تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي.

الإهمال الطبي للأسرى: «الرعاية القاتلة» على متن «البوسطة»

يوسف فارس
تعيد إصابة الأسير وليد دقة بمرض سرطان الدم تسليط الضوء على ملفّ الإهمال الطبّي الذي
تمارسه مصلحة إدارة السجون الإسرائيلية بحقّ الأسرى. إذ تشير آخر الإحصائيات التي
أوردتها دراسة أعدّها «مركز فلسطين لدراسات الأسرى»، إلى أن نحو 700 أسير يعانون
أمراضاً يحتاجون معها إلى الرعاية المستمرّة، من بينهم 30 مصاباً بالسرطان، وفق ما ذكره
الأسير المحرّر، حازم أبو حسنين، وهو الناطق باسم «مركز إعلام الأسرى». يقول أبو
حسنين، في حديثه إلى «الأخبار»: «تمارس سلطات الاحتلال سياسة إهمال طبّي مدروسة،
تقوم على المماطلة وتأجيل مواعيد العلاج بشكل دائم، فضلاً عن حصر العلاج بتقديم
المسكّنات، مهما كان المرض الذي يعانيه الأسرى». غير أن مصلحة إدارة السجون تجهّز،
بشكل دوري، ملفّاً طبّياً خاصاً بكلّ أسير، تقدّمه للمؤسّسات الحقوقية الدولية، تَظهر فيه كأنها
تلتزم بتقديم الرعاية الطبّية اللازمة للأسرى المرضى على أتمّ وجه. وفي هذا الإطار، يلفت أبو
حسنين إلى أنه «إذ طُلب من إسرائيل مثلاً، تقرير عن حالة الأسير ناصر أبو حميد، فهي ستقدّم
ملفّاً مكوَّناً من 300 صفحة على الأقلّ، يحوي معلومات تفصيلية عن زيارة الأسير للمستشفى
وعرضه على الطبيب»، مستدركاً بأن «كلّ تلك الزيارات تتمّ بشكل شكلي، من دون علاج
حقيقي، والهدف منها هو تعبئة الأوراق والمستندات، التي يقرّ على صدقيّتها الأسير المريض
ذاته، من دون أن يمتلك القدرة على توضيح حقيقة تلقّيه الرعاية الصحّية من عدمه، لأحد».
مسلخ الرملة
تقترن أخبار الأسرى المرضى، عادةً، بمستشفى سجن الرملة «سيّئ الذكر». يقع المستشفى
داخل السجن، ويعدّ قسماً من أقسامه، ويحوي ثماني غرف، يقبع فيها 15 أسيراً بشكل دائم، هم
أصحاب الأمراض المزمنة، فيما يتردّد العشرات من الأسرى على «الرملة» لأيام وأسابيع
لتلقّي العلاج، الذي يكاد ينحصر ببعض أنواع المسكّنات. يُضاف إلى ما تَقدّم أن المرضى في
المستشفى يعامَلون معاملة الأسرى، من دون أيّ مراعاة لحالتهم الصحّية، إذ يتعرّضون للقمع
والتنكيل والتفتيش ومصادرة الأغراض والعقوبات المستمرّة، وحتى حرمانهم من الدواء في
بعض الأحيان، إلى حدّ دفَع ببعض الذين عاشوا داخله إلى تسميته «مسلخ الرملة». وبحسب
شهادة عائلة الأسير المريض، خالد الشاويش، فإن الأسرى في «الرملة» يهربون من الألم من
خلال ساعات النوم الطويلة. تقول زوجة الشاويش، في حديث إلى «الأخبار»: «منذ سنوات، لم
يطرأ أيّ تحسّن على صحّة أيّ من الأسرى الذين يقيمون في الرملة، أغلبهم مقعَدون على
كراسٍ متحرّكة، ويعيشون على المسكّنات والمنوّمات (…) بيئة المستشفى غير نظيفة،
والعاملون من طاقم طبّي وأطبّاء، أسوأ من السجّانين أنفسهم».
وصل عدد شهداء الحركة الأسيرة نتيجة الإهمال الطبّي المتعمّد حتى هذا اليوم إلى 74
«عربة الموت»
يسمّي أبو حسنين، الرعاية الطبّية التي تقدّمها مصلحة إدارة السجون للأسرى، بـ«الرعاية
القاتلة». ويوضح الأسير المحرَّر الذي واكب عشرات الحالات المرَضية، في حديث إلى
«الأخبار»، أن «رحلة النقل من السجن إلى المستشفى هي رحلة عذاب. أَذكر أن أحد زملائي
الأسرى اضطرّ إلى إجراء عملية بواسير، وطبعاً أُجريت له العملية وهو مقيّد القدمين واليدين
بالسرير، وبعدما انتهت، أجبرَ على الوقوف على قدمَيه مباشرة للانتقال من مستشفى السجن إلى
السجن الذي يقيم فيه». وللطريق من المستشفى إلى السجن حكاية أخرى، يلخّصها أبو حسنين

3

بالقول: «يَجري نقْل الأسرى المرضى الخارجين لتوّهم من عمليات جراحية، عبر “البوسطة”
أو ما نسمّيه “عربة الموت”، وهي باص حديدي أزيلت كلّ أجزائه، ولم يبقَ فيه إلّا الحديد،
وقُسّم إلى عدّة زنازين، وخلال نقل الأسرى يتفنّن سائق البوسطة في تغيير سرعته وضرب
الفرامل المفاجئة والوقوع في الحفر، ليزيد من عذاب المرضى الذين يجلسون على الحديد».
تلك الإجراءات تجعل من تحمّل أعباء المرض وأهواله، أقلّ وطأة من الانتقال للعلاج في أيّ
سجن خارجي أو في «الرملة»، إذ يعود الأسرى من السجن عادةً بأوجاع وآلام أكثر من تلك
التي ذهبوا بها. كذلك، تُماطل مصلحة إدارة السجون في تقديم العلاج، وفق ما يؤكد أبو حسنين،
قائلاً: «عايشتُ هذه الحالة مع الأسير ميسرة أبو حمدية عام 2013، حيث ماطلت قوات
الاحتلال خمسة أشهر في بدء علاجه، على رغم أن العلاج هو ظاهري بروتوكولي، إذ يرسَل
المريض إلى المستشفى ليُكتب في التقارير أنهم يقومون بالمتابعة، ومن ثمّ يقدّمونها إلى
المحامين والمؤسّسات الدولية (…) لا يوجد أسير عولج منذ عام 1967. جميع أسرى
الأمراض المزمنة ماتوا شهداء متأثّرين بمرضهم داخل السجن أو خارجه». جدير بالذكر أن
عدد شهداء الحركة الأسيرة نتيجة الإهمال الطبّي المتعمّد، وصل حتى هذا اليوم إلى 74،
يشكّلون ما نسبته 35%من إجمالي الشهداء الأسرى الذين يبلغ عددهم 227.

4

الرئيس عباس: نفتقد لوجود شريك في إسرائيل يؤمن بحل الدولتين

قال الرئيس محمود عباس، مساء يوم الجمعة، “إننا نفتقد هذه الأيام لوجود شريك في إسرائيل
يؤمن بحل الدولتين على أساس الشرعية الدولية، والاتفاقيات الموقعة، ونبذ العنف والإرهاب،
وهي المبادئ التي نحن ملتزمون بها ونعمل بموجبها”.
ودعا الرئيس عباس في كلمته خلال القمة العربية الصينية الأولى المنعقدة في عاصمة المملكة
العربية السعودية الرياض، المجتمع الدولي إلى عدم التعامل مع أية حكومة إسرائيلية لا تعترف
بهذه المبادئ والقيم.
وأكد أنه “وبالرغم من كل ذلك فإننا لن نتخلى عن الالتزام بالقانون الدولي، وإننا نتطلع وفي هذه
الظروف الصعبة أن تواصلوا حشد الدعم الدولي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام
العربية، ودعم المساعي الفلسطينية الرامية للحصول على الاعتراف بدولة فلسطين، وعلى
العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وعقد مؤتمر دولي للسلام، وتأمين الحماية الدولية لشعبنا
الفلسطيني، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ومنها قرار مجلس
الأمن 2334، وقرارا الجمعية العامة 181 و194 وهما القراران اللذان كانا شرطين لقبول
إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة ولم تنفذهما.
كما أكد الرئيس عباس على وجوب الاعتذار والتعويض من بريطانيا وأميركا للشعب
الفلسطيني، بسبب إعلان بلفور المشؤوم، وصك الانتداب، وكذلك الاعتذار والتعويض من
إسرائيل عما ارتكبته إبان النكبة من عشرات المذابح، وتدمير مئات القرى الفلسطينية، وتهجير
مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم.
وقال: “إن بقاء الاحتلال الإسرائيلي جاثما على أرض دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية،
دون محاسبة، بعد تشريد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني من أرضه، منذ أكثر من 74 عاما،
وهم الذين يشكلون حاليا أكثر من 6 مليون لاجئ، هو أمر يفرض تساؤلات عدة حول جدية
النظام الدولي، الذي يسمح لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بمواصلة انتهاك القانون الدولي،
وإنشاء نظام تمييز عنصري كامل الأركان، ومواصلة الأعمال الأحادية والاستيطان
الاستعماري، والقتل، والحصار، والتهجير، وهدم المنازل، وتغيير هوية مدينة القدس، وعدم
احترام الوضع التاريخي واستباحة المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وحجز الأموال، في
ظل صمت دولي إزاء ازدواجية المعايير وسياسية شريعة الغاب. هذا النظام الدولي الذي لم
ينجح في تطبيق أي من قراراته الأممية التي تزيد عن الألف تجاه القضية الفلسطينية”.
وشكر الرئيس عباس، الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان،
وحكومة المملكة العربية السعودية على استضافة هذه القمة التاريخية والهامة، والتي تَوَّجَت
سنوات من الحوار العربي الصيني في إطار منتدى التعاون وعلى المستويات كافة.
وحيّا جميع قادة ورؤساء الوفود من الدول العربية المشاركين في هذه القمة، مقدّرا جهودهم
المتواصلة في إنجاح هذه الشراكة الاستراتيجية مع الصين.
وأكد الرئيس أن دولة فلسطين ستواصل وقوفها بثبات إلى جانب الصين لدعم سياستها للصين
الواحدة، وفي مواجهة الحملات التي تستهدفها في المحافل الدولية كافة، شاكرا نظيره الصيني
شي جين بينج لرؤيته ولمواقف الصين الثابتة والداعمة لحقوق شعبنا الفلسطيني، ولكل ما تقدمه
من مساعدات وبرامج تعاون تنموية، مشيرا إلى أنها “لفتات مقدّرة لن ينساها شعبنا الفلسطيني”.

5
وفيما يلي النص الكامل لكلمة الرئيس عباس:
يطيب لنا في البداية أن نتقدم بالشكر الجزيل لأخي خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن
عبد العزيز، ولأخي ولي العهد، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولحكومة
المملكة العربية السعودية على استضافة هذه القمة التاريخية والهامة، والتي تَوَّجَت سنوات من
الحوار العربي الصيني في إطار منتدى التعاون وعلى المستويات كافة.
ونحيي جميع قادة ورؤساء الوفود من الدول العربية المشاركين في هذه القمة، ونقدر جهودهم
المتواصلة في إنجاح هذه الشراكة الاستراتيجية مع الصين.
كما يسعدني أن أرحب بفخامة الرئيس شي جين بينج، الذي نكن له كل الاحترام والتقدير،
متمنين لفخامته التوفيق والسداد في تحقيق طموحات وتطلعات الشعب الصيني الصديق نحو
مزيدٍ من التقدم والتطور والازدهار.
ونؤكد لكم صديقي فخامة الرئيس، أن دولة فلسطين التي تؤمن بعدالة موقفكم، ستواصل وقوفها
بثبات إلى جانب الصين لدعم سياستها للصين الواحدة، وفي مواجهة الحملات التي تستهدفها في
المحافل الدولية كافة.
وبهذه المناسبة، نعبر لفخامة الرئيس الصيني عن عميق شكرنا لرؤيته ولمواقف الصين الثابتة
والداعمة لحقوق شعبنا الفلسطيني، ولكل ما تقدمه من مساعدات وبرامج تعاون تنموية، وهي
لفتات مقدرة لن ينساها شعبنا الفلسطيني.
إن هذه القمة الأولى من نوعها، لهي فرصة لمد المزيد من جسور التعاون على أساس التبادل
الاقتصادي، والاستثمارات، وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، مع التأكيد على الطرق الأربعة
لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك، من خلال التمسك بالاستقلالية، والسيادة،
وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للغير، وبناء منظومة أمنية وتعاون مستدام، وتعزيز التبادل
الحضاري، وتكريس القيم المشتركة.
ونؤكد في هذا الصدد، على ما أعلنه الرئيس الصيني، بأهمية التعاون في المجالات الثمانية
المشتركة، في التنمية، والأمن الغذائي، والصحة، والتنمية الخضراء والابتكارات، وأمن الطاقة،
والحوار بين الحضارات، وتأهيل الشباب، والأمن والاستقرار، والمضي قدماً نحو بناء مستقبل
وتعاون عربي صيني مشترك.
إن بقاء الاحتلال الإسرائيلي جاثماً على أرض دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية، دون
محاسبة، بعد تشريد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني من أرضه، منذ أكثر من 74 عاماً، وهم
الذين يشكلون حالياً أكثر من 6 مليون لاجئ، هو أمر يفرض تساؤلات عدة حول جدية النظام
الدولي، الذي يسمح لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بمواصلة انتهاك القانون الدولي، وإنشاء نظام
تمييز عنصري كامل الأركان، ومواصلة الأعمال الأحادية والاستيطان الاستعماري، والقتل،
والحصار، والتهجير، وهدم المنازل، وتغيير هوية مدينة القدس، وعدم احترام الوضع التاريخي
واستباحة المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وحجز الأموال، في ظل صمت دولي إزاء
ازدواجية المعايير وسياسية شريعة الغاب. هذا النظام الدولي الذي لم ينجح في تطبيق أي من
قراراته الأممية التي تزيد عن الألف تجاه القضية الفلسطينية.
إننا نفتقد هذه الأيام لوجود شريك في إسرائيل يؤمن بحل الدولتين على أساس الشرعية الدولية،
والاتفاقيات الموقعة، ونبذ العنف والإرهاب، وهي المبادئ التي نحن ملتزمون بها ونعمل
بموجبها. وإننا ندعو في هذا الإطار، المجتمع الدولي، إلى عدم التعامل مع أية حكومة إسرائيلية
لا تعترف بهذه المبادئ والقيم.

6

وبالرغم من كل ذلك فإننا لن نتخلى عن الالتزام بالقانون الدولي، وإننا نتطلع وفي هذه الظروف
الصعبة أن تواصلوا حشد الدعم الدولي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية،
ودعم المساعي الفلسطينية الرامية للحصول على الاعتراف بدولة فلسطين، وعلى العضوية
الكاملة في الأمم المتحدة، وعقد مؤتمر دولي للسلام، وتأمين الحماية الدولية لشعبنا الفلسطيني،
وتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ومنها قرار مجلس الأمن 2334
، وقرارا الجمعية العامة 181 و194 وهما القراران اللذان كانا شرطين لقبول إسرائيل كعضو
في الأمم المتحدة ولم تنفذهما.
كما نؤكد على وجوب الاعتذار والتعويض من بريطانيا وأمريكا للشعب الفلسطيني، بسبب وعد
بلفور المشؤوم، وصك الانتداب، وكذلك الاعتذار والتعويض من إسرائيل عما ارتكبته إبان
النكبة من عشرات المذابح، وتدمير مئات القرى الفلسطينية، وتهجير مئات الآلاف من
الفلسطينيين من بيوتهم.
وفي الختام، أشكركم جميعاً وأحييكم أيها الاخوة القادة على دعمكم، ومواقفكم، تجاه فلسطين،
مؤكدين لكم جميعًا، بأننا سنبقى فاعلين في خدمة التعاون العربي الصيني، ومساندة دول
وشعوب منطقتنا لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام، ومحاربة الإرهاب في منطقتنا والعالم.
ونرفع بهذه المناسبة، تحياتنا لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، متمنين له الصحة
والعمر المديد. والسلام عليكم.

إلى السيد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن

تحسين يقين

نرجو أن تكون بخير وبعد،
أسعدنا وعد سعادتكم بمواصلة معارضة الاستيطان الإسرائيلي أو ضم الأراضي في الضفة
الغربية المحتلة، كما أسعدنا تأكيدكم: «سنواصل أيضاً معارضة لا لبس فيها لأي أعمال تقوّض
آفاق حل الدولتين بما يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، توسيع المستوطنات أو خطوات
باتجاه ضم أراض في الضفة الغربية، أو تغييراً في الوضع التاريخي القائم للمواقع المقدسة
وعمليات الهدم والإخلاء..».

7

أما الآن سيدي الوزير، فأود قراءة عبارتك «تحسين حياة الفلسطينيين» التي ترددت أخير في
تصريحاتك قبل أيام في واشنطن العاصمة، فلنا، نحن الشعب الفلسطيني أن نفهمها ونحللها
موضوعيا، ويحللها آخرون موضوعيون، من بلاد الله، ومنها بلادك.
فلا ندري، هل هناك رمزية تتعلق بواقع جديد يتم فعله على الأرض المحتلة العام 1967، أم
أنه مجرد نوايا طيبة لتحسين حياة شعبنا، وهو في طريقه نحو التحرر وإقامة الدولة الفلسطينية
المستقلة بعاصمتها القدس؟
سيدي، نحن لسنا «فلسطينيين»، كما يتكرر ذلك برمزية غير بريئة، نحن الشعب الفلسطيني،
شعب مثل باقي شعوب الأرض، وشعب عريق، معروفة أصوله، منذ ما كان ترابا وماء ونباتا
وخبزا وأبجدية، وننتمي إلى محيط قوميّ، تجمعنا به عناصر كثيرة، كذلك نحن جزء أصيل من
هذا العالم، لنا خصوصيتنا القديمة والحديثة، بما قدمنا وما زلنا نقدمه من عمل حضاري
ومعرفي وأخلاقي.
وباختصار، فإن شعبنا لا ينتظر تحسين حياته اليومية، إلا إن جاءت ضمن سياق سياسي يؤدي
فعلا إلى إنهاء الاحتلال.
نقول ذلك لأن العبارة «تحسين حياة الفلسطينيين» ترد أيضا على لسان رؤساء حكومات
إسرائيل، خصوصا السابق، والقادم قريبا: بنيامين نتنياهو.
لذلك، وحتى ينسجم حديثك الذي تفاءلنا به، مع مجمل ما نعيشه هنا، من إجراءات الاحتلال،
باتجاه عمل اختراق نحو العدل والعدالة، فإنه بإمكانك كوزير للخارجية أن تفعل ما يؤكد جدية
التصريحات الأخيرة؛ فهناك ما يمكنك أن تقوم به سيديّ الوزير، دون حاجة لتشريع أو قرار
رئاسي ليؤشر جديا في اتجاه رفض الضم.
تستطيع أن تعلن إلغاء قرارين لسلفك السيد بومبيو، الأول يتعلق بالتخلي عن مبدأ أن الاستيطان
غير شرعي، والثاني بوسم منتجات المستوطنات «صنع في إسرائيل».
وكلاهما سيدي الوزير يتناقض أصلا مع القانون الدولي من جهة، ولسياسة الولايات المتحدة
عبر عقود من الزمن. انه اختبار حقيقي ولكنه واقعي لمدى جديتكم وجدية إدارة الرئيس بايدن.
ما نوده صريحا هو العودة إلى الموقف التقليدي في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع هنا،
وهو ما كان أحد أهم بقاء العلاقات العربية الأميركية ولو بحدها الأدنى، رغم ما مرّ من فصول
من تحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل كدولة محتلة، تغير على من حولها، وتقمع شعبنا
بوحشية.
لم يكن سلفكم أبدا بعقلانية كافية، حين اتخذ مثل هذه القرارات، إذ كيف يتم مثلا قرار وسم
منتوجات المستوطنات، كمنتجات إسرائيلية، وليس لهذا من معنى إلا أن الضم كيفياً وإجرائياً قد
بدأ؟ بل كيف استطاع سلفكم مايك بومبيو زيارة للمستوطنات؟
ما نحن بحاجة له فعلا، هو العودة إلى الحق والأصول، أي الدعوة للالتزام بالقانون الدولي
والشرعية الدولية.
فإذا اتجهت الولايات المتحدة لتكون وسيطا نزيها لتحقيق تسوية، فإن ذلك سيؤكد على شرعية
تحركها فلسطينيا وعربيا وعالميا.
كذلك، بإمكانك أن تعود إلى إعلان الرئيس ترامب بشأن القدس، لتقول، ولو على سبيل التلميح
بأن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين.

8

ما نظنه سيدي، أن الولايات المتحدة تميل إلى إيجاد كيان فلسطيني، رغم قناعتكم من الداخل أن
إسرائيل، تضع العراقيل.
وعليه، فإننا ننتظر من الإدارة الأميركية، اليوم وغدا، أن تحسم أي حديث في شأن الأرض
المحتلة العام 1967، وألا تورط نفسها في مسألة توصيف هذه الأرض المحتلة، بما يتناقض مع
القانون الدولي، ومن ذلك ولو كخطوة رمزية، من المهم وقف التعامل مع منتجات المستوطنات،
وقطع الطريق على حكومات إسرائيل التي تسعى إلى الضم غير الشرعي للأرض المحتلة.
عندما توليتم منصبكم توقعنا أن تصدر قراراً يلغي بموجبه قرار سلفك، من أجل الانسجام مع
توجه الإدارة الجديدة وقتها، متذكرين وعدك وأنت تتهيأ لاستلام منصبك بأنك ستطالب إسرائيل
والفلسطينيين بعدم اتخاذ خطوات أحادية تمنع العودة لحل الدولتين، وستجدد الدعم للسلطة
الفلسطينية، وستفتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، وستقوم بتقديم مساعدات إنسانية
واقتصادية.
واليوم، بعد مرور زمن ليس بقليل، نستطيع نحن وآخرون أن نقيس الأفعال وفق الأقوال، ونحن
ننتظر فعلا المزيد من الدعم للعدالة والسلام، بما يضمن حق تقرير المصير لشعبنا.
اليوم، يولد جيل في فلسطين لا يقتنع بالعبارات الدبلوماسية، بل يريد أن يرى تغييرا فعليا،
وأظنه هو جيل التغيير؛ فهو واثق من نفسه ومن حقوقه، ويريد فعلا بناء مستقبل له، يحيا فيه
كما يحيا الآخرون.
لا نود الإطالة، لكننا هنا في فلسطين، نؤمن حقا بأن الشعوب لا ترضى بظلم أي شعب، ونظن
بالشعب الأميركي الصديق كل الخير، ونظن بالفكر الأميركي على مدار تاريخه ظنا جميلا، في
الانتصار للقيم الإنسانية التي تحترم إرادة الشعوب، وعليه، وكونكم إدارة تمثلون هذا الشعب
الصديق، فإننا نظن بأنكم ستنتصرون لما تؤمنون به من قيم على رأسها احترام كرامة الشعوب.
ولعلي أختتم بهذه الكلمات لمعلم فلسطيني، خطها على الفيسبوك، ونالت إعجابا وتعليقات
المتابعين. كتبها من وحي استمرار حملات المداهمة والاجتياح من قوات الاحتلال الإسرائيلي
لقريتنا الوادعة، التي سطا جدار الفصل العنصري على جزء من أرضها وفضائها وجمالها،
القرية الصغيرة التي لم يكتف الاحتلال بجريمته الأخيرة في اغتيال الشهداء، بل يستمر بترويع
أهلها، وزج زهرات أبنائنا في المعتقلات، أكبر «جريمة» اقترفوها من وجهة نظر الاحتلال،
أنهم يحبون قريتهم، ووطنهم حرا يكون:
«من عتبة بيت دقو أننا قررنا وقرارنا نهائي أن نعيش بكرامة وحرية ورأس مرفوع.. نحن
وكل أوجاعنا وكل أفراحنا. نحن وكل هذا الإيمان الذي لا تسري عليه قوانين انتهاء الأجل».
إنها الكرامة فعلا سيدي وزير الخارجية، وليس فقط «تحسين حياة الفلسطينيين»، نحن الشعب
الفلسطيني، ولسنا مجرد فلسطينيين، كأننا جماعة مرّت هنا، ولعلك تستعين بخبراء التاريخ القديم
ليتعمق لديكم، أي أكذوبة صهيونية انطلت عليكم وعلى العالم، وبالطبع لسنا من اضطهد اليهود
يوما، فانظر أي طريق ستسلك والإدارة الأميركية، علما أن أيدي أهل فلسطين ما زالت ممدودة
للسلام العادل: سلام الكرامة أولا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

9

سيرة اليمين الإسرائيلي بشخص بنيامين نتنياهو [1]

اسعد أبو خليل
ليس سهلاً على العربي—أو على الإنسان غير الفاقد للحسّ الإنساني—قراءة مذكرات لحكّام
إسرائيل. هؤلاء ينطلقون في رؤيتهم للصراع العربي – الإسرائيلي ولواقع منطقتنا من منظور
لا يسهل على العربي الدخول إليه. كيف يمكن مثلاً أن تقرأ مسؤولاً إسرائيليّاً يحدّثك عن أرض
ووطنٍ ليست له؟ وكيف يمكنكَ أن تقرأ عن أحداث أنتَ عشتها وتُذهل عندما تتبيّن مدى
استسهال زعماء إسرائيل للكذب عنها؟ يقول بنيامين نتنياهو مبكراً في كتابه الذي صدر حديثاً
بعنوان «بيبي: قصتي»، إن عائلته انتقلت إلى منزل جديد «من الطراز العربي» في فلسطين
المحتلّة، وكانت الحكومة قد استملكته ليصبح منزلاً لوزير المالية ليفي إشكول. هكذا يروي
نتنياهو لقراء الإنكليزيّة ببساطة شديدة، ومن دون حرج أمام الجمهور الغربي العنصري
الأبيض، أن عائلته قطنت في منزل مسروق من سكّانه العرب (لن أستطيع أن أذكر صفحات
الكتاب في الاستشهادات لأنني قرأتُه في نسخة إلكترونية ويختلف عدد الصفحات باختلاف
النسخة واختلاف إعداداتها عند المُستعمِل). الكتاب مكتوب بأسلوب سلس، ونتنياهو زها في
مقابلات أنه كتب بخط يده على دفاتر. لكن عندما تقرأ صفحة الامتنان في آخر الكتاب، تكتشف
أنه استعان بفريق كبير من الكتّاب والمستشارين لصياغة نسخة الكتاب. يجهدون في إيصال
رسائلهم ولا يعتمدون العفويّة في البروباغاندا. الكتاب الذي يزعم أنه بقلمه هو نتيجة عمل

10

جماعي، مثل خطبه التي يكثر في الاستشهاد بها في الكتاب. ونتنياهو يجول على الإعلام
الغربي هذه الأيّام للترويج للكتاب، وقبل أيام زاد على مقولة غولدا مئير الشهيرة بالقول إنه لم
يكن هناك شعب فلسطيني على أرض فلسطين عندما وطأ أرضها الغزاة الصهاينة.
الكتاب، مثل كل روايات قادة العدوّ، مليء بالأكاذيب التي يسهل دحضها. لكن المشكلة أن كتبهم
تكون موجّهة غالباً للقراء الغربيّين الجاهلين بتاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي وجرائم
الصهيونيّة، كما أننا في العالم العربي لم نعد نهتم بدحض السرديّات والأقاويل الصهيونيّة.
الاعلام العربي تغيّر كثيراً وباتت صحف آل سعود تجمّل صورة إسرائيل أمام القراء العرب.
خسرنا كثيراً في العالم العربي بغياب «مركز الأبحاث الفلسطيني» في بيروت. نعلم اليوم أهميّة
المركز عندما نتذكّر تاريخ التفجيرات الإسرائيليّة ضدّه عبر السنوات: في عام ١٩٧١، تم وضع
متفجّرة أمام مبنى المركز. وفي عام ١٩٧٢، تلقّى مديره أنيس صايغ طرداً بريديّاً مفخّخاً كاد أن
يودي بحياته (عندما التقيتُ صايغ وصافحته للمرّة الأولى، لم أستطع أن أتوقّف عن التفكير أن
أصابعه تفتّتت بفعل التفجير الإسرائيلي). وفي عام ١٩٧٤، وضع العدوّ سيّارة مفخّخة أمامه.
وفي عام ١٩٨٢، اقتحم جيش العدوّ المبنى ونهب محتوياته في جريمة أدت إلى ملاحقة عبر
القانون الدولي. وفي عام ١٩٨٣، وضع العدوّ سيارة مفخّخة قتلت وجرحت أكثر من مئة من
السكّان والعاملين (وكان الجيش اللبناني «يحرس» المركز ويعرّض العاملين فيه للإساءة
والمهانة، بأوامر إسرائيليّة). لكن محمود عبّاس تعهّد بإنعاش «مركز الأبحاث» في عام ٢٠١٦
وكانت النتيجة مماثلة لوعوده (السابقة) بتحرير فلسطين.
يروي نتنياهو بكثير من الاعتزاز والثقة بالنفس تفجير طائرات مدنيّة في مطار بيروت في
عام ١٩٦٨
يذكر نتنياهو الكثير عن شقيقه جوناثان لأن له مكانة البطل في المخيال الإسرائيلي المريض.
و«يوني»—كما يسمّيه «بيبي»— هذا شارك في عمليّة فردان في قلب بيروت في عام
١٩٧٢، وحفلة التطبيع في الإمارات قد تشيّد له نصباً تذكارياً بعدما سمحت بإطلاق اسم
«بيبي» على مقهى في دبي. ويذكر نتنياهو مشاركة أخيه في «معركة السموع»، وهي إشارة
إلى غزو قوّة من جيش الاحتلال للأراضي الأردنيّة في عام ١٩٦٦ وقتل وجرح أكثر من مئة.
كما أن العدوّ لغّم أكثر من ١٠٠ منزل ودمّر القرية عن بكرة أبيها. هذه الجريمة هي مجرّد
«معركة»، كما أن عملاء إسرائيل في لبنان يتحدّثون، بصفاقة شديدة عن «معركة تل الزعتر»
و«معركة مخيم ضبيّة» و«معركة النبعة»، الخ. وكذب العدوّ ينفضح من رسائل كان أخوه
الضابط في جيش الاحتلال يرسلها إلى أهله قبل حرب ١٩٦٧. كان يقول فيها (الحالة النفسيّة
للجيش قبل الحرب): «ليس هناك من خطب أو ذعر. إذا حدث شيء لا يمكن أن نُهزم. رجالنا
ببساطة جيّدون للغاية. في المحصّلة، سننتصر بصورة حاسمة». أهميّة هذا الكلام أن الحكومة
الإسرائيليّة في حينه أخفت هذه المعلومات عن الرأي العام العالمي، كما أنها اتّبعت التضليل في
الإعلام الرسمي عبر تصنّع المسكنة والضعف. هذا أدّى إلى تعاطف عالمي، وإلى مناصرة
غربيّة للعدوان الإسرائيلي. وتصنّع الضعف زاد من لذّة طعم الانتصار، وجعله بمثابة المعجزة
(الدينيّة عند الكثير من يهود العالم). ولقد حدث الشيء نفسه في عام ١٩٤٨، عندما صورّت
بروباغاندا العدوّ الانتصار على «سبعة جيوش عربيّة» على أنه معجزة إلهية، فيما كان عدد
مقاتلي العدوّ من عناصر الجيش أكثر مما لدى الجيوش العربيّة السبعة التي دخلت فلسطين
مجتمعة (لبنان، دخل الهوينا وخرج بسرعة بناءً على تفاهم ضمني بين جيش لبنان بقيادة فؤاد
شهاب والعدوّ). الجيوش العربيّة كانت تتبع خطة معاكسة لخطط العدوّ: كانت تبالغ في إمكاناتها
وتجزم بحتميّة نصرها، وهذا ما زاد من طعم مرارة الهزيمة في ١٩٦٧.
تنقّل نتنياهو بين الولايات المتحدة وفلسطين المحتلّة وتنقّل برشاقة سياسيّة بين ثقافتيْن، وهذا من
سرّ عمله السياسي في الولايات المتحدة. كان أبوه أكاديميّاً مغموراً يعمل في الدراسات اليهوديّة

11

في عدد من الجامعات الأميركيّة، كما أنه عمل في إدارة الحركة الصهيونيّة المتطرّفة التي
أسّسها جابوتنسكي. كرّس أبوه عمله للموسوعة اليهوديّة، وضخّ فيها الفكر الصهيوني الرجعي.
يكيل نتنياهو المديح لأبيه ويجعل منه علَماً من أعلام الفكر والمعرفة والأكاديميا. لكن الأكاديميا
الأميركيّة لم تعترف به وكان في هامش الدراسات اليهوديّة هنا، وتعثّر في إيجاد عمل أكاديمي
منتظم. وكان عمله «الموسوعي» يختصّ بتاريخ اليهود في إسبانيا، ونشر كتابه «جذور المحنة
في إسبانيا القرن الخامس عشر». ولا يذكر نتنياهو أن مؤرخي إسبانيا ومؤرّخي اليهود
المرجعيّين اختلفوا كثيراً مع منهج الكتاب ومنحاه. وحتى مرثيّة «نيويورك تايمز» عن بنزيون
نتنياهو اعترفت: «تعرّضَ الكتاب (أي كتاب بنزيون) للنقد لتجاهله المراجع والتفسيرات
المعروفة». وعيبَ على المؤلّف أنه نظر إلى تاريخ معاداة السامية من منظور الهولوكست،
الذي أسقطه على التاريخ اليهودي برمّته (راجع مرثيّة «نيويورك تايمز»، في ٣٠ نيسان
٢٠١٢). يقول مارتن دوغلاس إن نتنياهو الأب رأى في تاريخ اليهودية «تاريخاً من
المحارق». لكن معرفة نتنياهو بالثقافة والمعيشة الأميركيّة سهّلت له صعوده وسهولة استعانته
باللوبي الإسرائيلي في كل مسيرته السياسيّة. حتى الحملات الانتخابيّة لنتنياهو استفادت كثيراً
من استعانته، للمرّة الأولى في تاريخ الانتخابات الإسرائيليّة، بخبراء أميركيّين متمرّسين
باستعمال التلفزيون لأغراض سياسيّة وبتوزيع العمل الاقتراعي وتنظيمه على مستوى المحلّة،
منزلاً بمنزل.
تلاحظ الكثير عن أسلوب عمل جيش العدوّ من تجربة نتنياهو العسكريّة وتجربة أخيه. كانت
تختلف عن الفوضى والتسيّب الذي شابَ التجربة العسكريّة لمنظمة التحرير في لبنان. كانت
الدورات العسكريّة في صفّ منظمات المقاومة الفلسطينيّة تفرد قسماً خاصاً بالتكتيك العسكري،
بالإضافة إلى الفنون القتاليّة. وكان هناك كلام عن الحرص على عدم ترك أي ما يمكن أن يُرى
من فوق بالطائرات، مثل لمعان معلّبات الطعام المعدنيّة التي يأكلها الفدائيّون. لكن كانت هناك
أكوام منها خارج معظم القواعد العسكريّة في الجنوب أو قربها. نتنياهو يروي عن عودة جنود
إلى مواقع سابقة لأنهم تركوا خريطة وراءهم. والأمر الثاني هو حريّة المبادرة في صف فرقة
عسكريّة. وهذا سبق لكنيث بولاك أن تحدّث عنه في كتابه «العرب في الحرب».
تستطيع أن تتبيّن في الكتاب كم أن العقيدة الصهيونيّة اعتنقت ممارسة الإرهاب وأدرجته في
التقديس الوطني الشوفيني للعمل العسكري. ليس هناك من عمل إرهابي ضد أهداف مدنيّة يمكن
أن يلقى حفيظة في نفوس الصهاينة. ليس سرّاً أن كل الأعمال الإرهابيّة—أو كلّ ما يتفق حتى
الإعلام والحكومات الغربيّة على أنه إرهاب—دشّنته العصابات الصهيونيّة في بلادنا في
الثلاثينيّات والأربعينيات من القرن الماضي (راجع كتاب «من هم الإرهابيّون» الصادر عن
مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة ولجنة إعلام المرأة العربيّة الصادر في بيروت في عام ١٩٧٢.
كيف أن هذا الكتاب القيّم لم يُترجَم بعد وكيف أنه لم يُعد نشره حول العالم؟). يروي نتنياهو
بكثير من الاعتزاز والثقة بالنفس تفجير طائرات مدنيّة في مطار بيروت في عام ١٩٦٨. بكل
بساطة يقول: «أرسلونا إلى مطار بيروت لتفجير طائرات لبنانيّة». كان قائد «العمليّة» رفائيل
إيتان (معظم الكبار في السن من قادة الأحزاب اللبنانيّة الانعزاليّة الحاليّة كانوا ينادونه باسم
التحبّب، «رفّول»). يقول نتنياهو بصفاقة الدعاية الصهيونية إنه حرص قبل وضع المتفجّرات
على التأكد من خلوّ الطائرات من المدنيّين. كانت العمليّة تحت جنح الظلام، وكان المطار مغلقاً
وكانوا على علم بذلك، لكن الجملة عن ضمان خلوّ الطائرات من المدنيّين كانت لفتة بروباغندا
نعهدها في السرديّات الصحافيّة الصهيونيّة، غرباً وشرقاً. (كان العدوّ في سنوات الحرب
الأهليّة، وخصوصاً في عام ١٩٨٢، يقصف مباني آهلة بالسكّان عن بكرة أبيها، لكن «صوت
لبنان» وأجهزة الدعاية الإسرائيليّة كانت تزعم أن تحذيرات إسرائيليّة للسكّان كانت تسبق
التفجير. أنا شاهد في أول أيّام الغزو الإسرائيلي في حزيران ١٩٨٢ على تفجير مبنى كامل في
حيّ المزرعة —ملاصق لشقتنا السكنيّة—بواسطة قنابل فراغية مُلقاة من الجو، ولم يسبق

12

القصف أيّ تحذير للسكّان. سُحقَ كل من كان في المبنى بين الطوابق، والقنبلة تتفجر مرتيْن كي
يُطبِق المبنى فوق رؤوس ساكنيه). هذا الوصف العرضي لتفجير طائرات مدنيّة في مطار
بيروت يذكّرنا بالحديث الدائر (من قبل أتباع حكومات الخليج وإسرائيل) حول ضرورة حصريّة
السلاح. لم يسرح العدوّ ويمرح في ربوعنا كما فعل في زمن حصريّة السلاح. وتفجير
الطائرات في مطار بيروت جرى عندما كان إسكندر غانم قائد منطقة بيروت في الجيش
اللبناني. تبلّغ غانم تحذيراً قبل العمليّة وطُلبَ منه حماية الطائرات ولم يفعل شيئاً. كافأ سليمان
فرنجيّة غانم على فعلته بتعيينه قائداً للجيش اللبناني وهو الذي تجاهل الغارة على شارع فردان
والتي أودت بحياة العشرات من قادة المقاومة ومقاتلين ومدنيّين. غانم هذا كان قد أقام علاقات
مع ضبّاط إسرائيليّين عندما كلّفته حكومة لبنان بالتفاوض مع إسرائيليّين حول خطوط الهدنة بعد
النكبة مباشرةً.
وفي عمليّة أخرى أثناء خدمته في الجيش الإسرائيلي يقول نتنياهو: «فريقي وأنا هبطنا
بالهليكوبتر في الليل في دولة عربيّة». لا تحتاج إلى التمحيص في الخريطة كثيراً كي تدرك أن
العمليّة كانت في البلد المُباح لبنان، المتُمتّع آنذاك بحصريّة السلاح الذي يصرّ عليه ماكس فيبر
كما فؤاد السنيورة كما اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. وبصورة عابرة، يكرّر نتنياهو الوصف
«عندما دخلنا لبنان». وهل هناك شكّ أنه لولا سلاح المقاومة الرادِع اليوم، لكان جيش العدوّ
«يدخل» لبنان أسبوعيّاً وينصّب رؤساء حكومات وجمهوريّة ووزراء؟ ويتحدّث عن عمليّة
أخرى في الأراضي السوريّة. لم يكن العدوّ يحترم الحدود التي لم يستحقّها يوماً، لكن مجرّد
عمليّة خطف لجنود العدوّ في ٢٠٠٦ للمبادلة مع معتقلين عرب أثارت غضب حكومات الغرب
وأعوان إسرائيل في لبنان. ووصف نتنياهو لبطولاته العسكريّة يذكّر بوصف المقاتل الكتائبي،
مارون مشعلاني ببطولاته الخارقة في كتابه «صليب الحرب: من غياهب الظلمات إلى النور
السماوي». ليس من عمليّة كُلِّف بها نتنياهو إلا وقام بها خير قيام وتفوّق وجلّ، مع أن قائده في
تلك الفترة، إيهود باراك، قال إنه لم يكن كما يصف نفسه بالنسبة إلى المهارة والشجاعة
والقدرات.
ونتنياهو خبير بالعلاقات الأميركيّة-الإسرائيليّة ويستطيع أن يحدّد بدقّة طبيعة وأسباب الثقة
الإسرائيليّة بالتغطية السياسيّة الأميركيّة لعدوان إسرائيل. يقول مثلاً: «على إسرائيل أن تضع
أمنها أولاً، وعند الضرورة عليها أن تضرب مسبقاً. أما التحالف مع أميركا فهو يعتني بنفسه.
معظم الأميركيّين، بمن فيهم الرؤساء، يفهمون أنه عندما “تحزّ المحزوزيّة” فإن على إسرائيل
أن تقوم بما تراه ضرورياً للدفاع عن نفسها. وفوق ذلك، الجميع يحب الرابحين، والضرب
الاستباقي يعطيك أفضليّة». ما يقوله نتنياهو صحيح، وهذا ما شاب السلوك العسكري العربي
منذ النكبة. لقد تجنّب العرب الضرب الاستباقي لأنهم—بمن فيهم جمال عبد الناصر
نفسه—وثقوا بالوعود الأميركيّة الكاذبة وظنّوا أن أميركا ستعاقب الضارب أولاً ولو كانت
إسرائيل. إن المقاومة اللبنانيّة الحاليّة نالت حظوة عسكرية في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي
لأنها فهمت ضرورة الضرب الاستباقي.
تلاحظ الكثير عن أسلوب عمل جيش العدوّ من تجربة نتنياهو العسكريّة وتجربة أخيه
ويجزم نتنياهو بأقواله كأنه مؤرّخ. يقطع أن الشعب الفلسطيني لم يبلور وعياً قومياً قبل النصف
الأوّل من القرن العشرين. لكن رشيد خالدي بحث الأمر ووثّقه في كتابه «الهويّة الفلسطينيّة:
بناء وعي قومي حديث». وحتى المؤرّخ الإسرائيلي المُنحاز، يهوشوفاه بورات، في كتابيْه عن
الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة يرصد جذورها في زمنٍ يسبق القرن العشرين. ومفهوم «جند
فلسطين» الكياني عند العرب سبق مرحلة الحركة الصهيونيّة لأن الصهاينة يرفضون رؤية
القوميّة الفلسطينيّة إلا كردّة فعل ضد الصهيونيّة. لكن الموضوع لا يهمّ: من حق الشعب
الفلسطيني رفض الغزو الصهيوني بصرف النظر عن حالة الوعي القومي أو الهويّة. كما أن

13

الوعي القومي العربي عند الشعب الفلسطيني لم يتضارب مع الوعي الوطني الفلسطيني: ليست
كل الأقطار العربيّة مثل لبنان حيث زُرعت فيه هويّة فينيقيّة شوفينيّة في تضادّ مع الوعي
القومي العربي لسكّانه.
ويذكر نتنياهو الاتهامات التي لا تزال تطاله أنه تدخّل ويتدخّل في الشؤون الداخليّة الأميركيّة
وأنه ساهم في إنجاح الجمهوريّين في الانتخابات. يذكّر نتنياهو بأن إسحق رابين، عندما كان
سفيراً لبلاده، اتهم من قبل المؤرّخ الديموقراطي، أرثر شلسنجر، بالتدخّل لمصلحة ريتشارد
نيكسون. كتب شلسنجر: «لم يكن هناك من مبعوث أجنبي (قبل رابين) تدخّل بهذه الصفاقة في
السياسات الداخليّة الأميركيّة منذ الحادثة المؤسفة لساكفيل – وست في ١٨٨٨» (كان ساكفيل
وست دبلوماسياً بريطانيّاً وكتب رسالة في حمأة انتخابات رئاسيّة اعتُبرت تدخلاً في الشؤون
الأميركيّة).
ويتعلّم القارئ العربي الكثير عن طبيعة العمل الصهيوني في الساحة الأميركيّة من خلال نشاط
والد نتنياهو الذي كان نافذاً في الحركة اليمينيّة التي أسّسها فلاديمير جابوتنسكي، والتي ولّدت
في ما بعد «الليكود». المُذهل أن المواطن الأميركي العادي—ما لم يكن ثرياً—لا يستطيع
بسهولة الاجتماع بالمسؤولين الأميركيّين، على أي مستوى. هذا من المستحيلات لأن الثروة أو
الشهرة (وهما متلازمتان كما في حالة الفنانين في هوليوود) تفتح أبواب السلطة والنفوذ
للمواطن. لكن والد نتنياهو كان يجتمع بأي مسؤول أميركي يريد، ومن دون عناء يُذكر. حتى
اليوم في القرن الواحد والعشرين، لا يمكن لمواطن عربي أن يستطيع أن يجتمع بأرفع
المسؤولين الأميركيّين. بنزيون نتنياهو يعترض على سياسات الحكومة الأميركيّة بعد الحرب
العالميّة الثانية ويقرّر أنه يريد أن يغيّرها بنفسه. يطلب الاجتماع «لوي هندرسون». يصف
نتنياهو هندرسون، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجيّة لشؤون الشرق الأدنى، بـ«معاد
صلب للصهيونيّة». هندرسون هذا كان خبيراً في شؤون المعسكر الشيوعي، لكنه شغل مناصب
في إيران وتسلّم منصب مساعد الوزير لشؤون الشرق الأوسط (يمكن حول هندرسون مراجعة
كتاب باتريشا بوسورث، «كما يشتهي قلبك الصغير: قصة عائلة أميركيّة»). صحيح أن
هندرسون عارض قرار تقسيم فلسطين (هو فضّل ليس استقلال فلسطين بيد الأكثريّة العربيّة،
بل أراد وضعها تحت إدارة الأمم المتحدة. وكان هو مع وزير الخارجية، جورج مارشل، من
معارضي قرار الاعتراف الأميركي بإسرائيل في عهد ترومان، لكن الفريق الصهيوني فاز
نتيجة الضغوط من المنظمات اليهودية والحزب الديموقراطي). وهندرسون عارض قيام
إسرائيل ليس من منظور معارضة الصهيونية بحد ذاتها أو من منظور التعاطف مع شعب
فلسطين، وإنما من زاوية الحرص (الواقعي في نظريّات العلاقات الدوليّة) على المصالح
الأميركيّة وسمعة أميركا بين العرب. والد نتنياهو التقى هندرسون هذا، وتأثّر الأخير
بأطروحات بنزيون إلى درجة أنه اصطحبه على الفور للقاء وزير الخارجية بالوكالة، دين
أشيسون، والجنرال أيزنهاور في عام ١٩٤٧، وكان رئيس أركان الجيش. برواية نتنياهو، لو أن
جورج حبش استمع إلى أطروحات بنزيون نتنياهو الصهيونيّة لما تردّد في اعتناق الصهيونية
لشدّة قوته في الإقناع وسداد رأيه. كانت حجّة نتنياهو معروفة: إن إنشاء دولة إسرائيل سيساعد
المصالح الأميركيّة لأنه سيمنع السيطرة السوفياتية على الشرق الأوسط. استمتع أيزنهاور
بطرح نتنياهو، وخصوصاً لتوقّعه أن جيش إسرائيل سيكون الأقوى في المنطقة. سأله أيزنهاور
عن إمكانية ذلك نظراً إلى صغر حجم السكان اليهود. أجابه بنزيون: «أيها الجنرال. لقد شاهدتَ
في حربيْن عالميّتين كيف نحارب نحن اليهود لمصلحة الغير. تخيّل عندما نحارب من أجل
أنفسنا». عندها، طلب أيزنهاور من بنزيون أن يعيد طرح مقولاته أمام كل أركان الجيش
الأميركي. هذه الرواية هي بقلم ابن بنزيون، طبعاً.

14

اتفاق بين “الليكود” و”شاس” حول الانضمام لحكومة نتنياهو

توصل رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو إلى اتفاق مع حزب “شاس” اليميني
الديني لانضمامه إلى الحكومة المقبلة، بحسب إعلام رسمي الخميس.
ووفق هيئة البث الإسرائيلية (رسمية)، “تم الليلة الماضية التوصل إلى اتفاق بين حزبي الليكود
(يمين- برئاسة نتنياهو) وشاس”.
وأوضحت أن “الاتفاق ينص على إسناد وزارتي الداخلية والصحة إلى رئيس شاس أريه درعي
خلال النصف الأول من ولاية الحكومة الجديدة، على أن يتولى وزارة المالية في النصف
الثاني”.
وفي وقت سابق، توصل “الليكود” إلى اتفاق مع حزب “الصهيونية الدينية” اليميني المتشدد
يقضي بتولي زعيمه بتسلئيل سموتريتش وزارة المالية لمدة عامين.
وتابعت هيئة البث، أن الاتفاق “يقضي أيضا بتولي شاس حقيبتي الخدمات الدينية والرفاه والأمن
الاجتماعي”.
وسبق أن توصل “الليكود” إلى اتفاقيات ائتلافية مع أحزاب “الصهيونية الدينية” و”القوة
اليهودية” و”نوعام”، بينما لا يزال يتفاوض مع حزب “يهودوت هتوراه” اليميني الديني.
وتواجه المفاوضات مع “يهودوت هتوراه” صعوبات نظرا لوجود مسائل خلافية، بحسب هيئة
البث.
“الليكود” توصل إلى اتفاق مبدئي مع “يهودوت هتوراه” حول توزيع الحقائب الوزارية، لكن ما
يزال يتعين الاتفاق بشأن تشريعات يطالب بها الحزب الديني.
وداخليا، يحاول نتنياهو التوصل إلى تفاهمات مع قادة حزبه “الليكود” حول توزيع الحقائب
الوزارية عليهم.
وقالت هيئة البث، إن “الليكود يشهد نوعا من التوتر الداخلي بسبب خلافات حول توزيع
المناصب الوزارية”.
ومن أبرز الحقائب التي سيحصل عليها “الليكود” الدفاع والخارجية والعدل والبنى التحتية.
والإثنين، سينعقد الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي لانتخاب رئيس جديد له، وسط تقديرات
بانتخاب القيادي في “الليكود” دافيد أمسالم لهذا المنصب.
وتنتهي الأحد 11 ديسمبر/ كانون الأول الجاري المهلة القانونية التي منحها الرئيس الإسرائيلي
إسحاق هرتسوغ لنتنياهو من أجل تشكيل الحكومة.
لكن يمكن لنتنياهو أن يطلب من هرتسوغ تمديد المهلة 14 يوما إضافية في حال أثبت أنه حقق
تقدما في مفاوضات تشكيل الحكومة.
ويحتاج نتنياهو لحشد دعم ما لا يقل عن 61 نائبا من أصل 120 لتمرير حكومته في الكنيست،
وسط تحذيرات داخل إسرائيل وخارجها من توجهات يمينية متطرفة للحكومة المرتقبة لاسيما
تجاه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

15

اجماع على فرض الفوقية اليهودية،،،

مصطفى إبراهيم
يعتبر وزير (الدفاع) الإسرائيلي صاحب أهم وزارة في الحكومة بعد رئيس الوزراء، والذي
ستنقل جزء كبيرة من صلاحياته في الحكومة المقبلة وفقا لاتفاقيات الائتلاف بين حزب الليكود
وحزب الصهيونية الدينية الفاشي بزعامة بتسلئيل سموتريتش، الذي سيتم تعيينه وزيراً في
وزارة (الدفاع)، وسيتم تعديل القانون أساس الحكومة، سيتولى المسؤولية الكاملة عن مجالات
تشغيل (منسق عمليات حكومة الاحتلال في الضفة الغربية) والإدارة المدنية.
تمارس دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات احتلالها للضفة الغربية، عملية خداع ممنهج
وتضليل على المجتمع الدولي المتواطئ مع ممارسات الاحتلال وسياساته في الضفة الغربية
المحتلة ومصيرها. ومن خلال تلك الممارسات والاتفاقية التي تم توقيعها لم يعد مجال للشك
والذرائع الإسرائيلية أن الاعتبار الأمني هو الاعتبار الرئيسي في إدارة الضفة الغربية غير
صحيح وأن الهدف هو السيطرة على الضفة الغربية وفرض السيادة اليهودية عليها.
تشهد الساحة الإسرائيلية تخوفات مزعومة من تعيين زعيم حزب “قوة يهودية”، (عوتسما
يهوديت) الفاشي ايتمار بن جفير وبصلاحيات واسعة وزيراً للأمن القومي، وهو ما يمثل انتقالاً
بإسرائيل إلى دولة اليهود دون غيرهم، وندد سياسيون إسرائيليون بتعيين بن غفير، في منصب
أمني رفيع، واتهم وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، نتانياهو بأنه: يقيم جيشاً خاصاً لبن

16

غفير، بعد الاتفاق على نقل صلاحيات واسعة إليه، ومسؤوليته عن الشرطة وحرس الحدود
والحرم والاقتحامات اليومية، وأن هذا الاتفاق بأنه يشكل خطراً على أمن إسرائيل.
كما يتباكى ما يسمى اليسار والوسط بتعيين الفاشي رئيس حزب “نوعم” آفي ماعوز، مسؤولاً
لما تسمى هيئة “الهوية اليهودية”، ونقل وحدة وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن المناهج
الخارجية والشراكات إلى سيطرته، ما سيمنحه سلطة على الهيئات غير الرسمية التي يتم
تجنيدها للتدريس أو إلقاء المحاضرات في المدارس.
وثار غضب العلمانيين وما يسمى اليسار والوسط لأنهم خافوا من تعيين بن غفير وماعوز، ولم
يثير غضبهم تعيين سموترش وزيراً في وزارة الأمن، ونقل صلاحيات الإدارة المدنية، التي هي
هيئة عسكرية خاضعة لوزارة الدفاع ومسؤولة عن المصادقة على خطط البناء في المستوطنات
وهدم البيوت غير القانونية، والتي تعتبر إستراتيجية بالنسبة لحزبه، وما تعنيه من تنفيذ خطته
لتوسيع المستوطنات وضم الضفة الغربية.
هناك اجماع صهيوني على استمرار الاستيطان، ولا يعنيهم ممارسات دولة الاحتلال في الضفة
واستكمال المشروع الصهيوني، وطالما اعتبر اليهود أن مستوطنة آرييل وجميع المستوطنات
موجودة في إسرائيل. وهناك فجوة كبيرة في نظر أولئك للفلسطينيين وحقوقهم والوضع القانوني
والعملي بين المستوطنين والفلسطينيين، الذين يتم انتهاك حقوقهم كبشر والذين يعتبرون سكانًا
محميين بموجب القانون الدولي.
أولئك المحتجون من العلمانيين على تعيين ماعوز، وهم الذين عمقوا الاستيطان، وقدموا التبرير
الأيديولوجي تهجير الفلسطينيين وقتلهم والظلم المستمر، لا فرق بينهم وبين قادة الصهيونية
الدينية، الذي ساعدوها في النمو والصعود، ووضع إستراتيجية للتغلغل في الجيش والانخراط
في وسائل الإعلام، ومؤسسات الدولة والتعليم والاقتصاد، لتغيير الوعي والثقافة السياسية في
إسرائيل.
دولة الاحتلال العنصري تعتقد أنها المنتصر، وترى الفلسطينيين المهزومين أدنى منها.
والإصرار على إنكار الواقع قد ينجحون في ظل تواطؤ المجتمع الدولي والدور الذي يقوم به
من تضليل كبير، ويشكل الحماية والدعم لدولة الاحتلال، واستيلاء اليهود على الضفة الغربية
وقمع الفلسطينيين، ومحاولة اخضاعهم، وشطب أي امكانية لإقامة دولة فلسطينية. وانكار ما
يقوم به الفلسطينيون من التوجه للمحاكم الدولية، “محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية
الدولية”، وتعتبره يشكل ضررًا خطيرًا لإسرائيل.
مع انه سيتم استبدال قوانين الاحتلال بقوانين التفوق اليهودي، والموافقة على البناء اليهودي
غير القانوني، وتبييض الاستيطان والمستوطنات التي تسمى غير شرعية، وسيتم قمع
الفلسطينيين بقوةـ، وممارسة حقهم في الدفاع عن أنفسهم وحقهم في المقاومة.
في وقت أكدت فيه تقارير لمقررين خواص في الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق انسان دولية،
مثل منظمة العفو الدولية “أمنستي”، و”هيومن رايتس ووتش”، ومنظمة “بتسيلم” الإسرائيلية
على وصف إسرائيل كدولة فصل عنصري “أبارتهايد”، وترتكب جرائم فصل عنصري،
وتجمع بين الجريمتين ضد الإنسانية المتمثلتين في الفصل العنصري والاضطهاد. وتُدير نظام
تفوّق يهودي، في المنطقة الممتدّة بين النهر والبحر، وهي أراضي فلسطين التاريخية بين نهر
الأردن والبحر المتوسط، والضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة. > A A: والاجماع
الصهيوني اليهودي والاعتقاد السائد أنهم يستطيعوا اخضاع الفلسطينيين، وسوف يستسلموا
للواقع الجديد، قد يكون ذلك اختبار أخر حقيقي للفلسطينيين وخطر استمرار الانقسام، وأحوالهم

17

البائسة، والقمع والإرهاب ضدهم، لكن هذا لن يطول، فتجربة الفلسطينيين طويلة في مواجهة
ممارسات الاحتلال وسياساته، فهم عاشوا ويعيشوا سياسة القتل والهدم والنهب والترحيل.

إعادة قراءة كتاب “المقومات الاقتصادية لدولة فلسطينية مستقلة”

| رجا الخالدي
منذ العام 2009 ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) يعقد “محاضرة يوسف
صايغ التنموية”، إحياء لذكرى البروفيسور يوسف عبد الله صايغ (1916-2004) ودوره
الرائد في دراسات التنمية والتطوير للاقتصاد الفلسطيني. ويركز المعهد كل عام على موضوع
مهم ومرتبط بالوضع الاقتصادي الفلسطيني. وتتمحور محاضرة هذا العام التي قدمها
البروفيسور فضل مصطفى النقيب أستاذ الاقتصاد في جامعة واترلو- كندا يوم الأربعاء 30
تشرين الثاني 2022، حول “قراءة في حاضر ومستقبل التنمية الاقتصادية في المشرق
العربي”.
واظب المعهد بالتزامن مع عقد هذه المحاضرة على إعادة نشر بعض الدراسات، حيث نشر
سابقاً (“فلسطين وتجديد حياتها ” (1)، و”الخبز مع الكرامة”(2) ). والآن قرر المعهد أنه من
الضروري نشر هذه الدراسة النادرة* للبروفيسور يوسف صايغ، العائدة للعام 1990، دون
تعديل أو تحرير أو تدخل في نصوص المؤلِّف، وطباعتها للمرة الأولى في كتاب. قد يتساءل
البعض عن جدوى إعادة النشر أو صواب نشر نص لمؤلف راحل، في مرحلة تاريخية تختلف
فيها الأرقام والوقائع الاقتصادية والسياسية بشكل كبير، ما يجعل من الصعوبة قراءة نص

18

الصايغ في ظروف اليوم المأساوية. برأينا، يستحق عمل علمي ضخم مثل هذه الدراسة التي
تُبلوِر أول تصور فلسطيني رفيع المستوى لاقتصاد دولة فلسطينية مستقلة في أراضي1967،
تحت السيادة الفلسطينية غير المشروطة، أكثر من مجرد الاكتفاء بطباعته كما صيغ قبل ثلاثة
عقود، ليعرف به الناس.
لا يحتاج مفكر كيوسف صايغ لمن يقدم أعماله، خاصة وأنه يفعل ذلك بكل جدارة ووضوح في
مقدمة الدراسة، مفسراً السياق والمنهجية والدوافع والأهداف من البحث. وبالتالي، فضّلنا تفادي
محاولة تفسير، أو توضيح، أو تبرير هذه النقطة أو تلك. لكن، لا بد من تمهيد ما لجمهور القرن
الــ21 لتوضيح سياق إعداد الدراسة، ولإبراز مكامن قوة هذا العمل الذي لم يطّلع عليه حتى
الآن سوى عدد محدود من الخبراء، وكيف يجسد هذا الكتاب بشكل مكثف وجديد في حينه، كل
ما هو معروف سابقاً عن عظمة فكر يوسف صايغ، من مؤلفاته وإسهاماته الوفيرة في التنمية
الفلسطينية والعربية.
لذا، سأكتفي هنا بذكر بعض النقاط التي تميز هذه الدراسة عن غيرها من الدراسات التاريخية
حول الاقتصاد الفلسطيني، وتجعلها بحثاً مرجعياً حول تاريخ الفكر الاقتصادي الفلسطيني، لعل
ذلك يساعد القارئ على المطالعة حتى النهاية وتقدير هذا الجهد.
أولاً، نذكر أن هذه الدراسة هي نتاج جهد فلسطيني خالص، في مرحلة حرجة من تطور حركة
التحرر الوطني، أي في أعقاب إعلان استقلال دولة فلسطين العام 1988 وفي ذروة الانتفاضة
الأولى واجتياحها للمخيلة الفلسطينية حول ما قد يكون ممكنا تحقيقه من الأهداف الوطنية. أي
أنها تنطلق من تلك المرحلة وتعكس كل ما انطوت عليه من تفاؤل بعدالة وحتمية وقرب إقامة
الدولة المستقلة على أراضي فلسطين المحتلة العام 1967.
تعكس الدراسة (وأيضاً قرار منظمة التحرير بتكليف أهم اقتصادي فلسطيني في ذاك الوقت
بإعدادها) جدية القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة، قبل حرب الخليج وقبل مدريد وقبل انهيار
الانتفاضة، وقبل أوسلو وإفرازاتها الاقتصادية التي جاءت مناقضة لافتراضات وتصورات
وتوصيات الصايغ. إذاً، توفر هذه الدراسة نافذة فريدة من نوعها لفهم تطور العقيدة الاقتصادية
الفلسطينية تاريخياً.
كذلك، تمثل الافتراضات السياسية المعتمدة، بناء على برنامج م. ت. ف. السياسي، صورة دقيقة
للمواقف الفلسطينية الرسمية الملتزمة بالتسوية السلمية وحل الدولتين، وأيضاً التوقعات
لإنجازات سياسية ربما كان معقولاً تصورها من تونس عشية حرب الخليج، لكنها تبددت لاحقاً.
بالتالي، تضمنت الافتراضات السياسية التي استندت لها الدراسة لتخطيط شكل الاقتصاد الوطني
الفلسطيني، افتراضاً بالتوصل لحل سلمي يبدأ تنفيذه في 1992 مع مرحلة انتقالية تنتهي في
خمس سنوات بإقامة الدولة المستقلة وبسط سيادتها، وإخلاء المستوطنات، وعودة 250 ألف
لاجئ أو أكثر، ومساعدات واستثمارات دولية بـ12 مليار دولار، خلال الفترة.
لا نملك إلا التواضع أمام ما أنجزه يوسف صايغ في أقل من سنة، بين بيروت وتونس، في
تحليله (في الفصل الأول) لمفهوم “القابلية للحياة” لأية دولة، وبالذات لدولة ناشئة مثل فلسطين،
ثم (في الفصل الثاني) استعراض مفصل (جداً!) لما ابتدع تسميته بـ “المقومات” الضرورية
لنمو واستدامة تنمية هذا الاقتصاد، من بشرية وطبيعية وإنتاجية ورأسمالية، قبل إجراء تحليل
مقارن (الفصل الثالث والختامي) لواقع الاقتصاد الفلسطيني عشية المرحلة الانتقالية المفترضة،
مع الإطار النظري والبحثي لتقييمه السابق للمقومات، ناهيك عن لغته العربية الرصينة
والمبتدِعة في ترجمته الخاصة لعدد من المصطلحات الاقتصادية باللغة الإنجليزية التي لم يكن
لها مرادِفات مستخدَمة في العربية.

19

من جهة أخرى، نجد في هذا الكتاب أصداء الرحلة الفكرية للصايغ منذ تأسيسه كاقتصادي
تنموي درس الاقتصاديات العربية والريادة كمفهوم وظاهرة، مروراً بما كتبه عن التنمية
العربية، وصولاً إلى تركيزه على تنمية اقتصاد بلاده. تعكس هذه الدراسة العِبر التي استخلصها
من هذه المراحل في حياته العلمية والسياسية، ومراجعته واستيعابه ما يقارب 100 مرجع بحثي
وإحصائي وعلمي. لم يترك صايغ نظرية إلا وفحص جدواها هنا، ولم يفته رقم أو جدول
إحصائي حول الاقتصاد ما قبل التسعينيات، ولم ينس أن يمتحن بعض افتراضاته الاقتصادية
بمعادلات رياضية ونمذجة.
أخيراً وليس آخراً، يجب التذكير بأن يوسف صايغ معروف لإشرافه (أيضا لصالح دائرة
الشؤون الاقتصادية) على إعداد عشرات من الخبراء الفلسطينيين في “البرنامج العام لإنماء
الاقتصاد الوطني الفلسطيني 1994-1999″، الأضخم والأوسع والأعمق من هذه الدراسة التي
مهدت تماماً وبررت إعداد البرنامج العام اعتباراً من 1990. من الملفت أن هذه الدراسة
التأسيسية للبرنامج الإنمائي عُرضت، بحسب مذكرات صايغ (التي أعدتها زوجته العالمة
روزماري صايغ)، على مؤتمر في تونس في نيسان 1990، جمعت القيادة الفلسطينية مع 400
رجل أعمال وخبير اقتصادي فلسطيني. وحظيت باهتمام كبير منهم لما أظهرته من رؤية علمية
سياسية مقبولة لتنمية الاقتصاد الفلسطيني الوطني، لكنها لم تُنشر في حينه أو لاحقاً، لأسباب
ربما لها علاقة بالحالة السياسية والمالية المتأزمة في سياق اندلاع حرب الخليج في غضون
أشهر قليلة.
كان صايغ يرى، وبحق، أنه لا بد من إعداد هذه الدراسة لتثبيت الجدوى الاقتصادية لدولة
فلسطينية منسجمة مع البرنامج الوطني، ولدحض الدراسات العالمية الدارجة التي تربط مستقبل
الاقتصاد الفلسطيني حتماً بالإسرائيلي. هنا كان صايغ يرى تلك الجدوى في بناء القدرات الذاتية
المنتجة (أو “سد الفجوات في توفير المقومات”)، بالإضافة إلى إعادة الالتحام بالعمق الاقتصادي
العربي، والانفكاك عن سيطرة الاقتصاد الإسرائيلي. طبعا كَتَب التاريخ للاقتصاد الفلسطيني
مصيراً آخر، لم يتوقعه صايغ (أو المنظمة)، بل من المؤكد أنه ما كان ليقبل وضع خطة تنموية
لوطن ممزق في بقع جغرافية صغيرة منعزلة عن بعضها مع غياب السيادة على الموارد
الطبيعية والعزلة القسرية عن المحيط العربي، كما نتج عملياً عن الاتفاقيات التي وقعتها منظمة
التحرير مع إسرائيل.
لكل هذه الأسباب وغيرها، نعتقد أن كل باحث يهمه الوصول لفهم أعمق لتطور الفكر
الاقتصادي الفلسطيني والجدل المتواصل منذ عقود حول السياسات التنموية الأنسب، سيستفيد
من مراجعة هذه الدراسة، في جزئياتها أو كاملة، والاستمتاع قليلاً بتفاؤل ومهنية تلك المرحلة
الذهبية في العمل التنموي الفلسطيني المشترك.
*باحث في التنمية الاقتصادية الفلسطينية ومدير عام معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى