«النخب» ــ «الدولة الواحدة الثنائية القومية».. حينها ــ والكلام ما زال لهم ــ سينهار المشروع
الصهيوني من أساسه، أو سنكون أمام دولة أخرى، لا «نعرفها»، جديدة، عنصرية، مرفوضة
ومنبوذة، وتهدّد الوجود اليهودي نفسه قبل أن تهدّد الوجود الفلسطيني.
ليس هذا فقط، وإنّما ــ وهذا هو الأخطر ــ قد يُصبح «الترانسفير» هو المدخل «الوحيد
والمناسب» للتصدّي للمشكلة في حينه، ما يعني أن أزمة الوجود اليهودي ستكون قد دخلت في
نطاق الحالة الانتحارية!
تحت وبسبب هذه المخاوف تناشد هذه «النخب» «الوسط» و»اليسار»، وبعض أطراف
«اليمين» «الانضمام» إلى نتنياهو على وجه السرعة لإنقاذ «المشروع الصهيوني» من هذه
الهاوية!
بصرف النظر عن بعض المبالغات التي ينطوي عليها مثل هذا الطرح إلّا أن جوهرها حقيقي ــ
كما أرى ــ وهي تعكس ما ذهب الكثيرون إليه من أن أزمة المشروع الصهيوني باتت مكشوفة،
ولم يعد أمام هذا المشروع من حلولٍ سوى الاختيار بين تراجع تاريخي ينسف جوهر هذا
المشروع، أو الاستمرار في اللعبة حتى نهايتها، وهو خيار أقرب إلى الخيار الانتحاري منه إلى
أيّ شيءٍ آخر.
فمن أين لنتنياهو أن ينقذ ما لا يُمكن إنقاذه؟

6

حماس في مشهد الحكم والسياسة : أسئلة وجدليات لا تنتهي!!

د. أحمد يوسف
كلما حدث أمرٌ جلل كواقعة “حريق جباليا،” والذي راح ضحيته عائلة بكاملها 21 شهيداً أو
كارثة طبيعية كالأمطار الغزيرة التي هطلت على قطاع غزة مع بدية موسم الشتاء هذا العام،
وتسببت قي إغراق شوارع القطاع، مما أثار الكثير من التساؤلات والشكوك التي تضج بها
صفحات التواصل الاجتماعي حول مدى أهلية سلطة حركة حماس وقدرتها على إدارة شؤون
البلاد وأحوال العباد. هذا على المستوى المحلي، أما في الساحات الإقليمية، فهناك متابعات
لتيارات الحركة الإسلامية لمشهد حركة حماس السياسي وتجربته في الحكم، كما أنَّ هناك
قراءات تحليلية تكتبها أقلامٌ لنخبٍ من الإسلاميين والعلمانيين تتفاوت بين الإشادة ومحاولات
التبرير وبين التشهير والتشويه والاستهداف بطريقة “حسداً من عند أنفسهم”. وهذه مسائل
متوقعة من الأنصار والخصوم على رأي المثل: “حبيبك يبلعلك الزلط، وعدوَّك يتمنالك الغلط”.
وهناك أيضاً شيء آخر مغاير، وهو ما تقوم به المراكز البحثية في الغرب من دراسات لقراءة
حركة حماس وفهمها كظاهرة إسلامية، ومدى تأثيرها على سياسات ومصالح تلك الدول إقليمياً
وعالمياً.
إنَّ ما يهمنا هنا هو مخرجات هذه الدراسات التي يترتب عليها بناء السياسات تجاه الحركة من
حيث الرفض أو القبول.
لا شكَّ أنَّ تجربة حركة حماس في الحكم هي واحدة من أبرز القضايا التي لاقت اهتماماً سياسياً
واسعاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ونالت كذلك تغطيات إعلامية مستفيضة،
حيث نُشرت على مدار عقد ونصف العقد مئات الدراسات البحثية والتقييمية، التي تناولت مسيرة
الحركة وسياساتها، وقامت برصد فعلها وردِّ فعلها، وما لها وما عليها، وأين أصابت وأين
أخطأت؟
لقد تضمنت هذه المتابعة الدقيقة لسلوكيات الحركة في تجربتها الحاضرة في قطاع غزة تقديم
إجابة أيضاً على أسئلة أكثر تفصيلاً، مثل: كيف تمكَّنت الحركة من معالجة وإدارة الأحداث
المأساوية في يونيو 2007، وكيف تمكنت من السيطرة على تفاصيل تلك المحنة الوطنية؟ وأين
وصلت محاولات رأب الصدع الداخلي وجهود المصالحة وإنهاء الانقسام؟ وهل تغيرت حركة
حماس أم أنها ما تزال على نفس الممارسات وعقلية إقصاء الآخر؛ باعتبار أنها على “المحجَّة
البيضاء”!! ونحو ذلك. وهل نجحت أم أخفقت في إقامة علاقات لها مع دول المنطقة؟ وهل
حققت اختراقات على الساحة الغربية للخروج من طوق الحصار المفروض عليها؟ وهل تمكنت
من دحض اتهامات الإرهاب الموجهة إليها، وتحقيق التواصل المطلوب مع المجتمع الدولي؟
وكيف لحماس أن تقنع العالم والمجتمع الدولي بالانفتاح والتواصل معها؟

7

هذا فيض من أسئلة لا تنتهي دارت حولها تساؤلات هذه الوفود الدولية، التي حطت رحالها في
قطاع غزة منذ فوز الحركة في الانتخابات التشريعية عام 2006.
نعم؛ ربما جاءت خلاصات الكثير من هذه الدراسات والأوراق البحثية متحاملة أو سلبية، حيث
نجحت إسرائيل وماكينتها الدعائية التضليلية (الهسبرة) في شيطنة حركة حماس واتهامها
بالتطرف والإرهاب، وفرض شروط ظالمة عليها قبل إجراء أي اتصال معها أو انفتاح عليها،
كما جرت العادة في نهج السياسات والعلاقات الدولية.
وبالرغم من توفر القناعات لدي الكثير من هؤلاء الباحثين الغربيين بأن حركة حماس قد
تعرضت خلال مسيرتها إلى تآمر دولي وتواطؤ إقليمي ومحاولات متعمدة من قبل الاحتلال
الإسرائيلي لتعطيل عملها وإبراز قدراتها، وكذلك ما طالها من مناكفات وظلم ذوي القربي!! إلا
أنَّ المواقف والسياسات لم تتغير كثيراً.
لكن.. وهنا موطن الدمع والأسى، فإن كلَّ هذه الضغوطات والعقبات لا يمكنها تبرير حالة
التراجع والاخفاق في تقديم “نموذج الحكم الرشيد”، الذي بشَّرت به حركة حماس خلال حملاتها
الانتخابية. صحيحٌ؛ هناك ممارسات وأخطاء لا يمكن تجاهلها أو الدفاع عنها، وربما تُحمَّل قيادة
حركة حماس كامل المسئولية عنها، ففي السياسة ومشهد الحكم تبقى الإنجازات هي مؤشر
النجاح أو الفشل لأي حزب أو أيديولوجيا ترفعها الحركات أو التيارات لتعبئة الجموع وحشد
الشارع خلفها.
وعليه؛ فإن حركة حماس خلال مسيرتها المتعثرة لأكثر من 15 عاماً الماضية لا تُعفيها من
النقد والكلام، وأن الذرائع لا تكفي للدفاع عن تراجعها وتبرير إخفاقاتها في تحقيق مشهد “الحكم
الرشيد”، وهذا معناه أن عليها أن تعيد حساباتها السياسية والأخلاقية، وأن وتجري من
المراجعات الحركية والتنظيمية وفي مجال علاقاتها العربية والإسلامية والدولية ما يُعين على
إقالة عثارها، وتمكينها من الإصلاح والتغيير، وعليها -إن تطلب الأمر- الاعتذار وتحمل الغياب
عن المشهد السياسي لحينٍ من الوقت، والتمكين لغيرها عبر العملية الانتخابية من تقديم نموذجه
في الحكم، في عملية من التداول السلمي للسلطة تحفظ الأمن والاستقرار وفرص الازدهار.
ويمكن لحركة حماس بعد ذلك إعادة انتاج نفسها، والخروج بإطلالة سياسية مغايرة تُقنع الشارع
بأهليتها من جديد للظهور في مشهد الحكم والسياسة.
بالطبع؛ كان هناك من الأخطاء ما يمكن تبريره كنقص الخبرة والتجربة السياسية، ولكن أيضاً
هناك عجز واخفاقات لا تتحمل وزرها إلا الاختيارات الخاطئة من حيث المكانة والمهنية، وذلك
بوضع الكثير من الكوادر والشخصيات القيادية غير المؤهلة في الأماكن التي لا يصلح لها إلا
الكفاءات النوعية الخاصة وأصحاب التجارب والعطاءات والجدارة العلمية.
باختصار.. لقد تعثرت حركة حماس في الكثير من اختياراتها للقوي الأمين،
وحتى لا أبدو ظالماً في هذا التقييم، فإن هناك من بين من تقلدوا المناصب من أظهروا بأخلاقهم
ومهنية عملهم ومستوى نزاهتهم وتعاطيهم بـ”بسياسة الباب المفتوح” مع المواطنين، أنهم أهل
للمسؤولية والأمانة.
لقد ظلت حركة حماس قبل انغماسها في مشهد الحكم والسياسة تمثل أملاً كبيراً تعلقت بها أنظار
الناس في الشارع الفلسطيني فبل العام 2006 كما يتعلق الحاج بأستار الكعبة طلباً للطهارة
والمغفرة والخلاص، وكانوا يرون فيها طوق النجاة من نفق التيه والمظالم، ولكن – واحسرتاه-
لم يكن الأمر بأفضل مما كان عليه حكم من سبقوهم من قيادات وأحزاب، بل ربما جاءت
الخلاصات في بعض النتائج مخيبة للآمال.

8

لا يمكننا هنا الدخول في كل التفاصيل، ولكن تكفي نظرة على مؤشر استطلاعات الرأي العام
لملاحظة حجم التراجع في الحاضنة الشعبية، وفي فعالية جمهور الأنصار والمؤيدين.
لقد حاولت -وما زلت كأحد رموز الحركة المخضرمين- في إسماع جهات اتخاذ القرار بأخطار
المآلات التي تنحدر في اتجاهها الحالة الإسلامية، ونموذجها المفروض في الحكم، ولكني –
بصراحة – كنت أشعر مع كل خلل وتراجع أو تكرار للأخطاء أننا كمن ينفخ في قربة مقطوعة،
أو يصرخ بأعلى صوته في وادٍ غير ذي زرع!!
إنَّ حجر الزاوية في إصلاح الحالة الوطنية، هو إعادة الثقة للشارع الفلسطيني بأننا ما زلنا
قادرين على المراجعة ولمِّ الشمل وتحقيق الإصلاح والتغيير.
عن عملية القدس.. وأسئلة حائرة؟!

كتب حسن عصفور
مع ساعات صباح الأربعاء 23 نوفمبر 2022، أعلنت قوات أمن الاحتلال حدوث عملية
تفجير قرب محطات حافلات بالقدس الغربية، أدت لاحقا لمقتل طالب في مدرسة دينية
وعشرات الجرحى…
موضوعيا، تفاعل الشعب الفلسطيني سريعا مع الحدث فرحا، خاصة وأنه جاء بعد ساعات من
قيام جيش الاحتلال بعملية اعدام الفتى أحمد أبو شحادة في نابلس، تلاه استشهاد مصابين آخر،
واعتبرت العملية رد فعل طبيعي على جرائم لا تتوقف من دولة غازية، تحتل أرض دولة
فلسطين، وزاد قيمتها السياسية فلسطينيا، انها في القدس الغربية، مع ما أصاب المؤسسة
السياسية – الأمنية للكيان العنصري هلعا وارتباكا.
ولكن، وبعيدا عما أصاب الفلسطيني بشكل عام من تفاعل إيجابي عال مع تلك العملية،
ومسارعة الفصائل بكل مسمياتها الى اصدار بيانات تأييد وتهديد في آن، (كما عادتها وكأنها
بيانات مسجلة كمسودات في أجهزة الكمبيوتر)، فما لفت الانتباه، وبعد دقائق معدودة قيام أجهزة
الإعلام العبري تطوعا، وبلا أي مصدر أمني، باتهام حركة حماس بأنها قد تكون هي من يقف
وراء ذلك، مستندة الى بيان يقال في كل مناسبة، رغم انه مرتبك وغير واضح، معتبرة ذلك
سندا ووثيقة اتهامية لها.
سرعة قيام الإعلام العبري لحماس، كان مفاجئا خاصة بعد الحديث الرسمي من قبل رئيس
حكومة الاحتلال لابيد، والذي خسر الانتخابات، عن صفقة شاملة مع الحركة الإسلاموية
وحكومتها، نتج عنها ترتيبات أمنية شرق قطاع غزة ومنع أي عملية كانت، او مواجهة قوات
الاحتلال التي تقوم يوميا بعمليات تخريب مزارع سكان المناطق الشرقية على طول السياج،
مقابل “امتيازات اقتصادية خاصة”.
الاتهام السريع لحركة حماس وخاصة من يتواجد في تركيا، يبدو أنه كان يحمل رسالة خاصة،
أسفرت وبشكل سريع جدا على قيام الخارجية التركية باستنكار العملية، بل واعتبارها “عمل
إرهابي”، في تغيير نوعي لما كان سابقا، بل يمكن اعتبارها “انقلابا مفاهيميا وسياسيا” من تركيا
لوصف العمليات العسكرية ضد دولة الكيان واحتلالها.
البيان التركي وضع حماس تحت ضغط سياسي، فقامت بإصدار بيان غريب، لا سابق لها به،
تنفي صلتها بالعمل وتبرأ تركيا من أي تهمة أصدرها الإعلام العبري.

9

عاملان يجب التوقف أمامهما قبل الذهاب بعيدا في تحليل تلك العملية، وكيفية استغلال دولة
الكيان العنصري لتمرير “أهداف سياسية” وراء تركيب اتهامات لهذا الفصيل أو ذاك، وبلا شك
حققت بعض مرادها، ببيان تركي انقلابي عن السابق، وتبرأ حماس الفوري، ما أدخلها في نفق
اتهامي جديد، سيربك موقفها أمام الشعب الفلسطيني، بعدما أجبرتها تركيا على بيان غير معتاد
فلسطينيا.
ولكن المثير حقا وبعد انتهاء غاية الاتهامات، قيام أجهزة الكيان بالإعلان، انها لم تتمكن من
معرفة الشخص الذي قام بوضع الحقيبة التي حملت متفجرات، كون كاميرات المراقبة كانت
معطلة لحظة التفجير، ما يفتح شكوكا كبيرة حول الحدث، فلا يعقل أن تكون كاميرات مراقبة
في منطقة حساسة بالقدس الغربية معطلة دون أن تنتبه لها “الفرق الهندسية المسؤولة”، الى أن
قام هاكرز إيراني باختراق “الغرفة الخاصة” ولتفضح مكذبة التعطيل.
فيديو الهاكرز الإيراني، سيفتح باب لمناقشة حقيقة العملية وطبيعتها ومراميها ومن يقف
وراءها، وخاصة بعدما لجأت بعض أوساط أمنية – إعلامية بالذهاب الى اتهام حركة داعش،
بأنها قد تكون هي “الأقرب لتنفيذ عملية حافلات القدس”، فبدأت تشير الى عمليات اعتقال لخلايا
ذلك التنظيم، في النقب والناصرة، وكذلك خلية تم اعتقالها بالقدس في شهر مايو 2022، وكلهم
يحملون “الهوية الإسرائيلية”.
الحديث عن تعطيل كاميرا المراقبة، والذي ثبت أنه ادعاء كاذب، ثم الانتقال من اتهام حماس
بعدما حقق غايته السياسية، الى البحث عن “داعش”، يشير الى أن هناك مخططا تم تحضيره
للمرحلة المقبلة من المواجهة، لا يستبعد فيها اللجوء لعمليات تربك كليا حالة “الغضب
الفلسطيني العام”، والتي تنمو بتسارع ملفت، بشكليها الشعبي والمسلح، لتخلط بين “الحق
الوطني” نحو مواجهة عدو محتل، وعمليات تستدعي حملات “تضامن” مع الكيان، كما حدث
يوم الأربعاء بعد عملية القدس، فسارعت دول وأطراف بالاستنكار للحدث، دون ان ترمش لها
عين بعد اعدام فتى في نابلس سقط قبلها بساعات.
الإعلان المتلاحق عن وجود “تنظيم داعش” في داخل الكيان والقدس، لا يجب التعامل معه
كخبر اعتقالي بقدر ما يجب أن يدق “جرس إنذار سياسي – أمني” للفلسطينيين، رسميا
وفصائليا، من الهدف وراء ذلك في مرحلة تشهد نمو “الفاشية اليهودية الدينية”، واستعدادها
لفرض مشروع تهويدي شامل في الضفة والقدس.
عملية حافلات القدس، يجب أن تكون حافز تفكير وليس حافز انفعالي لسرعة التأييد والتبريك،
حافز لليقظة الوطنية العامة، مما سيكون أثرا على مسار “فعل الغضب العام” لاحقا.

ملاحظة: أمريكا قامت بتسمية هادي عمرو “ممثلا خاصا” لها للتواصل مع السلطة..طيب لو
بجد حابين التواصل افتحوا قنصلية القدس وهيك بيصير الطرق اقرب وأسرع.. لكن الصراحة
قراركم ه مهزلة فريدة..ومظهرا لرشوة فاسدة..ومكلمة فارغة ويا ريت السلطة تعتبرها كأنها لم
تكن!

تنويه خاص: نهاية قضية جثة الشاب الدرزي وتسليمه، بالطريقة اللي صارت فيها، كانت
مخسر مركب..احتجاز غير ذكي وتسليم أقل ذكاء…كان لهم أن يكلفوا أبو الشهداء الخازم القيام
بتسلميه الى محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا في 48..مع مؤتمر صحفي يتحدثون فيها عن
قضية احتجاز جثامين شهداء القضية والوطن..لكن “الولدنة السياسية” و”عنترة فارغة” خسرت
الفلسطيني مرتين..لعلها تكون قرصة تفيد “المتعنطزين”!

10

في أسباب ما عليه حزب العمل الإسرائيلي

أنطوان شلحت
استمرارًا لقراءة حول نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت يوم 1 نوفمبر/ تشرين الثاني
الحالي، يجب التوقف عند مآل حزب العمل الإسرائيلي، الذي تحوّل إلى الحزب الأصغر في
الكنيست الجديد المنتخب (أربعة مقاعد)، وهو سليل الحزب المؤسس لدولة الاحتلال، وكان
الحزب الحاكم بين الأعوام 1948 و1977 و1992 و1996 و1999 و2001.
وقد لا تتيسر في هذه العجالة الإحاطة بكل أسباب هذا المآل، ولكن أبرزها ما يوصف حتى من
محللين إسرائيليين بأنه سيطرة هاجس الأمن الاستحواذي عليه، والذي صار إلى تعمّق بعد
الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000- 2004)، وعقب الحروب الإسرائيلية المتكرّرة على
قطاع غزة بدءًا من عام 2008.
منذ تلك الانتفاضة، فإن ما يمكن استنتاجه بالنسبة إلى هذا الحزب، الذي سبق له، قبل نحو ثلاثة
عقود، أن قرّر السير في طريق التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، بغض النظر عن الغايات
الخبيثة التي تطلع إلى تحقيقها، هو ما يلي: باعتباره “ذا التزام أمني” و”واجب وطنيّ” لا يقوم
حزب العمل بالاعتراض على خطوات وإجراءات أمنية تدافع، في الظاهر، عن سكان إسرائيل،
لكنها في العُمق تزيد من تمدّد الاحتلال والسيطرة على الفلسطينيين في أراضي 1967،
وتتسبّب برصد مزيد من الميزانيات، وباكتساب المستوطنين الكولونيين فائضًا من القوة والتأثير
والمكانة الاعتبارية الاجتماعية.
ويتوقع هذا الحزب من الفلسطينيين، بموازاة ذلك، أن يتخلوا عن “الإرهاب” أولًا. ومصطلح
“الإرهاب” لديه فضفاض ومن دون ضفاف، ويمكن أن يحصُر في شرنقته كل أعمال المقاومة
للجنود والمستوطنين الإسرائيليين. ومجرّد ذلك سهّل ولا يزال يسهّل على اليمين الإسرائيلي
مهمة إقناع الجمهور العريض باختيار “السلام مع الأمن”. وبموجب ما يؤكّد منتقدو هذا
الحزب، حتى في أوساط الإسرائيليين أنفسهم، فإن تحقيق هدف انهيار مشروع الاحتلال في
أراضي 1967 لا بُدّ من أن يعتمد، ضمن أشياء أخرى كثيرة، على الانتقادات الشاملة الموجّهة
إلى جهاز الأمن، في حين أن حزب العمل يفضّل التحدّث عن “أعمال شاذّة” في ممارسات
الجيش الإسرائيلي وتأييد المراحل الأولى من الحروب المدمّرة على نحو شبه أعمى. وما في
الوسع ملاحظته أن اليمين الإسرائيلي شخّص بدوره هذه النقطة بالذات، وانتقل من خطاب

11

“أرض إسرائيل الكبرى” إلى ممارسة خطاب أمني يعزّز قوة الهيكلية القائمة، ويعزف على
أوتار الخوف القديم الكامن في نفوس الناس.
تجدر الإشارة كذلك إلى أن “العمل” هو الذي سكّ على لسان رئيسه السابق، إيهود باراك، شعار
“عدم وجود شريك فلسطيني للسلام” (عام 2000)، وساهم تأييده خطة فك الارتباط عن قطاع
غزة بصورة أحادية الجانب، والتي صاغها رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، أريئيل شارون،
عام 2005، في تكريس هذا الشعار.
وهناك دائرة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بحزب العمل أغلقت هي أيضًا، طلاقه البائن مما يسمى
بـ “اليسار الصهيوني”. ففي مؤتمر الحزب الذي عُقد عشية الانتخابات الإسرائيلية عام 2015،
قال رئيس الحزب في ذلك الوقت، يتسحاق هرتسوغ (رئيس الدولة الحالي)، إن الطريق الوحيدة
لتغيير بنيامين نتنياهو تكمن في إعادة حزب العمل إلى طريقه الأصلية، وهي ليست طريق
اليمين ولا اليسار، بل طريق الوسط. ولم تكن هذه أول مرة يشنّ فيها رؤساء “العمل” هجومًا
حادًّا على اليسار، ففي معرض الردّ على حملة نقدٍ وُجهّت إلى رئيس الحزب السابق، إيهود
باراك، من جرّاء معارضته إجراء تحقيقاتٍ داخليةٍ عن فظائع الجيش الإسرائيلي ضد السكان
المدنيين الفلسطينيين في غزة، إثر صدور تقرير لجنة غولدستون الأممية (عام 2009)، هاجم
“اليسار الصهيوني” واتهمه بـ”النزعة الطفولية”. وباراك نفسه هو من أطلق توصيف “فيللا في
غابة” على إسرائيل، والذي استخدمـه نتنياهو من بعده لإعلان استراتيجيةٍ تقوم على أساس
تحصين إسرائيل، من خلال تغليفها بجدار أمني مكثف لحمايتها من “الحيوانات المفترسة”
الساعية إلى التهامها.

الصحفيون الإسرائيليون ومونديال قطر..

جيروساليم بوست: العرب هم العرب واسألوا استطلاعات الرأي

نشرت صحيفة جيروساليم بوست اليمينية يوم الأحد، مقالا تناولت فيها الاستقبال الفاتر الذي
حظي به الصحفيون الإسرائيليون أثناء تغطيتهم فعاليات بطولة كأس العالم التي تحتضنها قطر
منذ العشرين من نوفمبر الجاري.
ورأت الصحيفة أن المشجعين العرب على مدى أسبوع كامل مارسوا التنمر ضد المناصرين
والإعلاميين الآتين من الدولة العبرية.
واستذكرت جيروساليم مقولة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير عام 1996 قال
فيها: “إن البحر هو نفس البحر والعرب هم نفس العرب”. فالسياسي اليميني الذي اضطر
لحضور مؤتمر مدريد في أعقاب انتهاء حرب الخليج الأولى كان يلمح لشعار “رمي إسرائيل
في الحرب” والذي كان شائعا إثر حرب فلسطين وقيام الدولة العبرية في مايو 1949.

12

وأضافت قائلة: إن شامير أطلق تصريحه ذاك عام 1996 أي في أعقاب العمليات التي نفذها
فلسطينيون والتي لم تمنعها بحسب رأيه اتفاقات أسلو المبرمة عام 1993 بين الفلسطينيين
وإسرائيل والتي كان شامير من أشد المعارضين لها.
فبحسب الصحيفة، فإنه بعد مرور 26 سنة من أوسلو، وبرغم اتفاقات أبراهام التي أطلقت
صافرة قطارة التطبيع بين الدولة العبرية وأربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والمغرب
والسودان، وجد الصحفيون الإسرائيليون أنفسهم وهم يُلقّنون الدرس نفسه في مونديال قطر.
ورأت جيروساليم بوست أنه لا ينبغي التعميم مثلما فعل شامير لكن مونديال قطر أثبت أن
المزاج العام في الوطن العربي لا يزال ينفر من إسرائيل رغم محاولات بعض القادة وبعض
المواطنين العرب إظهار وجه آخر فخُيّل بعدها لبعض الإسرائيليين أنهم باتوا يحظون بالقبول
في الوطن العربي.
وقالت الصحيفة إن قادة الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وقبلهم زعماء مصر والأردن
قد كانت لهم الشجاعة والإرادة حتى يخرجوا من قوقعة التفكير النمطي الذي تحاول السلطة
الفلسطينية إبقاء الجامعة العربية داخله.
ورأت جيروساليم بوست أن “دوافع الدول المطبّعة كانت متباينة وقد احتاجت أحيانا لمُحلّيات
أمريكية للتغلب على مرارة الخطوة، لكن مع ذلك فقد فهمت تلك الدول أن وجودها رسميا في
حالة حرب مع إسرائيل لم يخدم مصالحها ولم يشكل أي ضغط على الدولة العبرية لتعقد سلاما
مع الفلسطينيين. وبالتالي تقول الصحيفة، اختارت الدول الأربع الانخراط في طريق إيجاد سبل
للتعاون مع هذا الوضع الإقليمي الشاذ التي تمثله إسرائيل”.
وسردت جيروساليم بوست مجموعة من المضايقات التي تعرض لها الصحفيون من قبل
المشجعين العرب في قطر وتساءلت إنه قد يوجد تفسير لحالة النفور التي قوبل بها إعلاميو
الدولة العبرية وهو أن اتفاقات أبراهام كانت بين الحكومات وليس بين الشعوب. إذ أن تلك
الحكومات العربية هي شمولية بدرجات وبالتالي فإن رغبتها في عقد سلام مع إسرائيل لا تعكس
بالضرورة رغبة الشعوب التي تحكمها بحسب الصحيفة.
الشعوب العربية لا تنظر بعين الرضى لاتفاقات أبراهام
وقد ذكرت جيروساليم باستطلاع أجراه معهد واشنطن للشرق الأدنى في تموز يوليو الماضي
خلص إلى أن موجة التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية في السنوات الأخيرة قابلها
انحسار متزايد في التأييد الشعبي لاتفاقات أبراهام.
وبحسب الاستطلاع فإن نسبة التأييد للسلام بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين كانت
الأعلى (25% في الإمارات و20% في البحرين ممن ينظرون بإيجابية لاتفاقات أبراهام)
أما في السعودية فكانت النسبة 19% و13% في مصر و12% في الأردن والكويت 14%.
وتخلص جيروساليم بوست إلى أن “الهدف ليس انتقاد اتفاقات أبراهام أو اتفاقيتي كامب ديفيد أو
وادي عربة مع كل من مصر والأردن نظرا لما جلبته تلك المعاهدات من منافع لإسرائيل، لكن
يجب ألا يكون الإسرائيليون سذّجا وأن يعوا حدود تلك الاتفاقات إذ أن عقودا من الخطاب
المعادي لإسرائيل لا يمكن أن تمحى بجرّة قلم من الموقّعين”.
وقد ختمت الصحيفة اليمينية مقالها بالتذكير بمقولة شامير بأن “البحر هو البحر وبأن
استطلاعات الرأي تثبت بأن العرب لم يتغيروا”.

لماذا تتردد إسرائيل في تزويد أوكرانيا بأنظمة دفاع جوي

13

آنا بورشفسكايا
لا يزال القلق يساور إسرائيل بسبب احتمال أن يؤدي إغضاب الروس إلى تعريض مصالحها
الأمنية الوطنية البالغة الأهمية في سوريا للخطر، على الرغم من أن بعض العناصر المحلية
ومسؤولين أمريكيين يستمرون في الضغط عليها لفعل المزيد لمساعدة أوكرانيا.ش
يعود رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو إلى السلطة. وبالنسبة إلى سياسي يفتخر
بعلاقته الطويلة الأمد مع بوتين، ستكون أوكرانيا بمثابة اختبار لموقفه الاستراتيجي. ومنذ الأيام
الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا، تحاول الحكومة الإسرائيلية الموازنة بين مصالح الطرفين.
فمن خلال إدانتها للعدوان الروسي وتقديمها مساعدات إنسانية لأوكرانيا، امتنعت إسرائيل مع
ذلك عن تزويد كييف بأنظمة دفاع جوي. ويعزو مسؤولون إسرائيليون رفضهم إرسال أسلحة
فتاكة بشكل أساسي إلى أن الأمن القومي لبلادهم يرتبط بحرية العمليات العسكرية في سوريا.
وتستفيد موسكو من هذا الظرف، بممارسة الضغط على إسرائيل من خلال الحد من عملياتها
العسكرية في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، تهدد موسكو بكبح قدرة إسرائيل على استقبال
المهاجرين من أصل يهودي وتعزز علاقاتها مع إيران. وفي الواقع الجديد، لن يتمكن نتنياهو
من استغلال صداقته مع بوتين وسيضطر في النهاية إلى اختيار جانب.
وخلال اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، صوتت أوكرانيا إلى جانب 152
دولة – بما فيها روسيا – لدعم قرار يدعو إسرائيل إلى التخلص من أسلحتها النووية. ونتيجةً
لذلك، اتفقت روسيا وأوكرانيا رمزياً حول هذا الموضوع. وبينما يواصل الرئيس الأوكراني
فولوديمير زيلينسكي التماس المزيد من المساعدة من إسرائيل، يسلّط تصويت كييف الضوء
على مدى تعقيد المثلث الذي يجمع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا.
ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير، أقامت إسرائيل توازناً بين المصالح
المختلفة. ويقيناً، أن إسرائيل أدانت الغزو وقدمت مساعدات إنسانية كبيرة، لكنها رفضت
الانضمام إلى العقوبات التي يقودها الغرب ضد روسيا. كما رفضت إسرائيل طلب كييف
الحصول على مساعدة عسكرية تشمل أسلحة فتاكة. وبالفعل، إن الدولة اليهودية هي من الدول
القليلة جداً القادرة على تزويد أوكرانيا بأنظمة دفاع جوي – بما فيها نظام “القبة الحديدية” –
التي تحتاجها أوكرانيا للتصدي للصواريخ الروسية التي تستهدف سكانها المدنيين. ومع ذلك،
رفضت إسرائيل توفير هذه المعدات.
وفي المرحلة الأولى من الغزو، كانت الحكومة الإسرائيلية غامضة في سياستها بدلاً من إدانتها
الغزو الروسي بشكل مباشر، ولم تُقْدم على هذه الإدانة إلا بعد انتقادها من قبل واشنطن. ولم
يأت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت على ذكر روسيا أو بوتين في تصريحاته
العلنية إلا نادراً في الفترة بين حزيران/يونيو 2021 وحزيران/يونيو 2022، في حين كان
وزير الخارجية آنذاك، يائير لابيد، يدين الغزو في أكثر من مناسبة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن
الحكومة الإسرائيلية تعمّدت التأني في خطواتها لتحقيق توازن دبلوماسي صعب. وفي الآونة
الأخيرة، عندما تولى يائير لابيد منصب رئيس الوزراء، أدان موسكو علناً بشكل مباشر في
تشرين الأول/أكتوبر بسبب عملياتها في أوكرانيا، وهو أول بيان من هذا القبيل حيث لم يأت إلّا
بعد مرور سبعة أشهر من بدء الغزو. ومع ذلك، لن ترسل إسرائيل معونة فتاكة إلى أوكرانيا.
ولكي نكون منصفين، شدد المسؤولون الإسرائيليون منذ بدء الغزو الروسي، سواء علناً أو في
المجالس الخاصة، على أن أمن بلادهم يتوقف على حرية تنفيذهم عمليات عسكرية في سوريا،
أي قدرتهم على استهداف القوات والأصول المدعومة من إيران في دولة تسيطر فيها روسيا
على المجال الجوي وتتمتع فيها بنفوذ عسكري وسياسي. بمعنى آخر، يعتمد احتواء إيران في

14

سوريا على بقاء إسرائيل على علاقة جيدة مع روسيا. وكما قال السفير الإسرائيلي في أوكرانيا
مايكل برودسكي، “إن التهديدات الأمنية لإسرائيل، والتهديدات التي يتعرض لها الجنود
والمواطنين الإسرائيليين، هائلة … نحن نفكر أولاً وقبل كل شيء في مصالحنا الخاصة وعلينا
أن نكون حذرين”.
ومع ذلك، أفادت بعض التقارير أن زيلينسكي تحدث مع لبيد وبينيت حول شراء أنظمة دفاع
جوي إسرائيلية وتم إعطائه ذريعة مختلفة وهي: أن إسرائيل بحاجة إلى البطاريات لحمايتها.
وقال زيلينسكي: “أفهم أنهم [الإسرائيليين] بحاجة إلى الدفاع عن أرضهم، لكن بعد ذلك حصلتُ
على معلومات من أجهزة المخابرات الخاصة بي بأن إسرائيل توفر [الدفاعات الجوية] لبلدان
أخرى. بإمكانهم البيع، بإمكانهم التصدير، وهذا هو سبب صدمتي”.
ومن جانبها، أقرت الولايات المتحدة بمخاوف إسرائيل الأمنية منذ بدء الغزو الروسي لكنها
تعتقد أن على إسرائيل أن تفعل المزيد لمساعدة أوكرانيا. وفي الواقع، في أوائل آذار/مارس،
بعد وقت قصير من بدء الغزو الروسي، حذرت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية فيكتوريا
نولاند إسرائيل من تلقّي “أموال قذرة” من الأوليغارشية الروسية وشجعت إسرائيل على
الانضمام إلى العقوبات ضد روسيا.
ويشكل المهاجرون من الاتحاد السوفيتي السابق – معظمهم من روسيا وأوكرانيا – أو من
نسلهم ما يقرب من خمسة عشر بالمائة من سكان إسرائيل. وأظهرت استطلاعات الرأي أن
أغلبية كبيرة من الإسرائيليين يدعمون أوكرانيا، على الرغم من أن أقلية كبيرة تعارض
تسليحها، بينما طالب آلاف المتظاهرين السلميين الحكومة الإسرائيلية باتخاذ موقف أقوى لصالح
أوكرانيا في الحرب.
علاوة على ذلك، كان الوزير السابق، ورئيس مجلس إدارة “مركز بابين يار لإحياء ذكرى
ضحايا المحرقة” والسجين السوفييتي السابق ناتان شارانسكي، من أبرز داعمي أوكرانيا منذ
بداية الحرب. وقال في هذا الإطار: “شعب أوكرانيا بحاجة إلى هذا [الدعم]، لكننا أيضاً بحاجة
إليه كجزء من العالم الحر، لأن [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين انتهك أسس العالم الحر ويريد
حرماننا من هذه الحرية”. وشارانسكي ليس وحده. فقد قال المدير العام السابق لوزارة الخارجية
الإسرائيلية، ألون ليئيل، في مقابلة أجريت معه مؤخراً، “إذا انتهت الحرب مع سيطرة الغرب،
سيتذكر الجميع أن إسرائيل رفضت أن تكون جزءاً من الجهد. وفي الواقع، نحن نخون الغرب
من خلال اتباع هذه السياسة”.
ويقيناً، أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية مشروعة. ففي الآونة الأخيرة، بدت موسكو وكأنها
تضغط على إسرائيل بشأن قدرتها على البقاء ملاذاً آمناً للمهاجرين اليهود من خلال التهديد
بإغلاق فرع “الوكالة اليهودية” (في روسيا)، في حين أشار تقرير بعد فترة وجيزة إلى أن
مقاول دفاع إسرائيلي يُزوّد أوكرانيا بأنظمة مضادة للطائرات بدون طيار عن طريق بولندا.
والأهم من ذلك، يمكن لموسكو بالفعل أن تصعّب الأمور على إسرائيل ليس فقط من خلال
الضغط على يهودها أو الحد من العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، بل أيضاً من خلال
علاقتها المتنامية مع إيران بشكل عام. وتعتمد روسيا بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة
الإيرانية في أوكرانيا، بينما تتجه العلاقة بين موسكو وطهران نحو شراكة استراتيجية.
وطيلة سنوات، اعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن روسيا قادرة على مساعدتهم في ردع العدوان
الإيراني من خلال الحدّ من عدد القوات التي تنشرها طهران في سوريا. ومن الواضح الآن أن
روسيا ليس لديها خيار سوى الاعتماد بصورة أكثر على إيران، بما في ذلك في سوريا. إن دافع
الحكومة الإسرائيلية واضح: فبالنسبة لإسرائيل، إن وجود روسيا في سوريا أفضل بكثير من
وجود إيران. ولكن الآن أكثر من أي وقت مضى، أصبحت روسيا وإيران جزئين أساسيين من

15

المنظومة الاستراتيجية نفسها. ونعم بإمكان روسيا أن تصعّب الأمور على إسرائيل، لكن لدى
إسرائيل القوة أيضاً. ومن المشكوك فيه أن تكون روسيا في حاجة إلى أزمة ثنائية كاملة أخرى
في وقت تتكبد فيه خسائر في أوكرانيا. ومن هذا المنظور، تتقاطع مصالح إسرائيل وأوكرانيا.
في عام 2015، كانت سذاجة الرئيس أوباما – باعتقاده غير الحكيم أن روسيا ستواجه مستنقعاً
عسكرياً في سوريا – هي التي سمحت لروسيا بالوصول إلى الحدود الإسرائيلية عبر سوريا في
المقام الأول. وفي نهاية المطاف، يفهم الجميع أن إسرائيل في موقف صعب حالياً. لكن هذه
دولة تأسست على قيم معينة، وهي إحدى الدول الليبرالية الحرة.
وهذا الشهر تغيّرت القيادة في إسرائيل مجدداً، مع استعادة بنيامين نتنياهو منصب رئيس
الوزراء. ونتنياهو، الذي تفاخر على مر السنين بعلاقته مع بوتين، سيكون أقل احتمالاً لتقديم
دعم كبير للأوكرانيين. وبالتالي، ستكون أوكرانيا اختباراً مهماً لموقفه الاستراتيجي. بإمكانه
التعاون مع إدارة بايدن بشكل أكبر بشأن أوكرانيا، وخاصة ستكون هناك نقاط احتكاك أخرى
بينهما. ومن جهتها، يمكن للولايات المتحدة البحث عن أساليب لمساعدة إسرائيل على تقديم
مساعدات كبيرة لأوكرانيا.
وبعد مرور ثمانية أشهر من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، لا يزال بوتين ملتزماً بتدمير هذه
البلاد. وبينما حقق الأوكرانيون نجاحات مهمة في الأسابيع الأخيرة، إلّا أن الحرب لم تنته بعد.
ويبقى مستقبل النظام العالمي الليبرالي على المحك.

المغامرة التركية الجديدة في سورية

عبد المجيد سويلم
لم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «حُرّاً» كما هو اليوم في الذهاب إلى عملية
عسكرية برّية في الشمال السوري.
حدود المغامرة في هذه العملية ستكون محكومة بحدود العملية العسكرية نفسها، وسيكون لتجاوز
بعض هذه الحدود عواقب وخيمة على العملية نفسها، وعلى وضع الرئيس التركي السياسي
والانتخابي على حدٍّ سواء.
الأرجح أن الرئيس أردوغان بات يعرف، منذ مسلسل «استدارته» الأخيرة، وبسبب حاجة كل
الأطراف إليه في ضوء نشوب واستمرار الحرب في أوكرانيا، وما ولّدته هذه الحرب من
أزماتٍ متلاحقة، مثل الطاقة، والأسمدة والحبوب، وأزمات في النقل البحري.. بات يعرف أن
أحداً من كل هذه الأطراف لا ولن يستطيع «ثنيه» عن القيام بهذه العملية العسكرية، بعد أن
«أكّدت» تركيا على مسؤولية «حزب العمال» عن تفجيرات إسطنبول، ووعدت بالردّ الكبير
عليها.
الولايات المتحدة تجد نفسها في وضعٍ حرج للغاية، بل تبدو وكأنها وقعت في مصيدةٍ كبيرة.

16

فهي إن «تخلّت» عن الأكراد ــ وهذا الفعل الشائن ليس غريباً عليها فستفقد ليس «مصداقيتها»
فقط، وإنما ــ وهذا هو الأهمّ ــ ستفقد كل مبررات وجودها في تلك المنطقة الغنية بالنفط، وهو
الأمر الذي سيجبر القيادات الكردية السورية على «عقد» تحالف سياسي وعسكري مع دمشق،
والذي سيؤدي ــ في حالة حصوله ــ إلى إعادة خلط الأوراق في هذه المنطقة «الحسّاسة» من
الشمال السوري، وخصوصاً لجهة إعادة ومعاودة النشاط العسكري لـ «داعش» بأبعاد جديدة،
وخطيرة.
والولايات المتحدة إن هي وقفت «بحزم» ضد تركيا في هذه العملية فإنها تغامر بخلق مشاكل
لها في إطار «حلف الناتو» هي ليست بحاجة لها، بل هي آخر ما ترغب في الوصول إليه.
وحتى لو أن الأمور لن تصل إلى هذا المستوى من «الخطورة» على «حلف الناتو»، أو
تماسكه الشامل فإن الولايات المتحدة تخشى على «توقف» تركيا عن مواصلة تزويدها أوكرانيا
بالطائرات المسيّرة المميزة. إضافةً طبعاً لخشية الولايات المتحدة من أن يؤدي وقوفها الحازم
ضد العملية التركية إلى «تعزيز» علاقات تركيا مع روسيا، والذهاب أبعد كثيراً من العلاقات
التركية الروسية في واقعها القائم خصوصاً أن أيّ درجةٍ من الميل التركي نحو موسكو، ومهما
كان محدوداً فإنه سيلحق بأميركا و»الناتو» ودول الاتحاد الأوروبي اللصيقة بالولايات المتحدة
أضراراً بالغة وخطيرة.
وروسيا من ناحيتها، أيضاً، تحاول «إقناع» تركيا بالعدول عن هذه العملية، لكنها لا تملك
الأوراق الكافية لمنعها من الإقدام عليها، وذلك لأن تركيا ما زالت النافذة الغربية الوحيدة
لـ»اتفاقية الحبوب»، و»مشروع تجميع الغاز الروسي»، وتزويد تركيا بالمزيد من المنظومات
العسكرية المتطوّرة، خصوصاً إذا قرّر «الجمهوريون» وقف صفقة بيع الطائرات الأميركية
الحديثة لها.
وروسيا تدرك أن العملية العسكرية البرية في الشمال السوري ستعني إعادة مشاغلة القوات
السورية مع «داعش»، وزجّ الفصائل المسلحة في بعض مناطق إدلب في مساندة القوات
التركية، وربما تسليم هذه الفصائل مهمات جديدة في «حماية» الحدود التركية، وفي تأمين ما
يشبه المنطقة العازلة في بعض مناطق الشمال السوري، ما سيعني أن سلاح الجو الروسي
سيعود للعمل النشط من جديد، وسيتم «تأجيل» كل المبادرات السياسية للحل السياسي إلى أجلٍ
أو آجالٍ جديدة من شأنها قطع الطريق على رغبة موسكو بالإسراع في الوصول إليها.
كما أن روسيا تراهن على الدور التركي في «تنظيم» المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا عندما
يحين أوانها، والتي تجمع الأوساط كلها تقريباً على اقتراب البدء بها، بعدما يئس الغرب من
تغيير مسار هذه الحرب، وبعدما وصلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا تحديداً
إلى حافّة الخطر، إن لم نقل إلى حافّة الهاوية. بل إن أوروبا نفسها لا تستطيع «الاستغناء» عن
الدور التركي في المستقبل السياسي للحل بعد توقف الحرب.
وبالرغم من أن «ضرر» العملية العسكرية البرّية على كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا
وروسيا يكاد يكون متساوياً إلّا أن معارضة روسيا للعملية لا تبدو مساوية للمعارضة الأميركية
والأوروبية. وتفسير هذا الأمر يكمن أساساً في أن «الأزمة» المنتظرة في العلاقات التركية
الأميركية أكبر بكثير من حجم الاعتراضات الروسية على هذه العملية.
بصرف النظر عن كل هذه التعارضات والمفارقات والاختلافات في مصالح كل الأطراف فإن
تركيا تبدو مصمّمة على «فرض» وقائع «جغرافية» عسكرية تقطع الطريق نهائياً على
التواصل الكردي، وتضع حدّاً فارقاً وجذرياً للطموحات «الكردية» السورية والعراقية والتركية
والإيرانية على حدٍّ سواء.

تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات مميّزة مع أكراد العراق، وبعلاقات خاصة بأكراد سورية، ولها
علاقات «أمنية» مع أكراد إيران، وليس هناك ما يشير إلى أن علاقاتها بأكراد تركيا على أيّ
درجة مهمة أو خاصة. ولا تملك روسيا مثل هذه العلاقات مع الأطراف الكردية المختلفة، في
حين أن العلاقات الأوروبية مع هذه الأطراف الكردية تكاد تكون نسخةً مخفّفة من العلاقات
الأميركية بهذه الأطراف الكردية، لكن المهم هنا أن الدولة التركية ــ بصرف النظر عن النظام
السياسي فيها، والدولة الإيرانية، بصرف النظر عن النظام السياسي فيها ــ هما من وجهة النظر
الاستراتيجية ضد أيّ تواصل أو اتصال حقيقي أو فعّال بين الأطراف الكردية كلها، وهما
تخشيان حتى وإن كانت الخشية التركية أكبر من الإيرانية، تخشيان هذا التواصل وتعتبرانه
خطراً وجودياً وتهديداً مباشراً لوحدة الدولتين.
يختلف الأمر في سورية والعراق لجهة أن أكراد العراق تاريخياً تحصلوا على حكم ذاتي واسع
معترف به من قبل الدولة العراقية قبل سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، وعلى «حكم
ذاتي» أوسع كثيراً من «الحكم الذاتي» المعترف به بعد سقوط النظام.
في سورية لا يوجد ما هو أبعد من بعض السمات الثقافية لـ»الحكم الذاتي»، ولولا الوجود
الأميركي في المنطقة لما كانت قضية الكرد في سورية مطروحة بهذا المستوى أصلاً.
أمام كل هذه الحقائق والوقائع فإن تركيا تشعر بأن لديها الآن فرصة لن تتكرّر لتحقيق
«طموحاتها» في الأراضي السورية، وسيطرتها على مناطق واسعة من الشمال السوري، إن لم
يكن للاحتفاظ بها، فللمساومة بها عندما يحين أوان الحلّ السياسي في سورية، وإلى أن يتم ذلك
فإن تركيا ستمنع الأكراد السوريين، وحتى الأكراد العراقيين من «إيواء» «حزب العمال» في
مناطقهم، وستمنع بالقوة العسكرية التواصل الجغرافي والديمغرافي بين الأكراد تماماً كما
ستحاول إيران منع تواصل الأكراد العراقيين بالأكراد الإيرانيين.
باختصار، ترى تركيا، وكذلك إيران أن العصر «الذهبي الأميركي» للأكراد قد انتهى، وأن
أميركا لم تعد قادرة على حماية أحد في هذه المنطقة باستثناء حماية إسرائيل، التي تسلم بها
تركيا، ولا تسلم بها إيران علنياً.
إذا شعرت أميركا أن العملية العسكرية التركية ستلوي ذراع الولايات المتحدة فإنها سترد على
أردوغان في الانتخابات، ولديها الوسائل الكافية لذلك.
وإذا تمادى أردوغان في العملية فإن قواته ستتعرض لـ»حرب عصابات» لن يتمكن مطلقاً من
الانتصار فيها، وستتحول العملية إلى أكبر من مجرد حملة انتخابية، وقد تصل الأمور إلى
ورطة قاتلة.
كل الأطراف ستراقب درجة الحذر التركي وحدود العملية قبل أن تتخذ الموقف النهائي منها.
وإلى حينه، فإن أردوغان هو المطالب بدقة الحسابات قبل غيره، لأن الحروب ليست سبباً كافياً
لربح الانتخابات، كما أنها ليست مجرد فرصة.

18

القمة الأميركية – الصينية: هدنة أم تفاهمات استراتيجية؟

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
عقد الرئيسان الأميركي جو بايدن، والصيني شي جين بينغ، قمة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر
2022 في بالي في إندونيسيا، على هامش قمة مجموعة العشرين. وتُعد الأولى التي يعقدها
الرئيسان وجهًا لوجه منذ أن تولّى بايدن الرئاسة مطلع عام 2021. وتعهّد الطرفان بالعمل معًا
على إدارة العلاقات الثنائية على نحو سلمي، والسعي لتطويرها والحيلولة دون تحوّل المنافسة
بينهما إلى صراع و”حرب باردة جديدة”. وناقشا، على مدى ثلاث ساعات، مجالات التعاون
المشتركة لمواجهة التحديات العالمية، كالتغيرات المناخية والأمن الغذائي، واتفقا على إعادة
تفعيل قنوات التواصل بينهما على مستوى كبار المسؤولين من الجانبين.
سياق القمة
تمرّ العلاقات الأميركية – الصينية، في السنوات الأخيرة، بحالة من التوتر بسبب جملة من
الملفات الخلافية، تشمل تايوان التي تعمَّق الخلاف بشأنها بعد أن زارتها رئيسة مجلس النواب
الأميركي، نانسي بيلوسي، في آب/ أغسطس 2022، والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي،
وقضايا التعريفات الجمركية والعقوبات المتبادلة، والأمن السيبراني، واتهام كل طرف الآخر
بمحاولة فرض الهيمنة في بحر الصين الجنوبي وشرق آسيا، خصوصًا، وعدم احترام “قواعد
اللعب الدولي العادلة”[1]. ومن جهتها، تتهم الولاياتُ المتحدة الأميركية الصينَ بالتعاطف مع
روسيا عبر رفضها إدانة غزوها لأوكرانيا بوضوح. وقد أثار التوتر المتصاعد بين الدولتين،
خصوصًا بعد قرار الصين قطع الاتصالات الرفيعة المستوى مع الولايات المتحدة بعد زيارة
بيلوسي لتايوان، مخاوف من نشوب صراع بينهما بسبب جزيرة تايوان، لا سيما مع قيام
الطرفين بالتحشيد العسكري في المنطقة.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت، في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، حظرًا على تصدير
بعض تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، ضمن عقوبات مصمّمة لإبطاء تقدّم
قطاعاتها التكنولوجية الحيوية، مثل التحديث العسكري والذكاء الاصطناعي[2]. وفي حين ترى
الولايات المتحدة أن الصين تسعى لفرض هيمنة اقتصادية على العالم عبر الإكراه[3]، ترى
الصين أن الولايات المتحدة تسعى لاحتواء الصين وكبح صعودها الدولي، من خلال عرقلة
نموها وتقدمها، والتعرض لوحدتها الوطنية مع تايوان، والتدخل في شؤونها الداخلية عبر
دعاوى انتهاك حقوق الإنسان[4].

19

في هذا السياق، جاءت القمة بين رئيسَي البلدين في محاولة منهما لتحقيق قدر من الاستقرار في
علاقة ينحدر مسارها[5]. لذلك، كان هدف إدارة بايدن من القمة هو كبح التدهور؛ بحيث لا
تخرج العلاقات الثنائية من “المنافسة إلى الصراع”[6]، وهو ما عبّر عنه بمنع “حرب باردة
جديدة”[7]. وهي الغاية نفسها التي سعى الرئيس الصيني شي جين بينغ لتحقيقها، بتأكيده على
التزامه بإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة في كل المجالات، وتشديده على أن
كلا البلدين يتشاركان مسؤولية “إدارة خلافاتهما، والحيلولة دون تحوّل المنافسة إلى صراع،
وإيجاد سبل للعمل معًا في القضايا العالمية الملحّة التي تتطلب تعاونًا متبادلًا”[8].
وقد جاءت القمة في أعقاب تصويت الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، في تشرين الأول/ أكتوبر
2022، على منح شي جين بينغ ولاية رئاسية ثالثة، في سابقة جعلت منه الزعيم الصيني
الأقوى منذ مؤسس جمهورية الصين الشعبية، ماو تسي تونغ. وفي المقابل، تجنّب الديمقراطيون
هزيمة كبرى في الانتخابات النصفية الأميركية، توقعتها لهم غالبية استطلاعات الرأي، وهو ما
عزز موقف بايدن التفاوضي مع الصين[9].
قضايا القمة
لم يصدر بيان ختامي مشترك عن القمة، بل صدرت بيانات منفصلة تناولت الملفات التي جرى
التطرق إليها. وجاء البيان الأميركي أكثر تفصيلًا لناحية القضايا التي جرى التباحث فيها؛ إذ
بحسبه، وكذلك تصريحات بايدن، ناقش الطرفان مسائل تغير المناخ، واستقرار الاقتصاد
العالمي، بما في ذلك الإعفاء من الديون، والأمنين الصحي والغذائي[10]. وأثار بايدن، بحسب
الرواية الأميركية، “مخاوف بشأن ممارسات جمهورية الصين الشعبية في شينجيانغ والتبت
وهونغ كونغ، وحول حقوق الإنسان عمومًا”[11]. وتصرّ الصين على أن هذه القضايا “شؤون
داخلية”، وتحذّر من “التدخل الخارجي” فيها[12]. وأشار بايدن، أيضًا، إلى أنه شدد على أن
تعمل الصين على المساعدة في لجم النشاط الصاروخي والنووي لكوريا الشمالية، الذي يزعزع
الاستقرار في منطقة المحيط الهادئ، ويدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات دفاعية عن
أمنها القومي وأمن حلفائها في المنطقة[13]. وفي موضوع الغزو الروسي لأوكرانيا، قال بايدن
إن الولايات المتحدة والصين أكدتا “مجددًا على إيمانهما المشترك بأنه من غير المقبول على
الإطلاق التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها”[14]. لكن لم يَرِد أيٌّ من هذه القضايا
والتفاصيل في البيان الصيني، باستثناء الإشارة إلى أن “الصين مهتمة جدًّا بالوضع الحالي في
أوكرانيا”[15].
وفيما يتعلق بتايوان، أعاد بايدن تأكيد التزام بلاده بـ “سياسة صين واحدة”، مع التشديد على أن
الولايات المتحدة تعارض أيّ تغييرات أحادية الجانب للوضع الراهن من الجانبين. وتقول
الولايات المتحدة إن بايدن حذّر شي جين بينغ من أن “الإجراءات القسرية والعدوانية المتزايدة”
التي تتخذها الصين تجاه تايوان تقوّض السلام والاستقرار في المنطقة وتعرّض الازدهار
العالمي للخطر[16]. أما رواية الصين، فتقول إن ردّ شي جين بينغ كان قاطعًا، ومفاده أن
“قضية تايوان هي في صميم المصالح الجوهرية للصين، والأساس السياسي الراسخ للعلاقات
الصينية – الأميركية، والخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه”[17]. وعلى الرغم من تأكيد بايدن
أنه لا يعتقد “أن هناك محاولة وشيكة من جانب الصين لغزو تايوان”[18]، فإن شي جين بينغ
شدد على مواصلة “الكفاح من أجل إعادة التوحيد السلمي [لتايوان مع الصين] بأكبر قدر من
الإخلاص وبأقصى جهد”، وأضاف إلى ذلك قوله: “لكننا لن نَعِد أبدًا بالتخلي عن استخدام
القوة”[19].
وعلى الرغم من عدم وضوح تفاصيل ما جرى التباحث فيه بين الطرفين، فإنهما اتفقا على
قضيتين: الأولى، استئناف محادثات المناخ التي جُمِّدت بعد زيارة بيلوسي لتايوان في آب/
أغسطس 2022. والثانية، إعادة فتح خطوط التواصل بين كبار مسؤولَي البلدين، التي توقفت،

20

أيضًا، في آب/ أغسطس الماضي[20]. وسيُجري وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن،
زيارة لبيجين مطلع العام القادم لمتابعة الملفات التي ناقشها الرئيسان في قمتهما، فضلًا عن
توافق البلدين على موقف مشترك ضد استخدام روسيا للسلاح النووي في أوكرانيا[21].
هدنة أم تسوية؟
يرى البعض أن تأمين شي جين بينغ لعهدة رئاسية ثالثة خفّف من حاجته إلى تبنّي نبرة أكثر
حدة نحو الولايات المتحدة، وأسهم في ذلك أيضًا تعثّر الحليف الروسي في أوكرانيا. وبحسب
هذه الرؤية، فإن الرئيس الصيني لا يريد أن يجد نفسه في عزلة دبلوماسية على غرار نظيره
الروسي، فلاديمير بوتين، الذي فوّت حضور قمة مجموعة العشرين[22]. ولكنّ الأمر الأهم هو
أن طبيعة الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على التجارة العالمية (مع الغرب تحديدًا) تدفع الصين
إلى عدم الانجرار إلى التصعيد وتوتير العلاقات مع الشركاء التجاريين لأسباب لا تتعلق بأمنها
القومي. وتجد الصين نفسها في موقف صعب في مساعيها للموازنة بين تحالفها “بلا حدود” مع
روسيا لمناهضة الولايات المتحدة وأوروبا، من جهة، ومحاولاتها عدم الدخول في مواجهة
معهما، خصوصًا وهي تحاول التعافي اقتصاديًا بعد ثلاث سنوات من قيود جائحة فيروس
كورونا المستجد (كوفيد-19)، من جهة أخرى.
تدرك الولايات المتحدة حسابات الصين المتناقضة في هذا السياق، وخصوصًا أن الأخيرة، القلقة
من توسع النفوذ الغربي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقًا، تُقيّم التراجع الروسي
المطّرد في أوكرانيا من جراء الدعم الغربي الكبير لحكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير
زيلينسكي، وتحاول أن تأخذ عِبرًا من ذلك إنْ دُفعت إلى غزو تايوان عسكريًا[23]. وقد حاول
بايدن، من خلال إشارته إلى أن الصين لا تكنّ قدرًا كبيرًا من الاحترام لبوتين أو لروسيا،
توسيع الفجوات في العلاقة بين الصين وروسيا، كما فعلت إدارة الرئيس الأسبق، ريتشارد
نيكسون، في سبعينيات القرن العشرين، بين الاتحاد السوفياتي والصين. ويبدو أن الاستراتيجية
الأميركية تحقق نجاحًا؛ إذ تعمل الصين على إيجاد مسافة بينها وبين روسيا. فقد وقّعت الصين
على بيان مجموعة العشرين في بالي، الذي أشار إلى أن “معظم الأعضاء يدينون بشدة الحرب
في أوكرانيا”[24]، وهي لغة صيغت بحذر لكي تُعفي دولًا، مثل الصين، من تحمّل مسؤولية
هذا الموقف، في الوقت الذي لم تسعَ فيه الصين إلى منع صدروه. وكان رئيس الوزراء
الصيني، لي كه تشيانغ، قد انتقد في قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في كمبوديا، قبل
يوم واحد من قمة مجموعة العشرين، “عدم مسؤولية” إطلاق تهديدات نووية، وهو الأمر الذي
فسّره الأميركيون بأنه انتقاد ضمني للحليف الروسي. ومع ذلك، وفي سياق التوازنات، كان
وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، هو الدبلوماسي الوحيد في مجموعة العشرين الذي التقى
رسميًا بنظيره الروسي، سيرغي لافروف. ويعتزم شي جين بينغ زيارة موسكو في آذار/ مارس
2023[25].
خاتمة
على الرغم من أن القمة الأميركية – الصينية نجحت في تخفيف حدة الاحتقان بين الطرفين،
فإن أسباب التوتر ما زالت قائمة؛ تايوان، والتنافس التكنولوجي والاقتصادي والعسكري، وسعي
الصين لكي تكون القوة الأبرز آسيويًا ثمّ عالميًا، وهو ما يصطدم بإصرار الولايات المتحدة على
البقاء القوة الأولى آسيويًا وعالميًا[26]. ومن ثمّ، فقد تكون هذه القمة هدنة أكثر منها تفاهمات
استراتيجية لإنهاء الخلاف بين الطرفين، ومحاولة لمنع انزلاق الوضع في بحر الصين الجنوبي
إلى معركة بحرية بينهما.

21

حقبة إستراتيجية جديدة قد بدأت

سنية الحسيني
يتفق صانعو القرار في الولايات المتحدة اليوم من جمهوريين وديمقراطيين على موقف
بلادهم من الصين وأوكرانيا.
اعتُبر اللقاء الذي جمع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي جو بايدن وجهاً لوجه
على هامش اجتماعات قمة العشرين الأخيرة منتصف الشهر الجاري، نادراً ومحفزاً، في أول
لقاء مباشر بين الرجلين بعد وصول الأخير للحكم، في ظل تصاعد أوجه المواجهة بين البلدين،
وتطورات زيارة رئيسة مجلس النواب إلى تايوان في شهر آب الماضي، وما حمله ذلك من
بوادر أزمة محتملة، لدرجة جعلت عدداً من المحللين الأميركيين يعتبرون بأن الحرب مع
الصين أمر لا مفر منه. وتتصدى إدارة الرئيس الأميركي بايدن بقوة للهجوم الروسي على
أوكرانيا، وتقف رأس حربة لجميع القوى الغربية في هذه المواجهة مع روسيا. وتتواجه
واشنطن اليوم مع كل من روسيا والصين بشكل معلن وفي وقت واحد، في سبيل الحفاظ على
بنية النظام الدولي القائم بقيادتها، والذي ترفضه هاتان الدولتان وتعمل على تعديله، وذلك من
خلال إجبار الآخرين على الاعتراف بهما كقوى قطبية موجودة اليوم في الساحة الدولية إلى
جانب الولايات المتحدة. وتمتلك الصين وروسيا حق النقض الدولي في مجلس الأمن وسلاح

22

الردع النووي تماماً مثل الولايات المتحدة، كما تحتفظان بالمركز الثاني والثالث عسكرياً،
وتنافسان على المستوى الاقتصادي على نطاق عالمي واسع. اختارت الولايات المتحدة، خلال
الحرب الباردة، الاقتراب من الصين لمواجهة الاتحاد السوفييتي، الا انه في ظل وجود قوتين
قطبيتين متنافستين اليوم، يبدو الأمر أشد تعقيداً خصوصاً مع اعتبار الولايات المتحدة للصين
المنافس الأول لها، ومعاداتها الصريحة لروسيا في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية،
بانكشاف التوجهات وتبلور التحالفات واشتداد حدة الاستقطابات. والسؤال الذي نطرحه هنا..
كيف يمكن لواشنطن أن تواجه خصمين من القوى العظمى، يعملان على تغيير بنية النظام
الدولي لغير صالحها، بدون الذهاب لحرب نووية مدمرة؟
هناك العديد من المؤشرات على أن حقبة استراتيجية جديدة قد بدأت، تتميز بالصراع والمواجهة
المباشرة بين أقطاب المجتمع الدولي. ومن أهم تلك المؤشرات على هذا الواقع الجديد تلك
الوثائق الاستراتيجية التي تصدر عن تلك القوى. وتعتبر الولايات المتحدة الصين منافساً
استراتيجياً لمكانتها منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، الأمر الذي تطلب إعادة
لرسم الاستراتيجية الخارجية في عهده بالإعلان عن «الالتفاف نحو آسيا»، وهو ما التزم به من
خلفوه. واعتبرت استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيس جو بايدن، والتي صدرت في شهر
تشرين الأول الماضي، بأن روسيا تمثل تهديداً مباشراً للنظام الدولي، في حين تمثل الصين
المنافس الوحيد الذي لديه النية والقوة لإعادة تشكيل هذا النظام، وتبعاً لذلك تخطت الميزانية
الأميركية الخاصة بالدفاع لعام 2023، 773 مليار دولار، في تطور كمي كبير.
وتعوّل الولايات المتحدة على الحلفاء الغربيين، الذين يمنحونها ميزة سياسية واقتصادية
وعسكرية مشتركة تجعلها تتفوق على القوة الصينية والروسية مجتمعة. كما تعتمد الولايات
المتحدة على نظام التحالفات، والذي بدأت تنسجه منذ سنوات، على رأسها بالطبع حلف الناتو،
واتفاقية مشاركة تكنولوجيا الدفاع التي ضمت الى جانبها كل من أستراليا والمملكة المتحدة،
والمعروفة باسم AUKUS، وكذلك تنظيمها لمحور أمني آخر يضم في قارة آسيا إلى جانبها
أستراليا والهند واليابان. وكشف قادة حلف الناتو خلال قمة مدريد في حزيران الماضي عن
توجهاتهم الاستراتيجية من خلال بيانهم المشترك، الذي تعهدوا فيه بإنفاق المزيد من الأموال
لتأمين الدفاع عن القارة. واحتلت روسيا مركز الصدارة في الوثيقة الأوروبية، التي اعتبرت أن
موسكو تشكل تهديدًا واضحًا لهم، وتعهدت باستمرار الوفاء بالتزاماتهم تجاه أوكرانيا. الا أن
روسيا لم تمثل وحدها التهديد الرئيس لدول الحلف، فلأول مرة، وتجاوباً مع الرؤية الأميركية،
اعتبر قادة الحلف أن الصين تشكل «تحديات منهجية» على أمنهم.
ويتفق صانعو القرار في الولايات المتحدة اليوم من جمهوريين وديمقراطيين على موقف بلادهم
من الصين وأوكرانيا. ويدعم الديمقراطيون عموماً أوكرانيا في حربها مع روسيا، على الرغم
من تصاعد بعض الأصوات الديمقراطية مؤخراً الداعية لخفض هذا الدعم، والتي تجلت في
رسالة التكتل التقدمي في الكونغرس التي دعت لمتابعة المحادثات المباشرة مع روسيا لإنهاء
الحرب. وحول موقف الحزب الجمهوري من دعم أوكرانيا، ورغم التوجه العام للحزب
بالانعزالية وعدم التدخل في الشأن الخارجي، يدعم الجمهوريون موقف الإدارة عموماً سواء
على المستوى القيادي أو الشعبي، وإن كشف التصويت الأخير في مجلس الشيوخ واستطلاعات
الرأي الأخيرة انخفاض حدة هذا الدعم. كما يشير تصويت شهر تموز في مجلس الشيوخ حول
انضمام فنلندا والسويد لحلف الناتو، إلى تأييد الجمهوريين للحلف والتزام بلادهم تجاهه، وهو ما
يعكس أيضاً موقف جميع المرشحين المحتملين للرئاسة من الجمهوريين، باستثناء الرئيس
السابق دونالد ترامب. إن ذلك ينبئ باستمرار سياسة بايدن ومن سبقوه تجاه التزامات الولايات
المتحدة بحلف الناتو، باستثناء ترامب، الذي سيقود وصوله للحكم الى تغيّرات ملموسة في
السياسة الخارجية. ويتفق القادة الأميركيون من جمهوريين وديمقراطيين حول الصين واتخاذ

23

الولايات المتحدة مواقف حازمة تجاهها، ويمتد هذا التوافق إلى الشارع الأميركي نفسه. وتفضل
أغلبية كبيرة من الأميركيين اتخاذ بلادهم سياسة قوية تجاه الصين ودعماً أقوى لتايوان، حسب
استطلاعات الرأي، والتي تشير أيضاً إلى اعتبار الغالبية منهم بأن الصين «عدو».
حقق شي جين بينغ الرئيس الصيني والأمين العام للحزب الشيوعي في بلده نصراً في المؤتمر
العشرين للحزب، منتصف شهر تشرين الأول الماضي، الأمر الذي مكنه من الحصول على
ولاية رئاسية ثالثة لخمس سنوات قادمة. في هذا المؤتمر ملأ الرئيس الصيني المكتب السياسي
ولجنته الدائمة بالموالين لتوجهاته، التي حددها في هذا المؤتمر. ويعتبر شي رجلاً أيديولوجياً
يؤمن بالفكر الماركسي والقومي حتى النخاع، ولا يهتم كثيراً بالفكر البراغماتي الذي أسس له
الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ قبل 44 عاماً، والذي حمل عهده شعار «الإصلاح والانفتاح»،
وقرب الصين من الممارسات الاقتصادية الغربية. وركز شي خطابه في المؤتمر على القومية
الصينية والأمن القومي، في ظل تأكيده على وجود وضع دولي حالي خطير ومعقد، داعياً
لضرورة الاستعداد للأخطار القادمة والتي وصفها بـ «العاصفة الخطيرة». يدعم ذلك
تصريحات سابقة له أكدت على ضرورة وجود أجندة أمنية شاملة أيديولوجية وسياسية
واقتصادية واستراتيجية. واعتبر شي في خطابه أن استعادة تايوان أمر بالغ الأهمية بهدف تجديد
شباب الصين الوطني، والذي يسعى لإنجازه عام 2049 في الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية
الصين الشعبية. ورغم ذلك لم يضع شي جدولاً زمنياً لاسترجاع تايوان، الا أن الإنفاق الصيني
على الجانب العسكري بلغ ذروته باقترابه اليوم من 230 مليار دولار، ثاني أكبر ميزانية
عسكرية بعد الولايات المتحدة، الأمر الذي يتفق مع خطاب شي ويدق ناقوساً للخطر.
تُسخّر روسيا جميع أدوات القوة التي تملكها لتحقيق أهدافها في أوكرانيا، خصوصاً وأن النخب
الروسية ترى أن هذه الحرب تأتي للحفاظ على الذات وليست من أجل التمدد، والانطباع السائد
بتكالب جميع القوى الغربية ضد روسيا، وهدد بوتين بتخطي العتبة النووية إن أُجبر على ذلك
في هذه الحرب. ويدعو مسؤولون أميركيون للاعتراف بتايوان دولة مستقلة ذات سيادة، الأمر
الذي سيجعل الحرب مع الصين حتمية. إن محاولات واشنطن الاحتفاظ بنظام دولي بقيادتها
وبدعم غربي لا يعطيها الحق بالمخاطرة بأرواح ملايين من البشر، خصوصاً وأن انهيار
المنظومة الدولية يتوقف اليوم على سياساتها. إن وصول العالم لحرب نووية، وهو سلاح وجد
في الأصل للردع لا للاستخدام، لا يعد في مصلحة النظام الدولي ودول وشعوب العالم غربية
كانت أو شرقية، كما لا يضمن ذلك أيضاً للولايات المتحدة البقاء على رأس هرم النظام الدولي.

24

انتخابات تايوان لا تبعد شبح الغزو الصيني

فاز حفيد مؤسس حزب “كومينتانغ” برئاسة بلدية تايبيه (سام ييه/فرانس برس)
أثارت نتائج الانتخابات المحلية في تايوان، والتي أجريت أول من أمس السبت، تساؤلات عدة،
حول ما إذا كان فوز حزب المعارضة الرئيسي، “كومينتانغ”، الذي يدعم توثيق العلاقات مع
الصين، يعكس مزاجاً عاماً لدى الناخبين، سينسحب على الانتخابات التشريعية والرئاسية
المقرّرة في عام 2024.
كما تدور تساؤلات حول موقف هذا الحزب، الذي فاز حفيد مؤسسه شيانغ كاي تشيك، شيانغ
وان أن، برئاسة بلدية العاصمة تايبيه، أخيراً، تجاه عزم الصين، استرداد تايوان ولو بالقوة، ما
أفضى إلى عسكرة متزايدة في مضيق تايوان، وسط كل الخطط التي تتردد في الغرب حول
تحضيرات الحزب الشيوعي الصيني لاجتياح الجزيرة، وتعزيزه قدراته الهجومية.
ترحيب صيني بنتائج انتخابات تايوان
وتحوّل الاهتمام حول تايوان، إلى انتخابات الرئاسة، إثر الهزيمة التي تعرض لها الحزب
الديمقراطي التقدمي الحاكم في الانتخابات المحلية التي جرت السبت الماضي، والتي دفعت
رئيسة البلاد تساي إينغ وين إلى تقديم استقالتها من رئاسة الحزب.
وألقى المتابعون للشأن التايواني، باللوم على تساي في الهزيمة، بعدما جعلت من تحدي الصين
العنوان الأبرز لحملة الانتخابات، فيما كانت هموم الناخبين تنصب على الشأن الداخلي. وأدى
ذلك إلى فوز “كومينتانغ” في انتخابات رئاسة البلديات والمقاطعات بحصوله على 13 مقعداً من
أصل 21 مقعداً.
يدعم “كومينتانغ” تقليدياً إقامة علاقات وثيقة مع الصين، لكنه ينفي بشدة أن يكون مؤيداً لبكين
وجاءت النتائج شبيهة لتلك التي أفرزتها الانتخابات المحلية في تايوان عام 2018، علماً أن
الرئاسيات التي تلتها لم تحمل الـ”كومينتانغ” إلى السلطة.
ويدعم “كومينتانغ” تقليدياً إقامة علاقات وثيقة مع الصين، لكنه ينفي بشدة أن يكون مؤيداً لبكين.
وكان هذا الحزب قد تراجع منذ 2020 وواجه ضربة في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد
فشل 4 استفتاءات دافع عنها لإظهار عدم الثقة في الحكومة.
ولم يتأخر مكتب شؤون تايوان في الصين، في التعليق على النتائج، معتبراً أنها أظهرت “أن
التوجه الرئيسي للرأي العام في الجزيرة هو للسلام والاستقرار والحياة الهانئة”. وأضاف

25

المكتب في بيان أن بكين “ستواصل العمل مع شعب تايوان في توطيد علاقات السلام،
ومعارضة استقلال الجزيرة، والتدخل الأجنبي بحزم”.
وجاءت نتائج الانتخابات المحلية في تايوان، رغم رفع بكين مستوى تهديداتها حيال الجزيرة،
وجعل مسألة استعادة الوحدة معها “خطاً أحمر”، ما قادها إلى إجراء مناورات غير مسبوقة
بمضيق تايوان في أغسطس/آب الماضي، رداً على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي
نانسي بيلوسي إلى الجزيرة في الشهر ذاته.
وتطالب بكين واشنطن بالكف عن التدخل في الشأن الداخلي الصيني، الذي تعتبر تايوان جزءاً
منه، فيما تعمل الولايات المتحدة على زيادة الدعم العسكري لتايوان، لكنها تردد أنها لا تزال
تعتمد سياسة “الصين الواحدة” و”الغموض الاستراتيجي” حيال موقفها إذا ما قام الجيش الصيني
باجتياح الجزيرة.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ، قد أكد خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر/
تشرين الأول الماضي، والذي ضمن له ولاية ثالثة، أن “دواليب التاريخ تدور باتجاه إعادة
التوحيد”، وأن بكين “لن تتخلى أبداً عن إمكانية استخدام القوم لاستعادة تايوان”.
وتعالت التحذيرات في واشنطن منذ وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، من قرب استخدام
الصين القوة حيال تايوان، وحذّرت الاستخبارات الأميركية في سبتمبر/أيلول الماضي، من أن
شي “أبلغ جيشه أنه بحلول عام 2027، يجب أن يكون قادراً على السيطرة على تايوان بالقوة،
إذا احتاجت الصين لذلك”.
خطة لغزو الجزيرة
ومع ارتفاع التهديدات الصينية، تتوالى أيضاً التقارير التي تتحدث عن استراتيجية الصين
العسكرية لهذه “الاستعادة”. وأعادت صحيفة “لوموند” الفرنسية الإضاءة على كتاب الخبير
الأميركي في مركز “مشروع 2049” البحثي في الولايات المتحدة، إيان إيستون، الصادر عام
2019، بعد تحليله مئات الوثائق للجيش الصيني التي تتضمن خططه للاجتياح.
يرى الجيش الصيني أن أي اجتياح سيكون طويلاً ودموياً
وحمل الكتاب عنوان “خطر الاجتياح الصيني: الدفاع التايواني واستراتيجية أميركا في آسيا”،
وقال فيه إيستون إن “الجيش الصيني يهجس بخطة للاجتياح، يتدرب عليها يومياً وهي “الحملة
المتداخلة لجيوشه (البرّية والبحرية والجوية)، للهجوم على الجزيرة”. ولفت إلى أن الخطة
“يجري تحديثها يومياً وتتمتع بمركزية عالية”.
وبحسب الكتاب، فإن بكين تتحضر لأن يبدي “الأعداء الانفصاليون”، في الجزيرة، “مقاومة
هائلة” لها، ولذلك فإن ضباط الجيش الصيني “قد أُعلموا بأنها وحدها حملة عسكرية ضخمة
ستسمح بالسيطرة على تايوان”. واعتبر أن “العملية بنظر الصينيين ستكون صعبة وطويلة
ودموية”. وفي إعلام الطب العسكري الصيني، قرأ الكاتب أن “الوحدات ستكون معرّضة
لمشاهد فظيعة من المذابح والقصف والمعارك العنيفة”.
وشرح إيستون أن الجيش الصيني يعتزم زجّ بين 300 ألف ومليون جندي لتنفيذ الاجتياح.
ويتضمن، بحسب الوثائق التي اطلع عليها، 3 مراحل تمتد على أسبوعين قبل السيطرة على
تايبيه. تقوم المرحلة الأولى على الحصار والقصف، تسبقها هجمات سيبرانية، على أن تقوم
وحدات حرب إلكترونية صينية بمهاجمة الأقمار الاصطناعية الأميركية في الهادئ. وقال إن
القوات الصينية، وفق الخطة، عليها أن تقوم بما لم تتمكن روسيا من فعله في أوكرانيا، وهو
“السيطرة على السماء”.

26

وتقوم المرحلة الثانية بالإنزال البري، وتبدأ بجزيرتي كينمين وماتسو الصغيرتين، قبل السيطرة
على أرخبيل بينغو. وتتوقع المرحلة الثالثة أن تتمكن القوات الصينية البرّية من العمل في
الجزيرة كوحدات متفرقة، بدعم جوي. ولفت إلى أنه سيكون هناك 14 شاطئاً فقط للإنزال
البري، علماً أن أحوال الطقس والجغرافيا، تسمح لهم بأن يكون أفضل وقت للغزو، هو في شهر
إبريل/نيسان أو أكتوبر.

يعيدون للأذهان إرثا أوروبيا استعماريا.. هجوم عنيف في مصر على البرلمان

الأوروبي

المصدر: RT
وقال مجلس الشيوخ المصري في بيان له: ” كان هذا القرار ليس بغريب على البرلمان
الأوروبي في السنوات الأخيرة، والذي يتبنى – دوماً – مواقف وسياسات تستند على مفاهيم هشة
ومغلوطة، ومحاولة الادِّعاء بامتلاكه السلطة لتقييم ومحاسبة الآخرين خارج حدود أعضائه،
بالمخالفة للقواعد والأعراف الدولية”.
وتابع المجلس: “للأسف الشديد، فهي سياسات عفا عليها الزمن، وتعيد للأذهان إرثا أوروبيا
استعماريا، ولا تكشف سوى عن رغبة خفية لديه في نشر ثقافة حضارة بعينها، وهذه أمور لن
تقبل أي دولة حرة بالرضوخ لها؛ لا سيما مصر الأبية”.
واستنكر مجلس الشيوخ المصري، رافضا بأشد العبارات، وأقسى المعاني، هذا القرار الذي
اندفع وراء ادعاءات جاءت في الأصل بهدف ترويج مزاعم خاطئة عن ملف حقوق الإنسان في
مصر، ذلك الملف الذي يخطو خطوات واثقة نحو التمكين التام لحقوق المواطنين جميعاً، وهو
ما يقوض أحقية صدوره ومصداقيته. “كما يرفض المجلس تلك الوصاية غير الشرعية، وذلك
التدخل السافر في الشأن المصري الداخلي، الذي يتنافي مع كل الأعراف الدولية”.
ويؤكد المجلس أن مصر – على الدوام – تحترم جميع التزاماتها التعاهدية، وعلى رأس ذلك،
احترامها للشأن الداخلي لأي دولة، إيماناً منها بميثاق الأمم المتحدة، فهو أمر يمثل أهمية عظمى
للمحافظة على الأمن والسلم الدوليين، ولتحقيق مقاصد ومبادئ الميثاق. وإن مجلس الشيوخ
يتضامن مؤيداً ومؤكداً على كل ما صدر فى بيان مجلس النواب المصري رداً على هذه
الافتراءات الكاذبة التي احتواها هذا القرار غير الصائب، بل وغير الحكيم.
وتابع البيان: “ما ينتابنا جميعا من حالة استياء شديدة أمام هذا القرار، فلو سعى كل من شارك
في إصداره كي يستوثق – وهي طبيعة أصيلة في الأداء البرلماني – مما عرض عليه من
معلومات، لوجد الحقائق جلية أمام عينيه، يعلمها القاصي قبل الداني، فلقد حققت مصر خلال
السنوات الماضية إنجازات وطنية هامة وعديدة في شتى المجالات، لا سيما في مجال حقوق
الإنسان، فلم تغفل وهي على أعتاب تأسيس “جمهورية جديدة”، أنها تبدأ حُقبة جديدة في
تاريخها، فأطلقت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، إيماناً بأهمية الحفاظ على تلك الحقوق
في استمرار وتجدد الدولة الوطنية، وسعت لتعزيز الجهود الرامية لتحسين حياة المواطنين،

27

فكانت مبادرة “حياة كريمة” إحدى أهم وأبرز المبادرات الرئاسية لتوحيد كافة جهود الدولة
والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف توفير حياة كريمة للفئات الأكثر احتياجاً في محافظات
مصر، ولسد الفجوات التنموية بين المراكز والقرى وتوابعها”.

“التنظيم الدولي” للإخوان: وأيديولوجيا النفي والعنف (5/8)

سليم يونس الزريعي

المصلحة ولو في حضن الشيطان
إلا أنه يصبح من باب البحث عن المصلحة حتى لو كانت في يد الشيطان ؛ محاولة الجماعة
مغازلة الفكر الفاشي والنازي ؛ ذلك البحث الذي لا يمكن اعتباره من الإسلام في شيء ؛ فإذا
عدنا إلي الوراء عند حافة بوادر اشتعال الحرب العالمية الثانية‏,‏ عندما كان القصر الملكي
يغازل الألمان سرا ورجاله يغازلونهم علنا‏,‏ بل ويغازلون الفكر الفاشي والنازي أيضا‏.‏ الأمر
الذي دفع كاتبا كعباس العقاد إلي الكتابة مهاجما هؤلاء ومتهما إياهم وعلى رأسهم جماعة
الإخوان بالعمالة للنظم الفاشية فيقول في مصر دعوة دكتاتورية ليس في ذلك جدال‏.‏ والذين
يقومون بهذه الدعوة ويقبضون المال من أصحابها هم الذين يشنون الغارة علي الدول
الديمقراطية ويثيرون الشعور باسم الدين دفاعا عن سوريا وفلسطين‏,‏ بينما يسكتون على غزو

28

الألمان والطليان لألبانيا وبرقة وطرابلس والصومال‏,‏ ويسير بعدما تقدم أن نعرف من أين
تتلقي هذه الجماعات المتدينة أزوادها ونفقاتها‏.‏
وفي ذلك حاول البنا استخدام الدين الإسلامي وادعاءات غير معقولة وحتى غير عاقلة في تبرير
علاقته بألمانيا وإيطاليا ( والكلام لعباس العقاد ) ؛ غير أن أكثر ما يثير من استهجان وإهانة
العقل ؛ هو عندما كتب البنا نفسه مقالا غاية في الغرابة نشره في مجلة النذير لسان حال
الجماعة‏,‏ زف فيه إلي المصريين والمسلمين جميعا نبأ سعيدا ؛ مفاده أن بعض الصحف
الإيطالية ذكرت ” أن إيطاليا وألمانيا تفكران في اعتناق الإسلام‏,‏ وقررت إيطاليا تدريس اللغة
العربية في مدارسها الثانوية بصفة رسمية وإجبارية‏,‏ ومن قبل سمعنا أن اليابان تفكر في
الإسلام‏ “.‏
ثم يتحدث عن أن ” هذه الدول الثلاث قد وضعت في برنامجها التقرب التام من العالم الإسلامي
‏,‏ والتودد إلي العرب والمسلمين‏,‏ وقدمت لذلك مقدمات كبناء المساجد‏,‏ ودعوة الشباب
العربي إلي المدن والعواصم عندهم‏..‏ إن هذه الدول إنما تعجبها القوة والكرامة والفتوة
والسيادة‏,‏ وأن هذه هي شعائر الإسلام‏” ؛ ‏ ويكمل البنا لقد ” كتب الإخوان المسلمون إلي
ملوك المسلمين وأمرائهم وعلمائهم وحكامهم بوجوب التبليغ لهذه الأمم باسم الإسلام‏ ” .
‏ولمزيد من إضفاء مسحة من الجدية علي هذا الأمر‏,‏ يوجه البنا رسالة مفتوحة علي صفحات
ذات العدد إلي شيخ الأزهر يدعوه فيها إلي تبليغ ألمانيا وإيطاليا واليابان بالإسلام مع إمدادهم
بالعلماء لشرح مفهوم الإسلام‏(‏37 ) النذير‏4‏ ذي القعدة‏1357‏ ـ العدد‏30).
‏وأيضا من أجل تعزيز فكرة الموالاة للمحور ألمانيا ـ إيطاليا ـ اليابان التي أعجب بها البنا تنشر
جماعة الإخوان شائعة مثيرة للسخرية‏,‏ وهي أن هتلر شخصيا قد أشهر إسلامه وقام بالحج
سرا وأسمي نفسه الحاج محمد هتلر‏.‏
مثل هذه المبالغات الفجة أدت إلي لفت الأنظار إلي هذه العلاقة الخاصة ففي لقاء بين السير
والتر سمارت المستشار الشرفي للسفارة البريطانية مع وكيل وزارة الداخلية المصرية حسن
باشا رفعت أفاد وكيل الوزارة بأن معلوماته تقول إن الأستاذ البنا قد تلقي إعانات مالية من
الإيطاليين والألمان والقصر‏(‏ ينقل الأستاذ محسن محمد هذه الرواية في كتابه من قتل حسن
البنا ص‏88‏ وقد نقل هذه المعلومات وغيرها عن وثائق أرشيف الخارجية البريطانية‏).‏ وما
كان لنا أن نسوق اتهاما غليظا كهذا نقلا عن وشاية من أحد رجال الأمن لممثل السفارة
البريطانية‏,‏ لولا أن الأرشيف البريطاني يحتوي علي وثائق أخري تصب في ذات الاتجاه‏.‏
فهناك برقيتان من السفير البريطاني إلي وزارة خارجيته تحتويان علي ترجمة انجليزية لوثائق
بالألمانية عثر عليها عند تفتيش مسكن مدير مكتب الدعاية الألماني بالقاهرة‏.‏
ونقرأ وندهش‏ كما يقول الدكتور رفعت السعيد .‏
الهر ولهلم ستلبوجن مدير مكتب الدعاية النازي‏D.N.B‏ ولا يتمتع بأي صفة دبلوماسية عثر
عنده لدى تفتيشه علي مذكرة مكتوبة بالاختزال مؤرخة في‏18‏ أغسطس جاء فيها لقد أرسلت
البعثة إلي‏(‏ ح‏.‏ب‏)(‏ الإخوان‏)‏ مرة أخري ذات المبلغ بذات الطريقة لكن الإخوان
المسلمين طلبوا المزيد من المال رغم أنني سلمتهم مبلغ الألفي جنيه التي وصلت باسمهم من
ألمانيا‏.‏
ثم ترجمة‏(‏ لورقة أخري مكتوبة بالآلة الكاتبة الألمانية مؤرخة في‏8/16‏ تقول إن دفعة جديدة
من الأموال قد أصبحت ضرورية جدا‏.‏ إن المحادثة التي جرت مع‏(‏ ح‏.‏ ب‏)‏ شخصيا
حول المسألة‏(‏ ب‏)‏ كانت مرضية تماما‏.‏

29

وبرقية ثانية تحمل رقم‏F.o371.-23343‏ تقول أرسلت البعثة مرة أخري لحسن البنا‏(‏ هذه
المرة كتب الاسم كاملا بدلا من ح‏.‏ ب‏)‏ ذات المبلغ بذات الطريقة ـ هؤلاء الناس يمكنهم فعل
أشياء كثيرة‏.‏
وبسبب هذه العلاقة وتلافيا للتصادم مع القصر الملكي الذي كان يحمي البنا‏,‏ طلب الإنجليز من
حسين سري رئيس الوزراء ضرورة الحد من نشاط البنا فقرر نقله من القاهرة إلي الصعيد وقد
استجبت إلي ذلك‏(‏38 ) د‏.‏ محمد حسين هيكل ـ مذكرات في السياسة المصرية ـ ص‏2‏ ـ
ص‏208‏ ـ وكان هيكل في هذه الأثناء وزيرا للمعارف‏).‏
‏وتنتهي الحرب ويهزم النازي‏,‏ ويطل علي العالم شبح النفوذ الأمريكي ولا يضيع البنا وقتا‏..‏
ونقرأ في الوثائق الأمريكية‏..‏ فيليب ايرلاند السكرتير الأول للسفارة الأمريكية يكتب في برقيته
يوم ‏29‏ أغسطس‏1947‏ إلي وزارة الخارجية التقيت حسن البنا وأشرت إلي المظاهرات
الحاشدة التي وقعت هذه الأيام‏.‏ فرد البنا لن تكون هناك اضطرابات جديدة‏,‏ فإن بوسعي
بدءها وإنهاءها‏..‏ ويرد ايرلاند‏:‏ من المشكوك فيه إنهاء الفتنة بعد إشعالها‏.
لكن البنا يعرف كيف يغري الأمريكيين فيطلب مقابلة ثانية وتتم في بيت إيرلاند ويحضر البنا
ومعه محمد الحلوجي ومحمود عساف مدير إعلانات صحيفة الإخوان وأشار البنا عبر المترجم
إلي خطر الشيوعية في الشرق الأوسط وأن الإخوان يحاربونها‏,‏ ويضطر أعضاء في الجماعة
أن يتركوا عملهم الأصلي لدخول الخلايا الشيوعية للحصول علي معلومات‏,‏ وعندما يفعلون
ذلك‏,‏ فإنهم يتركون وظائفهم وبذلك يفقدون مرتباتهم‏,‏ وإذا أمكن تعيينهم علي أساس أنهم
محققون وباحثون‏,‏ فإنه يمكن حل المشكلة‏..‏ لكن الأمريكان لم يبتلعوا الطعم‏..‏ ورفضوا
تقديم أموال‏.‏
‏..‏ ولا تتوقف المحاولات‏.‏
فعندما تولي المستشار حسن الهضيبي موقع المرشد العام حاول ذات الشيء‏..‏ وأقام علاقة
مباشرة مع الأمريكيين عام‏1953‏ عن طريق أحد أصهاره ولنرمز له بالحرف‏(‏ م‏)‏ وإن
كان الاسم قد ورد كاملا في الوثائق الأمريكية وفيها أن‏(‏ م‏)‏ حمل رسائل من المرشد تحاول
إيهام الأمريكيين بأن للإخوان قوة كبيرة في الجيش‏,‏ خاصة في الرتب الدنيا‏..‏ وأنه من
السهل الإطاحة بعبد الناصر وعبدالحكيم عامر عندما تري الحركة أن الوقت مناسب‏..‏ ومرة
أخري لم تبتلع أمريكا الطعم فالتعليقات في الوثائق تؤكد أن الجماعة تبالغ في قوتها كثيرا‏.‏ (
39) د. رفعت السعيد ؛ جريدة الأهرام بتاريخ 30/12/2006م السنة 131 العدد 43853 )
ويبدو أن الناظم الذي كان يحكم علاقة الإخوان المسلمين بالغير ؛ كما تشير الوثائق ؛ كان
أساسها المصلحة بعيدا عن تلك اللافتة الدينية التي يتم الاختباء خلفها ؛ أي بعيدا عن تلك القيم
والمثل التي يجري الحديث عنها ؛ وهذا الأمر يمكن اكتشافه من خلال محاولة نسج علاقات مع
دول المحور ؛ وبشكل يجافي العقل السليم ؛ ثم مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية
لاحقا بعد هزيمة دول المحور ؛ وهو الأمر ما كان يمكن تصديقه دون وجود الوثائق التي تروي
تلك الوقائع .
ولعل ما كشفه الباحث البريطاني مارك كيرتس في كتابه « الشؤون السرية» والمأخوذة مادته
من الوثائق البريطانية حول العلاقة بين الجماعة والحكومة البريطانية ، من أن بريطانيا مولت
حركة «الإخوان المسلمين» في مصر سرا ، وأنها بدأت بتمويل «الإخوان» منذ عام 1942،
ثم واصلت التعاون معهم من أجل إسقاط نظام حكم الرئيس السابق جمال عبد الناصر، على
اعتبار أن الحركات الأصولية أفضل من الحركات القومية العربية. وأضاف أنه حتى بعد وفاة
عبد الناصر واستخدام خليفته أنور السادات «الإخوان» كأداة لتدعيم حكمه، واصلت بريطانيا

30

النظر إلى الإخوان على أنهم «سلاح يمكن استخدامه»، وفقا لمسؤولين بريطانيين لتدعيم نظام
الحكم في مصر. (40) ( جريدة الشرق الأوسط ، 11568 العدد ، 31 / 7/ 2010 )
وفي عام 1956، عندما قامت بريطانيا بغزو مصر ضمن ما يعرف بالاعتداء الثلاثي، كان
هناك مصادر جديرة بالثقة تشير إلى أن بريطانيا قامت باتصالات سرية مع جماعة الإخوان
وغيرهم من الشخصيات الدينية كجزء من خططها للإطاحة بعبد الناصر أو اغتياله. وما تبينه
هذه الملفات هو أن المسؤولين البريطانيين كانوا يعتقدون أن هناك «إمكانية» أو «احتمالية» أن
يقوم «الإخوان» بتشكيل الحكومة الجديدة بعد الإطاحة بعد الناصر على أيدي البريطانيين. وفي
شهر مارس (آذار) عام 1957، كتب تريفور إيفانز، المسؤول بالسفارة البريطانية الذي قاد
اتصالات سابقة مع «الإخوان»، قائلا: «إن اختفاء نظام عبد الناصر… ينبغي أن يكون هدفنا
الرئيسي».
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الخطط البريطانية السرية للإطاحة بالأنظمة القومية في سورية
عامي 1956 و1957 كانت تنطوي أيضا على تعاون مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كان
يُنظر إليها على أنها وسيلة مفيدة في خلق الاضطرابات في البلاد تمهيدا لتغيير النظام الحاكم.
(41) ( المصدر السابق )
هذا السلوك المفارق كما تبين التجربة التاريخية ؛ كان جزءا أصيلا من ثقافة الجماعة وفكرها ؛
سبق أن عبرت عنه علاقة مؤسسها باليمن عبر تلك ” العلاقة الوثيقة التي قامت بين حسن البنا
والإمام حميد الدين إمام اليمن‏,‏ التي أثمرت عن استثمارات اقتصادية مربحة حققها رجل
الأعمال محمد سالم‏(‏ زوج زينب الغزالي‏)‏ ونفوذ فكري وسياسي واسع‏..‏ ثم انهار ذلك كله
بسبب تدبير البنا ورجاله وبالاتفاق مع بعض رجالهم باليمن لانقلاب فاشل لم ينته فقط بتدمير
كل الحصاد الإخواني هناك‏,‏ وإنما انتهي بإثارة هواجس الملك فاروق ونظامه وغيره من
الحكام‏..‏ فالذي يدبر انقلابا في اليمن يمكنه أن يفعلها هنا أو هناك‏. ( 42) جريدة الأهرام
بتاريخ 30/12/2006م السنة 131 العدد 43853 ).
وفي رواية أخرى لعلاقة البنا باليمن ؛ والتي يلمس فيها المقدمات الأولى لتشكيل التنظيم الدولي
لحركة الإخوان واستطاع إلى جانب ذلك أن ينشئ التنظيم الدولي للإخوان عن طريق الفضيل
الورتلانى الجزائري المساعد الغامض لحسن البنا ، وهو الذي فجر ثورة الميثاق في اليمن لقلب
الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة في قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت
وتنصلت منها السعودية ، ورفضت استقبال الفضيل الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل
الورتلانى في سفينة في البحر ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره في اليمن، إلى أن
استطاع بعض الإخوان تهريبه في أحد مواني لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك
كالرجل الثاني فى قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها في القاهرة سنة 1955 .
واكتشفت الحكومة المصرية بعد ما حدث في ثورة اليمن سنة 1948 خطورة حسن البنا
وتنظيمه السري وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة في اليمن عن بعد . ولذلك كان التخلص
من حسن البنا سياسياً بكشف أسرار التنظيم وما جرى إبان ذلك من حوادث عنف متبادلة.
ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة ثم الخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وتحالف
السادات مع الإخوان، وعودة التيار الديني السياسي للسيطرة على أجهزة الدولة في التعليم
والثقافة والإعلام مع عصر الثورة النفطية، ثم خلافهم مع السادات، وقتلهم له، واستمرار
سيطرتهم في عصر مبارك الذي آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع التصالح مع الفكر السلفي
الذي أصبح يقدم نفسه على أنه الإسلام.

31

وهنا ندخل على طبيعة الفكر السلفي التي أجهضت الاجتهاد المصري في الإصلاح الديني
لصالح الثورة السلفية. (43) صحيفة المصري اليوم ؛ الخميس 17 صفر 1430هـ – 12
فبراير 2009م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى